٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {الم}. {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }. وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر ما قبلها هو أن الله تعالى لما قال: { أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } تفسير : [الروم: 58] إشارة إلى كونه معجزة وقال: { أية : وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ } تفسير : [الروم: 58] إشارة إلى أنهم يكفرون بالآيات بين ذلك بقوله: {الم* تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } ولم يؤمنوا بها، وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله: { أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } تفسير : [لقمان: 7].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ } مضى الكلام في فواتح السُّوَر و«تِلْكَ» في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هذه تلك. ويقال: «تِيكَ آياتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ» بدلاً من تلك. والكتاب: القرآن. والحكيم: المحكم؛ أي لا خلل فيه ولا تناقض. وقيل ذو الحكمة وقيل الحاكم {هُدًى وَرَحْمَةً} بالنصب على الحال؛ مثل: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}تفسير : [الأعراف: 73] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي. وقرأ حمزة: «هُدًى وَرَحْمَةٌ» بالرفع، وهو من وجهين: أحدهما: على إضمار مبتدأ؛ لأنه أوّل آية. والآخر: أن يكون خبر «تِلْكَ». والمحسن: الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. وقيل: هم المحسنون في الدِّين وهو الإسلام؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} تفسير : [النساء: 125] الآية. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} في موضع الصفة، ويجوز الرفع على القطع بمعنى: هم الذين، والنصب بإضمار أعني. وقد مضى الكلام في هذه الآية والتي بعدها في «البقرة» وغيرها.
البيضاوي
تفسير : مكية إلا آية وهي {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} فإن وجوبهما بالمدنية وهو ضعيف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة وقيل إلا ثلاثاً من قوله {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} وهي أربع وثلاثون آية، وقيل ثلاث وثلاثون {بسم الله الرحمن الرحيم} {الم تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ} سبق بيانه في «يونس». {هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ} حالان من الآيات والعامل فيهما معنى الإِشارة، ورفعهما حمزة على الخبر بعد الخبر أو الخبر لمحذوف. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} بيان لإِحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها وتكرير الضمير للتوكيد ولما حيل بينه وبين خبره. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار بها والمضاحك وفضول الكلام، والإِضافة بمعنى من وهي تبينية إن أراد بالحديث المنكر وتبعيضية إن أراد به الأعم منه. وقيل نزلت في النضر بن الحارث اشترى كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشاً ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة. وقيل كان يشتري القيان ويحملهن على معاشرة من أراد الإِسلام ومنعه عنه. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دينه أو قراءة كتابه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بمعنى ليثبت على ضلاله ويزيد فيه. {بِغَيْرِ عِلْمٍ } بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن. {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} ويتخذ السبيل سخرية، وقد نصبه حمزة والكسائي ويعقوب وحفص عطفاً على {لِيُضِلَّ}. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} لإِهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً} متكبراً لا يعبأ بها. {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} مشابهاً حاله حال من لم يسمعها. {كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } مشابهاً من في أذنيه ثقل لا يقدر أن يسمع، والأولى حال من المستكن في {وَلِىُّ} أو في {مُسْتَكْبِراً}، والثانية بدل منها أو حال من المستكن في {لَّمْ يَسْمَعْهَا } ويجوز أن يكونا استئنافين، وقرأ نافع {فِى أُذُنَيْهِ}. {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أعلمه بأن العذاب يحيق به لا محالة وذكر البشارة على التهكم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلنَّعِيمِ } أي لهم نعيم الجنات فعكس للمبالغة. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حال من الضمير في {لَهُمْ} أو من {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } والعامل ما تعلق به اللام. {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا} مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لأن قوله {لَهُمْ جَنَّـٰتُ} وعد وليس كل وعد حقاً. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ}. الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده. {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته. {خَلقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} قد سبق في «الرعد». {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} جبالاً شوامخ. {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} كراهة أن تميد بكم، فإن تشابه أجزائها يقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ووضع معينين. {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} من كل صنف كثير المنفعة وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد وقررها بقوله: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} هذا الذي ذكر مخلوقه فماذا خلق آلهتكم حتى استحقوا مشاركته، و {مَاذَا } نصب بـ {خلقَ} أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا بصلته {فَأَرُونِى} معلق عنه. {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم.
ابن كثير
تفسير : تقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراؤوا به، ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكوراً، فمن فعل ذلك كذلك، فهو من الذين قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي: على بصيرة وبينة ومنهج واضح جلي، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {الم } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {الۤـمۤ * تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قد تقدم الكلام على أمثال فاتحة هذه السورة ومحلها من الإعراب مستوفى فلا نعيده، وبيان مرجع الإشارة أيضاً، و{ٱلْحَكِيمُ } إما أن يكون بمعنى مفعل، أو بمعنى فاعل، أو بمعنى ذي الحكمة أو الحكيم قائله، و{هُدًى وَرَحْمَةً } منصوبان على الحال على قراءة الجمهور. قال الزجاج: المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة، وقرأ حمزة: "ورحمة" بالرفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكونا خبر تلك. والمحسن: العامل للحسنات، أو من يعبد الله كأنه يراه كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح لما سأله جبريل عن الإحسان: فقال: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : ، ثم بين عمل المحسنين فقال: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } والموصول في محل جر على الوصف للمحسنين، أو في محل رفع، أو نصب على المدح أو القطع، وخص هذه العبادات الثلاث؛ لأنها عمدة العبادات {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } قد تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة، والمعنى هنا: أن أولئك المتصفين بالإحسان وفعل تلك الطاعات التي هي أمهات العبادات هم على طريقة الهدى، وهم الفائزون بمطالبهم الظافرون بخيري الدارين. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }: محل {ومن الناس} الرفع على الابتداء كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وخبره {من يشتري لهو الحديث}، و"من" إما موصولة أو موصوفة، و{لهو الحديث}: كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما هو منكر، والإضافة بيانية. وقيل: المراد: شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير: ومن يشتري أهل لهو الحديث. قال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء. وروي عنه أنه قال: هو الكفر والشرك. قال القرطبي: إن أولى ما قيل في هذا الباب هو: تفسير لهو الحديث بالغناء، قال: وهو قول الصحابة والتابعين، واللام في {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } للتعليل.قرأ الجمهور بضم الياء من {ليضل} أي ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد، وورش وابن أبي إسحاق بفتح الياء. أي ليضل هو في نفسه. قال الزجاج: من قرأ بضم الياء، فمعناه: ليضل غيره، فإذا أضل غيره فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة، فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيد هذا سبب نزول الآية وسيأتي. قال الطبري: قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري. قال القاضي أبو بكر بن العربي: يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شيء منها عليه حرام لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ قلت: قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به المحللون له والمحرمون له، وحققت هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها، وسميتها: [إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع] فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها. ومحل قوله: {بغير علم} النصب على الحال، أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه، أو بحال ما ينفع من التجارة، وما يضر، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } قرأ الجمهور برفع: "يتخذها" عطفاً على {يشتري} فهو من جملة الصلة. وقيل: الرفع على الاستئناف والضمير المنصوب في {يتخذها} يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها، والأول أولى. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش: {ويتخذها} بالنصب عطفاً على {يضل}، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل، فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم، والمعنى: أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزواً، أي مهزوءاً به، والسبيل يذكر ويؤنث، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلى من، والجمع باعتبار معناها، كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، والعذاب المهين: هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهيناً. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا } أي وإذا تتلى آيات القرآن على هذا المستهزىء {وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } أي أعرض عنها حال كونه مبالغاً في التكبر، وجملة: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } في محل نصب على الحال، أي كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها، ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع، وجملة: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً } حال ثانية، أو بدل من التي قبلها، أو حال من ضمير يسمعها، ويجوز أن تكون مستأنفة. والوقر: الثقل، وقد تقدم بيانه، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي أخبره بأن له العذاب البليغ في الألم، ثم لما بيّن سبحانه حال من يعرض عن الآيات بيّن حال من يقبل عليها، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها {لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلنَّعِيمِ } أي: نعيم الجنات فعكسه للمبالغة، جعل لهم جنات النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين، وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الحال. وقرأ زيد بن علي: "خالدون فيها" على أنه خبر ثان لأن {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } هما مصدران الأول مؤكد لنفسه، أي وعد الله وعداً. والثاني مؤكد لغيره، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره: حق ذلك حقاً. والمعنى: أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغلبه غالب {ٱلْحَكِيمُ } في كل أفعاله وأقواله. ثم بيّن سبحانه عزته وحكمته بقوله: {خلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } العمد: جمع عماد، وقد تقدم الكلام فيه في سورة الرعد. و{ترونها} في محل جرّ صفة لـ {عمد} فيمكن أن تكون ثمّ عمد، ولكن لا ترى. ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال، أي ولا عمد ألبتة. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفاً، أي ولا عمد ثم {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ } أي جبالاً ثوابت {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } في محل نصب على العلة، أي كراهة أن تميد بكم. والكوفيون يقدّرونه: لئلا تميد، والمعنى: أنها خلقها وجعلها مستقرّة ثابتة لا تتحرّك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } أي من كلّ نوع من أنواع الدوابّ، وقد تقدّم بيان معنى البثّ {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } أي أنزلنا من السماء مطراً فأنبتنا فيها بسبب إنزاله من كلّ زوج، أي من كل صنف، ووصفه بكونه كريماً؛ لحسن لونه وكثرة منافعه. وقيل: إن المراد بذلك: الناس، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة، واللئيم من يصير إلى النار. قاله الشعبي، وغيره، والأوّل أولى. والإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى ما ذكر في خلق السمٰوات والأرض، وهو مبتدأ وخبره {خَلْقُ ٱللَّهُ } أي مخلوقه {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } من آلهتكم التي تعبدونها، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى: فأروني أيّ شيء خلقوا مما يحاكي خلق الله أو يقاربه، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت. ثم أضرب عن تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال: {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي ضَلَـٰلٍ } فقرّر ظلمهم أوّلاً وضلالهم ثانياً، ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى الحق. وقد أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } يعني: باطل الحديث. وهو النضر بن الحارث بن علقمة اشترى أحاديث الأعاجم وصنيعهم في دهرهم. وكان يكتب الكتب من الحيرة إلى الشام ويكذب بالقرآن. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عنه في الآية قال: باطل الحديث وهو: الغناء ونحوه {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: قراءة القرآن وذكر الله، نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في السنن عنه أيضاً في الآية قال: هو الغناء وأشباهه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: الجواري الضاريات. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود عن قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } قال: هو والله الغناء. ولفظ ابن جرير: هو الغناء، والله الذي لا إلٰه إلاّ هو، يردّدها ثلاث مرات. وأخرج سعيد ابن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهنّ، ولا خير في تجارة فيهنّ وثمنهنّ حرام» تفسير : في مثل هذا أنزلت هذه الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } الآية، وفي إسناده عبيد بن زحر عن عليّ بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن وفيهم ضعف. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله حرّم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها»تفسير : ، ثم قرأ {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في السنن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل» تفسير : وروياه عنه موقوفاً. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما رفع أحد صوته بغناء إلاّ بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك»تفسير : . وفي الباب أحاديث في كل حديث منها مقال. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } قال: الرجل يشتري جارية تغنيه ليلاً ونهاراً. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }: «حديث : إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر في طريق، فسمع زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع، أتسمع؟ قلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه. وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان».
الماوردي
تفسير : قوله: {الم. تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: المحكم أَحكمت آياته بالحلال والحرام والأحكام. قاله يحيى بن سلام. الثاني: المتقن لا يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو قريب من المعنى الأول، قاله ابن شجرة. الثالث: البين أنه من عند الله، قاله الضحاك. الرابع: أنه يظهر من الحكمة بنفسه كما يظهره الحكيم بقوله، قاله ابن عيسى. قوله تعالى: {هُدًى} فيه وجهان: أحدهما: هدى من الضلالة، قاله الشعبي. الثاني: هدى إلى الجنة، قاله يحيى بن آدم. {وَرَحْمَةً} فيه وجهان: أحدهما: أن القرآن رحمة من العذاب لما في من الزجر عن استحقاقه وهو وجهان: أحدهما: أنه خرج مخرج النعت بأنه هدى ورحمة. الثاني: أنه خرج مخرج المدح بأن فيه هدى ورحمة. {لِلْمُحْسِنِينَ} وفي الإحسان ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الإيمان الذي يحسن به إلى نفسه، قاله ابن شجرة. الثاني: أنه الصلة والصلاة، قاله الحسن. الثالث: ما روى عمر بن الخطاب قال: بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: "حديث : أًن تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَتُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحبُ لِنَفْسِكَ" تفسير : قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: "حديث : نعم" تفسير : قال الرجل: صدقت. ثم انطلق الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عَلَيَّ بِالرَّجُلِ". تفسير : فطلبناه فلم نقدر عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهُ أَكْبَرُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيِهِ السَّلاَمُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَكُم أَمُورَ دِينِكُم ". تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على نور من ربهم، قاله ابن عباس. الثاني: على بينة، قاله ابن جبير. الثالث: على بيان، قاله يحيى بن سلام. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بمعنى السعداء، قاله يحيى بن سلام. الثاني: المنجحون، قاله ابن شجرة. الثالث: الناجحون، قاله النقاش. الرابع: أنهم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربواْ، قاله ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور وفي ترتيب {تلك} مع كل قول منها، و {الحكيم} يصح أن يكون من الحكمة ويصح أن يكون من الحكم، وقرأ جمهور القراء "هدى ورحمةً" بالنصب على الحال من المبهم، ولا يصح أن تكون من {الكتاب} لأنه مضاف إليه، وقرأ حمزة والكسائي "هدى ورحمةٌ" بالرفع على تقدير هو هدى، وخصصه {للمحسنين} من حيث لهم نفعه وهم نظروه بعين الحقيقة وإلا فهو هدى في نفسه، وفي قراءة ابن مسعود "هدى وبشرى للمؤمنين"، ثم وصف تعالى المحسنين بأنهم الذين عندهم اليقين بالبعث وبكل ما جاء به الرسول، وعندهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومن صفتهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإحسان قال: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" تفسير : الحديث. وقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} روي أنها نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد صلى الله عليه وسلم وسبه فنزلت الآية في ذلك، وقيل إنه ابن خطل وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : شراء المغنيات وبيعهن حرام" تفسير : وقرأ هذه الآية، وقال في هذا المعنى أنزلت علي هذه الآية، وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر ابن عبد الله ومجاهد، وقال الحسن {لهو الحديث} المعازف والغناء، وقال بعض الناس نزلت في النضر ابن الحارث لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد، وقال قتادة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل. قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن ترك ما يجب وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} تفسير : [البقرة: 16، 175]، وقد قال مطرف: شراء {لهو الحديث} استحبابه، قال قتادة ولعله لا ينفق فيه مالاً ولكن سماعه هو شراؤه، وقال الضحاك {لهو الحديث} الشرك، وقال مجاهد أيضاً {لِهو الحديث} الطبل وهذا ضرب من الغناء. قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو الحديث منضاف إلى كفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: {ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً}، والتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، و {لهو الحديث} كل ما يلهي من غناء وخنى ونحوه، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزواً ولا عليهم هذا الوعيد، بل ليعطل عبادة ويقطع زماناً بمكروه، وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم تتميم ذلك النقص بالأحاديث وقد جعلوا الحديث من القربى، وقيل لبعضهم أتمل الحديث؟ قال: إنما يمل العتيق. قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القديم المعاد، لأن الحديث من الأحاديث فيه الطرافة التي تمنع من الملل، وقرأ نافع وعاصم والحسن وجماعة "ليُضل" بضم الياء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها، وفي حرف أبيّ "ليضل الناس عن سبيل الله"، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "ويتخذَها" بالنصب عطفاً على {ليضل}، وقرأ الباقون "ويتخذُها" بالرفع عطفاً على {يشتري}، والضمير في {يتخذها} يحتمل أن يعود على {الكتاب} المذكور أولاً ويحتمل أن يعود على السبيل، ويحتمل أن يعود على الأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك {سبيل الله} اسم جنس ولكن وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل.
النسفي
تفسير : مكية وهي ثلاث أو أربع وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم {آلم تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } ذي الحكمة أو وصف بصفة الله عز وجل على الإسناد المجازي {هُدًى وَرَحْمَةً } حالان من الآيات والعامل معنى الإشارة في {تلك} حمزة بالرفع على أن {تلك} مبتدأ و {آيات الكتاب} خبره و {هدى} خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هي هدى ورحمة {لّلْمُحْسِنِينَ } للذين يعملون الحسنات المذكورة في قوله {ٱلدّينِ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } ونظيره قول أوس شعر : الألمعيّ الذي يظن بك الـ ـظــن كأن قد رأى وقد سمعا تفسير : أو للذين يعملون جميع ما يحسن. ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاثة لفضلها
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين} يعني الذين يعملون الحسنات، ثم ذكرهم فقال {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}. قوله تعالى {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية قيل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وكان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشاً ويقول إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن. فأنزل الله هذه الآية وقيل هو شراء القينات والمغنين، ومعنى الآية ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث؛ وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام"تفسير : وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت أخرجه الترمذي وهذا لفظه عن أبي أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام"تفسير : وفي مثل هذا نزلت {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية وعن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار" وقال مكحول من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه إن الله تعالى يقول: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية وعن أبي مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا لهو الحديث هو الغناء والآية نزلت فيه ومعنى تشتري يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وقال إبراهيم النخعي الغناء ينبت النفاق وقيل: هو كل لهو ولعب وقيل: هو الشرك {ليضل عن سبيل الله} يعني عن دين الإسلام وسماع القرآن {بغير علم} يعني يفعله عن جهل وحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق {ويتخذها هزواً} أي يتخذ آيات الله مزحاً {أولئك} يعني الذين هذه صفتهم {لهم عذاب مهين}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ورحمة} بالرفع. حمزة وأبو عون عن قنبل {ليضل} بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و{يتخذها} بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد {يا بني لا تشرك} بسكون الياء: البزي والقواس. وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله {يا بني أقم} الباقون: بكسر الياء. {مثقال} بالرفع: ابو جعفر ونافع {نصاعر} بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف. الآخرون. بالتشديد. الوقوف: {الم} ه كوفي {الحكيم} ه وقف لمن قرأ {ورحمة} بالرفع على تقدير هو هدى. ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في {تلك} فلا وقف {للمحسنين} ه لا {يوقنون} ه ط {المفلحون} ه {بغير علم} ط قد يوقف لمن قرأ {ويتخذها} بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على {ليضل} فهو معطوف على {يشتري} {هزواً} ط {مهين} ه {وقرأ} ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء {أليم} ه {النعيم} ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم {فيها} ط لأن التقدير وعد الله وعداً {حقاً} ط {الحكيم} ه {دابة} ه للعدول {كريم} ه {دونه} ط {مبين} ه {لله} ط {لنفسه} ج {حميد} ه {بالله} ط وقد يوقف على {لا تشرك} على جعل الباء للقسم وهو تكلف {عظيم} ه {بوالديه} ج لانقطاع النظم مع تعلق {أن اشكر} بـ {وصينا} {ولوالديك} ط {المصير} ه {معروفا} ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين {إلي} ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار {تعملون} ه {الله} ط {خبير} ه {أصابك} ط {الأمور} ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين {مرحاً} ط {فخور} ج لما ذكر {من صوتك} ه ط {الحمير} ه. التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة {أية : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}تفسير : [الزمر: 27] وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة. وتفسيره إلى {المفلحون} كما في أول البقرة. إلا قوله {تلك آيات الكتاب الحكيم} فإنه مذكور في أول "يونس". وحيث زاد ههنا {ورحمة} قال {للمحسنين} فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : ولقوله سبحانه {أية : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} تفسير : [النحل: 128] {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا {أية : يؤمنون بالغيب} تفسير : [البقرة: 3] لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد. ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر. وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور. قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. فعلى هذا معنى {ليضل} بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال. وقوله {بغير علم} متعلق بـ {يشتري} كقوله {أية : فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} تفسير : [البقرة: 16] أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره. ولا يبعد عندي تعلقه بقوله {ليضل} كما قال {أية : ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} تفسير : [النحل: 25] قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح. وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : "روِّحوا القلوب ساعة فساعة"تفسير : والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً} ومحل {كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً} نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير {مستكبراً} والثانية من {لم يسمعها} قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و {مستكبراً} حالاً من فاعل {ولى} أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر. وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله {كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً} اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة. وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله {أية : وإذا علم من آياتنا شيئاً} تفسير : [الجاثية: 9] والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره. وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله {إن الذين آمنوا} الآية. وقد مر مثله مراراً وفي قوله {وهو العزيز الحكيم} إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله. ثم بين عزته وحكمته بقوله {خلق السموات بغير عمد} وقد مر في أول "الرعد". وقوله {وألقى في الأرض} مذكور في أول "النحل" و {من كل زوج كريم} ذكر في أول الشعراء. هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها {خلق الله} أي مخلوقه {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وهم الآلهة بزعمهم. وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين. ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟ فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً. عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن. وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً. روي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود عليه السلام: بحق ما سميت حكيماً. روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا. ثم فسر الحكمة بقوله {أن اشكر لله} لأن إيتاء الحكمة في معنى القول. قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد. وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم. قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما. ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله سبحانه الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله. وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته. وقوله {حملته أمه وهناً} أي حال كونها تهن وهناً {على وهن} أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً. حديث : روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أباكتفسير : . وقوله {وفصاله في عامين} توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}تفسير : [البقرة: 233] وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق. ومعنى {معروفاً} صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع. وفي قوله {واتبع سبيل من أناب إليّ} إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة. واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله {حسناً} لأن قوله {أن اشكر} قام مقامه، وإنما قال ههنا {وإن جاهداك على أن تشرك} لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت {أية : لتشرك}تفسير : [العنكبوت: 8] موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار. وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله {فأنبئكم بما كنتم تعملون} أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله {يا بني إنها} أي القصة {إن تك} أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل. ومن قرأ {مثقال} بالرفع تعين أن يكون الضمير في {إنها} للقصة وتأنيث {تك} لإِضافة المثقال إلى الحبة. وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟ إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟ الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء. وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة. فأشار إلى الأول بقوله {مثقال من خردل} وإلى الثاني بقوله {فتكن في صخرة} وإلى الثالث بقوله {أو في السموات} وإلى الرابع بقوله {أو في الأرض} وقوله {يأت بها الله} أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به {إن الله لطيف} نافذ القدرة {خبير} ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله. وقوله {واصبر على ما اصابك} من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره {إن ذلك} المذكور {من عزم الأمور} أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران". وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال {ولا تصعِّر خدك للناس} يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه. والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين. ومعنى {ولا تمش في الأرض مرحاً} مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء. فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما. ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم. قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس. قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله {إنها إن تك مثقال حبة} أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله {واقصد في مشيك} وإلى التوسط في الأقوال بقوله {اغضض من صوتك} أو نقول: اشار بقوله {أقم الصلاة} إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله {وأمر} إلى قوله {مرحاً} إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله {واقصد} {واغضض} إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله تعالى أعلم. التأويل: {ويؤتون الزكاة} هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود {لهو الحديث} قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم. {وإذ قال لقمان} القلب {لابنه} السر المتولد من ازدواج الروح والقلب {وهو يعظه} أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا {في عامين} يريد فطامه عن مألوفات الدارين {وإن جاهداك} فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد. {واتبع سبيل من أناب إليّ} وهو الخفي. {إنها إن تك} يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها {لصوت الحمير} قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.
الثعالبي
تفسير : قوله عزَّ وجل: {الۤـمۤ * تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}: خصَّه للمحسنين من حيثُ لهم نفْعه، وإلا فهو هدًى في نفسه. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} رُوِيَ: أن الآيةَ نَزَلَتْ فِي شأن رجلٍ من قريش؛ اشترى جاريةً مغنيةً؛ لِتغنِّي له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه ابن خطل. وقيل: نَزَلَتْ في النضر بن الحارث وقيل غيرُ هذا والذي يترجح أن الآية نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ. مُضَافٍ إلى كُفْر؛ فلذلك اشتدت ألفاظ الآية، و{لهو الحديث} كل ما يُلهى من غناءٍ وخِناء. ونحوه، والآيةُ باقيةُ المعْنَى في الأَمة غَابِرَ الدهرِ؛ لكنْ ليسَ ليضلوا عن سبيل اللّه، ولا ليتخذوا آياتِ اللّه هزواً، ولا عليهم هذا الوعيد؛ بل ليعطلوا عبادةً، ويقطعوا زمناً بمكروه. قال ابن العربي في «أحكامه»: ورَوَى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن محمدِ بن المنكدرِ: أنَّ اللّه تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؛ أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول اللّه تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي؛ وأخبروهم أن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} تلك إشارة إلى غائب، والمعنى آيات القرآن (أي) آيات الكتاب الحكيم. والحكيم (قيل): فعيلٌ بمعنى مُفْعَل وهذا قليل. قالوا عَقَدْتُ اللَّبَنَ فَهُوَ عَقِيدٌ، (أو بمعنى فاعل) أو بمعنى ذي الحكمة أو أصله الحكيمُ قائِلُهُ (ثم) حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقَامَهُ وهو الضمير المجرُور، فانقلب مرفوعاً فاسْتَتَرَ في الصِّفة قاله الزمخشري، وهو حسن الصِّنَاعِة. قوله: "هَدىً وَرَحْمَةً" العامة على النصب على الحال من "آيات" والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل او المَدْح. وحمزةُ بالرفع على خبر مبتدأ مضمر وجوز بعضهم أن يكون "هدى" منصوباً على الحال رفع "رحمة". قال: ويكون رفعها على خبر ابتداء مضمر، (وجوز بعضهم أن يكونَ هُدىً) أي وهو رحمة وفيه بُعْدٌ. فصل قال في البقرة: ذَلِكَ الكِتَابُ، ولم يقل: "الحَكِيمُ" وههنا قال: "الحَكِيمُ"؛ لأنه لما زاد ذكرَ وصفٍ في الكتاب زاد ذكر أمر أحواله فقال هدى ورحمة وقال هناك: "هدى للمتقين"، فقوله: "هدى" (في مقابلة قوله: "الكتاب" وقوله: "ورحمة") مقابلة قوله "الحكيم" ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذو الحكمة كقوله تعالى: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 69] أي ذات رضا وقال هناك "لِلْمُتَّقِينَ" وقال هنا: "للمُحْسِنِينَ"؛ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئاً آخر قال: "لِلْمُتَّقِين" أي يهدى (به) من يتقي من الشرك والعناد، وههنا زاد قوله: "وَرَحْمَة" فقال: "لِلْمُحْسِنِينَ"؛ لأن رحمة الله قريبٌ من المحسنين وقال تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] فناسب زيادة قوله "وَرَحْمَة"، ولأن المحسن يتقي، (وزيادة). قوله: "الذين يقيمون" صفة أبو بدل أو بيان لما قبله، أو منصوب أو مرفوع على القطع وعلى كل تقدير فهو تفسير للإحسان. وسئل الأصمعي عن الألمعي فأنشد: شعر : 4049 - الأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِـكَ الظَّنْـــ ــنَ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَــا تفسير : يعني أن الألمعي هو الذي إذا ظن شيئاً كان كمن رآه وسمعه كذلك المحسنون هم الذين يفعلون هذه الطاعات ومثله وسئل بعضهم عن الهلوع فلم يزد أن تلا: "إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً". فصل قال في البقرة: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ}تفسير : [البقرة: 3] ولم يقل هنا: الذين يؤمنون بالغيب؛ لأن المتَّقِيَ هو التارك للكفر ويلزم منه أن يكون مؤمناً، والمؤمن هو الآتي بحقيقة الإيمان، ويلزمه أن لا يكونَ كافراً، فلما كان المتقي دالاً على المؤمن بالالتزام مدح بالإيمان هناك، ولما كان المحسن دالاً على الإيمان بالتنصيص لم يصرح بالإيمان. وتقدم الكلام على نظير قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} إلى قوله: "المُفْلِحُونَ". قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} لما بين أن القرآن كتابٌ حكيمٌ يشتملُ على آياتِ حكيمة بين حال الكفار أنهم يَترُكُون ذلك ويشتغلون بغيره. قال مقاتل والكلبي: نزلت في النَّضْرِ بْنِ الحَارِث كان يَتَّجرُ فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشاً ويقول: إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث "رُسْتم، واسفِنْديَار"، وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية، وقال مجاهد: يعني شراء القِيَانِ والمُغَنِّينَ، ووجه الكلام على هذا التأويل من يشتري ذاتَ او ذَا لَهْوِ الحَدِيث، قال عَليه (الصلاة و) السلام: "حديث : لا يحل (تعليم) المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام"تفسير : وفي مثل هذا نزلت الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وما من رَجُلٍ يرفع صوته بالغناء إلاَّ بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المَنْكِبِ والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى هو الذي يسكت قال النحويون قوله: "لَهْوَ الحديث" من باب الإضافة بمعنى "مِنْ"؛ لأن اللهو يكون حديثاً وغيرهَ فهو كباب، وهذا أبلغ من حذف المضاف. قوله: "لِيُضِلَّ" (قرأه ابن كثير وأبو عمرو) بفتح حرف المضارعة، والباقون بضمه لمن "أَضَلَّ غَيْرَهُ" فمفعوله محذوف، وهو مستلزم للضلال لأن من "أَضَلَّ" فقد "ضَلَّ" من غير عكس، وقد تقدم ذلك في إبراهيم. قال الزمخشري هنا: فإن قلت: القراءة بالرفع بينة لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: معنيان: أحدهما: ليثبت على ضلالة الذي كان عليه ولا يَصْدِفَ ويزيدَ فيه ويمده فإن المخذول كان شديد التمكّن في عداوة الدين وصد الناس عنه. الثاني: ان موضع "ليضل" (موضع) من قِبَلِ أنَّ من "أَضَلَّ" كان ضالاًّ لا محالة، فدل بالرَّدِيفِ على المَرْدُوفِ. فصل روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا: (لهو) الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه، ومعنى قوله: {مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وقال ابن جريح: هو الطبل، وقال الضحاك: وهو الشرك، وقال قتادة: حسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ. قوله: "بغير علم" حال أن يشتري بغير علم بأحوال التجارة حيث اشترى ما يخسر قيمة الدَّارَيْنِ. قوله: "وَيَتَّخِذَهَا" قرأ الأخوان وحفص بالنصب أي بنصب الذَّال عطفاً على "لِيُضِلَّ" وهو علة كالذي قبله. والباقون بالرفع عطفاً على "يَشْتَرِي" فهو صلة، وقيل: الرفع على الاستئناف من غير عطف على الصلة، والضمير المنصوب يعود على الآيات المتقدمة أو السبيل لأنه يُؤَنَّثُ، أو الأحاديث الدال عليها الحَدِيثُ لأنه اسم جنس. قوله: "أولَئِكَ لَهْمْ" حمل أولاً على لفظ "مَنْ" فأفرد (ثم) على معناها فجمع ثم على لفظها فأفرد في قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} وله نظائر تقدم التنبيه عليها في المائدة عند قوله: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 6]. قال أبو حيان: ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ غير هاتين الآيتين، قال شهاب الدين: ووجد غيرهما كما تقدم التنبيه عليه في المائدة. وقوله: "عَذَابٌ مُهِينٌ" أي دائم. قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً} أي يشتري الحديث الباطل، ويأتيه الحق الصُّرَاحُ مَجَّاناً فيعرض عليه. قوله: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} حال من فاعل "وَلَّى" أو من ضمير "مُسْتَكْبِراً" وقوله: {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} حال ثالثة أو بدل مما قبلها، أو حال من فاعل "يَسْمَعْهَا" أو تبيين لما قبلها، وجوز الزمخشري أن تكون جملة التنبيه استئنافيتين. معنى {كأن لم يسمعها} شغل المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام ويجعل نفسه كأنها غافلة، وقوله: {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} أدخل في الإعراض {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي مؤلم، ووصفه أولاً بأنه "مهين" وهو إشارة إلى الدوام فكأنه قال: "مُؤْلِم دَائم".
البقاعي
تفسير : ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور مناظراً في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل والتدبر: {بسم الله} الذي وسع رحمة وعلماً {الرحمن} الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر بريته {الرحيم *} الذي أنار لخاصته طريق جنته، فداموا وهاموا في محبته. لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: {آلم} مشيراً بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع أن الباطن - جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء مدى الأيام، فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة البعد في قوله: {تلك} أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل {آيات الكتاب} الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه في بديع حكمته، فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له أصل من عند الله. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه: {أية : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}تفسير : [الروم: 8] وقوله: {أية : أو لم يسيروا في الأرض} تفسير : [الروم: 9] وقوله: {أية : الله يبدؤا الخلق ثم يعيده}تفسير : [الروم: 11] وقوله: {أية : يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي}تفسير : [الروم: 19] إلى قوله: {أية : كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} تفسير : [الروم: 28] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: {أية : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} تفسير : [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: {الۤـمۤ تلك آيات الكتاب الحكيم} أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به، واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} - الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع بكل جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء، ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها، ثم قال سبحانه {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} - الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم، ثم تناسق الكلام وتناسج - انتهى. ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم من الإيمان بلقاء الله، منزهاً عن شوائب النقص، موصوفاً بأوصاف الكمال، معبوداً بما شرعه على وجه الإخلاص، والانقياد مع الدليل كيفما توجه، والدوران معه كيفما دار، وكان ذلك هو عين الحكمة، قال تعالى: {هدى} أي حال كونها أو كونه بياناً متقناً {ورحمة} أي حاملاً على القيام بكل ما دعا إليه، والتقدير على قراءة حمزة بالرفع: هي أو هو، وقال: {للمحسنين} إشارة إلى أن من حكمته أنه خاص في هذا الكمال وضعاً للشيء في محله بهذا الصنف، وهم الذين لزموا التقوى فأدتهم إلى الإحسان، وهو عبادته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها آخر، ثم وصفهم في سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بياناً لهم بما دعت إليه سورة الروم من كمال الإحسان في معاملة الحق والخلق اعتقاداً وعملاً فقال: {الذين يقيمون الصلاة} أي يجعلونها كأنها قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ما آمر بعد فيها وندب إليه، وتوقفت بوجه عليه، على سبيل التجديد في الأوقات المناسبة لها والاستمرار، ولم يدع إلى التعبير بالوصف كالمقيمين داع ليدل على الرسوخ لأن المحسن هو الراسخ في الدين رسوخاً جعله كأنه يرى المعبود ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس رات إلا معظم له بالحج فعلاً او قوة {ويؤتون الزكاة} أي كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه قوة أو فعلاً. ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان، وكان الإيمان بالبعث جامعاً لجميع أنواعه، وحاملاً على سائر وجوه الإحسان، وكان قد ختم الروم بالإعراض أصلاً عمن ليس فيه أهلية الإيقان، قال: {وهم} أي خاصة لكمالهم فيما دخلوا فيه من هذه المعاني {بالآخرة} التي تقدم أن المجرمين عنها غافلون {هم يوقنون} أي مؤمنون بها إيمان موقن فهم لا يفعل شيئاً الإيمان بها، ولا يغفل عنها طرفة عين، فهو في الذروة العليا من ذلك، فهو يعبد الله كأنه يراه، فآية البقرة بداية. وهذه نهاية.
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} يعني باطل الحديث. وهو النضر بن الحارث بن علقمة. اشترى أحاديث العجم وصنيعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام ويكذب بالقرآن، فأعرض عنه فلم يؤمن به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: شراؤه استحبابه. وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. وفي قوله {ويتخذها هزواً} قال: يستهزىء بها ويكذبها. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويتخذها هزواً} قال: سبيل الله يتخذ السبيل هزواً. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: باطل الحديث. وهو الغناء ونحوه {وليضل عن سبيل الله} قال: قراءة القرآن، وذكر الله. نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: أنزلت في النضر بن الحارث. اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام. في مثل هذا أنزلت هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ان الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها. ثم قرأ {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو الغناء وأشباهه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو شراء المغنية. وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: الجواري الضاربات. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو - والله - الغناء. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير عن شعيب بن يسار قال: سألت عكرمة رضي الله عنه عن {لهو الحديث} قال: هو الغناء. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو الغناء، وكل لعب ولهو. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم رضي الله عنه {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو الغناء وقال مجاهد رضي الله عنه: هو لهو الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: الغناء والباطل. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} في الغناء والمزامير. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإِيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع. وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كانوا يقولون: الغناء ينبت النفاق في القلب. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان، فقال: تغنه، فإن كان لا يحسن قال له: تمنه. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه سئل عن الغناء، فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك. قال السائل: احرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي. إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي قال: لعن المغني والمغنى له. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن فضيل بن عياض قال: الغناء رقية الزنا. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر الأموي عمر بن عبد الله قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مؤدب وِلْدِهِ: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه. أما بعد فإني اخترتك على علم مني لتأديب وِلْدِي، وصرفتهم إليك عن غيرك من مواليَّ وذوي الخاصة بي، فخذهم بالجفاء فهو أمكن لاقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وكثرة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم إن حضور المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بهما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، ولعمري ولتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذوي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به، وليفتح كل غلام منهم بجزئه من القرآن يثبت في قراءته، فإذا فرغ منه تناول قوسه وكنانته وخرج إلى الغرض حافياً، فرمى سبعة ارشاق ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول: يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل والسلام. وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن حفص المدني قال: أربع لا ينظر الله إليهن يوم القيامة. الساحرة. والنائحة. والمغنية. والمرأة مع المرأة. وقال: من أدرك ذلك الزمان فأولى به طول الحزن. وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: ما قدّست أمة فيها البربط. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خدش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: صوتان ملعونان. مزمار عند نغمة. ورنة عند مصيبة. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أخبث الكسب كسب الزمارة. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في طريق، فسمع زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ قلت: لا. فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر "حديث : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: في هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل ". تفسير : وأخرج الحاكم في الكنى عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} في الغناء والباطل والمزامير. وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً.
ابو السعود
تفسير : سورة لقمان مكية وقيل {إلا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} فإن وجوبهما في المدينة وهو ضعيف لأنه ينافي شرعيتهما بمكة. وقيل: إلا ثلاثاً من قوله {ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام} وهى أربع وثلاثون آية {الم تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} سلفَ بـيانُه في نظائرِه {ٱلْحَكِيمُ} أي ذي الحكمةِ لاشتماله عليها أو هو وصفٌ له بنعته تعالى أو أصلُه الحكيمُ منزلُه أو قائلُه فخُذفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليهِ مُقامَه فانقلبَ مرفُوعاً فاستكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ. وقيل الحكيمُ فعيلٌ بمعنى مُفْعَلٍ كما قالُوا أعقدتُ اللَّبنَ فهو عَقِيدٌ أي مُعْقَدٌ وهو قليلٌ وقيلَ بمعنى فاعلٍ {هُدًى وَرَحْمَةً} بالنَّصبِ على الحاليَّةِ من الآياتٍ والعاملُ فيهما معنى الإشارةِ. وقُرئا بالرَّفعِ على أنَّهما خبرانِ آخرانِ لاسمِ الإشارة أو لمبتدأ محذوف {لّلْمُحْسِنِينَ} أي العاملين للحسنات فإن أريد بها مشاهيرُها المعهودةُ في الدِّينِ فقولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} بـيانٌ لما عملوها من الحسناتِ على طريقةِ قولِه: [المنسرح] شعر : الأَلْمعيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّن كَأَنْ قَد رَأَى وقَدْ سَمِعا تفسير : وإنْ أُريد بها جميعُ الحسناتِ فهو تخصيصٌ لهذه الثلاثِ بالذكرِ من بـين سائر شُعبِها لإظهارِ فضلِها وإنافتِها على غيرِها، وتخصيصُ الوجهِ الأولِ بصورةِ كونِ الموصولِ صفةً للمحسنين والوجهِ الآخرِ بصورةِ كونِه مبتدأً مما لا وجَه له. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزون بكلِّ مطلوبٍ والنَّاجُون من كلِّ مهروبٍ لحيازتِهم قُطريْ العلمِ والعملِ وقد مرَّ فيه من المقالِ في مطلع سورةِ البقرةِ بما لا مزيدَ عليهِ. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} محله الرَّفعُ على الابتداءِ باعتبارِ مضمونِه أو بتقديرِ الموصوفِ. ومَن في قولِه تعالى: {مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} موصولةٌ أو موصوفةٌ محلُّها الرَّفعُ على الخبرَّيةِ والمعنى وبعضُ النَّاسِ، أو وبعضٌ مِن النَّاسِ الذي يشترِي أو فريقٌ يشتِري على أنَّ مناطَ الإفادةِ والمقصودَ بالأصالةِ هو اتِّصافُهم بما في حِّيزِ الصِّلةِ أو الصِّفةِ لا كونُهم ذواتَ أولئك المذكورينَ كما مرَّ في قولِه تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [سورة العنكبوت: الآية 10] الآياتِ ولهوُ الحديثِ ما يُلهى عمَّا يُعنى من المهمَّاتِ كالأحاديثِ التي لا أصلَ لها والأساطير التي لا اعتدادَ بها والمضاحكِ وسائرِ ما لا خيرَ فيه من فضُولِ الكلامِ. والإضافةُ بمعنى من التبـيـينيةِ إنْ أُريد بالحديثِ المنكرُ وبمعنى التبعيضيةِ إن أُريد به الأعمُّ مِن ذلكَ. وقيلَ نزلتِ الآيةُ في النَّضرِ بنِ الحارث اشترى كتبَ الأعاجمِ وكان يُحدِّثُ بها قُريشاً ويقولُ إنْ كان محمدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام يُحدِّثكم بحديثِ عادٍ وثمودٍ فأَنا أُحدِّثكم بحديثِ رُسْتُمَ واسفِنْدِيارَ والأكاسرةِ. وقيلَ كان يشترِي القيانَ ويحملهنَّ على مُعاشرةِ مَن أرادَ الإسلامَ ومنعِه عنْهُ {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي دينِه الحقِّ الموصِّلِ إليهِ تعالى أو عن قراءةِ كتابِه الهادِي إليه تعالى. وقُرىء ليَضلَّ بفتح الياء أي ليثبُتَ ويستمرَّ على ضلالِه أو ليزدادَ فيه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بحالِ ما يشتريِه أو بالتِّجارةِ حيثُ استبدلَ الشرَّ البَحتَ بالخيرِ المحضِ. {وَيَتَّخِذَهَا} بالنَّصبِ عطفاً على يُضلَّ. والضَّميرُ للسَّبـيلِ فإنَّه ممَّا يُذكِّرُ ويُؤنَّثُ وهو دينُ الإسلامِ أو القُرآنِ أي ويتخذَها {هُزُواً} مَهزُواً بهِ. وقُرىء ويتخذُها بالرَّفعِ عطفاً على يشترِي. وقولُه تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى مَن. والجمعُ باعتبارِ معناها كما أنَّ الإفرادَ في الفعلينِ باعتبارِ لفظِها، وما فيه منْ مَعنْى البُعد مع قُربِ العهدِ بذكرِ المُشارِ إليهِ للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الشَّرارةِ أي أولئكَ الموصُوفون بما ذُكر من الاشتراءِ للإضلالِ {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} لما اتَّصفُوا به من إهانتِهم الحقِّ بإيثارِ الباطلِ عليهِ وترغيبِ النَّاس فيه.
القشيري
تفسير : الألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلا لطفه وعطائه، والميم تشير إلى مجده وسنائه؛ فبآلائه يرفع الجَحْدَ عن قلوبِ أوليائه؛ وبلطفه وعطائه يثبت المحْبةَ في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغنٍ عن جميع خَلْقِه بوصف كبريائه. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ}: المحروس عن التغيير والتبديل.
البقلي
تفسير : {الۤـمۤ} الالف اشارة الى الفة العارفين واللام اشارة لطيف الى صنعه فى المستحسنين والميم اشارة الى معالم النوار محبته فى قلوب المحبين ثم لين زمام الخطاب الى الاشارة فى معنى الحروف بقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} اى هذه الرموز أيات الكتاب لتحكم المبيّن للطائف الحكم التى لا يدركها الا اهل الفهم الذين هداهم نوره الى ما كان فهي من الشرف والفضل والارشاد الى معدن الصفة وهم الذين وصفهم الله بالاحسان والهداية والمغفرة والعرفان بقوله {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} عزفهم حقائق مراد الله واوقعهم فى بحار مشاهدة الله قال ابن عطا فى قوله تلك أيات الكتاب الحكيم انوار الخطاب المحكم لك وعليك وقال شاه الكرمانى ثلثة من علامات الهدى الاسترجاع عن المصيبة والاستكافة عند النعمة ونفى الامتنان عند العظيمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم} اى هذه سورة الم قال بعضهم الحروف المقطعات مبادى السور ومفاتيح كنوز العبر. والاشارة ههنا بهذه الحروف الثلاثة الى قوله اناالله ولى جميع صفات الكمال ومنى الغفران والاحسان. وقال بعضهم الالف اشارة الى الفة العارفين واللام الى لطف صنعه مع المحسنين والميم الى معالم محبة قلوب المحبين. وقال بعضهم يشير بالالف الى آلائه وباللام الى لطفه وعطائه وبالميم الى مجده وثنائه فبآلائه رفع الجحد من قلوب الاولياء وبلطف عطائه اثبت المحبة فى اسرار اصفيائه وبمجده وثنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه شعر : مراورا رسد كبرياء ومنى كه ملكش قد يمست وذاتش غنى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هُدىً ورحمةً}: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هُدى. والموصول: نعت للمحسنين؛ تفسير لإحسانهم، و(هم): مبتدأ، و(يُوقنون): خبر. وتكريره الضمير؛ للتوكيد، ولِمَا حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: {الۤـم}؛ أيها المصطفى المقرب، {تلك} الآيات التي تتلوها هي {آياتُ الكتابِ الحكيم} أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أُحكمت آياته وأُتقنت، أو: المحكَم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه {هُدىً ورحمةً}؛ هادياً لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: {أية : إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ} تفسير : [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: {للمحسنين}، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان؛ لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم {الذين يقيمون الصلاة}؛ يتقنونها، {ويؤتون الزكاة} على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاءً ولا شكوراً، ولا لجلب نفع أو دفع شر، {وهم بالآخرة هم يوقنون}، كأنها نُصْبَ أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة؛ لفضلها؛ فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها؛ لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثاً، وتعالى الله عنه علواً كبيراً. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: {أولئك على هُدىً من ربهم} أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، {وأولئك هم المفلحون}، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: {الۤـم}، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجَحْدَ عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبةَ في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغنٍ عن جميع خَلْقِه بوصف كبريائه. هـ. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين؛ إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشَرْطُ المحْسِنِ أن يكون محسناً إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعِهم وعاصيهم. ثم قال: {الذين يُقيمون الصلاة}؛ يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها؛ من طهارة السَّرَّ عن العلائق، وسَتْرِ عورة الباطن، بتنقيته من العيوب؛ لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أرَدْتَ أن لا يرى اللهُ عيوبَك فاحْذَرْها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحدِّ الذي أُذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رَحِمَ الله مَن وقف عند حدِّه بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلُّل والاستكانة, ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بَنْفسِه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطْرِِ أو مكان {أولئك على هدى من ربهم}؛ وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسَلِموا ونَجوْا في العُقْبَى. هـ. ثم شفع بضلّهم فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي...}br>
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة {هدى ورحمة} رفعاً. الباقون نصباً. من رفع جعله خبر إبتداء محذوف، وتقديره هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكون بدلا من {تلك آيات} أي تلك هدى ورحمة، ومن نصب فعلى المصد وتقديره يهدي به هدى ويرحم به رحمة، ويجوز أن يكون على الحال، وتقديره هادياً أي في حال الهداية والرحمة - ذكره الزجاج - {للمحسنين} الذين يفعلون الافعال الحسنة من الطاعات ويتفضلون على غيرهم. وقد بينا أن اقوى الأقوال في معنى {الم} قول من قال هو اسم للسورة، وذكرنا ما في الأقوال في ما تقدم. قال الرماني: انما جعل اسم السورة على الاشتراك للمناسبة بينها وبين ما يتصل بها مع الفصل بالصفات وذلك انها استحقت بذكر الكتاب والمؤمنين به غير العادلين عنه، كما هو في البقرة. وقوله {تلك آيات الكتاب} اشارة إلى آيات الكتاب التي وعدهم الله بانزالها عليهم في الكتب الماضية، قال ابو عبيدة {تلك} بمعنى هذه و {آيات الكتاب} وإن كانت هي الكتاب فهو جائز، كما قال {أية : حق اليقين} تفسير : وكما قالوا: مسجد الجامع، وغير ذلك. وقد بيناه في ما مضى {الحكيم} من صفة الكتاب، فلذلك جره وإنما وصف الكتاب بأنه (حكيم) مع انه محكم لانه يظهر الحق والباطل بنفسه، كما يظهره الحكيم بقوله، ولذلك يقال: الحكمة تدعو إلى الاحسان وتصرف عن الاساءة. وقال ابو صالح: احكمت آياته بالحلال والحرام. وقال غيره: احكمت بأن اتقنت {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل}. تفسير : ثم قال هذا الكتاب {هدى ورحمة للمحسنين} أي دلالة موصلة لهم إلى الصواب وما يستحق به الثواب، ورحمة رحمهم الله بها وأضافه إلى المحسنين وإن كان هدى لغيرهم لما كانوا هم المنتفعين به دون غيرهم كما قال {أية : هدى للمتقين} تفسير : والاحسان النفع الذي يستحق به الحمد فكل محسن يستحق الحمد وكل مسيئ يستحق الذم، وما يفعله الفاعل على انه لا ظلم فيه لاحد لينقطع به عن قبيح في انه احسان فهو احسان يستحق عليه الحمد، لان الحكمة تدعو إلى فعله على هذا الوجه، ولا يدعو إلى ان يفعله للشهوة، ولا للهوى. ثم وصف المحسنين فقال {الذين يقيمون الصلاة} أي يديمون فعلها ويقومون بشرائطها واحكامها ويخرجون الزكاة الواجبة عليهم في أموالهم. وهم بالآخرة مع ذلك يوقنون، ولا يرتابون بها. ثم اخبر أن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الصفات {على هدى من ربهم} أى على حجة من ربهم {وأولئك هم المفلحون} الفائزون بثواب الله ورحمته.
الجنابذي
تفسير : قد مضى فى اوّل البقرة وفى غيرها ما فيه غنية عن تفسير تلك الآيات.
الأعقم
تفسير : {الم} قد بيّنا ما قالوا، وعن الحسن وأبي علي: إنه اسم للسورة، وقيل: مفتاح اسم الله عن ابن عباس، وذكر أنها إشارة إلى أن القرآن من هذه الحروف وأنتم تتكلمون بها ثم عجزتم عنها لتعلموا أنه معجزة {تلك آيات الكتاب} الذي وعدت به في التوراة، والكتاب القرآن {الحكيم} يعني المحكم ليس فيه ما ينقضه، وقيل: حكيم لأنه بين الحق من الباطل {هدى} أي دلالة {ورحمة} أي نعمة لأنه من عمل بما فيه نال الثواب الدائم {للمحسنين} أعمالهم {الذين يقيمون الصلاة} ويؤتون الزكاة أي يعطون حقوق أموالهم الواجبة {وهم بالآخرة} أي بالذات الآخرة يعني بالبعث والنشور والجزاء {يوقنون} لا يشكون فيه {أولئك على هدى من ربهم} أي على دين مستقيم يهديهم إلى الجنة {وأولئك هم المفلحون} الظافرون بالبغية والغرض وهو الثواب الدائم {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية نزلت في النضر بن الحارث اشترى كتاباً فيه أخبار الأعاجم وحدث بها قريشاً، وقيل: كان يحدثهم بحديث عاد وثمود، وقيل: النضر يوم بدر اشترى ذات لهو، وقيل: اشترى حديث الباطل بحديث الحق {ليضل عن سبيل الله} ليضل الناس عن الدين ويمنعهم من قراءة القرآن وذكر الله {بغير علم} أي بغير حجة {ويتخذها هزواً} الهاء كناية عن جميع ما تقدم عن ذكر الصلاة والزكاة {أولئك لهم عذاب مهين} مذلة {وإذا تتلى عليه آياتنا} قيل: القرآن {ولى مستكبراً كأن لم يسمعها} أي لم يقبلها {كأن في أذنيه وقراً} ثقلاً {فبشره بعذاب أليم} {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها} أي مؤبدون فيها لا يموتون ولا يخرجون {وعد الله حقاً} لا خلف فيه {وهو العزيز} القادر الذي لا يمتنع عليه شيء {الحكيم} في أفعاله.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤـمۤ} قد فسّرناه في أول سورة البقرة. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ} أي: المحكم، أحكمت آياته بالحلال والحرام والأحكام والأمر والنهي. قوله: {هُدىً} يهتدون به إلى الجنة {وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} أي: للمؤمنين {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي: الصلاة المفروضة {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: المفروضة {وَهُم بِالأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: لا يشكون أنها كائنة. {أُوْلَئِكَ} الذين هم صفتهم {عَلِى هُدىً مِّن رَّبِّهِمْ} أي: على بيان من ربهم {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء. قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهُوَ الحَدِيثِ} يعني الشرك، وهو قوله: (أية : اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى) تفسير : [البقرة: 16] أي: اختاروا الضلالة على الهدى في تفسير الحسن. وقال بعضهم: استحبوا الضلالة على الهدى. [وقال بعضهم: يختار باطل الحديث على القرآن]. قال: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن سبيل الهدى وهو سبيل الله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاه من الله بما هو عليه من الشرك. {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} أي: ويتخذ آيات الله، أي: القرآن هزؤاً. وتفسير الكلبي أنها نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار، وكان رجلاً راوية لأحاديث الجاهلية وأشعارهم. قال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: من الهوان، يعني جهنم.
اطفيش
تفسير : {الَمَ} مر تفسيره.
اطفيش
تفسير : اسناد الحكمة الى الكتاب مجاز عقلى، وحقيقته لله، وكان الى الكتاب، لانه من الله او المعنى الكتاب ذى الحكمة لاشتماله عليها، وكأنه تملكها، او هو كلابن وتامر، او الحكيم منزله، فحذف المضاف، وهو منزل فناب عنه المضاف فى الرفع، وهو الهاء فخلفها ضمير رفع، واستتر او بمعنى حاكم على المكلفين بما فيه، او شبه الكتاب بانسان حاكم، ولم يذكر المشبه به، ورمز اليه بلازمه، وهو الحكم، فذلك استعارة بالكناية.
الالوسي
تفسير : أي ذي الحكمة، ووصف الكتاب بذلك عند بعض المغاربة مجاز لأن الوصف بذلك للتملك وهو لا يملك الحكمة بل يشتمل عليها ويتضمنها فلأجل ذلك وصف بالحكيم بمعنى ذي الحكمة، واستظهر الطيبـي أنه على ذلك من الاستعارة المكنية. والحق أنه من باب {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ }تفسير : [الحاقة: 21] على حد لابن وتامر. نعم يجوز أن يكون هناك استعارة بالكناية أي الناطق بالحكمة كالحي، ويجوز أن يكون الحكيم من صفاته عز وجل ووصف الكتاب به من باب الإسناد المجازي فإنه منه سبحانه بدأ، وقد يوصف الشيء بصفة مبدئه كما في قول الأعشى:شعر : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها تفسير : وأن يكون الأصل الحكيم منزله أو قائله فحذف المضاف إلى الضمير المجرور وأقيم المضاف إليه مقامه / فانقلب مرفوعاً ثم استكن في الصفة المشبهة. وأن يكون {ٱلْحَكِيمُ } فعيلاً بمعنى مفعل كما قالوا: عقدت العسل فهو عقيد أي معقد وهذا قليل، وقيل: هو بمعنى حاكم، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في الكلام على نظيرها.
سيد قطب
تفسير : جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها. نزله الذي خلق هذه الفطرة، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها، ويعلم كيف يخاطبها، ويعرف مداخلها ومساربها. جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن، لأنها قائمة عليها أصلاً في تكوينها الأول.. تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح.. إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم؛ وتنحرف بها عن الطريق دفعات من الهوى والشهوة. هنا يجيء هذا القرآن ليخاطب الفطرة بمنطقها الذي تعرفه؛ ويعرض عليها الحقيقة التي غفلت عنها بالأسلوب الذي تألفه؛ ويقيم على أساس هذه الحقيقة منهاج الحياة كله، مستقيماً مع العقيدة، مستقيماً مع الفطرة، مستقيماً على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير.. وهذه السورة المكية نموذج من نماذج الطريقة القرآنية في مخاطبة القلب البشري. وهي تعالج قضية العقيدة في نفوس المشركين الذين انحرفوا عن تلك الحقيقة. إنها القضية التي تعالجها السور المكية في أساليب شتى، ومن زوايا منوعة، تتناول القلب البشري من جميع أقطاره؛ وتلمس جوانبه بشتى المؤثرات التي تخاطب الفطرة وتوقظها.. هذه القضية الواحدة ـ قضية العقيدة ـ تتلخص هنا في توحيد الخالق وعبادته وحده وشكر آلائه. وفي اليقين بالآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل. وفي اتباع ما أنزل الله والتخلي عما عداه من مألوفات ومعتقدات. والسورة تتولى عرض هذه القضية بطريقة تستدعي التدبر لإدراك الأسلوب القرآني العجيب في مخاطبة الفطر والقلوب. وكل داع إلى الله في حاجة إلى تدبر هذا الأسلوب. إنها تعرض هذه القضية في مجال العرض القرآني. وهو هذا الكون الكبير. سماؤه وأرضه. شمسه وقمره. نهاره وليله. أجواؤه وبحاره. أمواجه وأمطاره. نباته وأشجاره... وهذا المجال الكوني يتكرر في القرآن الكريم. فيحيل الكون كله مؤثرات ناطقة، وآيات مبثوثة عن الأيمان والشمائل، تخاطب القلوب البشرية وتؤثر فيها وتستحييها، وتأخذ عليها المسالك والدروب. ومع أن القضية واحدة ومجال العرض واحد، فإنها تعرض في السورة أربع مرات في أربع جولات، تطوف كل منها بالقلب البشري في ذلك المجال الفسيح، مستصحبة في كل مرة مؤثرات جديدة، ومتبعة أسلوباً كذلك جديداً في العرض والتناول. وتتبع هذه الجولات وهي تبدأ وتنتهي بطريقة عجيبة فيه متاع للقلب والعقل. إلى جانب ما فيه من دواعي التأثر والاستجابة. تبدأ الجولة الأولى بعد افتتاح السورة بالأحرف المقطعة؛ فتقرر أن هذه السورة من جنس تلك الأحرف، هي آيات الكتاب الحكيم، وهي هدى ورحمة للمحسنين. وهؤلاء المحسنون هم: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون} فتقرر قضية اليقين بالآخرة وقضية العبادة لله. ومعها مؤثر نفسي ملحوظ هو أن {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} ومن ذا الذي لا يريد أن يكون من المفلحين؟. وفي الجانب الآخر فريق من الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، ويتخذ تلك الآيات هزواً. وهؤلاء يعاجلهم بمؤثر نفسي مخيف مناسب لاستهزائهم بآيات الله: {أولئك لهم عذاب مهين}.. ثم يمضي في وصف حركات هذا الفريق: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها}.. ومع الوصف مؤثر نفسي يحقر هذا الفريق: {كأن في أذنيه وقراً} ومؤثر آخر يخيفه مع التهكم الواضح في التعبير: {فبشره بعذاب أليم} والبشارة هنا فيها ما فيها من التهكم الملحوظ!.. ثم يعود إلى المؤمنين يفصل شيئاً من فلاحهم الذي أجمله في أول السورة؛ ويبين جزاءهم في الآخرة، كما كشف عن جزاء المستهزئين المستكبرين: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقاً، وهو العزيز الحكيم}.. وهنا يعرض صفحة الكون الكبير مجالاً للبرهان الذي يطالع الفطرة من كل جانب، ويخاطبها بكل لسان، ويواجهها بالحق الهائل الذي يمر عليه الناس غافلين: {خلق السماوات بغير عمد ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وبث فيها من كل دابة، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم}.. وأمام هذه الأدلة الكونية التي تهول الحس وتبده الشعور يأخذ بتلابيب القلوب الشاردة، التي تجعل لله شركاء وهي ترى خلقه الهائل العظيم: {هذا خلق الله. فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟ بل الظالمون في ضلال مبين}.. وعند هذا الإيقاع الكوني الضخم العميق تنتهي الجولة الأولى بقضاياها ومؤثراتها معروضة في ساحة الكون الكبير. فأما الجولة الثانية فتبدأ من خلال نفوس آدمية، وتتناول القضية ذاتها في المجال ذاته بأسلوب جديد ومؤثرات جديدة.. {ولقد آتينا لقمان الحكمة} فما طبيعة هذه الحكمة وما مظهرها الفريد؟ إنها تتلخص في الاتجاه لله بالشكر: {أن اشكر الله} فهذه هي الحكمة وهذا هو الاتجاه الحكيم.. والخطوة التالية هي اتجاه لقمان لابنه بالنصيحة: نصيحة حكيم لابنه. فهي نصيحة مبرأة من العيب، صاحبها قد أوتي الحكمة. وهي نصيحة غير متهمة، فما يمكن أن تتهم نصيحة والد لولده. هذه النصيحة تقرر قضية التوحيد التي قررتها الجولة الأولى وقضية الآخرة كذلك مصحوبة بهذه المؤثرات النفسية ومعها مؤثرات جديدة: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}.. ويؤكد هذه القضية بمؤثر آخر فيعرض لعلاقة الأبوة والأمومة بأسلوب يفيض انعطافاً ورحمة: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين} ويقرن قضية الشكر لله بالشكر لهذين الوالدين، فيقدمها عليها: {أن أشكر لي ولوالديك}.. ثم يقرر القاعدة الأولى في قضية العقيدة، وهي أن وشيجة العقيدة هي الوشيجة الأولى، المقدمة على وشيجة النسب والدم. وعلى ما في هذه الوشيجة من انعطاف وقوة إلا أنها تالية للوشيجة الأولى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل من أناب إلي}. ويقرر معها قضية الآخرة: {ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}.. ويتبع هذه القضية بمؤثر هائل وهو يصور عظمة علم الله ودقته وشموله وإحاطته، تصويراً يرتعش له الوجدان البشري وهو يتابعه في المجال الكوني الرحيب: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة، أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله. إن الله لطيف خبير}.. ثم يتابع لقمان وصيته لابنه بتكاليف العقيدة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يستتبعه هذا وذلك من مواجهة المتاعب التي لا بد أن تواجه صاحب العقيدة، وهو يخطو بها الخطوة الطبيعية، فيتجاوز بها نفسه إلى غيره: {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}.. ومع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصاب الأدب الواجب. أدب الداعي إلى الله. ألا يتطاول على الناس، فيفسد بالقدوة ما يصلح بالكلام: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك. إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}.. والمؤثر النفسي بتحقير التصعير والنفخة ملحوظ في التعبير. وبه تنتهي هذه الجولة الثانية، وقد عالجت القضية ذاتها في مجالها المعهود، بمؤثرات جديدة وبأسلوب جديد. ثم تبدأ الجولة الثالثة.. تبدأ بعرض القضية المعهودة في مجال السماوات والأرض، مصحوبة بمؤثر منتزع من علاقة البشر بالسماوات والأرض وما فيها من نعم سخرها الله لناس وهم لا يشركون: {أية : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}.. تفسير : وفي ظل هذا المؤثر يبدو الجدل في الله مستنكراً من الفطرة، تمجه القلوب المستقيمة.. ثم يتابع استنكار موقف الكفر والجمود: {أية : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا}.. تفسير : وهو موقف سخيف مطموس، يتبعه بمؤثر مخيف: {أية : أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟}.. تفسير : ومن ثم يعرض قضية الجزاء في الآخرة مرتبطة بقضية الإيمان والكفر: {أية : ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.. ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم، فننبئهم بما عملوا}.. تفسير : ويشير إلى علم الله الواسع الدقيق: {أية : إن الله عليم بذات الصدور}. تفسير : ويصحب ذلك العرض بتهديد مخيف: {أية : نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}.. تفسير : وقرب ختام الجولة يقفهم وجهاً لوجه أمام منطق الفطرة وهي تواجه هذا الكون، فلا تملك إلا الاعتراف بالخالق الواحد الكبير: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. قل: الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون}.. تفسير : ويختم الجولة بمشهد كوني يصور امتداد علم الله بلا نهاية، وانطلاق مشيئته في الخلق والإنشاء بلا حدود؛ ويجعل من هذا دليلاً كونياً على البعث والإعادة وعلى الخلق والإنشاء: {أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله. إن الله عزيز حكيم. ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. إن الله سميع بصير }.. تفسير : وتبدأ الجولة الرابعة بمشهد كوني ذي إيقاع خاص في القلب البشري. مشهد الليل وهو يطول فيدخل في جسم النهار ويمتد؛ والنهار وهو يطول فيدخل في جسم الليل ويمتد. ومشهد الشمس والقمر مسخرين في فلكيهما يجريان في حدود مرسومة إلى وقت لا يعلمه إلا خالقهما الخبير بهما وبالناس وبما يعملون: {أية : ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وأن الله بما تعملون خبير}.. تفسير : ويتخذ من هذا المشهد الكوني دليله إلى الفطرة على القضية المعهودة: {أية : ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير}..تفسير : ويلمس القلوب بمؤثر آخر من نعمة الله على الناس في صورة الفلك التي تجري في البحر: {أية : ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته؟} تفسير : ويعقب على هذا بوقفهم أمام منطق الفطرة حين تواجه هول البحر مجردة من غرور القدرة والعلم الذي يبعدها عن بارئها؛ ويتخذ من هذا المنطق دليلاً على قضية التوحيد: {أية : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد؛ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}.. تفسير : وبمناسبة موج البحر وهوله يذكرهم بالهول الأكبر، وهو يقرر قضية الآخرة. الهول الذي يفصم وشائج الدم التي لا يفصلها في الدنيا هول: {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم. واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً. إن وعد الله حق. فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}.. تفسير : وعند هذا المقطع وهذا المؤثر الذي يرتجف له الكيان يختم السورة بآية تقرر القضايا التي عالجتها جميعاً، في إيقاع قوي عميق مرهوب: {أية : إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام. وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير }.. تفسير : وهذه الجولات الأربع بأساليبها ومؤثراتها ودلائلها وآياتها نموذج من أسلوب القرآن الكريم في معالجة القلوب. هذا الأسلوب المختار من خالق القلوب العليم بمداخلها. الخبير بما يصلح لها وما تصلح به من الأساليب.. والآن نأخذ في تفصيل هذا الإجمال. فنعرض هذه الجولات الأربع في درسين لما بين كل اثنين منها من ترابط واتساق... {ألم. تلك آيات الكتاب الحكيم. هدى ورحمة للمحسنين، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}... الافتتاح بالأحرف المقطعة. "ألف. لام. ميم" والإخبار عنها بأنها: {تلك آيات الكتاب الحكيم} للتنبيه إلى أن آيات الكتاب من جنس تلك الأحرف ـ على نحو ما تقدم في السور المبدوءة بالأحرف ـ واختيار وصف الكتاب هنا بالحكمة، لأن موضوع الحكمة مكرر في هذه السورة، فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب في وجوه المناسب على طريقة القرآن الكريم. ووصف الكتاب بالحكمة يلقي عليه ظلال الحياة والإرادة، فكأنما هو كائن حي متصف بالحكمة في قوله وتوجيهه، قاصد لما يقول، مريد لما يهدف إليه. وإنه لكذلك في صميمه. فيه روح. وفيه حياة. وفيه حركة. وله شخصية ذاتية مميزة. وفيه إيناس. وله صحبة يحس بها من يعيشون معه ويحيون في ظلاله، ويشعرون له بحنين وتجاوب كالتجاوب بين الحي والحي، وبين الصديق والصديق! هذا الكتاب الحكيم. أو آياته. {هدى ورحمة للمحسنين} فهذه حاله الأصيلة الدائمة.. أن يكون هدى ورحمة للمحسنين. هدى يهديهم إلى الطريق الواصل الذي لا يضل سالكوه. ورحمة بما يسكبه الهدى في القلب من راحة وطمأنينة وقرار؛ وما يقود إليه من كسب وخير وفلاح؛ وبما يعقده من الصلات والروابط بين قلوب المهتدين به؛ ثم بين هذه القلوب ونواميس الكون الذي تعيش فيه، والقيم والأحوال والأحداث التي تتعارف عليها القلوب المهتدية، وتتعارف الفطر التي لا تزيغ.. والمحسنون هم: {الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون}.. وإقامة الصلاة وأداؤها على وجهها وفي وقتها أداء كاملاً تتحقق به حكمتها وأثرها في الشعور والسلوك، وتنعقد به تلك الصلة الوثيقة بين القلب والرب، ويتم به هذا الأنس بالله وتذوق حلاوته التي تعلق القلوب بالصلاة.. وإيتاء الزكاة يحقق استعلاء النفس على شحها الفطري، وإقامة نظام لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون. ويجد الواجدون فيه والمحرومون الثقة والطمأنينة ومودات القلوب التي لم يفسدها الترف ولا الحرمان.. واليقين بالآخرة هو الضمان ليقظة القلب البشري، وتطلعه إلى ما عند الله، واستعلائه على أوهاق الأرض، وترفعه على متاع الحياة الدنيا؛ ومراقبة الله في السر والعلن وفي الدقيق والجليل؛ والوصول إلى درجة الإحسان التي سئل عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".. تفسير : وهؤلاء المحسنون هم الذين يكون الكتاب لهم هدى ورحمة؛ لأنهم بما في قلوبهم من تفتح وشفافية يجدون في صحبة هذا الكتاب راحة وطمأنينة؛ ويتصلون بما في طبيعته من هدى ونور، ويدركون مراميه وأهدافه الحكيمة، وتصطلح نفوسهم عليه، وتحس بالتوافق والتناسق ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. وإن هذا القرآن ليعطي كل قلب بمقدار ما في هذا القلب من حساسية وتفتح وإشراق؛ وبقدر ما يقبل عليه في حب وتطلع وإعزاز. إنه كائن حي يعاطف القلوب الصديقة، ويجاوب المشاعر المتوجهة إليه بالرفرفة والحنين! وأولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم يوقنون بالآخرة.. {أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون}. ومن هُدي فقد أفلح، فهو سائر على النور، واصل إلى الغاية، ناج من الضلال في الدنيا، ومن عواقب الضلال في الآخرة؛ وهو مطمئن في رحلته على هذا الكوكب تتناسق خطاه مع دورة الأفلاك ونواميس الوجود؛ فيحس بالأنس والراحة والتجاوب مع كل كائن في الوجود. أولئك المهتدون بالكتاب وآياته، المحسنون، المقيمون للصلاة، المؤتون للزكاة، الموقنون بالآخرة، المفلحون في الدنيا والآخرة.. أولئك فريق.. وفي مقابلهم فريق: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزواً. أولئك لهم عذاب مهين. وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا. فبشره بعذاب أليم}.. ولهو الحديث كل كلام يلهي القلب ويأكل الوقت، ولا يثمر خيراً ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح. هذه الوظيفة التي يقرر الإسلام طبيعتها وحدودها ووسائلها، ويرسم لها الطريق. والنص عام لتصوير نموذج من الناس موجود في كل زمان وفي كل مكان. وبعض الروايات تشير إلى أنه كان تصويراً لحادث معين في الجماعة الإسلامية الأولى. وقد كان النضر بن الحارث يشتري الكتب المحتوية لأساطير الفرس وقصص أبطالهم وحروبهم؛ ثم يجلس في طريق الذاهبين لسماع القرآن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ محاولاً أن يجذبهم إلى سماع تلك الأساطير والاستغناء بها عن قصص القرآن الكريم. ولكن النص أعم من هذا الحادث الخاص إذا صح أنه وارد فيه. وهو يصور فريقاً من الناس واضح السمات، قائماً في كل حين. وقد كان قائماً على عهد الدعوة الأولى في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات. {ومن الناس من يشتري لهو الحديث}.. يشتريه بماله ويشتريه بوقته، ويشتريه بحياته. يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص، يفني فيه عمره المحدود، الذي لا يعاد ولا يعود، يشتري هذا اللهو {ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً} فهو جاهل محجوب، لا يتصرف عن علم، ولا يرمي عن حكمة؛ وهو سيِّئ النية والغاية، يريد ليضل عن سبيل الله. يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة. وهو سيِّئ الأدب يتخذ سبيل الله هزواً، ويسخر من المنهج الذي رسمه الله للحياة وللناس. ومن ثم يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة: {أولئك لهم عذاب مهين}.. ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج الله وسبيله القويم. ثم يمضي في استكمال صورة ذلك الفريق: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها} وهو مشهد فيه حركة ترسم هيئة المستكبر المعرض المستهين. ومن ثم يعالجه بوخزة مهينة تدعو إلى تحقير هذه الهيئة: {كأن في أذنيه وقرا} وكأن هذا الثقل في أذنيه يحجبه عن سماع آيات الله الكريمة، وإلا فما يسمعها إنسان له سمع ثم يعرض عنها هذا الإعراض الذميم. ويتمم هذه الإشارة المحقرة بتهكم ملحوظ: {فبشره بعذاب أليم} فما البشارة في هذا الموضوع إلا نوع من التهكم المهين؛ يليق بالمتكبرين المستهزئين! وبمناسبة الحديث عن جزاء الكافرين المستكبرين المعرضين يتحدث عن جزاء المؤمنين العاملين، الذين تحدث عنهم في صدر السورة؛ ويفصل شيئاً من أمر فلاحهم الذي أجمله هناك: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم، خالدين فيها وعد الله حقاً، وهو العزيز الحكيم}.. وحيثما ذكر الجزاء في القرآن الكريم ذكر قبله العمل الصالح مع الإيمان. فطبيعة هذه العقيدة تقتضي ألا يظل الإيمان في القلب حقيقة مجردة راكدة معطلة مكنونة؛ إنما هو حقيقة حية فاعلة متحركة، ما تكاد تستقر في القلب ويتم تمامها حتى تتحرك لتحقق ذاتها في العمل والحركة والسلوك؛ ولتترجم عن طبيعتها بالآثار البارزة في عالم الواقع، المنبئة عما هو كائن منها في عالم الضمير. وهؤلاء الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح {لهم جنات النعيم خالدين فيها}.. لهم هذه الجنات وهذا الخلود تحقيقاً لوعد الله الحق. {وعد الله حقاً} فقد بلغ من فضل الخالق على العباد أن يوجب على نفسه الإحسان إليهم جزاء إحسانهم لأنفسهم لا له سبحانه! وهو الغني عن الجميع! {وهو العزيز الحكيم}.. القادر على تحقيق وعده، الحكيم في الخلق والوعد والتحقيق. وآية القدرة، وآية الحكمة، وبرهان تلك القضايا السابقة في سياق السورة.. آية ذلك كله وبرهانه هو هذا الكون الكبير الهائل، الذي لا يدعي أحد من البشر أنه خلقه، ولا أن أحداً آخر خلقه من دون الله؛ وهو ضخم هائل دقيق النظام، متناسق التكوين، يأخذ بالقلب، ويبهر اللب، ويواجه الفطرة مواجهة جاهرة لا تملك الإفلات منها أو الإعراض عنها؛ ولا تملك إلا التسليم بوحدانية الخالق العظيم، وضلال من يشرك به آلهة أخرى ظلماً للحق الواضح المبين: {خلق السماوات بغير عمد ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وبث فيها من كل دابة، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم. هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟ بل الظالمون في ضلال مبين}.. وهذه السماوات ـ بظاهر مدلولها ودون تعمق في أية بحوث علمية معقدة ـ تواجه النظر والحس، هائلة فسيحة سامقة. وسواء أكانت السماوات هي هذه الكواكب والنجوم والمجرات والسدم السابحة في الفضاء الذي لا يعلم سره ومداه إلا الله؛ أو كانت هي هذه القبة التي تراها العين ولا يعرف أحد ما هي على وجه التحقيق. سواء أكانت السماوات هذه أو تلك فهناك خلائق ضخمة هائلة معلقة بغير عمد تسندها؛ والناس يرونها حيثما امتدت أبصارهم بالليل والنهار. ومهما نأت بهم الأبعاد والأسفار على ظهر كوكبهم السيار. ومجرد تأملها بالعين المجردة، ودون إدراك حقيقة ضخامتها التي تدير الرؤوس، كاف وحده لرعشة الكيان الإنساني وارتجافه أمام الضخامة الهائلة التي لا نهاية لها ولا حدود. وأمام النظام العجيب الذي يمسك بهذه الخلائق كلها في مثل هذا التناسق. وأمام هذا الجمال البديع الذي يجتذب العين للنظر فلا تمل، ويجتذب القلب للتأمل فلا يكل؛ ويستغرق الحس فلا يكاد يؤوب من ذلك التأمل الطويل المديد! فكيف إذا عرف الإنسان أن كل نقطة من هذه النقط الصغيرة المضيئة السابحة في هذا الفضاء الهائل قد تبلغ كتلتها أضعاف كتلة الأرض التي تقله ملايين المرات؟ ومن هذه الرحلة الهائلة في أجواز الفضاء على إيقاع تلك الإشارة السريعة: {خلق السماوات بغير عمد ترونها} يرتد السياق بالقلب البشري إلى الأرض فيستقر عليها وما يكاد! إلى الأرض الصغيرة. الذرة، التي لا تبلغ أن تكون هباءة في كتلة الكون الضخمة. يرتد إلى هذه الأرض التي يراها الإنسان فسيحة لا يبلغ أطرافها فرد واحد في عمره القصير، ولو قضاه في رحلة دائمة على هذا الكوكب الصغير؟ يرتد بالقلب إلى هذه الأرض ليعيد النظر إليها بحس مفتوح يقظ، وليجلو عنه ملالة التكرار والألفة لمشاهد هذه الأرض العجيبة: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم}.. والرواسي الجبال. ويقول علماء طبقات الأرض؛ إنها تضاريس في قشرة الكرة الأرضية تنشأ من برودة جوف الأرض وتجمد الغازات فيه، ونقص حجمها، فتنكمش القشرة الأرضية وتتجعد، وتقع فيها المرتفعات والمنخفضات وفق الانكماشات الداخلية في حجم الغازات حين تبرد ويصغر حجمها هنا وهناك. وسواء أصحّت هذه النظرية أم لم تصح، فهذا كتاب الله يقرر أن وجود هذه الجبال يحفظ توازن الأرض فلا تميد ولا تتأرجح ولا تهتز. وقد تكون نظرية علماء الأرض صحيحة ويكون بروز الجبال على هذا النحو حافظاً لتوازن الأرض عند انكماش الغازات وتقبض القشرة الأرضية هنا وهناك، ويكون نتوء الجبال هنا موازناً لانخفاض في قشرة الأرض هناك. وكلمة الله هي العليا على كل حال. والله هو أصدق القائلين. {وبث فيها من كل دابة}.. وهذه إحدى عجائب الوجود الكبيرة. فوجود الحياة على هذه الأرض سر لا يدعي أحد ـ حتى اليوم ـ إدراكه ولا تفسيره. الحياة في أول صورها. في الخلية الواحدة الساذجة الصغيرة. فكيف بضخامة هذا السر والحياة تتنوع وتتركب وتتعدد أنواعها وأجناسها وفصائلها وأنماطها إلى غير حد يعلمه الإنسان أو يحصيه؟ ومع هذا فإن أكثر الناس يمرون بهذه العجائب مغمضي العيون مطموسي القلوب وكأنما يمرون على شيء عادي لا يستلفت النظر. بينما هم يقفون مدهوشين مذهولين أمام جهاز من صنع الإنسان ساذج صغير بسيط التكوين حين يقاس إلى خلية واحدة من الخلايا الحية، وتصرفها الدقيق المنظم العجيب. ودعك من الأحياء المقعدة. فضلاً على الإنسان، الذي يحوي جسمه مئات المعامل الكيماوية العجيبة ومئات المخازن للإيداع والتوزيع، ومئات المحطات اللاسلكية للإرسال والاستقبال؛ ومئات الوظائف المعقدة التي لا يعرف سرها إلا العليم الخبير!!! {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم}.. وإنزال الماء من السماء إحدى العجائب الكونية التي نمر عليها كذلك غافلين. هذا الماء الذي تفيض به مجاري الأنهار، والذي تمتلئ به البحيرات، والذي تتفجر به العيون.. هذا كله ينزل من السماء وفق نظام دقيق، مرتبط بنظام السماوات والأرض، وما بينهما من نسب وأبعاد، ومن طبيعة وتكوين.. وإنبات النبات من الأرض بعد نزول الماء عجيبة أخرى لا ينقضي منها العجب. عجيبة الحياة، وعجيبة التنوع، وعجيبة الوراثة للخصائص الكامنة في البذرة الصغيرة، لتعيد نفسها في النبتة وفي الشجرة الكبيرة. وإن دراسة توزيع الألوان في زهرة واحدة من نبتة واحدة لتقود القلب المفتوح إلى أعماق الحياة وأعماق الإيمان بالله مبدع هذه الحياة.. والنص القرآني يقرر أن الله أنبت النبات أزواجاً: {من كل زوج كريم} وهي حقيقة ضخمة اهتدى إليها العلم بالاستقراء قريباً جداً. فكل نبات له خلايا تذكير وخلايا تأنيث، إما مجتمعة في زهرة واحدة، أو في زهرتين في العود الواحد، وإما منفصلة في عودين أو شجرتين، ولا توجد الثمرة إلا بعد عملية التقاء وتلقيح بين زوج النبات، كما هو الشأن في الحيوان والإنسان سواء. ووصف الزوج بأنه {كريم} يلقي ظلاً خاصاً مقصوداً في هذا الموضع ليصبح لائقاً بأن يكون {خلق الله} وليرفعه أمام الأنظار مشيراً إليه.. {هذا خلق الله} وليتحداهم به ويتحدى دعواهم المتهافتة.. {فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟}.. وليعقب على هذا التحدي في أنسب وقت: {بل الظالمون في ضلال مبين}.. وأي ضلال وأي ظلم بعد هذا الشرك، في هذا المعرض الكوني الباهر الجليل؟ وعند هذا الإيقاع القوي يختم الجولة الأولى في السورة ذلك الختام المؤثر العميق. بعد ذلك يبدأ الجولة الثانية. يبدؤها في نسق جديد. نسق الحكاية والتوجيه غير المباشر. ويعالج قضية الشكر لله وحده، وتنزيهه عن الشرك كله، وقضية الآخرة والعمل والجزاء في خلال الحكاية. {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله؛ ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد}. ولقمان الذي اختاره القرآن ليعرض بلسانه قضية التوحيد وقضية الآخرة تختلف في حقيقته الروايات: فمن قائل: إنه كان نبياً، ومن قائل: إنه كان عبداً صالحاً من غير نبوة ـ والأكثرون على هذا القول الثاني ـ ثم يقال: إنه كان عبداً حبشياً، ويقال: إنه كان نوبياً. كما قيل: إنه كان في بني إسرائيل قاضياً من قضاتهم.. وأياً من كان لقمان فقد قرر القرآن أنه رجل آتاه الله الحكمة. الحكمة التي مضمونها ومقتضاها الشكر لله: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}.. و هذا توجيه قرآني ضمني إلى شكر الله اقتداء بذلك الرجل الحكيم المختار الذي يعرض قصته وقوله. وإلى جوار هذا التوجيه الضمني توجيه آخر، فشكر الله إنما هو رصيد مذخور للشاكر ينفعه هو، والله غني عنه. فالله محمود بذاته ولو لم يحمده أحد من خلقه: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه. ومن كفر فإن الله غني حميد}.. وإذن فأحمق الحمقى هو من يخالف عن الحكمة؛ ولا يدخر لنفسه مثل ذلك الرصيد. ثم تجيء قضية التوحيد في صورة موعظة من لقمان الحكيم لابنه: {وإذ قال لقمان لابنه ـ وهو يعظه ـ: يا بني لا تشرك بالله. إن الشرك لظلم عظيم}.. وإنها لعظة غير متهمة؛ فما يريد الوالد لولده إلا الخير؛ وما يكون الوالد لولده إلا ناصحاً. وهذا لقمان الحكيم ينهى ابنه عن الشرك؛ ويعلل هذا النهي بأن الشرك ظلم عظيم. ويؤكد هذه الحقيقة مرتين. مرة بتقديم النهي وفصل علته. ومرة بإنّ واللام.. وهذه هي الحقيقة التي يعرضها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قومه، فيجادلونه فيها؛ ويشكون في غرضه من وراء عرضها؛ ويخشون أن يكون وراءها انتزاع السلطان منهم والتفضل عليهم! فما القول ولقمان الحكيم يعرضها على ابنه ويأمره بهأ؟ والنصيحة من الوالد لولده مبرأة من كل شبهة، بعيدة من كل ظنة؟ ألا إنها الحقيقة القديمة التي تجري على لسان كل من آتاه الله الحكمة من الناس؛ يرارد بها الخير المحض، ولا يراد بها سواه.. وهذا هو المؤثر النفسي المقصود. وفي ظل نصيحة الأب لابنه يعرض للعلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق؛ ويصور هذه العلاقة صورة موحية فيها انعطاف ورقة. ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة: {ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهناً على وهن، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك، إليّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل من أناب إليَّ. ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}.. وتوصية الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكريم، وفي وصايا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلاً. ومعظمها في حالة الوأد ـ وهي حالة خاصة في ظروف خاصة ـ ذلك أن الفطرة تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه. فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ لضمان امتداد الحياة، كما يريدها الله؛ وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان من عزيز وغال، في غير تأفف ولا شكوى؛ بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان! بل في نشاط وفرح وسرور كأنهما هما اللذان يأخذان! فالفطرة وحدها كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة! فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولّي الذاهب في أدبار الحياة، بعدما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة! وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوّض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما. وهذه الصورة الموحية: {حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين} ترسم ظلال هذا البذل النبيل. والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر؛ وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق.. روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده ـ بإسناده ـ "حديث : عن بريد عن أبيه أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل أديت حقها؟ قال: لا. ولا بزفرة واحدة"تفسير : . هكذا.. ولا بزفرة.. في حمل أو في وضع، وهي تحمله وهناً على وهن. وفي ظلال تلك الصورة الحانية يوجه إلى شكر الله المنعم الأول، وشكر الوالدين المنعمين التاليين؛ ويرتب الواجبات، فيجيء شكر الله أولاً ويتلوه شكر الوالدين.. {أن اشكر لي ولوالديك}.. ويربط بهذه الحقيقة حقيقة الآخرة: {إليّ المصير} حيث ينفع رصيد الشكر المذخور. ولكن رابطة الوالدين بالوليد ـ على كل هذا الانعطاف وكل هذه الكرامة ـ إنما تأتي في ترتيبها بعد وشيجة العقيدة. فبقية الوصية للإنسان في علاقته بوالديه: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما}.. فإلى هنا ويسقط واجب الطاعة، وتعلو وشيجة العقيدة على كل وشيجة. فمهما بذل الوالدان من جهد ومن جهاد ومن مغالبة ومن اقناع ليغرياه بأن يشرك بالله ما يجهل ألوهيته ـ وكل ما عدا الله لا ألوهية له فتعلم! ـ فهو مأمور بعدم الطاعة من الله صاحب الحق الأول في الطاعة. ولكن الاختلاف في العقيدة، والأمر بعدم الطاعة في خلافها، لا يسقط حق الوالدين في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} فهي رحلة قصيرة على الأرض لا تؤثر في الحقيقة الأصيلة: {واتبع سبيل من أناب إليّ} من المؤمنين {ثم إليَّ مرجعكم} بعد رحلة الأرض المحدودة {فأنبئكم بما كنتم تعملون} ولكل جزاء ما عمل من كفران أو شكران، ومن شرك أو توحيد. روي أن هذه الآية نزلت هي وآية العنكبوت المشابهة وآية الأحقاف كذلك في سعد بن أبي وقاص وأمه (كما قلت في تفسيرها في الجزء العشرين في سورة العنكبوت). وروي أنها نزلت في سعد بن مالك. ورواه الطبراني في كتاب العشرة ـ بإسناده ـ عن داود بن أبي هند. والقصة في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص. وهو الأرجح. أما مدلولها فهو عام في كل حال مماثلة، وهو يرتب الوشائج والروابط كما يرتب الواجبات والتكاليف. فتجيء الرابطة في الله هي الوشيجة الأولى، ويجيء التكليف بحق الله هو الواجب الأول. والقرآن الكريم يقرر هذه القاعدة ويؤكدها في كل مناسبة وفي صور شتى لتستقر في وجدان المؤمن واضحة حاسمة لا شبهة فيها لا غموض. وبعد هذا الاستطراد المعترض في سياق وصية لقمان لابنه، تجيء الفقرة التالية في الوصية، لتقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل. ولكن هذه الحقيقة لا تعرض هكذا مجردة، إنما تعرض في المجال الكوني الفسيح، وفي صورة مؤثرة يرتعش لها الوجدان، وهو يطالع علم الله الشامل الهائل الدقيق اللطيف: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، يأت بها الله. إن الله لطيف خبير}.. وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم الله وشموله، وعن قدرة الله سبحانه، وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور. وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء، العميقة الإيقاع.. حبة من خردل. صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة. {فتكن في صخرة}.. صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها. {أو في السماوات}.. في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة. {أو في الأرض} ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين. {يأت بها الله}.. فعلمه يلاحقها، وقدرته لا تفلتها. {إن الله لطيف خبير}.. تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف. ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة؛ ويتملى علم الله الذي يتابعها. حتى يخشع القلب وينيب، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب. وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب. بهذا الأسلوب العجيب. ويمضي السياق في حكاية قول لقمان لابنه وهو يعظه. فإذا هو يتابع معه خطوات العقيدة بعد استقرارها في الضمير. بعد الإيمان بالله لا شريك له؛ واليقين بالآخرة لا ريب فيها؛ والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل.. فأما الخطة التالية فهي التوجه إلى الله بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إلى الله، والصبر على تكاليف الدعوة ومتاعبها التي لا بد أن تكون: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك. إن ذلك من عزم الأمور}.. وهذا هو طريق العقيدة المرسوم.. توحيد لله، وشعور برقابته، وتطلع إلى ما عنده، وثقة في عدله، وخشية من عقابه. ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر، بالزاد الأصيل. زاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة. ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله، من التواء النفوس وعنادها، وانحراف القلوب وإعراضها. ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي. ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء.. {إن ذلك من عزم الأمور}.. وعزم الأمور: قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم. ويستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى أدب الداعية إلى الله. فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس؛ والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير. ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل: {ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحاً. إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك، واغضض من صوتك. إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}.. والصعر داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها. والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصعر. حركة الكبر والازورار، وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار! والمشي في الأرض مرحاً هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس. وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق. وهي تعبير عن شعور مريض بالذات، يتنفس في مشية الخيلاء! {إن الله لا يحب كل مختال فخور}.. ومع النهي عن مشية المرح، بيان للمشية المعتدلة القاصدة: {وأقصد في مشيك}.. القصد هنا من الاقتصاد وعدم الإسراف. وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال. ومن القصد كذلك. لأن المشية القاصدة إلى هدف، لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق. والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته. وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب، أو شاكّ في قيمة قوله، أو قيمة شخصه؛ يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق! والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}.. فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية، مع النفور والبشاعة. ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع، ثم يحاول.. شيئاً من صوت هذا الحمير..! وهكذا تنتهي الجولة الثانية، بعدما عالجت القضية الأولى، بهذا التنويع في العرض، والتجديد في الأسلوب.
ابن عاشور
تفسير : تقدم الكلام على نظائرها في أول سورة البقرة.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة لقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 1ـ2].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الم: هذه حروف ابتدأ الله بها بعض السور، ليشير بها إلى إعجاز القرآن المؤلف من حروف كالحروف التى يؤلف منها العرب كلامهم، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله، ولينبِّه إلى الاستماع والإنصات، وكان المشركون قد اتفقوا على أن يَلْغوا فيه ولا يسمعوا. 2- هذه الآيات العظيمة آيات القرآن المشتمل على الحكمة والصواب. 3- هذه الآيات هداية كاملة ورحمة شاملة لمن يحسنون العمل. 4- هم الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون الزكاة لمستحقيها، وهم بالحياة الآخرة يؤمنون أقوى الإيمان. 5- أولئك المؤمنون المحسنون فى أعمالهم متمكنون من الهدى الذى جاءهم من ربهم، وأولئك هم - دون غيرهم - الفائزون حقاً. 6- ومن الناس من يشترى باطل الحديث ويقصُّه على الناس، ليصدَّهم عن الإسلام والقرآن جهلا منه بما عليه من إثم، ويتخذ دين الله ووحيه سخرية. الذين يفعلون ذلك لهم عذاب يهينهم ويذلهم. 7- وإذا تتلى على هذا الضال آيات الله البينات أعرض عنها متكبراً، وحاله فى ذلك حال من لم يسمع، كأن فى أذنيه صمما، فأنذره بأن الله أعد له عذاباً شديدا الإيلام.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الۤـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب الۤـمۤ، وتقرأ: ألف لام ميم. تلك: أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب الحكيم. الحكيم: أي المحكم الذي لا نسخ يطرأ عليه بعد تمام نزوله، ولا خلل فيه، وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه فلا خلط ولا خبط فيما يحمل من هدى وتشريع. هدى ورحمة: أي هو هدى يهتدي به ورحمة يرحم بها. للمحسنين: أي الذين يراقبون الله تعالى في كل شؤونهم إذ هم الذين يجدون الهدى والرحمة في القرآن الكريم أما غيرهم من أهل الشرك والمعاصي فلا يجدون ذلك. أولئك: أي المحسنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة. على هدى من ربهم: أي هم على هداية من الله تعالى فلا يضلون ولا يجهلون معها أبداً. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب محبوب. معنى الآيات: قوله تعالى: {الۤـمۤ} أحسن ما يفسر به مثل هذه الحروف المقطعة قول: الله أعلم بمراده به وقد أفادت هذه الحروف فائدة عظيمة، وذلك من جهتين الأولى أنه لما كان المشركون يمنعون سماع القرآن خشية التأثر به فيهتدي إلى الحق من يحصل له ذلك، وقالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26] كانت هذه الحروف بنغمها الخاص ومُدودها العجيبة تضطر المشرك إلى الإِصغاء والاستماع فحصل ضد مقصودهم وكفى بهذه فائدة. والثانية أنهم لما ادعوا أن القرآن سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين كأنما قيل لهم هذا القرآن الذي ادعيتم فيه كذا وكذا قد تألف من هذه الحروف صۤ، نۤ، قۤ، يسۤ، طسۤ، الۤـمۤ، فألفوا سورة مثله وأتوا بها للناس فيصبح لكم ما تدعون فإِن عجزتم فسلموا أنه كلام الله أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا ووحدوا واستقيموا على ذلك تعزوا وتكرموا وتكملوا وتسعدوا. وقوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذه الآيات هي آيات القرآن الكريم الموصوف بالحكمة إذ هو لا يخلط ولا يغلط ولا يخبط بل يضع كل شيء في موضعه اللائق به في كل ما قال فيه وحكم به، وأخبر عنه أو به من سائر المعارف والعلوم التي حواها كما هو حكيم بمعنى محكم لا نسخ يطرأ عليه بعد تمامه كما طرأ على الكتب السابقة، ومحكم أيضاً بمعنى لا خلل فيه، ولا تناقض بين أخباره وأحكامه على كثرتها وتنوع أسبابها ومقتضيات نزولها، وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} أي هو بيان هداية ورحمة تنال المحسنين وهم الذين أحسنوا عبادتهم لربهم فخلصوها من الشرك والرياء وأتوا بها على الوجه المرضي لله تعالى وهو ما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم من كيفيات العبادات وبيان فعلها وأدائها عليه. وقوله {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي المحسنين الذين يقيمون الصلاة أي يؤدون الصلوات الخمس مُراعى فيها شروطها مستوفاة أركانها وسننها الواجبة منها والمستحبة، ويؤتون الزكاة أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالذهب والفضة أو الْعُمَلِ القائمة مقامهما والحرث من تمر وزيتون، وحبوب مقتاة مدخرة والناطقة من إبل وبقر وغنم وذلك إن حال الحول في الذهب والفضة والعمل وفي بهيمة الأنعام أما الحرث والغرس فيوم حصاده وجداده. وقوله: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي والحال هم موقنون بما أعده الله من ثواب وجزاء على الإحسان والإِيمان والإِسلام الذي دلت عليه صفاتهم في هذا السياق الكريم وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} يخبر تعالى عن المحسنين أصحاب الصفات الكريمة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِيمان باليوم الآخر والإِيقان بثواب الله تعالى فيه أنهم على هدى أي طريق مستقيم وهو الإِسلام هداهم الله تعالى إليه ومكنهم من السير عليه وبذلك أصبحوا من المفلحين الذين يفوزون بالنجاة من النار، وبدخول الجنة دار الأبرار. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم انك برٌ كريم تواب رحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان إعجاز القرآن حيث ألّف من مثل الۤـمۤ، وصۤ، وطسۤ، ولم يستطع خصومه تحديه. 2) بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة. 3) بيان أن القرآن بيان للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه. 4) فضل الصلاة والزكاة واليقين. 5) بيان مبنى الدين: وهو الإِيمان والإِسلام والإِحسان.
القطان
تفسير : لهو الحديث: كل ما يصد عن ذكر الله والحق. سبيل الله: دينه. هُزُوا: سخرية. وقْرا: صمما يمنعهم عن السماع. الرواسي: الجبال. تَميد: تضطرب. بثّ: فرّق. زوج كريم: صنف حسن. {الۤـمۤ} تقدم اكثر من مرة ان هذه الحروف قد ابتدأ الله بها بعض السور، ليشير الى إعجاز القرآن. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ.... } هذه آيات القرآن الكريم، أنزلناها هدى ورحمة للذين يحسِنون فيما يقولون ويفعلون. والذين يقيمون الصلاةَ على أحسن وجه، وفي وقتها، ويتقنونها، ويعطون الزكاةَ الى مستحقيها، ويؤمنون إيماناً جازما بالآخرة والبعث والجزاء... هؤلاء هم المحسنون الذين يكون الكتابُ لهم هدى ورحمة، وأولئك هم الفائزون. قراءات: قرأ حمزة وحفص: هدىً ورحمةً بالنصب، والباقون: بالرفع. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ.... } ومن الناس من يشتري بماله الأحاديث الملهية، وكتبَ الاساطير والخرافات ليصدّ بها الناس عن سبيل الله بغير علم، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. روي ان النضر بن الحارث من بني عبد الدار (صاحبَ لواء المشركين ببدر وأحَد شياطين قريش) - كان يجلس لقريش ويحدّثهم بأخبار ملوكِ الفرس وخرافاتهم، ويقول: انا احسنُ من محمد حديثاً، انما يأتيكم بأساطير الأولين. وقد أسِر يومَ بدرٍ وقتل بمكان يقال له "الأثيل". فكان النضر وامثاله كما يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: ليَضل عن سبيله بفتح الياء. والباقون: بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص: ويتخذَها بنصب الذال. والباقون: بالرفع. وبعد ان ذكر الكتابُ حالَ الكافرين المعرِضين عن آيات الله، تحدّث هنا عن حال المؤمنين العاملين وما ينتظرهم من جزاء فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. ونلاحظ ان القرآن عندما يذكر المؤمنين يصفهم (بالعاملين، الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وهذا يُفهمنا أن الإيمان وحدَه لا يكفي. وقد جزم الله بوعده وأوجبه على نفسه وهو الغني عن الجميع، تفضّلاً منه وكرما. {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.... } يتحدث الله هنا عن القدرة العظيمة وحكمته، ودليلُ ذلك هذا الكونُ الهائل بجميع ما نرى من سماوات بغير عمد، وجبالٍ تحفظ توازن الأرض، وهذه الانواع التي لا تُحصى من المخلوقات المبثوثة في هذه الأرض، وإنزالِ الماء الذي يُحيي الأرضَ فتُنْبتُ من كل زوج كريم، بنظام دقيق متكامل، متناسق التكوين، ثم يقول بعد ذلك كله: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. هذا الكون الكبير الهائل وما فيه من نظام هو من خلْق الله، أروني ماذا خلق الذين تعبدونهم من دونه {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ألِف} {لاَم } {ميم} (1) - وَتُقْرَأُ مَقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً} قرأ العامة بالنصب على الحال والقطع، وقرأ حمزة (ورحمةٌ) بالرفع على الابتداء {لِّلْمُحْسِنِينَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدِّث بها قريشاً ويقول لهم: إنَّ محمّداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أُحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأعاجم والأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، وقال مجاهد: يعني شراء (القيان) والمغنّين، ووجه الكلام على هذا التأويل يشتري ذات أو ذا لَهْو الْحَدِيثِ. أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى سنة ثلاث وثمانين،حدّثني جدّي محمد بن إسحاق بن خزيمة)عن علي بن خزيمة) عن علي بن حجرة، عن مُستمغل بن ملجان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيدالله بن زجر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحلّ تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}..."تفسير : إلى آخر الآية. وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلاّ بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتّى يكون هو الذي يسكت. وقال آخرون: معناه يستبدل ويختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن وقال: سبيل الله: القرآن. وقال أبو الصهباء البكري: سألت ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلاّ هو يردّدها ثلاث مرّات، ومثله روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. ابن جريج: هو الطبل. عبيد عن الضحّاك: هو الشرك. جويبر عنه: الغناء، وقال: الغناء مفسدة للمال، مسخطة للربّ مفسدة للقلب. وقال ثوير بن أبي فاخته عن أبيه عن ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنّيه ليلاً ونهاراً. وكلّ ما كان من الحديث مُلهياً عن سبيل الله إلى ما نهى عنه فهو لهو ومنه الغناء وغيره. وقال قتادة: هو كلّ لهو لعب. قال عطاء: هو الترّهات والبسابس. وقال مكحول: مَنْ اشترى جارية ضرّابة ليمسكها لغناها وضَرْبِها مقيماً عليه حتّى يموت لم أُصلِّ عليه، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}... إلى آخر الآية. وروى علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله تعالى بعثني رحمةً وهدىً للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوتار والصّلب وأمر الجاهلية، وحلفَ ربّي بعزّته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر متعمّداً إلاّ سقيته من الصديد مثلها يوم القيامة مغفوراً له أو معذّباً، ولا يسقيها صبيّاً صغيراً ضعيفاً مسلماً إلاّ سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة مغفوراً له أو معذّباً، ولا يتركها من مخافتي إلاّ سقيته من حياض القدس يوم القيامة. لا يحلّ بيعهن ولا شرائهن ولا تعليمهن ولا التجارة بهن وثمنهنّ حرام"تفسير : . يعني الضوارب. وروى حمّاد عن إبراهيم قال: الغناء ينبت النفاق في القلب. وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يحرقُون الدفوف. أخبرنا عبدالله بن حامد، عن ابن شاذان، عن جيغويه، عن صالح بن محمد، عن إبراهيم ابن محمد، عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أنَّ الله عزّ وجلّ يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللّهو ومزامير الشيطان؟ أدخلوهم رياض المسك، ثمّ يقول للملائكة: أسمعوا عبادي حمدي وثنائي وتمجيدي وأخبروهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قوله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب {وَيَتَّخِذَهَا} بنصب الذال عطفاً على قوله: {لِيُضِلَّ} وهو اختيار أبي عبيد قال: لقربه من المنصوب، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله: {يَشْتَرِي}. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ} إخبرهُ {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي نوعاً حسناً {هَـٰذَا} الذي ذكرت ممّا يعاينون {خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} من آلهتكم التي تعبدونها {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {الۤـمۤ} سبق أنْ فصَّلنا القول في الحروف المقطّعة في بدايات السور، وذكرنا كل ما يمكن أن يقوله بشر، وبعد هذا كله نقول: والله أعلم بمراده؛ لأننا مهما أوتينا من العلم فلن نصل إلى غاية هذه الحروف، وسيظل فيها من المعاني ما نعجز نحن عن الوصول إليه. فإنْ قلتَ: فما فائدة هذه الحروف المقطعة إنْ كانت غير معلومة المعنى؟ نقول: نحن نناقشكم بالعقل وبالمنطق، فالقرآن نزل بأسلوب عربي، وتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان وأصحاب التعبير الجميل والأداء الرائع، ونزل في قريش التي جمعتْ في لغتها كل لغات القبائل العربية، وقد خرج منها صناديد كذبوا محمداً، وكفروا بدعوته، فهل سمعنا منهم مَنْ يقول مثلاً: ما معنى (الم) أو (حم). والله لو كان فيها مطعن ما تركوه، إذن: فهذا دليل على أنهم فهموا هذه الحروف، وعرفوا أن لها معنى أبسطها أن نقول: هي من حروف التنبيه التي كان يستخدمها العرب في كلامهم، فهي مثل (ألا) في قول الشاعر: شعر : ألاَ هُبِّي بِصحْنك فَاصْبِحينا ولاَ تُبْقِ خُمور الأَنْدرينَا تفسير : فألا أداة للتنبيه، وتأتي أهمية التنبيه في أول الكلام من أن المتكلم يملك زمام منطقه فيرتبه ويُعده، ويدير المسائل بنسب ذهنية في ذِهْنه، لكن السامع قد يكون غافلاً، فيُفاجأ بالكلام دون استعداد، فيفوته منه شيء، فتأتي حروف التنبيه لتُخرِجه من غفلته، وتسترعي انتباهه، فلا يفوته من كلامك شيء، إذن: أبسط ما يقال في هذه الحروف أنها للتنبيه على طريقة العرب في كلامهم. وسبق أنْ بيَّنا أن القرآن مبني كله على الوصل في آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول: (من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) وكذلك في الآيات والسور. وكأن الله تعالى يريد منك ألاَّ تفصل آية من القرآن عن التي بعدها؛ لذلك يقولون عن قارئ القرآن: هو الحالّ المرتحل، فهو حالٌّ في آية أو سورة، مرتحل إلى التي تليها. إذن: الوصْل سِمَة عامة في القرآن كله لا يستثنى من ذلك إلا الحروف المقطعة في بدايات السور، فهي قائمة على القطع، فلا نقول هنا ألفٌ لامٌ ميمٌ، لكن نقول ألفْ لامْ ميمْ، فلماذا اختلفت هذه الحروف عن السمة العامة للقرآن كله؟ قالوا: ليدلَّك على أن الألف أو اللام أو الميم، لكل منها معناه المستقل، وليست مجرد حروف كغيرها من حروف القرآن؛ لذلك خالفتْ نسق القرآن في الوصل؛ لأن لها معنىً مستقلاً تؤديه. ويفسر هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْحَكِيمِ} المحكم الذي لا خلل فيه ولا تناقض {يُوقِنُونَ} اليقين: التصديق الجازم {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} الباطل الملهي عن الخير والعبادة {وَقْراً} ثِقلاً وصمماً يمنع من السماع {عَمَدٍ} جمع عِماد وهو الدعامة التي يرتكز عليها الشيء {رَوَاسِيَ} جبالاً وثوابت، ورست السفينة: إِذا ثبتت واستقرت {تَمِيدَ} تتحرك وتضطرب {وَبَثَّ} نشر وفرَّق. سَبَبُ النّزول: روي أن "النضر بن الحارث" كان يشتري المغنِّيات، فلا يظفر بأحدٍ يريد الإِسلام إِلا انطلق به إِلى قينته "المغنية" فيقول لها: أطعميه، واسقيه الخمر، وغنّيه، ويقول: هذا خيرٌ مما يدعوك إِليه محمد، من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه فأنزل الله {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ..} الآية. التفسِير: {الۤـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن، وللإِشارة إِلى أن هذا الكتاب المعجز الذي أفحم العلماء والأدباء والفصحاء والبلغاء منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية "ألف، لام، ميم" وهي في متناول أيدي الناطقين بالعربية، وهم عاجزون ان يؤلفوا منها كتاباً مثل هذا الكتاب بعد التحدي والإِفحام، وهذا من أ ظهر الدلائل وأوضح البراهين على أنه تنزيل الحكيم العليم {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي هذه آيات الكتاب البديع، الذي فاق كل كتاب في بيانه، وتشريعه، وأحكامه {ٱلْحَكِيمِ} أي ذي الحكمة الفائقة، والعجائب الرائقة، الناطق بالحكمة والبيان، والإِشارة بالبعيد عن القريب "تلك" للإِيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} أي هداية ورحمة للمحسنين الذين أحسنوا العمل في الدنيا، وإِنما خُصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون بما فيه، ثم وضح تعالى صفاتهم فقال {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} أي يؤدونها على الوجه الأكمل بأركانها وخشوعها وآدابها {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي يدفعونها إلى مستحقيها طيبةً بها نفوسهم ابتغاء مرضاة الله {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي يصدّقون بالدار الآخرة ويعتقدون بها اعتقاداً جازماً لا يخالطه شك ولا ارتياب، وكرَّر الضمير "هم" للتأكيد وإِفادة الحصر {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة على نور وبصيرة، ومنهج واضح سديد، من الله العزيز الحميد {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون السعداء في الدنيا والآخرة قال أبو حيان: وكرر الإِشارة {وَأُوْلَـٰئِكَ} تنبيهاً على عظم قدرهم وفضلهم، ولما ذكر تعالى حال السعداء، الذين أهتدوا بكتاب الله وانتفعوا بسماعه، عطف عليهم بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع الغناء والمزامير فقال {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} أي ومن الناس من يشتري ما يُلهي عن طاعة الله، ويَصُد عن سبيله، مما لا خير ولا فائدة فيه قال الزمخشري: واللهو كل باطلٍ ألهى عن الخير، نحو السمر بالأساطير، والتحدث بالخرافات المضحكة، وفضول الكلام وما لا ينبغي، وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الآية فقال: والله الذي لا إِله إِلا هو - يكررها ثلاثاً - إٍنما هو الغناء، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي ليُضل الناس عن طريق الهدى، ويُبعدهم عن دينه القويم، بغير حجة ولا برهان {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} أي ويتخذ آيات الكتاب المجيد سخرية واستهزاءً، وهذا أدخل في القبح، وأعرقُ في الضلال {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي لهم عذاب شديد مع الذلة والهوان {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا} أي وإِذا قرئت عليه آيات القرآن {وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي أعرض وأدبر متكبراً عنها كأنه لم يسمعها، شأن المتكبر الذي لا يلتفت إِلى الكلام، ويجعل نفسه كأنها غافلة {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} أي كأن في أذنيه ثقلاً وصمماً يمنعانه عن استماع آيات الله {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي أنذره يا محمد بعذاب مؤلمٍ، مفرطٍ في الشدة والإِيلام، ووضع البشارة مكان الإِنذار تهكم وسخرية قال في البحر: تضمنت هذه الآية ذمَّ المشتري من وجوه: التولية عن الحكمة، ثم الاستكبار عن الحق، ثم عدم الالتفات إِلى سماع الآيات، ثم الإِيغال في الإِعراض مشبهاً حال من لم يسمعها، لكونه لا يلقي لها بالاً ولا يلتفت إِليها، ثم التهكم به بالبشارة بأشد العذاب.. ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين من جنات النعيم فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح، وبين حسن النيّة وإِخلاص العمل {لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ} أي لهم على إِيمانهم واستقامتهم على شريعة الله جناتُ الخلد يتنعمون فيها بأنواع الملاذّ، من المآكل والمشارب والملابس، والنساء والحور العين، وسائر ما أكرمهم الله به من الفضل والإِنعام، مما لا عينٌ رأتْ ولا أذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر {خَالِدِينَ فِيهَا} أي دائمين في تلك الجنات، لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حولاً {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أي وعداً من الله قاطعاً، كائناً لا محالة، لا خلف فيه لأن الله لا يخلف الميعاد {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي هو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء ليمنعه عن إِنجاز وعده، الحكيم الذي لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ثم نبّه تعالى إِلى دلائل قدرته، وآثار عظمته وجلاله لإِقامة البراهين على وحدانيته فقال {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي خلق السماوات في سعتها وعظمتها وإِحكامها بدون دعائم ترتكز عليها، حال كونكم تشاهدونها كذلك واقفة من غير أن تستند على شيء، ولا تمسكها إِلا قدرة الله العليّ الكبير {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي جعل فيها جبالاً ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب بكم فتهلككم بأن تقلبكم عن ظهرها، أو تهدم بيوتكم بتزلزلها قال الإِمام الفخر: واعلم أن الأرض ثباتُها بسبب ثقلها، وإِلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح، ولو خلقها تعالى مثل الرمل لما كانت تثبتُ للزراعة، كما نرى الأراضي الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، فهذه هي حكمة إِرسائها بالجبال، فسبحان الكبير المتعال {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي ونشر وفرَّق في أرجاء الأرض من كل أنواع الحيوانات والدواب من مأكول ومركوب، مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إِلا الذي خلقها {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي وأنزلنا لحفظكم وحفظ دوابكم المطر من السحاب {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي فأنبتنا في الأرض من كل نوعٍ من النبات، ومن كل صنفٍ من الأغذية والأدوية {كَرِيمٍ} أي كثير المنافع، بديع الخلق والتكوين {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} أي هذا الذي تشاهدونه وتعاينونه أيها المشركون هو من مخلوقات الله، فانظروا في السماوات والأرض، والإِنسان، والنبات، والحيوان، وسائر ما خلق الله ثم تفكروا في آثار قدرته، وبديع صنعته {فَأَرُونِي} ثم أخبروني {مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أي أيَّ شيءٍ خلقته آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من الأوثان والأصنام؟ وهو سؤال على جهة التهكم والسخرية بهم وبآلهتهم المزعومة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الواضح فقال {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي بل المشركون في خسران ظاهر، وضلالٍ واضح ما بعده ضلال، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، فهم أضل من الحيوان الأعجم، لأن من عبد صنماً جامداً ، وترك خالقاً عظيماً مدبراً، يكون أحطَّ شأناً من الحيوان. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- وضع المصدر للمبالغة {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}. 2- الإِشارة بالبعيد {تِلْكَ آيَاتُ} عن القريب {هَـٰذِهِ} لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن. 3- الإِطناب بتكرار الضمير واسم الإِشارة {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ} لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي هم المفلحون لا غيرهم. 4- الاستعارة التصريحية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} شبّه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية. 5- التشبيه المرسل المجمل {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} ذكرت أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه "مرسل مجمل". 6- أسلوب التهكم {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم. 7- الالتفات من الغيبة إلى التكلم {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} بعد قوله {خَلْقُ}، {وَأَلْقَىٰ}، {وَبَثَّ} وكلها بضمير الغائب، ثم التفت فقال {وَأَنزَلْنَا} تعظيماً لشأن الرحمن، وتوفيةً لمقام الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية. 8- إِطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} أي مخلوقة. 9- الاستفهام للتوبيخ والتبكيت {مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}؟ 10- وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلالٍ مبين. 11- مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل {عَذَابٍ أَلِيمٍ}، {جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ}، {زَوْجٍ كَرِيمٍ}، {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} ويسمى هذا النوع في علم البديع "سجعاً" وأفضله ما تساوت فقره، وكان سليماً من التكلف، خالياً من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في نهاية الآيات الكريمة. فَائِدَة: وصفُ الكتاب بالحكمة في هذه السورة {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} مناسبٌ لجو السورة الكريمة لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب المجيد، على طريقة القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} هذه السورة مكية قال ابن عباس: إلا ثلاث آيات أولهن ولو ان ما في الأرض وسبب نزولها أن قريشاً سألت عن قصة لقمان مع ابنه وعن بر والديه فنزلت * ومناسبتها لما قبلها أنه قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ}تفسير : [الروم: 58] فأشار هنا إلى ذلك بقوله: {الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} الخ وكان في آخر تلك ولئن جئتهم بآية وهنا وإذا تتلى عليه وتلك إشارة إلى البعيد فاحتمل أن يكون ذلك البعد غايته وعلو شأنه وآيات الكتاب أي القرآن أو اللوح المحفوظ. ولما ذكر من صفات القرآن الحكمة وأنه هدى ورحمة وان متبعه فائز ذكر حال من بدل بطلب الحكمة اللهو وذكر مبالغته في ارتكابه حتى جعله مشترياً له وباذلاً فيه رأس عقله وذكر علته وأنها الإِضلال عن طريق الله تعالى ونزلت هذه الآية في النضر بن الحارث كان يتجر إلى فارس ويشتري كتب الأعاجم فيحدث قريشاً بحديث رسم واسفندار يقول: أنا أحسن حديثاً ومن قوله: من يشتري موصولة بدأ أولاً بالحمل على اللفظ فأفرد في قوله: وإذا تتلى إلى آخر الضمائر وضمن هذه الآية ذم المشتري من وجوه التولي عن الحكمة ثم الاستكثار ثم عدم الالتفات إلى سماعها كأنه غافل عنها ثم الإِيغال في الإِعراض بكون أذنيه كان فيهما صمماً يصده عن السماع. و{كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} حال من الضمير في مستكبراً أي مشبهاً حال من لم يسمعها لكونه لا يجعل لها بالاً ولا يلتفت إليها وكأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واجب الحذف وكان في أذنيه حال من لم يسمعها وانتصب. {وَعْدَ ٱللَّهِ} على أنه مصدر مؤكد والعامل فيه محذوف تقديره وعد الله وحقاً منصوب بمحذوف تقديره أحق حقاً وكلاهما مؤكد لما قبلهما. {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} تقدم الكلام عليه والزوج الصنف ومعنى كريم مدحه بكرم جوهره ونفاسته وحسن منظره. {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته وبخ بذلك الكفار وأظهر حجته عليهم والخلق بمعنى المخلوق كقولهم: درهم ضرب الأمير أي مضروبه. {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} اختلف في لقمان هل كان حراً أم عبداً أم نبياً أم رجلاً صالحاً إختلافاً كثيراً مذكوراً في البحر والحكمة المنطق الذي يتعظ به ويتنبه وتتناقله الناس. {أَنِ ٱشْكُرْ} هي المخففة من الثقيلة أو مفسرة ولنفسه أي ثواب الشكر لا يحصل إلا للشاكر وكفر من كفر لا يضره وحميد مستحق الحمد لذاته وصفاته * وإذ قال الناصب لأن أذكر محذوفة واختلف في إسم ابنه إختلافاً كثيراً. {وَهُوَ يَعِظُهُ} جملة حالية قيل كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما والظاهر أن قوله: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} من كلام لقمان وقيل هو خبر من الله منقطع عن كلام لقمان متصل به في تأكيد المعنى وفي صحيح مسلم ما ظاهره أنه من كلام لقمان. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} هذه الآية إعتراض بين أثناء وصية لقمان وفيها تشديد وتوكيد لاتباع الولد والده وامتثال أمره في طاعة الله تعالى والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت نزلتا في سعد بن أبي وقاص وعليه جماعة من المفسرين ولما خص الأم بالمشقات من الحمل والنفاس والرضاع والتربية نبه على السبب الموجب للإِيصاء بها ولذلك جاء في الحديث الأمر ببر الأم ثلاث مرات ثم ذكر الأب فجعل له مرة الربع من المبرة. {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق. {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ومعناه فصاله في تمام عامين عبر عنه بنهايته وأجمعوا على اعتبار العامين في مدة الرضاع في باب الإِحكام والنفقات وأما في تحريم اللبن في الرضاع فخلاف مذكور في الفقه. {وَإِن جَاهَدَاكَ} تقدّم الكلام عليه في العنكبوت وانتصب معروفاً على أنه صفة لمصدر محذوف أي صحاباً أو مصاحباً معروفاً وعشرة جميلة وهو إطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما وانتهارهما وعيادتهما إذا مرضا ومواراتهما إذا ماتا. {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي رجع إلى الله تعالى وهو سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم لا سبيلهما. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي مرجعك ومرجعهما فأجازي كلاً منكم بعمله ولما نهى لقمان ابنه عن الشرك نبه على قدرة الله تعالى وأنه لا يمكن أن يتأخر عن مقدوره شىء. فقال {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ} والظاهر ان الضمير في انها ضمير القصة وتك مضارع كان حذفت نونها وهي تامة ومثقال فاعل بتك وأنث الفعل لإِضافة الفاعل إلى مؤنث كما قالوا تواضعت سور المدينة. {مِّنْ خَرْدَلٍ} في موضع الصفة لحبة فتكن معطوف على تك وهي تامة اسمها مضمر فيها أي فتكن هي والخبر في صخرة وبدأ أولاً بما يتعقله الإِنسان وهي كينونة الشىء في صخرة وهو ما صلب من الحجر وعسر إخراجه منها ثم اتبعه بالعالم العلوي وهو أغرب للسامع ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض * يأت بها الله جواب الشرط لما نهاه أولاً عن الشرك أمر بما يتوسل به إليه من الطاعات فبدأ بأشرفها وهو الصلاة ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم بالصبر على ما يصبه من المحن. {إِنَّ ذَلِكَ} إشارة إلى ما تقدّم مما نهاه عنه وأمره به والعزم مصدر فاحتمل أن يكون يراد به المفعول أي من معزوم الأمور واحتمل أن يراد به الفاعل أي عازم الأمور كقوله: فإِذا عزم الأمر وقرىء: {وَلاَ تُصَعِّرْ} ولا تصاعر معناه لا تولهم شق وجهك كفعل المتكبر وأقبل على الناس بوجهك من غير تكبر ولا إعجاب. {وَلاَ تَمْشِ} تقدم الكلام عليه في سبحان. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ} تقدّم الكلام عليه في النساء. {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} لما نهاه عن الخلق الذميم أمره بالخلق الكريم وهو القصد في المشي بحيث لا يبطىء كما يفعل المتنامسون والمتعاجبون يتباطؤون في نقل خطواتهم المتنامس للرياء والمتعاجب للترفع ولا تسرع كما يفعل الخرق المشهور * والغض من الصوت التنقيص من رفعه وجهارته والغض رد طموح الشىء كالصوت والنظر والزمام وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية والظاهر أن قوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ} من كلام لقمان لابنه تنفيراً له عن رفع الصوت وقيل هو من كلام الله تعالى ردّ الله به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت وقيل واقصد في مشيك إشارة إلى الأفعال واغضض من صوتك إشارة إلى الأقوال فنبه على التوسط في الأفعال وعلى الإِقلال من فضول الكلام.
الجيلاني
تفسير : {الۤـمۤ} [لقمان: 1] أيها الإنسان الكامل اللائق للوامع لطائف أنوار الوجود الإلهي، ولوائح آثار جوده، المكرم المؤيَّد من عنده بمزيد اللطف والكرم، الممتاز المتخصص من بيع جميع مظاهره بالمرتبة الجامعة المستجمعة لجميع المراتب العلية. {تِلْكَ} الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل امتناناً لك، واختصاصاً بشأنك {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي: نبذ من آيات الكتاب {ٱلْحَكِيمِ} [لقمان: 2] المشتمل على الحكمة المتقنة، المنبعثة عن اجتماع القدرة الكاملة والإرادة الخالصة، المترتبين على العلم الكامل الإلهي الذي لا يغيب عن حضرة حضوره ذرة من ذرائر ما لاحت عليه شمس الوجود. ولجمعيته وشموله، وصدق نزوله من عند الله اتصف بوصفه سبحانه تأكيداً ومبالغةً، ولكونه نازلاً من عنده سبحانه على مقتضى الحكمة البالغة؛ لتأييد رسوله المعبوث إلى كافة الأمم صار {هُدًى} عاماً، ورشداً تاماً كله للمتثلثين بما فيه من الأوامر والنواهي، والأحكام والقصص، والتذكيرات والعبر، والرموز والإشارات {وَرَحْمَةً} خاصة نازلة من عنده سبحانه {لِّلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 3] الذي لا يرون غير الله في الوجود، ولا يعبدون سواه من الوسائل، ولا ينسبون الحوادث الكائنة في الآفاق إلى الأسباب العادية، والمحسنون المرضيون عند الله، الراضون بما جرى عليهم من نفوذ القضاء. هم {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} ويواظبون عليها في جميع أوقاتهم وحالاتهم، سيما الأوقات المحفوظة المقبولة {وَيُؤْتُونَ} وينفقون جميع ما في أيديهم من الرزق الذي يسوق الحق إليهم في سبيله طلباً لمرضاته، سيما {ٱلزَّكَاةَ} المفروضة عليهم من عنده سبحانه تزكيةً لظواهرهم عن الالتفات إلى ما يشغلهم {وَ} مع ذلك لا يقتصرون أولئك السعداء المقبولون بتهذيب الظاهر والباطن، بل {هُمْ بِٱلآخِرَةِ} المعدة لتنقيد الأعمال وجزاء الأفعال {هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] علماً وعيناً وحقاً. وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المتصفون بالخصائل السنيَّة والأخلاق المرضية {عَلَىٰ هُدًى} صريح صحيح، فائض نازل إياهم {مِّن رَّبِّهِمْ} تفضلاً عليهم، وامتناناً لهم {وَأُوْلَـٰئِكَ} الأمناء المقبولون المرضيون عند الله {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 5] المقصورون على الفوز والفلاح {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. جعلنا الله من خدامهم وتراب أقدامهم. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على كفران نعم الله، ونسيان حقوق كرمه وجوده {مَن يَشْتَرِي} ويستبدل آيات الكتاب المشتمل على أنواع الفضائل والكمالات، وأصناف الهدى والكرامات {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} أي: يستبدل الآيات الإلهية، ويختار بدلها من الأراجيف الكاذبة ما يلهي النفوس، ويشغلها عما يعينها ويفيدها، ويقربها إلى ما لا يعنيها ويضرها، وما ارتكب ذلك الضال المضل بما ارتكب من الاشتراء والاستبدال الفاسد إلاَّ {لِيُضِلَّ} ويصرف {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} من يميل إليها ويتوجه نحوها؛ ليتدين بدين الله، وينقاد لنبيه على مقتضى فطرته الأصلية، مع أنه صدر عنه هذا الصرف والمنع {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يتعلق به منه نقلاً، عن جهل مرتكز في جبلته، وحميته مركوزة في خبث طينته طبيعته. {وَ} بسبب ذلك الجهل الجبلي {يَتَّخِذَهَا} إلى الآيات الموصلة إلى طريق الحق وتوحيده {هُزُواً} أي: محل استهزاء وسخرية؛ لجهله وغفلته عن السرائر المودعة فيها، والأسرار المكنونة في فحاويها {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المجبولون عن الغواية والضلالة أصلاً وفرعاً، تابعاً ومتبوعاً {لَهُمْ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] يهينهم فيها بدل ما استهانوا بكتاب الله، واستهزءوا برسله ظلماً وزوراً بلا تدرب وتدبر. {وَ} من شدة شكيمته، وبغضه بالله ورسوله وكتابه، ونهاية عتوه وعناده {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} وقرئ عنده {ءَايَاتُنَا} الدالة على توحيد ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا {وَلَّىٰ} عنها، وأعرض عن استماعها، وانصرف عن قبولها {مُسْتَكْبِراً} عليها، متجافياً كشحه عنها، {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} مع أنها تُتلى عليهم قصد الاستماع، ولم يلتفت إليها {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} صمماً يعوقه عن السماع والاستماع {فَبَشِّرْهُ} يا أكمل الرسل بعدما أعرض عن كتاب الله، واستنكف عن استماعه وإصغائه مستخفاً عليه، مستحقراً إياه {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 7] مؤلم في غاية الشدة والألم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤـمۤ} [لقمان: 1] يشير بالألف إلى آلائه، وباللام إلى لطفه وعطائه، وبالميم إلى مجده وثنائه، فبآلائه رفع الجحد من قلوب الأولياء، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وثنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [لقمان: 2] أي: المحكم المحروس عن التغيير والتبديل وهو {هُدًى} [لقمان: 3] يهدي بهداه إلى الحق تعالى {وَرَحْمَةً} [لقمان: 3] لمن اعتصم به بوصاله بجذبات مودعة فيه إلى الله تعالى. كما أشار إلى هذا المعنى بقوله: {لِّلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 3] والمحسن من يعتصم بحبل القرآن متوجهاً إلى الله، ولهذا فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : فمن يكون بهذا الوصف يكون لا بدَّ متوجهاً إليه يراه، ولا بدَّ للمتوجه إليه أن يعتصم بحبله وإلا هو منزه عن الجهات، فلا يتوجه إليه بجهة من الجهات. ثم شرح حال المحسنين وقال: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} [لقمان: 4] أي: يدعونها بصدق التوجه وحضور القلب والإعراض عما سواه، ثم شرح حال المحسنين وقال: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [لقمان: 4] تزكية للنفس، فزكاة العوام من كل عشرين دينار لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل كما قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ}تفسير : [التوبة: 103]، فبإيتاء الزكاة على وجه الشرع ورعاية حقوق الأركان الأخرى نجاة العوام من النار، وزكاة الخواص من المال كلية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان لله كان الله له ". {أية : وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}تفسير : [النمل: 3] بخروجهم عن الدنيا وتوجههم إلى المولى والآخرة من المنزل الثاني لمن يسير إلى الله بقدم الخروج عن منزل الدنيا فمن خرج عن الدنيا لا بدَّ له أن يكون في الآخرة فيكون موقناً بها بعد أن كان مؤمناً بها. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} [لقمان: 5] أي: أولئك اهتدوا بالله إليه بجذبات العناية {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 5] يعني: هم الذين أفلحوا بالجذبات إذ خلصوا من حبس الوجود، فلما أخبر عن حال المعتصمين بحبل الله الواصلين إليه أخبر عن المعرضين عن القرآن متوجهين إلى لهو الحديث فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] فما يشغل عن الله ذكره ويحجب عن الله سماعه فهو لهو الحديث، وأما الغناء فمنه محرم وهو ما صرح تحريمه الشرع مثل المزامير وطبل المخنثين، ومنه ما لم يتعرض له الشرع أنه حلال أم حرام فهي كسائر المباحات، ومن جملتها مثل الدف والغناء بالكف في ظاهر الشرع كما حكم به الشافعي رحمه الله. وأما على مذهب أهل الحقيقة فالحكم في المباح منها ما أفتى به الجنيد - قدس الله روحه - فقال: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوقوف علومهم وصفاء قلوبهم، واجب على أصحابنا لفناء حظوظهم. وقال أبو بكر الكتاني: سماع العوام على متابعة الطبع، وسماع المريدين رغبة ورهبة، وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم، وسماع العارفين على المشاهدة، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام، فلا ريب في أن السماع مشتمل على كثير من الفوائد. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}تفسير : [الزمر: 18]، وقال: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} تفسير : [المائدة: 83] فكل سماع يفيد هذه المعاني لصاحبه من الهداية والرشد والمعرفة فهو السماع الذي أسمعه الله تعالى فمن القوم من يسمع في الله ولله وبالله ومن الله، ولا يسمع بالسمع الإنساني بل بالسمع الرباني كما قال تعالى: "حديث : كنت له سمعاً فبي يسمع" تفسير : فالحاصل أن من فسر قوله تعالى: { لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] بالغناء وحرمها إنما حرمها لأنها لهو وقد جاء في الحديث: "حديث : كل لهو حرام" تفسير : وقد حلت ربقة هذه الطائفة عن أن يسمعوا بلهو ويجتمعوا بسهو فإنهم يسمعون من حيث صفاء التوحيد بحق لا بحظ فهم بين استتار يوجب التلهب أو تجل يورث الترويح، أو خطاب يقتضي الاشتياق أو عتاب يزيد في الإحراق، فتارة يخاطبهم الحق بإشعارهم فيخطفهم عن ولهٍ، كأن البشرية مستورة، وتارة يتضرعون بين يدي الحق بأقوالهم وأبياتهم فيملأ في قلوبهم سروراً وحبوراً وعلى الحقيقة إن السماع مهما كان لجماعة من المريدين الصادقين أرباب الرياضات والمجاهدات بحضور شيخ كامل تحميهم ولايته عن تصرفات الشياطين، وتبدر همته لئلا تهيج في أنفسهم الآفات والفتن النائمة، وإلا فالاحتراز سنة أقرب إلى الصواب وأبعد من موجبات العقاب. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6] يعني: من يشتري لهو الحديث مما يشغل عن الله ذكره يكون حاصله أن يضل عن سبيل الله بغير علم عن تلك الضلالة {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] إهانة الطرد والإبعاد، وما في الآيات قد تقدم تفسيرها وتحقيقها إلى قوله تعالى: {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [لقمان: 11]. ثم أخبر عن إعطاء النعمة في إيتاء الحكمة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] يشير إلى لقمان القلب وإتيانه الحكمة والحكمة عدل الوحي، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوتيت القرآن وما يعدله"تفسير : وهو الحكمة بدليل قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [الجمعة: 2] فالحكمة موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء، وكما أن النبوة ليست كسبية بل هو {أية : فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الجمعة: 4] فكذلك الحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الأنبياء إياها طريق تحصيلها بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" تفسير : فكما أن القلب مهبط الوحي من إيحاء الحق تعالى فكذلك مهبط الحكمة بإيتاء الحق تعالى. كما قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} [لقمان: 12]، وقال: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]، فثبت أن الحكمة من المواهب لا من المكاسب؛ لأنها من الأحوال لا من المقامات والمعقولات التي سمتها الفلاسفة حكمة ليست بحكمة فإنها من نتائج الفكر السليم من شوب آفة الوهم والخيال وذلك يكون للمؤمن والكافر، وقلما يسلم من الشوائب ولهذا وقع الاختلاف في أدلتهم وعقائدهم ومن يحفظ الحكمة التي أوتيت بعض الحكماء الحقيقة لم تكن حكمة بالنسبة إليه؛ لأنه لم يؤت الحكمة ولم يكن هو حكيماً ولما كانت الحكمة من إنعام الله على لقمان ونعمة من نعمه طالبه بشكرها بقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } [لقمان: 12]، إذ أتاك هذه النعمة وأنت نائم غافل عنها جاهل بها. ثم قال: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: 12] لأن الشكر موجب لمزيد النعمة، وأيضاً لأن الكفر من الوصف اللازم للإنسان بأنه {أية : لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إبراهيم: 34] والشكر من صفة الحق فإن الله شاكر عليم، فمن شكر فإنما شكر لنفسه بإزالة الصفة الكفارية عنها واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} [لقمان: 12] أزلي الغنى وأبديتها لا يحتاج إلى شكر الشاكرين وهم يحتاجون في تحصيل الشكر إليه، ولو أنعم عليهم بمزيد النعمة لشكرهم إياه ما ينقص من غناه شيء، {حَمِيدٌ} [لقمان: 12] في ذاته وصفاته أن يحمده البعاد ويشكروه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى { آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } أي: آياته محكمة، صدرت من حكيم خبير. من إحكامها، أنها جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها، وأبينها، الدالة على أجل المعاني وأحسنها. ومن إحكامها، أنها محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف. ومن إحكامها: أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يخبر بخلافها، نبي من الأنبياء، [ولم يأت ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح، يناقض ما دلت عليه]. ومن إحكامها: أنها ما أمرت بشيء، إلا وهو خالص المصلحة، أو راجحها، ولا نهت عن شيء، إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء، مع ذكر [حكمته] فائدته، والنهي عن الشيء، مع ذكر مضرته. ومن إحكامها: أنها جمعت بين الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة، وتحتكم، فتعمل بالحزم. ومن إحكامها: أنك تجد آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض، ولا اختلاف. فكلما ازداد بها البصير تدبرا، وأعمل فيها العقل تفكرا، انبهر عقله، وذهل لبه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزما لا يمترى فيه، أنه تنزيل من حكيم حميد. ولكن - مع أنه حكيم - يدعو إلى كل خلق كريم، وينهى عن كل خلق لئيم، أكثر الناس محرومون الاهتداء به، معرضون عن الإيمان والعمل به، إلا من وفقه اللّه تعالى وعصمه، وهم المحسنون في عبادة ربهم والمحسنون إلى الخلق. فإنه { هُدًى } لهم، يهديهم إلى الصراط المستقيم، ويحذرهم من طرق الجحيم، { وَرَحْمَة } لهم، تحصل لهم به السعادة في الدنيا والآخرة، والخير الكثير، والثواب الجزيل، والفرح والسرور، ويندفع عنهم الضلال والشقاء. ثم وصف المحسنين بالعلم التام، وهو اليقين الموجب للعمل والخوف من عقاب اللّه، فيتركون معاصيه، ووصفهم بالعمل، وخص من العمل، عملين فاضلين: الصلاة المشتملة على الإخلاص، ومناجاة اللّه تعالى، والتعبد العام للقلب واللسان، والجوارح المعينة، على سائر الأعمال، والزكاة التي تزكي صاحبها من الصفات الرذيلة، وتنفع أخاه المسلم، وتسد حاجته، ويبين بها أن العبد يؤثر محبة اللّه على محبته للمال، فيخرجه محبوبه من المال، لما هو أحب إليه، وهو طلب مرضاة اللّه. فـ { أُولَئِكَ } هم المحسنون الجامعون بين العلم التام، والعمل { عَلَى هُدًى } أي: عظيم كما يفيده التنكير، وذلك الهدى حاصل لهم، وواصل إليهم { مِنْ رَبِّهِمْ } الذي لم يزل يربيهم بالنعم; ويدفع عنهم النقم. وهذا الهدى الذي أوصله إليهم، من تربيته الخاصة بأوليائه، وهو أفضل أنواع التربية. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الذين أدركوا رضا ربهم، وثوابه الدنيوي والأخروي، وسلموا من سخطه وعقابه، وذلك لسلوكهم طريق الفلاح، الذي لا طريق له غيرها. ولما ذكر تعالى المهتدين بالقرآن، المقبلين عليه، ذكر من أعرض عنه، ولم يرفع به رأسا، وأنه عوقب على ذلك، بأن تعوض عنه كل باطل من القول، فترك أعلى الأقوال، وأحسن الحديث، واستبدل به أسفل قول وأقبحه، فلذلك قال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):