Verse. 3475 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّشْتَرِيْ لَہْوَالْحَدِيْثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيْلِ اللہِ بِغَيْرِ عِلْمٍ۝۰ۤۖ وَّيَتَّخِذَہَا ہُزُوًا۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ لَہُمْ عَذَابٌ مُّہِيْنٌ۝۶
Wamina alnnasi man yashtaree lahwa alhadeethi liyudilla AAan sabeeli Allahi bighayri AAilmin wayattakhithaha huzuwan olaika lahum AAathabun muheenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الناس من يشتري لهو الحديث» أي ما يلهي منه عما يعني «ليضلَّ» بفتح الياء وضمها «عن سبيل الله» طريق الإسلام «بغير علمٍ ويتخذها» بالنصب عطفاً على يضل، وبالرفع عطفاً على يشتري «هزؤاً» مهزوءاً بها «أولئك لهم عذاب مهين» ذو إهانة.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه الأول: أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح الثاني: هو أن الحديث إذا كان لهواً لا فائدة فيه كان أقبح الثالث: هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : روحوا القلوب ساعة فساعة » تفسير : رواه الديلمي عن أنس مرفوعاً ويشهد له ما في مسلم « حديث : يا حنظلة ساعة وساعة » تفسير : والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز من المطايبة، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فإن الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } كان فعله أدخل في القبح. ثم قال تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم ويتخذها أي يتخذ السبيل هزواً أولئك {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } قوله: {مُّهِينٌ } إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده، فالجلاد إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك في الحبس يكرمه ويخفف من تعذيبه، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى، فإنه لا يكرمه. فقوله: {عَذَابٌ مُّهِينٌ } إشارة إلى هذا وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر، فإن عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مهين.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} «مَنْ» في موضع رفع بالابتداء. و«لَهْوَ الْحَدِيثِ»: الغناء؛ في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. النحاس: وهو ممنوع بالكتاب والسنة؛ والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو؛ مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للّهو. قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدلّ بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى: {أية : وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} تفسير : [النجم: 61]. قال ابن عباس: هو الغناء بالْحِمْيَرِيّة؛ اسمدي لنا؛ أي غنّي لنا. والآية الثالثة قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} تفسير : [الإسراء: 64] قال مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في «سبحان» الكلام فيه. وروى الترمذِيّ عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبيعوا القَيْنَات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}»تفسير : إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة وعليّ بن يزيد يضعّف في الحديث؛ قاله محمد بن إسماعيل. قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج الْجَوْزي عن الحسن وسعيد ابن جبير وقتادة والنَّخَعِيّ. قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إلٰه إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن جُبير عن أبي الصَّهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} فقال: الغناء والله الذي لا إلٰه إلا هو؛ يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه الغناء؛ وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول. وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب؛ وقاله مجاهد، وزاد: إنّ لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازِف والغناء. وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار. وقال ابن القاسم سألت مالكاً عنه فقال: قال الله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32] أفحق هو؟! وترجم البخاري (بَابٌ كلُّ لهو باطلٌ إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامِرْك)، وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} فقوله: «إذَا شَغَل عن طاعة الله» مأخوذ من قوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وعن الحسن أيضاً: هو الكفر والشرك. وتأوّله قوم على الأحاديث التي يَتَلَهَّى بها أهل الباطل واللعِب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ لأنه اشترى كتب الأعاجم: رستم، واسفنديار؛ فكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن محمداً قال كذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد؛ حكاه الفرّاء والكَلْبي وغيرهما. وقيل: كان يشتري المغنّيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قَيْنَته فيقول: أطعميه واسقيه وغَنّيه؛ ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وهذا القول والأوّل ظاهر في الشراء. وقالت طائفة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل. قال ابن عطية: فكان ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراءً لها؛ على حد قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 16]؛ اشتروا الكفر بالإيمان؛ أي استبدلوه منه واختاروه عليه. وقال مُطَرِّف: شراء لهوِ الحديث استحبابه. قتادة: ولعلّه لا ينفق فيه مالاً، ولكن سماعه شراؤه. قلت: القول الأوّل أولى ما قيل به في هذا الباب؛ للحديث المرفوع فيه، وقول الصحابة والتابعين فيه. وقد زاد الثعلبي والواحدِيّ في حديث أبي أمامة: «حديث : وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المَنْكِب (والآخر على هذا المنكب) فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت»تفسير : . وروى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : صوتان ملعونان فاجران أنَهى عنهما: صوت مزمار ورنّة شيطان عند نغمة ومَرَح ورَنّة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب»تفسير : . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بُعثت بكسر المزامير» تفسير : خرجه أبو طالب الغَيْلانِي. وخرّج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بُعثت بهدم المزامير والطبل»تفسير : . وروى الترمذي من حديث عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خَصْلة حلّ بها البلاء ـ فذكر منها: إذا اتخذت القَيْنات والمعازِف»تفسير : . وفي حديث أبي هريرة: «حديث : وظهرت القِيان والمعازِف»تفسير : . وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن الْمُنْكَدِر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جلس إلى قَينة يسمع منها صُبّ في أذنه الآنُك يوم القيامة»تفسير : . وروى أسد بن موسى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدِر قال: بلغناحديث : أن الله تعالى يقول يوم القيامة: «أين عبادي الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أَحِلّوهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني»تفسير : . وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر مثَله، وزاد بعد قوله: «حديث : المسك: ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي، وأخبروهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون»تفسير : . وقد روي مرفوعاً هذا المعنى من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين». فقيل: ومَن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: «قرّاء أهل الجنة»تفسير : خرّجه الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول، وقد ذكرنا في كتاب التذكرة مع نظائره: «حديث : فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»تفسير : . إلى غير ذلك. وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيّنّاه هناك. ومن رواية مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلّوا عليه»تفسير : . ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء. وهي المسألة: الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرّك النفوس ويبعثها على الهوى والغَزَل، والمُجُون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن؛ فهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرّمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخَنْدَق وحَدْوِ أنْجَشة وسَلَمة بن الأكْوع. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبَّابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. ابن العربيّ: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يقيم النفوس ويُرهب العدوّ. وفي اليراعة تردّد. والدف مباح. الجوهريّ: وربما سمّوا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة. قال القشيريّ: حديث : ضُرب بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهمّ أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح»تفسير : فكنّ يضربن ويقلن: نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار، وقد قيل: إن الطبل في النكاح كالدُّف، وكذلك الآلات المشهِرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رَفَث. الثالثة: الاشتغال بالغناء على الدوام سفه تُرَد به الشهادة، فإن لم يدم لم تردّ. وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يُرخِّص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردّها بالعيب؛ وهو مذهب سائر أهل المدينة؛ إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأساً. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: فأما مالك فيقال عنه: إنه كان عالماً بالصناعة وكان مذهبه تحريمها. وروي عنه أنه قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أيْ بني إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولستَ كذلك، فاطلب العلوم الدينية؛ فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيراً. قال أبو الطيب الطبريّ: وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النّبيذ، ويجعل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم والشعبيّ وحماد والثوري وغيرِهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه؛ إلا ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأساً. قال: وأما مذهب الشافعيّ فقال: الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته. وذكر أبو الفرج الجَوْزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاثَ روايات قال: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخَلاّل وصاحبِه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزُّهديّات؛ قال: وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد؛ ويدلّ عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولداً وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية. فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفاً؛ ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفاً؟ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. قال أبو الفرج: وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق. وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظوراً ما جاز تفويت المال على اليتيم. وصار هذا حديث : كقول أبي طلحة للنبيّ صلى الله عليه وسلم: عندي خمر لأيتام؟ فقال: «أرِقها»تفسير : . فلو جاز استصلاحها لما أمِر بتضييع مال اليتامى. قال الطبريّ: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالسواد الأعظم»تفسير : : «حديث : من فارق الجماعة مات مِيتة جاهلية»تفسير : . قال أبو الفرج: وقال القفّال من أصحابنا؛ لا تقبل شهادة المغنِّي والرقاص. قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز. وقد ادّعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد مضى في الأنعام عند قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} تفسير : [الأنعام: 59] وحسْبُك. الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيء منها عليه حراماً لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها. أمَا أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرَّفَث، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز مُنع من أوّله واجتُثّ من أصله. وقال أبو الطيّب الطبريّ: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرَم فإن أصحاب الشافعيّ قالوا لا يجوز، سواء كانت حرّة أو مملوكة. قال: وقال الشافعيّ؛ وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تردّ شهادته؛ ثم غلّظ القول فيه فقال: فهي دِياثة. وإنما جعل صاحبها سفيهاً لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهاً. الخامسة: قوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قراءة العامة بضم الياء؛ أي ليضل غيره عن طريق الهدى، وإذا أضل غيره فقد ضل. وقرأ ابن كثِير وابن محيصن وحميد وأبو عمرو ورُوَيْس وابن أبي إسحاق (بفتح الياء) على اللازم؛ أي ليَضل هو نفسه. {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} قراءة المدنيّين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفاً على «مَنْ يَشْتَرِي» ويجوز أن يكون مستأنفاً. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: «وَيتخِذَها» بالنصب عطفاً على «لِيُضِلّ». ومن الوجهين جميعاً لا يحسن الوقف على قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» والوقف على قوله: «هُزُواً»، والهاء في «يَتَّخِذَهَا» كناية عن الآيات. ويجوز أن يكون كناية عن السبيل؛ لأن السبيل يؤنث ويذكر. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي شديد يهينهم. قال الشاعر:شعر : ولقد جزعت إلى النصارى بعد ما لَقِيَ الصليبُ من العذاب مهينا

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 23] الآية، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب؛ كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال: هو والله الغناء. روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري: أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات. حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} قال: الغناء، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة. وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} والله لعله لا ينفق فيه مالاً، ولكن شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع. وقيل: أراد بقوله: {يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن خلاد الصفار عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عز وجل علي: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضعف علي بن يزيد المذكور. (قلت): علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم. وقال الضحاك في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} قال: يعني: الشرك، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختار ابن جرير: أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله. وقوله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلاً للأمر القدري، أي: قيضوا لذلك؛ ليكونوا كذلك. وقوله تعالى: {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزواً يستهزىء بها. وقال قتادة: يعني: ويتخذ آيات الله هزواً، وقول مجاهد أولى. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} أي: هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها، وأعرض وأدبر وتصامم وما به من صمم، كأنه ما سمعها، لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها، ولا أرب له فيها، {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } أي ما يلهي منه عما يَعْنِي {لِيُضِلَّ } بفتح الياء وضمها {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } طريق الإِسلام {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا } بالنصب عطفاً على يضل، وبالرفع عطفاً على يشتري {هُزُواً } مهزوءاً بها {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِن النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: شراء المغنيات لرواية القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغنِيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ وَفِيهِنَّ أنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ }". تفسير : الثاني: الغناء، قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وابن جبير وقتادة. الثالث: أنه الطبل، قاله عبد الكريم، والمزمار، قاله ابن زخر. الرابع: أنه الباطل، قاله عطاء. الخامس: أنه الشرك بالله، قاله الضحاك وابن زيد. السادس: ما ألهى عن الله سبحانه، قال الحسن. السابع: أنه الجدال في الدين والخوض في الباطل، قاله سهل بن عبد الله. ويحتمل إن لم يثبت فيه نص تأويلاً ثامناً: أنه السحر والقمار والكهانة. وفيمن نزلت قولان: أحدهما: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يجلس بمكة فإذا قالت قريش إن محمداً قال كذا وكذا ضحك منه وحدثهم بحديث رستم واسفنديار ويقول لهم إن حديثي أحسن من قرآن محمد، حكاه الفراء والكلبي. الثاني: أنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشغل بها الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه ابن عيسى. {لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ} فيه وجهان: أحدهما: ليصد عن دين الله، قاله الطبري. الثاني: ليمنع من قراءة القرآن، قاله ابن عباس. {بِغَيرِ عِلْمٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: بغير حجة. الثاني: بغير رواية. {وَيَتَّخِذُهَا هُزُواً} فيه وجهان: أحدهما: يتخذ سبيل الله هزواً يكذب بها، قاله قتادة. وسبيل الله دينه. الثاني: يستهزىء بها، قاله الكلبي. {وَأُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي مذل.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَشْتَرى لَهْوَ الْحَدِيثِ} شراء المغنيات، أو الغناء "ع"، أو الزمر والطبل، أو الباطل، أو الشرك، أو ما ألهى عن الله تعالى، أو الجدال في الدين والخوض في الباطل نزلت في النضر بن الحارث كان يجلس فإذا قيل له: قال محمد كذا ضحك وحدثهم بحديث رستم واسفنديار وقال: إن حديثي أحسن حديثاً من محمد. أو في قرشي اشترى مغنية شغل بها الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. {لِيُضِلَّ} ليصد عن دين الله تعالى، أو ليمنع من قراءة القرآن. {وَيَتَّخِذَهَا} يتخذ سبيل الله {هُزُؤاً} يكذب بها، أو يستهزىء بها.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ}[6] قال: هو الجدال في الدين والخوض في الباطل.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [الآية: 6]. قال سهل: الجدال فى الدين والخوض فى الباطل. وقال أبو عثمان: كل كلام سوى كتاب الله أو سنة رسول الله أو سنن الصالحين فهو لهو. وقال حمدون: الكلام فيما لا يعنيه. قال بعضهم: اللهو من الكلام ما تحثك النفس عليه حقًا كان أم باطلاً.

القشيري

تفسير : {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}: ما يشغل عن ذكر الله، ويَحْجُبُ عن اللَّهِ سماعُه. ويقال: هو لَغْوُ الظاهر الموجِبُ سَهْوَ الضمائر، وهو ما يكون خَوضاً في الباطل، وأخذاً بما لا يعنيك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} الاشارة فيه الى طلب علم الفلسفة من علم الاكسير والسحر والنيرنجات واباطيل الزنادقة وترهانهم لان هذه كلها سبب ضلالة الخلق بقولهم {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} قال سهل الجدال فى الدين والخوض فى الباطل قال ابو عثمان كل كلام سوى كلام الله وسنة رسوله او سير الصالحين فهو من لهو الحديث.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الناس} اى وبعض الناس فهذا مبتدأ خبره قوله {من يشترى} الاشتراء دفع الثمن واخذ المثمن والبيع دفع المثمن واخذ الثمن وقد يتجوز بالشراء والاشتراء فى كل ما يحصل به شىء فالمعنى ههنا يستبدل ويختار {لهو الحديث} وهو ما يلهى عما يعنى من المهمات كالاحاديث التى لا اصل لها. والاساطير التى لا اعتداد بها والاضاحيك وسائر ما لا خير فيه من الكلام. والحديث يستعمل فى قليل الكلام وكثيره لانه يحدث شيئا فشيئا. قال ابو عثمان رحمه الله كل كلام سوى كتاب الله او سنة رسوله او سيرة الصالحين فهو لهو. وفى عرائس البيان الاشارة فيه الى طلب علوم الفلسفة من علم الا كسير والسحر والنيرنجات واباطيل الزنادقة وترهاتهم لان هذه كلها سبب ضلالة الخلق. وفى التأويلات النجمية ما يشغل عن الله ذكره ويحجب عن الله سماعه فهو لهو الحديث. والاضافة بمعنى من التبيينية ان اريد بالحديث المنكر لان اللهو يكون من الحديث ومن غيره فاضيف العام الى الخاص للبيان كأنه قيل من يشترى اللهو الذى هو الحديث وبمعنى من التبعيضية ان اريد به الاعم من ذلك كأنه قيل من يشترى بعض الحديث الذى هو اللهو منه. واكثر اهل التفسير على ان الآية نزلت فى النضر بن الحارث بن كلدة [مردى كافر دل وكافر كيش بود سخت خصومت بارسول خدا كرد] قتله رسول الله صبرا حين فرغ من وقعة بدر ـ روى ـ انه ذهب الى فارس تاجرا فاشترى كليلة ودمنة واخبار رستم واسفنديار واحاديث الا كاسرة فجعل يحدث بها قريشا فى انديتهم ولعلها كانت مترجمة بالعربية ويقول ان محمدا يحدثكم بعاد وثمود وانا احدثكم بحديث رستم واسفنديار فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فيكون الاشتراء على حقيقته بان يشترى بماله كتبا فيها لهو الحديث وباطل الكلام {ليضل} الناس ويصرفهم {عن سبيل الله} اى دينه الحق الموصل اليه او ليضلهم ويمنعهم بتلك الكتب المزخرفة عن قراءة كتابه الهادى اليه واذا اضل غيره فقد ضل هو ايضا {بغير علم} اى حال كونه جاهلا بحال ما يشتريه ويختاره او بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن {ويتخذها} بالنصب عطفا على ليضل والضمير للسبيل فانه مما يذكر ويؤنث اى وليتخذها {هزوا} مهزوءا بها ومستهزأة {اولئك} المصوفون بما ذكر من الاشتراء والاضلال {لهم عذاب مهين} لاهانتهم الحق بايثار الباطل عليه وترغيب الناس فيه: وبالفارسية [عذابى خوار كنندة كه سبى وقتل است دردنيا وعذاب خزى درعقبى]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ومن الناس من يشتري لَهْوَ الحديث} أي: ما يلهى به عما يقرب إلى الله؛ كالأحاديث التي لا أصل لها، والخرافات التي لا حقيقة لها، والمضاحك، وفضول الكلام. قيل: نزلت في النَّضر بن الحارث، كان يخرج إلى فارس للتجارة، فيشتري أخبار الأعاجم، ثم يُحدث قريشاً بها، ويقول: إن محمداً يُحدثكم بأخبار عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رُسْتُم، وأخبار الأكاسرة، فيستملحُون حديثه ولا يسمعون القرآن. وقيل: كان يشتري القيان، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام؛ ليصده عنه. والإشتراء من الشراء، كما تقدم عن النضر، ومن البدل، كقوله: {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ}تفسير : [آل عمران: 177]. استبدلوه واختاروه، أي: يختار حديث الباطل على حديث الحق. وإضافة اللهو إلى الحديث، للتبيين بمعنى "من"؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فيبين بالحديث، والمراد بالحديث: الحديث المكروه، كما جاء في الحديث: "حديث : الحديث في المسجد يأكل الحسنات، كما تأكل البهيمة الحشيش"تفسير : ، أو: للتبعيض، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي فيه اللهو. وقال مجاهد: يعني: شراء المغنيات والمغنيين، أي: يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وقال أبو أمامة: قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأثْمانُهنَّ حرام"تفسير : . وفي مثل هذا نزلت هذه الآية، ثم قال: "حديث : وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يسكت ". تفسير : قلت: هذا مقيد بِشِعْرِ الهوى لأهل الهوى، وأما أهل الحق الذين يسمعون من الحق، فلا يتوجه الحديث لهم، وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. ثم قال أبو أمامة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني ربي بمحو المعازف والمزامير والأوثان، والصلب وأمر الجاهلية، وحلف ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة خمر متعمداً إلا سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة، مغفوراً له أو معذباً، ولا سقاها غيره إلا فعلت به مثل ذلك، لا يتركها عبد من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس يوم القيامة"تفسير : . انظر الثعلبي. ثم قال تعالى: {ليضل عن سبيل الله} أي: فعل ذلك لِيَضل هو عن طريق الله ودينه، أو ليُضل غيره عنه، أو عن القرآن، {بغير علم} أي: جهلاً منه بما عليه من الوزر. {ويتخذها} أي: السبيل {هُزُواً} وسخرية. فمن رفع: استأنف، ومن نصب، عطفها على (ليضل)، {أولئك لهم عذاب مهين} يُهِينُهم ويخزيهم، و"مَنْ"، لإبهامه، يقع على الواحد والجمع، والمراد: النضر ومن تبعه. {وإذا تُتلى عليه آياتنا وَلَّى مُستكبراً}؛ أعرض عن تدبرها متكبراً رافعاً نفسه عن الإصغاء إلى القرآن، {كأن لم يَسْمَعْهَا}؛ كأنه لم يسمعها، ولا ذُكرت على سمعه. شبَّه حاله بحال من لم يسمعها قط، {كأنَّ في أذنيه وقراً}؛ ثَِقَلاً وصمماً، {فبشره بعذابٍ أليم}؛ أَخْبِرْه بأن العذاب يُوجعه لا محالة. وذكر البشارة على سبيل التهكم. وهذا في مقابلة مدح المحسنين المقيمين المزكين. فكما قال في المحسنين: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}، قال في هؤلاء: {أولئك لهم عذاب مهين}، بعد أن وصفهم بالضلال والإضلال، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح. والله تعالى أعلم. الإشارة: لهو الحديث هو كل ما يشغل عن الله، ويصد عن حضرة الله، كائناً ما كان، سواء كان غناء أو غيره، وإذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك الروح إلى حضرة الله، كان حقاً، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلاً. والحاصل: أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة، بشروط الثلاثة: الزمان والمكان والإخوان. وقد ألف الغزالي تأليفاً في تكفير من أطلق تحريم السماع. وقال في الإحياء، في جملة من احتج به المُحَرِّمُ للسماع: احتج بقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لَهْوَ الحديث}، وقد قال ابن مسعود والنخَعي والحسن: إنه الغناء. وأجاب ما حاصله: أنه إنما يحرم إذا كان استبدالاً بالدين، وليس كل غناء بدلاً عن الدين، مُشْتَرَىً به، ومضلاً عن سبيل الله، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل الله كان حراماً. كما حكي عن بعض المنافقين؛ أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس، لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهَمَّ عمرُ بقتله. فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم. هـ. وأما إن لم يكن شيء من ذلك، فلا يحرم. وقال في القوت، في كتاب المحبة: ولم يزل الحجازيون، عندنا بمكة، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات، التي أمر الله عز وجل عبادَه فيها بذكره، أيام التشريق، من وقت عطاء بن أبي رباح، إلى وقتنا هذا، ما أنكره عالم، وكان لعطاء جاريتان تُلَحِّنانِ، فكان إخوانه يستمعون إليهما، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي، له جوار يسمعن التلحين، قد أعدهن للطوافين. فكان يجمعهن لهم، ويأمرهن بالإنشاد، وكان فاضلاً. وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم، فقيل له: إنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون؟ فقال: كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني. هـ. وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة: رُوي عن مصعب بن الزبير، قال حضرت مجلس مالك، فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال: ما أدري، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل، أو ناسك عراقي غليظ الطبع. قال التجيبي: وعن أنس؛ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نزل عليه جبريل، فقال: يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال: أفيكم من ينشدنا؟ فقال بدوي: نعم، يارسول الله، فقال: هات، هات، فأنشد البدوي يقول: شعر : قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوى كَبِدِي فَلاَ طَبِيبٌ لَهُ وَلاَ رَاقِي إلاَّ الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وتِرْيَا قِي تفسير : فتواجد عليه السلام، وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبَيْهِ، فلما خرجوا, أوى كل واحد إلى مكانه، فقال معاوية: ما أحسن لَعِبَكُمْ يا رسول الله! فقال: حديث : مَهْ، مَهْ، يا معاوية، ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب, تفسير : ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. وذكر المقدسي هكذا، والسهروردي في عوارفه، وتكلم الناس في هذا الحديث. وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه، وسئل عن تخلفه، فقال: كان في جيراننا سماع. وقال الشبلي: السماع ظاهره فتنة, وباطنه عبرة. فمن عرف الإشارة حلَّ له سماع العبرة, وإلا فقد استدعى الفتنة. هـ. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وإذا تُتلى عليه...} إلخ، هذا مثال لمن يَقبل الوعظ؛ لقسوة قلبه وحُكم المشيئة يُبعده، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفوراً، فسماعه كلا سماع، ومعالجته عنىً وضياع، كما قال القائل: شعر : إذَا أَنَـا عَاتبـتُ المُلـولَ؛ فإِنَّمَـا أخُـط بأفلـك على المـاء أَحرُفَـا تفسير : ثم بيّن فلاح المحسنين، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {ويتخذها} نصباً، الباقون رفعاً من قرأ بالنصب عطفه على {ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها} أي يشتري لهو الحديث للامرين. ومن رفع عطف على قوله {يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله... ويتخذها هزواً} ومن قرأ {ليضل} - بضم الياء وكسر الضاد - أراد يفعل ذلك ليضل غيره. ومن - فتح الياء - أراد ليضل هو نفسه بذلك. اخبر الله تعالى ان {من} جملة {الناس من يشتري لهو الحديث} أي يستبدل لهو الحديث. وقيل في معناه قولان: احدهما - انه يشتري كتاباً فيه لهو الحديث. الثاني - انه يشتري لهو الحديث عن الحديث. واللهو الأخذ في ما يصرف الهم من غير الحق، تقول: لهى فلان يلهو لهواً، فهو لاه، وتلهى تلهياً وألهاه إلهاء، واللهو واللعلب والهزل نظائر. والحديث الخبر عن حوادث الزمان. وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: لهو الحديث الغناء، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقال قوم: هو شراء المغنيات. وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله تحريم ذلك. وقال قتادة: هو استبدال حديث الباطل على حديث الحق. وقيل: كلما كان من الحديث ملهياً عن سبيل الله الذي أمر باتباعه إلى ما نهى عنه، فهو لهو الحديث. وقيل: الآية نزلت في النضر ابن الحارث بن كلدة كان اشترى كتباً فيها أحاديث الفرس: من حديث رستم واسفنديار، فكان يلهيهم بذلك ويطرف به، ليصد عن سماع القرآن وتدبر ما فيه. وقوله {ليضل عن سبيل الله} أي ليتشاغل بما يلهيه عن سبيل الله. وقال ابن عباس: سبيل الله قراءة القرآن، وذكر الله، لان حجة الله قائمة عليه بالدواعي التي تزعجه إلى النظر فيما يؤديه إلى العلم بالواجب ليعمل، فيتشاغل ليخف ذلك الازعاج. ومن قرأ بالضم أراد ليضل غيره بذلك. وقوله {ويتخذها هزواً} أي يتخذ سبيل الله سخرية، فلا يتبعها ويشغل غيره عن اتباعها. والضمير في قوله {ويتخذها} يجوز أن يكون راجعاً إلى الحديث، لأنه بمعنى الاحاديث، ويجوز أن يكون راجعاً إلى {سبيل الله} والسبيل يؤنث ويذكر. ويجوز أن يكون راجعاً إلى (آيات الله) في قوله {تلك آيات الكتاب}. ثم اخبر تعالى أن من هذه صفته {له عذاب مهين} أي عذاب بذله. والاذلال بالعداوة هو الهوان. فأما اذلال الفقر والمرض، فليس بهوان، ولا إذلال على الحقيقة. وإذلال العقاب لا يكون إلا هواناً، وإن كان العذاب على وجه الامتحان، فلا يكون هواناً أيضاً. ثم اخبر تعالى عن صفة هذا الذي يتخذ آيات الله هزواً ويشتري لهو الحديث أنه {إذا تتلى عليه آياتنا} التي هي القرآن {ولى مستكبراً} أي اعرض عنها تكبراً عن استماعها. والكفر فيها، كأنه {لم يسمعها} من حيث لم يفكر فيها، ولم يعتبر بها و {كأن في أذنيه وقراً} أي ثقلا يمنع من سماعه. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبشر من هذه صفة {بعذاب أليم} أي مؤلم موجع. ثم اخبر تعالى عن صفة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وصدق انبيائه فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقوا بالله ونبيه وفعلوا الطاعات {لهم جنات النعيم} يوم القيامة يتنعمون فيها {خالدين فيها} أي مؤبدين في تلك البساتين {وعد الله حقاً} أي وعده الله حقاً، لا خلف لوعده {وهو العزيز} في انتقامه {الحكيم} في أفعاله، إذ لا يفعل إلا ما فيه المصلحة ووجه من وجوه الحكمة. ثم اخبر تعالى عن نفسه بأنه {خلق السماوات} فأنشاها واخترعها {بغير عمد ترونه} أي ليس لها عمد يسندها، لانه لو كان لها عمد لرأيتموها فلما لم تروها دل على أنه ليس لها عمد، لأنه لو كان لها عمد لكانت اجساماً عظيمة حتى يصح منها إقلال السموات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، فكان يتسلسل. فاذاً لا عمد لها، بل الله تعالى سكنها حالا بعد حال بقدرته التي لا توازيها قدرة قادر. وقال مجاهد: لها عمد لا ترونها، هذا فاسد لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساماً عظيمة، لانه لا يقل مثل السموات والارض إلا ما فيه الاعتمادات العظيمة. ولو كانت كذلك لرأيت، وكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التسلسل. ثم قال {وألقى في الأرض رواسي} يعني الجبال الثابتة {أن تميد بكم} وقيل معناه لئلا تميد بكم، كما قال الراجز: شعر : والمهر يأبى أن يزال ملهيا تفسير : بمعنى لا يزال. وقال قوم: معناه كراهة أن تميد بكم {وبث فيها من كل دابة} أي فرق فيها من كل دابة أى من كل ما يدب على الارض {وأنزلنا من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فأنبتنا فيها} بذلك الماء {من كل زوج كريم} أى من كل نوع حسن النبت طيب الريح والطعم.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} الاشتراء يستعمل فى المعاوضة المطلقة سواء كان العوضان من الاعيان ام غيرها، وسواء كان قريناً بصيغةٍ خاصّة ام لا، فيصدق على بذل الاموال على الوعّاظ والقصّاص والنقّال للاسمار، وعلى بذل القوى والاستعدادات والاعمار فى الاستماع الى ما فيه حظّ النّفس والخيال دون العقل، سواء كان المسموع من القرآن والاخبار او من الاباطيل والاسمار، ولهو الحديث عبارة عمّا يشغلك عن الله والآخرة من الاقوال اللّسانيّة والافعال الاركانيّة والاحاديث النّفسيّة سواء كان ذلك الشّاغل قرآناً وخبراً من المعصوم وعبادةً شرعيّة او كان لغواً فى ذاته ومعصيةً فانّ فى كلّ قول وفعل جهةً عقلانيةً وجهةً شيطانيّةً، فان كان الاستماع او الاشتغال به من جهته العقلانيّة كان ذلك حديثاً صحيحاً عقلانيّاً، وان كان صورته صورة الاباطيل والعصيان، وان كان الاستماع او الاشتغال به من جهته الشّيطانيّة كان ذلك لهو الحديث، وان كان صورته صورة القرآن والاخبار المعصوميّة، ومقصوده تعالى ههنا انّ القرآن وآياته هدى ورحمة للمحسنين وضلال ونقمة للمسيئين لكنّه عدل عن ذلك تنزيهاً للقرآن عن نسبة الاضلال والنّقمة اليه وتصريحاً بانّ الضّلال والنّقمة ليس الاّ من قبل انفسهم فانّهم بسوء استعدادهم وصنيعهم يضلّون بالقرآن الّذى هو هداية من الله ويصير القرآن فى اسماعهم كالاسمار لهو الحديث {لِيُضِلَّ} قرئ بفتح الياء وضمّها، والّلام مثل الّلام فى {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص:8]، او هى الّلام الدّاخلة على العّلة الغائيّة فانّ من النّاس من يشتغل بالملاهى وليس مقصوده الضّلال او الاضلال او كان مقصوده الاهتداء لكن يضلّ ويضلّ من حيث لا يشعر، ومنهم من يشتغل لقصد الاضلال كمن يحصّل العلم لافساد الشّريعة {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بالاشتراء او بغير علم بانّ الاشتراء المذكور ضلال واضلال، او بغير علم بضلاله واضلاله، او متّصفاً بغير علمٍ، وحينئذٍ يكون تنكير العلم للجنس او لفردٍ مّا لكن يكون مستغرقاً لوقوعه بعد غير الّذى هو فى معنى النّفى، او يكون التّنوين للتّفخيم اى بغير علم عظيم هو العلم بالولاية {وَيَتَّخِذَهَا} اى يتّخذ سبيل الله وليس سبيل الله الاّ سبيل الولاية {هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل بعدما ذكر جزاء المسيئين ما جزاء المحسنين؟- فقال: انّ الّذين آمنوا بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} على وفق ما اخذ عليهم فى بيعتهم، ووضع الظّاهر موضع المضمر للفصل بين هذا الحكم وبين ذكر المحسنين، وللاشارة الى انّ المحسن ليس الاّ من آمن وعملوا الصّالحات {لَهُمْ} لا لغيرهم {جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} بيان لعزّته وحكمته، عن الرّضا (ع) انّه قال: ثمّ عمد ولكن لا ترونها، وقد مضى هذا فى اوّل سورة الرّعد {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} قد مضت الآية فى اوّل سورة النّحل {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} اى من كلّ صنفٍ فانّ كلّ صنفٍ باعتبار ما دونه وما فوقه يسمّى زوجاً او كلّ نباتٍ باعتبار كونه برّيّاً وبستانيّاً زوجٌ {كَرِيمٍ} الكرم فى كلّ شيء ٍ بحسبه وكرم النّبات باعتبار كثرة منافعه بدأ بخلق السّماوات فانّها اشرف من الارض، ثمّ بذكر خلق الارض فى ضمن القاء الرّواسىّ عليها، ثمّ بذكر خلق المواليد من الاشرف الى الاخسّ.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهُوَ الحَدِيثِ} اي ما يلهي به عما يعني من كل باطل كالتحدث بالاساطير التي لا اعتبار بها والاحاديث التي لا أصل لها وتحدث بالخرافات والمضاحك وفضول الكلام وما لا ينبغي والغناء والموسيقى اضافة لهو للحديث بيانية كباب ساج اي اللهو الذي هو الحديث المنكر او تبعضية فان بعض الحديث لهو وبعضه غير لهو ومعنى اشتراءه استبداله واختياره كما روي عن قتادة اي اشتراءه استحبابه يختار حديث اللهو على الحق وذلك اشتروا الكفر بالايمان واما من الشراء كما روي ان النضر بن الحارث بن كندة يشتري كتب الأعاجم والمغنيات للهو والاضلال والمعنى الأول يعم هذا أيضا فانك انما تشتري ما تحبه وتختاره. {لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ} دينه وسماع القرآن وقراءته. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاه من الله يسوغ له الاشراك واللهو والاضلال او بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة اذا استبدل الهدى بالضلال فتجارته غير رابحة فلو عرف التجارة النافعة لما فعل ذلك. {وَيَتَّخِذَهَا} أي الآيات او السبل لان السبيل يؤنث ويذكر والرفع على الاستئناف او على العطف على يشتري وقرىء بالنصب عطفا على يضل او عطفا لمصدره على غير وهو قراءة حمزة والكسائي ويعقوب وحفص وقرأ ابن كثير وابو عمرو (ليضل) بفتح الياء اي ليدوم في ضلاله ولا يصرف عنه وليزيد في ضلاله او المراد الضلالة التي تلزمه من اضلال الناس فان اضلاله الناس ضلالة كما ان القتل المحرم ضلالة ولك ادخال هذا في زيادة الضلالة. {هُزُواً} سخريا روي ان ذلك نزل في النضر بن الحارث يشتري كتب الاعاجم وكان يحدث بها قريشا ويقول ان كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا احدثك بحديث رستم وبهرام واسفنذيار والاكاسرة وملوك الحيرة فيستمعون كلامه ويستملحونه ويتركون استماع القرآن وكان يتجر الى فارس ويشتري ذلك منها. وقيل يتجر الى الحيرة ويشتري منها. قيل هو يشتري الفتيان المغنين. وقيل انه يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الاسلام الا انطلق به الى قينته فيقول اطعميه واسقيه وعنينه ويقول هذا خير مما يدعوك اليه محمد من الصلاة والصيام وان تقاتل بين يديه وكان يحملهن على معاشرة من يريد الاسلام ومنعه منه وقال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث من بني عبدالدار وكان يروي الاحاديث الجاهلية واشعارها. وروي انها نزلت في قريشي اشترى جاره مغنية لتغني له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل انه ابن اخطل وعن ابي امامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. "حديث : لا تبيعوا الفتيات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام " . تفسير : ذكره الخازن ولعل المراد بثمنهن ما يعطى لهن للغناء وفي حديث عن ابي هريرة "حديث : لا أُصلي على من اشترى جارية ومسكها لغنائها إِن الله سبحانه يقول {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ} الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء الا بعث الله له شيطانين احدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهمها حتى يكون الذي يسكت ". تفسير : قيل الغناء منفذة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب. وعن محمد بن المنكدر ان الله جل جلاله يقول يوم القيامة "حديث : أَين الذين كانوا ينزهون أَنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدلوهم في أرض المسك "تفسير : ثم يقول الله سبحانه وتعالى "حديث : اسمعوهم ثنائي وحمدي واخبروهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون ". تفسير : وعن ابن مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير: لهو الحديث الغناء والآية نزلت فيه. وعن ابي الصهباء سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء والذي لا اله الا هو يقول ذلك ثلاث مرات والغناء ينبت النفاق. وقيل لهو الحديث الطبل وسمي ضربه لهوا لانه يلهي به واضيف للحديث لانه يجلبه ويكون معه فالطبل ضربه كبيرة مطلقا. وقيل ان غنيَّ عليه او اجتمع عليه. وفي التاج من الكبائر ضرب الطنبور ونحوها والدف ان غنيَّ عليه يعني وان لم يغن عليه فهو من المنكرات التي ليست بكبائر فيجب النهي عنه كذا نفهم. وقيل كل لهو ولعب وقيل الشرك. وعندي ان تفسير اللهو بالغناء جائز صحيح وان الاستدلال بالآية على تحريم الغناء غير سائغ لان الآية نزلت في المشرك بدليل ويتخذها هزوا ولتقييد شراء اللهو بالاضلال والمغني والسامع لا يتخدها هزوا ولا يحمل الناس علىالاشراك فتحريم الغناء صحيح لكن من غير الآية. {أُؤْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} عذاب عظيم وهو عذاب النار يهينهم لانهم أهانوا المسلمين.

اطفيش

تفسير : {ومِن النَّاس} من للتبعيض، وجعل بعضهم من التبعيضية اسما مضافا لما بعدها {من يشتري لهَو الحَديث ليُضِلَّ} غيره {عَن سبيل اللهِ} اى دين الله، اى يثبته فى الضلال، سواء كان فيه من قبل، او يجره اليه والعطف على ما قبل، كأنه قيل من الناس مهتد هاد، ومنهم ضال مضل، واللام للتعليل لا للعاقبة، ولهو الحديث ما اشغل عن عبادة الله تعالى من التحدث ليلا او نهارا بما ليس طاعة، ولا لفائدة مباحة، ومن الاضاحيك والخرافات والغناء ونحو ذلك، والنميمة والغيبة اذا لهى بهما تكفها، وكالكلام فى المسجد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكلام في المسجد، أي بغير ما لا بد منه ولا عبادة، يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس" تفسير : ويروى كما تأكل الدابة الحشيش. وعن الضحاك لهو الحديث: الشرك، وقيل السحر، ولا يحسن هذان التفسيران، والاخر ابعد، والاشتراء الاختيار والاستبدال عن القرآن، والذكر على سبيل الاستعارة، وقيل الشراء حقيقة يشترى بماله عبدا يغنى له، او امة آلة الغناء، او يعطى الاجرة لمن يغنى، اى يشترى آله لهو، وهى الامة او البعد او المزمار، ولا يمنع من كون الانسان آلة، فصاحب الامة مثلا يتوصل بها الى حصول الغناء. روى ان النضر بن الحارث مغنية، وكل من اراد الاسلام اتاها به، وقال: غنى له واطعميه واسقيه، وقال له: هذا خير لك من الصلاة والصوم والقتال بين يدى محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يسافر الى فارس فيشترى كتب اخبار العجم، فيحدث بها قريشا، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود، واذا احدثكم بحديث رستم واسفنديار، والأكاسرة فيميلون اليه عن استماع القرآن، واشترى ابن اخطل جارية تغنى بالسب، فنزلت الاية فيهما وفي امثالهما، والجمع فى اولئك لهم عذاب مهين مناسب لتلك الجماعة، بل لا ينافى فى الافراد كالنضر وحده او كابن اخطل وحده، لان الله تعالى يشير فى القرآن الى النوع، ولو لم يكن إلا فرد واحد منه، وايضا لذلك الفرد جماعة تقبل قوله، فهم مثله. وفى مسند البيهقى، عن ابن مسعود اذا ركب الرجل الدابة ولم يسم، ردفه شيطان فقال: تغنه، وان لم يحسن قال: تمنه، وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء اهو حرام؟ فقال: انظر يا اخى اذا ميز الله تعالى الحق والباطل فى ايهما يكون، وعنه: "لعن الله المغنى والمغنى له" وفى مسند ابى داود، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ". تفسير : وروى ابن ابى الدنيا، وابن مردويه، عن ابى امامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما رفع أحد صوته بغناء إلاَّ بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك" تفسير : وروى ابن ماجه، والترمذى، والطبرى، والطبرانى، عن ابى امامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلمونهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام" تفسير : ومثله عن عائشة، وفى رواية الاستماع اليهن حرام، وما لا يجوز يحرم الاستماع اليه وعن ابن مسعود: "والله ان لو الحديث هو الغناء" قال ثلاثا، وعن مكحول: من اشترى امة للغناء ومات لم اصل عليه وقد يجوز للانسان ان يغنى بشعر وحده لازالة الوحشة، قال عمر: اذا خلونا قلنا ما يقول الناس وقد تغنى بقوله: شعر : وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر تفسير : وهذا لغيره: وقيل اراد به جميل الجمحى، وكان خاصا به، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس منا من لم يغتن بالقرآن" تفسير : ومن معانى هذا: من لم يستغن بالقرآن عن غيره {بغَيْر عِلْمٍ} مع غير علم حال من الضمير فى يشترى، او متعلق يشترى، اى بغير علم بحال ما يشتريه انه لا ينفعه بل يضره، او بغير علم بطريق التجر اذ باع نافعا بضر، الهدى والضلال، او متعلق بيضل، اى جاهلا أن ما يدعو اليه رسول الله صلى عليه وسلم هو سبيل الله عز وجل، او جاهلا انه يضل، او جاهلا للحق {ويتخذها} اى السبيل عطف على يشترى {هُزوا} مهزوءا بها، والسبيل يذكر ويؤنث، {أولئكَ لَهُم عذابٌ مُهينٌ} لهم لأجل اتصافهم باهانة الحق، وترغيب الناس فى خلافه، وإشارة البعد لبعد مرتبتهم فى الضلال، والجمع باعبتار معنى من بعد اعتبار لفظها بالافراد، واعتبر لفظها فى قوله تعالى: {وإذا تُتْلى عليْه آياتنا} روعى لفظها، ثم معناها، ثم لفظها، كقوله تعالى فى سورة الطلاق: "أية : ومن يؤمن بالله" تفسير : [الطلاق: 11] الخ {ولَّى} اعرض عنها {مسْتكبراً} متكبر جدا {كأن} اى كأنه، اى ذلك المستكبر، او كأنه اى الشأن، وقيل جوز ان لا يقدر ضمير {لم يَسْمعها} جملة كأن لم يسمعها حال من المستتر فى ولى، او فى مستكبرا، او مستأنفة عاب الله عليه لِمَ لَمْ يتأثر بسماعها، مع عظم شأنها فى التأثير، او اراد مطلق التشبيه. {كأن فى أذنيه وقر} صمما مانعا من السمع، وذلك حقيقة بالشيوع، واصله الحل الثقيل، او فسره بثقل السمع لا بانتفائه البتة، والأول اولى، لان كفرهم كلى، والجملة حال بعد حال مما مر، او حال من المستتر فى يسمع، او مسأنفة لا يدل كل من كل من قوله: {كأن لم يسمعها} ولا عطف بيان له، لان انتفاء السمع ليس هو ثبوت الصمم فى اذنيه، بل لازمه ومسببه، فيصبح ان يكون بدل اشتمال، والجملتان على الترقى فى البعد عن القبول، وشددت كأن فى الثانية للمناسبة لهذا الترقى، ولمناسبة التشديد لثقل الوفر فى معناه {فبشره بعذابٍ أليمٍ} مفرط فى الايلام، تبشيرا تهكميا.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } أي بعض من الناس أو بعض الناس {مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } أي الذي أو فريق يشتري على أن مناط الإفادة والمقصود بالأصالة هو اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونهم ذوات أولئك المذكورين، والجملة عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: من الناس هاد مهدي ومنهم ضال مضل أو عطف قصة على قصة، وقيل: إنها حال من فاعل الإشارة أي أشير إلى آيات الكتاب حال كونها هدى / ورحمة والحال من {الناس} {من يشتري} الخ. و {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} على ما روي عن الحسن كل ما شغلك عن عبادة الله تعالى وذكره من السمر والأضاحيك والخرافات والغناء ونحوها، والإضافة بمعنى من إن أريد بالحديث المنكر كما في حديث «حديث : الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»تفسير : بناءً على أنها بيانية وتبعيضية إن أريد به ما هو أعم منه بناءً على مذهب بعض النحاة كابن كيسان والسيرافي قالوا: إضافة ما هو جزء من المضاف إليه بمعنى من التبعيضية كما يدل عليه وقوع الفصل بها في كلامهم، والذي عليه أكثر المتأخرين وذهب إليه ابن السراج والفارسي وهو الأصح أنها على معنى اللام كما فصله أبو حيان في «شرح التسهيل» وذكر شارح «اللمع». وعن الضحاك أن {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } الشرك، وقيل: السحر، وأخرج ابن أبـي شيبة وابن أبـي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } قال: هو والله الغناء وبه فسر كثير، والأحسن تفسيره بما يعم كل ذلك كما ذكرناه عن الحسن، وهو الذي يقتضيه ما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وابن أبـي الدنيا وابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه قال: {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } هو الغناء وأشباهه، وعلى جميع ذلك يكون الاشتراء استعارة لاختياره على القرآن واستبداله به، وأخرج ابن عساكر عن مكحول في قوله تعالى: {مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } قال الجواري الضاربات. وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في «سننه» عن مجاهد أنه قال فيه: هو اشتراؤه المغني والمغنية والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل، وفي رواية ذكرها البيهقي في «السنن» عن ابن مسعود أنه قال: في الآية: هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً. واشتهر أن الآية نزلت في النضر بن الحرث، ففي رواية جويبر عن ابن عباس أنه اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه فنزلت. وفي «أسباب النزول» للواحدي عن الكلبـي ومقاتل أنه كان يخرج تاجراً إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم وفي بعض الروايات كتب الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشاً ويقول لهم: إن محمداً عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فنزلت، وقيل: إنها نزلت في ابن خطل اشترى جارية تغني بالسب، ولا يأبـى نزولها فيمن ذكر الجمع في قوله تعالى بعد: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ } كما لا يخفى على الفطن. والاشتراء على أكثر هذه الروايات على حقيقته ويحتاج في بعضها إلى عموم المجاز أو الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى على من دقق النظر، وجعل المغنية ونحوها نفس لهو الحديث مبالغة كما جعل {ٱلنّسَاء } في قوله تعالى: {أية : زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ مِنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [آل عمران: 14] نفس الزينة. وفي «البحر» إن أريد بلهو الحديث ما يقع عليه الشراء كالجواري المغنيات وككتب الأعاجم فالاشتراء حقيقة ويكون الكلام على حذف مضاف أي من يشتري ذات لهو الحديث. وقال الخفاجي عليه الرحمة: لا حاجة إلى تقدير ذات لأنه لما اشتريت المغنية لغنائها فكأن المشتري هو الغناء نفسه فتدبره. وفي الآية عند الأكثرين ذم للغناء بأعلى صوت وقد تضافرت الآثار وكلمات كثير من العلماء الأخيار على ذمه مطلقاً لا في مقام دون مقام، فأخرج ابن أبـي الدنيا والبيهقي في «شعبه» عن ابن مسعود قال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان فقال: تغنه فإن كان لا يحسن قال: تمنه، واخرجا أيضاً عن / الشعبـي قال: عن القاسم بن محمد أنه سئل عن الغناء فقال للسائل: أنهاك عنه وأكرهه لك فقال السائل: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميز الله تعالى الحق من الباطل في أيهما يجعل سبحانه الغناء، واخرجا عنه أيضاً أنه قال: «حديث : لعن الله تعالى المغني والمغنى له»تفسير : ، وفي «السنن» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»تفسير : ، وأخرج عنه نحوه ابن أبـي الدنيا ورواه عن أبـي هريرة والديلمي عنه وعن أنس وضعفه ابن القطان، وقال النووي لا يصح، وقال العراقي: رفعه غير صحيح لأن في إسناده من لم يسم وفيه إشارة إلى أن وقفه على ابن مسعود صحيح وهو في حكم المرفوع إذ مثله لا يقال من قبل الرأي، وأخرج ابن أبـي الدنيا وابن مردويه عن أبـي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك»تفسير : وأخرج ابن أبـي الدنيا والبيهقي عن أبـي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا، وقال الضحاك: الغناء منفدة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني وغيرهم عن أبـي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } إلى آخر الآية»تفسير : وفي رواية ابن أبـي الدنيا وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها ثم قرأ {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }»تفسير : ويعود هذا ونحوه إلى ذم الغناء. وقيل: الغناء جاسوس القلب وسارق المروءة والعقول يتغلغل في سويداء القلوب ويطلع على سرائر الافئدة ويدب إلى بيت التخييل فينشر ما غرز فيها من الهوى والشهوة والسخافة والرعونة فبينما ترى الرجل وعليه سمت الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار العلم كلامه حكمة وسكوته عبرة فإذا سمع الغناء نقص عقله وحياؤه وذهبت مروءته وبهاؤه فيستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه ويبدي من أسراره ما كان يكتمه وينتقل من بهاء السكوت والسكون إلى كثرة الكلام والهذيان والاهتزاز كأنه جان وربما صفق بيديه ودق الأرض برجليه وهكذا تفعل الخمر إلى غير ذلك. واختلف العلماء في حكمه فحكي تحريمه عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه القاضي أبو الطيب والقرطبـي والماوردي والقاضي عياض. وفي «التاتارخانية»: اعلم أن التغني حرام في جميع الأديان، وذكر في «الزيادات» أن الوصية للمغنين والمغنيات مما هو معصية عندنا وعند أهل الكتاب، وحكى عن ظهير الدين المرغيناني أنه قال: من قال لمقري زماننا أحسنت عند قراءته كفر، وصاحبا «الهداية» و «الذخيرة» سمياه كبيرة. هذا في التغني للناس في غير الأعياد والأعراس ويدخل فيه تغني صوفية زماننا في المساجد والدعوات بالأشعار والأذكار مع اختلاط أهل الأهواء والمرد بل هذا أشد من كل تغن لأنه مع اعتقاد العبادة وأما التغني وحده بالأشعار لدفع الوحشة أو في الأعياد والأعراس فاختلفوا فيه والصواب منعه مطلقاً في هذا الزمان انتهى. وفي «الدر المختار» التغني لنفسه لدفع الوحشة لا بأس به عند العامة على ما في «العناية» وصححه / العيني وغيره قال ولو فيه وعظ وحكمة فجائز اتفاقاً ومنهم من أجازه في العرس كما جاز ضرب الدف فيه ومنهم من أباحه مطلقاً ومنهم من كرهه مطلقاً انتهى. وفي «البحر» والمذهب حرمته مطلقاً فانقطع الاختلاف بل ظاهر «الهداية» أنه كبيرة ولو لنفسه وأقره المنصف وقال: ولا تقبل شهادة من يسمع الغناء أو يجلس مجلسه انتهى كلام «الدر». وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي في «كتابه في تحريم السماع» أن الإمام أبا حنيفة يكره الغناء ويجعله من الذنوب وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبـي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافاً بين أهل البصرة في كراهة ذلك والمنع منه انتهى وكأن مراده بالكراهة الحرمة، والمتقدمون كثيراً ما يريدون بالمكروه الحوام كما في قوله تعالى: {أية : كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } تفسير : [الإسراء: 38] ونقل عليه الرحمة فيه أيضاً عن الإمام مالك أنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله أن يرد بالعيب وأنه سئل ما ترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. ونقل التحريم عن جمع من الحنابلة على ما حكاه شارح «المقنع» وغيره، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «البلغة» أن أكثر أصحابهم على التحريم وعن عبد الله ابن الإمام أحمد أنه قال: سألت أبـي عن الغناء فقال ينبت النفاق في القلب لا يعجبني ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق، وقال المحاسبـي في «رسالة الإنشاء» الغناء حرام كالميتة، ونقل الطرطوشي أيضاً عن كتاب أدب القضاء [من «الأم»] أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال من استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته، وفيه أنه صرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبـي الطيب والطبري والشيخ أبـي إسحاق في «التنبيه» وذكر بعض تلامذة البغوي في كتابه الذي سماه «التقريب» أن الغناء حرام فعله وسماعه، وقال ابن الصلاح في «فتاواه» بعد كلام طويل: فإذن هذا السماع حرام بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين انتهى. والذي رأيته في «الشرح الكبير للجامع الصغير» للفاضل المناوي أن مذهب الشافعي أنه مكروه تنزيهاً عند أمن الفتنة، وفي «المنهاج» «يكره الغناء بلا آلة» قال العلامة ابن حجر لما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وذكر الحديث السابق الموقوف عليه وأنه جاء مرفوعاً من طرق كثيرة بينها في كتابه «كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع» ثم قال: وزعم أنه لا دلالة فيه على كراهته لأن بعض المباح كلبس الثياب الجميلة ينبت النفاق في القلب وليس بمكروه يرد بأنا لا نسلم أن هذا ينبت نفاقاً أصلاً، ولئن سلمناه فالنفاق مختلف فالنفاق الذي ينبته الغناء من التخنث وما يترتب عليه أقبح وأشنع كما لا يخفى ثم قال: وقد جزم الشيخان - يعني النووي والرافعي - في موضع بأنه معصية وينبغي حمله على ما فيه وصف نحو خمر أو تشبب بأمرد أو أجنبية ونحو ذلك مما يحمل غالباً على معصية، قال الأذرعي: أما ما اعتيد عند محاولة عمل وحمل ثقيل كحداء الأعراب لإبلهم و[غناء] النساء لتسكين صغارهن فلا شك في جوازه بل ربما يندب إذا نشط على سير أو رغب في خير كالحداء في الحج والغزو، وعلى [نحو] هذا يحمل ما جاء عن بعض الصحابة انتهى، وقضية قولهم بلا آلة حرمته مع الآلة، قال الزركشي لكن القياس تحريم الآلة فقط وبقاء الغناء على الكراهة انتهى. / ومثل الاختلاف في الغناء الاختلاف في السماع فأباحه قوم كما أباحوا الغناء واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري «حديث : عن عائشة قالت: دخل عليّ النبـي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ـ وفي رواية لمسلم ـ تسجى بثوبه - ودخل أبو بكر فانتهرني وقال مزمارة الشيطان عند النبـي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد»تفسير : الحديث. ووجه الاستدلال أن هناك غناءً أو سماعاً وقد أنكر عليه الصلاة والسلام إنكار أبـي بكر رضي الله تعالى عنه بل فيه دليل أيضاً على جواز سماع الرجل صوت الجارية [بالغناء] ولو لم تكن مملوكة لأنه عليه الصلاة والسلام سمع ولم ينكر على أبـي بكر سماعه بل أنكر إنكاره وقد استمرتا تغنيان إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج. وإنكار أبـي بكر على ابنته رضي الله تعالى عنهما مع علمه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لظن أن ذلك لم يكن بعلمه عليه الصلاة والسلام لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه فظنه نائماً. وفي «فتح الباري» استدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة. ويكفي في رد ذلك ما رواه البخاري أيضاً بعيده عن عائشة أيضاً قالت: «دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا» فنفت فيه عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة وعلى الحداء ولا يسمى فاعله مغنياً وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبـي: قولها «ليستا بمغنيتين» أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك وهذا منهما تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرقة والله تعالى المستعان انتهى كلام القرطبـي، وكذا الغرض من كلام «فتح الباري» وهو كلام حسن بيد أن قوله: وإنما يسمى بذلك من ينشد الخ لا يخلو عن شيء بناءً على أن المتبادر عموم ذلك لما يكون في المنشد منه تعريض أو تصريح بالفواحش ولما لا يكون فيه ذلك. وقال بعض الأجلة: ليس في الخبر الإباحة مطلقاً بل قصارى ما فيه إباحته في سرور شرعي كما في الأعياد والأعراس فهو دليل لمن أجازه في العرس كما أجاز ضرب الدف فيه، وأيضاً إنكار أبـي بكر رضي الله تعالى عنه ظاهر في أنه كان سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذم الغناء والنهي عنه فظن عموم الحكم فأنكر، وبإنكاره عليه الصلاة والسلام عليه إنكاره تبين له عدم العموم. وفي الخبر الآخر ما يدل على أنه أوضح له صلى الله عليه وسلم الحال مقروناً ببيان الحكمة وهو أنه يوم عيد فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس، ومع هذا أشار صلى الله عليه وسلم بالتفافه بثوبه وتحويل وجهه الشريف إلى أن الإعراض عن ذلك أولى، وسماع / صوت الجارية الغير المملوكة بمثل هذا الغناء إذا أمنت الفتنة مما لا بأس به فليكن الخبر دليلاً على جوازه. واستدل بعضهم على ذلك بما جاء عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وكان من دهاة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكان يتغنى؛ ولا يخفى ما فيه فإن هذا التغني ليس بالمعنى المشهور، ونحوه التغني في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن»تفسير : وسفيان بن عيينة. وأبو عبيدة فسرا التغني في هذا الحديث بالاستغناء فكأنه قيل: ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن غيره، وهو مع هذا تغن لإزالة الوحشة عن نفسه في عقر داره، ومثله ما روي عن عبد الله بن عوف قال: أتيت باب عمر رضي الله تعالى عنه فسمعته يغني:شعر : فكيف ثوائي بالمدينة بعدما قضى وطراً منها جميل بن معمر تفسير : أراد به جميلاً الجمحي وكان خاصاً به فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم قال: أنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم. وحرم جماعة السماع مطلقاً، وقال الغزالي: السماع إما محبوب بأن غلب على السامع حب الله تعالى ولقائه ليستخرج به أحوالاً من المكاشفات والملاطفات، وإما مباح بأن كان عنده عشق مباح لحليلته أو لم يغلب عليه حب الله تعالى ولا الهوى، وإما محرم بأن غلب عليه هوى محرم. وسئل العز بن عبد السلام عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص فقال: الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل فلا يصلح إلا للنساء، وأما استماع الإنشاد المحرك للأحوال السنية وذكر أمور الآخرة فلا بأس به بل يندب عند الفتور وسآمة القلب، ولا يحضر السماع من في قلبه هوى خبيث فإنه يحرك ما في القلب، وقال أيضاً: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم إما عارفون بالله تعالى ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم فمن غلب عليه الخوف أثر فيه السماع عند ذكر المخوفات نحو حزن وبكاء وتغير لون، وهو إما خوف عقاب أو فوات ثواب أو أنس وقرب وهو أفضل الخائفين والسامعين وتأثير القرآن فيه أشد، ومن غلب عليه الرجاء أثر فيه السماع عند ذكر المطمعات والمرجيات، فإن كان رجاؤه للأنس والقرب كان سماعه أفضل سماع الراجين وإن كان رجاؤه للثواب فهذا في المرتبة الثانية، وتأثير السماع في الأول أشد من تأثيره في الثاني، ومن غلب عليه حب الله تعالى لإنعامه فيؤثر فيه سماع الإنعام والإكرام، أو لجماله سبحانه المطلق فيؤثر فيه ذكر شرف الذات وكمال الصفات، وهو أفضل مما قبله لأن سبب حبه أفضل الأسباب، ويشتد التأثير فيه عند ذكر الإقصاء والإبعاد، ومن غلب عليه التعظيم والإجلال وهو أفضل من جميع ما قبله، وتختلف أحوال هؤلاء في المسموع منه، فالسماع من الولي أشد تأثيراً من السماع من عامي ومن نبـي أشد تأثيراً منه ومن ولي، ومن الرب عز وجل أشد تأثيراً من السماع من نبـي لأن كلام المهيب أشد تأثيراً في الهائب من كلام غيره كما أن كلام الحبيب أشد تأثيراً في المحب من كلام غيره، ولهذا لم يشتغل النبيون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء واقتصروا على كلام ربهم جل شأنه، ومن يغلب عليه هوى مباح كمن يعشق حليلته فهو يؤثر فيه آثار الشوق وخوف الفراق ورجاء التلاق فسماعه لا بأس به، ومن يغلب عليه هوى محرم كعشق أمرد أو أجنبية فهو يؤثر فيه السعي إلى الحرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأما من لم يجد في نفسه شيئاً من هذه الأقسام الستة فيكره سماعه من جهة أن الغالب على العامة إنما هي الأهواء الفاسدة فربما هيجه السماع إلى صورة محرمة فيتعلق بها ويميل إليها، ولا يحرم عليه ذلك لأنا لا نتحقق السبب المحرم، وقد يحضر السماع قوم من الفجرة / فيبكون وينزعجون لأغراض خبيثة انطووا عليها ويراؤن الحاضرين بأن سماعهم لشيء محبوب، وهؤلاء قد جمعوا بين المعصية وبين إيهام كونهم من الصالحين، وقد يحضر السماع قوم قد فقدوا أهاليهم ومن يعز عليهم ويذكرهم المنشد فراق الأحبة وعدم الأنس فيبكي أحدهم ويوم الحاضرين أن بكاءه لأجل رب العالمين جل وعلا وهذا مراء بأمر غير محرم، ثم قال: اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنية والأفعال الرضية، ولكل صفة من الصفات حال مختص بها، فمن ذكر صفة الرحمة أو ذكر بها كانت حاله حال الراجين وسمعه سماعهم، ومن ذكر شدة النقمة أو ذكر بها كانت حاله حال الخائفين وسماعه سماعهم، وعلى هذا القياس، وقد تغلب الأحوال على بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشد ولا يلتفت إليه لغلبة حاله الأولى عليه انتهى، وقد نقله بعض الأجلة وأقره وفيه ما يخالف ما نقل عن الغزالي. ونقل القاضي حسين عن الجنيد قدس سره أنه قال: الناس في السماع إما عوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم، وإما زهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهدتهم، وإما عارفون وهو مستحب لهم لحياة قلوبهم، وذكر نحوه أبو طالب المكي وصححه السهروردي عليه الرحمة في «عوارفه»، والظاهر أن الجنيد أراد بالحرام معناه الاصطلاحي. واستظهر بعضهم أنه لم يرد ذلك وإنما أراد أنه لا ينبغي. ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه سئل عن السماع فقال: هو ضلال للمبتدي والمنتهي لا يحتاج إليه، وفيه مخالفة لما سمعت. وقال القشيري رحمه الله تعالى: إن للسماع شرائط منها معرفة الأسماء والصفات ليعلم صفات الذات من صفات الأفعال وما يمتنع في نعت الحق سبحانه وما يجوز وصفه تعالى به وما يجب وما يصح إطلاقه عليه عز شأنه من الأسماء وما يمتنع، ثم قال: فهذه شرائط صحة السماع على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأما عند أهل الحقائق فالشرط فناء النفس بصدق المجاهدة ثم حياة القلب بروح المشاهدة فمن لم تتقدم بالصحة معاملته ولم تحصل بالصدق منازلته فسماعه ضياع وتواجده طباع، والسماع فتنة يدعو إليها استيلاء العشق إلا عند سقوط الشهوة وحصول الصفوة، وأطال بما يطول ذكره، قيل: وبه يتبين تحريم السماع على أكثر متصوفة الزمان لفقد شروط القيام بأدائه. ومن العجب أنهم ينسبون السماع والتواجد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروون عن عطية أنه عليه الصلاة والسلام دخل على أصحاب الصفة يوماً فجلس بينهم، وقال عليه الصلاة والتحية: هل فيكم من ينشدنا أبياتاً؟ فقال واحد:شعر : لسعت حية الهوى كبدي ولا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي تفسير : فقام عليه الصلاة والسلام وتمايل حتى سقط الرداء الشريف عن منكبيه فأخذه أصحاب الصفة فقسموه فيما بينهم بأربعمائة قطعة، وهو لعمري كذب صريح وإفك قبيح لا أصل له بإجماع محدثي أهل السنة وما أراه إلا من وضع الزنادقة، فهذا القرآن العظيم يتلوه جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم ويتلوه هو أيضاً ويسمعه من غير واحد ولا يعتريه عليه الصلاة والسلام شيء مما ذكروه في سماع بيتين هما كما سمعت سبحانك هذا بهتان عظيم. وأنا أقول: قد عمت البلوى بالغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع ولا يتحاشى من ذلك في المساجد وغيرها بل قد عين مغنون يغنون على المنائر في أوقات مخصوصة شريفة بأشعار مشتملة على وصف الخمر والحانات وسائر ما يعد من المحظورات، ومع ذلك قد وظف لهم من غلة الوقف ما وظف ويسمونهم الممجدين، / ويعدون خلو الجوامع من ذلك من قلة الاكتراث بالدين، وأشنع من ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتهم ثم أنهم قبحهم الله تعالى إذا اعترض عليهم بما اشتمل عليه نشيدهم من الباطل يقولون: نعني بالخمر المحبة الإلهية وبالسكر غلبتها وبمية وليلى وسعدى مثلا المحبوب الأعظم وهو الله عز وجل، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَٰئِهِ } تفسير : [الأعراف: 180]. وفي «القواعد الكبرى» للعز بن عبد السلام ليس من أدب السماع أن يشبه غلبة المحبة بالسكر من الخمر فإنه سوء الأدب وكذا تشبيه المحبة بالخمر لأن الخمر أم الخبائث فلا يشبه ما أحبه الله تعالى بما أبغضه وقضى بخبثه ونجاسته فإن تشبيه النفيس بالخسيس سوء الأدب بلا شك فيه، وكذا التشبيه بالخصر والردف ونحو ذلك من التشبيهات المستقبحات، ولقد كره لبعضهم قوله: أنتم روحي ومعلم راحتي ولبعضهم قوله: فأنت السمع والبصر لأنه شبه من لا شبيه له بروحه الخسيسة وسمعه وبصره اللذين لا قدر لهما، ثم إنه وإن أباح بعض أقسام السماع حط على من يرقص ويصفق عنده فقال: أما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة برعونة الإناث لا يفعلها إلا أرعن أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم»تفسير : ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله تعالى شأنه ولقد مانوا فيما قالوا وكذبوا فيما ادعوا من جهة أنهم عند سماع المطربات وجدوا لذتين: إحداهما لذة قليل من الأحوال المتعلقة بذي الجلال، والثانية لذة الأصوات والنغمات والكلمات الموزونات الموجبات للذات ليست من آثار الدين ولا متعلقة بأموره فلما عظمت عندهم اللذات غلطوا فظنوا أن مجموع ما حصل لهم إنما حصل بسبب حصول ذلك القليل من الأحوال وليس كذلك بل الأغلب عليهم حصول لذات النفوس التي ليست من الدين في شيء. وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما التصفيق للنساء» تفسير : ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء، ومن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق ولا يصدران إلا من جاهل، ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباعهم وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء؛ وقد قال تعالى {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } تفسير : [النحل: 89] ولقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم يلابسوا شيئاً من ذلك فما ذاك إلا غرض من أغراض النفس وليس بقربة إلى الرب جل وعلا، وفاعله إن كان ممن يقتدى به ويعتقد أنه ما فعله إلا لكونه قربة فبئس ما صنع لإيهامه أن هذا من الطاعات وإنما هو من أقبح الرعونات. وأما الصياح والتغاشي ونحوهما فتصنع ورياء، فإن كان ذلك عن حال لا يقتضيهما فاثم الفاعل من جهتين: احداهما إيهامه الحال الثابتة الموجبة لهما، والثانية تصنعه ورياؤه، وإن كان عن مقتض أثم إثم رياء لا غير. وكذلك نتف الشعور وضرب الصدور وتمزيق الثياب محرم لما فيه من إضاعة المال، وأي ثمرة لضرب الصدور ونتف الشعور وشق الجيوب إلا رعونات صادرة عن النفوس اهـ كلامه، ومنه يعلم ما في نقل الإسنوي عنه رحمه الله تعالى أنه كان يرقص في السماع، والعلامة ابن حجر قال: يحمل ذلك على مجرد القيام والتحرك لغلبة وجد وشهود [وارد] أو تجل لا يعرفه إلا أهله، ومن ثم قال الإمام إسماعيل الحضرمي [في] موقف الشمس [لما سئل] عن قوم يتحركون في السماع هؤلاء / قوم يروحون قلوبهم بالأصوات الحسنة حتى يصيروا روحانيين فهم بالقلوب مع الحق وبالأجساد مع الخلق، ومع هذا فلا يؤمن عليهم العدو ولا يعول عليهم فيما فعلوا ولا يقتدي بهم فيما قالوا اهـ. وما ذكره فيمن يصدر عنه نحو الصياح والتغاشي عن حال يقتضيه لا يخلو عن شيء، فقد قال البلقيني فيما يصدر عنهم من الرقص الذي هو عند جمع ليس بمحرم ولا مكروه لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج ولأنه عليه الصلاة والسلام، أقر الحبشة عليه في مسجده يوم عيد، وعند آخرين مكروه، وعند هذا القائل حرام إذا كثر بحيث أسقط المروءة إن كان باختيارهم فهم كغيرهم وإلا فليسوا بمكلفين، واستوضحه بعض الأجلة وقال: يجب اطراده في سائر ما يحكى عن الصوفية مما يخالف ظواهر الشرع فلا يحتج به لأنه ان صدر عنهم في حال تكليفهم فهم كغيرهم أو مع غيبتهم لم يكونوا مكلفين به. والذي يظهر لي أن غناء الرجل بمثل هذه الألحان إن كان لدفع الوحشة عن نفسه فمباح غير مكروه كما ذهب إليه شمس الأئمة السرخسي لكن بشرط أن لا يسمعه من يخشى عليه الفتنة من امرأة أو غيرها ولا من يستخف به ويسترذله وبشرط أن لا يغير اسم معظم بنحو زيادة ليست فيه في أصل وضعه لأجل أن لا يخرج عن مقتضى الصنعة مثل أن يقول في الله إيلاه وفي محمد مو حامد، هذا مع كون ما يتغنى به مما لا بأس بإنشاده وإن كان للناس للهو في غير حادث سرور كعرس بأجرة أو بدونها ازدرى به لذلك أو لم يزدر كان ما يتغنى به مباح الإنشاد أو لم يكن فحرام وإن أمنت الفتنة وأراه من الصغائر كما يقتضيه كلام الماوردي حيث قال: وإذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصغائر دون الكبائر، وإن كان في حادث سرور فهو مباح إن أمنت الفتنة وكان ما يتغنى به جائز الإنشاد ولم يغير فيه اسم معظم ولم يكن سبباً للازدراء به وهتك مروءته ولا لاجتماع الرجال والنساء على وجه محظور، وإن كان سبباً لمحرم فهو حرام وتتفاوت مراتب حرمته حسب تفاوت حرمة ما كان هو سبباً له وإن كان للناس لا للهو بل لتنشيطهم على ذكر الله تعالى كما يفعل في بعض حلق التهليل في بلادنا فمحتمل الإباحة إن لم يتضمن مفسدة ولعله إلى الكراهة أقرب. وربما يقال: إنه حينئذ قربة كالحداء وهو ما يقال خلف الإبل من زجر وغيره إذا كان منشطاً لسير هو قربة لأن وسيلة القربة قربة اتفاقاً فيقال: لم نقف على خبر في اشتمال حلق الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا على عهد خلفائه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وهم أحرص الناس على القرب على هذا الغناء ولا على سائر أنواعه وصحت أحاديث في الحداء ولذا أطلق جمع القول بندبه وكونهم نشطين بدون ذلك لا يمنع أن يكون فيهم من يزيده ذلك نشاطاً فلو كان لذلك قربة لفعلوه ولو مرة ولم ينقل أنهم فعلوه أصلاً، على أنه لا يبعد أن يقال: إنه يشوش على الذاكرين ولا يتم لهم معه تدبر معنى الذكر وتصوره وهو بدون ذلك لا ثواب فيه بالإجماع، ولعل ما يفعل على المنائر مما يسمونه تمجيداً منتظم عند الجهلة في سلك وسائل القرب بل يعده أكثرهم قربة من حيث ذاته وهو لعمري عند العالم بمعزل عن ذلك، وإن كان لحاجة مرض تعين شفاؤه به فلا شك في جوازه والإكباب على المباح منه يخرم المروءة كاتخاذه حرفة، وقول الرافعي: لا يخرمها إذا لاق به رده الزركشي بأن الشافعي نص على رد شهادته وجرى عليه أصحابه لأنها حرفة دنية ويعد فاعلها في العرف ممن لا حياء له، وعن الحسن أن رجلاً قال له: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء الغناء يوصل به الرحم وينفس به عن المكروب ويفعل فيه المعروف قال: إنما أعني الشد، قال: وما الشد أتعرف منه شيئاً؟ قال: / نعم قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه فقال الحسن: ما كنت أرى أن عاقلاً يبلغ من نفسه ما أرى. واختلفوا في تعاطي خارم المروءة على أوجه. ثالثها إن تعلقت به شهادة حرم وإلا فلا. قال بعض الأجلة: وهو الأوجه لأنه يحرم عليه التسبب في إسقاط ما تحمله وصار أمانة عنده لغيره ويظهر لي أنه إن كان ذلك من عالم يفتدى به أو كان ذلك سبباً للازدراء حرم أيضاً وإن سماعه أي استماعه لا مجرد سماعه بلا قصد عند أمن الفتنة وكون ما يتغنى به جائز الإنشاد وعدم تسببه لمعصية كاستدامة مغن لغناء آثم به مباح والإكباب عليه كما قال النووي: بسقط المروءة كالإكباب على الغناء المباح، والاختلاف في تعاطي مسقطها قد ذكرناه آنفاً وأما سماعه عند عدم أمن الفتنة وكون ما يتغنى به غير جائز الإنشاد وكونه متسبباً لمعصية فحرام، وتتفاوت مراتب حرمته ولعلها تصل إلى حرمة كبيرة. ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا وإن خلا عن رقص فإن مفاسده أكثر من أن تحصى وكثير مما يسمعونه من الأشعار من أشنع ما يتلى ومع هذا يعتقدونه قربة ويزعمون أن أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة قاتلهم الله تعالى أني يؤفكون. ولا يخفى على من أحاط خبراً بما تقدم عن القشيري وغيره أن سماعهم مذموم عند من يعتقدون انتصاره لهم ويحسبون أنهم واياه من حزب واحد فويل ان شفعاؤه خصماؤه وأحباؤه أعداؤه، وأما رقصهم عليه فقد زادوا به في الطنبور رنة وضموا كسر الله تعالى شوكتهم بذلك إلى السفه جنة، وقد أفاد بعض الأجلة أنه لا تقبل شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدف الذي قيل يباح أو يسن ضربه لعرس وختان وغيرهما من كل سرور، ومنه قدوم عالم ينفع المسلمين راداً على من زعم القبول فقال: وعن بعضهم تقبل شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدف لاعتقادهم إن ذلك قربة كما تقبل شهادة حنفي شرب النبيذ لاعتقاده إباحته وكذا كل من فعل ما اعتقد إباحته اهـ، ورد بأنه خطأ قبيح لأن اعتقاد الحنفي نشأ عن تقليد صحيح ولا كذلك غيره وإنما منشؤه الجهل والتقصير فكان خيالاً باطلاً لا يلتفت إليه اهـ. ثم إني أقول: لا يبعد أن يكون صاحب حال يحركه السماع ويثير منه ما يلجئه إلى الرقص أو التصفيق أو الصعق والصياح وتمزيق الثياب أو نحو ذلك مما هو مكروه أو حرام فالذي يظهر لي في ذلك أنه إن علم من نفسه صدور ما ذكر كان حكم الاستماع في حقه حكم ما يترتب عليه، وإن تردد فيه فالأحوط في حقه إن لم نقل بالكراهة عدم الاستماع، ففي الخبر «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»تفسير : ثم إن ما حصل له شيء من ذلك بمجرد السماع من غير قصد ولم يقدر على دفعه أصلاً فلا لوم ولا عتاب فيه عليه، وحكمه في ذلك حكم من اعتراه نحو عطاس وسعال قهريين ولا يشترط في دفع اللوم والعتاب عنه كون ذلك مع غيبته فلا يجب على من صدر منه ذلك إن لم يغب إعادة الوضوء للصلاة مثلا، ولينظر فيما لو اعتراه وهو في الصلاة بدون غيبة هل حكمه حكم نحو العطاس والسعال إذا اعتراه فيها أم لا، والذي سمعته عن بعض الكبار الثاني فتدبر. ومن الناس من يعتريه شيء مما ذكر عند سماع القرآن اما مطلقاً أو إذا كان بصوت حسن، وقلما يقع ذلك من سماع القرآن أو غيره لكامل. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه قيل لها: إن قوماً إذا سمعوا القرآن صعقوا فقالت: القرآن أكرم من أن يسرق منه عقول الرجال ولكنه كما قال الله تعالى: {أية : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 23] وكثيراً ما يكون لضعف تحمل الوارد، وبعض المتصنعين يفعله رياء، وعن ابن سيرين أنه سئل عمن يسمع القرآن فيصعق فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره / فإن صعقوا فهو كما قالوا. ولا يرد على إباحة الغناء وسماعه في بعض الصور خبر ابن مسعود «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» لا لأن الغناء فيه مقصور وأن المراد به غنى المال الذي هو ضد الفقر إذ يرد ذلك أن الخبر روي من وجه آخر بزيادة «والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع»، ومقابلة الغناء بالذكر ظاهر في المراد به التغني، على أن الرواية كما قال بعض الحفاظ بالمد بل لأن المراد أن الغناء من شأنه أن يترتب عليه النفاق أي العملي بأن يحرك إلى غدر وخلف وعد وكذب ونحوها ولا يلزم من ذلك اطراد الترتب. وربما يشير إلى ذلك التشبيه في قوله: كما ينبت الماء البقل فإن إنبات الماء البقل غير مطرد، ونظير ذلك في الكلام كثير، والقائل بإباحته في بعض الصور إنما يبيحه حيث لا يترتب عليه ذلك. نعم لا شك أن ما هذا شأنه الأحوط بعد كل قيل وقال عدم الرغبة فيه كذا قيل. وقيل: يجوز أن يكون أريد بالنفاق الإيماني، ويؤيده مقابلته في بعض الروايات بالإيمان ويكون مساق الخبر للتنفير عن الغناء إذ كان الناس حديثي عهد بجاهلية كان يستعمل فيها الغناء للهو ويجتمع عليه في مجالس الشرب، ووجه إنباته للنفاق إذ ذاك أن كثيراً منهم لقرب عهده بلذة الغناء وما يكون عنده من اللهو والشرب وغيره من أنواع الفسق يتحرك فلبه لما كان عليه ويحن حنين العشار إليه ويكره لذلك الإيمان الذي صده عما هنالك ولا يستطيع لقوة شوكة الإسلام أن يظهر ما أضمر وينبذ الإيمان وراء ظهره ويتقدم إلى ما عنه تأخر فلم يسعه إلا النفاق لما اجتمع عليه مخافة الردة والاشتياق فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. وأما الآية فإن كان وجه الاستدلال بها تسمية الغناء لهواً فكم لهو هو حلال وإن كان الوعيد على اشترائه واختياره فلا نسلم أن ذلك على مجرد الاشتراء لجواز أن يكون على الاشتراء ليضل عن سبيل الله تعالى ولا شك أن ذلك من الكبائر ولا نزاع لنا فيه؛ وقال ابن عطية: الذي يترجح أن الآية نزلت في لهو الحديث مضافاً إلى الكفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله تعالى: {لِيُضِلَّ } الخ اهـ. ومما ذكرنا يعلم ما في الاستدلال بها على حرمة الملاهي كالرباب والجنك والسنطير والكمنجة والمزمار وغيرها من الآلات المطربة بناء على ما روي عن ابن عباس والحسن أنهما فسرا {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } بها نعم أنه يحرم استعمالها واستماعها لغير ما ذكر فقد صح من طرق خلافاً لما وهم فيه ابن حزم الضال المضل فقد علقه البخاري ووصله الإسماعيلي وأحمد وابن ماجه وأبو نعيم وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها وصححه جماعة أخرون من الأئمة كما قاله بعض الحفاظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز والخمر والمعازف» تفسير : وهو صريح في تحريم جميع آلات اللهو المطربة ومما يشبه الصريح في ذلك ما رواه ابن أبـي الدنيا في كتاب «ذم الملاهي» عن أنس وأحمد والطبراني عن ابن عباس وأبـي أمامة مرفوعاً «حديث : ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف»تفسير : وهي الملاهي التي سمعتها، ومنها الصنج العجمي وهو صفر يجعل عليها أوتار يضرب بها على ما ذهب إليه غير واحد خلافاً للماوردي حيث قال: إن الصنج يكره مع الغناء ولا يكره منفرداً لأنه بانفراده غير مطرب؛ ولعله أراد به العربـي وهو قطعتان من صفر تضرب إحدهما بالأخرى فإنه بحسب الظاهر هو الذي لا يطرب منفرداً لكن يزيد الغناء طربا، وذكر أنه يستعمله المخنثون في بعض البلاد، ولا يبعد عليه القول بالحرمة، ومنها اليراع وهو الشبابة فإنه مطرب بانفراده بل قال بعض أهل الموسيقى: إنه آلة كاملة جامعة لجميع النغمات إلا يسيراً، وقد أطنب الإمام الدولقي وهو من أجلة العلماء في دلائل تحريمه؛ ومنها القياس وهو إما أولى أو مساو وقال: العجب كل العجب ممن هو من أهل العلم بزعم أن الشبابة حلال اهـ ومنه يعلم ما في قول التاج السبكي في «توشيحه» لم يقم عندي دليل على تحريم اليراع مع كثرة التتبع والذي أراه الحل فإن انضم إليه محرم فلكل منهما حكمه، ثم الأولى عندي لمن ليس من أهل الذوق الإعراض عنه مطلقاً لأن غاية ما فيه حصول لذة نفسانية وهي ليست من المطالب الشرعية وأما أهل الذوف فحالهم مسلم إليهم وهم على حسب ما يجدونه من أنفسهم اهـ. وحكي عن العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد أنهما كانا يسمعان ذلك والظاهر أنه كذب لا أصل له وبذلك جزم بعض الأجلة، ولا يبعد حلها إذا صفر فيها كالأطفال والرعاء على غير القانون المعروف من الأطراب. ومنها العود وهو آلة للهو غير الطنبور وإطلاقه بعضهم عليه وحكاية النجس ابن طاهر عن الشيخ أبـي إسحاق الشيرازي أنه كان يسمع العود من جملة كذبه وتهوره كدعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء واللهو، ومثله في المجازفة وارتكاب الأباطيل على الجزم ابن حزم لا الدف فيجوز ضربه من رجل وامرأة لا من امرأة فقط خلافاً للحليمي واستماعه لعرس ونكاح وكذا غيرهما من كل سرور في الأصح وبحل ذي الجلاجل منه وهي إما نحو حلق يجعل داخله كدف العرب أو صنوج عراض من صفر تجعل في حروف دائرته كدف العجم جزم جماعة وجرم آخرون بحرمته وبها أقول لأنه كما قال الأذرعي أشد إطراباً من أكثر الملاهي المتفق على تحريمها. وبعض المتصوفة ألفوا رسائل في حل الأوتار والمزامير وغيرها من آلات اللهو وأتوا فيها بكذب عجيب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم والتابعين والعلماء العاملين وقلدهم في ذلك من لعب به الشيطان وهوى به الهوى إلى هوة الحرمان فهو عن الحق بمعزل وبينه وبين حقيقة التصوف ألف ألف منزل، وإذا تحقق لديك قول بعض الكبار بحل شيء من ذلك فلا تغتر به لأنه مخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من الأكابر المؤيد بالأدلة القوية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رزق عقلاً مستقيماً وقلباً من الأهواء الفاسدة سليماً لا يشك في أن ذلك ليس من الدين وأنه بعيد بمراحل عن مقاصد شريعة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. واستدل بعض أهل الإباحة على حل الشبابة بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع صوت زمارة راع فجعل إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وجعل يقول: يا نافع أتسمع فأقول: نعم فلما قلت: لا رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأخرجه ابن أبـي الدنيا والبيهقي عن نافع أيضاً، وسئل عنه الحافظ محمد بن نصر السلامي فقال: إنه حديث صحيح، ووجه الاستدلال به أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر وكان عمره إذ ذاك كما قال الحافظ المذكور سبع عشرة سنة بسد أذنيه ولا نهى الفاعل فلو كان ذلك حراماً لأمر ونهى عليه الصلاة والسلام، وسد أذنيه صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون لكونه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك في حال ذكر أو فكر وكان السماع يشغله عليه الصلاة والسلام والتحية ويحتمل أن يكون إنما فعله صلى الله عليه وسلم تنزيهاً؛ وقال الأذرعي: بهذا الحديث استدل أصحابنا على تحريم المزامير وعليه بنوا التحريم في الشبابة اهـ. والحق عندي أنه ليس نصاً في حرمتها لأن سد الأذنين عند السماع من باب فعله صلى الله عليه وسلم وليس مما وضح فيه أمر الجبلة ولا ثبت تخصيصه به عليه الصلاة والسلام ولا مما وضح أنه بيان لنص علم جهته من الوجوب / والندب والإباحة فإن كان مما علمت صفته فلا يخلو من أن تكون الوجوب أو الندب أو الإباحة لا جائز أن تكون الوجوب المستلزم لحرمة سماع اليراع إذ لا قائل بأنه يجب على أحد سد الأذنين عند سماع محرم إذ يأمن الإثم بعد القصد فقد قالوا: إن الحرام الاستماع لا مجرد السماع بلا قصد، وفي «الزواجر» الممنوع هو الاستماع لا السماع لا عن قصد اتفاقاً، ومن ثم صرح أصحابنا ـ يعني الشافعية ـ أن من بجواره آلات محرمة ولا يمكنه إزالتها لا يلزمه النقلة ولا يأثم بسماعها لا عن قصد واصغاء اهـ، والظاهر أن الأمر كذلك عند سائر الأئمة، نعم لهم تفصيل في القعود في مكان فيه نحو ذلك، قالفي «تنوير الأبصار» وشرحه «الدر المختار»: دعي إلى وليمة وثمة لعب وغناء قعد وأكل ولو على المائدة لا ينبغي أن يقعد بل يخرج معرضاً لقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنعام: 68] فإن قدر على المنع فعل وإلا يقدر صبر ان لم يكن ممن يقتدي به فإن كان مقتدى به ولم يقدر على المنع خرج ولا يقعد لأن فيه شين الدين، والمحكي عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه كان قبل أن يصير مقتدى به، وإن علم أولاً لا يحضر أصلاً سواء كان ممن يقتدى به أو لا اهـ فتعين كونها الندب أو الإباحة وكلا الأمرين لا يستلزمان الحرمة فيحتمل أن يكون ذلك حراماً أو مكروهاً يندب سداً الأذنين عند سماعه احتياطاً من أن يدعو إلى الاستماع المحرم أو المكروه، وإن كان مما لم تعلم صفته فقد قالوا فيما كان كذلك: المذاهب فيه بالنسبة إلى الأمة خمسة الوجوب والندب والإباحة والوقف والتفصيل وهو أنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فالإباحة ويعلم مما ذكرنا الحال على كل مذهب والذي يغلب على الظن أن ما أشار إليه الخبر إن كان الزمر بزمارة الزاعي على وجه التأنق وإجراء النغمات التي تحرك الشهوات كما يفعله من جعل ذلك صنعته اليوم فاستماعه حرام وسد الأذنين المشار إليه فيه لعله كان منه عليه الصلاة والسلام تعليماً للأمة أحد طرق الاحتياط المعلوم حاله لئلا يجرهم ذلك إلى الاستماع وإلا فالاستماع لمكان العصمة مما لا يتصور في حقه صلى الله عليه وسلم، ومن عرف قدر الصحابة واطلع على سبيلهم وحرصهم على التأسي به عليه الصلاة والسلام لم يشك في أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه سد أذنيه أيضاً تأسياً ويكون حينئذ قوله عليه الصلاة والسلام الذي يشير إليه الخبر له رضي الله تعالى عنه أتسمع على معنى تسمع أتسمع وإنما أسقط تسمع لدلالة الحال عليه إذ من سد أذنيه لا يسمع، وإنما أذن له صلى الله عليه وسلم بذلك لموضع الحاجة وهذا أقرب من احتمال كون سد الأذنين منه صلى الله عليه وسلم لأنه كان في حال ذكر أو فكر وكان يشغله صلى الله عليه وسلم عند السماع. وأما عدم نهيه عليه الصلاة والسلام من كان يزمر عن الزمر والإنكار عليه فلا يسلم دلالته على الجواز فإنه يجوز أن يكون الصوت جاء من بعيد وبين الزامر وبينه عليه الصلاة والسلام ما يمنع من الوصول إليه أو لم يعرف عينه صلى الله عليه وسلم لأن الصوت قد جاء من وراء حجاب ولا تتحقق القدرة معه على الإنكار، ويجوز أيضاً أن يكون التحريم معلوماً من قبل وعلم من النبـي صلى الله عليه وسلم الإصرار عليه وأن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله فيكون ذلك كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، وفي مثل ذلك لا يدل السكوت وعدم الإنكار على الجواز إجماعاً، ومن قال بأن الكافر غير مكلف بالفروع قال: يجوز أن يكون ذلك الزامر كافراً وأن السكوت في حقه ليس دليل الجواز وان كان الزمر بها لا على وجه التأنق وإجراء النغمات التي تحرك الشهوات فلا بعد في / أن يقال بالجواز والإباحة فعلاً واستماعاً، وسد الأذنين عليه لغاية التنزه اللائق به عليه الصلاة والسلام، وقول الأذرعي في الجواب أن قوله في الخبر زمارة راع لا يعين إنها الشبابة فإن الرعاة يضربون بالشعيبية وغيرها يوهم أن ما يسمى شعيبية مباح مفروغ منه وفيه نظر فإنها عبارة عن عدة قصبات صغار ولها إطراب بحسب حذق متعاطيها فهي شبابة أو مزمار لا محالة، وفي إباحة ذلك كلام. وبعد هذا كله نقول: إن الخبر المذكور رواه أبو داود وقال: إنه منكر وعليه لا حجة فيه للطرفين وكفى الله تعالى المؤمنين القتال، ثم إنك إذا ابتليت بشيء من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أن فعله أو استماعه قربة كما يعتقد ذلك من لا خلاق له من المتصوفة فلو كان الأمر كما زعموا لما أهمل الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا أتباعهم به، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أشار إليه كتاب من الكتب المنزلة من السماء، وقد قال الله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }تفسير : [المائدة: 3] ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعها من الدين ومما يقرب إلى حضرة رب العالمين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأوضحه كمال الإيضاح لأمته، وقد قال عليه الصلاة والسلام «والذي نفسي بيده ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئاً يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه» وما ذكر داخل في الشق الثاني كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل مستقيم فتأمل وأنصف وإياك من الاعتراض قبل أن تراجع تعرف، ولنا عودة إن شاء الله تعالى للكلام في هذا المطلب يسَّر الله تعالى ذلك لنا بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم. واستدل بعضهم بالآية على القول بأن لهو الحديث الكتب التي اشتراها النضر بن الحرث على حرمة مطالعة كتب تواريخ الفرس القديمة وسماع ما فيها وقراءته، وفيه بحث، ولا يخفى أن فيها من الكذب ما فيها فالاشتغال بها لغير غرض ديني خوض في الباطل، وعده ابن نجيم في «رسالته في بيان المعاصي من الصغائر» ومثل له بذكر تنعم الملوك والأغنياء فافهم هذا، ومن الغريب البعيد وفيه جعل الاشتراء بمعنى البيع ما ذهب إليه صاحب «التحرير» قال: يظهر لي أنه أراد سبحانه بلهو الحديث ما كانوا يظهرونه من الأحاديث في تقوية دينهم والأمر بالدوام عليه وتغيير صفة الرسول عليه الصلاة والسلام وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق عليه السلام يقصدون صد أتباعهم عن الإيمان وأطلق اسم الاشتراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من ملوكهم، وقال: يؤيده قوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهو كما ترى، والمراد بسبيله تعالى دينه عز وجل أو قراءة كتابه سبحانه أو ما يعمهما، واللام في {لِيُضِلَّ } للتعليل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لِيضِلَّ } بفتح الياء، والمراد ليثبت على ضلاله ويزيد فيه فإن المخبر عنه ضال قيل: واللام للعاقبة وكونها على أصلها كما قيل بعيد، وجوز الزمخشري أن يكون قد وضع {لِيُضِلَّ } على هذه القراءة موضع ليضل من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة فدل بالرديف وهو الضلال على المردوف وهو الإضلال، ووجه الدلالة أنه أريد بالضلال الضلال المضاعف في شأن من جانب سبيل الله تعالى وتركه رأساً وهذا الضلال لا ينفك عن الإضلال وبالعكس، وبه يندفع نظر صاحب «الفرائد» بأن الضلال لا يلزمه الإضلال، وفيه توافق القراءتين وبقاء اللام على حقيقتها، وهي على الوجهين متعلقة بقوله سبحانه: {يشتري} وقوله عز وجل: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } يجوز أن يكون متعلقاً به أيضاً أي يشتري ذلك بغير علم بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، ويجوز أن يكون متعلقاً بيضل أي ليضل عن سبيله تعالى جاهلاً أنها سبيله عز وجل أو جاهلاً أنه يضل أو جاهلاً الحق. {وَيَتَّخِذَهَا } بالنصب عطفاً على {يُضِلَّ } والضمير للسبيل فإنه ما يذكر ويؤنث، وجوز أن يكون للآيات، وقيل: يجوز أن يكون للأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث وهو كما ترى {هُزُواً } أي مهزوأ به. وقرأ جمع من السبعة {يتخذها} بالرفع عطفاً على {يَشْتَرِى } وجوز أن يكون على إضمار هو {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } لما اتصفوا به من إهانتهم الحق بإيثار الباطل عليه وترغيب الناس فيه والجزاء من جنس العمل، و {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى {مِنْ } وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد المنزلة في الشرارة، والجمع في اسم الإشارة والضمير باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وكذا في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : تلك ءايات الكتاب الحكيم}تفسير : [لقمان: 2]. والمعنى: أن حال الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين، وأن من الناس معرضين عنه يؤثرون لهو الحديث ليضلّوا عن سبيل الله الذي يهدي إليه الكتاب. وهذا من مقابلة الثناء على آيات الكتاب الحكيم بضد ذلك في ذم ما يأتي به بعض الناس، وهذا تخلّص من المقدمة إلى مَدخل للمقصود وهو تفظيع ما يدعو إليه النضر بن الحارث ومشايعوه من اللهو بأخبار الملوك التي لا تكسب صاحبها كمالاً ولا حكمة. وتقديم المُسند في قوله {من الناس} للتشويق إلى تلقي خبره العجيب. والاشتراء كناية عن العناية بالشيء والاغتباط به وليس هنا استعارة بخلاف قوله {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} تفسير : في سورة البقرة (16)؛ فالاشتراء هنا مستعمل في صريحه وكنايته: فالصريح تشويه لاقتناء النضر بن الحارث قِصص رستم وإسفنديار وبهرام، والكناية تقبيح للذين التّفوا حوله وتلقّوا أخباره، أي من الناس من يشغله لهو الحديث والولع به عن الاهتداء بآيات الكتاب الحكيم. واللهو: ما يُقصد منه تشغيل البال وتقصير طول وقت البطالة دون نفع، لأنه إذا كانت في ذلك منفعة لم يكن المقصود منه اللهو بل تلك المنفعة. و{لهو الحديث} ما كان من الحديث مراداً للهو فإضافة {لهو} إلى {الحديث}على معنى {مِن} التبعيضية على رأي بعض النحاة، وبعضهم لا يثبت الإضافة على معنى {من} التبعيضية فيردها إلى معنى اللام. وتقدم اللهو في قوله {أية : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} تفسير : في سورة الأنعام (32). والأصح في المراد بقوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} أنه النضر بن الحارث فإنه كان يسافر في تجارة إلى بلاد فارس فيتلقى أكاذيب الأخبار عن أبطالهم في الحروب المملوءة أكذوبات فيقصّها على قريش في أسمارهم ويقول: إن كان محمد يحدثكم بأحاديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وإسفنديار وبهرام. ومن المفسرين من قال: إن النضر كان يشتري من بلاد فارس كُتب أخبار ملوكهم فيحدث بها قريشاً، أي بواسطة من يترجمها لهم. ويشمل لفظ {النَّاس} أهل سامره الذين ينصتون لما يقصه عليهم كما يقتضيه قوله تعالى إثره {أولئك لهم عذاب مهين}. وقيل المراد بــــ {من يشتري لهو الحديث} من يقتني القينات المغنيات. روى الترمذي عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمان عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا خير في تجارةٍ فيهن وثمنُهن حرام»،تفسير : في مثل ذلك أُنزلت هذه الآية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث سمعت محمداً ــــ يعني البخاري ــــ يقول علي بن يزيد يضعف اهــــ. وقال ابن العربي في «العارضة»: في سبب نزولها قولان: أحدهما أنها نزلت في النضر بن الحارث. الثاني أنها نزلت في رجل من قريش قيل هو (ابن خطل) اشترى جارية مغنية فشغل الناس بها عن استماع النبي صلى الله عليه وسلم اهــــ. وألفاظ الآية أنسب انطباقاً على قصة النضر بن الحارث. ومعنى {ليضل عن سبيل الله} أنه يفعل ذلك ليلهي قريشاً عن سماع القرآن فإن القرآن سبيل موصل إلى الله تعالى، أي إلى الدين الذي أراده، فلم يكن قصده مجرد اللهو بل تجاوزه إلى الصد عن سبيل الله، وهذا زيادة في تفظيع عمله. وقرأ الجمهور {ليُضل}بضم الياء. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، أي ليزداد ضلالاً على ضلاله إذ لم يكتف لنفسه بالكفر حتى أخذ يبث ضلاله للناس، وبذلك يكون مآل القراءتين متحدّ المعنى. ويتعلق {ليضل عن سبيل الله} بفعل {يشتري}ويتعلق به أيضاً قوله {بغير علم}لأن أصل تعلق المجرورات أن يرجع إلى المتعلَّق المبني عليه الكلام، فالمعنى: يشتري لهو الحديث بغير علم، أي عن غير بصيرة في صالح نفسه حيث يستبدل الباطل بالحق. والضمير المنصوب في {يتخذها}عائد إلى {سبيل الله،}فإن السبيل تؤنث. وقرأ الجمهور {ويتخذُها}بالرفع عطفاً على {يشتري،}أي يشْغل الناس بلهو الحديث ليصرفهم عن القرآن ويتخذ سبيل الله هزؤاً. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بالنصب عطفاً على {ليضل،}أي يلهيهم بلهو الحديث ليضلهم وليتخذ دين الإسلام هزءاً. ومآل المعنى متّحد في القراءتين لأن كلا الأمرين من فعله ومن غرضه. وأما الإضلال فقد رُجح فيه جانب التعليل لأنه العلة الباعثة له على ما يفعل. والهزؤ: مصدر هَزأ به إذا سخر به كقوله {أية : ولا تتخذوا آيات الله هزؤاً}تفسير : [البقرة: 231] ولما كان {من يشتري لهو الحديث}صادقاً على النضر بن الحارث والذين يستمعون إلى قصصه من المشركين جيء في وعيدهم بصيغة الجمع {أولئك لهم عذاب مهين}. واختير اسم الإشارة للتنبيه على أن ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر إنما استحقه لأجل ما سبق اسمَ الإشارة من الوصف. وجملة {أولئك لهم عذاب مهين} معترضة بين الجملتين جملة {من يشتري} وجملة {وإذا تتلى عليه آياتنا} فهذا عطف على جملة {يشتري} الخ. والتقدير: ومن الناس من يشتري الخ و{إذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبراً}؛ فالموصول واحد وله صلتان: اشتراء لهو الحديث للضلال، والاستكبار عندما تتلى عليه آيات القرآن. ودل قوله {تتلى عليه} أنه يواجه بتبليغ القرآن وإسماعه. وقوله {وَلَّىٰ}تمثيل للإعراض عن آيات الله كقوله تعالى {أية : ثم أدبر يسعى}تفسير : [النازعات: 22]. و{مُسْتَكْبِراً} حال، أي هو إعراض استكبار لا إعراض تفريط في الخير فحسب. وشُبه في ذلك بالذي لا يسمع الآيات التي تتلى عليه، ووجه الشبه هو عدم التأثر ولو تأثراً يعقبه إعراضٌ كتأثر الوليد بن المغيرة. و{كأنْ} مخففة من (كأنَّ) وهي في موضع الحال من ضمير {مستكبراً}. وكرر التشبيه لتقويته مع اختلاف الكيفية في أن عدم السمع مرة مع تمكن آلة السمع ومرة مع انعدام قوة آلته فشبه ثانياً بمن في أذنيه وقر وهو أخص من معنى {كأن لم يسمعها.}ومثل هذا التشبيه الثاني قول لبيد:شعر : فتنازعا سَبِطاً يَطير ظلاله كدخان مُشْعَلَةٍ يشِبّ ضِرامها مشموله غُلِثتْ بنابت عَرْفَج كدُخان نارٍ سَاطِع أسنامُها تفسير : والوقر: أصله الثقل، وشاع في الصمم مجازاً مشهوراً ساوى الحقيقة، وقد تقدم في قوله {أية : وفي آذانهم وقراً} تفسير : في سورة الأنعام (25). وقرأ نافع {في أذْنيه} بسكون الذال للتخفيف لأجل ثقل المثنى، وقرأه الباقون بضم الذال على الأصل. وقد ترتب على هذه الأعمال التي وصف بها أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُوعِده بعذاب أليم. وإطلاق البشارة هنا استعارة تهكمية، كقول عمرو بن كلثوم:شعر : فعجَّلْنا القِرى أنْ تشتمونا تفسير : وقد عذب النضر بالسيف إذ قتل صبراً يوم بدر، فذلك عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة أشد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن الناس: أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث بن كلدة حليف قريش. لهو الحديث: أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء. ليضل عن سبيل الله: أي ليصرف الناس عن الإِسلام ويبعدهم عنه فيضلوا. ويتخذها هزواً: أي ويتخذ الإِسلام وشرائعه وكتابه هزوا أي مهزوءاً به مسخوراً منه. ولَّى مستكبرا: أي رجع في كبرياء ولم يستمع إليها كفراً وعناداً وكبراً كأن لم يسمعها. في أُذنيه وقراً: أي ثقل يمنع من السماع كالصمم. بغير عمد ترونها: أي بدون عمد مرئية لكم ترفعها حتى لا تقع على الأرض. رواسي: أي جبال راسية في الأرض بها ترسو الأرض أي تثبت حتى لا تميل. وبث فيها من كل دابة: أي وخلق ونشر فيها من صنوف الدواب وهي كل ما يدب في الأرض. من كل زوج كريم: أي من كل صنف من النباتات جميل نافع لا ضرر فيه. هذا خلق الله: أي المذكور مخلوقه تعالى إذ هو الخالق لكل شيء. من دونه: أي من الآلهة المزعومة التي يعبدها الجاهلون. بل الظالمون: أي المشركون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى عباده المحسنين وأثنى عليهم بخير وبشرهم بالفلاح والفوز المبين ذكر صنفا آخر على النقيض من الصنف الأول الكريم فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث الكلدي حليف قريش يشتري لهو الحديث أي الغناء إذ كان يشتري الجواري المغنيات ويفتح ناديا للهو والمجون ويدعو الناس إلى ذلك ليصرفهم عن الإِسلام حتى لا يجلسوا إلى نبيّه ولا يقرأوا كتابه بغير علم منه بعاقبة صنيعه وما يكسبه من خزي وعار وعذاب النار. وقوله {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} أي يتخذ سبيل الله التي هي الإِسلام هزواً أي شيئا مهزوءاً به مسخوراً منه بما في ذلك الرسول والمؤمنون والآيات الكلّ يهزأ به ويسخر منه لجهله وظلمة نفسه. قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ} لهم عذاب مهين أي أولئك البعداء وهم كل من يشتري الغناء يغني به نساء ورجال أو آلات ممن اتخذوا الإِسلام وشرائعه هزواً وسخرية ليصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله الموصلة إلى رضاه ومحبته وجنّته. أولئك مَنْ تِلك صفتهم لهم عذاب مهين بكسر أنوفهم وبذلهم يوم القيامة وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً}. أي وإذا قُرئت على هذا الصنف من الناس آيات الله لتذكيره وهدايته رجع مستكبراً كأن لم يسمعها تتلى عليه وهي حالة من أقبح الحالات لدلالتها على خبث هذا الصنف من الناس وكبرهم. وقوله {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} كأن به صمم لا يسمع القول وهنا عَجَّلَ الله له بما يحزنه ويخزيه فقال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والتبشير بما يضر ولا يسر يحمل معه التهكم وهذا النوع من الناس مستحق لذلك وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا} هذا صنف آخر مقابل لما قبله وهم أهل الإِيمان والعمل الصالح بشرهم ربهم بجنات النعيم والخلود فيها وقوله {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أي وعدهم بذلك وعداً صادقاً لا يخلف وأحقه لهم حقاً لا يسقط. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي الغالب الذي لا يُحال بينه وبين مُراده الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. وقوله {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي من مظاهر قدرته وعزته وحكمته خلقه السماوات ورفعها بغير عمد مرئية لكم وفي هذا التعبير إشارة إلى أن هناك أعمدة غير مرئية وهي سنّة نظام الجاذبية التي خلقها بقدرته وجعل الأجرام السماوية متماسكة بها. وقوله: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي من مظاهر قدرته وحكمته إلقاء الجبال الرواسي على الأرض لتحفظ توازنها حتى لا تميل بأهلها فيفسد ويسقط ما عليها وتنعدم الحياة عليها وهو معنى {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي تميل، وإذا مالت تصدع كل ما عليها وخرب وقوله: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} وهذا مظهر آخر من مظاهر القدرة والعلم والحكمة الموجبة للإِيمان بالله ولقائه والمستلزمة لتوحيده تعالى في عبادته، فسائر أنواع الدواب على كثرتها واختلافها الله الذي خلقها وفرقها في الأرض تعمرها وتزيّنها. وقوله {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وهو ماء المطر {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي صنف من أصناف الزروع والنباتات مما هو نافع وصالح للإِنسان هذا المذكور أيضاً مظهر من مظاهر القدرة الإِلهية والعلم والحكمة الربّانية الموجبة للإِيمان بالله وآياته ولقائه وتوحيده في عباداته ومن هنا قال تعالى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} أي كل ما ذكر من المخلوقات في هذه الآيات هو مخلوق لله والله وحده خالقه فأروني أيها المشركون المكذبون ماذا خلق الذين تعبدونهم من دونه من سائر المخلوقات يتحداهم بذلك. فعجزوا. وقوله تعالى {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إنهم عبدوا غير الله وكذبوا بلقاء الله لا عن علم لديهم أو شبهة كانت لهم بل الظالمون وهم المشركون في ضلال مبين فهم تائهون في أودية الضلال حيارى بجهلهم في حياتهم فدواؤهم العلم والإِيمان فمتى آمنوا وعلموا لم يبق مجال لكفرهم وشركهم وعنادهم فلهذا فصَّل تعالى الآيات وعرض الأدلة والحجج عرضاً عجيباً لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا فيكملوا ويسعدوا فضلاً منه ورحمة. وهو العزيز الرحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) حرمة غناء النساء للرجال الأجانب. 2) حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والاسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال. 3) حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه. 4) دعوة الله تقوم على دعامتي الترهيب والترغيب والبشارة والنذارة. 5) بيان شتَّى مظاهر القدرة والعلم والعز والحكمة الموجب للإِيمان والتوحيد. 6) لا قصور في الأدلة والحجج الإِلهية وإنما ضلال العقول بالشرك والمعاصي هو المانع من الاهتداء. والعياذ بالله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} (6) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ السُّعَداءِ الذِينَ يَهْتَدُون بكِتَابِ اللهِ وآياتِهِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِسَمَاعِها، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ الأَشقِياءِ الذينَ أَعْرَضُوا عَنِ الانْتِفَاعِ بِكِلاَمِ اللهِ وَآيَاتِهِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى مَا لاَ فَائِدَةَ منْهُ يَتَلَهَّوْنَ بهِ مِنْ لَغْو الحَدِيثِ، ليُضِلُّوا النَّاسَ عَنِ السَّبيلِ الذِي يُوصِلُ إلى اللهِ. وهؤُلاءِ يُجَازِيهِمُ اللهُ، يَومَ القِيامَةِ، بالعذابِ المُخزِي المُهِينِِ. (هذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الحَارِثِ فقَدِ اشْتَرى جَارِيَةً مُغَنِّيَةً (قَيْنَةً) وَكَانَ إِذا سَمِعَ بأَحَدٍ يُريدُ الإِسْلاَمَ انطَلَقَ بِهِ إِلى قَيْنَتِهِ، فَيَقُولُ لَها أَطْعِمِيهِ واسْقِيهِ وَغَنِّيهِ، هذا خَيرٌ مِمَّا يدعُوا إليهِ مُحَمَّدٌ). لَهو الحَدِيثِ - الحَديثُ البَاطِلُ المُلْهِي عَنِ الخَيْرِ. هُزُواً - سُخْرِيَةً - مَهْزُوءاً بِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه الكتاب وآياته، وأن فيه هدى ورحمة لمن اتبعه وفلاحاً لمن سار على هديه يبين لنا أن هناك نوعاً آخر من الناس ينتفعون بالضلال ويستفيدون منه، وإلا ما راجتْ سوقه، ولما انتشر بين الناس أشكالاً وألواناً. لذلك نرى للضلال فئة مخصوصة حظهم أن يستمر وأن ينتشر لتظل مكاسبهم، ولتظل لهم سيادتهم على الخَلْق وعبوديتهم لهم واستنزاف خيراتهم. وطبيعي إنْ وُجِد قانون يعيد توازن الصلاح للمجتمع لا يقف في وجهه إلا هؤلاء يحاربونه ويحاربون أهله ويتهمونهم ويُشككون في نواياهم، بل ويواجهونهم بالسخرية والاستهزاء مرة وبالتعدي مرة أخرى. وربما قطعوا عليهم سبل الحياة، كما عزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِعْب أبي طالب، ثم يُكرهون أهل الحق على الهجرة والخروج من أموالهم وأهلهم إلى الحبشة مرة، وإلى المدينة مرة أخرى، لماذا؟ لأن حياتهم تقوم على هذا الضلال فلا بُدَّ أنْ يحافظوا عليه. والحق سبحانه يبين لنا أن هؤلاء الذين يحاربون الحق ويقفون في وجه الدعوة إلى الإيمان يعرفون تماماً أنهم لو تركوا الناس يسمعون منهج الله وداعي الخير لا بُدَّ أنْ يميلوا إليه؛ لذلك يَحُولُون بين آذان الناس ومنطق الحق، فهم الذين قالوا للناس: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..} تفسير : [فصلت: 26]. وما ذلك إلا لأنهم واثقون من لغة القرآن وجمال أسلوبه، واستمالته للقلوب بحلو بيانه، فلو سمعتْه الأذن العربية لا بُدَّ وأنْ تتأثر به، وتقف على وجوه إعجازه، وتنتهي إلى الإيمان. فإذا ما أفلتَ منهم أحد، وانصرف إلى سماع الحق أتوْهُ بصوارف أخرى وأصوات تصرفه عن الحق إلى الباطل. وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} [لقمان: 6] من هنا للتبعيض أي: الناس المستفيدون من الضلال، والذين يسؤوهم أنْ يأتم الناس جميعاً بمنطق واحد، وهدف واحد؛ وهدى واحد لأن هذه الوحدة تقضي على تميزهم وجبروتهم وظلمهم في الأرض؛ لذلك يبذلون قصارى جهدهم في الضلال {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 6] قوله تعالى: {يَشْتَرِي} [لقمان: 6] من الشراء الذي يقابله البيع، والشراء أنْ تدفع ثمناً وتأخذ في مقابله مُثمناً، وهذا بعدما وُجِد النقد، لكن قبل وجود النقد كان الناس يتعاملون بالمقايضة والتبادل سلعة بسلعة، وفي هذه الحالة فكل سلعة مباعة وكل سلعة مشتراة، وكل منهما بائع ومُشْتر. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} تفسير : [يوسف: 20]. والمعنى: شروه أي: باعوه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 207]. أي: يبيعها، إذن: الفعل (شَرَى) يأتي بمعنى البيع، وبمعنى الشراء. أما إذا جاء الفعل بصيغة (اشترى) فإنه يدل على الشراء الذي يُدفع له ثمن، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..} تفسير : [آل عمران: 199]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111]. وعادة تدخل الباء على المتروك تقول: اشتريتُ كذا بكذا وحين نتأمل قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] نجد أن هذه عملية تحتاج إلى طلب للشيء المشترَى، ثم إلى ثمن يُدفع فيه، وليت الشراء لشيء مفيد إنما {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] وهذه سلعة خسيسة. إذن: هؤلاء الذين يريدون أنْ يصدوا عن سبيل الله تحملوا مشقة الطلب، وتحملوا غُرْم الثمن، ثم وُصِفوا بالخيبة لأنهم رَضُوا بسلعة خسيسة، والأدهى من ذلك والأمرّ منه أن يضعوا هذا في مقابل الحق الذي جاءهم من عند الله على يد رسوله بلا تعب وبلا مشقة وبلا ثمن، جاءهم فضلاً من عند الله وتكرماً: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الشورى: 23]. فأيُّ حمق هذا الذي يوصفون به؟ وكلمة اللهو: ذكر القرآن اللهو وذكر اللعب في عدة آيات، قدَّمت اللعب على اللهو في قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 32]. وفي قوله تعالى: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [الحديد: 20]. وقدمت اللهو في قوله تعالى: {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} تفسير : [العنكبوت: 64]. فقدمت الآيات اللعب في آيتين؛ لأن اللعب أن تصنع حركة غير مقصودة لمصلحة، كما يلعب الأطفال، يعني: حركة لا هدفَ لها، ونقول عنها (لعب عيال) وسُمِّيت لعباً؛ لأن الطفل يلعب قبل أنْ يُكلِّف بشيء، فلم يشغل باللعب عن غيره من المهمات. لكن إذا انتقل إلى مرحلة التكليف، فإن اللعب يشغله عن شيء طُلب منه، ويُسمَّى في هذه الحالة لهواً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} تفسير : [الجمعة: 11]. إذن: فاللهو هو الشيء الذي لا مصلحة فيه، ويشغلك عن مطلوب منك. فآية سورة العنكبوت التي قدمت اللهو على اللعب تعني أن أمور الاشتغال بغير الدين قد بلغت مبلغاً، وأن الفساد قد طمَّ واستشرى الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب، فهذه أبلغ في المعنى من تقديم اللعب؛ لأن اللعب لم يُلهه عن شيء. لكن، ما اللهو الذي اشتروه ليصرفوا الناس به عن الحق وعن دعوة الإسلام؟ إنهم لما سمعوا القرآن فيه قصصاً عن عاد وثمود، وعن مدين وفرعون .. الخ، فأرادوا أنْ يشغلوا الناس بمثل هذه القصص. وقد ذهب واحد منهم وهو النضر بن الحارث إلى بلاد فارس وجاءهم من هناك بقصص مسلية عن رستم وعن الأكاسرة وعن ملوك حِمْيَر، اشتراها وجاء بها، وجعل له مجلساً يجتمع الناس فيه ليقصّها عليهم، ويصرفهم بسماعها عن سماع منطق الحق في رسول الله. وآخر يقول: بل جاء أحدهم بمغنية تغنيهم أغاني ماجنة متكسرة. ومعنى: {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] قال العلماء: هو كل ما يُلهي عن مطلوب لله، وإنْ لم يكُنْ في ذاته في غير مطلوب الله لَهْواً، وعليه فالعمل الذي يُلهي صاحبه من صناعة أو زراعة .. الخ يُعَدُّ من اللهو إنْ شغله مثلاً عن الصلاة، أو عن أداء واجب لله تعالى. ومن التصرفات ما يُعَدُّ لهواً، وإنْ لم يشغلك عن شيء كالغناء، وللعلماء فيه كلام كثير خاصة بعد أنْ صاحبته الموسيقى وآلات الطرب والحركات الخليعة الماجنة، ولفقهائنا القدامى رأيهم في هذا الموضوع، لكن العلماء المحدثين والذين يريدون أنْ يُجيزوا هذه المسألة يأخذون من كلام القدماء زاوية ويُطبِّقونها على غير كلامهم. نعم، أباح علماؤنا الأُنْس بالغناء في الأفراح وفي الأعياد اعتماداً على حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الذي رأى جاريتين تغنيان في بيت رسول الله فنهرهما، وقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعهما، فإننا في يوم عيد" . تفسير : وكذلك أباحوا الأناشيد التي تقال لتلهب حماس الجنود في الحرب، أو التي ينشدها العمال ليطربوا بها أنفسهم وينشغلوا بها عن متاعب العمل، أو المرأة التي تهدهد ولدها لينام. ومن ذلك حداء الإبل لتسرع في سيرها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة: "حديث : رفقاً بالقوارير" تفسير : فشبَّه النساء في لُطفهن ورقّتهن بالقوارير، فإذا ما أسرعتْ بهن الإبل هُزَّت بهن الهوادج، وهذا يشقُّ على النساء. إذن: لا مانع من كل نصٍّ له غرض نبيل، أما إنْ أهاج الغرائز فهو حرام - والكلام هنا عن مجرد النص - لأن الخالق سبحانه يعلم طبيعة الغرائز في البشر؛ لذلك نسميها غريزة؛ لأن لها عملاً وتفاعلاً في نفسك بدون أيِّ مؤثرات خارجية، ولها طاقة لا بُدَّ أنْ تتحرك، فإنْ أثرْتَها أنت ثارتْ ونزعتْ إلى ما لا تُحمدَ عُقْباه. وسبق أن أوضحنا أن مراتب الشعور ثلاث: يدرك بحواسه، ثم وجدان يتكوَّن في النفس نتيجة للإدراك، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان. ومن رحمة الله بنا أن الشرع لا يتدخل في هذه المسألة إلا في مرحلة النزوع، فيقول لك: قِفْ لا تمدّ يدك إلى ما ليس لك: ومثَّلنا لهذه المسألة بالوردة تراها في البستان، ويُعجبك منظرها، وتجذبك رائحتها فتعشقها وهذا لك، فإن مددْتَ يدك لتقطفها يقول لك الشارع قِفْ ليس من حقك. إذن: فالشارع الحكيم لا يتدخَّل في مرحلة الإدراك، ولا في المواجيد إلا في مسألة واحدة لا يمكن الفصل فيها بين الإدراك والوجدان والنزوع، لأنها جميعها شيء واحد، إنها عملية نظر الرجل إلى المرأة التي لا تحل له، لماذا هذه المسألة بالذات؟ قالوا: لأنها لا تقف عند حَدِّ الإعجاب بالمنظر، إنما يُورثك هذا الإعجاب انفعالاً خاصاً في نفسك، ويُورثك تشكلاً خاصاً لا يهدأ، إلا بأن تنزع، فرحمة بك يا عبدي أنا سأتدخل في هذا الأمر بالذات من أوله، وأمنعك من مجرد الإدراك، لأنك إنْ أدركتَ وجدتَ، وإنْ وجدتَ نزعتَ إلى ما تجد فأثمت في أعراض الناس أو كبت في نفسك، فأضررتَ بها، وربك يريد أنْ يُبرئك من الإثم ومن الإضرار بالنفس، فالأسلم لكم أنْ تغضُّوا أبصاركم. إذن: لا تقُل الغناء لكن قُلْ النص نفسه: إنْ حثَّ على فضيلة فهو حلال، وإنْ أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يُشبِّب بالمرأة ويذكر مفاتنها، فهذا حرام حتى في غير الغناء، فإذا ما أضفتَ إليه الموسيقى والألحان والتكسر والميوعة ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أما ما نراه الآن وما نسمعه مما يُسمُّونه غناء، وما يصاحبه من حركات ورقصات وخلاعات وموسيقى صاخبة، فلا شكّ في حرمته. فكل ما يُخرِج الإنسان عن وقاره ورزانته وكل ما يجرح المشاعر المهذبة فهو حرام، ثم إن الغناء صوت فإنْ خرج عن الصوت إلى أداء آخر مُهيّج، تستعمل فيه الأيدي والأرجل والعينان والوسط .. الخ فهذا كله باطل ومحرم. ولا ينبغي للمؤمن الذي يملك زمام نفسه أن يقول: إنهم يفرضون ذلك علينا، فالمؤمن له بصيرة يهتدي بها، ويُميز بين الغثِّ والسمين، والحق والباطل، فكُنْ أنت حكماً على ما ترى وما تسمع، بل ما يرى وما يسمع أهلك وأولادك، وبيدك أنت الزمام إنْ شئتَ سمعتَ، وإنْ شئتَ أغلقتَ الجهاز، فلا حجة لك لأن أحداً لا يستطيع أنْ يجبرك على سماع أو رؤية ما تكره. ففي رمضان مثلاً، وهو شهر للعبادة نصوم يومه، ونقوم ليله، وينبغي أن نكرمه، ونحتفظ فيه بالوقار والروحانية، ومع ذلك يخرجون علينا بألوان اللهو الذي يتنافى والصيام، فإنْ سألتهم قالوا: الناس مختلفو الأمزجة، وواجبنا أن نوفر لهم أمزجتهم، لكن للمؤمن ولاية على نفسه وهو يملك زمامها، فلا داعي أن تتهم أحداً ما دام الأمر في يدك، وعليك أن تنفذ الولاية التي ولاك الله، فإنْ فعلتَ ففي يدك خمسة وتسعون بالمائة من حركة الحياة، ولغيرك الخمسة الباقية. ثم إن ما يحلّ من الغناء مشروط بوقت لا يكون سمة عامة ولا عادة مُلِحّة على الإنسان يجعلها ديدنه؛ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : روِّحوا القَلوب ساعة بعد ساعة ". تفسير : وهؤلاء المغنون والمغنيات الذين يُدخِلون في الغناء ما ليس منه من الحركات والرقصات لا يدرون أنهم يثيرون الغرائز، ويستعدون على الشباب غير القادر على الزواج، ويلهبون مشاعر الناس ويثيرون الغيرة .. الخ. إذن: القضية واضحة لا تحتاج منا إلى فلسفة حول حكم الغناء أو الموسيقى، فكل ما يثير الغرائز، ويُخرجك عن سَمْت الاعتدال والوقار فهو باطل وحرام، سواء أكان نصاً بلا لحن، أو لحناً بدون أداء، أو أداء مصحوباً بما لا دخلَ له بالغناء. لكن، لماذا يكلفون أنفسهم ويشترون لهو الحديث؟ العلة كما قال الحق سبحانه: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [لقمان: 6] وفرْق بين مَنْ يشتري اللهو لنفسه يتسلى به، ويقصر ضلاله على نفسه وبين مَنْ يقصد أن يَضِلَّ ويُضل غيره؛ لذلك فعليه تبعة الضَّلالَيْن: ضلالة في نفسه، وإضلاله لغيره. وقوله: {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [لقمان: 6] لا يقتصر على الغناء والكلام، إنما يشمل الفعل أيضاً، وربما كان الفعل أغلب. وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6] يدل على عدم معرفتهم حتى بأصول التجارة في البيع والشراء، فالتاجر الحق هو الذي يشتري السلعة، بحيث يكون نفعها أكثر من ثمنها، أما هؤلاء فيشترون الضلال؛ لذلك يقول الحق عنهم: {أية : فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} تفسير : [البقرة: 16]. والسبيل: هو الطريق الموصل إلى الخير من أقصر طريق، وهو الصراط المستقيم الذي قال الله تعالى عنه {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] لذلك نقول في علم الهندسة: المستقيم هو أقصر بُعد بين نقطتين. وقوله: {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} [لقمان: 6] أي: السبيل؛ لأن السبيلِ تُذكَّر وتؤنث، تُذكَّرِ باعتبار الطريق، كقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف: 146]. وتُؤنَّث على اعتبار الشِّرْعة، كقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} تفسير : [يوسف: 108]. هؤلاء الذين يشترون الضلال لإضلال الناس لا يكتفون بذلك، إنما يسخرون من أهل الصلاح، ويهزأون من أصحاب الطريق المستقيم والنهج القويم، ويُسفِّهون رأيهم وأفعالهم. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا كله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] أولئك: أي الذين سبق الحديث عنهم، وهم أهل الضلال {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] ووصْف العذاب هنا بالمهانة دليل على أن من العذاب ما ليس مُهيناً، بل ربما كان تكريماً لمن وقع عليه كالرجل الذي يضرب ولده ليُعلِّمه ويُربِّيه، فهو يضربه لا ليعذبه ويؤلمه ويهينه، إنما لكي لا يعود إلى الخطأ مرة أخرى. على حَدِّ قول الشاعر: شعر : فَقَسَا لِيزْدجِرُوا ومَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيقسُ أحْيَاناً على مَنْ يَرْحَمُ تفسير : إذن: فمن العذاب ما هو تذكير وتطهير أو ترضية وتكريم لمستقبل، وإنما سُمِّي عذاباً تجاوزاً، فهو في هذه الحالة لا يُعَدُّ عذاباً. وفي هذا المعنى قال الزمخشري رضي الله عنه: الملك يكون عنده الخادم، فيفعل ما لا يُرضي سيده، فيأمر صاحب الشرطة أنْ يأخذه ويعذبه جزاء ما فعل، فيأخذه الشرطي ويُعذِّبه بقدر لا يتعداه، لأنه يعلم أنه سيعود مرة أخرى إلى خدمة السيد، فالعذاب في هذه الحالة يكون بقدر ما فعل الخادم ليس مهيناً له. لكن إنْ قال له: خُذْ هذا الخادم واقْصِه عن الخدمة أو افصله، يعني: ليست له عودة فلا شكَّ أن العذاب سيكون مهيناً وأليماً. فالعذاب إنْ سمَّيناه عذاباً يكون إكراماً لمن تحب وتريد أن تطهره، أما العذاب المهين فهو لمن لا أمل في عودته، والإهانة تقتضي الأبدية والخلود. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} [الآية: 6]. قال: هو اشتراءُ المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إِليهم، وإِلى مثله من الباطل. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، في قوله: {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} [الآية: 6]. قال: يتخذ سبيل الله هزوا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً} [الآية: 7]. يعني: ثقلا.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدثنا علي بن أحمد. قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} معناه الغِناءُ والمُغنياتُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ } هو محروم مخذول { يَشْتَرِي } أي: يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء. { لَهْوَ الْحَدِيثِ } أي: الأحاديث الملهية للقلوب، الصادَّة لها عن أجلِّ مطلوب. فدخل في هذا كل كلام محرم، وكل لغو، وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر، والفسوق، والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق، المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومن غيبة، ونميمة، وكذب، وشتم، وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الماجريات الملهية، التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا. فهذا الصنف من الناس، يشتري لهو الحديث، عن هدي الحديث { لِيُضِلَّ } الناس { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: بعدما ضل بفعله، أضل غيره، لأن الإضلال، ناشئ عن الضلال. وإضلاله في هذا الحديث; صده عن الحديث النافع، والعمل النافع، والحق المبين، والصراط المستقيم. ولا يتم له هذا، حتى يقدح في الهدى والحق، ويتخذ آيات اللّه هزوا ويسخر بها، وبمن جاء بها، فإذا جمع بين مدح الباطل والترغيب فيه، والقدح في الحق، والاستهزاء به وبأهله، أضل من لا علم عنده وخدعه بما يوحيه إليه، من القول الذي لا يميزه ذلك الضال، ولا يعرف حقيقته. { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } بما ضلوا وأضلوا، واستهزءوا [بآيات اللّه] وكذبوا الحق الواضح. ولهذا قال { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا } ليؤمن بها وينقاد لها، { وَلَّى مُسْتَكْبِرًا } أي: أدبر إدبار مستكبر عنها، رادٍّ لها، ولم تدخل قلبه ولا أثرت فيه، بل أدبر عنها { كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا } بل { كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا } أي: صمما لا تصل إليه الأصوات; فهذا لا حيلة في هدايته. { فَبَشِّرْهُ } بشارة تؤثر في قلبه الحزن والغم; وفي بشرته السوء والظلمة والغبرة. { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم لقلبه; ولبدنه; لا يقادر قدره; ولا يدرى بعظيم أمره، وهذه بشارة أهل الشر، فلا نِعْمَتِ البشارة. وأما بشارة أهل الخير فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } جمعوا بين عبادة الباطن بالإيمان، والظاهر بالإسلام، والعمل الصالح. { لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ } بشارة لهم بما قدموه، وقرى لهم بما أسلفوه. { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: في جنات النعيم، نعيم القلب والروح، والبدن. { وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } لا يمكن أن يخلف، ولا يغير، ولا يتبدل. { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } كامل العزة، كامل الحكمة، من عزته وحكمته، وفق من وفق، وخذل من خذل، بحسب ما اقتضاه علمه فيهم وحكمته.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 766 : 1 : 4 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد في قوله {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} قال، الغناء. [الآية 6]. 767 : 2 : 5 - سفين عن عبد الكريم عن مجاهد قال، هو الغناء. وكل لعب لهو.

همام الصنعاني

تفسير : 2285- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}: [الآية: 6]، قال: أما والله لعله أن لا يكون أنفق فيه مالاً، وَبِحَسْبِ المرء مِنَ الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. 2286- قال عبد الرزاق، قال معمر، وبلغني أنها نزلت في بعض بني عبد الدار. 2287- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الكريم (الجزري)، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ}: [الآية: 6]، قال: هو الغِناءُ، وَكُلُّ لَعب لهو.