٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }. بين عزته وحكمته بقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } اختلف قول العلماء في السموات فمنهم من قال إنها مبسوطة كصفيحة مستوية، وهو قول أكثر المفسرين ومنهم من قال إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين، والغزالي رحمه الله قال نحن نوافقهم في ذلك فإن لهم عليها دليلاً من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان في الباب خبر نؤوله بما يحتمله، فضلاً من أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحاً، بل فيه ما يدل على الاستدارة كما قال تعالى: { أية : كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33] والفلك اسم لشيء مستدير، بل الواجب أن يقال بأن السموات سواء كانت مستديرة أو مصفحة فهي مخلوقة بقدرة الله لا موجودة بإيجاب وطبع، وإذا علم هذا فنقول السماء في مكان وهو فضاء لا نهاية له وكون السماء في بعضه دون بعض ليس إلا بقدرة مختارة وإليه الإشارة بقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ } أي ليس على شيء يمنعها الزوال من موضعها وهي لا تزول إلا بقدرة الله تعالى وقال بعضهم المعنى أن السموات بأسرها ومجموعها لا مكان لها لأن المكان ما يعتمد عليه ما فيه فيكون متمكناً والحيز ما يشار إلى ما فيه بسببه يقال ههنا وهناك على هذا قالوا إن من يقع من شاهق جبل فهو في الهواء في حيز إذ يقال له هو ههنا وهناك، وليس في مكان إذ لا يعتمد على شيء، فإذا حصل على الأرض حصل في مكان، إذا علم هذا فالسماوات ليست في مكان تعتمد عليه فلا عمد لها وقوله: {تَرَوْنَهَا } فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى السموات أي ليست هي بعمد وأنتم ترونها كذلك بغير عمد والثاني: أنه راجع إلى العمد أي بغير عمد مرئية، وإن كان هناك عمد غير مرئية فهي قدرة الله وإرادته. ثم قال تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كل زوج كريم }. أي جبالاً راسية ثابتة {أَن تَمِيدَ } أي كراهية أن تميد وقيل المعنى أن لا تميد، واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها، وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح، ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة كما نرى الأراضي الرملة ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، ثم قال تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } أي سكون الأرض فيه مصلحة حركة الدواب فأسكنا الأرض وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضي يناسب بعض الحيوانات لكانت الدابة التي لا تعيش في موضع تقع في ذلك الموضع فيكون فيه هلاك الدواب، أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك في المواضع التي تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها، ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } هذه نعمة أخرى أنعمها الله على عباده، وتمامها بسكون الأرض لأن البذر إذا لم يثبت إلى أن ينبت لم يكن يحصل الزرع ولو كانت أجزاء الأرض متحركة كالرمل لما حصل الثبات ولما كمل النبات، والعدول من المغايبة إلى النفس فيه فصاحة وحكمة، أما الفصاحة فمذكورة في باب الالتفات من أن السامع إذا سمع كلاماً طويلاً من نمط واحد، ثم ورد عليه نمط آخر يستطيبه ألا ترى أنك إذا قلت قال زيد كذا وكذا، وقال خالد كذا وكذا، وقال عمرو كذا ثم إن بكراً قال قولاً حسناً يستطاب لما قد تكرر القول مراراً. وأما الحكمة فمن وجهين أحدهما: أن خلق الأرض ثقيل، والسماء في غير مكان قد يقع لجاهل أنه بالطبع، وبث الدواب يقع لبعضهم أنه باختيار الدابة، لأن لها اختيار، فنقول الأول طبيعي والآخر اختياري للحيوان، ولكن لا يشك أحد في أن الماء في الهواء من جهة فوق ليس طبعاً فإن الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختياراً، إذ الماء لا اختيار له فهو بإرادة الله تعالى، فقال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء } الثاني: هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان، متكثرة في كل مكان، فأسنده إلى نفسه صريحاً ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته، وقوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ} أي من كل جنس، وكل جنس فتحته زوجان، لأن النبات إما أن يكون شجراً، وإما أن يكون غير شجر، والذي هو الشجر إما أن يكون مثمراً، وإما أن يكون غير مثمر، والمثمر كذلك ينقسم قسمين، وقوله تعالى: {كَرِيمٌ } أي ذي كرم، لأنه يأتي كثيراً من غير حساب أو مكرم مثل بغض للمبغض.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تكون «تَرَوْنَهَا» في موضع خفض على النعت لـ«ـعَمَد» فيمكن أن يكون ثَمّ عَمَد ولكن لا تُرَى. ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من «السَّمَوَات» ولا عَمَد ثَمّ الْبَتّة. النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفاً، ولا عَمَد ثَمّ؛ قاله مكيّ. ويكون «بِغَيْرِ عَمَدٍ» التمام. وقد مضى في «الرعد» الكلام في هذه الآية. {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت. {أَن تَمِيدَ} في موضع نصب؛ أي كراهية أن تميد. والكوفيون يقدّرونه بمعنى لئلا تميد. {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} عن ابن عباس: من كل لون حَسَن. وتأوّله الشعبيّ على الناس؛ لأنهم مخلوقون من الأرض؛ قال: من كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم، ومن كان منهم يصير إلى النار فهو اللئيم. وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب، وظاهر القرآن يدلّ على ذلك. قوله تعالى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} مبتدأ وخبر. والخلق بمعنى المخلوق؛ أي هذا الذي ذكرته مما تعاينون «خَلْقُ اللَّهِ») أي مخلوق الله، أي خلقها من غير شريك. {فَأَرُونِي} معاشر المشركين {مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام. {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ} أي المشركون {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي خسران ظاهر. و«ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء وخبره «ذا» وذا بمعنى الذي. و«خلق» واقع على هاء محذوفة؛ تقديره فأروني أي شيء خلق الذين من دونه؛ والجملة في موضع نصب بـ«ـأروني» وتضمر الهاء مع «خلق» تعود على الذين؛ أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه. وعلى هذا القول تقول: ماذا تعلمت، أنحوٌ أم شعر. ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب بـ«ـأروني» و«ذا» زائد؛ وعلى هذا القول يقول: ماذا تعلمت، أنحواً أم شعراً.
ابن كثير
تفسير : يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ} قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية، ولا غير مرئية. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد، لها عمد لا ترونها، وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته، {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها؛ لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: لئلا تميد بكم. وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات؛ مما لا يعلم عدد أشكالهاوألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق، نبه على أنه الرازق بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي: من كل زوج من النبات كريم، أي: حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضاً من نبات الأرض، فمن دخل الجنة، فهو كريم، ومن دخل النار، فهو لئيم. وقوله تعالى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي ذكره الله تعالى؛ من خلق السموات والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى: {فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}؟ أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد، {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} يعني: المشركين بالله، العابدين معه غيره {فِى ضَلَـٰلٍ} أي: جهل وعمى {مُّبِينٍ} أي: واضح ظاهر لا خفاء به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي العَمَد جمع عماد وهو الأسطوانة، وهو صادق بأن لا عمد أصلاً {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } جبالاً مرتفعة ل {أن } لا {تَمِيدَ } تتحرّك {بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا } فيه التفات عن الغيبة {مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } صنف حسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِغَيْرِ عَمَدٍ} وأنتم ترونها، أو بعمد لا ترونها. {أَن تَمِيدَ} تزول، أو تتحرك. {وَبَثَّ} بسط، أو فرق {دَآبَّةٍ} سمي به الحيوان لدبيبه والدبيب الحركة. {فَأَنبَتْنَا} الناس نبات الأرض فالكريم من دخل الجنة واللئيم من دخل النار، أو الأشجار والزروع {زَوْجٍ} نوع {كَرِيمٍ} حسن أو الثمر الطيب، أو النافع.
القشيري
تفسير : أمسك السماواتِ بقدرته بغير عِماد، وحفَظَهَا لا إلى سِناد أو مشدودةً إلى أوتاد، بل بحُكْم الله وبتقديره، ومشيئته وتدبيره. {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ...} في الظاهر الجبال، وفي الحقيقة الأَبدال والأوتاد الذين هم غياث الخلق، بهم يقيهم، وبهم يَصرِف البَلاءَ عن قريبهم وقاصيهم. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً...} المطر من سماء الظاهر في رياض الخُضْرَة؛ ومن سماء الباطن في رياض أهل الدنوِّ والحَضْرَة.
اسماعيل حقي
تفسير : {خلق الله} تعالى واوجد {السموات} السبع وكذا الكرسى والعرش {بغير عمد} بفتحتين جمع عماد كاهب واهاب وهو ما يعمد به اى يسند يقال عمد الحائط اذا دعمته اى خلقها بغير دعائم وسوارى على ان الجمع لتعدد السموات: وبالفارسية [بيافرد آسمانها را بى ستون] {ترونها} استئناف جيئ به للاستشهاد على ما ذكر من خلقه تعالى اياها غير معمودة بمشاهدتهم لها كذلك او صفة لعمد اى خلقها بغير عمد مرئية على ان التقييد للرمز على انه تعالى عمدها بعمد لا ترى هى عمد القدرة. واعلم ان وقوف السموات وثبات الارض على هذا النظام من غير اختلال انما هو بقدرة الله الملك المتعال ولله تعالى رجال خواص مظاهر القدرة هم العمد المعنوية للسموات والسبب الموجب لنظام العالم مطلقا وهم موجودون فى كل عنصر فاذا كان قرب القيامة يحصل لهم الانقراض والانتقال من هذه النشأة بلا خلف فيبقى العالم كشبح بلا روح فتنحل اجزاؤه انحلال اجزاء الميت ويرجع الظهور الى البطون ولا ينكر هذه الحال الا مغلوب القال نعوذ بالله من الانكار والاصرار {والقى فى الارض رواسى} الالقاء طرح الشئ حيث تلقاه وتراه ثم صار فى التعارف اسما لكل طرح. والرواسى جمع راسية من رسا الشئ يرسو اى ثبت والمراد الجبال الثوابت لانها ثبتت فى الارض وثبتت بها الارض شبه الجبال الرواسى استحقارا لها واستقلالا لعددها وان كانت خلقا عظيما بحصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن فى الارض وما هو الاتصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل فعل عظيم يتحير فيه الاذهان فهو هين عليه والمراد قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا اى تضطرب فلم يدر احد مم خلقت {ان تميد بكم} الميد اضطراب الشئ العظيم كاضطراب الارض يقال ماد يميد ميدا وميدانا تحرك واضطراب: وبالفارسية [الميد: جنبيدن وخراميدن] والباء للتعدية. والمعنى كراهة ان تميل بكم فان بساطة اجزائها تقتضى تبدل احيازها واوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته او لشئ من لوازمه بحيز معين ووضع مخصوص: وبالفارسية [تازمين شمارا نه جنباند يعنى حركت ندهد ومضرب نسازد جه زمين برروى آب متحرك بود جون كشتى وبجبال راسيات آرام يافت كما قال الشيخ سعدى قدس سره] شعر : جومى كسترانيد فرش تراب جو سجادة نيك مردان برآب زمين ازتب لرزه آمد ستوه فرو كفت بردامنش ميخ كوه تفسير : [درموضح ازضحاك نقل ميكنند كه حق سبحانه نوزده كوه را ميخ زمين كرد تابر جاى بايستاد ازجمله كوه قاف وابو قبيس وجودى ولبنان وسينين وطور سينا وفيران]. واعلم ان الجبال تزيد فى بعض الروايات على ما فيه الموضح كما سبق فى تفسير سورة الحجر. قال بعضهم الجبال عظام الارض وعروقها وهذا كقول من قال من اهل السلوك الشمس والقمر عينا هذا التعين والكواكب ليست مركوزة فيه وانما هى بانعكاس الانوار فى بعض عروقه اللطيفة وهذا لا يطلع عليه الحكماء وانما يعرف بالكشف {وبث} [وبرا كنده كرد] {فيها} [درزمين] {من كل دابة} من كل نوع من انواعها مع كثرتها واختلاف اجناسها. اصل البث اثارة الشئ وتفريقه كبث الريح التراب وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر فبث كل دابة فى الارض اشارة الى ايجاده تعالى ما لم يكن موجودا واظهاره اياه والدب والدبيب مشى خفيف ويستعمل ذلك فى الحيوان وفى الحشرات اكثر {وانزلنا من السماء} من السحاب لان السماء فى اللغة ما علاك واظلك {ماء} هو المطر {فانبتنا فيها} فى الارض بسبب ذلك الماء والالتفات الى نون العظمة فى الفعلين لا براز مزيد الاعتناء بامرهما {من كل زوج كريم} من كل صنف كثير المنفعة. قال فى المفردات وكل شئ يشرف فى بابه فانه يوصف بالكرم: وبالفارسية [ازهر صنف كياهى نيكو وبسيار منفعت] وكل ما فى العالم فانه زوج من حيث ان له ضدا ما او مثلا ما او تركبا ما من جوهر وعرض ومادة وصورة. وفيه تنبيه على انه لا بد للمركب من مركب وهو الصانع الفرد. واعلم وفقنا الله جميعا للتفكر فى عجائب صنعه وغرائب قدرته ان عقول ان عقول العقلاء وافهام الاذكياء قاصرة متحيرة فى امر النباتات والاشجار وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها وكيف لا وانت تشاهد اختلاف اشكالها وتباين الوانها وعجائب صور اوراقها وروائح ازهارها وكل لون من الوانها ينقسم الى اقسام كالحمرة مثلا كوردىّ وارجوانى وسوسنى وشقائقى وخمرى وعنابى وعقيقى ودموى ولكىّ وغير ذلك مع اشتراك الكل فى الحمرة ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضا واشتراك الكل فى طيب الرائحة وعجائب اشكال اثمارها وحبوبها واوراقها ولكل لون وريح وطعم وورق وثمر وزهر وحب وخاصية لا تشبه الاخرى ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها الا الله والذى يعرف الانسان من ذلك بالنسبة الى ما لا يعرفه كقطرة من بحر وقد اخرج الله تعالى آدم وحواء عليهما السلام من الجنة فبكيا على الفراق سنين كثيرة فنبت من دموعهما نباتات حارة كالزنجبيل ونحوه فلم يضيع دموعهما كما لم يضيع نطفته حيث خلق منها يأجوج ومأجوج اذ لا يلزم ان يكون نزول النطفة على وجه الشهوة حتى يرد انه لم يحتلم نبى قط وقد سبق البحث فيه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "بغير عمد": يتعلق بحال محذوفه، أي: مُمْسَكَةً أو مرفوعة بغير عمد، و(عمد): اسم جمع على المشهور، وقيل: جمع عماد أو عامد. وجملة (ترونها): إما استئنافية، لا محل لها، أو صفة لعمد. يقول الحق جل جلاله: {خلق السماواتِ} ورفعها {بغير عَمَدٍ ترونها}، الضمير: إما للسموات، أي: خلقها، ظاهرة, ترونها، أو لعمد، أي: بغير عمد مرئية بل بعمد خفية، وهي إمساكها بقدرته تعالى. {وألقى في الأرض رواسي} أي: جبالاً ثوابت، كراهة {أن تميد بكم} أي: لئلا تضطرب بكم، {وبثَّ}: نشر {فيها من كل دابةٍ وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوجٍ كريمٍ}؛ صنف من أصناف النبات، {كريم}: حسن بهيج، أو كثير المنفعة. وكأنه استدل بذلك على عزته، التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، فهي مقررة لقوله: (العزيز الحكيم). ثم أمر بالتفكر في هذه المصنوعات؛ استدلالاً على توحيده بقوله: {هذا خلقُ الله} أي: هذا الذي تُعاينونه من جملة مخلوقاته، {فأَرُوني ماذا خلقَ الذين من دونه}، يعني: آلهتهم. بكَّتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلق الله، فأروني ماذا خلق آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟ {بل الظالمون في ضلال مبين}، أضرب عن تبكيتهم؛ إلى التسجيل عليهم بالظلم والتورط في ضلال ليس بعده ضلال. الإشارة: خلق سموات الأرواح - وهو عالم الملكوت - مرفوعاً غنياً عن الاحتياج إلى شيء، وألقى في أرض النفوس - وهو عالم الأشباح - من العقول الراسخة، لئلا تميل إلى جهة الانحراف، إما إلى الحقيقة المحضة، أو الشريعة. ونشر في أرض النفوس دواب الخواطَر والوساوس، وأنبتنا فيها من علوم الحكمة والقدرة، من كل صنف بهيج قال القشيري: {وألقى في الأرض رواسي}؛ في الظاهر: الجبال، وفي الحقيقة: الأبدال، الذين هم أوتاد، بهم يقيهم، وبهم يَصرِف عن قريبهم وقاصيهم، {وأنزلنا من السماء ماء..}؛ المطر من سماء الظاهر في رياض الخُضْرَةَ، ومن سماء الباطن في رياض أهل الدنوِّ والحَضْرَة. هذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأروني ماذا خَلَقَ الذين عَبَدْتم من دونه في أرضه وسمائه؟ هـ. ثم ذكر قصة لقمان الذي وقع السؤال عنه فنزلت السورة، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ...}
الأعقم
تفسير : {خلق السماوات بغير عمد ترونها} قيل: ترونها بغير عمد يعني لا عمد لها وأنه عمدها بعمد لا يرى وهو إمساكها بقدرته {وألقى في الأرض رواسي} أي جبالاً {أن تميدَ بكم} كيلا تضطرب وتتحرك يميناً وشمالاً {وبث فيها من كل دابة} ما يدبّ على الأرض من أنواع الحيوان {وأنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} حسن {هذا خلق الله} ما تقدم ذكره {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} يعني آلهتكم الذين عبدتموها وسميتموها آلهة وهي لا تستحق ذلك {بل الظالمون في ضلال مبين} {ولقد آتينا لقمان الحكمة} لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة وأدرك داوود (عليه السلام)، وقيل: كان خياطاً، وقيل: نجاراً، وقيل: كان داعياً، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً، وروي أنه كان نبياً، وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة، وروي أنه كان عبداً أسود غليظ الشفتين، وروي أن رجلاً وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى في مكان كذا؟ قال: بلى، قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدقت الحديث والصمت عما لا يعنيني، وروي أنه دخل على داوود (عليه السلام) وهو يسرد الدروع وقد ليَّن الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت، وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام فأخرج اللسان والقلب، فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا {أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} أي نفعه له {ومن كفر فإن الله غني} عن الشاكرين وعن كل شيء لا يجوز عليه الحاجة {حميد} أي محمود فلا يجب الحمد إلا لله فله الحمد كثيراً دائماً {وإذ قال لقمان لابنه} قيل: اسم ابنه أنعم، وقيل: أشكم، وقيل: ابنه وامرأته كافرين فما زال بهما حتى أسلما {وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم} معناه لا تشرك بالله بأن تعبد معه غيره {ووصينا الإِنسان بوالديه} الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص حلفت أمه لا تأكل طعاماً حتى يرجع عن دين محمد فلما رأته بعد ثلاثة أيام لا يرجع عن الإِسلام أكلت، ومعنى وصيناه أمرناه بطاعة الوالدين وشكرهما {حملته أمه وهناً على وهن} أي ضعفاً على ضعف أو شدة بعد شدة، وقيل: الولد وصعق الأم {وفصاله في عامين} أي فطامه {أن اشكر لي} على نعمتي {ولوالديك} على نعمتهما {إليّ المصير} إلى حكمي المرجع، وروي عنه أنه قال: من صلى صلاة الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين عقيب الصلاة فقد شكر الوالدين {وإن جاهداك} على الكفر {أن تشرك بي ما ليس لك به علم} إشارة إلى بطلانه {فلا تطعهما} في ذلك {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} يعني إذا كانا كافرين فلا تترك برّهما وأحسن عشرتهما في أمور الدنيا وإن وجب مخالفتهما في الدين، فأما أبواب الدين: {واتبع سبيل من أناب إلي} أي سلك طريق العلماء وطريق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {إليّ مرجعكم} أي إلى حكمي {فأنبئكم بما كنتم تعملون} أي بأعمالكم.
اطفيش
تفسير : {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} هذه الجملة نعت لعمد وان قلت هذا يفهم انها بعمد لا ترى. قلت: اجل هي بعمد لا ترى وهي امساكها بقدرته تعالى وعن ابن عباس هن بعمد لا ترى فأما ان يريد عمدا الامساك بالقدرة او عمدا خافية غير ذلك او اقل لم يعتبر لذلك مفهوم بل هو كناية عن كونها لو كان لها عمد لكانت العمد مرئية فنفي النعت بنفي منعوته والمراد نفي المنعوت فالنفي متوجه الى المقيد فصدق ذلك بأنه لا عمد اصلا وضمير النعت للعمد ويجوز كون الجملة مستأنفة وضمير النصب للسماوات فتكون تأكيدا في المعنى لكونها بغير عمد واستشهادا ايضا على انها بغير عمد تقول لصاحبك انا كما تراني بلا سيف ولا رمح وانا بلا سيف ولا رمح تراني. والعمد جمع عماد وهو الاسطوانة. {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} جبالا ثوابت مرتفعة. {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} فيه حذف لام الجر ولا النافية الاصل لان لا تميد او حذف مضاف اي حذر ان تميد والميد التحرك يمينا وشمالا ونحو ذلك وقال القاضي: كراهة ان تميد بكم فان تشابه أجزاؤها يقتضي التبدل احيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته او لشيء من لوازمه بحين ووضع معين اهـ. وواضح ويأتي كلام في إلقاء الجبال وما قالت الملائكة ان شاء الله. {وَبَثَّ} فرق او خلق. {فِيهَا} في الأرض. {مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} تسكن فيها. {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً} رحمة للعباد وفي ذلك التفات من الغيبة للخطاب. {فَأَنبَتْنَا فِيهَا} ومضعت مدة فانبتنا او كان اول الانبات ومقدماته اول ما يمس الماء الأرض من حيث لا نرى ولا نعلم او الترتيب في كل شيء يحسبه نحو تزوج زيد فولد له إذ لم يبق إلا مدة الولادة ان لم يأول بمضت مدة فولد له أو الفاء بمعنى او لمطلق الجمع. {مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} الزوج الصنف والكريم الحسن او الكثير المنفعة وفي ذلك دلالة على عزته التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم وتمهيد لقاعدة التوحيد المقررة بقوله سبحانه: {هذا}
اطفيش
تفسير : {خلقَ السَّماوات} السبع فكيف لا تؤمنون به {بغَيْر عَمدٍ} جمع عماد كاهاب، مفرد الاهب وهو ما يعمد به، اى يسند اليه الشئ، وجمع عماد لتعدد السموات، كل واحدة بلا عماد، لان فوقها تتعمد عليه بالتعلق، ولا من تحتها تنعمد عليه بالتمكن فيه {تَرونها} نعت لعمد فى حيز النفى بغير، بمعنى ان العمد غير موجودة لا كالاشياء التى تعمد فترون عمدها، او لو كانت لرأيتم عماد السماء الدنيا، فتقيسون عليها غيرها من بقية السموات، كقولك لا ترى زيدا فى السوق، بمعنى انه لا يكون فيها فلا تراه فيها، او ترى بمعنى تعلم لو كانت لاخبرتكم بها، كما اخبرتكم بغيب السموات لتعتبروا، او احتراز من عمد موجودة، لا ترى وهى عمد القدرة. {وألقى في الأرض رواسِيَ} جبالا مرتفعات او ثوابت {أن تَميدَ} كراهة ان تميد او لئلا تيمد، اى تضطرب {بكم} للمياه المحيطة بها، الغامرة لاكثرها، المقتضية لتحريكها، والرياح العواصف المقتضية له على انها كرية الشكل، لا بسيطة كما قال القليل، ولو كانت بسيطة لم تمد، ولو لم تكن الجبال كذا قيل، وعدم ظهور كريتها إنما هو لعظم جرمها، وكذلك خلق الله الارض وأراضين تحتها بلا عمد من فوق ولا تحت، ولو كان للسموات او للارضين عمد لاحتاجت العمد الى عمد اخرى، فتيسلسل، وما ورد عن عمد اذا صح ينتهى الى غير عمد بقدرة الله، واذا كان عمد بلا عمد تحتها، فذلك نفس القدرة على عدم العمد. {وبثَّ} فرق ونشر {فيها من كلِّ دابَّةٍ} نوع كل دابة، وذلك مستلزم لايجاده اياها، فكأنه قيل اوجدها فيها، وبثها، ويجوز ان يكون بث بمعنى خلق وأوجد، فعبر بالملزوم عن اللازم، فانه يلزم من البث انها موجودة مخلوقة {وأنْزلنا مِن السَّماء} جهات العلو او السحاب، لا من السماء احدى السبع او الجنس بعدم ظهوره، لكن الله قادر، ولكن نشاهد امطارا مادتها من البحر والعيون {ماءً} مطرا {فأنبتنا فيها} فى الارض بذلك الماء {من كلِّ زوج} والمفعول محذوف، اى ما شئنا، او انواعا من كل صنف {كريم} شريف كثير المنفعة والتكلم بعد الغيبة، لاظهار مزيد الاعتناء بانزال الماء والانبات لتكررهما، مع استقامة حال الحيوان، وعمارة الارض بهما.
الالوسي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } الخ استئناف جيء به للاستشهاد بما فصل فيه على عزته عز وجل التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره وإبطال أمر الإشراك وتبكيت أهله، والعمد جمع عماد كأهب جمع إهاب وهو ما يعمد به أي يسند يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي خلقها بغير دعائم على أن الجمع لتعدد السماوات، وقوله تعالى: {تَرَوْنَهَا } استئناف في جواب سؤال تقديره ما الدليل على ذلك؟ فهو مسوق لإثبات كونها بلا عمد لأنها لو كانت لها عمد رؤيت فالجملة لا محل لها من الإعراب والضمير المنصوب للسماوات والرؤية بصرية لا علمية حتى يلزم حذف أحد مفعوليها، وجوز أن يكون صفة لعمد فالضمير لها أي خلقها بغير عمد مرئية على التقييد للرمز إلى أنه تعالى عمدها بعمد لا ترى وهي عمد القدرة، وروي ذلك عن مجاهد وكون عمادها في كل عصر الإنسان الكامل في ذلك العصر ولذا إذا انقطع الإنسان الكامل وذلك عند انقطاع النوع الإنساني تطوي السماوات كطي السجل للكتب كلام لا عماد له من كتاب أو سنة فيما نعلم وفوق كل ذي علم عليم. {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } بيان لصنعه تعالى البديع في قرار الأرض إثر بيان صنعه عز وجل الحكيم في قرار السماوات أي ألقى فيها جبالاً شوامخ أو ثوابت كراهة {أَن تَمِيدَ } أو لئلا تميد أي تضطرب {بِكُمْ } لو لم يلق سبحانه وتعالى فيها رواسي لما أن الحكم اقتضت خلقها على حال لو خلت معه عن الجبال لمادت بالمياه المحيطة بها الغامرة لأكثرها والرياح العواصف التي تقتضي الحكمة هبوبها أو بنحو ذلك، وقد يعد منه حركة ثقيل عليها، وقد ذكر بعض الفلاسفة أنه يلزم بناء على كرية الأرض ووجوب انطباق مركز ثقلها على مركز العالم حركتها مع ما فيها من الجبال بسبب حركة ثقيل من جانب منها إلى آخر لتغير مركز الثقل حينئذ إلا أنه لم يظهر ذلك لكون الأثقال المتحركة عليها كلا شيء بالنسبة إليها مع ما فيها، ولعل من يعد حركة الثقيل عليها من أسباب الميد لو خلت من الجبال يقول: لا يبعد حركة ثقيل عليها كما جرى من مكان إلى آخر فاجتمع حتى صار بحراً عظيماً مع ما ينضم إلى ذلك مما تنقله الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدار يعتد به بالنسبة إلى الأرض خالية من الجبال فتتحرك بحركته إلى خلاف جهته، ثم إن الميد لولا الرواسي بنحو المياه والرياح متصور على / تقدير كون الأرض كرية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كرية السماء، وجاء في رواية عن ابن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما في «التذكرة» و«شروحها»، وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس، وعلى تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب واختلفوا في شكلها عليه وتفصيل ذلك يطلب من محله، ولا دلالة في الآية على انحصار حكمة إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكماً لا تحصى. وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائماً كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس، ووراءه مذاهب أظهر بطلاناً منه. نعم الأدلة النقلية والعقلية على ذلك كثيرة. {وَبَثَّ فِيهَا } أي أوجد وأظهر، وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه {أية : فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً }تفسير : [الواقعة: 6] و{أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }تفسير : [القارعة: 4] وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد {مِن كُلّ دَابَّةٍ } من كل نوع من أنواعها {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو، وجوز تفسيرها بالمظلة وكون الإنزال منها بضرب من التأويل، وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا إذا وجد من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد {فَأَنبَتْنَا فِيهَا } أي بسبب ذلك الماء {مِن كُلّ زَوْجٍ } أي صنف {كَرِيمٌ } أي شريف كثير المنفعة، والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء بهما لتكررهما مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيرهُ أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله هو العلة للإعْراض عن آيات الكتاب الحكيم، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئاً كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها. ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله، فالخطاب في قوله {ترونها}و{بكم}للمشركين، وقد تقدم في سورة الرعد (2) قوله: {أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها}، تفسير : وتقدم في أول سورة النحل (15) قوله {أية : وألقى في الأرض رواسيَ أن تَميدَ بكم} تفسير : والمعنى خوفَ أن تميد بكم أو لئلا تُميدكم كما بين هنالك. وتقدم في سورة البقرة (164) قوله: {أية : وبثّ فيها من كل دابّة وتصريف الرياح}.تفسير : وقوله {أية : أنزلنا من السماء ماء} تفسير : هو نظير قوله في سورة البقرة (164) {أية : وما أنزل الله من السماء من ماء} تفسير : وقوله في سورة الرعد (17) {أية : أنزل من السماء ماء فسالتْ أوْديَةٌ}.تفسير : والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله {وأنزلنا} للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دوراناً عند الناس. وضمير {فيها} عائد إلى الأرض. والزوج: الصنف، وتقدم في قوله تعالى {أية : فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} تفسير : في طه (53) وقوله {أية : وأنبتت من كل زوج بَهيج} تفسير : في سورة الحج (5). والكريم: النفيس في نوعه، وتقدم عند قوله تعالى {أية : إنِّي ألقِيَ إليَّ كتابٌ كريم} تفسير : في سورة النمل (29). وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق بقوله {أن تميد بكم وبَث فيها من كل دابة} فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوأنسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوّها ورواحها، ثم من نعمة منافع النبات من الحب والثمَر والكلأ والكمأة. وإذ كانت البحار من جملة الأرض فقد شملَ الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة فأرانا آثار الحكمة والرحمة. وجملة {هذا خلق الله} إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض والجبال والدواب وإنزال المطر. واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله {خلق السماوات} إلى قوله {من كل زوج كريم}. والإتيان به مفرداً بتأويل المذكور. والانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله {خلق الله} التفاتاً لزيادة التصريح بأن الخطاب وارد من جانب الله بقرينة قوله {هذا خلق الله} وكذلك يكون الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله {ماذا خلق الذين من دونه}التفاتاً لمراعاة العود إلى الغيبة في قوله {خَلق الله} ويجوز أن تكون الرؤية من قوله {فأروني} علمية، أي فأنْبِئُوني، والفعل معلقاً عن العمل بالاستفهام بــــ {ماذا}. فيتعين أن يكون {فأروني} تهكماً لأنهم لا يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملاً في التعجيز، لكن التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعاً نظرياً. وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئاً يدّعون أن آلهتهم خلقته. وهذا كقول حُطائط بن يعفر النهشلي وقيل حاتم الطائي:شعر : أريني جواداً مات هَزلاً لعلني أرى ما ترين أو بخيلا مخلَّدا تفسير : أي: أحضرني جواداً مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه. والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية، ولذلك يكثر أن يقول: ما رأتْ عيني، وانظر هل ترى. وقال امرؤ القيس:شعر : فـللَّه عيناً من رأى من تفرق أشتّ وأنأى من فراق المحصب تفسير : وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدُّونهم عقلاء. و{مِنْ دونه} صلة الموصول. و(دون) كناية عن الغير، و{مِن} جارّة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف. و{بل} للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم، أي في اعتقادهم إلهية الأصنام، كما يقال في المناظرة: دع عنك هذا وانتقل إلى كذا. و{الظالمون}: المشركون. والضلال المبين: الكفر الفظيع، لأنهم أعرضوا عن دعوة الإسلام للحق، وذلك ضلال، وأشركوا مع الله غيره في الإلهية، فذلك كفر فظيع. وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر أحوالهم، أي: شدة ملابسته إياهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد: 2] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {رَوَاسِيَ} (10) - وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى البَعْثِ والنُّشُورِ، أَنَّهُ خَلَقَ السَّماوَاتِ لا تَسْتَنِدُ إِلى أَعْمِدَةٍ تَحْمِلُها، كَمَا يَرَى النَّاسُ ذَلك، وَإِنَّما تَقُومُ بقُدرَتِهِ تَعَالى وَإِرَادَتِهِ، وَجَعَل في الأرضِ جِبَالاً تُرسِيهَا وَتُثَبِّتُهُا لِكَيْلا تَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيْها، وَتَمِيدَ بِهمْ، وَخَلَقَ فِي الأَرضِ حَيَوانَاتٍ مِنْ مُخْتَلِفِ الأشْكَالِ والأَنْواعِ والأَلْوَانِ، وَبَثَّهَا فِيها، ثُمَّ أَنْزَلَ تَعَالى مَطَراً مِنَ السَّمَاءِ فَسَقى بهِ الأَرضَ وَرَوَّاها، فَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ صنْفٍ كَريمٍ في النَّبَاتِ، فِيهِ المَنْفَعَةُ العَمِيمَةُ للمَخْلُوقَاتِ. بِغَيْرِ عَمَدٍ - بغيرِ دَعَائِمَ وَأَسَاطِينَ تُقِيمُها. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ. أَنْ تَمِيدَ - أَنْ تَضْطَرِبَ بِكُمْ. زَوْجٍ كَرِيمٍ - صِنْفٍ حَسَنٍ كَثيرِ المَنْفَعَةِ. بَثَّ فيها - نَشَرَ وَفَرَّقَ وَأَظْهَرَ فِيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أولاً: ذكر الحق سبحانه آية كونية لم يدَّعها أحد لنفسه من الكفار أو من الملاحدة، وهي آية موجودة ومُشَاهدة، وبعد أن قال سبحانه أنا خالق السماء والأرض لم يعارضه أحد، ولم يأْتِ مَنْ يعارضه فيقول: بل أنا خالق السماء والأرض. وسبق أنْ قلنا: إن القضية تسلم لصاحبها ومدعيها إذا لم يَقُمْ لها معارض، فإن كانت هذه القضية صحيحة، والحق سبحانه هو الخالق فقد انتهتْ المسألة، وإذا كان هناك خالق غيره سبحانه فأين هو؟ هل درى أن واحداً آخر أخذ منه الخَلْق، ولماذا لم يعارض ويدافع عن حقِّه؟ أو أنه لم يَدْرِ بشيء فهو إله (نائم على ودنه)، وفي كلا الحالين لا يصلح أن يكون إلهاً يُعبد. لذلك قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18]، فهذه شهادة الذات للذات، ولم يعارضها معارض فصَحَّتْ لصاحبها إلى أنْ يوجد معارض. وسبق أن مثَّلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بجماعة جلسوا في مجلس فلما انفضَّ مجلسهم وجد صاحب البيت حافظة نقود لا يعرف صاحبها، فاتصل بمن كانوا في مجلسه، وسألهم عنها فلم يقُلْ واحد منهم أنها له، إلى أن طرق الباب أحدهم وقال: واللهِ لقد نسيت حافظة نقودي هنا، فلا شكَّ إذن أنها له وهو صاحبها حيث لم يدَّعها واحد آخر منهم. والحق سبحانه يقول في إثبات هذه القضية: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] أي: لذهبوا يبحون عمَّنْ أخذ منهم الخَلْق والناس، وأخذ منهم الألوهية. فإنْ قالوا نحن آلهة لكن فوقنا إله أكبر يردُّ الحق عليهم: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [لقمان: 10] حين تدور في أنحاء الكرة الأرضية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها تجد السماء تظلّك، ومع سعة السماء لا تجد لها عمداً ترفعها، وكلمة {تَرَوْنَهَا} [لقمان: 10] تحمل معنيين: إما هي فعلاً بغير عمد، أو لها عمد لكن لا نراها {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [لقمان: 10] يعني: لا نرى لها عمداً، لكن الحقيقة أن لها عمداً لا ترونها بإحساسكم ومقاييسكم. فإنْ قلت، فما هذه العمد التي لا نراها؟ البعض يقول: هي الجاذبية، وهذا القول مجانب للصواب، والحق سبحانه يكفينا مؤنة البحث في هذه المسألة، فيقول سبحانه: {أية : .. وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65]. إذن: لا نملك إلا أنْ نقول إنها ممسوكة بقدرة الله، ولكي لا نحار في كيفية ذلك يُقرِّب الله لنا هذه المسألة بمثال مُشاهد لنا، فالطير يمسكه الله في جو السماء: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [النحل: 79]. وفي موضوع آخر يقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41] إذن: فهو سبحانه يمسكها بقانون، لكن لا نعرفه نحن ولا ندركه. والسماء في اللغة: كل مَا علاك فأظلّك، فالغيم الذي يعلوك وتراه قريباً منك يُعد من السماء بدليل قول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [لقمان: 10] والماء ينزل من الغيم، لا من السماوات العلا، والفرق بينهما أن الغيم تراه في مكان دون آخر، وتراه مُتقطعاً منفطراً، أمَّا السماء العليا فهي بشكل واحد، لا ترى فيها من فطور. وحين تكلم الحق سبحانه عن الأرض والسماء قال: إنها سبع سماوات، ولم يقُلْ سبع أراضين، بل {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] فدلَّ على أن الأرض سبع كالسماء، وإنْ كانت السماء كل ما أظلّك، فالأرض كل ما أقلَّك، لكن أين هذه الأرَضين السبع؟ لقد أخبرنا القرآن الكريم أن السماوات سبع، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بها في مرحلة المعراج فقال في الأولى كذا وكذا، وفي الثانية كذا وكذا، وما دامتْ السماء كل ما أظلك، والأرض كل ما أقلك فالخَلْق في السماء الأولى مثلاً سماؤهم السماء الثانية، وأرضهم سماؤنا الأولى، وهكذا وهكذا. ثم يقول سبحانه: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} [لقمان: 10] أي: الجبال الراسية الثابتة المتصلة بالأرض اتصالاً وثيقاً بحيث لا تتخلخل منها، والعلة في خَلْق الجبال الرواسي على الأرض {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [لقمان: 10] أي: تميل وتضطرب بكم، ولو أن الأرض مخلوقة على هيئة الثبات لما احتاجت إلى ما يثبتها. إذن: فالأرض متحركة، وما خُلِقت الجبال إلا لتثبيتها وضبط حركتها، فدَّلت هذه الآية على صِدْق النظرية القائلة بدوران الأرض، كذلك في قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88]. إذن: فللجبال حركة مرتبطة بحركة الأرض، فإنْ قُلْتَ: ولماذا لا نراها؟ نقول: لأن وحدة المكان تجعلك لا تدرك هذه الحركة، فالمتحد في مكان لا تختلف مرائي الأشياء بالنسبة له. فلو تصوَّرنا أن هذا المسجد الذي يجمعنا صُمِّم على هيئة رَحَىً تدور بنا، فهل نشعر بدورانه ونحن ندور بدورانه؟ لا نشعر، لماذا؟ لأن مواقعنا من بعض ثابتة لا تتغير، كذلك موقعنا من المكان؛ لذلك لا نشعر بالحركة لكن نشعر بالحركة حين نقيس متحركاً بثابت، فلو فتحنا الباب مثلاً أو الشباك ورأينا ما هو خارج المسجد، عندها نشعر أننا نتحرك. إذن: لا يمكن لمَنْ على الأرض أن يشعر بحركتها؛ لأنه يتحرك معها، وما دامت الجبال أوتاداً في الأرض وهي - أي الجبال - تمر مرَّ السحاب فلا بُدَّ أن الأرض كذلك تمر وتتحرك بنفس الحركة، وحركة الجبال ليست ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الأرض، والحق سبحانه شبَّه حركة الجبال بحركة السحاب، والسحاب حركته غير ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الرياح. ثم يذكر الحق سبحانه علة أخرى لخَلْق الجبال: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} [لقمان: 10] وسبق أنْ أوضحنا أن الجبال تمثل مخازن للقوت الذي به قوام الحياة للإنسان وللحيوان والذي ينشأ من الزرع، وبيَّنا أن الطبقة الخارجية للجبال تتفتتْ بعوامل التعرية، ثم يحملها ماء المطر إلى الوديان فتزيد من خصوبة الأرض بمقدار كل عام، ومن الجبال أيضاً يتكون الماء في الأنهار او في مسارب الأرض فنخرجه حين الحاجة إليه. ومن حكمته تعالى أنْ جعل الجبال راسية ثابتة، وجعلها صلدة وإلا لو كانت هشّة لأذابتها الأمطار وفتتها في عدة سنوات، ثم حرمت الأرض من الخصوبة التي تستمدها من الجبال؛ لذلك يقول الله تعالى: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] فمع زيادة السكان تزداد المساحة الخِصْبة التي يُكوِّنها الغِرْين الذي يتفتت من الجبال عاماً بعد عام. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 9-10]. فالجبال جعلها الله راسية حتى لا تضطرب بنا الأرض، وجعلها صلبة لأنها مخزن الخِصْب الذي يُمِدُّنا بالزرع الذي به قِوَام حياتنا. ومن رحمة الله بالإنسان أنْ جعل فيه ذاتية استبقاء الحياة، فإن مُنِع عنه الطعام أو الشراب تغذَّى من المخزون في جسمه؛ فيأخذ أولاً من الدهن، ثم من اللحم، ثم من العظم؛ لذلك قلنا: إن العظم هو آخر مخازن القوت في جسم الإنسان، وفي ضوء ذلك نفهم قول سيدنا زكريا: {أية : إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4]. يعني: قد بلغتُ آخر مرحلة من مراحل استبقاء الحياة. فكان من رحمة الله بالخَلْق أنْ جعل حتى شَرَه الإنسان للطعام والشراب رحمة به، حيث يتحول الزائد عن طاقته وحاجته إلى مخزون في جسمه، فإذا انقطعتْ به السُّبُل أو تعذَّر عليه الطعام والشراب استمد مما في جسمه. كذلك من رحمة الله بالإنسان أنْ جعله يصبر على الطعام إلى شهر، ويصبر على الماء من ثلاثة أيام إلى عشرة بحسب ما في جسمه من مخزون الطعام والشراب، أما الهواء فلا يصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير؛ لذلك تتجلى رحمته تعالى وحكمته في خَلْقه بألاَّ يُملِّك الهواء لأحد، فلو مَلكه عدوك لمتّ قبل أن يرضى عنك. وقوله: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} [لقمان: 10] بث أي: نشر، والدابة: كل ما له دبيب على الأرض، والدبيب بحسب ما يدبّ على الأرض، وكل ما يمشي على الأرض له دبيب نسمعه في الحيوان الضخم مثلاً، لكن لا نسمعه في النملة مثلاً، فهي أيضاً لها دبيب بدليل قولنا: فلان يسمع دبّة النملة، إذن: لها دبيب على الأرض، لكن أذن مَنْ التي تستطيع أنْ تسمعه؟ وقوله تعالى: {مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} [لقمان: 10] كل تعني سوراً كلياً يضم كل ما له حركة ودبيب على الأرض، يعني: كل ما يقال له دابة بداية من النملة أو الفيروسات الآن إلى أكبر حيوان على الأرض. وقوله (من) تتدرج من الصغير إلى الكبير فتدلُّ على الشمول. ومن هذه الدواب ما أحله الله ومنها ما حرمه؛ لذلك يقول البعض: ما دام الله حرَّم هذه الحيوانات، فما الضرورة في خَلْقها؟ وهل كل شيء مخلوق يُؤكل؟ لا، ليس كل مخلوق من الحيوانات يؤكل؛ لأن له مهمة أخرى يؤديها. ولو تأملت ما حُرِّم عليك لوجدته يخدمك في ناحية أخرى، فمنه ما يمد الحيوانات التي تأكلها، ومنه ما فيه خاصية تحتاج إليها في غير الأكل، فالثعبان مثلاً لا نرى فيه إلا أنه مخلوق ضار، لكن ألم نحتَجْ إلى سُمِّه الآن، ونجعله مَصْلاً نافعاً؟ ألسنا ننتفع بجلوده؟ الخ، فإذا كنا لا نأكله فنحن نستفيد من وجوده في نواحٍ أخرى. كذلك الخنزير مثلاً: البعض يقول: ما دام الله تعالى حرمه، فلماذا خلقه؟ سبحان الله، هل خلق الله كل شيء لتأكله أنت؟ ليس بالضرورة أنْ تأكل كل شيء، لأن الله جعل لك طعامك الذي يناسبك، أتأكل مثلاً البترول؟ كيف ونحن نرى حتى السيارات والقطارات والطائرات لكل منها وقوده المناسب له، فالسيارة التي تعمل بالبنزين مثلاً لا تعمل بالسولار .. الخ، فربك أعطاك قُوتَك كما أعطى لغيرك من المخلوقات أقواتها. لذلك؛ إذا نظرت في غابة لم تمتد إليها يد الإنسان تجد فيها جميع الحيوانات والطيور والدواب والحشرات .. الخ دون أنْ تجد فيها رائحة كريهة أو منظراً مُنفِّراً، لماذا؟ لأن الحيوانات يحدث بينها وبين بعضها توازن بيئي، فالضعيف منها والمريض طعام للقوي، والخارج من حيوان طعام لحيوان آخر .. وهكذا، فهي محكومة بالغريزة لا بالعقل والاختيار. وكل شيء لا دَخْلَ للإنسان فيه يسير على أدقِّ نظام فلا تجد فيه فساداً أبداً إلا إذا طالتْه يد البشر، ولك أنْ تذهب إلى إحدى الحدائق أو المتنزهات في شم النسيم مثلاً لترى ما تتركه يد الإنسان في الطبيعة. لكن، لماذا وُصِف الإنسان بهذا الوصف؟ ولماذا قُرِن وجوده بالفساد؟ نقول: لأَنه يتناول الأشياء بغير قانون خالقها، ولو تناول الأشياء بقانون الخالق عز وجل ما أحدث في الطبيعة هذا الفساد. وسبق أنْ بيَّنا أن الإنسان لا قدرةَ له على شيء من مخلوقات الله إلا إذا ذلَّلها الله له ويسِّرها لخدمته، بدليل أن الولد الصغير يركب الفيل ويسحب الجمل ويُنيخه ويحمله الأثقال في حين لا قدرةَ لأحدنا على ثعبان صغير، أو حتى برغوث، لماذا؟ لأن الله تعالى ذلَّلَ لنا هذا، ولم يُذلِّل لنا هذا. ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10] من السماء: أي من جهة العلو ومن ناحية السماء، وإلا فالمطر لا ينزل من السماء، إنما من الغمام {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا ..} [لقمان: 10] أي: في الأرض: {مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10] زوج أي: نوع من النبات، فهي كلمة تدل على مفرد، لكن معه مثله، والبعض يظن أنها تعني اثنين وهذا خطأ؛ لذلك نقول عن الرجل زوج، وعن المرأة زوج رغم أنه مفرد، لكن قُرِن بغيره. وقال تعالى عن التكاثر: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..} تفسير : [الذاريات: 49] فَسمّي الذكر (زوج) وسمّي الأنثى (زوج). ومثلها كلمة (توأم) فهي تدل على مفرد، لكن مفرد لم يُولَد وحده إنما معه غيره، والبعض يقول (توأم) ويقصد الاثنين، إنما الصواب أن نقول هما توأمان. ووصف الحق سبحانه الزوج أي النوع من النبات بأنه {كَرِيمٍ} [لقمان: 10] لأنه يعطيك بكرم وسخاء، فالحبة تعطيك سبعمائة حبة، وهذا عطاء المخلوق لله، فما بالك بعطاء الخالق عز وجل؟ ثم يقول الحق سبحانه: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} معناه تُحرَّكَ بِكُم يميناً وشمالاً. تفسير : وقوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} معناه فَرَّقَ فِيها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يتلو تعالى على عباده، آثارا من آثار قدرته، وبدائع من بدائع حكمته، ونعما من آثار رحمته، فقال: { خَلق السَّمَاوَاتِ } السبع على عظمها، وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل. { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة اللّه تعالى. { وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ } أي: جبالا عظيمة، ركزها في أرجائها وأنحائها، لئلا { تَمِيدَ بِكُمْ } فلولا الجبال الراسيات لمادت الأرض، ولما استقرت بساكنيها. { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي: نشر في الأرض الواسعة، من جميع أصناف الدواب، التي هي مسخرة لبني آدم، ولمصالحهم، ومنافعهم. ولما بثها في الأرض، علم تعالى أنه لا بد لها من رزق تعيش به، فأنزل من السماء ماء مباركا، { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } المنظر، نافع مبارك، فرتعت فيه الدواب المنبثة، وسكن إليه كل حيوان. { هَذَا } أي: خلق العالم العلوي والسفلي، من جماد، وحيوان، وسَوْقِ أرزاق الخلق إليهم { خَلق اللَّه } وحده لا شريك له، كل مقر بذلك حتى أنتم يا معشر المشركين. { فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } أي: الذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم من استحقاق العبادة. ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق اللّه وحده، ولا ثَمَّ شيء يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات شيء لها تستحق به أن تعبد. ولكن عبادتهم إياها، عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، ولهذا قال: { بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: جَلِيٍّ واضح حيث عبدوا من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وتركوا الإخلاص للخالق الرازق المالك لكل الأمور.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):