Verse. 3473 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلٰوۃَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكٰوۃَ وَہُمْ بِالْاٰخِرَۃِ ہُمْ يُوْقِنُوْنَ۝۴ۭ
Allatheena yuqeemoona alssalata wayutoona alzzakata wahum bialakhirati hum yooqinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يقيمون الصلاة» بيان للمحسنين «ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون» هم الثاني تأكيد.

4

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } بيان للمحسنين {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } «هم» الثاني تأكيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين يقيمون الصلوة} الخ صفة كاشفة للمحسنين وبيان لما عملوه من الحسنات فاللام فى للمحسنين لتعريف الجنس وان اريد بها جميع الحسنات الاعتقادية والعملية على ان يكون اللام للاستغراق فهو تخصيص لهذه الثلاث بالذكر من بين سائر شعبها لاظهار فضلها على غيرها ومعنى اقامة الصلاة اداؤها وانما عبر عن الاداء بالاقامة اشارة الى ان الصلاة عماد الدين. وفى المفردات اقامة الشئ توفية حقه واقامة الصلاة توفية شرائطها لا الاتيان بهيئتها: يعنى [شرائط نماز دوقسم است قسمى را شرائط جواز كويند يعنى فرائض وحدود واوقات آن وقسمى را شرائط قبول كويند يعنى تقوى وخشوع واخلاص وتعظيم وحرمت آن قال تعالى {أية : انما يتقبل الله من المتقين} تفسير : وتاهردو قسم بجاى نيارد معنى اقامت درست نشود ازينجاست كه رب العزة در قرآن هرجا كه بنده را نماز فرمايد ويابناى مدح كند {اقيموا الصلوة: ويقيمون الصلوة} كويد "صلوا ويصلون" نكويد]. وفى التأويلات النجمية {يقيمون الصلاة} اى يديمونها بصدق التوجه وحضور القلب والاعراض عما سواه انتهى اشار الى معنى آخر لاقام وهو ادام كما قاله الجوهرى وفى الحديث "حديث : ان بين يدى الخلق خمس عقبات لا يقطعها كل ضامر ومهزول" فقال ابو بكر رضى الله عنه ما هى يا رسول الله قال عليه السلام. "اولاها الموت وغصته. وثانيتها القبر ووحشته. وثالثتها سؤال منكر ونكير وهيبتهما. ورابعتها الميزان وخفته. وخامستها الصراط ودقته" فلما سمع ابو بكر رضى الله عنه هذه المقالة بكى بكاء كثيرا حتى بكت السموات السبع والملائكة كلها فنزل جبريل وقال يا محمد قل لابى بكر حتى لا يبكى اما سمع من العرب كل داء له دواء الا الموت ثم قال "من صلى صلاة الفجر هان عليه الموت وغصته ومن صلى صلاة العشاء هان عليه الصراط ودقته ومن صلى صلاة الظهر هان عليه القبر وضيقه ومن صلى صلاة العصر هان عليه سؤال منكر ونكير وهيبتهما ومن صلى صلاة المغرب هان عليه الميزان وخفته" تفسير : ويقال من تهاون فى الصلاة منع الله منه عند الموت قول لا اله الا الله {ويؤتون الزكاة} اى يعطونها بشرائطها الى مستحقيها من اهل السنة فان المختار انه لا يجوز دفع الزكاة الى اهل البدع كما فى الاشباه. يقال من منع الزكاة منع الله منه حفظ المال ومن منع الصدقة منع الله منه العافية كما قال عليه السلام "حديث : حصنوا اموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة ومن منع العشر منع الله منه بركة ارضه " تفسير : وفى التأويلات النجمية {ويؤتون الزكاة} تزكية للنفس. فزكاة العوام من كل عشرين دينارا نصف دينار لتزكية نفوسهم من نجاسة البخل كما قال تعالى {خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فبايتاء الزكاة على وجه الشرع ورعاية حقوق الاركان الاخرى نجاة العوام من النار. وزكاة الخواص من المال كله لتصفية قلوبهم من صدأ محبة الدنيا. وزكاة اخص الخواص بذل الوجود ونيل المقصود من المعبود كما قال عليه السلام "حديث : من كان لله كان الله له"تفسير : :وفى المثنوى شعر : جون شدى من كان لله ازوله من ترا باشم كه كان الله له تفسير : {وهم بالآخرة} اى بالدار الآخرة والجزاء على الاعمال سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا {هم يوقنون} فلا يشكون فى البعث والحساب [والايقان بى كمان شدن]: وبالفارسية [ايشان بسراى ديكر بى كمانانند يعنى بعث وجزارا تصديق ميكنند] واعادة لفظة هم للتوكيد فى اليقين بالبعث والحساب ولما حيل بينه وبين خبره بقوله بالآخرة. وفى التأويلات النجمية وهم بالآخرة هم يوقنون لخروجهم من الدنيا وتوجههم الى المولى. والآخرة هى المنزل الثانى لمن يسير الى الله بقدم الخروج من منزل الدنيا فمن خرج من الدنيا لا بد له ان يكون فى الآخرة فيكون موقنابها بعد ان كان مؤمنا بها انتهى. يقول الفقير لا شك عند اهل الله ان الدنيا من الحجب الجسمانية الظلمانية وان الآخرة من الحجب الروحانية النورانية ولا بد للسالك من خرقها بان يتجاوز من سير الاكوان الى سير الارواح ومنه الى سير عالم الحقيقة فانه فوق الاولين فاذا وصل الى الارواح صار الايمان ايقانا والعلم عيانا واذا وصل الى عالم الحقيقة صار العيان عينا والحمد لله تعالى

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَٰوةَ وَهُم بِالآخِرةِ هُمْ يُوقِنُونَ} اما انه بين الاحسان بهذه الثلاثة اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والايقان بالآخرة كما سئل الاصمعي عن الالمعي ـ فانشد: شعر : الالمعي الذي يظن بك الظن كان قدر اي وقد سمعا تفسير : ولم يزد على انشاده يريد ان الشاعر قد ذكر الالمعي وانه قد بينه بقوله الذي يظن الخ واما انه وصفهم بصفات مدح آخر وخص هذه الصفات بالذكر بعد التعميم لمزيتهن واما انه اراد بالاحسان الاحسان الى الخلق وليست منه الصلاة والايقان بالآخرة واما الزكاة فلو كانت احسانا اليهم لكنها فرض فخصت بالذكر لشرفها او المراد بالاحسان الاحسان اليهم غير الواجب او هم الثاني تأكيد للأول مع اشتياق الكلام اليه للفصل بين المبتدأ والخبر بقوة الآخرة.

اطفيش

تفسير : تقدم مثل هذا، او الذين نعت كاشف للمحسنين، لان الاقامة والايتاء والايقان احسان، والاولى انه غير كاشف، وان الاحسان اعم من ذلك، ومن العجيب جعله خبرا لمحذوف، اى هم اعتبارا لصحته فى المعنى، او منصوب بمحذوف، كذلك بلا دليل على الحذف

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} إما مجرور على أنه صفة كاشفة أو بدل أو بيان لما قبله، وإما منصوب أو مرفوع على القطع وعلى كل فهو تفسير للمحسنين على طريقة قول أوس بن حجر:شعر : الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا تفسير : فقد حكى عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد عليه، وهذا ظاهر على تقدير أن يراد بالحسنات مشاهيرها المعهودة في الدين، وأما على تقدير أن يراد بها جميع ما يحسن من الأعمال فلا يظهر إلا باعتبار جعل المذكورات بمنزلة الجميع من باب كل الصيد في جوف الفرا، وقيل: إذا أريد بالحسنات المذكورات يكون الموصول صفة كاشفة وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ...}

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلزَّكَاةَ} {بِٱلآخِرَةِ} (4) - ثُمَّ يُعَرَّفُ اللهُ تَعَالى هؤُلاءِ الذينَ يُحْسِنُونَ العَمَلَ، وَيَهْتَدُونَ بالقُرآن، فَيَقُولُ: إِنَّهُم الذِينَ يَقِيمُونَ الصَّلاَةَ عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ، ويُتِمُونَّها بِخُشُوعِها وَرُكُوعِها وَسُجُودِها، وَيُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ عَلى أَموالِهِم، وَيُؤْمِنُونَ إيماناً ثَابِتاً رَاسِخاً بِأَنَّ اللهَ سَيَبَْعَثُ الخَلاَئِقَ في الآخِرَة، وأَنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وأَنَهُ سَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاءت هذه الآية كوصف للمحسنين، فهل هذه هي كل صفاتهم، أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وبالآخرة هم يوقنون؟ قالوا: لا لكن هذه الصفات هي العُمد الأساسية، والحق سبحانه يريد من خَلْقه سواسية في العبودية، وهذه السواسية لا تتأتى إلا إذا تساوى الجميع. وفي الصلاة بالذات تتجلى هذه المساواة، وفيها يظهر عِزّ الربوبية وذل العبودية، وفيها منتهى الخضوع لله عز وجل، ثم هي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. أما الفرائض الأخرى فلا تأخذ هذه الصورة، فالزكاة مثلاً تجب مرة واحدة في العام {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 141] وتجب على القادر فقط دون غيره، كذلك الصوم والحج، فكأن الصلاة هي عمدة العبادات كلها، ولشرفها ومنزلتها جعلها الله لازمة للعبد ولا تسقط عنه بحال أبداً؛ لذلك شُرعت صلاة المريض والمسافر والخائف ... الخ. وفي الصلاة استطراق للعبودية في الخَلْق جميعاً، حيث نخلع أقدارنا حين نخلع نعالنا على باب المسجد، ففي الصف الواحد، الرئيس والمرءوس، والكبير والصغير، والرفيع والوضيع - نقصد الوضيع في نظر الناس، وربما لا يكون وضيعاً عند ربه - فالجميع هنا سواء، ثم حين نرى الكبار والرؤساء والسادة معنا في الصفوف خاضعين لله أذلاء تزول بيننا الفوارق، ويدكُّ في نفوسهم الكبرياء، فلا يتعالى أحد في مجتمع المسلمين على أحد. ولمنزلة الصلاة وأهميتها رأينا كيف أنها الفريضة الوحيدة التي فرضها الله علينا بالمباشرة، أما باقي التكاليف فقد فُرِضَتْ بواسطة الوحي، وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك برئيس العمل حينما يأتيه أمر هام، فلا يأمر به بمكاتبة أو بالتليفون، إنما يستدعي الموظف المختص إلى مكتبه، ويلقي إليه الأمر مباشرة. وكذلك رسول الله استدعاه ربه إلى السماء، وأخذ حظاً بالقُرْب من الله تعالى، والله سبحانه يعلم حب الرسول لأمته وحرصه عليهم، وعلى أنْ ينالوا هم أيضاً هذا القرب من حضرته تعالى، فأجابه ربه، وجعل الصلاة حضوراً للعبد في حضرته تعالى، وقرباً كقرب رسول الله في رحلة المعراج. لذلك خاطبه ربه بقوله: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5] فقال سيدنا رسول الله: "حديث : إذن، لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". تفسير : وكما تُحدِث الصلاة استطراق عبودية تُحِدث الزكاةُ في المجتمع استطراقاً اقتصادياً، فيعيش الجميع الغني والفقير عيشة كريمة مُيسَّرة، فلا يشبع واحد حتى التخمة، والآخر يموت جوعاً. وما بالك بمجتمع لا يتعالى فيه الكبير على الصغير ولا يبخل فيه الغني على الفقير؟ إذن: في الصلاة والزكاة ما يكفل سعادة المجتمع كله. وقد فرض الله الزكاة للفقراء؛ لأن الله سبحانه حين يستدعي عبد إلى كونه لا بُدَّ أنْ يضمن له مُقومات الحياة، ولم لا وأنت إذا دعوْتَ شخصاً إلى بيتك لا بُدَّ أنْ تكرمه، وأنْ تُعِد له على الأقل ضروريات ما يلزمه فضلاً عن الإكرام والحفاوة ورفاهية المأكل والمشرب .. الخ. فالله سبحانه استدعى عباده إلى الوجود مؤمنهم وكافرهم، وعليه سبحانه أنْ يوفر لهم القوت، بل كل مقومات حياتهم، كذلك يضمن للعاجز غير القادر قوته، لذلك يفرض الزكاة حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهي صِلاتٌ والأولى صلاة. ولهذه المسألة قصة في الأدب العربي، فيُرْوى أن ابن المدبر وكنيته أبو الحسن، كان الشعراء يقصدونه للنيل من عطاياه، يقولون: إن اللُّها تفتح اللَّها، أي: أن العطايا تفتح الأفواه بالمدح والثناء. لكن، كان ابن المدبر إذا مدحه شاعر بشعر لم يعجبه يأمر رجاله أنْ يأخذوه إلى المسجد ولا يتركوه حتى يصلي لله مائة ركعة، وبذلك خافه الشعراء وتحاشوْا الذهاب إليه إلا أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام البشري، ذهب إليه وقال: عندي شعر أحب أنْ أنشده لك. فقال: أتدري ما الشرط؟ قال: نعم، قال: قُلْ ما عندك، فقال: شعر : أَرَدْنَا فِي أَبي حَسَنٍ مَدِيحاً كَمَا بالمْدحِ تُنْتَجَعُ الوُلاَة تفسير : يعني: يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم. شعر : فَقْلْنا أكْرَمُ الثَّقلَيْنِ طُرّاً ومِنْ كفَّيْهِ دجلَةُ والفُراتُ وقالوا يَقبل المدحاةَ لكنْ جَوَائِزُهُ عليهِنَّ الصَّلاَةُ فقُلْتُ لهم ومَا تُغْني صَلاَتِي عِيَالي إنما الشْأنُ الزَّكَاةُ فَيأمُر لي بِكسْر الصّادِ منها فَتُصبح ليِ الصِّلات هِي الصَّلاةُ تفسير : فلما تجرَّأ عليه أحدهم وسأله: لماذا تعاقب مَنْ لم يعجبك شعره بصلاة مائة ركعة؟ فقال: لأنه إما مسيء وإما محسن، فإنْ كان مسيئاً فهي كفارة لإساءته في شعره، وإنْ كان محسناً فهي كفارة لكذبه فيَّ. ثم يقول سبحانه في وصفهم: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أنْ نعمل بمنهج الله في (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في الآخرة، وأننا مُحَاسبون على أعمالنا، فلم نُخلق عبثاً، ولن نُتْرك سدى، كما قال سبحانه: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115]. ونلحظ هنا في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة (هم) فقال: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] وهذا يدلُّنا على أن الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شكَّ فيه، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم، ويؤمنون أنهم محاسبون، وأن الله لم يكلفهم عبثاً - مع هذا - يؤكد الحق سبحانه على أمر الآخرة؛ لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس، وربما غفلوا عنها لبُعْدها عنهم، ولم لا وهم يغفلون حتى عن الموت الذي يرونه أمامهم كل يوم، ولكن عادة الإنسان أن يستبعده في حق نفسه. لذلك يقول الحسن البصري: ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت. أما الكفار فينكرون هذا اليوم، ولا يؤمنون به؛ لذلك أكد الله عليه. ولما حديث : سأل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه: "كيف أصبحت يا حذيفة؟" قال: أصبحت مؤمنا حقاً، فقال: "لكلِّ حقٍّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون" فقال صلى الله عليه وسلم: "عرفتَ فالزم" . تفسير : وقوله {يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] من اليقين، وهو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع، ولا يطرأ عليه شكٌّ فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد وسبق أنْ قُلْنا: إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين إذا أخبرك به مَنْ تثق به، فإذا رأيتَ ما أخبرك به فهو عين اليقين، فإذا باشرتَ ذلك بنفسك فهو حَقُّ اليقين. وضربنا لذلك مثلاً إذا قلت لك: إن البيت الحرام في مكة وصِفَته كذا وكذا، وقد حدثت فيه توسعات كذا وكذا، فهذه المعلومات بالنسبة لك علم يقين، فإذا رأيتَ الحرم فهي عَيْن يقين، فإذا يسَّر الله لك الحج أو العمرة فباشرْتَه بنفسك، فهو حَقُّ اليقين. والحق سبحانه وتعالى عالج هذه المراتب في سورتين: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [التكاثر: 1-8]. وذلك حين يمرون على الصراط ويروْنَ النار بأعينهم رأي العين. أما حق اليقين بالنسبة للنار، فقد جاء في قوله تعالى: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 88-96]. لكن، هل القرآن نزل هُدى للمتقين، وهدى للمحسنين فحسب؟ قلنا: إن الهداية تأتي بمعنيين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق ومعونة، فإن كانت هداية دلالة فقد دلّ الله المؤمن والكافر بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]. فالحق سبحانه دلَّ الجميع لأنهم عباده، فمنهم من قَبِل الدلالة واقتنع بها فآمن، ومنهم مَنْ رفضها فكفر، أما الذي قَبِل دلاَلة الله وآمن به فيزيده الله هداية أخرى، هي المعونة علىَ الإيمان، فيُحِّببه إليه حتى يعشقه، ثم يعينه عليه، كما قال سبحانه {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. ثم يقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ...}.