Verse. 347 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَمَكَرُوْا وَمَكَرَ اؙ۝۰ۭ وَاللہُ خَيْرُ الْمٰكِرِيْنَ۝۵۴ۧ
Wamakaroo wamakara Allahu waAllahu khayru almakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى: «ومكروا» أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة «ومكر الله» بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفُع عيسى إلى السماء «والله خير الماكرين» أعلمهم به.

54

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ} يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، أي قتله. وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم. ومَكْر الله: ٱستدراجه لعباده من حيث لا يعلمون؛ عن الفرّاء وغيره. قال ٱبن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة. وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم؛ فسمى الجزاء بٱسم الابتداء؛ كقوله: «اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ»، «وَهُوَ خَادِعُهُمْ». وقد تقدّم في البقرة. وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع. والمكر: خَدَالة الساق. وٱمرأة ممكورة الساقين. والمكر: ضرب من الثياب. ويقال: بل هو المَغَرَة؛ حكاه ٱبن فارس. وقيل: «مكر الله» إلقاء شَبه عيسى على غيره ورَفْع عيسى إليه، وذلك أن اليهود لما ٱجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هارباً منهم فرفعه جبريل من الكوّة إلى السماء، فقال مَلِكهم لرجل منهم خبيثٍ يقال له يهوذا: ٱدخل عليه فاقتله، فدخل الخَوْخَة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصَلَبوه. ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا؛ فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضاً؛ فذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}. وقيل غير هذا على ما يأتي. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} ٱسم فاعل من مَكَر يمَكَر مَكْراً. وقد عدّه بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به: يا خير الماكرين أمكر لي. وكان عليه السلام يقول في دعائه: «حديث : اللهم ٱمكر لي ولا تمكر عليّ»تفسير : . وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {وَمَكَرُواْ } أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة {وَمَكَرَ ٱللَّهُ } بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه، وَرَفَعَ عيسى إلى السماء {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ } أعلمهم به.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَكَرُواْ} بالمسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ليقتلوه فمكر الله ـ تعالى ـ بهم بالخيبة بإلقاء شَبَهه على غيره، أو مكروا بإضمار الكفر ومكر الله لمجازاتهم بالعقوبة، وذكر ذلك للازدواج، كقوله ـ تعالى ـ {أية : فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 194] وأصل المكر الالتفاف، الشجر المتلف مكر، فالمكر احتيال على الإنسان، لإلقاء المكروه به، والفرق بينه وبين الحيلة أنه لايكون إلا لقصد الإضرار، والحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إضرار.

السلمي

تفسير : قال محمد بن على: مكرُوا أنفسهم فحَسَّن اللهُ مكرهُم عندهم، وهو كان فى الحقيقة الماكرُ بهم لتزيينه ذلك عندهم، ألا تراه يقول: { أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } تفسير : [فاطر: 8]. سُئلَ بعضُ أهلِ الحقيقة: كيف يُنسَبُ المكرُ إلى الله؟ فصاحَ وقال: لا علَّةَ لصُنْعهِ وأنشد: شعر : ويقْبحُ من سِوَاكَ الفِعلُ عندى وتفعَلُه فيحسنُ منكَ ذاكا

البقلي

تفسير : سقطوا عن مشاهدة سابق مكر الحق فاحتالوا مع اهل الولاية بتدبير النفس فكان مكرهم مكر الحق عليهم وهم لا يعلمون انهم مخدوعون قال محمد بن على مكروا انفسهم فحسن الله مكرهم عندهم وكان في الحقيقة الماكر بهم لتزيينه ذلك عندهم الا تاره يقول افمن زين له سؤ عمله فراه حسنا سئل بعض اهل الحقيقة كيف تنسب المكر الى الله فصاح وقال لا علة لصنعه وانشد شعر : ويبح من سواك الفعل عندى وتفعله فيحسن منك ذاكا فديتك قد جبلت على هواكا فنفسى لا تنازعنى سواكما احبك لا ببعضى بل بكلى وان لم يبقى حبك لى حراكا

اسماعيل حقي

تفسير : {ومكروا} اى الذين علم عيسى كفركهم من اليهود بان وكلوا به من يقتله غلية وهو ان يخدعه فيذهب به الى موضع فاذا صار اليه قتله {ومكر الله} بان رفع عيسى عليه السلام والقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل {والله خير الماكرين} أقواهم مكرا وانفذهم كيدا واقدرهم على ايصال الضرر من حيث لا يحتسب - روى - ان ملك بنى اسرائيل لما قصد قتله عليه السلام امره ان يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة الى السماء وكساه الله الريش والبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة حول العرش وكان انسيا سماويا ارضيا ثم قال الملك لرجل خبيث منهم ادخل عليه فاقتله فدخل البيت فالقى الله عز وجل شبهه عليه السلام عليه فخرج يخبرهم انه ليس فى البيت فقتلوه وصلبوه ثم قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فان كان هذا عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى فوقع بينهم مقال عظيم ولما صلب المصلوب جاءت مريم ومعها امرأة أبرأها الله من الجنون بدعاء عيسى وجعلتا تبكيان على المصلوب فأنزل الله عيسى عليه السلام فجاءهما فقال على من تبكيان قالتا عليك فقال ان الله رفعنى ولم يصبنى الا خير وان هذا شىء شبه لهم فلما كان بعد سبعة ايام قال الله لعيسى اهبط الى المجدلانية على موضع فى جبلها فانه لم يبك عليك احد بكاءها ولم يحزن احد حزنها ثم استجمع الحواريين فبثهم اى فاجعلهم متفرقين فى الارض دعاة الى الله فاهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين فبثهم فى الارض دعاة ثم رفعه الله اليه وتلك الليلة هى الليلة التى تدخن فيها النصارى فلما اصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من ارسله عيسى اليهم فذلك قوله {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} والمكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة والمكر من الله استدراج العبد واخذه بغته من حيث لا يعلم فيا ايهاالعبد خف من وجود احسان مولاك اليك ودوام اساءتك معه فى دوام الطفه بك وعطفه عليك ان يكون استدراجاً حتى تقف معها وتغتر بها وتفرح لما اوتيت فتؤخذ بغتة قال الله تعالى {أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }تفسير : [الأعراف: 182]. قال سهل رضى الله عنه فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم اخذوا. وقال ابو العباس ابن عطاء يعنى كلما احدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه ان يسيىء الادب باظهار دعوى او توريط فى بلوى فتؤخر العقوبة عنه امهالاً له فيظنه اهمالاً فيقول لو كان هذا سوء ادب لقطع الامداد واوجب الابعاد اعتبار بالظاهر من الامر من غير تعريج على ما وراء ذلك وما ذاك الا لفقد نور بصيرته او ضعف نورها والا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن انه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد الا منع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان قال عليه السلام "حديث : من استوى يوما فهو مغبون ".تفسير : ولو لم يكن من الابعاد الا ان يخليك وما تريد فيصرفك عنه بمرادك هذا والعياذ بالله مكر وخسران. وعن ابن حنبل انه كان يوصى بعض اصحابه فقال خف سطوة العدل وارج رقة الفضل ولا تأمن من مكره تعالى ولو ادخلك الجنة ففى الجنة وقع لابيك آدم ما وقع وقد يقطع باقوام فيها فيقال لهم كلوا واشربوا هنيأ بما اسلفتم فى الايام الحالية فقطعهم بالاكل والشرب عنه وأى مكر فوق هذا وأى خسران اعظم منه.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - قال السدي مكروا بالمسيح بالحيلة عليه، لقتله {ومكر الله بردهم} بالخيبة، لالقائه شبه المسيح على غيره. الثاني - {مكروا} باضمار الكفر {ومكر الله} بمجازاتهم عليه بالعقوبة. والمكر، وإن كان قبيحاً فانما أضافه تعالى إلى نفسه لمزاوجة الكلام، كما قال: {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}تفسير : وليس باعتداء وإنما هو جزاء، وهذا أحد وجوه البلاغة، لأنه على أربعة أقسام: أحدها - المزاوجة نحو {ومكروا ومكر الله}. والثاني - المجانسة نحو قوله: {أية : يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}.تفسير : الثالث - المطابقة نحو قوله: {أية : ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً}تفسير : بالنصب على مطابقة الجواب للسؤال. والرابع - المقابلة نحو قوله: {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة}تفسير : قال الشاعر: شعر : واعلم وأيقن ان ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان تفسير : أي كما تجزي تجزى. والأول ليس بجزاء وأصل المكر الالتفاف، فمنه المكر ضروب من الشجر مثل الدعل ونحوه، لالتفافه. والممكورة من النساء الملتفة والمكر طين أحمر شبيه بالمغرة. وثوب ممكور إذا صبغ بذلك الطين. والمكر الاحتيال على العبد، لالتفاف المكروه عليه. وحد المكر: خبء يختدع به العبد لايقاعه في الضر. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون، لاظهار ما تعسر من الفعل من غير قصد إلى الاضرار بالعبد. والمكر حيلة على العبد توقعه في مثل الرهق.

الجنابذي

تفسير : {وَمَكَرُواْ} اى اليهود الّذين احسّ عيسى (ع) منهم الكفر مكروا لقتله بما سيجيء والمكر اخفاء المقصود واظهار غيره للعجز عن امضاء المقصود جهاراً وبهذا المعنى لا يجوز اطلاقه على الله الاّ من باب المشاكلة {وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} من حيث المكر لكون الاخفاء والاعلان بيده وفى حكمه بخلاف غيره من الماكرين، او لكون المكر منه عدلاً ومن غيره ظلماً، او لكون مكره واستدراجه ماضياً لا محالة دون غيره. تفصيل حال عيسى واخذه وصلبه نقل انّ عيسى (ع) بعد اخراج قومه ايّاه من بين اظهرهم عاد اليهم مع الحواريّين وصاح فيهم بالدّعوة فهمّوا بقتله وتواطؤوا على القتل فذلك مكرهم به، ومكر الله بهم القاؤه شبهه على صاحبه الّذى اراد قتل عيسى (ع) حتّى قتل وصلب ورفع عيسى (ع) الى السّماء وقيل: لمّا اراد ملك بنى اسرائيل قتل عيسى (ع) دخل خوخته وفيها كوّة فرفعه جبرئيل من الكوّة الى السّماء وقال الملك لرجل منهم خبيث: ادخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى (ع) فخرج الى اصحابه يخبرهم انّه ليس فى البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا انّه عيسى (ع) وقيل اسرّوه ونصبوا له خشبة ليصلبوه فأظلمت الارض وارسل الله الملائكة فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلاً يقال له يهودا وهو الّذى دلّهم على المسيح وذلك انّ عيسى (ع) جمع الحواريّين تلك اللّيلة وأوصاهم ثمّ قال: ليكفرنّ بى احدكم قبل ان يصيح الدّيك بدراهم يسيرةٍ؛ فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه فاتى احد الحواريّين اليهم فقال: ما تجعلون لى ان ادلّكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فاخذها ودلّهم عليه فالقى الله عليه شبه عيسى (ع) لمّا دخل البيت ورفع عيسى (ع) فأخذ فقال: انا الّذى دللتكم عليه فلم يلتفتوا الى قوله وصلبوه وهم يظنّون انّه عيسى (ع) فلمّا صلب شبه عيسى (ع) واتى على ذلك سبعة ايّام قال الله عزّ وجلّ لعيسى (ع): اهبط على مريم لتجمع لك الحواريّين فهبط واشتعل الجبل نوراً فجمعت له الحواريّين فبثّهم فى الارض دعاةً ثمّ رفعه الله سبحانه وتلك اللّيلة هى اللّيلة الّتى يدّخر فيها النّصارى فلمّا اصبح الحواريّون حدّث كلّ واحد منهم بلغة من ارسله عيسى (ع) اليهم فذلك قوله عزّ وجلّ، {وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}، وذكر فى الانجيل انّ يهودا الّذى دلّهم على عيسى (ع) ندم على فعله والقى الدّراهم اليسيرة وكانت ثلاثين قطعة من الفضّة فى معبدهم وقتل نفسه. وورد فى اخبارنا انّه القى شبه عيسى (ع) على شابّ من تابعيه ليكون معه فى درجته. وفى الانجيل انّ الّذى كفر به اللّيلة الّتى أخذ فيها ثلاث مرّات قبل ان يصيح الدّيك كان شمعون وانّه كفر به، وانكره ثلاث مرّات، وفى الانجيل انّ اليهود صلبوا عيسى (ع) والتمس رجل من تابعيه من الملك ان يدفن جثّته فأذن له ودفنه فى قبر نحته من الحجر لنفسه والقى على بابه حجراً عظيماً ثمّ رفع من القبر بعد الموت واجتمع له الحواريّون وعلّم كلّ بلغة من ارسل اليهم، وروى عن النّبىّ (ص) انّه قال "حديث : بعث الله عيسى بن مريم (ع) واستودعه النّور والعلم والحكم وجميع علوم الانبياء قبله وزاده الانجيل وبعثه الى بيت المقدّس الى بنى اسرائيل يدعوهم الى كتابه وحكمته والى الايمان بالله ورسوله فابى اكثرهم الاّ طغياناً وكفراً فلمّا لم يؤمنوا دعا ربّه وعزم عليه فمسح منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا فلم يزدهم ذلك الاّ طغياناً وكفراً فاتى بيت المقدّس فمكث يدعوهم ويرغّبهم فيما عند الله ثلاثة وثلاثين سنة حتّى طلبته اليهود وادّعت انّها عذّبته ودفنته فى الارض حيّاً، وادّعى بعضهم انّهم قتلوه وصلبوه وما كان الله ليجعل لهم سلطاناً عليه وانّما شبّه لهم"تفسير : ، وروى عن الباقر (ع) انّ عيسى (ع) وعد اصحابه ليلة رفعه الله اليه فاجتمعوا اليه عند الماء وهم اثنا عشر رجلاً فأدخلهم بيتاً ثمّ خرج عليهم من عين فى زاوية البيت وهو ينفض رأسه من الماء فقال انّ الله اوحى الىّ انّه رافعى اليه السّاعة ومطهّرى من اليهود فايّكم يلقى عليه شبحى فيقتل ويصلب فيكون معى فى درجتى؟ - فقال شابّ منهم: انا يا روح الله قال فأنت هو فقال لهم عيسى (ع) اما انّ منكم من يكفر بى قبل ان يصبح اثنتى عشرة كفرة فقال له رجل منهم انا هو يا نبىّ الله فقال عيسى (ع) اتحسّ بذلك فى نفسك فلتكن هو ثمّ قال لهم عيسى (ع) اما انّكم ستفرقون بعدى على ثلاث فرق، فرقتين مفتريتين على الله فى النّار وفرقة تتّبع شمعون صادقة على الله فى الجنّة، ثمّ رفع الله عيسى (ع) اليه من زاوية البيت وهم ينظرون اليه ثمّ قال انّ اليهود جاءت فى طلب عيسى (ع) من ليلتهم فأخذوا الرّجل الّذى قال له عيسى (ع): انّ منكم لمن يكفر بى قبل ان يصبح اثنتى عشرة كفرة، وأخذوا الشابّ الّذى القى عليه شبه عيسى (ع) فقتل وصلب وكفر الّذى قال له عيسى (ع) يكفر بى قبل ان يصبح اثنتى عشرة كفرةً.

اطفيش

تفسير : {وَمَكَرُواْ}: أى مكر الذين أحس عيسى منهم الكفر بعيسى، ومعنى مكرهم: أنهم وكلوا عليه من يقتله خفية. {وَمَكَرَ اللَّهُ}: بهم، أى جازاهم على مكرهم، سمى الجزاء مكراً لأنه مسبب لمكرهم، فهو من تسمية المسبب باسم السبب، أو للمشاكلة، أو تشبيهاً على الاستعارة، ومعنى {وَمَكَرَ اللَّه} أنه ألقى الشبه على من جاء لقتله فكان هو المقتول، غما له، ولمن أرسله للقتل، وأوقع بينهم قتالا عظيماً لشأن هذا المقتول. {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: أفضلهم مكراً، بمعنى أن مكره أقوى وأعظم إذ لا يطاق، وإذ يكون من حيث لا يحتسب محتسب، قيل: إن يهوذا ملك اليهود، أراد قتل عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وكان جبريل عليه السلام لا يفارقه ساعة، كما قال الله تعالى {أية : وأيَّدْنَاهُ بروح القدس}،تفسير : فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فى سقفه منفذ، فدخل فأخرجه جبريل من المنفذ، وقد أمر الملك رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل البيت ويقتله، فدخل ولم ير عيسى فأبطأ عليهم، فظنوا أنه يقاتله، فألقى الله عليه شبه عيسى، ولما خرج ظنوا أنه عيسى، فقتلوه وصلبوه، يظنون أنه عيسى، وهو يصيح: أنا ططيانوس.. فلم يلتفتوا إليه ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، فوقع بينهم قتال عظيم. وعن وهب بن منبه: أن اليهود طرقوا عيسى فى بعض الليل، ونصبوا لهُ خشبة ليصلبوه عليها، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى عليه السلام الحوارين، تلك الليلة وأوصاهم، وقال: ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعنى بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين اليهود، وقال: ما تجعلون لى أن دللتكم عليه؟ فجعلوا لهُ ثلاثين درهماً فأخذها، ودلهم عليه، ولما دل البيت الذى فيه عيسى، ألقى الله عليه شبه عيسى، ورفع الله عز وجل، عيسى، وأخذوا الذى دلهم عليه، فقال: أنا الذى دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله، فقتلوه وصلبوه يظنونه عيسى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن عيسى عليه السلام استقبل رهطاً من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع عيسى ذلك، دعى عليهم ولعنهم، فمسخهم الله خنازير، ولما رأى ذلك يهوذا ملكهم، فزع وخاف دعوته، فاجتمعت كلمة اليهود على قتله، فأرسلوا ططيانوس إليه، وأخرجه جبريل من منفذ البيت، وألقى الشبه على ططيانوس فقتلوه، قيل: لما صلب شبيه عيسى، جاءت أمه مريم وامرأة كانت مجنونة - فأبرأها تعالى بدعاء عيسى عليه السلام - تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان؟ قالت: عليك.. فقال: إن الله تعالى رفعنى ولم يصبنى إلا خيراً، وإن هذا شخص شبه لهم. ولما كان بعد سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط إلى الأرض، إلى مريم الحزينة فى جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم لتجمع لك الحواريين، فبثهم فى الأرض دعاة إلى الله عز وجل، فأهبطهُ الله عليها، فاشتعل الحبل نوراً حين أهبط، ثم جمعت له الحواريين فأمرهم، فكان كل واحد منهم يتكلم بلغة من أرسله عيسى إليهم. وعن السدى: أن اليهود حبست على عيسى فى بيت، ومعهُ عشرة من الحواريين، فدخل عليهم رجل منهم، وكان قد نافق، فألقى عليه شبه عيسى فأخذ وقتل وصلب، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبى الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل، فقال رجل منهم: أنا يا نبى الله. فقتل ذلك الرجل، ورفع الله عيسى وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنهُ لذة المطعم والمشرب فهو مع الملائكة حول العرش، كذا حكى قتادة.

اطفيش

تفسير : {وَمَكَرُوا} حاول من أحس عيسى منهم الكفر إهلاكه باحتيال وخفاء، بأن وكلوا من يقتله كذلك، أو مكروا بقتله كذلك، وكلهم قصدوا قتله بإيديهم، لأنهم أمروا من يقتله بيده {وَمَكَرَ اللهُ} عاقبهم على مكرهم، سمى عذابه مكرا للمشاكلة، أو لأن عقابه مسبب مكرهم، أو لازمة، أو شبه فعله بهم بفعل الماكرين، وأورده بطريق الاستعارة، والله عز وجل منزه عن حقيقة المكر، لأنه فعل العاجز، ووجه الشبه الخفاء إذ آل أمرهم إلى قتال بينهم بسبب قتل قاصد قتله، وإلى قتل قاصد فقد يستعمل المكر فى حق الله تعالى بلا مشاكلة، كقوله تعالى:" أية : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" تفسير : [الأعراف: 99] على الاستعارة المفردة أو التمثيلية، أو المشاكلة التقديرية، بأن لوَّح إلى مكرهم وصرح بمكره، كقوله تعالى: صيغة الله، واختار بعض أنه جائز جاز فى حق الله بلا مشاكلة، والأصل عدم التقدير، وقال الفخرك جاء حقيقة، على أنه إيصال الشر إلى الغير بخفاء، أو أنه التدبير المحكم ووجه التجوز أنه يفسر بإيصال الشر، ولو إلى الغير باحتيال، والحيلة أعم، لأنها لا تختص بالشر، ولا يوصف الله تعالى بها لأنها عن عجز {واللهُ خَيْرُ} أعظم وأشد إضارار، أو أقوى أو أعلم {المَاكِرِينَ} وهذا تهديد وهو أنسب بالمقام، بخلاف ما لو قلنا، المعنى مكر الله أحسن، لأنه وقع فى محله لا ظلم وأيضاً لاحسن فى مكرهم إلا بتكليف اعتبار حسن اللياقة فى المكر من غير عتبار حل وحرمة.

الالوسي

تفسير : {وَمَكَرُواْ } أي الذين أحس منهم الكفر إذ وكلوا به من يقتله غيلة {وَمَكَرَ ٱللَّهُ } بأن ألقى شبهه عليه السلام على غيره فصلب ورفعه إليه، قال ابن عباس: لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى عليه السلام دخل خوخة وفيها كوة فرفعه جبريل عليه السلام من الكوة إلى السماء فقال الملك لرجل منهم خبيث: أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج إلى أصحابه يخبرهم/ أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وقال وهب: أسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض فأرسل الله الملائكة فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلاً يقال له يهودا ـ وهو الذي دلهم على عيسى ـ وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال ليكفرن بـي أحدكم قبل أن يصيح الديك فيبيعني بدراهم يسيرة فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم وقال: ما تجعلون لي إن دللتكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فأدخل البيت ورفع وقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وصلبوه ـ وهم يظنون أنه عيسى ـ فلما صلب شبه عيسى وأتى على ذلك سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى: اهبط على مريم ثم لتجمع لك الحواريين وبثهم في الأرض دعاة فهبط عليها واشتعل الجبل نوراً فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه، وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون قصد كل منهم بلدة من أرسله عيسى إليهم. وروي عن غير واحد أن اليهود لما عزموا على قتله عليه السلام اجتمع الحواريون في غرفة فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر بهم إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال واحد منهم: أنا يا نبـي الله فألقى عليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى عليه السلام فكساه الله النور وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب ورفعه إليه، ثم إن أصحابه لما رأوا ذلك تفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة: كان الله تعالى فينا فصعد إلى السماء، وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابن الله عز وجل ثم رفعه الله سبحانه إليه، وقالت فرقة أخرى منهم: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلام مندرس الآثار إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه السلام ولقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم وكان ملك اليهود من رعيته واسمه داود بن نوذا فقيل له: إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله تعالى وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ـ فعل وفعل ـ فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها ثم غزا بني إسرائيل فقتل منهم خلقاً عظيماً، ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ثم جاء بعده ملك آخر يقال له طيطوس وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليه السلام بنحو من أربعين سنة فقتل وسبـى ولم يترك في بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز. هذا وأصل المكر قيل: الشر، ومنه: مكر الليل إذا أظلم، وقيل: الالتفات ومنه ـ المكوّر ـ لضرب من الشجر ذي التفات، واحده مكر، والممكورة من النساء للملتفة الخلق مطويته وفسره البعض بصرف الغير عما يقصده بحيلة، وآخرون باختداع الشخص لإيقاعه في الضرر، وفرقوا بينه وبين الحيلة بأنها قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار، والمكر حيلة على الشخص توقعه في مثل الوهق، وقالوا: لا يطلق على الله تعالى إلا بطريق المشاكلة لأنه منزه عن معناه وغير محتاج إلى حيلة فلا يقال ابتداءاً مكر الله سبحانه ـ وإلى ذلك ذهب العضد وجماعة ـ وخالفهم الأبهري وغيره؛ فجوزوا الإطلاق بلا مشاكلة مستدلين بقوله تعالى/: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 99] فإنه نسب إليه سبحانه ابتداءاً. ونقل عن الإمام أن المكر إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه، وأنه يجوز صدوره عنه تعالى حقيقة، وقال غير واحد: إنه عبارة عن التدبير المحكم وهو ليس بممتنع عليه تعالى، وفي الحديث: «حديث : اللهم امكر لي ولا تمكر بـي»تفسير : ومن ذهب إلى عدم الإطلاق ـ إلا بطريق المشاكلة ـ أجاب عن الاستدلال بالآية ونحوها بأن ذلك من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 138] ولا يخفى ما فيه، فالأولى القول بصحة الإطلاق عليه سبحانه ابتداءاً بالمعنى اللائق بجلاله جل جلاله، ومما يؤيد ذلك قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أي أقواهم مكراً وأشدهم، أو أن مكره أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم فإنه يبعد المشاكلة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {فلما أحس عيسى منهم الكفر} فإنّه أحس منهم الكفر وأحس منهم بالغدر والمكر. وضمير مكروا عائد إلى ما عاد إليه ضمير منهم وهم اليهود وقد بَيّن ذلك قولُه تعالى، في سورة الصف (14): {أية : قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة}تفسير : . والمكر فعل يُقصد به ضر ضُرُّ أحَد في هيئة تخفى عليه، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، والمراد هنا: تدبير اليهود لأخذ المسيح، وسعيُهم لدى ولاة الأمور ليمكّنوهم من قتله. ومَكْرُ الله بهم هو تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيَهم في حال ظنهم أن قد نجحت مساعيهم، وهو هنا مشاكلة. وجَازَ إطلاق المكر على فعل الله تعالى دونَ مشاكلة كما في قوله: {أية : أفأمنوا مكر اللَّه}تفسير : (99) في سورة الأعراف وبعض أساتذتنا يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية. ومعنى: والله خير الماكرين} أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم. ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين: أنّ الإملاء والاستدراج، الذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين، الشبيه بالمَكر في أنّه حَسَن الظاهر سَيّء العاقبة، هو خير محض لا يترتّب عليه إلاّ الصلاح العام، وإن كان يؤذي شخصاً أو أشخاصاً، فهو من هذه الجهة مجرّد عما في المكر من القُبح، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة، لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد؛ من دلالة على سفاهة رَأي، أو سوء طوية، أو جُبن، أو ضُعف، أو طَمع، أو نحو ذلك. أي فإن كان في المكر قبْح فمكر الله خير محض، ولك على هذا الوجه أن تجعل «خَيْر» بمعنى التفضيل وبدونه.

الشنقيطي

تفسير : لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله: {أية : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 157] وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 157]، وقوله: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [النساء: 157-158] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَاكِرِينَ} (54) - وَأَرادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التَّخَلُّصَ مِنْ عِيسَى وَدَعْوَتِهِ، فَوَشَوْا بِهِ إلى مُمَثِّلِ رُومَا فِي فِلَسْطِينَ، وَقَالُوا لَهُ إنَّهُ يُوجَدُ رَجُلٌ يُضِلُّ النَّاسَ، وَيَصْرِفُهُمْ عَنْ طَاعَةِ المَلِكِ، وَيُفْسِدُ الرَّعيَّةَ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الأب وَابْنِهِ، فَبَعَثَ ثُلَّةً مِنَ الجُنْدِ لأِخْذِهِ وَصَلْبِهِ، فَلَمَّا أحَاطَ الجُنْدُ بِالبَيْتِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِهِ نَجَّاهُ اللهُ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ظَنُّوهُ المَسِيحَ فَأخَذُوهُ وَصَلَبُوهُ. (وَيُقَالُ إنَّ هذا الشَّخْصَ هُوَ الذِي وَشَى بِالمَسِيحِ وَأرَادَ الدَّلاَلَةَ عَلَيهِ) أمَّا المَسِيحُ فَقَدْ رَفَعَهُ اللهُ إليه وَنَجَّاهُ. وَهكَذا مَكَرَ اللهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَبْطَلَ مَكْرَهُمْ وَكَيْدَهُمْ وَتَدِبِيرَهُمْ. المَكْرُ - التَّدْبِيرُ المُحْكَمُ الخَفِيُّ - وَغَلَبَ اسْتِعمَالُهُ فِي التَّدْبِيرِ السَّيِّىءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الأشياء التي يدركها العقل هي مسميات ولها أسماء وتكون أولاً بالحس؛ لأن الحس هو أول مصاحب للإنسان لإدراك الأشياء، وبعد ذلك تأتي المعاني عندما نكبر ونعرف الحقائق. إن البداية دائماً تكون هي الأمور المحسة، ولذلك يقول الله عن المنهج الإيماني: إنه طريق مستقيم، أي أن نعرف الغاية والطريق الموصل إليها، وكلمة "الطريق المستقيم" من الأمور المحسة والتي يتعرف الناس عليها بالتطبيق لقواعد المنهج. إن كلمة "مكر"، مأخوذة من الشجر، فساعة أن ترى الشجرة التي لا تلتف أغصانها على بعضها فإن الإنسان يستطيع أن يحكم أن ورقة ما، هي من فرع ما، ولكنْ هناك نوع من الأشجار تكون فروعه ملفوفة على بعضها بحيث لا يستطيع الإنسان أن يعرف أي ورقة من أي فرع هي، ومن هذا المعنى أخذنا كلمة "المكر" فالرجل الذي يلف ويدور، هو الذي يمكر، فالذي يلف على إنسان من أجل أن يستخلص منه حقيقة ما، والذي يحتال من أجل إبراز حقيقة، فإن كان ذلك بغير قصد الضرر نسميه حيلة، وإن كان بقصد الضرر فهذا هو المكر السيء. ولذلك فالحق يقول: {أية : وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً}تفسير : [فاطر: 43]. ومعنى ذلك أن هناك مكراً غير سيء، أي أن المكر الذي لا يقصد منه إيقاع الضرر بأحد، فإننا نسميه مكرَ خير، أما المكر الذي يقصد منه إيقاع الضرر فهو "المكر السيء". ولنا أن نسأل: ما الذي يدفع إنساناً ما إلى المكر؟ إن الذي يمكر يداري نواياه، فقد يظهر لك الحب بينما هو مبغض، ويريد أن يزين لك عملاً ليمكر بك، فيحاول مثلاً أن يصحبك إلى مكان بعيد غير مأهول بالناس ويريد أن يوقع بك أبلغ الضرر، وقد يكون القتل. إذن، فمن أسس المكر التبييت، والتبييت يحتاج إلى حنكة وخبرة، لأن الذي يحاول التبييت قد يجد قبالته من يلتقط خبايا التبييت بالحدس والتخمين، وما دام المكر يحتاج إلى التبييت، فإن ذلك علامة على الضعف في البشر لأن القوي لا يمكر ولا يكيد ولكن يواجه. إن القوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف، فمن الممكن أن يطلقه، لأن القوي مطمئن إلى أن قوته تستطيع أن تؤذي هذا الضعيف. لكن الضعيف حين يملك قوياً، فإنه يعتبر الأمر فرصة لم تتكرر، ولذلك فالشاعر يقول: شعر : وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء تفسير : إن الضعيف هو الذي يمكر ويبيت. والذي يمكر قد يضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلاً، وقد ينكل به كثيراً، لذلك يخفي الماكر أمر مكره أو تبييته. فإذا ما أراد خصوم المنهج الإيماني أن يمكروا، فعلى من يمكرون؟ إن الرسول لا يكون في المعركة بمفرده ولكن معه الله. {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}تفسير : [البقرة: 9]. فالله يعلم ما يبيت أي إنسان، ولذلك فعندما يريد الله أن يبرز شيئاً ويوجده فلن يستطيع أحد أن يواجه إرادة الله وأمره، إذن فمكر الله لا قبل لأحد لمواجهته. {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]. وساعة تجد صفة تستبعد أن يوصف بها الله فاعلم أنما جاءت للمشاكلة فقط وليست من أسماء الله الحسنى، إن المؤمنين بإمكانهم أن يقولوا للكافرين: إنكم إن أردتم أن تبيتوا لنا، فإن الله قادر على أن يقلب المكر عليكم، أما أسماء الله وصفاته فهي توقيفية، نزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا وجد فعل لله لا يصح أن نشتق نحن منه وصفاً ونجعله اسماً لله، {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]، فليس من أسماء الله مخادع، أو ماكر، إياك أن تقول ذلك، لأن أسماء الله وصفاته توقيفية، وجاء القول هنا بمكر الله كمقابل لفعل من البشر، ليدلهم على أنهم لا يستطيعون أن يخدعوا الله، ولا يستطيعون أن يمكروا بالله، لأن الله إذا أراد أن يمكر بهم، فهم لا يستطيعون مواجهة ذلك. إن الحق يقول: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]. إذن فهناك "مكر خير".. وذلك دليل على أن هناك من يصنع المكر ليؤدي إلى الخير. ولماذا تأتي هذه الآية هنا؟ لأن هناك معركة سيدخلها عيسى ابن مريم عليه السلام، وعيسى عليه السلام لم يجيء ليقاتل بالسيف ليحمي العقيدة، إنما جاء واعظاً ليدل الناس على العقيدة، إن النصرة لا تكون بالسيف فقط، ولكن بالحجة. ونحن نعرف أن السماء كانت لا تطلب من أي رسول أن يحارب في سبيل العقيدة لأن السماء هي التي كانت تتولى التأديب. {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 40]. ولم يجيء قتال إلا حينما طلب بنو إسرائيل: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 246]. ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي التي أذن الله لها أن تحمل السيف لتؤدب به الذين يحولون دون بلوغ العقيدة الصحيحة للناس. إن السيف لم يأت ليفرض العقيدة، إنما ليحمي الاختيار في النفس الإيمانية، فبدلاً من أن يترك الناس مقهورين على اعتناق عقيدة خاطئة فالمسلمون يرفعون السيف في وجه الظالم القاهر لعباد الله. وعباد الله لهم أن يختاروا عقيدتهم. ولذلك فعندما يقول اعداء الإسلام: "أن الإسلام انتشر بالسيف". نرد عليهم: إن الله قد بدأ الإسلام بضعف حتى يسقط هذا الاتهام، لقد كان المسلمون الأوائل ضعفاء لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فيتجه بعضهم إلى الحبشة، ويهاجرون بحثاً عن الحماية، فلو كان الإسلام قد انتشر بالسيف فلنا أن نسأل: من الذي حمل أول سيف ليكره أول مؤمن؟ إن المؤمنين رضوا الإسلام ديناً وهم في غاية الضعف ومنتهاه. إن الإسلام قد بدأ واستمر وما زال يحيا بقوة الإيمان. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في أمة أمية، ومن قبيلة لها شوكتها، وشاء الحق ألا ينصر الله دينه بإسلام أقوياء قريش أولاً، بل آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم الضعفاء وخاض رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلة الدعوة الإيمانية مدة ثلاثة عشر عاماً، دعوة للإيمان بالله، ثم هاجر رسول الله إلى المدينة، إلى أن صار كل المسلمين وحدة إيمانية قوية، وارتفع السيف لا ليفرض العقيدة، ولكن ليحمي حرية اختيار الناس للعقيدة الصحيحة. ولو أن الإسلام انتشر بالسيف. فكيف نفسر وجود أبناء لديانات أخرى في البلاد المسلمة؟ لقد أتاح الإسلام فرصة اختيار العقيدة لكل إنسان. إذن فكل مسلم يمثل وحدة إيمانية مستقلة، وواجب كل مسلم أن يعرف أن الإسلام قد انتشر بالأسوة الحسنة، وأنه كمؤمن بالله وبدين الله، قد اصطفاه الله ليطبق السلوك الإيماني، فقد مكن الله للإسلام في الأرض بالسلوك والقدوة. إن كل مسلم عليه واجب ألا يترك في سلوكه ثغرة ينفذ منها خصوم الإسلام إلى الإسلام، ذلك أن اختلال توازن سلوك المسلم بالنسبة لمنهج الله هو ثغرة ينفذ منها خصوم الإسلام؛ ولذلك فالمفكرون في الأديان الأخرى حينما يذهبون إلى الإسلام، ويقتنعون به، إنما يقتنعون بالإسلام لأنه منهج حق. إنهم يمحصونه بالعقل، ويهتدون إليه بالفطرة الإيمانية. أما الذين يريدون الطعن في الإسلام، فهم ينظرون إلى سلوك بعض من المسلمين، فيجدون فيه من الثغرات ما يتهمون به الإسلام. إن المفكرين المنصفين يفرقون دائماً بين العقيدة، ومتبع العقيدة، ولذلك فأغلب المفكرين الذين يتبعون هذا الاتجاه، يلجأون إلى الإسلام ويؤمنون به. ولكن الذين يذهبون إلى الإسلام من جهة أتباعه، فإن صادفوا تابعاً للإسلام ملتزماً دعاهم ذلك إلى أن يؤمنوا بالإسلام، ولذلك كانت الجمهرة الكثيرة الوفيرة في البلاد الإسلامية المعاصرة في بلاد لم يدخلها فتح إسلامي، وإنما دخلتها الأسوة الإسلامية في أفراد تابعين ملتزمين، فراق الناس ما عليه هؤلاء المسلمون من حياة ورعة، ومن تصرفات مستقيمة جميلة، ومن أسلوب تعامل سمح أمين، نزيه، نظيف، كل ذلك لفت جمهرة الناس إلى الإسلام، وجعلهم يتساءلون: ما الذي جعلكم على هذا السلوك الطيب؟ قالوا: لأننا مسلمون. وتساءل الناس في تلك المجتمعات: وما معنى الإسلام؟ وبدأ المسلمون يشرحون لهم الإسلام. إذن، فالذي لفت إلى الإسلام هو السلوك المنهجي الملتزم، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى حين يعرض منهج الدعوة الناجحة يقول: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [فصلت: 33]. والدعوة إلى الله تكون باللسان والعمل الصالح، ليدل المؤمن على أن ما يدعو إليه غيره قد وجده مفيداً فالتزمه هو، فالعمل الصالح هو شهادة للدعوة باللسان، ولا يكتفي المؤمن بذلك، إنما يعلن ويقول: "إنني من المسلمين" يقول ذلك لمن؟ يقوله لمن يرونه على السلوك السمح الرضى الطيب. إنها لفتة من ذاته إلى دينه. إن هذا يفسر لنا كيف انتشر الإسلام بوساطة جماعة من التجار الذين كانوا يذهبون إلى كثير من البلاد، وتعاملوا مع الناس بأدب الإسلام، وبوقار الإسلام، وبورع الإسلام، فصار سلوكهم الملتزم لافتاً، وعندما يسألهم القوم عن السر في سلوكهم الملتزم، يقول الإنسان منهم: أنا لم أجيء بذلك من عندي ولكن من اتباعي لدين الله الإسلام. ومثال ذلك في السلوك الأسوة: المسلمون الأوائل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كان صحابته رضوان الله عليهم يخافون عليه من خصومه، فكانوا يتناوبون حراسته، ومعنى تناوب الحراس أنهم أرادوا أن يكونوا المصد للأخطار يتداولون ذلك فيما بينهم. وأراد الحق سبحانه أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة خفية، ونام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم. لقد أراد علي - كرم الله وجهه - أن يكون هو المصد، فإذا جاء خطر فإنه هو الذي يصده. لا شك أنه كان يفعل ذلك لأنه واثق أن بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم خير للإسلام حتى ولو افتداه بروحه. هذا هو التسامي العالي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان الواحد منهم يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الأسوة بالرسول واتباع دين الله إنّما يعود ذلك عليه بالخير العميم. وعندما يموت واحد منهم في سبيل المحافظة على من أرسله الله رسولاً ليبلغ دعوته فقد نال الشهادة في سبيل الله. هذا هو أبو بكر الصديق رضوان الله عليه مع رسول الله في الغار. ألم يجد الصديق شقوقاً فيمزع من ثيابه ليسد الشقوق؟ ألم يضع قدمه في شق لأنه يخشى أن تجيء حشرة من الحشرات قد تؤذي حضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ لقد أراد أن يحافظ على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ولو افتداه، وهذه شهادة بأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بأن بقاء الرسول خير لهم وللإيمان ولنفوسهم من بقائهم هم أنفسهم. وهكذا أراد الله نصرة رسوله على الكفار، عندما مكروا وبيتوا أن يقتلوه قبل الهجرة، وهكذا أراد الله نصر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة عندما واجه أعداء الإسلام في القتال، لقد مكروا، ولكن الله خير الماكرين. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول بهذا النصر من الله: لن تستطيعوا أن تقاوموا محمداً لا بالمواجهة ولا بالتبييت. وها هو ذا تابع من أتباعه صلى الله عليه وسلم هو سيدنا عمر رضي الله عنه يهاجر علنا، ويقول: من أراد أن تثكله أمه، أو ترمل زوجته، أو ييتم ولدُه، فليلقني وراء هذا الوادي. بينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خفية. لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة للضعيف. إن القوي يستطيع حماية نفسه ويخرج إلى الهجرة مجاهراً. أما الضعيف فلا بد أن يهاجر خفية؛ لذلك فالأسوة للضعيف كانت في رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد مكر أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله مكر بهم. {أية : وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [إبراهيم: 46]. إن مكرهم رغم عنفه وشدته والذي قد يؤدي إلى زوال الجبال، هذا المكر يبور عند مواجهته لمكر الله الذي يحمي رسله وعباده الصالحين. لقد جاء مكر بني إسرائيل وأنزل فيه الله قوله الحكيم: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]. لأنهم أرادوا أن يتخلصوا من سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام. فقال الحق سبحانه: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَكَرَ ٱللَّهُ} معناهُ أَهْلَكَ الله.