Verse. 348 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِذْ قَالَ اللہُ يٰعِيْسٰۗى اِنِّىْ مُتَوَفِّيْكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ وَمُطَہِرُكَ مِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَجَاعِلُ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْكَ فَوْقَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِلٰى يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۚ ثُمَّ اِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَاَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيْمَا كُنْتُمْ فِيْہِ تَخْتَلِفُوْنَ۝۵۵
Ith qala Allahu ya AAeesa innee mutawaffeeka warafiAAuka ilayya wamutahhiruka mina allatheena kafaroo wajaAAilu allatheena ittabaAAooka fawqa allatheena kafaroo ila yawmi alqiyamati thumma ilayya marjiAAukum faahkumu baynakum feema kuntum feehi takhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك» قابضك «ورافعك إليَّ» من الدنيا من غير موت «ومطهرك» مبعدك «من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك» صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى «فوق الذين كفروا» بك وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف «إلى يوم القيامة ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون» من أمر الدين.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: العامل في {إِذْ } قوله {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أي وجد هذا المكر إذ قال الله هذا القول، وقيل التقدير: ذاك إذ قال الله. المسألة الثانية: اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات: الصفة الأولى:{إِنّي مُتَوَفّيكَ } ونظيره قوله تعالى حكاية عنه {أية : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 117] واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما: إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم، ولا تأخير فيها والثاني: فرض التقديم والتأخير فيها، أما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول: معنى قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي متمم عمرك، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك، بل أنا رافعك إلى سمائي، ومقربك بملائكتي، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن والثاني: {مُتَوَفّيكَ } أي مميتك، وهو مروي عن ابن عباس، ومحمد بن إسحاق قالوا: والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع وثانيها: قال محمد بن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه الثالث: قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء، قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : [الزمر: 42]. الوجه الرابع: في تأويل الآية أن الواو في قوله {مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل، ومتى يفعل، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه سينزل ويقتل الدجال» تفسير : ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك. الوجه الخامس: في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي، وهو أن المراد {إِنّي مُتَوَفّيكَ } عن شهواتك وحظوظ نفسك، ثم قال: {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } وذلك لأن من لم يصر فانياً عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله، وأيضاً فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة، والغضب والأخلاق الذميمة. والوجه السادس: إن التوفي أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } تفسير : [النساء: 113]. والوجه السابع: {إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن. الوجه الثامن: إن التوفي هو القبض يقال: وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه، كما يقال: سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه، وقد يكون أيضاً توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفياً له. فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } تكراراً. قلنا: قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ } يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء، فلما قال بعده {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } كان هذا تعييناً للنوع ولم يكن تكراراً. الوجه التاسع: أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير: متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } أي ورافع عملك إلي، وهو كقوله {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10] والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشّره بقبول طاعته وأعماله، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها. الطريق الثاني: وهو قول من قال: لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير، قالوا إن قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } يقتضي إنه رفعه حياً، والواو لا تقتضي الترتيب، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير، والمعنى: أني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن. واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر، والله أعلم. والمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في المساء، وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ على التأويل، وهو من وجوه: الوجه الأول: أن المراد إلى محل كرامتي، وجعل ذلك رفعاً إليه للتفخيم والتعظيم ومثله قوله {أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [الصافات: 99] وإنما ذهب إبراهيم صلى الله عليه وسلم من العراق إلى الشام وقد يقول السلطان: ارفعوا هذا الأمر إلى القاضي، وقد يسمى الحجاج زوار الله، ويسمى المجاورون جيران الله، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم فكذا ههنا. الوجه الثاني: في التأويل أن يكون قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } معناه إنه يرفع إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام فأما السمٰوات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله. الوجه الثالث: إن بتقدير القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك سبباً لانتفاعه وفرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب والروح والراحة والريحان، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن المراد: ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان لله تعالى. الصفة الثالثة: من صفات عيسى قوله تعالى: {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والمعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى. الصفة الرابعة: قوله {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وجهان الأول: أن المعنى: الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة، فيكون ذلك إخباراً عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة، فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال، ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهودياً ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك الثاني: أن المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة والدليل. واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } هو الرفعة بالدرجة والمنقبة، لا بالمكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة. أما قوله {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فالمعنى أنه تعالى بشّر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، والدرجات الرفيعة العالية، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به، وبين الجاحدين برسالته، وكيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه الآية وبقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 157] والأخبار أيضاً واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه، وتارة يروى أنه عليه السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه حتى يقتل مكانه، وبالجملة فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات: الإشكال الأول: إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات، وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع، وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية. والإشكال الثاني: وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [المائدة: 110] ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه؟ وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له؟. والإشكال الثالث: إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟. والإشكال الرابع: أنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه هو عيسى مع أنه ما كان عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس، وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى. والإشكال الخامس: أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام، وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً مصلوباً، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوّة عيسى، بل في وجودهما، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ذلك باطل. والإشكال السادس: أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، ولقال: إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره، ولبالغ في تعريف هذا المعنى، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات: والجواب عن الأول: أن كل من أثبت القادر المختار، سلم أنه تعالى قادر على أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور، فكذا القول فيما ذكرتم: والجواب عن الثاني: أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، وذلك غير جائز. وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث: فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقي شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء. والجواب عن الرابع: أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس. والجواب عن الخامس: أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم. والجواب عن السادس: إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع، والله ولي الهداية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} العامل في «إذْ» مكروا، أو فعل مضمر. وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء؛ كقوله: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} تفسير : [طه: 129]؛ والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً. قال الشاعر:شعر : أَلاَ يا نخلة من ذات عِرْق عليكِ ورحمةُ اللَّه السلامُ تفسير : أي عليك السلام ورحمة الله. وقال الحسن وٱبن جريج: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت؛ مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب بن منبه: توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء. وهذا فيه بعد؛ فإنه صح في الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزولُه وقتلُه الدجّال على ما بيناه في كتاب التذكرة، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدّم، ويأتي. وقال ٱبن زيد: متوفيك قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعدُ. وروى ٱبن طلحة عن ٱبن عباس معنى متوفِّيك مميتُك. الربيع ٱبن أنس: وهي وفاة نوم؛ قال الله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60] أي يُنيمكم لأن النوم أخو الموت؛ كما حديث : قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها»تفسير : . أخرجه الدارقطنِيّ. والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وٱبن زيد، وهو ٱختيار الطبري، وهو الصحيح عن ٱبن عباس، وقاله الضحاك. قال الضحاك: كانت القصّة لما أرادوا قتل عيسى ٱجتمع الحواريون في غرفة وهم ٱثنا عشر رجلاً فدخل عليهم المسيح من مِشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة. فقال المسيح للحواريين: أيّكُم يخرج ويُقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله؛ فألقى إليه مِدْرَعَة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شَبَه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. وأما المسيح فكساه الله الرّيش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا أبو معاوية حدّثنا الأعمش عن المِنهال عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس قال: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم ٱثنا عشر رجلاً من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم: أما إنّ منكم من سيكفر بي ٱثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقَى عليه شَبَهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا. فقال عيسى: ٱجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال عيسى: ٱجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال نعم أنت ذاك. فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام. قال: ورفع الله تعالى عيسى من رَوْزَنَة كانت في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم ٱثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به؛ فتفرّقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليَعْقُوبية. وقالت فرقة: كان فينا ٱبن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النَّسْطُورِيّة. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فقتلوا؛ فأنزل الله تعالى {أية : فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [الصف: 14] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى {عَلَى عَدُوِّهِم} بإظهار دينهم على دين الكفار {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله لينزِلنّ ٱبن مريم حكما عادلاً فليكسِرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضعن الجِزية ولتُتركُنّ الْقِلاَصُ فلا يسعى عليها ولتَذهبَن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعونّ إلى المال فلا يقبله أحد»تفسير : . وعنه أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده ليُهلنّ ٱبن مريم بفَجِّ الرّوْحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثَنينّهما»تفسير : ولا ينزل بشرع مبتدإ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجدِّداً لما دَرَس منها متبعها. كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كيف أنتم إذا نزل ٱبن مريم فيكم وإمامكم منكم»تفسير : . وفي رواية: «فأمّكم منكم». قال ٱبن أبي ذِئب: تدري ما أمّكم منكم؟. قلت: تخبِرني. قال: فأمّكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنةِ نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد زدنا هذا الباب بياناً في كتاب (التذكرة) والحمد لله. و {مُتَوَفِّيكَ} أصله متوفِّيُك حذفت الضمة ٱستثقالاً، وهو خبر إنّ. {ورَافِعُكَ} عطف عليه، وكذا {مُطَهِّرُكَ} وكذا {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ}. ويجوز «وجاعلٌ الذين» وهو الأصل. وقيل: إن الوقف التام عند قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. قال النحاس: وهو قول حسن. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} يا محمد {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالحجة وإقامة البرهان. وقيل بالعز والغلبة. وقال الضحاك ومحمد ٱبن أبان: المراد الحواريون. والله تعالى أعلم.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} ظرف لمكر الله أو خير الماكرين، أو المضمر مثل وقع ذلك. {يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى، عاصماً إياك من قتلهم، أو قابضك من الأرض من توفيت مالي، أو متوفيك نائماً إذ روي أنه رفع نائماً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت. وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى. {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي. {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من سوء جوارهم أو قصدهم {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يعاونهم بالحجة أو السيف في غالب الأمر، ومتبعوه من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم تسمع غلبة لليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} الضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام ومن تبعه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين. {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين.

ابن كثير

تفسير : اختلف المفسرون في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني: بعد ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه الله إليه، قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات، ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جريح: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا ــــ النوم، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ}تفسير : [الأنعام: 60] الآية. وقال تعالى: {أية : بِوَكِـيلٍ * ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ} تفسير : [الزمر: 42] الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول إذا قام من النوم: «حديث : الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا»تفسير : الحديث، وقال تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}تفسير : - إلى قوله - {أية : بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 156 ـ 159] والضمير في قوله {أية : قَبْلَ مَوْتِهِ} تفسير : [النساء: 159] عائد على عيسى عليه السلام، أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} يعني: وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: «حديث : إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» تفسير : وقوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي: برفعي إياك إلى السماء {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} وهكذا وقع؛ فإن المسيح عليه السلام، لما رفعه الله إلى السماء، تفرقت أصحابه شيعاً بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريباً من ثلثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيدهم الله عليهم؛ لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واجتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله؛ كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم عز وجل في قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} تفسير : [النور: 55] الآية، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقاً، سلبوا النصارى بلاد الشام، وأجلوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً، لم ير الناس مثلها، ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً، ولهذا قال تعالى: { وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ } وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق {أية : وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} تفسير : [الرعد: 34] {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. ثم قال تعالى: { ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله تعالى، وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: {أية : ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [مريم: 34 ـ 35] وههنا قال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } قابضك {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } من الدنيا من غير موت {وَمُطَهِّرُكَ } مُبْعدك {مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } صدّقوا بنبوّتك من المسلمين والنصارى {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت، وهذا قول الحسن، وابن جريج، وابن زيد. والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء،وهذا قول الربيع. والثالث: متوفيك وفاة بموت، وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنه من المقدم والمؤخر بمعنى رافعك ومتوفيك بعده، وهذا قول الفراء. وفي قوله تعالى:{وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} قولان: أحدهما: رافعك إلى السماء. والثاني: معناه رافعك إلى كرامتي. {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} فيه قولان: أحدهما: أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله. الثاني: أنه إخراجه من بينهم. {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فيه تأويلان: أحدهما: فوقهم بالبرهان والحجة. والثاني: بالعز والغلبة. وفي المعنيّ بذلك قولان: أحدهما: أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه، وهذا قول الحسن، وقتادة، والربيع، وابن جريج. والثاني: أن النصارى فوق اليهود، لأن النصارى أعز واليهود أذل، وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم.

ابن عطية

تفسير : قال الطبري: العامل في {إذ} قوله تعالى {أية : ومكر الله} تفسير : [آل عمران: 54] وقال غيره من النحاة: العامل فعل مضمر تقديره اذكر. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأصوب، وهذا القول هو بواسطة الملك لأن عيسى ليس بمكلم، و {عيسى} اسم أعجمي معرف فلذلك لا ينصرف وهو بالسريانية - ايسوع - عدلته العرب إلى {عيسى} واختلف المفسرون في هذا التوفي، فقال الربيع: هي وفاة نوم، رفعه الله في منامه، وقال الحسن وابن جريج ومطر الوراق ومحمد ابن جعفر بن الزبير وجماعة من العلماء: المعنى أني قابضك من الأرض، ومحصنك أني مميتك، هذا لفظ ابن عباس ولم يفسر، فقال وهب بن منبه: توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه الله بعد ذلك، عنده في السماء وفي بعض الكتب، سبع ساعات، وقال الفراء: هي وفاة موت ولكن المعنى، {إني متوفيك} في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام تقديم وتأخير، وقال مالك في جامع العتبية: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ووقع في كتاب مكي عن قوم: أن معنى {متوفيك} متقبل عملك، وهذا ضعيف من جهة اللفظ. قال القاضي أبو محمد: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعاً وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فقول ابن عباس رضي الله عنه: هي وفاة موت لا بد أن يتمم، إما على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء، وقوله تعالى: {ورافعك إليّ} عبارة عن نقله إلى علو من سفل وقوله {إلى} إضافة تشريف لما كانت سماءه والجهة المكرمة المعظمة المرجوة، وإلا فمعلوم أن الله تعالى غير متحيز في جهة، وقوله تعالى: {ومطهرك} حقيقة التطهير إنما هي من دنس ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الشرار ومعاشرتهم، تشبيهاً لذلك كله بالأدناس، فطهر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له، وقوله تعالى: {وجاعل} اسم فاعل للاستقبال، وحذف تنوينه تخفيفاً، وهو متعد إلى مفعولين، لأنه بمعنى مصيَّر فأحدهما {الذين} والآخرة في قوله: {فوق الذين كفروا} وقال ابن زيد: الذين اتبعوه هم النصارى والذين كفروا هم اليهود، والآية مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكماً دنيوياً لا فضيلة فيه للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط، وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى، نص على ذلك قتادة وغيره، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة، ويظهر من قول ابن جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكراً، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله، وقوله تعالى {ثم إليّ مرجعكم} الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاماً من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: {ثم إلي}، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: {فأحكم} إلى آخر الآية، وعيد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين. وقوله تعالى: {فأما الذين كفروا} الآية، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون {عذاباً شديداً في الدنيا} بالأسر والقتل والجزية والذل، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا، وفي {الآخرة} معناه، بعذاب النار، ثم ذكر قسم الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيهاً على درجة الكمال ودعاء إليها، وقرأ حفص عن عاصم "فيوفيهم" بالياء على الغيبة، والفعل مسند إلى الله تعالى، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم "فنوفيهم" بالنون، وهي نون العظمة، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال، وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله، وتقدم نظير قوله {والله لا يحب الظالمين} في قوله قبل {أية : فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} تفسير : [آل عمران: 32] .

ابن عبد السلام

تفسير : {مُتَوَفِّيكَ} قابضك إلى السماء من غير وفاة بموت، أو وفاة نوم للرفع إلى السماء، أو مميتك، أو فيه تقديم معناه: رافعك ومتوفيك بعد ذلك. {إِلَىَّ} إلى سمائي، أو كرامتي. {وَمُطَهِّرُكَ} بإخراجك من بينهم، أو بمنعهم من قتلك. {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ} بالحجة، أو بالعز والغلبة. {الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك، أو النصارى فوق، إذ النصارى أعز من اليهود فلا مملكة لليهود بخلاف الروم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} اختلفوا في معنى التوفي هنا على طريقين: فالطريق الأول أن الآية على ظاهرها من غير تقديم ولا تأخير وذكروا في معناها وجوهاً: الأول: معناه أني قابضك ورافعك إلي من غير موت من قولهم توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وقبضته تاماً، والمقصود منه هنا أن لا يصل أعداؤه من اليهود إليه بقتل ولا غيره. الوجه الثاني: أن المراد بالتوفي النوم ومنه قوله عز وجل: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها}تفسير : [الزمر: 42] والتي لم تمت في منامها فجعل النوم وفاة، وكان عيسى قد نام فرفعه الله وهو نائم لئلا يلحقه خوف، فمعنى الآية أني منيمك ورافعك إلى. الوجه الثالث أن المراد بالتوفي حقيقة الموت، قال ابن عباس: معناه أني مميتك قال وهب بن منبه: إن الله توفى عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ثم رفعه إليه وقيل: إن النصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه إليه. الوجه الرابع: أن الواو في قوله ورافعك إلي لا تفيد الترتيب والآية تدل على أن الله تعالى يفعل به ما ذكر فأما كيف يفعل؟ ومتى يفعل؟ فالأمر فيه موقوف على الدليل. وقد ثبت في الحديث أن عيسى سينزل ويقتل الدجال وسنذكره إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: قال أبو بكر الواسطي: معناه أني متوفيك عن شهواتك وعن حظوظ نفسك ورافعك إلي ذلك أن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء صارت حالته حالة الملائكة في زوال الشهوة. الوجه السادس: أن معنى التوفي أخذ الشيء وافياً ولما علم الله تعالى أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله إليه هو روحه دون جسده كما زعمت النصارى أن المسيح رفع لاهوته يعني روحه وبقي في الأرض ناسوته يعني جسده فرد الله عليهم بقوله إني متوفيك ورافعك إلي فأخبر الله تعالى أنه رفع بتمامه إلى السماء بروحه وجسده جميعاً. الطريق الثاني: أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك إلى الأرض وقيل: لبعضهم هل تجد نزول عيسى إلى الأرض في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى وكهلاً وذلك لأنه لم يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلاً بعد نزوله من السماء. (ق) عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد زاد" تفسير : وفي رواية: حديث : حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومنن به قبل موته وفي رواية كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم. وفي رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذؤيب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت فأخبرني قال فأمكم كتاب ربكم عز وجل وبسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وفي إفراد مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: فبينما هما إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممضرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله الملل في زمانه كلها إلاّ الإسلام ويهلك المسيح الدجال ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" تفسير : أخرجه أبو داود ونقل بعضهم أن عيسى عليه السلام يدفن في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين نبيين محمد وعيسى عليهما السلام. قوله عز وجل: {ومطهرك من الذين كفروا} يعني مخرجك من بينهم ومنجيك {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} يعني وجاعل الذين اتبعوك في التوحيد وصدقوا قولك وهم أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق الذين كفروا بالعز والنصر والغلبة بالحجة الظاهرة. وقيل: هم الحواريين الذين اتبعوا عيسى على دينه وقيل: هم النصارى فهم فوق اليهود وذلك لأن ملك اليهود قد ذهب ولم يبق لهم مملكة وملك والنصارى باق فعلى هذا القول يكون الاتباع بمعنى المحبة والادعاء لا اتباع الدين لأن النصارى وإن أظهروا متابعة عيسى عليه السلام فهم أشد مخالفة له وذلك أن عيسى عليه السلام لم يرض بما هم عليه من الشرك، والقول الأول هو الأصح لأن الذين اتبعوه هم الذين شهدوا له بأنه عبدالله ورسوله وكلمته وهم المسلمون وملكهم باق إلى يوم القيامة {ثم إليَّ مرجعكم} يعني يقول الله عز وجل: إلي مرجع الفريقين في الآخرة الذين اتبعوا عيسى وصدقوا به والذين كفروا به {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} يعني من الحق في أمر عيسى ثم بين ذلك الحكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ...} الآية: ٱختلف في هذا التِّوفِّي. فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي: قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ، ونحوه لمالك في «العَتَبِيَّة»، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ، ولكنَّ المعنَىٰ: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير. قال * ع *: وأجمعتِ الأمة علَىٰ ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر؛ منْ أنَّ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ ويَححُجُّ البَيْتَ, ويَعْتَمِرُ، ويَبْقَىٰ في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ. قال * ع *: فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما علَىٰ قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء. وقوله تعالى: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافة اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، {وَمُطَهِّرُكَ}، أي: مِنْ: دعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ. وقوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ في المتَّبِعِينَ، فتدخُلُ في ذلك أمةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسَىٰ؛ قاله قتادة وغيره؛ وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ؛ أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره؛ أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ ٱستنصاره، وهم الحواريُّون. وقوله تعالَىٰ: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} خَطَابٌ لعيسَىٰ، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَـٰتِ} الآية: «ذَلِكَ»: إشارة إلى ما تقدَّم من الأنباء، و {نَتْلُوهُ}: معناه: نَسْرُدُهُ، و {مِنَ ٱلآيَـٰتِ}: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ؛ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قِبَلِنَا، وبسبَبِ تلاوتنا، و {ٱلذِّكْرِ}: ما ينزلُ من عند اللَّه. قال ابن عبَّاس: الذِّكْر: القرآن، و {ٱلْحَكِيمُ}: الذي قد كَمَل في حكمته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {إني متوفيك} يقول: إني مميتك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال {متوفيك} من الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في قوله {إني متوفيك} يعني وفاة المنام رفعه الله في منامه، قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: "حديث : إن عيسى لم يمت وأنه راجع إليكم قبل يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {إني متوفيك ورافعك إليّ} قال: هذا من المقدم والمؤخر: أي رافعك إليّ ومتوفيك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مطر الوراق في الآية قال {متوفيك} من الدنيا وليس بوفاة موت. وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن كعب قال: لما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذبه، شكا ذلك إلى الله. فأوحى الله إليه {إني متوفيك ورافعك إليَّ} وإني سأبعثك على الأعور الدجال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحي. قال كعب: وذلك تصديق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال "حديث : كيف تهلك أمة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها؟ ". تفسير : وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لم يكن نبي كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى إلى أن رفعه الله، وكان من سبب رفعه أن ملكاً جباراً يقال له داود بن نوذا، وكان ملك بني إسرائيل هو الذي بعث في طلبه ليقتله، وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ورفع وهو ابن أربع وثلاثين سنة من ميلاده. فأوحى الله إليه {إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا} يعني ومخلصك من اليهود فلا يصلون إلى قتلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في الآية قال: رفعه الله إليه فهو عنده في السماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب قال: توفى الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه. وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: أماته الله ثلاثة أيام ثمَّ بعثه ورفعه. وأخرج الحاكم عن وهب أن الله توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وإن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة، وأنه رفع ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جوهر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {إني متوفيك ورافعك} يعني رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جرير في الآية قال: رفعه إياه توفيته. وأخرج الحاكم عن الحريث بن مخشبي أن علياً قتل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فسمعت الحسن بن علي وهو يقول: قتل ليلة أنزل القرآن، وليلة أُسْرِيَ بعيسى، وليلة قُبِضَ موسى. وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والحاكم عن سعيد بن المسيب قال: رُفع عيسى ابن ثلاث وثلاثينَ سنة، ومات لها معاذ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ومطهرك من الذين كفروا} قال: طهره من اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن كفار قومه. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {ومطهرك من الذين كفروا} قال: إذ هموا منك بما هموا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} قال: أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على مَنْ ناوأهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن النعمان بن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله"تفسير : . قال النعمان: فمن قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {وجاعل الذين اتبعوك} قال: هم المسلمون ونحن منهم، ونحن فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنها لن تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على الناس حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ثم قرأ بهذه الآية {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} " . تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهو فوق يهود في شرق ولا غرب هم في البلد كلها مستذلون. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: عيسى مرفوع عند الله ثم ينزل قبل يوم القيامة، فمن صدق عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم وكان على دينهما لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يقول: أدوا فرائضي {فيوفيهم أجورهم} يقول: فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملاً لا يبخسون منه شيئاَ ولا ينقصونه.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} ظرفٌ لمكرَ الله أو لمضمر نحوُ وقع ذلك {يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي مستوفي أجلِك ومؤخرُك إلى أجلك المسمَّى عاصِماً لك من قتلهم أو قابضُك من الأرض، من توفيتُ مالي، أو متوفيك نائماً إذ رُوي أنه رُفع وهو نائم، وقيل: مميتُك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعُك الآن أو مميتُك من الشهوات العائقة عن التزوج إلى عالم الملكوت، وقيل: أماته الله تعالى سبعَ ساعاتٍ ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى، قال القرطبـيُّ: والصحيحُ أن الله تعالى رفعه من غير وفاةٍ ولا نومٍ كما قال الحسنُ وابنُ زيد وهو اختيارُ الطبري وهو الصحيحُ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأصل القصة أن اليهودَ لما عزموا على قتله عليه الصلاة والسلام اجتمع الحواريون وهم اثنا عشرَ رجلاً في غرفة فدخل عليهم المسيحُ من مِشكاة الغرفةِ فأخبر بهم إبليسُ جميعَ اليهود فركِبَ منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ فأخذوا باب الغرفة فقال المسيحُ للحواريـين: أيُكم يخرجُ ويُقتل ويكونُ معي في الجنة؟ فقال واحد منهم: أنا يا نبـيَّ الله، فألقىٰ عليه مدرعة من صوفٍ وعِمامةٍ من صوف وناوله عكّازَه وأُلقيَ عليه شبَهُ عيسى عليه الصلاة والسلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما عيسى عليه الصلاة والسسلام فكساه الله الريشَ والنورَ وألبسه النورَ وقطع عنه النورُ شهوةَ المطعمِ والمشرب وذلك قوله تعالى: {إِنّي مُتَوَفّيكَ} فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأَوْا ذلك تفرَّقوا ثلاثَ فِرَقٍ فقالت فِرقةٌ: كان الله فينا ثم صعِدَ إلى السماء وهم اليعقوبـيةُ، وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابنُ الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطوريةُ، وقالت فرقةٌ أخرى منهم: كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتانِ الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلامُ منطمساً إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم. {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} أي إلى محل كرامتي ومقرِّ ملائكتي {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي من سوء جوارِهم وخبثِ صُحبتِهم ودنَسِ معاشرتِهم {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} قال قتادةُ والربـيعُ والشعبـيُّ ومقاتِلٌ والكلبـيُّ: هم أهل الإسلام الذين صدّقوه واتبعوا دينَه من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم دون الذين كذّبوه وكذَبوا عليه من النصارىٰ {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم الذين مكَروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهلَ الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمَنَعة والحُجة، وقيل: هم الحواريون فينبغي أن تُحمل فوقيتُهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحادِ في الإسلام والتوحيد، وقيل: هم الرومُ وقيل: هم النصارى، فالمرادُ بالاتباع مجرَّدُ الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرةُ بمعزل من اتّباعه عليه الصلاة والسلام {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} غايةٌ للجعل أو للاستقرار المقدّرِ في الظرف لا على معنى أن الجعلَ أو الفوقيةَ تنتهي حينئذ ويتخلّص الكفرةُ من الذِلة بل على معنى أن المسلمين يعلُونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} بالبعث، وثم للتراخي، وتقديمُ الجار والمجرور للقصر المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد، والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطَب على الغائب في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} يومئذ إثرَ رجوعِكم إليّ {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمور الدين و{فِيهِ} متعلقٌ بتختلفون وتقديمُه عليه لرعاية الفواصل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [الآية: 55]. قال الواسطى: إنّى مُتوفِيكَ عنك حُظُوظِك ورافع شَخصِك إلىَّ ومُطهرُ سرّك من مطالعات الأعيان والأعواض.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}. الإشارة فيه إني متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مُصَرَّفاً بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك شيء، ويكون إسبال التولي عليك قائماً عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة - جَلَّتْ. ويقال طَهَّرَ قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، في جميع الأحوال والأطوار. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. بالنصرة والقهر والحجة. ومتبعوه مَنْ لم يُبَدِّل دِينه ومَنْ هو على عقيدته في التوحيد - وهم المؤمنون، فَهُمْ على الحقِّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم - يوم القيامة - بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففي الجحيم وأمّا المؤمنون ففي النعيم.

البقلي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ} ان الله تعالى نفخ فى صورة عيسى روحا قدسية ورباها فيها بانوار النبوة والعبودية وتجلى المشاهدة فاذا اكمل فى مقامات المصطفى من صوفة انبيائه واوليائه قال انى متوفيك عنك ورافعك الى ومطهرك من ارادتك وهواك وذلك لاظهار لغوت الازلية عليه قال بعضهم الى متوفيك عن حظوظك ورافع شخصك الى ومطهر سرك من مطالعة الاغيار والاعواض بالكلية ومما سخ لى فى هذه بالبديهة بعد ذكرا المشائخ رضوان الله عليه انى متوفيك غيره حتى لا ينظر اليك بنعت المحبة غيرى وارفعك الى بنعت العشق ومطهرك من التفاتك الى الملكوت الا من شرط اتحاد الحبيب والمحبوب ان لا يدخل بينما شئ من الحدثان فاذا كان العارف بلغ مقام صرف التوحيد يتشعشع نور جمال الحق من وجوده فسجد له الكون ومن فيه بالظاهر طوعا وكرها الا من راى حسن جلال الحق بالواسطة او لم يبلغ حقيقة تحقيق المعرفة يصير مشبهيا بوقوعه فى الوسائط لاجل ذلك رفع روحه اليه حتى يتسقيم نظاما لشعرية ولم ينسخ احكام السنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال الله} اى اذكر وقت قول الله {يا عيسى انى متوفيك} اى مستوفى اجلك ومعناه انى عاصمك من ان يقتلك الكفار ومؤخرك الى اجل كتبته لك ومميتك ختف انفك لا قتلا بايديهم {ورافعك} الآن {الى} اى الى محل كرامتى ومقر ملائكتى وجعل ذلك رفعا اليه للتعظيم ومثله قوله {أية : إنى ذاهب إلى ربى}تفسير : [الصافات: 99]. وانما ذهب ابراهيم عليه السلام من العراق الى الشام وقد يسمى الحاج زوار الله والمجاورون جيران الله وكل ذلك للتفخيم فانه تعالى يمتنع كونه فى المكان {ومطهرك} اى مبعدك ومنحيك {من الذين كفروا} اى من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم. قيل سينزل عيسى عليه السلام من السماء على عهد الدجال حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فيفيض المال حتى لا يقبله احد ويهلك فى زمانه الملل كلها الا الاسلام ويقتل الدجال ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد منه ثم يموت هو بعد ما يعيش اربعين سنة من نزوله فيصلى عليه المسلمون لانه سأل ربه ان يجعله من هذه الامة فاستجاب الله دعاءه {وجاعل الذين اتبعوك} وهم المسلمون لانهم متبعوه فى اصل الاسلام وان اختلف الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى {فوق الذين كفروا} وهم الذين مكروا به عليه السلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فان اهل الإسلام فوقه ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة {الى يوم القيامة} غاية للجعل لا على معنى ان الجعل ينتهى حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى ان المسلمين يعلونهم الى تلك الغاية فاما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد {ثم الى مرجعكم} اى رجوعكم بالبعث والضمير لعيسى عليه السلام وغيره من المتبعين له والكافرين له على تغليب المخاطب على الغائب فى ضمن الالتفات فانه ابلغ فى التبشير والانذار {فاحكم بينكم} يومئذ اثر رجوعكم الى {فيما كنتم فيه تختلفون} من امور الدين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ قال}: ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و {متوفيك} أي: رافعك إليَّ وافياً تاماً، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافياً تامّاً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك؛ بدليل قوله تعالى:{أية : وَهُوَا الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ}تفسير : [الأنعَام: 60]، رُوِيَ أنه رُفع نائماً، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}، وقوله: {ذلك} مبتدأ، و {نتلوه}: خبر، و {من الآيات}: حال، أو {من الآيات}: خبر، و {نتلوه}: حال، أو خبر بعد خبر. يقول الحقّ جلّ جلاله: اذكر {إذ قال الله} لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه: {يا عيسى إني متوفيك}، أي: قابضك إليّ ببدنك تامّاً، {ورافعك إليَّ} أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، {ومطهرك من الذين كفروا} أي: من مخالطة دنس كفرهم، {وجاعل الذين اتبعوك}؛ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. هـ. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقّاً وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. ثم قال تعالى: {ثم إليَّ مرجعكم} بالبعث، {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين وأمر عيسى. {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} أي: فأجمع لهم عذاباً الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم} في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، {والله لا يحب الظالمين}؛ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. {ذلك} الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، {نتلوه عليك من الآيات} أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من {الذكر الحكيم}، وهو القرآن المبين. الإشارة: كل ما طهر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيّاً لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : هَاجِرُوا تكسبوا العز لأولادكم"تفسير : ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه؛ إلى أن يرث الأرض ومن عليها، {وهو خير الوارثين}. هذه سنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى:{أية : إِن تَنصُروُاْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}تفسير : [محَمَّد: 7]، وقال تعالى:{أية : وَجَعَلَ كَلِمَة الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا}تفسير : [التّوبَة: 40]. وفي الحكم: "إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى". والله تعالى أعلم. وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقاً لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائماً، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. هـ. وقال الورتجبي: متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إليَّ بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. هـ.

الطوسي

تفسير : الاعراب: العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين. أحدهما - قوله: {ومكروا ومكرالله} {إذ قال}. والآخر ذاك {إذ قال يا عيسى} وعيسى في موضع الضم، لأنه مناداً مفرد، ولكن لا يبين فيه لأنه منقوص، وعيسى لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف على قول الزجاج، لأنه حمل الألف على حكم الملحق بمخرج ولم يحملها على التأنيث، فأما الألف في زكريا، فلا يكون إلا للتأنيث، لأنه لا مثال له في الاصول. وإذا عرب جرى على قياس كلامهم في أن الالف الزائدة لا تخلو أن تكون للتأنيث أو للالحاق، فاذا بطل أحدهما صح أنها للآخر. وإنما وجب ذلك، لأنه يجري مجرى الاعراب بالعوامل، فأما الاشتقاق، فلا يجب، لأنه تصريف من أصل المشتق، وليس العربي بأصل للعجمي، وذلك نحو العيس وهو بياض الابل والعوس وهو السياسة لو كان عربياً، لصلح أخذه من أحد الاصلين. وإذا أخذ من أحدهما امتنع من الآخر، فلذلك إذا أخذ من العجمي امتنع من العربي. وقوله: {إني متوفيك} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قابضك برفعك من الارض إلى السماء من غير وفاة موت في قول الحسن وابن جريج وابن زيد. الثاني - متوفيك وفاة نوم في قول ابن عباس ووهب ابن منية. والثالث - ان فيه تقديماً وتأخيراً، ومعناه إني رافعك، ومتوفيك فيما بعد ذكره الفراء. وقوله: {ورافعك} قيل في معناه قولان: أحدهما - رافعك في السماء فجعل ذلك رفعاً إليه للتفخيم واجراءه على طريق التعظيم. والآخر - مصيرك إلى كرامتي كما يقال رفع إلى السلطان، ورفع الكتاب إلى الديوان. وقال ابراهيم {إني ذاهب إلى ربي}. وإنما ذهب من العراق إلى الشام. وإنما أراد إلى حيث أمرني ربي بالمضي إليه. وقوله: {ومطهرك} قيل فيه قولان: أحدهما - مطهرك باخراجك من بين الارجاس، لأن كونه في جملتهم بمنزلة التنجيس له بهم، وإن كان عليه السلام طاهراً في كل حال، وإنما ذلك على ازالته عن مجاورة الانجاس. والثاني - قال أبو علي: تطهيره: منعه من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لأن ذلك نجس طهره الله منه. وقوله: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} يحتمل أن يكون جعلهم فوقهم بالحجة والبرهان، ويحتمل أن يكون ذلك بالعز والغلبة، وقال الحسن، وقتادة، والربيع: المعني بهذه الآية أهل الايمان. وما جاء به دون الذين كذبوه أو كذبوا عليه. وقال ابن زيد: المعني به النصارى، وهم فرق اليهود من حيث كانوا اليهود أذل منهم إلى يوم القيامة، ولهذا زال الملك عنهم وإن كان ثابتاً في النصارى في بلاد الروم وغيرها، فهم أعز منهم وفوقهم. وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة كما للروم. والوجه الأول أقوى، لأنه أظهر إذا كان على جهة الترغيب في الحق، وقوله: {ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وجه اتصاله بالكلام كأنه قال أما الدنيا فأنتم فيها على هذه الحال، وأما الآخرة. فيقع فيها التوفية للحقوق على التمام والكمال. وإنما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: {ثم إلي مرجعكم} لتغلب الحاضر على الغائب لما دخل معه في المعنى كما يقول بعض الملوك: قد بلغني عن أهل بلد كذا جميل، فأحسن إليكم معشر الرعية.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} اى قابضك من الارض بحيث لم ينالوا منك شيئاً من غير قبض روحك من توفّيت مالى بمعنى أخذته بتمامه او متوفّيك توفّى منامٍ على ما روى انّه رفع نائماً نظيره قوله هو الّذى يتوفّاكم باللّيل اى ينيمكم او متوفّيك توفّى مماةٍ؛ على ما نقل انّه اماته ثلاث ساعاتٍ او على ما نقل فى الانجيل انّه صلب وقتل ودفن او هو على التّقديم والتّأخير معنى بناء على انّ الواو لا يفيد ترتيباً اى انّى رافعك ثمّ متوفّيك {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} اى الى سمائى وسمّى رفعه الى السّماء رفعاً الى نفسه تشريفاً للسّماء لانّها بمنزلة حضرته {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من لوث مجاورتهم ومعاشرتهم او من منقصة قصدهم وقتلهم ايّاك {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بك من اليهود المكذّبين وغيرهم وامّا المسلمون فانّهم غير مكذّبين له وغير كافرين به بل هم الّذين اتّبعوه حقيقة فى اخباره ببعثة محمّد (ص) فهم ايضاً فوق الّذين كفروا بالحجّة والغلبة فى الدّنيا والآخرة، واتى باسم الفاعل فى الاوصاف المذكورة الدالّ على الثّبات والاستمرار للاشارة الى انّها واقعة منه من حين التكلّم وعلى هذا يجوز ان يكون {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} متعلّقاً بالجميع على سبيل التّنازع لا بجاعل الّذين اتّبعوك فقط {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} الخطاب لعيسى (ع) وتابعيه ومكذّبيه {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} ثمّ بيّن الحكم بينهم بقوله تعالى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا}.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيك}: مميتك بدون أن يقتلك هؤلاء الذين قصدوا قتلك، فإنهم لا يصلون إليك. {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ}: بجسدك وروحك بعد أن أحييك فى الأرض، أرسل الله سبحانهُ سحابة، فرفعتهُ وتعلقت به أمه تبكى، فقال لها: إن القيامة تجمعنا، ومعنى رفعه إلى الله: رفعه إلى سماواته وملائكته كحاله فى الدنيا، إلا أنه لا يأكل ولا يشرب، وألبس نوراً، وكذلك فسر ابن عباس ومالك فى العتيبة المتوفى: بالإماتة. قال وهب بن منبه: إن الله تعالى توفى عيسى، ثم أحياه ورفعهُ إليه، وبه قال النصارى، ولكن لعنهم الله يقولون: إن المرفوع روحه دون الجسد. فرد الله عليهم بأنه يتوفى جسده ويرفعه وقال الفراء: معنى متوفيك: مميتك بعد إنزالك إلى الأرض آخر الزمان. فالواو عطفت فى هذا القول سابقاً، وأصل الكلام: يا عيسى إنى رافعك إلىَّ. {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} ومميتك، ومعنى تطهيره من الذين كفروا: تنجيتهُ من سوء جوارهم وقتلهم، وإبعاده إياه عنهم، وعلى قول الفراء: رفع بلا موت، وكذا أكثر القول، إنه لم يمت. فقيل متوفيك: معناه قابضك بلا موت، تقول: توفيت الشىء، أى أخذته وقبضته تاماً، لم يصله أعداؤه بقتل ولا بما دونه، وقيل: المراد بالتوفى "الإنامة" كما قال الله جل وعلا: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها}،تفسير : نام عيسى فرفعه الله وهو نائم لئلا يلحقه خوف، أى سأنيمك وأرفعك إلى، وقال أبو بكر الواسطى: معناه إنى متوفيك عن شهواتك، أى فليكون كملائكة الله بلا شهوة لأن الشهوات عائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، وقيل: معنى متوفيك مكمل أجلك، لا أسلط عليك من يقتلك، واختاره الكشافى. {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ}: هم المسلمون من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ما جاء بهِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد وغيره، مما لم ينسخ، هو ما جاء به عيسى وزيادة، فمتبع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، متبع لعيسى عليهِ السلام فى ذلك. {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: هم ملل النصارى كلهم، واليهود وغيرهم من ملل الشرك، لأن من آمنوا بعيسى، ولم يدخلوا الشرك فى إيمانهم، قد انقرضوا، ومن بقى منهم إلى بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد كفروا بجحوده، صلى الله عليه وسلم أو جحود بعثه إليهم، والعيان أقوى دليلا، فإنك لا تجد اليوم، ولا قبل اليوم، نصرانيا إلا وقد أشرك بصليب، أو قوله: إن عيسى إله، وإنهُ هو الله أو ابنه أو بإنكار بعث الأجساد وكل ذلك زائد على إنكاره خاتم النبيين، أو إنكار بعثه إليه، ولا تجد أن تقول الذين اتبعوه هم مَنْ آمن به من النصارى، مع هذا الكفر البين، وأيضاً شاهدنا وسمعنا، ورأينا فى الكتب، أن النصارى الغالبين فى الجزائر، وبارز، والأندلس وغيرهن، ليسوا متبعين لعيسى، ولا تجد أيضاً أن تقول كما قال بعضهم الحواريون رضى الله عنهم، لأنهُ لم يملكوا فضلا عن بقاء ملكهم إلى يوم القيامة، ولهذه الحجج المضيقة قيل: الذين اتبعوك النصارى والذين كفروا اليهود إذ كفروا به، فلم تسمع لهم دولة من زمان عيسى إلى الآن، ويرده أنه لا يصح أن يقال: لمن فى تلك المنزلة من الكفر الذى ذكرت عن النصارى: أنه اتبع عيسى، فأوضح تفسير أن المتبعين هذه الأمة، والذين كفروا النصارى واليهود وسائر المشركين فلا غلبة مستمرة بالحجة فى الدين، ولا بالسيف إلا لهذه الأمة، ومهما رأيت من شىء فلقرب الساعة والنصارى إلى الآن ترتعد من العرب والبربر المتعرية والخالصة. قال الشيخ هود: قال بعضهم: بعث الله هذا الحى من العرب فهم منه فى ذل إلى يوم القيامة، أى إما بأنفسهم، أو باتباع العرب الأوائل الصحابة. وعن قتادة: {الذَيِنَ اتّبَعُوكَ}، هذه الأمة ومن اتبعه قبلها، وجعل الغلبة بالحجة دائماً، وبالسيف غالباً، وهو مشكل إذ ليس الغالب قبل هذه الأمة ولا بعدها، من اتبع عيسى من النصارى حق الاتباع، إلا أن يدعى أن المراد باتباعه الإيمان بنبوته، والأولى ما ذكرته، حتى عيسى عليه السلام يكون لنا عوناً إذا نزل، كما بشر النصارى بنبينا - صلى الله عليه وسلم - وبنا. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والّذِى نَفْسىِ بيدهِ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها"تفسير : . قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {أية : وَإِن مِّنْ أهْلِ الْكِتَاب إلاَّ لَيُؤمنُنّ بهِ قبل موته}تفسير : وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس بينى وبينه - يعنى عيسى - نبى وأنهُ نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويهلك الله فى زمانه الملوك كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيخ الدجال، ثم إنه يمكث فى الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون ". تفسير : وذكر بعضهم أنه يدفن فى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقوم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما، بين نبيين عليهما الصلاة والسلام محمد وعيسى. وقيل: يبقى فى الأرض أربعاً وعشرين سنة، وهو بعد نزوله يحج البيت ويعمر، واجتمعت الأمة أنه حى فى السماء، وأنه ينزل آخر الزمان، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم؟ وإمامكم منكم؟ وهذا فضل عظيم، يكون الإمام من هذه الأمة وعيسى يصلى وراءه"تفسير : وفى رواية: "حديث : فأمكم منكم ". تفسير : قال ابن أبى ذؤيب لرجل: أتدرى ما أمكم منكم؟ قال الرجل تخبرنى. قال: فأمكم بكتاب ربكم عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، يعنى: تبعكم فى ذلك. واشتهر فى الحديث أنه ينزل عند المنازه البيضاء شر فى دمشق. {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ}: رجوعكم يكون إلىَّ لا إلى غيرى، رجوع عيسى ومتبعيه، ورجوع الذين كفروا، غلب خطاب عيسى على غيبة غيره. {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}: مِنْ أمر الدين وعيسى، وبين الحكم بقوله:

اطفيش

تفسير : {إذْ قَالَ اللهُ} مكر الله إذ قال الله، أو خير الماكرين إذ قال الله أو اذكر إذ قال الله، أوقع ذلك إذ قال الله، والأول أولى،لأن ظهور مكره فى ذلك الوقت، والوقت متسع، {يَاعِيسَى إنِّى مُتَوَفِيَّكَ} مستوفى أجلك لا أنقص منه شيئاً، فلا تموت إلا عند قرب الساعة أو متوفيك بعد سبع ساعات أو ثلاث، وبه قالت النصارى، أو بنوم كما روى أنه رفع نائما، فسمى النوم موتا، وليس رفعه نائما لئلا يخاف، لأن الخوف بذلك غير شأن الأنبياء، لا بقتلهم، إذ لا يصلون إليك، أو قابضك من الأرض، أو مميتك عن الشهوات حتى تكون كالملائكة، لا تأكل ولا تشرب، وتقتصر على العبادة، واختار القرطبى وغيره، أنه أخذه بلا نوم ولا موت، {وَرَافِعُكَ إِلىَّ} أى إلى محل كرامتى ومقر ملائكتى من الدنيا والقبض لا يلزم أن يكون إلى فوق، فبينه إلى فوق، وروى أنه نزل ومات ثم رفع {وَمُطَهِّركَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} مبعدك من كفرهم لا ينالك، ومن مضرتهم ومن سوء حوارهم، وكل ذلك منهم كالنجس والشيء الخبيث لما اجتمعوا على قتله، بعث الله إليه جبريل، فأدخله خوخة فى سقفها فرجة، فرفعه الله من تلك الفرجة، وأمر ملك اليهود رجلا فى أربعة آلاف، آخذين باب الغرفة منهم، يقال له، مطيانوس، أن يدخل الخوخة فيقتله فيها، فلما دخلها لم ير عيسى، وألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه، وقالو له، أنت عيسى، فقال: أنا صاحبكم الذى دلكم عليه، وقد لهم عليه بثلاثين درهما، فلم يلتفتوا إلى قوله، ولما قتلوه قالوا وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى، فوقع بينهم قتال: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} وهم اليهود الكافرون به، خطاب لعيسى بأنه من آمن به يكون غالبا وقاهراً لمن كفر به بالحجة والسيف، فالنصارى مطلقاً، والمؤمنون من هذه الأمة ظاهرون على اليهود لأن النصارة، ولو كفروا بالنبى صلى الله عليه وسلم، وكانوا من أهل النار، هم متبعون لعيسى من حيث إنهم آمنوا بعيسى وأحبوه، ولو كفر من كفر أيضاً يجعله إلها أو ابن الله، تعالى الله عن قول المبطلين، وإذا كان يوم القيامة زاد ارتفاعا بدخول الجنة المؤمنون من هذه الأمة، والمؤمنون بعيسى القائلون إنه عبد الله ورسوله إن لم يكفروا بالنبى صلى الله عليه وسلم، ولا ملك لليهود ولا دولة، والنصارى أشد مخالفة لعيسى، ولم يرض ما هم عليه من الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبغيره {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُم} رجوعكم بالبعث، ولا يشكل بقوله فى الدنيا، لأنه ليس المراد إيقاع كل واحد من التعذيب فى الدنيا والتعذيب فى الآخرة، وأحداثهما يوم القيامة بل أن مجموعهما يتم يوم القيامة، أو نقول، الرجوع أعم من الدنيوى والأخروى، أو المراد بالدنيا والآخرة التأبيد لا حقيقة كل واحدة، كأحد أوجه فى قوله تعالى: {أية : ما دامت السماوات والأرض} تفسير : [هود: 107، 108]، أو الترتيب بم ترق من كلام لآخر، ويجوز أن يكون ذلك تفسيراً للحكم باعتبار المجموع، فالترتيب باعتبار تعذيب الآخرة، وأما تعذيب الدنيا فذكره لإظهار مزيد الغضب، والله أعلم، والخطاب لعيسى ومن معه، ولمن كفر به على التغليب المخاطب على الغائب، وكذا فى قوله {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين، بإدخال الجنة من آمن بعيسى عليه السلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعهما سلب الله عيسى شهوة الطعام والشراب والنوم وسائر الشهوات الإنسانية، وكساه الريش وألبسه النور، وأرسل إليه سحابة فرفعته، وتعلقت به أمه وبكت، فقال لها: إن القيامة تجمعنا، وذلك ليلة القدر ببيت المقدس، وطار مع الملائكة، فقالت اليعقوبية والملكانية، كان الله فينا ثم صعد إلى السماء، وقالت النسطورية، كان فينا ابن الله، ثم رفعه، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله فرفعه الله، وهم المسلمون المحقون من النصارى فقتلهم تلك الفرق الثلاث، فانطمس الإسلام إلى أن بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وبعد سبعة أيام من رفعه، قال الله تعالى: اهبط إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، واجمع الحواريين، وبثهم فى الأرض، ودعاة إلى الله عز وجل، فأهبطه الله، فاشتعل الجبل نورا، فجمعهم وبثهم فى الأرض، فتلك الليلة تدخن فيها النصارى، ولما أصبح الحواريون تكلم كل بلغة من أرسله عيسى إليهم، وطلوعه ليلة القدر لا ينافى خصوصنا بها، لأنها فى حقنا خير من ألف شهر، ويجاب فيها إلى غير ذلك، وعاشت أمه بعده أكثر من سبع سنين، وقيل، عاشت ست سنين، فسرها اثنان وخمسون، لأَنها حملته بنت ثلاث عشرة سنة، وفى الصحيحين أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل عن أهل الكتاب و المجوس إلا التوحيد، أو يقتلهم، ويقتل الدجال والخنزير ويحطم الصليب، ويمكث سبع سنين، وفى أبى داود أربعين، ويدفن فى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم بعد غسل المسلمين إياه وصلاتهم عيه، ويجمع بين الروايتين بأن عدد الأربعين عدد ما قبل الرفع، وما بعد نزوله منه، ويبعث أبو بكر وعمر بين نبيين.

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } ظرف ـ لمكر ـ أو لمحذوف نحو وقع ذلك ولو قدر أذكر ـ كما في أمثاله ـ لم يبعد وتعلقه بالماكرين بعيد إذ لا يظهر وجه حسن لتقييد قوة مكره تعالى بهذا الوقت {يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } أخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة قال: هذا من المقدم والمؤخر أي: رافعك إليّ ومتوفيك، وهذا أحد تأويلات اقتضاها مخالفة ظاهر الآية للمشهور المصرح به في الآية الأخرى، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة»تفسير : . وثانيها: أن المراد إني مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلط عليك من يقتلك فالكلام كناية عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من الفتك به عليه السلام لأنه يلزم من استيفاء الله تعالى أجله وموته حتف أنفه ذلك. وثالثها: أن المراد قابضك ومستوفي شخصك من الأرض ـ من توفى المال ـ بمعنى استوفاه وقبضه. ورابعها: أن المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان ويطلق كل منهما على الآخر، وقد روي عن الربيع أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء وهو نائم رفقاً به، وحكي هذا القول والذي قبله أيضاً عن الحسن. وخامسها: أن المراد أجعلك كالمتوفى لأنه بالرفع يشبهه، وسادسها: أن المراد آخذك وافياً بروحك وبدنك فيكون {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } كالمفسر لما قبله، وسابعها: أن المراد بالوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت، وثامنها: أن المراد مستقبل عملك، ولا يخلو أكثر هذه الأوجه عن بعد لا سيما الأخير. وقيل: الآية محمولة على ظاهرها، فقد أخرج ابن جرير عن وهب أنه قال: توفى الله تعالى عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه. وأخرج الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وأن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين، وورد ذلك في رواية ضعيفة عن ابن عباس ـ والصحيح كما قاله القرطبـي ـ أن الله تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم ـ وهو اختيار الطبري ـ والرواية الصحيحة عن ابن عباس، وحكاية أن الله تعالى توفاه سبع ساعات ذكر ابن إسحق أنها من زعم النصارى. ولهم في هذا المقام كلام تقشعر منه الجلود، ويزعمون أنه في الإنجيل وحاشا الله ما هو إلا افتراء وبهتان عظيم، ولا بأس بنقله ورده فإن في ذلك ردّ دعواهم فيه عليه السلام الربوبية على أتم وجه، فنقول: قالوا: بينما المسيح مع تلاميذه جالس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر نيسان إذ جاء يهودا الأسخريوطي أحد الاثني عشر ومعه جماعة معهم السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب وقد قال لهم يهودا: الرجل الذي أقبل هو هو فأمسكوه فلما رأى يهودا المسيح قال: السلام عليك يا معلم ثم أمسكوه فقال يسوع: مثل ما يفعل باللصوص خرجتم لي بالسيوف والعصي وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أعلم فلم تتعرضوا لي لكن/ هذه ساعة سلطان الظلمة فذهبوا به إلى رئيس الكهنة حيث تجتمع الشيوخ وتبعه بطرس من بعيد ودخل معه الدار ليلاً وجلس ناحية منها متنكراً ليرى ما يؤول أمره إليه فالتمس المشايخ على يسوع شهادة يقتلونه بها فجاء جماعة من شهود الزور فشهد منهم اثنان أن يسوع قال: أنا أقدر أن أنقض هيكل الله تعالى وأبنيه في ثلاثة أيام فقال له الرئيس: ما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله الحي أنت المسيح؟ فقال أنت قلت ذاك وأنا أقول لكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى تروه جالساً عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء وأن ناساً من القيام هٰهنا لا يذوقون الموت حتى يرون ابن الإنسان آتياً في ملكوته فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شق ثيابه وقال: ما حاجتنا إلى شهادة يهودا قد سمعتم ماذا ترون في أمره؟ فقالوا: هذا مستوجب الموت فحينئذٍ بصقوا في وجه البعيد ولطموه وضربوه وهزأوا به وجعلوا يلطمونه ويقولون: بين لنا من لطمك ولما كان من الغد أسلموه لفيلاطس القائد فتصايح الشعب بأسره ـ يصلب يصلب ـ فتحرج فيلاطس من قتله، وقال: أي شر فعل هذا فقال الشيوخ: دمه عليهم وعلى أولادهم فحينئذٍ ساقه جند القائد إلى الأبروطوريون فاجتمع عليه الشعب ونزعوه ثيابه وألبسوه لباساً أحمر وضفّروا إكليلاً من الشوك وتركوه على رأسه وجعلوا في يده قصبة ثم جثوا على ركبهم يهزأون به ويقولون: السلام عليك يا ملك اليهود وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في رأسه ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه إلى موضع يعرف بالجمجمة فصلبوه وسمروا يديه على الخشبة فسألهم شربة ماء فأعطوه خلاً مدافاً بمرّ فذاقه ولم يسغه وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة وجعلوا عند رأسه لوحاً مكتوباً هذا يسوغ ملك اليهود استهزاءاً به، ثم جاءوا بلصين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيراً له وكان اليهود يقولون له: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك وإن كنت ابن الله كما تقول انزل عن الصليب، وقال اليهود: هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف لم يقدر على خلاص نفسه إن كان متوكلاً على الله تعالى فهو ينجيه مما هو فيه؟ ولما كان ست ساعات من يوم الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم ـ آلوي آلوي إيما صاصا ـأي إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني وأخذ اليهود سفنجة فيها خل ورفعها أحدهم على قصبة وسقاه، وقال آخر: دعوه حتى نرى من يخلصه فصرخ يسوع وأمال رأسه وأسلم الروح وانشق حجاب الهيكل وانشقت الصخور وتفتحت القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا للناس ولما كان المساء جاء رجل من ألزامه يسمى يوسف بلفائف نقية وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة ثم جعل على باب القبر حجراً عظيماً وجاء مشايخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: يا سيدي ذكرنا أن ذاك الضال كان قد ذكر لتلاميذه أنا أقوم بعد ثلاثة أيام فلو أمرت من يحرس القبر حتى تمضي المدة كي لا تأتي تلاميذه ويسرقوه ثم يشيعون في الشعب أنه قام فتكون الضلالة الثانية شراً من الأولى فقال لهم القائد: اذهبوا وسدوا عليه واحرسوه كما تريدون فمضوا وفعلوا ما أرادوا، وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقتها لينظرن إلى القبر. وفي «إنجيل مرقص» إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس وإذا ملك قد نزل من السماء برجة عظيمة فألقى الحجر عن القبر وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق فكاد الحرس أن يموتوا من هيبته ثم قال للنسوة: لا تخافا قد علمت أنكما جئتما تطلبان يسوع المصلوب ليس هو هٰهنا إنه قد قام تعالين انظرن إلى المكان الذي كان فيه الرب واذهبا وقولا لتلاميذه إنه سبقكم إلى الخليل فمضتا وأخبرتا التلاميذ ودخل الحراس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر/ فقالوا: لا تنطقوا بهذا ورشوهم بفضة على كتمان القضية فقبلوا ذلك منهم وأشاعوا أن التلاميذ جاءوا وسرقوه ومهدت المشايخ عذرهم عند القائد ومضت الأحد عشر تلميذاً إلى الخليل وقد شك بعضهم، وجاء لهم يسوع وكلمهم وقال لهم: اذهبوا فعمدوا كل الأمم وعلموهم ما أوصيكم به، وهو ذا أنا معكم إلى انقضاء الدهر انتهى. وهٰهنا أمور: الأول: أنه يقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواتراً أو آحاداً فإن زعموا أنه آحاد لم تتم بذلك حجة ولم يثبت العلم إذ الآحاد لم يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض لهم ذلك فكيف يحتج بقولهم في القطعيات؟! وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم: أحد شروط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة بأن يكون الإخبار في كل طبقة ممن لا يمكن مواطأته على الكذب فإن زعمتم أن خبر قتل المسيح كذلك أكذبتم نصوص الإنجيل الذي بأيديكم إذ قال نقلته الذين دونوه لكم ـ وعليه معولكم ـ: إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة قليلة من تلامذته فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إليه فعرفته فقالت: هذا كان مع يسوع فحلف أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم حتى تركوه وذهب، ولم يكد يذهب وأن شاباً آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره بأيديهم وذهب عرياناً فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر أحد منهم بشهادة الإنجيل، وأما أعداؤه اليهود الذين تزعمون أنهم حضروا الأمر فلا نسلم أنهم بلغوا عدد التواتر بل كانوا آحاداً وهم أعداء يمكن تواطؤهم على الكذب على عدوهم إيهاماً منهم أنهم ظفروا به وبلغوا منه أمانيهم فانخرم شرط التواتر. ويؤيد هذا أن رؤساء الكهنة فيما زعمتم رشوا الحراس فلا يبعد أن تكون هذه العصابة من اليهود صلبوا شخصاً من أصحاب يسوع وأوهموا الناس أنه المسيح لتتم لهم أغراضهم على أن الأخباريين ذكروا أن بختنصر قتل علماء اليهود في مشارق الأرض ومغاربها لأنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا حتى لم يبق منهم إلا شرذمة، فالمخبرون لم يبلغوا حد التواتر في الطبقة الوسطى أيضاً. الثاني: أن في هذا الفصل ما تحكم البداهة بكذبه، وما تضحك الثكلى منه، وما يبعده العقل مثل قوله للكهنة: إنكم من الآن ما ترون ابن الإنسان ـ يريدون بالإنسان الرب سبحانه ـ فإنه لم يرد إطلاق ذلك عليه جل شأنه في كتاب، وقوله: إن ناساً من القيام هٰهنا الخ فإنه لم ير أحد من القيام هناك قبل موتة عيسى عليه السلام آتياً في ملكوته، وقول الملك للنسوة: تعالين فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرب فإنه يقال فيه: أرب يقبر وإله يلحد، أف لتراب يغشى وجه هذا الإله، وتباً لكفن ستر محاسنه، وعجباً للسماء كيف لم تبد ـ وهو سامكها ـ وللأرض لم تمد ـ وهو ماسكها ـ وللبحار كيف لم تغض ـ وهو مجريها ـ وللجبال كيف لم تسر ـ وهو مرسيها ـ وللحيوان كيف لم يصعق ـ وهو مشبعه ـ وللكون كيف لم يمحق ـ وهو مبدعه ـ سبحان الله كيف استقام الوجود والرب في اللحود، وكيف ثبت العالم على نظام والإله في الرغام إنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرب والرزية بهذا الإله لقد ثكلته أمه، وعدمه لا أبا لك قومه؟ وقوله: إلهي إلهي لم خذلتني فإنه ينافي الرضا بمرّ ـ القضاء، ويناقض التسليم لأحكام الحكيم، وذلك لا يليق بالصالحين فضلاً عن المرسلين على أنه يبطل دعوى الربوبية التي تزعمونها والألوهية التي تعتقدونها، وقولهم: إنه قام كثير من القديسين من قبورهم الخ فإنه كذب صريح لأنه لو كان صحيحاً لأطبق الناس على نقله ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع، وقولهم: مضت الأحد عشر/ تلميذاً إلى الخليل الخ فإنه قد انطفأ فيه سراج التلميذ الثاني عشر على ما يقتضيه قول المسيح: ويل لمن يسلم ابن الإنسان مع أن يسوع بزعمكم قال لتلاميذه الاثني عشر وفيهم يهودا الإسخريوطي الذي أسلمه للقتل: إنكم ستجلسون يوم القيامة على اثني عشر كرسياً تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، وقولهم: إنهم سألهم شربة ماء فإنه في غاية البعد لأن الإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي أربعين يوماً وأربعين ليلة ومثله لا يجزع من فراق الماء ساعة لا سيما وقد كان يقول لتلاميذه: إن لي طعاماً لا تعرفونه إلى غير ذلك. الثالث: إن ما ذكروا من قيام المسيح من قبره ليلة السبت مع صلبه يوم الجمعة مخالف لما رواه «متى في إنجيله» فإنه قال فيه: سأل اليهود المسيح أن يريهم آية فقال: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلا آية يونيان النبـي ـ يعني يونس عليه السلام ـ لأنه أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال وكذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال الرابع: أن في هذه القصة ما يدل دلالة واضحة على أن المصلوب هو الشبه وأن الله تعالى حمى المسيح عليه السلام عن الصلب كما سيتضح لك مع زيادة تحقيق عند قوله تعالى: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 157]. هذا وإنما أكد الحكم السابق اعتناءاً به أو لأن تسلط الكفار عليه جعل المقام مقام اعتقاد أنهم يقتلونه، وأراد سبحانه بقوله: {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } رافعك إلى سمائي، وقيل: إلى كرامتي، وعلى كل فالكلام على حذف مضاف إذ من المعلوم أن البارىء سبحانه ليس بمتحيز في جهة، وفي رفعه إلى أي سماء خلاف، والذي اختاره الكثير من العارفين أنه رفع إلى السماء الرابعة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رفعه إلى السماء الدنيا فهو فيها يسبح مع الملائكة ثم يهبطه الله تعالى عند ظهور الدجال على صخرة بيت المقدس. وفي الخازن أنه سبحانه لما رفعه عليه السلام إليه كساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وصار إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً. وأورد بعض الناس هٰهنا إشكالات وهي أن الله تعالى كان قد أيده بجبريل عليه السلام كما قال سبحانه: {أية : وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [البقرة: 87] ثم إن طرف جناح من أجنحة جبريل كان يكفي للعالم فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه؟ وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فكيف لم يقدر على إماتتهم ودفع شوكتهم، أو على إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين من التعرض له؟ وأيضاً لما خلصه من الأعداء بأن رفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟ وأجيب عن الكل بأن بناء التكليف على الاختيار، ولو أقدر الله تعالى جبريل، أو عيسى عليهما السلام على دفع الأعداء، أو رفعه من غير إلقاء شبهه إلى السماء لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، والقول ـ بأن فتح باب إلقاء الشبه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وإبطال التواتر، وأيضاً إن في ذلك الإلقاء تمويهاً وتخليطاً وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى ـ ليس بشيء، أما أولاً: فلأن إلقاء شبه شخص على آخر وإن كان ممكناً في نفسه إلا أن الأصل عدم الإلقاء واستقلال كل من الحيوان بصورته التي هي له، نعم لو أخبر الصادق بإلقاء صورة شخص على آخر قلنا به واعتقدناه فحينئذٍ لا يرتفع الأمان عن المحسوسات بل هي باقية على الأصل فيها فيما لم يخبر الصادق بخلافه على أن إبطال التواتر بفتح هذا الباب ممنوع لأنه لم يشترط في الخبر أن يكون عن أمر ثابت في نفس الأمر بل يكفي فيه كونه عن أمر محسوس على ما قاله بعض المحققين، وأما ثانياً: فلأن التمويه والتلبيس إن كان على الأعداء فلا نسلم أنه مما لا يليق بالحكمة وإن كانت النجاة مما تمكن بدون الإلقاء وإن كان ذلك على أوليائه فلا نسلم أن في الإلقاء تمويهاً لأنهم كانوا عارفين يقيناً بأن المطلوب الشبه لا عيسى عليه السلام كما ستعرفه إن شاء/ الله تعالى. والقول ـ بأن المطلوب قد ثبت بالتواتر أنه بقي حياً زماناً طويلاً فلولا أنه كان عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه ولو فعل ذلك لاشتهر وتواتر ـ ليس بشيء أيضاً، أما أولاً: فلأن دعوى تواتر بقاء المصلوب حياً زماناً طويلاً مما لم يثبتها برهان والثابت أن المصلوب إنما صلب في الساعة الثانية من يوم الجمعة ومات في الساعة السادسة من ذلك اليوم وأنزل ودفن، ومقدار أربع ساعات لا يعد زماناً طويلاً كما لا يخفى، وأما ثانياً: فلأن عدم تعريف المصلوب نفسه إما لأنه أدركته دهشة منعته من البيان والإيضاح، أو لأن الله تعالى أخذ على لسانه فلم يستطع أن يخبر عن نفسه صوناً لنبيه عليه السلام أن يفصح الرجل عن أمره، أو لأنه لصديقيته آثر المسيح بنفسه وفعل ذلك بعهد عهده إليه رغبة في الشهادة، ولهذا ورَّى في الجواب الذي نقلته النصارى في القصة وقد وعد المسيح عليه السلام التلاميذ ـ على ما نقلوا قبل ـ بقولهم لو دفعنا إلى الموت معك لمتنا والشبه من جملتهم فوفى بما وعد من نفسه على عادة الصديقين من أصحاب الأنبياء عليهم السلام فهو من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومن ذهب إلى أن الشبه كان من الأعداء لا من الأولياء روي أنه جعل يقول لليهود عند الصلب: لست المسيح وإنما أنا صاحبكم لكنه لم يسمع ولم يلتفت إلى قوله وصلبوه، والقول ـ بأنه لو كان ذلك لتواتر ـ لا يخفى ما فيه لمن أحاط بما ذكرناه خبراً فتأمل. {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يحتمل أن يكون تطهيره عليه السلام بتبعيده منهم بالرفع، ويحتمل أن يكون بنجاته مما قصدوا فعله به من القتل، وفي الأول: جعلهم كأنهم نجاسة، وفي الثاني: جعل فعلهم كذلك والأول هو الظاهر ـ وإلى الثاني ذهب الجبائي ـ. والمراد من الموصول اليهود، وأتى بالظاهر ـ على ما قيل ـ دون الضمير: إشارة إلى علة النجاسة وهي الكفر. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الحسن أن المراد من الموصول اليهود والنصارى والمجوس وكفار قومه. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } قال قتادة والحسن وابن جريج وخلق كثير: هم أهل الإسلام اتبعوه على ملته وفطرته من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم اليهود أو سائر من شمله هذا المفهوم فإن المؤمنين يعلونهم بالحجة، أو السيف في غالب الأمر. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن المراد من الموصول الأول النصارى، ومن الثاني اليهود وقد جعل سبحانه النصارى فوق اليهود فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود في شرق الدنيا وغربها، وعلى هذا يكون المراد من الاتباع مجرد الادعاء والمحبة ولا يضر في غلبتهم على اليهود غلبة المسلمين عليهم، وإذا أريد بالاتباع ما يشمل اتباع المسلمين، وهذا الاتباع يصح أن يراد بالمتبعين ما يشمل المسلمين والنصارى مطلقاً من آمن به قبل مجىء نبينا صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعته، ومن آمن بزعمه بعد ذلك ـ وقد يراد من الاتباع ـ الاتباع بالمعنى الأول فيجوز أن يراد من المتبعين المسلمون، والقسم الأول: من النصارى، وتخصيص المتبعين بهذه الأمة ـ وحمل الاتباع على المجىء بعد ـ مما لا ينبغي أن يخرج عليه الكتاب الكريم كجعل الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وأن الوقف على {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } متعلق بالجعل أو بالاستقرار المقدر في الظرف، وليس المراد أن ذلك ينتهي حينئذٍ ويتخلص الذين كفروا من الذلة بل المراد أن المتبعين يعلونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى ما يريد. ومن الناس من حمل الفوقية ـ على العلو الرتبـي والفوقية بحسب الشرف وجعل التقييد بيوم القيامة للتأييد/ كما في قولهم ما دامت السماء، وما دار الفلك بناءاً على ظن أن عدم انتهاء علو المؤمنين وذلة الكافرين إلى ذلك اليوم موجب لهذا الجعل ـ وليس بذلك. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي مصيركم بعد يوم القيامة ورجوعكم، والضمير لعيسى عليه السلام والطائفتين، وفيه تغليب على الأظهر، و {ثُمَّ } للتراخي؛ وتقديم الظرف للقصر المفيد لتأكيد الوعد والوعيد، ويحتمل أن يكون الضمير لمن اتبع وكفر فقط، وفيه التفات للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أي فأقضي بينكم إثر رجوعكم إليّ ومصيركم بين يدي {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمور الدين، أو من أمر عيسى عليه السلام، والظرف متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف؛ و (إذ) ظرف غير متعلق بشيء، أو متعلق بمحذوف، أي اذكُر إذ قال الله: كما تقدم في قوله: {أية : وإذْ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] وهذا حكاية لأمرِ رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه. وقدّم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناساً له، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه. مع العلم بأنه يحب لقاء الله، وتبشيراً له بأنّ الله مظهر دينَه؛ لأنّ غاية هم الرسول هو الهدى، وإبلاغ الشريعة، فلذلك قال له: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} والنداء فيه للاستئناس، وفي الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقبض نبي حتى يُخَيَّر»تفسير : . وقوله: {إني متوفيك} ظاهر معناه: إنّي مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأنّ أصل فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تاماً واستوفاه. فيقال: توفاه اللَّهِ أي قدّر موته، ويقال: توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله بموته، ويطلق التوفّي على النوم مجازاً بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى: {أية : وهو الذي يَتَوَفَّاكم بالليل}تفسير : [الأنعام: 60] - وقوله - {أية : الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ موتها والتي لم تَمُتْ في منامها فيُمْسِك التي قضى عليها الموتَ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى}تفسير : [الزمر: 42]. أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتاً شبيهاً بالموت التام كقوله: {هو الذي يتوفاكم بالليل} - ثم قال - {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} فالكل إماتة في التحقيق، وإنما فَصَل بينهما العرف والاستعمال، ولذلك فرّع بالبيان بقوله: فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى، فالكلام منتظم غاية الانتظام، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام. وأصرح من هذه الآية آية المائدة: فلمَا توفيتَني كنت أنتَ الرقيب عليهم لأنه دل على أنه قد توفّى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض، وحملُها على النوم بالنسبة لِعيسى لا معنى له؛ لأنهُ إذا أراد رفعَه لم يلزم أن ينام؛ ولأنّ النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة، ولذلك قال ابن عباس، ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية قال مالك: مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «يحتمل أنّ قوله: مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز». وقال الربيع: هي وفاة نوم رفعه الله في منامه، وقال الحسن وجماعة: معناه إنّي قابضك من الأرض، ومخلصك في السماء، وقيل: متوفيك متقبل عملك. والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة: أنّ عيسى ينزل في آخر مدّة الدنيا، فأفهم أنّ له حياة خاصة أخصّ من حياة أرواح بقية الأنبياء، التي هي حياة أخصّ من حياة بقية الأرواح؛ فإنّ حياة الأرواح متفاوتة كما دلّ عليه حديث «حديث : أرواح الشهداء في حواصل طيور خضْرٍ»تفسير : ورووا أنّ تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله، فمنهم من تأوّل معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى، ومنهم من أبقى الوفاة على ظاهرها، وجعل حياته بحياة ثانية، فقال وهب بن منبه: توفاه الله ثلاثَ ساعات ورفعه فيها، ثم أحياه عنده في السماء. وقال بعضهم: توفّي سبع ساعات. وسكت ابن عباس ومالكٌ عن تعيين كيفية ذلك، ولقد وُفِّقا وسُدِّدا. ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء، وأن يكون نزوله - إن حمل على ظاهره - بعثاً له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية، وقد جاء التعبير عن نزوله بلفظ «يبعث الله عيسى فيقتل الدجال» رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة. وقد قيل في تأويله: إنّ عطف {ورافعك إلي} على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إنّي رافعك إليّ ثم متوفيك بعد ذلك، وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أنّ في حديث أبي هريرة في كتاب أبي داود: «حديث : ويمكث (أي عيسى) أربعين سنة ثم يُتوفى فيصلّي عليه المسلمون»تفسير : والوجه أن يحمل قوله تعالى: {إني متوفيك} على حقيقته، وهو الظاهر، وأن تؤوّل الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حيّ على معنى حياة كرامة عند الله، كحياة الشهداء وأقوى، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل، أنّ ذلك يقوم مقام البعض، وأنّ قوله - في حديث أبي هريرة - ثم يتوفّى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنّه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى، وهم جَمْع من الصحابة، والروايات مختلفة وغير صريحة. ولم يتعرض القرآن في عدّ مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان. والتطهير في قوله: {ومطهرك} مجازي بمعنى العصمة والتنزيه؛ لأنّ طهارة عيسى هي هي، ولكن لو سُلط عليه أعداؤُه لكان ذلك إهانة له. وحذف متعلق «كفروا» لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود، لأنّ اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى، ولأنّ عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيرُه لا يظنّ أنّه تطهيرٌ من المشركين بقرينة السياق. والفوقية في قوله: {فوق الذين كفروا} بمعنى الظهور والانتصار، وهي فوقية دنيوية بدليل قوله: {إلى يوم القيامة}. والمراد بالذين اتبعوه: الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك، إلى أن نُسخت شريعته بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وجملة {ثم إليّ مرجعكم} عطف على جملة {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاءِ اللَّهِ متّبِعي عيسى والكافرين به. وثم للتراخي الرتبي؛ لأنّ الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم القيامة، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه، أعظمُ درجةً وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا. والظاهر أنّ هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى، وأنّ ضمير مرجعكم، وما معه من ضمائر المخاطبين، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به. ويجوز أن يكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني. والمَرْجعِ مصدر ميمي معناه الرجوع. وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعيّن أنّه رجوع مجازي، فيجوز أن يكون المرادُ به البعثَ للحساب بعد الموت، وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير، ويجوز أن يكون مراداً به انتهاء إمهال الله إياهم في أجلٍ أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا. ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه، وهو المناسب لجمع العذابين في قوله: {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} وعلى الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون. وقوله: {فأما الذين كفروا فأعذبهم} - إلى قوله - {فنوفيهم أجورهم} تفصيل لما أجمل في قوله {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. وقوله {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والأخرة} المقصود من هذا الوعيدِ هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حَيز تفصيل الضمائر من قوله: {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وإنما يكون ذلك في الآخرة، فذُكِر عذاب الدنيا هنا إدماج. فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه، وإن كان كلاماً من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ، صح أن يكون مراداً منه أيضاً التعريض بالمشركين في ظلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد. وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله: قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة. وجملة {وما لهم من ناصرين} تذييل لجملة {أعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره الله تعالى. واعلم أنّ قوله {فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين: فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا: من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاءُ الناصرين في المدة التي قدّرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وَجَد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر. وأما عذاب الآخرة: فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد، كما قال: {أية : وما هم بخارجين من النار}تفسير : [البقرة: 167]. وجملة {والله لا يحب الظالمين} تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثانٍ لجملة {فأعذبهم عذاباً شديداً} بصريح معناها، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون والله لا يحبّ الظالمين وتذييلٌ لجملة {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، بكناية معناها؛ لأنّ انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافياً. ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلَموا أنفسهم بكفرهم وظلَمَ النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابناً للَّه تعالى، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم. وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية، والتشريد في الأقطار، وكونهم يعيشون تبعاً للناس، وعذاب الآخرة هو جهنم. ومعنى {وما لهم من ناصرين} أنهم لا يجدون ناصراً يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفَر به وأسند {فنوفيهم} إلى نون العظمة تنبيهاً على عظمة مفعول هذا الفاعل؛ إذ العظيم يعطى عظيماً. والتقدير {فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة} بدليل مقابله في ضدّهم من قوله: {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة: منها رضا اللَّهِ عنهم، وبَركاته معهم، والحياة الطيبة، وحسن الذكر. وجملة {والله لا يحب الظالمين} تذييل، وفيها اكتفاء: أي ويحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقرأ الجمهور: فنوفيهم - بالنون - وقرأه حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}. قال: بعض العلماء أي منيمك ورافعك إلي أي في تلك النومة ويستأنس لهذا التفسير بالآيات التي جاء فيها إطلاق الوفاة على النوم كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60] الآية. وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} تفسير : [الزمر: 42].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 55- واذكر - أيها النبى - إذ قال الله: يا عيسى إنى مستوفٍ أجلك، ولا أمكِّن أحداً من قتلك، وإنى رافعك إلى محل كرامتى، ومنجيك من أعدائك الذين قصدوا قتلك، وجاعل المتبعين لك، الذين لم ينحرفوا عن دينك ظاهرين بالقوة والسلطان على الذين لم يهتدوا بهديك إلى يوم القيامة، ثم إلىَّ مصيركم فى الآخرة فأقضى بينكم فى الذى تنازعتم فيه من أمر الدين. 56- فأما الجاحدون، فأذيقهم عذاب الخزى والنكال بتسليط الأمم عليهم فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى. وليس لهم من ينقذهم من عذاب الله. 57- وأما المهتدون بهدى الله، العاملون على سنن الخير، فيعطيهم الله جزاء أعمالهم وافياً. والله لا يمنح ثوابه المتجاوزين لحدود الله الطاغين على دعوته وإحسانه، ولا يرفع لهم قدراً. 58- ذلك الذى قصصناه عليك من الحجج الدالة على صدق رسالتك، هو من القرآن الكريم المشتمل على العلم النافع. 59- ضلَّ قوم فى أمر عيسى، فزعموا أنه ابن الله لأنه ولد من غير أب، فقال الله لهم: إن شأن عيسى فى خلقه من غير أب كشأن آدم فى خلقه من تراب من غير أب ولا أم، فقد صوَّره وأراد أن يكون فكان بشراً سوياً. 60- هذا البيان فى خلق عيسى هو الصدق الذى بيَّن الواقع بإخبار رب الوجود فدم على يقينك، ولا تكن من الشاكين.

القطان

تفسير : واذكر أيها النبي اذ قال الله: يا عيسى، اني متسوفٍ ِأجَلَك، لن أدعَ أحدا يقتلك، ثم أرفعك الى محل كرامتي، فتنجو من أعدائك. اما الذين اتبعوك ولم ينحرفوا عن دينك فسأجعلهم أقوى من الذين لم يهتدوا بهديك الى يوم القيامة. واخيراً ترجعون إليَّ جميعاً يوم القيامة فأقضي بينكم في الذي تنازعتم فيه من أمر الدين، وأجازي كلاًّ بما يستحق. أما الذين كذّبوك فأعذبهم عذاب الخزي والنكال بتسليط الأمم عليهم في الدنيا، وبنقمتي عليهم في الآخرة. ولن يجدوا من ينصرهم من عذابي الأليم في ذلك اليوم. وأما الذين تقلبّوا رسالتك واهتدوا بهدي الله، حين أقرّوا بنبوّتك وما جئتهم به من الحق فَسأُوفّيهم أجرهم كاملاً غير منقوص. هذه أخبار مريم وعيسى وبني اسرائيل والحواريين التي نود ان نقرئها ايّاك يا محمد باعتبارها بعض القرآن الحكيم الذي يبين وجوه العِبر في الأخبار والحِكم، فيهدي المؤمنين الى اتباع ربهم. وأنت ترى أن فيها حجة بالغة على من حاجّك من وفد نجران، ويهود بني اسرائيل. قراءات: قرأ حفص ورويس "فيوفيهم" بالياء كما هو هنا. والباقون "فنوفيهم" بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰعِيسَىٰ} {ٱلْقِيَامَةِ} (55) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ فِيمَا تَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ إذْ بَشَّرَ اللهُ تَعَالَى عِيسَى بِأَنَّهُ سَيُنَجِّيهِ مِنْ مَكْرِ اليَهُودِ، وَأنَّهُ سَيَسْتَوفِي أجَلَهُ، وَأنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا مِنْهُ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ بِمَكْرِهِمْ وَخُبْثِهِمْ، وَأنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ فِي مَكَانٍ رَفيعٍ عِنْدَ اللهِ، وَأنَّّهُ سَيَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا بِأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، وَصَدَّقُوهُ فِي قَوْلِهِ {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَد}،تفسير : ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ظَاهِرِينَ بِالقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى الذِينَ مَكَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ، مِنَ اليَهودِ، وَمَنْ سَارُوا بِسيرَتِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهُدَى عِيسَى، وَسَيَسْتَمِرُّ هَذَا الظُّهُورُ وَالسُّلْطَانُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. ثُمَّ يَصيرُ الجَمِيعُ إلى اللهِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أمُورِ الدِّينِ. مُتَوفِّيكَ - مُمِيتُكَ - آخِذُكَ وَافياً بِرُوحِكَ وَجَسَدِكَ.

الثعلبي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} اختلفوا في معنى التوفّي ههنا: فقال كعب والحسن والكلبي ومطر الوراق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريج وابن زيد: معناه: إنّي قابضك. {وَرَافِعُكَ}: من الدّنيا. {إِلَيَّ}: من غير موت، يدلّ عليه قوله {أية : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} تفسير : [المائدة: 117] أي قبضتني إلى السماء وأنا حيّ ؛ لأنّ قومه إنّما تنصّروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفّي تأويلان: أحدهما: إنّي رافعك إليّ وافياً لن ينالوا منك. من قولهم: توفّيت كذا واستوفيته أي أخذته تامّاً. و الآخر: إنّي مسلّمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلّمته. وقال الربيع بن أنس: معناه أنّي منيمك ورافعك إليّ من قومك، يدل عليه قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60]: أي ينيمكم ؛ لأنّ النوم أخو الموت، وقوله {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} تفسير : [الزمر: 42]. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إنّي مميتكم، يدلّ عليه: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [السجدة: 11]، وقوله {أية : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} تفسير : [يونس: 46] وله على هذا القول تأويلان: أحدهما: ما قال وهب: توفّى اللّه عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعهُ. والآخر: ما قاله الضحّاك وجماعة من أهل المعاني: إنّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، معناه إنّي رافعك إليّ. {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: ومتوفّيك بعد إنزالك من السماء كقوله عز وجّل: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} تفسير : [طه: 129]. وقال الشاعر: شعر : ألا يا نخلةً من ذات عرق عليك ورحمةُ اللّهِ السّلام تفسير : أي عليك السلام ورحمة الله. وقال آخر: شعر : جمعت وعيباً نخوة ونميمة ثلاث خصال لسن من ترعوي تفسير : أي جمعت نخوة ونميمة وعيباً. وروى أبو هريرة عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الأنبياء إخوة لعلاّت شتّى ودينهم واحد، وأنا أولى النّاس بعيسى بن مريم ؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبّي، وإنّه عامل على أُمّتي وخليفتي عليهم، إذا رأيتموه فاعرفوه فإنّه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصّرتين يدقّ الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكنّ الروحاء حاجّاً أو معتمراً أو كلتيهما جميعاً، ويقاتل النّاس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذّاب الدجّال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيّات لا يضرّ بعضهم بعضاً، ويلبث في الأرض أربعين سنة ". تفسير : وفي رواية كعب: "حديث : أربعاً وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه في حجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى (عليه السلام) في القرآن. فقال: نعم. قوله: {وكهلاً}، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنّما معناه {وكهلاً} بعد نزوله من السماء. وعن محمد بن إبراهيم أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر حدّثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف تهلك أمّة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في أوسطها ". تفسير : وقال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي: معناه أنّي متوفّيك عن شهواتك وحطوط نفسك، ولقد أحسن فيما قال لأنّ عيسى لمّا رُفع إلى السّماء صار حاله كحال الملائكة. {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}: قال البشالي والشيباني: كان عيسى على [....] فهبّت ريح فهرول عيسى (عليه السلام) فرفعه اللّه عز وجّل في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر. قال ابن عباس: ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع. وقال ابن عمر: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم في الطواف فقيل له في ذلك. فقال: استقبلني عيسى في الطواف ومعه ملكان. وقيل: معناه رافعك بالدرجة في الجنّة ومقرّبك إلى الأكرام {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: أي مخرجك من بينهم ومُنجيك منهم. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}: قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين اتّبعوا دينه وسنّته من أُمّة محمّد ؛ فوالله ما اتّبعه من دعاه رباً {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: ظاهرين مجاهرين بالعزة والمنعة والدليل والحجة. الضحّاك ومحمد بن أبان: يعني الحواريّين فوق الذين كفروا، وقيل: هم الرّوم. وقال ابن زيد: وجاعل النّصارى فوق االيهود. فليس بلد فيه أحد من النّصارى إلا وهم فوق اليهود، واليهود مستذلّون مقهورون، وعلى هذين القولين يكون معنى الإتّباع الإدّعاء والمحبة لا اتّباع الدّين والملّة. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} في الآخرة. {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}: من الدين وأمر عيسى (عليه السلام). {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا}: بالقتل والسّبي والذّلّة والجزية {وَٱلآخِرَةِ}: بالنار. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ}: قرأ الحسن وحفص ويونس: بالياء، والباقون بالنون. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} . {ذٰلِكَ}: أي هذا الذي ذكرته. {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ}. قال النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن. وقيل: هو اللوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش في درّة بيضاء، والحكيم: هو الحكم من الباطل. قال مقاتل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} الآية: وذلك أنّ وفد نجران قالوا: يا رسول اللّه مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنّه عبد؟ قال: أجل هو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فأنزل اللّه عز وجّل {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ} في كونه خلقاً من غير أب {كَمَثَلِ ءَادَمَ} في كونه خلقاً من غير أب ولا أم {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}: تم الكلام. {ثُمَّ قَالَ لَهُ}: يعني لعيسى. {كُن فَيَكُونُ}: يعني فكان. {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}: قال الفرّاء: رفع لخبر ابتداء مضمر يعني هو الحق أي هذا الحق. وقال أبو عبيدة: هو استئناف بعد انقضاء الكلام وخبره في قوله: {مِن رَّبِّكَ}، وقيل بإضمار فعل أي حال الحق، وإن شئت رفعته بالضمّة ونويت تقديماً وتأخيراً تقديره من ربّك الحق كقولهم: منك يدك ، وإن كان مثلاً. {فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أُمّته لأنّه لم يكن ينهاه في أمر عيسى. {فَمَنْ حَآجَّكَ}: خاصمك وجادلك بأمر يا محمد. {فِيهِ}: في عيسى. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ}: بأنه عبد اللّه ورسوله. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ}: قرأ الحسن وأبو واقد الليثي وأبو السمّاك العدوي: {تعالوا} بضم اللام، وقرأ الباقون بفتحها و الأصل فيه تعاليوا لأنّه تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضّمة على الياء فسكنت ثم حذفت وبقيت [اللام على محلّها وهي عين الفعل] ضم فإنّه نقل حركة الياء المحذوفة التي هي لام الفعل إلى اللام. قال الفرّاء: معنى تعال كأنّه يقول ارتفع. {نَدْعُ}: جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم فيه سقوط الواو. {أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ}: وقيل: أراد نفوسهم، وقيل: أراد الأزواج. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ}: نتضرّع في الدّعاء. قاله ابن عباس. مقاتل: نخلص في الدعاء. الكلبي: نجهد ونبالغ في الدّعاء. الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن بقول: لعن اللّه الكاذب منّا، يقال: عليه بهلة اللّه، وبهلته: أي لعنته. قال لبيد: شعر : في قدوم سادة من قولهم نظر الدهر إليهم فابتهل تفسير : {فَنَجْعَل}: عطف على قوله: نبتهل. {لَّعْنَتَ ٱللَّهِ}: مصدر. {عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}: منّا ومنكم في أمر عيسى، فلمّا قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك غداً. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ماترى؟ فقال: واللّه يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمداً نبيٌ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللّه ما لاعن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن نعلم ذلك لنهلكنّ. فإن رأيتم إلاّ البقاء لدينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول اللّه محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي (رضي الله عنه) خلفها وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأَمّنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكُن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم. فأبوا. قال: فإنّي أُنابذكم بالحرب. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفاً في صفر وألفاً في رجب. فصالحهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ذلك. وقال: والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو تلاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتّى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا. قال اللّه تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} إلى {فَإِن تَوَلَّوْاْ}: أعرضوا عن الإيمان. {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ}: الذّين يعبدون غير اللّه ويدعون النّاس إلى عبادة غيره. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية. قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانياًوهم على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهودياً وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً وأنا على دينه فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى رباً. وقالت النصارى: واللّه يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل اللّه تعالى {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ} عدل {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} وكذلك كان يقولهاابن مسعود قال: دعا فلان إلى السّواء أي إلى النصف، وسواء كل شيء وسطه. قال اللّه {أية : فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55]، وإنّما قيل للنصف سواء لأن أعدل الامور وأفضلها أوسطها. وسواء نعت للكلمة إلا أنّه مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع ولا تؤنث. فإذا فتحت السين مدّت، وإذا كسرت أو ضُمّت قصرت. كقوله عز وجّل: {أية : مَكَاناً سُوًى} تفسير : [طه: 58]: أي مستو به ثم فسّر الكلمة فقال: {أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ}: محل (أن) رفع على إضمار هي. قال الزجاج: محلّه رفع [بمعنى أنه لا نعبد]، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة معناه: بأن لا نعبد إلا اللّه. وقيل: محله خفض بدلاً من الكلمة أي تعالوا أن لا نعبد إلاّ اللّه. {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}: كما فعلت اليهود والنصارى. قال اللّه: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31]. قال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض. وقيل معناه: لا تطع في المعاصي أحداً، وفي الخبر من أطاع مخلوقاً في معصية اللّه فكأنّما سجد سجدة لغيره. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ}: أنتم لهم {ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}: مخلصون بالتوحيد، وكتب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية إلى قيصر وملوك الروم، "حديث : من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم... سلام على من اتبع الهدى. أمّا بعد.... فإنّي أدعوك إلى الإسلام أسلم تسلم.أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فلن تملكوا إلا أربع سنين، فإن توليت فعليك إثم الاريسيين، يا أهل الكتاب {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد جاء الحق سبحانه بعد عرضه لمسألة المكر بهذا القول الحكيم، وذلك دليل على أن عيسى عليه السلام أحس من بني إسرائيل الكفر، والتبييت، ومؤامرة للقتل فطمأن الله عيسى إلى نهاية المعركة. {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]. إنها أربعة مواقف، أرادها الله لعيسى ابن مريم عليه السلام. ونريد أن نقف الآن عند كلمة قول الحق: "متوفيك". نحن غالباً ما نأخذ معنى بعض الألفاظ من الغالب الشائع، ثم تموت المعاني الأخرى في اللفظ ويروج المعنى الشائع فنفهم المقصد من اللفظ. إن كلمة "التوفي" نفهمها على أنها الموت، ولكن علينا هنا أن نرجع إلى أصل استعمال اللفظة، فإنه قد يغلب معنى على لفظ، وهذا اللفظ موضوع لمعان متعددة، فيأخذه واحد ليجعله خاصاً بواحد من هذه. إن كلمة "التوفي" قد يأخذها واحداً لمعنى "الوفاة" وهو الموت. ولكن، ألم يكن ربك الذي قال: "إني متوفيك"؟ وهو القائل في القرآن الكريم:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 60]. إذن "يتوفاكم" هنا بأي معنى؟ إنها بمعنى ينيمكم. فالنوم معنى من معاني التوفي. ألم يقل الحق في كتابه أيضاً الذي قال فيه: "إني متوفيك". {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الزمر: 42]. لقد سمى الحق النوم موتاً أيضاً. هذا من ناحية منطق القرآن، إن منطق القرآن الكريم بين لنا أن كلمة "التوفي" ليس معناها هو الموت فقط ولكن لها معان أخرى، إلا أنه غلب اللفظ عند المستعملين للغة على معنى فاستقل اللفظ عندهم بهذا المعنى، فإذا ما أطلق اللفظ عند هؤلاء لا ينصرف إلا لهذا المعنى، ولهؤلاء نقول: لا، لا بد أن ندقق جيداً في اللفظ ولماذا جاء؟ وقد يقول قائل: ولماذا يختار الله اللفظ هكذا؟ والإجابة هي: لأن الأشياء التي قد يقف فيها العقل لا تؤثر في الأحكام المطلوبة ويأتي فيها الله بأسلوب يحتمل هذا، ويحتمل ذلك، حتى لا يقف أحد في أمر لا يستأهل وقفة. فالذي يعتقد أن عيسى عليه السلام قد رفعه الله إلى السماء ما الذي زاد عليه من أحكام دينه؟ والذي لا يعتقد أن عيسى عليه السلام قد رُفع، ما الذي نقص عليه من أحكام دينه، إن هذه القضية لا تؤثر في الأحكام المطلوبة للدين، لكن العقل قد يقف فيها؟ فيقول قائل: كيف يصعد إلى السماء؟ ويقول آخر: لقد توفاه الله. وليعتقدها أي إنسان كما يريد لأنها لا تؤثر في الأحكام المطلوبة للدين. إذن، فالأشياء التي لا تؤثر في الحكم المطلوب من الخلق يأتي بها الله بكلام يحتمل الفهم على أكثر من وجه حتى لا يترك العقل في حيرة أمام مسألة لا تضر ولا تنفع. وعرفنا الآن أن "توفي" تأتي من الوفاة بمعنى النوم من قوله سبحانه:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 60]. ومن قوله سبحانه وتعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الزمر: 42]. إن الحق سبحانه قد سمى النوم موتاً لأن النوم غيب عن حس الحياة. واللغة العربية توضح ذلك، فأنت تقول - على سبيل المثال - لمن أقرضته مبلغاً من المال، ويطلب منك أن تتنازل عن بعضه لا، لا بد أن أستوفي مالي، وعندما يعطيك كل مالك، تقول له: استوفيت مالي تماماً، فتوفيته، أي أنك أخذته بتمامه. إذن، فمعنى "متوفيك" قد يكون هو أخذك الشيء تاماً. أقول ذلك حتى نعرف الفرق بين الموت والقتل، كلاهما يلتقي في أنه سلب للحياة، وكلمة "سلب الحياة" قد تكون مرة بنقض البنية، كضرب واحد لآخر على جمجمته فيقتله، هذا لون من سلب الحياة، ولكن بنقض البنية. أما الموت فلا يكون بنقض البنية، إنما يأخذ الله الروح، وتبقى البنية كما هي، ولذلك فرق الله في قرآنه الحكيم بين "موت" و "قتل" وإن اتحدا معاً في إزهاق الحياة. {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 144]. إن الموت والقتل يؤدي كل منهما إلى انتهاء الحياة، لكن القتل ينهي الحياة بنقض البنية، ولذلك يقدر بعض البشر على البشر فيقتلون بعضهم بعضاً. لكن لا أحد يستطيع أن يقول: "أنا أريد أن يموت فلان"، فالموت هو ما يجريه الله على عباده من سلب للحياة بنزع الروح. إن البشر يقدرون على البينة بالقتل، والبينة ليست هي التي تنزع الروح، ولكن الروح تحل في المادة فتحيا، وعندما ينزعها الله من المادة تموت وترم أي تصير رمة. إذن، فالقتل إنما هو إخلال بالمواصفات الخاصة التي أرادها الله لوجود الروح في المادة، كسلامة المخ أو القلب. فإذا اختل شيء من هذه المواصفات الخاصة الأساسية فالروح تقول: "أنا لا أسكن هنا". إن الروح إذا ما انتزعت، فلأنها لا تريد أن تنتزع .. لأي سبب ولكن البنية لا تصلح لسكنها. ونضرب المثل ولله المثل الأعلى: إن الكهرباء التي في المنزل يتم تركيبها، وتعرف وجود الكهرباء بالمصباح الذي يصدر منه الضوء. إن المصباح لم يأت بالنور، لأن النور لا يظهر إلا في بنية بهذه المواصفات بدليل أن المصباح عندما ينكسر تظل الكهرباء موجودة، ولكن الضوء يذهب. وكذلك الروح بالنسبة للجسد. إن الروح لا توجد إلا في جسد له مواصفات خاصة. وأهم هذه المواصفات الخاصة أن تكون خلايا البنية مناسبة، فإن توقف القلب، فمن الممكن تدليكه قبل مرور سبع ثوان على التوقف، لكن إن فسدت خلايا المخ، فكل شيء ينتهي لأن المواصفات اختلت. إذن، فالروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات خاصة، والقتل وسيلة أساسية لهدم البنية؛ وإذهاب الحياة، لكن الموت هو إزهاق الحياة بغير هدم البنية، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن خلق الله يقدرون على البينة، لأنها مادة ولذلك يستطيعون تخريبها. إذن، "فمتوفيك" تعني مرة تمام الشيء، "كاستيفاء المال" وتعني مرة "النوم". وحين يقول الحق: "إني متوفيك" ماذا يعني ذلك؟ إنه سبحانه يريد أن يقول: أريدك تاماً، أي أن خلقي لا يقدرون على هدم بنيتك، إني طالبك إلي تاماً، لأنك في الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر، لكني سآتي بك في مكان تكون خالصاً لي وحدي، لقد أخذتك من البشر تامّاً، ومعنى "تاماً"، أي أن الروح في جسدك بكل مواصفاته، فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لن يتمكنوا منه. إذن، فقول الحق: "ورافعك إلي" هذا القول الحكيم يأتي مستقيماً مع قول الحق: "متوفيك". وقد يقول قائل: إني رافعك إليّ ثم أتوفاك بعد ذلك. ونقول أيضاً: من الذي قال: إن "الواو" تقتضي الترتيب في الحدث؟ ألم يقل الحق سبحانه: {أية : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}تفسير : [القمر: 16]. هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها؟ إن العذاب إنما يكون من بعد النذر. إن "الواو" تفيد الجمع للحدثين فقط. ألم يقل الله في كتابه أيضاً: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [الأحزاب: 7]. إن "الواو" لا تقتضي ترتيب الأحداث، فعلى فرض أنك قد أخذت "متوفيك" أي "مميتك"، فمن الذي قال: إن "الواو" تقتضي الترتيب في الحدث؟ بمعنى أن الحق يتوفى عيسى ثم يرفعه. فإذا قال قائل: ولماذا جاءت "متوفيك" أولاً؟ نرد على ذلك: لأن البعض قد يظن أن الرفع تبرئة من الموت. ولكن عيسى سيموت قطعاً، فالموت ضربة لازب. ومسألة يمر بها كل البشر. هذا الكلام من ناحية النص القرآني. فإذا ما ذهبنا إلى الحديث وجدنا أن الله فوّض رسوله صلى الله عليه وسلم ليشرح ويبين، ألم يقل الحق: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 44]. فالحديث كما رواه البخاري ومسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)؟. إي أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن ابن مريم سينزل مرة أخرى. ولنقف الآن وقفة عقلية لنواجه العقلانيين الذين يحاولون إشاعة التعب في الدنيا فنقول: يا عقلانيون أقبلتم في بداية عيسى أن يوجد من غير أب على غير طريقة الخلق في الإيجاد والميلاد؟ سيقولون نعم. هنا نقول: إذا كنتم قد قبلتم بداية مولده بشيء عجيب خارق للنواميس فكيف تقفون في نهاية حياته إن كانت خارقة للنواميس؟. إن الذي جعلكم تقبلون العجيبة الأولى يمهد لكم أن تقبلوا العجيبة الثانية. إن الحق سبحانه يقول: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ..} [آل عمران: 55]. إنه سبحانه يبلغ عيسى إنني سآخذك تاماً غير مقدور عليك من البشر ومطهرك من خبث هؤلاء الكافرين ونجاستهم، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. وكلمة "اتبع" تدل على أن هناك "مُتَّبعاً" يتلو مُتّبعا. أي أن المتبِعَّ هو الذي يأتي بعد، فمن الذي جاء من بعد عيسى بمَنهج من السماء؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن على أي منهج يكون الذين اتبعوك؟ أعلى المنهج الذي جاؤا به أم المنهج الذي بلغته أنت يا عيسى؟ إن الذي يتبعك على غير المنهج الذي قلته لن يكون تبعاً لك، ولكن الذي يأتي ليصحح الوضع على المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك. وقد جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما أراده الله. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] فإن أخذنا المعنى بهذا؛ فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي التي اتبعت منهج الله الذي جاء به الرسل جميعاً، ونزل به عيسى أيضاً، وأن أمة محمد قد صححت كثيراً من القضايا التي انحرف بها القوم. نقول ليس المراد هنا من "فوق" الغلبة والنصر، ولكننا نريد من "فوق" الحجة والبرهان. وذلك إنما يحدث في حالة وجود قوم منصفين عقلاء يزنون الأمور بحججها وأدلتها وهم لن يجدوا إلا قضية الإسلام وعقيدة الإسلام. إذن، فالفوقية هي فوقية ظهور دليل وقوة برهان. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}تفسير : [التوبة: 33]. وفي موقع آخر من القرآن الكريم، يؤكد الحق ظهور الإسلام على كافة الأديان وهو الشاهد على ذلك: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}تفسير : [الفتح: 28]. ومعنى ذلك أن الله قد أراد للإسلام أن يظهر على كل الأديان. وقد يقول قائل: إن في العالم أدياناً كثيرة، ولم يظهر عليها الإسلام، والموجودون من المسلمين في العالم الآن مليار وأضعاف ذلك من البشر على ديانات أخرى. نقول لمثل هذا القائل: إن الله أراد للإسلام أن يظهره إظهار حجة، لا من قِبَلِكم أنتم فقط ولكن من قِبَلهم هم كذلك، والناس دائماً حين يجتمعون ليشرعوا القوانين وليحددوا مصالح بعضهم بعضاً، يلجأون أخيراً إلى الإسلام. فلننظر إلى من يشرع من جنس تشريع الأرض ولنسأل أرأيت تشريعاً أرضياً ظل على حاله؟ لا، إن التشريع الأرضي يتم تعديله دائماً. لماذا لأن الذي وضع التشريع الأول لم يكن له من العلم ما يدله على مقتضيات الأمور التي تَجدّ، فلما جَدّت أمور في الحياة لم تكن في ذهن من شرع أولاً، احتاج الناس إلى تعديل التشريع. ولنمسك بأي قانون بشري معدل في أي قضية من قضايا الكون، ولننظر إلى أي اتجاه يسير؟ إنه دائماً يتجه إلى الإسلام، وإن لم يلتق مع الإسلام فإنه يقرب من الإسلام. وعندما قامت في أوروبا ضجة على الطلاق في الإسلام، ما الذي حدث؟ جاء التشريع بالطلاق في إيطاليا تحت سمع وبصر الفاتيكان. هل شرعوا الطلاق لأن الإسلام أباح الطلاق؟ لا. إنما شرعوه لأن أمور الحياة أخضعتهم إلى ضرورة تشريع الطلاق، فكأنهم أقاموا الدليل بخضوعهم لأمور الحياة على أن ما جاء به الإسلام قبل التجربة كان حقاً. بدليل أن أوربا لجأت إلى تشريع الطلاق لا كمسلمين ولكن لأن مصالح حياتهم لا تتأتى إلا به. وهل هناك ظهور وغلبة أكثر من الدليل الذي يأتي من الخصم؟ تلك هي الغلبة. لقد وصلوا إلى تشريع الطلاق، رغم كراهيتهم للإسلام كدليل على صدق ما جاء به الإسلام. وفي الربا، الذي يريد البعض هنا أن يحلله، تجد أوربا تحاول التخلص منه، لأنهم توصلوا بالتجربة إلى أن المال لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى الصفر أي أنهم عرفوا أن إلغاء الربا ضروري حتى يؤدي المال وظيفته الحقيقية في الحياة، والذي ألجأهم إلى الوصول إلى هذه الحقيقة هو أن فساد الحياة سببه الربا، فأرادوا أن يمنعوا الربا. لقد وصلوا إلى ما بدأ به الإسلام من أربعة عشر قرناً. أتريد غلبة، وتريد فوقاً، وتريد ظهوراً، أكثر من هذا بالنسبة لدين الله؟ إذن، ففهم الخصوم ما يصلح أمر الحياة اضطرهم إلى الأخذ بمبادئ الإسلام ونتابع بالتأمل قول الحق: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]، أي أن الحق جاعل الذين ساروا على المنهج الأصيل القادم من الله فوق الذين كفروا. فالذين يقولون فيك يا عيسى ابن مريم ما لا يقال من ألوهية، هل اتبعوك؟ لا .. لم يتبعوك. إن الذي يتبع عيسى هو الذي يأتي على المنهج القادم من الله. إن عيسى ابن مريم رسول إلى بني إسرائيل. وديانات السماء لا تأتي لعصبيات الجنس أو القومية أو الأوطان أو غير ذلك، ولكن المنهج هو الذي يربط الناس بعضهم ببعض؛ ولذلك جاء لنا الحق بقصة سيدنا نوح لنتعرف على هذه المعاني. لقد وعد الله سيدنا نوحاً أن ينجي له أهله. وعندما دعا نوح عليه السلام ابنه ليركب معه: ولكن ابن نوح رفض، فقال نوح عليه السلام لله: {أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [هود: 45]. فهل الأهلية بالنسبة للأنبياء هي التي قالها نوح هل أهلية الدم؟ لا، لأن الحق قال: {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [هود: 46]. لماذا؟ لأن أهل النبوة هم المؤمنون بها فالذين اتبعوا المنهج الذي جاء به المسيح من عند الله ليس من يطلق على نفسه النسب للمسيح، ومن يطلق على نفسه أنه يهودي إن هذه أسماء فقط. إن المتبع الحق هو من يتبع المنهج المنزل من عند الله. إن الأنبياء ميراثهم المنهج والعلم. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سليمان وهو فارسي لا يجتمع مع رسول الله في أرومة عربية: "حديث : سلمان منا آل البيت ". تفسير : وهكذا انتسب سلمان إلى آل البيت بحكم إيمانه، وبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، أي أن الحق سبحانه قد جعل الفوقية للذين يتبعون المنهج الحق القادم من عند الله. والذي يصوب منهج عيسى هو محمد رسول الله هل تكون الفوقية هي فوقية مساحة جغرافية؟ لأن رقعة من الأرض التي تتبع الديانات الأخرى غير الإسلام أكبر مساحة من رقعة أرض المؤمنين بالإسلام؟ لا .. فالفوقية تكون فوقية دليل. وقد يقول قائل: إن الدليل لا يلزم. نرد قائلين: كيف لا يلزم الدليل؟ ونحن نرى الذين لا يؤمنون به يدللون عليه. كيف يدللون عليه؟ إنهم يسيرون فيما يقننون من قوانين البشر إلى ما سبق إليه تقنين السماء. وما دام هنا في هذه الآية كلمة "فوق" وكلمة "كفروا" وهناك أتباع, إذن، فهناك قضية وخصومة، وهناك حق، وهناك باطل، وهناك هدى، وهناك ضلال. فلابد من الفصل في هذه القضية. ويأتي الفصل ساعة ألا يوجد للإنسان تصرف إرادي لا على ذات نفسه ولا على سواه. إن الظالمين يستطيعون التصرف في الأرض، لكن عندما يكون المرجع إلى الله فالله يقول: أنا ملكتكم وأنتم عصاة لي في كثير من الأسباب، لكن هناك وقت تزول فيه ملكيتكم للأسباب. إذن .. فالظالم قد يتحكم على الأرض وكذلك الباطل لأن الله أوجد لنا جميعاً إرادات ومرادات اختيارية. لكن في يوم القيامة فلا إرادات إلا إرادة الله:{أية : يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. إذن فالحكم قادم بدون منازع .. والذي يدل على ذلك قوله الحق: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 166-167]. إن الذي اتبع واحداً على ضلال يأتي يوم القيامة ليجد أن صاحب الضلال يتبرأ منه، فيقول المتبعون سائلين الله: يارب ارجعنا إلى الدنيا لننتقم ممن خدعونا، هذا من ناحية علاقة البشر بالبشر. أما من ناحية الجسد الواحد نفسه، فسوف نجد شهادة الجلود والألسنة والأيدي، بعد أن تسقط عنها إرادة الإنسان ويسقط تسخير الحق لهذه الجوارح والحواس لخدمة الإنسان، تقول الجوارح والحواس: لقد كانت لصاحبي إرادة ترغمني على أن أفعل ما لا أحب، لكن ها هو ذا يوم القيامة، فلا قهر ولا إرغام ولا تسخير لأن الملك كله لله .. لذلك تشهد الألسنة والجلود ولهذا يقول الحق: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55]. إن الحق يحكم فيما كانوا فيه يختلفون لتكون ثمرة الحكم هي ماذا؟ هل هناك تكليف بعد ذلك؟ لا .. لكن ثمرة الحكم هي الجزاء .. ففي الآخرة لا عمل هنالك، والحكم فيها للجزاء، وكما قلنا: ما دام هناك متبعون وكافرون، وجماعة فوق جماعة، وإلى الله مرجعهم، فلا بد لنا أن نرى ما هو الحكم الذي سوف يكون؟ ها هو ذا القول الحكيم: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ...}.

الجيلاني

تفسير : اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} إعلاماً لعيسى عليه السلام حين هموا بقتله وعينوا من اغتال عليه وهو غافل عن كيدههم: {يٰعِيسَىٰ إِنِّي} بغلبة لاهوتيتي عليك {مُتَوَفِّيكَ} مصفيك عن ناسوتيتك المانعة عن الوصول إلى مقر العز {وَ} بعد تصفيتك عن كدورة ناسوتيتك {رَافِعُكَ} بعد ارتفاع موانعك {إِلَيَّ} إذ لا مرجع لك غيري {وَ} بعد رفعك {مُطَهِّرُكَ} ومزكيك {مِنَ} حجاب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا بغيوب أنانتيك الباطلة شمس الذات الظاهرة على جميع الذرات {وَ} إني بعد رفعك إليَّ {جَاعِلُ ٱلَّذِينَ} آمنوا بك و{ٱتَّبَعُوكَ} في جميع ما جئت به لإصلاح حالهم {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أعلى رتبة وأشرف منزلة ومكانة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} بحيث {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 61] ولهم عذاب أليم. وبعد ظهور عيسى عيه السلام لم يتفق غلبة اليهود أصلاً، بل كانوا منكوبين منكوسين دائماً إلى الآن {ثُمَّ} قال سبحانه بلسان التوحيد على وجه التنبيه لعيسى ولمن آمن له، ولمن أنكر عليه وكفر: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} جميعاً في النشأة الأخرى أيها المختلفون في أمر الدين والإطاعة والإيمان والكفر في النشأة الأولى {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} بعد رجوعكم إليَّ {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] لعى مقتضى علمي وإرادتي. ثمَّ فصل سبحانه حكمه بقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا سبيل الحق الظاهر عن مشكاة النبوة والرسالة؛ عناداً واستكباراً، وكذبوا الأنبياء، وأنكروا ما جاءوا من الأحكام والمواعظ والحكم والعبر وأصروا عليها {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أطردهم وأبعدهم {فِي ٱلدُّنْيَا} بالمذلة والصغار والإجلاء وضرب الجزية {وَ} في {ٱلآخِرَةِ} بجهنم البعد والخذلان، وسعير الطرج والحرمان {وَمَا لَهُمْ} بعد ظهور الدين الناسخ للأديان المارضية {مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 56] من الأنبياء الذين يدعون الإيمان بهم، ويدعونهم بدينهم وكتابهم، ينصرونهم وينقذونهم من عذاب الله؛ لتركهم العمل بالناسخ. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا} بالدين الناسخ والكتاب الناسخ، واتبعوا النبي الذي جاء به من عند ربه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة فيه؛ انقياداً وامتناناً {فَيُوَفِّيهِمْ} أي: في النشأة الأخرى {أُجُورَهُمْ} أي: يوفي عليهم أجور أعمالهم بأضعاف ما عملوا؛ تفضلاً عليهم بمحبة الله إياهم بسبب امتثال أوامره وإطاعة رسله {وَٱللَّهُ} الهادي للعباد {لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57] الخارجين عن حدوده المنزلة على رسله، المكاشفين تحقيق توحيده، وما يحصل لهم الظلم والخروج إلا بمتابعة عقولهم السخيفة بظلام الموهم المفضل عن الطريق المستبين. {ذٰلِكَ} المذكور من نبأ عيسى عليه السلام وغيره الذي {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل مع كونك خالي الذهن عنه ولم تتعلم من معلم بشري، والحال أنك أمي، إنما هي {مِنَ الآيَاتِ} المنزلة عليك من عندنا الدالة على نبوتك ورسالتك {وَ} من {ٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} [آل عمران: 58] الكلام المجيد المحكم المشتمل على الحكم المتقنة والأحكام المبرمة الصادرة عن محض الحكمة، لا يأتيه الباطل ولا يقربه النسخ والتبديل.

همام الصنعاني

407تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}: [الآية: 55]، قال: متوفيك من الأرض. 408- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ثابت البناني قال: رُفِعَ عيسى ابن مريم وعليه مدرعة وخفازاً. عبد الرزاق، وحذافة يحذف بها الطير.