٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } يعني الله خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق. ثم قال تعالى: {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي بين أو مبين للعاقل أنه ضلال، وهذا لأن ترك الطريق والحيد عنه ضلال، ثم إن كان الحيد يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء فإنه يكون غاية الضلال، فالمقصد هو الله تعالى، فمن يطلبه ويلتفت إلى غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال، لكن من وجهه إلى الله قد يصل إلى المقصود ولكن بعد تعب وطول مدة، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ما سواه يكون كالذي على الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب. وأما الذي تولى لا يصل إلى المقصود أصلاً، وإن دام في السفر، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون لعبادتهم في غير موضعها أو الواضعون أنفسم في عبادة غير الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ } أي مخلوقه {فَأَرُونِى } أخبروني يا أهل مكة {مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } غيره أي: آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى، وما استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل لفظاً، وما بعده سدَّ مسَدّ المفعولين {بَلِ } للانتقال {ٱلظَّٰلِمُونَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن بإشراكهم وأنتم منهم.
البقاعي
تفسير : ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته، ثبتت ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق، لأن ذلك عين الحكمة، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ليدل عليه سبحانه سر الحكمة، فقال ملقناً للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين موبخاً لهم مقبحاً لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم بما له من التفرد بهذه الصنائع: {هذا} أي الذي تشاهدونه كله {خلق الله} أي الذي له جميع العظمة فلا كفوء له. ولما كان العاقل بل وغيره لا ينقاد لشيء إلا أن رأى له فعلاً يوجب الانقياد له، نبه على ذلك بقوله جواباً لما تقديره: فإن ادعيتم لما دونه مما عبدتموه من دونه خلقاً عبدتموه لأجله: {فأروني ماذا خلق الذين} زاد اسم الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد النفي المقصود من الكلام، ونبه على سفول رتبتهم بقوله مضمراً لأنه ليس فيما أسند إلى الاسم الأعظم حيثية يخشى من التقييد بها نقص: {من دونه} فسأله في رؤية ما خلقوا غبنه أحد أصلاً بأن انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلاً عن إنسان بكونه لا فعل له أصلاً، فكان من حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا اولاً هل لهم أفعال أم لا؟ ثم إذا ثبت فهل هي محكمة أم لا، ثم إذا ثبت فهل شاركهم غيرهم أم لا، وإذا ثبت أن غيرهم شاركهم فأيهما أحكم, وأما أنكم تنقادون لهم ولا فعل لهم أصلاً ثم تقدرون أن لهم أفعالاً ترجونهم بها وتخشونهم، فهذا ما لا يتصوره حيوان أصلاً، ولذلك قال تعالى: {بل} منبهاً على أن الجواب: ليس لهم خلق، بل عبدتهم أو أنتم في جعلهم شركاء، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {الظالمون} أي العريقون في الظلم، تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم كونهم {في ضلال} عظيم جداً محيط بهم {مبين} أي في غاية الوضوح، وهو كونهم يضعون الأشياء عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم. ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة العقل وآتاها من تاب، واعتصم بآيات الكتاب، توقع السامع الإخبار عن بعض من آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين، فوضعوا الأشياء في مواضعها بأن آمنوا على قوله: "وهو العزيز الحكيم" أو على مقدر تقديره: لأنا أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما عبدوا صمناً ولا مالوا إلى لهو، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعاً للشيء في محله، فهو تقدير لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم. بالرسالة: {ولقد آتينا} بما لنا من العظمة والحكمة {لقمان} وهو عبد من عبيدنا {الحكمة} وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم، وقال الحرالي: هي العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم، والحكم الحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهراً بالإيالة العالية، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، وقال ابن ميلق: إن مدارها على إصابة الحق والصواب في القول والعمل، ولهذا قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيماً حتى تجتمع له الحكمة في القول والفعل، قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيماً حتى يكون عاملاً بها - انتهى. ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حقاً أقول! لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً ضمضامة كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، كان نائماً نصف النهار إذ جاءه نداء، قيل: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق، فأجاب: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعاً وطاعة، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك ربي عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إذ يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً، ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها"تفسير : . وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت"تفسير : ، وقال لقمان: لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال: ضرب الوالد لولده كالسماء للزرع، وقيل له: أيّ الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، وقيل له: ما أقبح وجهك! فقال: تعيب النقش أو النقاش، وقال البغوي: إنه قيل له: لم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني - انتهى. فهو سبحانه من حكمته وحكمه أن يرفع ما يشاء بما يعلمه منه سلامة الطبع وإن كان عبداً فلا يدع أن يختص محمداً صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف في كل خلق شريف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، قال ابن ميلق: من حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله، وأن يعاقب بينهما في الظهور فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ويبقي إلى غير ذلك، فما من سابق عدل إلا له لاحق فضل، ولا سابق فضل إلا له لاحق عدل، غير أن أثر العدل والفضل قد يتعلق بالبواطن خاصة، وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخر بالباطن، وقد يكون اختلاف تعلقمها في حالة واحدة، وقد يكون على البدل، وعلى قدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق. ولما كانت الحكمة قاضية بذلك، أجرى الله سبحانه آثار عدله على ظواهر أصفيائه دون بواطنهم، ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها كالنجاشي حيث بيع في صغره، وذلك كثير موجود بالاستقراء، فمن كمال تربية الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب - إلى غير ذلك من فؤائد التربية، ومن تتبع أحوال الأكابر من آدم عليه السلام وهلم جراً رأى من حسن بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال: {أن اشكر} وهو وإن كان تقديره: قلنا له كذا، يؤول إلى "آتيناه الشكر" وصرف الكلام إلى الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعاً للتعنت، ونقلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منها فقال: {لله} بأن وفقناه له بما سببناه له من الأمر به لأن الحكمة في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به، ويمكن أن تكون "أن" مصدرية، ويكون التقدير: آتيناه إياها بسبب الشكر، وعبر بفعل الأمر إعلاماً بأن شكره كان لامتثال الأمر ليكون أعلى. ولما كان التقدير: فبادر وشكر، فما نفع إلا نفسه، كما أنه لو كفر ما ضر إلا نفسه، عطف عليه معرفاً أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبراً بالمضارع الدال على أن من أقبل عليه - في أيّ زمان كان - يلقاه ويكون معروفه له دائماً بدوام العمل: {ومن يشكر} أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائناً من كان {فإنما يشكر} أي يفعل ذلك {لنفسه} أي فإنما ينفع نفسه، فإن الله يزيده من فضله فإن الله شكور مجيد {ومن كفر} فإنما يضر نفسه، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من وقع منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه {فإن الله} عبر بالاسم الأعظم لأنه في سياق الحكمة، والحكيم من أدام استحضار صفات الجلال والجمال فغلب خوفه رجاءه ما دام في دار الأكدار {غني} عن الشكر وغيره {حميد *} أي له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلائق، فإن تقدير الكفر عليهم بحيث لا يقدرون على الانفكاك عنه من جملة محامدة بالقدرة والعزة والفهم والعظمة. ويجوز - وهو أقرب - أن يعود "غني" إلى الكافر و "حميد" إلى الشاكر، فيكون اسم فاعل، فيكون التقدير: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه، ثم سبب عن الجملتين وهما كون عمل كل من الشاكر والكافر لا يتعداه قوله "فإن الله غني" أي عن شكر الكافر "حميد" للشاكر، والآية على الأول من الاحتباك: تخصيص الشكر بالنفس أولاً يدل على حذف مثله من الكفر ثانيا، وإثبات الصفتين يدل على حذف مثلهما أولاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله {هذا خلق الله} أي ما ذكر من خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أنبت من كل زوج {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} يعني الأصنام. والله أعلم.
القشيري
تفسير : هذا خَلْقُ الله العزيز في كبريائه، فأروني ماذا خَلقَ الذين عَبدْتم من دونه في أرضه وسمائه؟
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا} الذى ذكر من السموات والارض والجبال والحيوان والنبات {خلق الله} مخلوقه كضرب الامير اى مضروبه فاقيم المصدر مقام المفعول توسعا {فارونى} ايها المشركون: والاراءة بالفارسية [نمودن] يقال اريته الشئ واصله ارأيته {ماذا خلق الذين من دونه} اى من دون الله تعالى مما اتخذتوهم شركاء له تعالى فى العبادة حتى استحقوا مشاركته فى العبودية وماذا بمنزلة اسم واحد بمعنى أى شئ نصب بخلق او ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا وصلته وأرونى معلق عنه على التقديرين {بل الظالمون فى ضلال مبين} اضراب عن تبكيتهم اى كفار قريش الى التسجيل عليهم بالضلال الذى لا يخفى على ناظر اى فى ذهاب عن الحق بين واضح وابان بمعنى بان ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على انهم ظالمون باشراكهم. وفى فتح الرحمن بل هذا الذى قريش فيه ضلال مبين فذكرهم بالصفة التى تعم معهم اشباههم ممن فعل فعلهم من الامم. قال الكاشفى [بلكه مشر كان در كمراهى آشكار انندكه عاجزرا باقادر ومخلوق رابا خالق در برستش شركت مى دهند] شعر : هركه هست آفريده او بنده است بنده دربند آفريننده است بس كجا بندة كه دربنده است لائق شركت خداونداست تفسير : واعلم ان التوحيد افضل الفضائل كما ان الشرك اكبر الكبائر وللتوحيد نور كما ان للشرك نارا وان نور التوحيد احرق لسيآت الموحدين كما ان نار الشرك احرق لحسنات المشركين ولكون التوحيد افضل العبادات وذكر الله اقرب القربات لم يقيد بالزمان والاوقات بخلاف سائر الاعمال من الصيام والصلوات فالخلاص من الضلالة انما هو بالهداية الى التوحيد واخلاص العبادة لله الحميد وفى الحديث "من قال لا اله الا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" اى فى الآخرة فيما يخفيه من الاخلاص وغيره. ثم علم المشرك بالشرك الجلى وكذا عمله وان كانا فى صورة الحسنة كلاهما مردود مبعود وكذا علم المشرك بالشرك الخفى وعمله فان عمل الرياء والسمعة يدور بين السماء والارض ثم يضرب به على وجه صاحبه واما المخلص وعمله فكلاهما محبوب مقرب عند الله تعالى ـ روى ـ ان المنزل الاول من منازل الاعمال المتقبلة المشروعة هو سدرة المنتهى ويتعدى بعض الاعمال الى الجنة وبعضها الى العرش وكل عمل غلبت عليه الصفات الروحانية وقواها اذا اقترن به علم محقق او اعتقاد حاصل عن تصور صحيح مطابق للمتصور مع حضور وجمعية وصدق فانه يتجاوز العرش الى عالم المثال فيدخر فيه لصاحبه الى يوم الجمع وقد يتعدى من عالم المثال الى اللوح فيتعين صورته فيه ثم يرد الى صاحبه يوم الجمع ثم من تتعدى اعماله الى مقام القلم ثم الى العماد فانظر الى الاعمال الصالحة ومقاماتها العلوية واعرض عن الشرك والاعمال السفلية قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ره راست روتا بمنزل رسى تو برره نة زين قبل وا بسى جوكاوى كه عصار جشمش به بست دوان تابشب شب هم آنجا كه هست كسى كربتابد زمحراب روى بكفرش كواهى دهند اهل كوى توهم بشت بر قبله كن درنماز كرت در خدانيست روى نياز تفسير : فاذا كان ما سوى الله تعالى لا يقدر على خلق شئ واعطاء ثواب فلا معنى للقصد اليه بالعبادة ففروا الى الله ايها المؤمنون لعلكم تنزلون منازل اهلها آمنون
الطوسي
تفسير : هذا اشارة إلى ما تقدم ذكره من خلق السموات والارض على ما هي به من عظمها وكبر شأنها من غير عمد يمنع من انحدارها، وألقى الرواسي في الارض لئلا تميد بأهلها {وبث فيها من كل دابة} للاعتبار والانتفاع بها، وأنزل من السماء ماء لاخراج كل نوع كريم على ما فيه من بهجة ولذة يستمتع بها. فهذا كله خلق الله فأين خلق من اشركتموه في عبادته حتى جاز لكم أن تعبدوه من دونه وهذا لا يمكن معه معارضة، وفيه دليل على توحيده تعالى. ثم اخبر تعالى فقال {بل الظالمون} لانفسهم بترك الاعتبار بآيات الله {في ضلال مبين} أي عدول عن الحق بين ظاهر وما دعاهم إلى عبادتها انها تخلق شيئاً ولكن ضلالهم بالجهل الذي اعتقدوه من التقرب بذلك إلى الله وانها تقربهم إلى الله زلفى. ثم اخبر تعالى انه اعطى لقمان الحكمة، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: لم يكن لقمان نبياً. وقال عكرمة: كان نبياً. وقيل: انه كان عبداً أسوداً حبشياً ذا سفة. فقال له بعض الناس: ألست الذي كنت ترعى معنا؟ فقال: نعم. فقال له: من اين أوتيت ما أرى؟ فقال: بصدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. والحكمة التي آتى الله لقمان هو معرفته بتوحيده، ونفي الشرك عنه. وما فسرناه في ما بعد وهو ان أمره بأن يشكر لله على نعمه التي أنعم بها عليه. ثم اخبر تعالى فقال {ومن يشكر فانما يشكر لنفسه} أي من يشكر نعمة الله ونعمة من أنعم عليه، فانه يشكر لنفسه، لأن ثواب شكره عائد عليه {ومن كفر فإن الله غني حميد} أي من جحد نعمة الله، فانه تعالى غني عن شكره حميد على أفعاله، وعقاب ذلك عائد على الكفار دون غيرهم، والشكر لا يكون إلا على نعمة سبقت، فهو يقتضي منعما، فلا يصح على ذلك أن يشكر الانسان نفسه، لأنه لا يجوز أن يكون منعماً عليها، وهو جرى مجرى الدين في أنه حق لغيره عليه يلزمه أداؤه، فكما لا يصح أن يقرض نفسه فيجب أن يقضي ذلك الدين لنفسه، فكذلك لا يصح أن ينعم على نفسه فيلزمه شكر تلك النعمة. ثم قال تعالى وأذكر يا محمد {إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} إذ قال له لا تعبد مع الله غيره فان من فعل ذلك فقد ظلم نفسه ظلماً عظيماً. ويجوز أن يتعلق قوله {وإذ قال لقمان} بقوله {ولقد آتينا لقمان الحكمة... إذ قال لابنه... لا تشرك بالله} ثم قال تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه} أي وصيناه وأمرناه بالاحسان إلى والديه. والرفق بهما {حملته أمه وهناً على وهن} قال الضحاك: معناه ضعفاً على ضعف أي ضعف نطفة الوالد إلى ضعف نطفة الأم. وقيل: هو ما يلحقها بحملها إياه مرة بعد مرة من الضعف. وقيل: بل المعنى شدة الجهد، قال زهير: شعر : فان يقولوا بجعل واهن خلق لو كان قومك في اسبابه هلكوا تفسير : وقال ابن عباس {وهن على وهن} أي شدة على شدة. وقيل: ضعف الولد حالا بعد حال، لانه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم مولوداً. وقوله {وفصاله في عامين} يعني قطامه في انقضاء عامين. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص حلفت أمّه لا تأكل طعاماً حتى تموت أو يرجع سعد ابنها فلما رأته بعد ثلاث لا يرجع عن الاسلام أكلت. ثم قال {أن اشكر لي ولوالديك} أي وصيناه بأن اشكر لي على نعمي، واشكر والديك أيضاً على ما أنعما عليك. ثم قال {إلي المصير} فيه تهديد أي إليّ مرجعكم، فاجازيكم أيها الناس على حسب عملكم. ثم قال {وإن جاهداك} يعني الوالدين أيها الانسان {على أن تشرك بي} معبوداً آخر {فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} أي احسن اليهما في الدنيا وارفق بهما. ثم قال {واتبع سبيل من أناب إلي} أي رجع إلى طاعتي من النبي والمؤمنين {ثم إلي مرجعكم} أي منقلبكم {فأنبئكم} أي اخبركم {بما كنتم تعملون} في دار الدنيا من الاعمال. واجازيكم عليها بحسبه، وقرأ ابن كثير، إلا ابن فليح {يا بني لا تشرك بالله} بسكون الياء الباقون بتشديدها وكسرها، إلا حفصاً فانه فتحها على اصله {يا بني أقم الصلاة} بفتح الياء، وابن كثير إلا قنبلاً وحفص، الباقون بكسر الياء. فوجه السكون أنه أجرى الوصل كالوقف، ووجه الفتح على الاضافة، وحذف ما قبلها لاجتماع ثلاث يا آت.. والكسر على الاجتزاء بها من ياء الاضافة، وعندنا أن الرضاع بعد الحولين يحرم لقوله {وفصاله في عامين} ولقوله عليه السلام لا رضاع بعد الحولين.
الجنابذي
تفسير : {هَـٰذَا} المذكور من السّماوات والارض والجبال والمواليد {خَلْقُ ٱللَّهِ} اى مخلوق الله {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} حتّى يكونوا مستحقّين للشّراكة معه وللعبادة لهم فانّ الشّريك لا بدّ وان يكون مثل الشّريك الآخر فى شيءٍ من صفاته {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} التفات من الخطاب الى الغيبة ووضع الظّاهر موضع المضمر توصيفاً لهم بالظّلم فى اشراكهم، وبياناً لعلّة الحكم، ولفظ بل اضراب من تعجيزهم الى التّصريح بضلالهم.
الهواري
تفسير : ثم قال: {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان التي يعبدونها، فلم تكن لهم حجة. قال: {بَلِ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ} أي: الفقه والعقل. كان لقمان فقيهاً عالماً ولم يكن نبيّاً. ذكروا أن لقمان الحكيم كان عبداً حبشياً نجاراً فأمره سيده أن يذبح له شاة؛ فذبح له شاة، فقال له سيّده: اِيتنا بأطيبها مضغتين، فجاءه باللسان والقلب. ثم أمره أن يذبح له شاة أخرى وأمره فقال: القِ أخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب. فقال له سيّده: أمرتك بأن تأتيني بأطيبها مضغتين، فأتيتني باللسان والقلب، ثم أمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال له لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. قال: وكان ذلك أول ما عرف به من حكمته. وقال مجاهد: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ} أي: الفقه والعقل [والإِصابة في القول في غير نبوّة]. قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} النعمة. قال: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي: لنفسه نفع ذلك، والشكور هو المؤمن. {وَمَن كَفَرَ} أي: ولم يشكر النعمة {فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أى: غني عن خلقه، حميد، أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
اطفيش
تفسير : {هَذَا} اي ما ذكر من المخلوقات. {خَلَقُ} اي مخلوق. {اللهِ فَأَرُونِي} من الارادة العلمية او البصرية او الاخبارية اي اخبروني والكل معلق بالاستفهام عن جملة قوله. {مَاذَا} إن جعلت ما مبتدأ وذا خبر او بالعكس. {خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} صلة ذا او عن جملة خلق الخ على ان ماذا مفعول لخلق فاحدى الجملتين سدت مسد مفعولي العلمية او مسد مفعول البصرية او الاخبارية والاستفهام انكار وتوبيخ على فعلهم مع الاصنام فعلا يقتضي انها خالقة وعبر بالذين عن الاصنام لانها عندهم كالعقلاء اي ءالهتكم لا تستطيع ان تخلق شيئا ما فضلا عن ان تخلق الأشياء العظام فكيف تجعلونها شركائي وبماذا تستحق الشركة مع انها عاجزة ان تدفع عن نفسها. {بَلِ الظَّالِمُونَ} اي المشركون. {فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} الاصل بل هم فوضع الظاهر موضعه ليدل ان الذي ضلل به هو ظلمه اي شركه واضرب ببل عن تبكيتهم الى تقبيح امرهم الذي هو الضلال المبين اي الواضح حتى كأنه جسم يراه الناظر او اراد بالظالمين العموم.
اطفيش
تفسير : {هذا} ما ذكر من السماوات والارض والماء والنبات {خَلْق الله} مخلوقه {فأروني} عطف انشاء على اخبار، او اذا علمتم ذلك فأرونى اى اعلمونى لا اظهروا لى، لان الاظهار ليس قلبيا فلا يتعلق بالاستفهام بعد {ماذا خَلَق الَّذين من دونه} اى الاصنام، وجمع العقلاء مجاراة على مقتضى عمهم، او تغليب للعقلاء ممن عبد من دون الله، كالملائكة وعزير وعيسى، وماذا اسم واحد مفعول لخلق، وجملة خلق الذين معلق عنها اروا بالاستفهام، او ما مبتدأ وذا خبر او بالعكس، وخلق صلة ذا، وهو اسم موصول، والجملة معلق عنها، واجاز بعض ان ماذا اسم واحد موصول بجملة خلق، الذين مفعول ثان، وهو سهو لخروجه عن الصدر، وهو مفرد لا جملة معلق عنها. {بل الظالمون} مطلقا فيدخل هؤلاء بالاولى، او هم المراد وضعا للظاهر موضع المضمر ليذمهم باسم الظلم، ويزجرهم وغيرهم بذكره {في ضلال مُبينٍ لقد آتينا} أعطينا بالهام او بوحى او بتعليم {لقمان الحكمة} لفظ عجمى، وقيل عربى من لقم، لان العرب قد تسمى بأسماء وغيرها، وغيرها قد يسمون باسمائها قصدا اليها، ولعاد لقمان الاخر، وهم عرب، فهو من اللقم فليكن الذى فى السورة كذلك، وهو لقمان بن باعوراء ابن ناحور بن تارخ، وهو آزر فهو من اولاد آزر، وقيل، ابن اخت ايوب عند وهب، او ابن خالته، وبه قال مقاتل. وقال السهيلى: ابن سرون، عاش الف سنة، وادرك داود عليه السلام، واخذ منه العلم، وكان يفتى، ولما بعث داود عليه السلام ترك الافتاء فقيل له، فقال: الا اكتفى اذا كفيت، وكان قاضيا فى بنى اسرائيل، وروى انه نودى فى نومه نصف الليل: هل لك يا لقمان ان اجعلك خليفة للحكم بين الناس؟ فقال: ان خيرنى ربى قبلت العافية، وان عزم على فسمعا وطاعة، وانى اعلم ان الله تعالى يسددنى، فقالت الملائكة: لم امتنعت من الحكم؟ قال: لان الحاكم يغشاه الظلم من كل مكان، فيخطأ طريق الجنة، ومن اختار شرف الدنيا فاته شرفها وشرف الآخرة، وعجبوا من كلامه، ونام نومة فأصبح ينطق بالحكمة، ونودى داود بعده فقبلها فأخطأ مرارا، وعفا الله تعالى عنه. وقيل: كان بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، والاكثر انه كان فى زمان داود عليه السلام، وليس نبيا خلافا لعكرمة والشعبى، والاكثرون انه عبد، والعبد لا يكون نبيا، فعن ابن عباس: عبد حبشى، واخرج ابن مردويه، عن ابى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّه عبد حبشي"تفسير : وعن جابر بن عبدالله: انه من النوبة، وعن سعيد بن المسيب: انه من سودان مصر، قال خالد بن الربيع: كان نجارا بالراء المهلة، وقال الزجاج: كان نجادا بالدال المهلة، وهو من يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما، وقيل: خياط، وهو اعم وبه قال ابن المسيب، وقيل: عبد لبلخشخاش يرعى الغنم: وعن ابن عباس: كان راعيا، وقيل: حطابا يتحطب كل يوم حزمة لمولاه. والحكمة: العقل والفهم والاصابة فى القول، وعن ابن عباس: العقل والفهم والفطنة، وقيل: معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وقيل: توفيق العمل بالعلم، وقيل: حصول العمل على وفق المعلوم، وهذا شامل لحكمة الله وحكمة المخلوق، وقيل: الكلام الذي يتعظ به، وينقل لذلك، وقيل: إتقان الشئ علما وعملا، وقيل: كمال حاصل باستكمال النفس الانسانية، باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الافعال الفاضلة، على قدر طاقتها، وقيل: شئ ينور الله عز وجل به القلب، كما ينور البصر، فيدرك المبصر، وقيل: معرفة حقائق الاشياء على ما هى عليه بقدر الطاقة البشرية. ومن حكمة لقمان: من يصحب صاحب السوء لم يسلم، ومن يدخل مدخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم، وقد روى هذا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، وهو موافق، ايضا لقوله تعال: "أية : أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره" تفسير : [النساء: 140]. {أن أشْكُر لله} ان تفسيرية لقول: {آتينا لقمان الحكمة} واعتقاد وجوب شكر الله، والامر به حكمة لا مصدرية، بتقدير لام العلة، او بجعل المصدر بدلا من الحكمة، لانه خارج للامر يعلل به الايتاء كما مر تحقيقه، وحكاية سيبويه كتبت اليه بان قم شاذة ضعيفة لا يخرج عليها القرآن مع انها ايضا تحتمل ان المراد كتبت اليه بهذه الحروف، او بهذا اللفظ بعد تقدم ما فيه معنى القول، فهى تفسيرية. {ومَن يَشْكر} له سبحانه {فإنما يشْكُر لنَفْسه} لان شكره يثبت له الموجود، وينفى عنه عقاب عدم شكره، ويجلب المفقود والفوز بالجنة {ومَن كَفَر} فما ضر الا نفسه، او فما منع النفع الا عن نفسه، او فانما يكفر على نفسه، واغنى عن هذا الجواب تعليله لقوله: {فإن الله غنيٌ} عن ازالة الضر، او جلب النفع، لانه خالق للاضرار والمنافع {حَميدٌ} اى حقيق بان يحمده خلقه، ولو لم يحمده احد، او محمود عند الملائكة والمؤمنين من الثقلين، وعند الاجسام كلها، ولو لم تحمده قلوب الكفار، واستعملوا اجسادهم الحامدة فى الكفر، ولم يذكر الشكر مع انه مذكور، قيل: بل ذكر الحمد لتضمنه الشكر، وهو راسه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد رأس الشكر، لم يشكر الله تعالى عبد لم يحمده"تفسير : وإنما قال: {ومن كفر} بصيغة الماضى، ولم يقل: ومن يكفر اشارة الى قبح الكفر، وان من شأنه ان لا يقع منه الا ما مضى منه من ابليس، او قابيل او نحوهما، وقيل: اشارة الى انه كثير متحقق، بخلاف الشكر، وقليل من عبادى الشكور على الفرق بين الحمد والشكر، او على الشكر ولو تضمنه الحمد لكنه قد يقع بلا شكر.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا } أي ما ذكر من السماوات والأرض وسائر الأمور المعدودة {خَلَقَ ٱللَّهُ } أي مخلوقه {فَأَرُونِى } أي أعلموني وأخبروني، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فأورني {مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } مما اتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى استحقوا به العبودية، و {مَاذَا } يجوز أن يكون اسماً واحداً استفهاماً ويكون مفعولاً لخلق مقدماً لصدراته وأن يكون {مَا } وحدها اسم استفهام مبتدأ و {ذَا } اسم موصول خبرها وتكون الجملة معلقاً عنها سادة مسد المفعول الثاني لأروني، وأن يكون {مَاذَا } كله اسماً موصولاً فقد استعمل كذلك على قلة على ما قال أبو حيان ويكون مفعولاً ثانياً له والعائد محذوف في الوجهين. وقوله تعالى: {بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} إضراب عن تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة الحقة لاستحالة أن يفهموا منها شيئاً فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه ومتعدون عن الحد وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الرعد: 16] الآية. وفي أول سورة الفرقان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمُونَ} {ضَلاَلٍ} (11) - وَرَفْعُ السَّماءِ بِغيرِ عَمَدٍ، وخَلْقُ الأَرْضِ وَمَا فِيها مِنْ جِبَالٍ تُرسِيها، وَخَلْقُ كُلِّ نَبَاتٍ، وَكُلِّ صِنْفٍ كَرِيمٍ بَهيجٍ في الأَرْضِ... كُلُّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَتَقْدِيرِهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ في ذلِكَ، فأَرُوْنِي يَا أَيُّهَا المُشْرِكُونَ مَاذَا خَلَقَ الذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ.. حَتَّى اسْتَحَقُّوا مِنْكُمْ مِثْلَ هذِهِ العِبَادَةِ؟ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ المُشْرِكينَ باللهِ، والعَابِدينَ سِوَاهُ هُمْ فِي جهلٍ وَعَمَايَةً، وَضَلاَلٍ وَاضِحٍ ظَاهرٍ لاَ خَفَاءَ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكلام هنا مُوجَّه للمكابرين وللمعاندين الجاحدين لآيات الله: {هَـٰذَا ..} [لقمان: 11] أي: ما سبق ذِكْره لكم من خَلْق السماوات بغير عمد، ومن خَلَق الجبال الرواسي والدواب وإنزال المطر وإحياء النبات .. الخ. هذا كله {خَلْقُ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 11] فلم يدَّعهِ أحد لنفسه، وليس لله فيه شريك {فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذيِنَ مِن دُونه ..} [لقمان: 11] أي: الذين اتخذتموهم شركاء مع الله، ماذا خلقوا؟ وليس لهذا السؤال إجابة عندهم، حيث لا واقع له يستدلون به، ولا حتى بالمكابرة؛ لأن الحق أبلج والباطل لجلج، لذلك لم نسمع لهم صوتاً ولم يجرؤ واحد منهم مثلاً على أن يقول آلهتنا خلقت الجبال مثلاً أو الشمس أو القمر، فلم يستطيعوا الردّ رغم كفرهم وعنادهم. والحق سبحانه في الرد عليهم يبين لهم أن المسألة لا تقف عند عدم قدرتهم على الخَلْق، إنما لا يعرفون كيف خُلُقوا هم أنفسهم: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 11]. وفي قول الله {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] دليل على صِدْق القرآن ومظهر من مظاهر إعجازه، فقد أخبرنا الحق سبحانه أنه سيُوجد مُضِلون يضلون الناس في مسألة الخَلْق، ويصرفونهم عن الحق بكلام باطل. وفعلاً صدق الله وسمعنا من هؤلاء المضلين مَنْ يقول: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلتْ عنها، وسمعنا مَنْ يقول إن الإنسان في أصله قرد .. الخ، ولولا هذه الأقاويل وغيرها ما صدقت هذه الآية، ولجاء أعداء الإسلام يقولون لنا: أين المضلون الذين أخبر عنهم القرآن؟ فكأن كل كلام يناقض {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 11] هو كلام مُضِل، وكأن هؤلاء المضلين - في غفلة منهم ودون قصد - يؤيدون كلام الله {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. ونجد هذه المسألة أيضاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يطلع علينا من حين لآخر مَنْ ينكر سنة رسول الله ويقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما كان فيه من حلال حللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه. وعندها نقول: سبحان الله، كأن الله تعالى أقامكم دليلاً على صِدْق رسوله، فقد أخبر الرسول عنكم، وعما تقولونه في حَقِّ سنته، حيث قال: "حديث : يوشك رجل يتكئ على أريكته، يُحدَّث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ". تفسير : ومعنى: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 11] أي: مخلوقاته {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ..} [لقمان: 11] ولن نطلب منك خَلْقاً كخَلْق السماء والأرض والجبال، ولا إنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات، بل اخلقوا أقلّ شيء في الموجودات التي تروْنها، وليس هناك أقل من الذباب: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..} تفسير : [الحج: 73] بل وأبلغ من ذلك {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. ثم يختم الحق سبحانه الآية بقوله: {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [لقمان: 11] أي: ضلال محيط بهم من كل اتجاه، والضلال المبين المحيط لا تُرْجى معه هداية، فلن يهتدي هؤلاء، وما عليك إلا أنْ تصبر على دعوتك يا محمد حتى يُبدلك الله خيراً من هؤلاء، ويكونون لك جنوداً يؤمنون بك، وينصرون دعوتك. وقد كان. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):