٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بنصرك عليهم {حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } بالبعث: أي لا يحملنّك على الخفة والطيش بترك الصبر: أي لا تتركنّه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ} لا يستعجلنك، أو لا يستفزنك، أو لا يستنزلنك. {لا يُوقِنُونَ} لا يؤمنون، أو لا يصدقون بالبعث والجزاء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [الآية: 60]. قال رويم: الصبر ترك الشكوى. قال أبو عثمان: من تحقق بما وعد الله الصابرين من جميل الثواب وحسن العطاء هان عليه الصبر على المكاره ولم يؤلمه المقام عليها. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت عباس بن عاصم يقول سمعت الجنيد - رحمة الله عليه - يقول: سمعت حارث المحاسبى - رحمة الله عليه - يقول: الصبر التهدف لسهام البلاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} سلىَّ نبيه عليه الصلاة والسّلام فى احتمال جفوة المعاندين والمخالفين وحثه على الصبر فى اداء الرسالة ومباشرة الشريعة التى شغلته عن المشاهدة القدم قال سبحانه فاصر فى العبودية فان اداء العبودية كشف الربوبية لك فان وعد الله بكشف الحجاب لك حق ويا عاقل ان اشد الصبر الصبر فى الحجاب ثم الصبر فى العتاب ثم الصبر فى كشف النقاب ثم الصبر فى الطاب ثم الصبر فى القربات ثم الصبر فى المداناة ثم الصبر فى الوصلات ثم الصبر فى لطف الانس ثم الصبر فى سطوة القدس ثم الصبر فى الانبساط ثم الصبر فى العربدة ثم الصبر فى الاتصاف ثم الصبر فى الاتحاد ثم الصبر فى السكر ثم الصبر فى الغيبة عن الحق ثم الصبر فى رؤية نفسه بعد غيبة الحق ثم الصبر فى علبة الانائية وهذا اشد جميع الصبر والاصطبار ولا يعرف هذه المقامات فى الصبر الا ذو كمال من العارفين وقال رويم الصبر ترك الشكوى وقال المحاسبى الصبر التهدف بسهام البلاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاصبر} يا محمد على اذاهم قولا وفعلا {ان وعد الله} بنصرتك واظهار دينك {حق} لا بد من انجازه والوفاء به [نكه داريد وقت كارهارا كه هركارى بوقتى بازيسته است] {ولا يستخفنك} اى لا يحملنك على الخفة والقلق جزعا. قال فى المفردات لا يزعجنك ولا يزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه {الذين لا يوقنون} الايقان [بى كمان شدن] واليقين اخذ من اليقين وهو الماء الصافى كما فى كشف الاسرار اى لا يوقنون بالايات بتكذيبهم اياها واذاهم باباطيلهم التى من جملتها قولهم ان انتم الا مبطلون فانهم شاكون ضالون ولا يستبدع منهم امثال ذلك فظاهر النظم الكريم وان كان نهيا للكفرة عن استخافة عليه السلام لكنه فى الحقيقة نهى له عن التأثر من استخفافهم على طريق الكناية حديث : ـ روى ـ انه لما مات ابو طالب عم النبى عليه السلام بالغ قريش فى الاذى حتى ان بعض سفهائهم نثر على رأسه الشريفة التراب فدخل عليه السلام بيته والتراب على رأسه فقام اليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكى ورسول الله عليه السلام يقول لها "لا تبكى يا بنية فان الله مانع اباك" تفسير : وكذا اوذى الاصحاب كلهم فصبروا وظفروا وظفروا بالمراد فكانت الدولة لهم دينا ودنيا وآخره: قال الحافظ شعر : دلادر عاشقى ثابت قدم باش كه دراين ره نباشد كار بى اجر تفسير : وفى التأويلات النجمية وبقوله {فاصبر} يشير الى الطالب الصادق فاصبرعلى مقاساة شدائد فطام النفس عن مألوفاتها تزكية لها وعلى مراقبة القلب عن التدنس بصفات النفس تصفية له وعلى معاونة الروح على بذل الوجود لنيل الجود تحلية له {ان وعد الله حق} فيما قال (ألا من طلبنى وجدنى) {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} يشير به الى استخفاف اهل البطالة واستجهالهم اهل الحق وطلبه وهم ليسوا اهل الايقان وان كانوا اهل الايمان التقليدى يعنى لا يقطعون عليك الطريق بطريق الاستهزاء والانكار كما هو عادة اهل الزمان يستخفون طالبى الحق وينظرون اليهم بنظر الحقارة ويزرونهم وينكرون عليهم فيما يفعلون من ترك الدنيا وتجردهم عن الاهالى والاولاد والاقارب وذلك لانهم لا يوقنون بوجوب طلب الحق تعالى ويجب على طالبى الحق اولا التجريد لقوله تعالى {ان من ازواجكم واولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وبعد تجريد الظاهر يجب عليهم التفريد وهو قطع تعلق القلب من سعادة الدارين وبهذين القدمين وصل من وصل الى مقام التوحيد كما قال بعضهم خطوتان وقد وصلت قال الشيخ العطار قدس سره شعر : مكرسنك وكلوخى بود درراه بدريايى در افتادند ناكاه بزارى سنك كفتا غرقة كشتم كنون باقعر كويم سر كذشتم وليكن آن كلوخ ازخود فناشد ندانم تاكجا رفت وكجاشد كلوخى بى زبان آواز برداشت شنود آن راز اوهركو خبر داشت كه ازمن در دو عالم تن نماندست وجودم يك سر سوزن نما ندست زمن نه جان ونه تن مى توان ديد همه درياست روشن مى توان ديد اكر همرنك دريا كردى امروز شوى دروى توهم درشب افروز وليكن تاتوخواهى بود خود را نخواهى بافت جانرا وخردرا تفسير : وفى المثنوى شعر : آن يكى نحوى بكشتى درنشست روبكشيتبان نهاد آن خود برست كفت هيج ازنحو خواندى كفت لا كفت نيم عمر توشد درفنا دل شكسته كشت كشتيبان زتاب ليك اندم كرد خاموش از جواب باد كشتى را بكردابى فكند كفت كشتيبان بآن نحوى بلند هيج دانى آشنا كردن بكو كفت نى از من توسباهى مجو كفت كل عمرت اى نحوى فناست زانكه كشتى غرق اين كردابهاست محومى بايد نه نحو اينجا بدان كر تومحوى بى خطر درآب ران آب دريا مرده را برسو نهد وربود زنده زدر يا كى رهد جون بمردى تو زاوصاف بشر بحر اسرارت نهد بر فرق سر تفسير : تم تفسير سورة الروم وما يتعلق بها من العلوم بعون الله ذى الامداد على كافة العباد يوم السبت السادس من شهر الله رجب المنتظم فى شهور سنة تسع ومائة والف من الهجرة
الجنابذي
تفسير : {فَٱصْبِرْ} يا محمّد (ص) على انكارهم ونسبتك الى الابطال، او فاصبر على انكارهم لخلافة خليفتك {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بنصرتك واظهار دينك على الاديان او بنصرة خليفتك واحقاق حقّه {حَقٌّ} لا يتغيّر {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} اى لا يحملنّك على الجهل ولا يصرفنّك عمّا انت عليه من الحقّ.
اطفيش
تفسير : {فَاصْبِرْ} زعم بعض انه منسوخ بآية السيف. {إِنَّ وَعْدَ اللهِ} ينصرك عليهم واظهار دينك على الدين كله. {حَقٌّ} لا بد من انجازه. {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ} اي لا يحملنك على الخفة والطيش فتترك ما يأمرك به الله وقرأ يعقوب بالنون الخفيفة وقرأ ابن اسحاق قيل ويعقوب (ولا يستحقنك) بحاء مهملة وقاف اي لا يفتنك ويكونوا احق بك من المؤمنين. {الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} بالبعث والحساب اي لا لا يحملنك على القلوب والجزع مما يقولون ويفعلون فانهم شاكون ضالون ولا تعد ذلك منهم بدعا اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة أخز النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم.
اطفيش
تفسير : {فاصْبِر} عطف انشاء على اخبار، او اذا علمت حالهم وطبع الله على قلوبهم فاصبر على تكذيبهم {إنَّ وعْد الله} لك بالنصر عليهم دنيا واخرى باظهار الدين {حقٌّ} لا يتخلف {ولا يسْتخفنَّك} لا يحملك على الخفة والقلق بالاستعجال {الذين لا يوقنون} الذي ضعف ايمانهم، او المنافقون او لا يؤمنون كما قالوا: "أية : إن أنتم إلاَّ مُبْطلون" تفسير : [الروم: 58] واللفظ نهى للذين لا يوقنون، والمراد نهيه صلى الله عليه وسلم عن ان يؤثر فيه استخفافهم تعبيرا بالسبب عن المسبب، فان استخفافهم سبب لتأثره به حاشاه، او من اللازم بالملزوم، روى البيهقى والحاكم وغيرهما ان رجلا من الصفرية نادى عليا فى صلاة الفجر وقال: "أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين" تفسير : [الزمر: 65] فأجابه من الصلاة {فاصبر إنَّ وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} وذلك ان الصفرية لعنهم الله يقولون: ان الذنب مطلقا او الكبيرة اشراك، واخطأوا فى ذلك، ولا يصح ان يجيبهم من الصلاة، وان صح فنسيان، وانما اجابهم بآية فى اهل الشرك، لانه ارد ظاهر الوعظ، او عموم لفظها او فسرها بمن ضعف ايمانه، او لان عنده من نسب موحدا الى اشراك مشرك، لا يسبى ولا يغنم، كما هو قول فى كتب الفقه.
الالوسي
تفسير : {فَٱصْبِرْ } أي إذا علمت حالهم وطبع الله تعالى على قلوبهم فاصبر على مكارههم من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } وقد وعدك عز وجل بالنصرة وإظهار الدين وإعلاء كلمة الحق ولا بد من إنجازه والوفاء به لا محالة {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ } لا يحملنك على الخفة والقلق {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } بما تتلو عليهم من الآيات البينة بتكذيبهم إياها وإيذائهم لك بأباطيلهم التي من جملتها قولهم: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ }تفسير : [الروم: 58] فإنهم شاكون ضالون ولا يستبدع أمثال ذلك منهم، وقيل: أي لا يوقنون بأن وعد الله حق وهو كما ترى، والحمل وإن كان لغيره صلى الله عليه وسلم لكن النهي راجع إليه عليه الصلاة والسلام فهو من باب لا أرينك هٰهنا وقد مر تحقيقه فكأنه قيل: لا تخف لهم جزعاً، وفي الآية من إرشاده تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتعليمه سبحانه له كيف يتلقى المكاره بصدر رحيب ما لا يخفى. وقرأ ابن أبـي إسحٰق. ويعقوب {وَلاَ يستحقنك} بحاء مهملة وقاف من الاستحقاق، والمعنى لا يفتننك الذين لا يوقنون ويكونوا أحق بك من المؤمنين على أنه مجاز عن ذلك لأن من فتن أحداً استماله إليه حتى يكون أحق به من غيره، والنهي على هذه القراءة راجع إلى أمته عليه الصلاة والسلام دونه صلى الله عليه وسلم لمكان العصمة، وقد تقدم نظائر ذلك وما للعلماء من الكلام فيها. وقرأ الجمهور بتشديد النون وخففها ابن أبـي عبلة ويعقوب. ومن لطيف ما يروى ما أخرجه ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم والبيهقي في «سننه» عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رجلاً من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الزمر: 65] فأجابه كرم الله تعالى وجهه وهو في الصلاة {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} ولا بدع في هذا الجواب من باب مدينة العلم وأخي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}تفسير : [الروم: 1ـ3] إلى آخره، قيل: الألف إشارة إلى ألفة طبع المؤمنين واللام إلى لؤم طبع الكافرين والميم إلى مغفرة رب العالمين جل شأنه، والروم إشارة إلى القلب، وفارس المشار إليهم بالضمير النائب عن الفاعل إشارة إلى النفس، والمؤمنون إشارة إلى الروح والسر والعقل، ففي الآية إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة ويغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله تعالى ونصره سبحانه تارة أخرى وذلك في بعض سنين من أيام الطلب ويومئذ يفرح المؤمنون الروح والسر والعقل، وعلى هذا المنهاج سلك النيسابوري: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الروم: 7] فيه إشارة إلى حال المحجوبين ووقوفهم على ظواهر الأشياء، وما من شيء إلا له ظاهر وهو ما تدركه الحواس الظاهرة منه، وباطن وهو ما يدركه العقل بإحدى طرق الإدراك من وجوه الحكمة فيه، ومنه ما هو وراء طور العقل وهو ما يحصل بواسطة الفيض الإلهي وتهذيب النفس أتم تهذيب وهو وإن لم يكن من مستنبطات العقل إلا أن العقل يقبله، وليس معنى أنه ما وراء طور العقل أن العقل يحيله ولا يقبله كما يتوهم، ومما ذكرنا يعلم أن الباطن لا يجب أن يتوصل إليه بالظاهر بل قد يحصل لا بواسطته وذلك أعلى قدراً من حصوله بها، فقول من يقول: إنه لا يمكن الوصول إلى الباطن إلا بالعبور على الظاهر لا يخلو عن بحث {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ }تفسير : [الروم: 15] أي يسرون بالسماع في روضة الشهود وذلك غذاء أرواحهم ونعيمها، وأعلى أنواع السماع في هذه النشأة عند السادة الصوفية ما يكون من الحضرة الإلهية بالأرواح القدسية والأسماع الملكوتية، وهذه الأسماع لم يفارقها سماع {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] واشتهر عندهم السماع في سماع الأصوات الحسنة وسماع الأشياء المحركة لما غلب عليهم من الأحوال من الخوف والرجاء والحب والتعظيم وذلك كسماع القرآن والوعظ والدف والشبابة والأوتار والمزمار والحداء والنشيد وفي ذلك الممدوح والمذموم. وفي «قواعد عز الدين عبد العزيز بن عبد عبد السلام الكبرى» تفصيل الكلام في ذلك على أتم وجه، وسنذكر إن شاء الله تعالى قريباً ما يتعلق بذلك والله تعالى هو الموفق للصواب {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } تفسير : [الروم: 17] الخ فيه إشارة إلى أنه ينبغي استغراق الأوقات في تنزيه الله سبحانه والثناء عليه جل وعلا بما هو سبحانه وتعالى أهله فإن ذلك روضة هذه النشأة، وفي الأثر «إن حلق الذكر رياض الجنة» {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ }تفسير : [الروم: 19] فيه إشارة إلى أن الفرع لا يلزم أن يكون كأصله:شعر : إنما الورد من الشوك ولا ينبت النرجس إلا من بصل {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا }تفسير : [الروم: 21] فيه إشارة إلى أن الاشتراك في الجنسية من أسباب الألفة:شعر : إن الطيور على أشباهها تقع {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }تفسير : [الروم: 32] فيه إشارة إلى أنه عز وجل لم يكره أحداً على ما هو عليه إن حقاً وإن باطلاً، وإنما وقع التعاشق بين النفوس بحسب استعدادها وما هي عليه فأعطى سبحانه جلت قدرته كل عاشق معشوقه الذي هام به قلب استعداده وصار حبه ملء فؤاده وهذا / سر الفرح، وما ألطف ما قال قيس بن ذريح.شعر : تعلق روحي روحها قبل خلقنا ومن قبل ما كنا نطافا وفي المهد فزاد كما زدنا فأصبح نامياً وليس إذا متنا بمنفصم العقد ولكنه باق على كل حادث وزائرنا في ظلمة القبر واللحد {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ }تفسير : [الروم: 33] الآية فيها إشارة إلى أن طبيعة الإنسان ممزوجة من هداية الروح وإطاعتها ومن ضلال النفس وعصيانها، فالناس إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية وانكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت أرواحهم عن أسر ظلمة شهواتها رجعت أرواحهم إلى الحضرة ووافقتها النفوس على خلاف طباعها فدعوا ربهم منيبين إليه فإدا جاد سبحانه عليهم بكشف ما نالهم ونظر جل وعلا باللطف فيما أصابهم عاد منهم من تمرد إلى عادته المذمومة وطبيعته الدنية المشؤمة {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ }تفسير : [الروم: 41] الخ فيه إشارة إلى أن الشرور ليست مرادة لذاتها بل هي كبط الجرح وقطع الأصبع التي فيها آكلة {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] فيه إشارة لأهل الوراثة المحمدية أهل الإرشاد بأن يصبروا على مكاره المنكرين المحجوبين الذين لا يوقنون بصدق أحوالهم ولذا يستخفون بهم وينظرون إليهم بنظر الحقارة ويعيرونهم وينكرون عليهم فيما يقولون ويفعلون، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الموقنين وأن يحفظنا وأولادنا وإخواننا من الأمراض القلبية والقالبية بحرمة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
ابن عاشور
تفسير : الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر تفرع على جملة {أية : ولئن جِئْتَهم بآية}تفسير : [الروم: 58] لتضمنها تأييسه من إيمانهم. وحذف متعلق الأمر بالصبر لدلالة المقام عليه، أي اصبر على تعنتهم. وجملة {إن وعد الله حق} تعليل للأمر بالصبر وهو تأنيس للنبيءصلى الله عليه وسلم بتحقيق وعد الله من الانتقام من المكذبين ومن نصر الرسول عليه الصلاة والسلام. والحق: مصدر حَقّ يحِقّ بمعنى ثبت، فالحق: الثابت الذي لا ريب فيه ولا مبالغة. والاستخفاف: مبالغة في جعله خفيفاً فالسين والتاء للتقوية مثلها في نحو: استجاب واستمسك، وهو ضد الصبر. والمعنى: لا يحملُنّك على ترك الصبر. والخفة مستعارة لحالة الجزع وظهور آثار الغضب. وهي مثل القلق المستعار من اضطراب الشيء لأن آثار الجزع والغضب تشبه تقلقل الشيء الخفيف، فالشيء الخفيف يتقلقل بأدنى تحريك، وفي ضده يستعار الرسوخ والتثاقل. وشاعت هذه الاستعارات حتى ساوت الحقيقة في الاستعمال. ونهي الرسول عن أن يستخفه الذين لا يوقنون نهي عن الخفة التي من شأنها أن تحدث للعاقل إذا رأى عناد من هو يرشده إلى الصلاح، وذلك مما يستفز غضب الحليم، فالاستخفاف هنا هو أن يؤثروا في نفسه ضد الصبر، ويأتي قوله تعالى {أية : فاستَخَفّ قومَه فأطاعوه} تفسير : في سورة الزخرف (54)، فانظره إكمالاً لما هنا. وأسند الاستخفاف إليهم على طريقة المجاز العقلي لأنهم سببه بما يصدر من عنادهم. والذين لا يوقنون: هم المشركون الذين أجريت عليهم الصفات المتقدمة من الإجرام، والظلم، والكفر، وعدم العلم؛ فهو إظهار في مقام الإضمار للتصريح بمساويهم. قيل: كان منهم النضر بن الحارث. ومعنى {لا يوقنون} أنهم لا يوقنون بالأمور اليقينية، أي التي دلت عليها الدلائل القطعية فهم مكابرون.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}. قد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} تفسير : [الإسراء: 22] أن الله تعالى قد بين في بعض الآيات القرآنية أنه يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، بخطاب لا يريد به نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريد به التشريع. وبينا أن من أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى: مخاطباً له صلى الله عليه وسلم {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23] الآية، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل نزول إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما، بزمن طويل، فلا وجه البتة لاشتراط بلوغهما، أو بلوغ أحدهما الكبر عنده. بل المراد تشريع بر الوالدين لأمته، بخطابه صلى الله عليه وسلم. واعلم أن قول من يقول: إن الخطاب في قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} لمن يصح خطابه من المكلفين، وأنه كقول طرفه بن العبد: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً تفسير : خلاف الصواب. والدليل على ذلك قوله بعد ذكر المعطوفات على قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}، {أية : ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 39] الآية، ومعلوم أن قوله: {ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ} خطاب له صلى الله عليه وسلم كما ترى، وذكرنا هناك بعض الشواهد العربية على خطاب الإنسان، مع أن المراد بالخطاب في الحقيقة غيره. وبهذا تعلم أن مثل قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} وقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]، وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24]. وقوله: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} تفسير : [الإسراء: 22] يراد به التشريع لأمته لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من ذلك الكفر الذي نهى عنه. فائدة روي من غير وجه: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ناداه رجل من الخوارج في صلاة الفجر، فقال: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65]، فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60].
د. أسعد حومد
تفسير : (60) - فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَذَى هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وَلا تَلْتَفِتْ إلى تَكذِيبِهِم وَمُكَابَرَتِهِمْ، وبَلِّغْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، فَإِنَّهُ وَعَدَكَ النَّصْرَ والظَّفَرَ، وسَيُنْجِزُ لَكَ وَعْدَهُ، وَلا يَحْمِلَنَّكَ الذِين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ (لاَ يُوقِنُونَ) عَلى الخِفَّةِ والانْفِعَالِ، فَيَصْرِفُوكَ بذلِكَ عَمَّا أَمَرَكَ بهِ رَبُّكَ مِنْ إِبْلاَغِ رسَالاَتِهِ إِلى النَّاسِ. لاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ - لاَ يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اصبر على كرههم، واصبر على لَدَدهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولمن يؤمن بك، اصبر على هذا كله؛ لأن العاقبة في صالحك {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [الروم: 60]. وقد وعد الله رسله بالنصرة والغَلَبة، ووَعْد الله حق، فتأكد أن النصر آتٍ. لكن ما دام النصر آتياً، فلماذا هذا الصراع بين المؤمنين والكافرين؟ ولماذا كل هذه المشقة والعناء في سبيل الدعوة؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يُمحِّص أتباع محمد، وأن يُدرِّبهم على مسئولية حمل أمانة الدعوة وشعلة النور من بعد رسول الله، لا إلى أهل الجزيرة العربية وحدها، إنما إلى الكون كله. فلا بُدَّ أنْ يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد، والدليل على ذلك أنهم يُؤذَوْن ويُضطهدون فيصبرون، وهذه أهم صفة فيمن يُعدُّ لتحمُّل الأمانة. لذلك نقول: إذا رأيتَ منهجاً أو مبدأ يغدق على أصحابه أولاً، فاعلم أنه مبدأ باطل؛ لأن المبدأ الحق يضحي أهله من أجله بأنفسهم وبأموالهم، يعطونه قبل أنْ يأخذوا منه، لماذا؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن يجد مَنْ يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولاً واشترى ذممهم، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل، ويحمله على اتباعه؟ إذن: لا بد أن يقبض الثمن أولاً. أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مُؤجَّل للآخرة، فهو ممنَّى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها، فتهون عليه نفسه، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ. وفي رحلة الدعوة، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تَحْدثُ لرسول الله آية أو هزة تهزُّ الناس، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله. فالله يقول لنبيه: اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك، فنحن مُؤيدوك، ولن نتخلى عنك، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيَّتوا لك في الخفاء فانتصرتَ على تبييتهم، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم. إذن: فاطمئن، فنحن لهم بالمرصاد، ولن نُسْلِمك أبداً، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا، وتراه بعينك، أو في الآخرة بعد موتك: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قَتْل وأسْر وتشريد، وقلنا: إن عمر رضي الله عنه وما أدراك ما عمر، فقد كان القرآن ينزل على وَفْق رأيه، ومع ذلك لما نزلت: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] تعجب وقال: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم، ونحن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا، فلما كانت بدر، ورأى ما رأى قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. وقوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [الروم: 60] الوعد: هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن، وفَرْق بين الوعد بالخير من إنسان، والوعد من الله تعالى، فوَعْدكَ قد يختلف لأنك ابن أغيار، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه، أو تراه لا يستحق ... إلخ. إذن: الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدتَ. لذلك يعلمنا الحق سبحانه أنْ نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24] فاربط فِعْلك بمشيئة الله التي تُيسِّر لك الفعل، ولا ينبغي أنْ تجزم بشيء أنتَ لا تملك شيئاً من أسبابه. قلنا: هَبْ أنك قلتَ: سألقاك غداً في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلتَ هذه المقولة ووعدتَ هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أنْ يعيش صاحبك، وإنْ عِشْتُما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، إذَن: فقولك إنْ شاء الله يحميك أنْ تُوصف بالكذب في حالة عدم الوفاء؛ لأنك وعدتَ ولم يشأ الله، فلا دخلَ لك في الأمر. فالوعد الحق يأتي ممَّنْ؟ مِنَ الذي يملك كُلَّ أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع. وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] خف الشيء: لم يَعُدْ له ثِقَل، واستخفّ غيره: طلب منه أنْ يكون خفيفاً، فمثلاً حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفّه مثل استفزّه يعني: حرّكه وذبذبه من ثباته، فإنْ كان قاعداً مثلاً هَبَّ واقفاً. لذلك نقول في مثل هذه المواقف (خليك ثقيل .. فلان بيستفزك يعني: يريد أنْ يُخرجك عن حلمك وثباتك .. متبقاش خفيف .. إلخ) ونقول للولد (فِز) يعني قِفْ انهض، ومنه قوله تعالى {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ..} تفسير : [الإسراء: 64]. إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه. فالمعنى: إياك يا محمد أنْ يستفزّك القوم، أو يُخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووَعْد الله حَقٌّ. والحق سبحانه ساعة يُرخِي العنان لمن كفر به إنما يريد أنْ يُخرِج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة. والله يقول: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. ومن سيرة الإمام علي - رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه - علمنا أنه ابتُلِي بجماعتين: الخوارج الذين يُكفِّرونه، والشيعة الذين يُؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله: "حديث : هلك فيك اثنان: مُحب غالٍ، ومبغض قَالٍ ". تفسير : ويروى أنه - رضي الله عنه - كان يصلي يوماً الفجر بالناس، فلما قرأ: (ولا الضالين) اقترب منه أحد الخوارج وقرأ: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك. وسرعان ما فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] يعني: لن تُخرِجني عن ثباتي وحِلْمي ولن تستفزني. والعظمة في هذا الموقف أنْ يرد عليه لِتوِّه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولِمَ لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أُوتِي باعاً طويلاً في البلاغة والفصاحة والحجة. ومعنى: {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):