Verse. 3481 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا لُقْمٰنَ الْحِكْمَۃَ اَنِ اشْكُرْ لِلہِ۝۰ۭ وَمَنْ يَّشْكُرْ فَاِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِہٖ۝۰ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَاِنَّ اللہَ غَنِيٌّ حَمِيْدٌ۝۱۲
Walaqad atayna luqmana alhikmata ani oshkur lillahi waman yashkur fainnama yashkuru linafsihi waman kafara fainna Allaha ghaniyyun hameedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا لقمان الحكمة» منها العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة، كان يفتي قبل بعثة داود وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل له أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً «أن» أي وقلنا له أن «أشكر لله» على ما أعطاك من الحكمة «ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه» لأن ثواب شكره له «ومن كفر» النعمة «فإن الله غني» عن خلقه «حميد» محمود في صنعه.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } لما بين الله فساد اعتقادهم بسبب عنادهم بإشراك من لا يخلق شيئاً بمن خلق كل شيء بقوله: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } وبين أن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى، وهو أن اتباع النبـي عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهاراً للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبـي عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمة وقوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة الله تعالى، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم، والذي يدل على ما ذكرنا أن من تعلم شيئاً ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيماً وإنما يكون مبخوتاً، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة، لعدم علمه به أولاً، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله، ثم الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } فإن أن في مثل هذا تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } وهو كذلك، لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم، لأن الإنسان إذا علم أمرين أحدهما أهم من الآخر، فإن اشتغل بالأهم كان عمله موافقاً لعلمه وكان حكمة، وإن أهمل الأهم كان مخالفاً للعلم ولم يكن من الحكمة في شيء، لكن شكر الله أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضي، ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ينتفع إلا الشاكر بقوله: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } وبين أن بالكفران لا يتضرر غير الكافر بقوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ } أي الله غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أو لم يشكروه، وفي الآية مسائل ولطائف الأولى: فسر الله إيتاء الحكمة بالأمر بالشكر، لكن الكافر والجاهل مأموران بالشكر فينبغي أن يكون قد أوتي الحكمة والجواب: أن قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أمر تكوين معناه آتيناه الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين، وفي الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف. المسألة الثانية: قال في الشكر {ومن يشكر} بصيغة المستقبل، وفي الكفران {ومن كفر فإن الله غني}، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد، كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله، بل أبداً يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود، كما قال: { أية : رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ } تفسير : [النمل: 19] وكما قال تعالى: { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيهاً على أن الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام، فقال بصيغة الماضي. المسألة الثالثة: قال تعالى هنا: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ } بتقديم الشكر على الكفران، وقال في سورة الروم: { أية : وَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } تفسير : [الروم: 44] فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: { أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } تفسير : [الروم: 43] وههنا الذكر للترغيب، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد، وقوله: {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } يحقق ما ذكرنا أولاً، لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي ومن عمل، وههنا لما كان المذكور في الابتداء قال {وَمَن يَشْكُرْ } بلفظ المستقبل وقوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ } عن حمد الحامدين، حميد في ذاته من غير حمدهم، وإنما الحامد ترتفع مرتبته بكونه حامداً لله تعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} مفعولان. ولم ينصرف «لُقْمَانَ» لأن في آخره ألفاً ونوناً زائدتين؛ فأشبه فُعلان الذي أنثاه فُعلَى فلم ينصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان، وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين قد زال؛ قاله النحاس. وهو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارَح، وهو آزر أبو إبراهيم؛ كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة؛ ذكره السهيليّ. قال وهب: كان ابنَ أخت أيوب. وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب. الزَّمَخْشَرِيّ: وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل كان من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم، وكان يُفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كُفيت. وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيّب: كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوّة؛ وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليًّا ولم يكن نبياً. وقال بنبوّته عِكرمة والشعبيّ؛ وعلى هذا تكون الحكمة النبوّة. والصواب أنه كان رجلاً حكيماً بحكمة الله تعالى ـ وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدِّين والعقل ـ قاضياً في بني إسرائيل، أسود مشقَّق الرِّجلين ذا مشافر، أي عظيم الشفتين؛ قاله ابن عباس وغيره. وروي من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لم يكن لقمان نبيًّا ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين، أحبّ الله تعالى فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، وخيّره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق؛ فقال: ربّ، إن خيّرتني قبلتُ العافية وتركت البلاء، وإن عزمتَ عليّ فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمنيتفسير : ؛ ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبيّ: فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لمَ يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يُعَنْ فبالْحَرَى أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن في الدنيا ذليلاً فذلك خير من أن يكون فيها شريفاً. ومن يَخْتَرِ الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه؛ فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلّم بها. ثم نودي داود بعده فقبلها ـ يعني الخلافة ـ ولم يشترط ما اشترطه لقمان، فهوَى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يوازره بحكمته؛ فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! أعطيت الحكمة وصُرف عنك البلاء، وأُعطي داود الخلافة وابتُلي بالبلاء والفتنة. وقال قتادة: خيّر الله تعالى لقمان بين النبوّة والحكمة؛ فاختار الحكمة على النبوّة؛ فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذرّ عليه الحكمة فأصبح وهو ينطِق بها؛ فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليّ بالنبوّة عَزْمة لرجوْت فيها العون منه، ولكنه خيّرني فخفت أن أضعُف عن النبوّة، فكانت الحكمة أحبّ إليّ. واختلف في صنعته؛ فقيل: كان خياطاً؛ قاله سعيد بن المسيّب، وقال لرجل أسود: لا تحزن من أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثةٌ من السودان: بلال ومِهْجع مولى عمر ولقمان. وقيل: كان يحتطب كل يوم لمولاه حُزْمه حطب. وقال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وقيل: كان راعياً، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدَر الله، وأدائي الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني؛ قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال خالد الرَّبَعي: كان نجاراً؛ فقال له سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيبها مُضْغتين؛ فأتاه باللسان والقلب؛ فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق أخبثها مضغتين؛ فألقى اللسان والقلب؛ فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تُلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب؟! فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. قلت: هذا معناه مرفوع في غير ما حديث، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلُحت صَلُح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»تفسير : . وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة؛ ومنها قوله عليه السلام: «حديث : من وقاه الله شر اثنتين وَلَج الجنة: ما بين لَحْيَيْه ورجليه...» تفسير : الحديث. وحِكَم لقمان كثيرةٌ مأثورة هذا منها. وقيل له: أيّ الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن رآه الناس مسيئاً. قلت: وهذا أيضاً مرفوع معنى، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلّ أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عمِلت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربّه ويصبح يَكْشِف سِتر الله عنه»تفسير : . رواه أبو هريرة خرجه البخاري. وقال وهب بن منبّه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب. وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يَسْرُد الدروع، وقد ليّن الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمة فسكت؛ فلما أتمها لبِسها وقال: نِعم لَبُوسُ الحرب أنتِ. فقال: الصمت حكمة، وقليل فاعله. فقال له داود: بحقٍّ مّا سُمِّيت حكيماً. قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} فيه تقديران: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسرة؛ أي قلنا له اشكر. والقول الآخر أنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها؛ كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم؛ إلا أن هذا الوجه عنده بعيد. وقال الزجاج: المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى. وقيل: أي بأن اشكر الله تعالى فشكر؛ فكان حكيماً بشكره لنا. والشكر لله: طاعته فيما أمر به. وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في «البقرة» وغيرها {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه؛ لأن نفع الثواب عائد إليه. {وَمَن كَفَرَ} أي كفر النعم فلم يوحّد الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن عبادة خلقه {حَمِيدٌ } عند الخلق؛ أي محمود. وقال يحيـى بن سلام: «غَنِيّ» عن خلقه «حَمِيدٌ» في فعله.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} يعني لقمان بن باعوراء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته، وعاش حتى أدرك داود عليه الصلاة والسلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه، والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً. والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإِنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهوراً وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت فقال: الصمت حكم وقليل فاعله، وأن داود عليه السلام قال له يوماً كيف أصبحت فقال أصبحت في يدي غيري، فتفكر داود فيه فصعق صعقة. وأنه أمره بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا. {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} لأن أشكر أو أي أشكر فإن إيتاء الحكمة في معنى القول. {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ } لا يحتاج إلى الشكر. {حَمِيدٌ } حقيق بالحمد وإن لم يحمد، أو محمود ينطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} أنعم أو أشكم أو ما ثان. {وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَىَّ} تصغير إشفاق، وقرأ ابن كثير هنا وفي {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } بإسكان الياء، وحفص فيهما وفي {يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ} بفتح الياء ومثله البزي في الأخير وقرأ الباقون في الثلاثة بكسر الياء. {لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} قيل كان كافراً فلم يزل به حتى أسلم، ومن وقف على {لاَ تُشْرِكْ} جعل بالله قسماً. {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة منه. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً } ذات وهن أو تهن وهنا {عَلَىٰ وَهْنٍ} أي تضعف ضعفاً فوق ضعف فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها والجملة في موضع الحال، وقرىء بالتحريك يقال وهن يهن وهنا ووهن يوهن وهنا. {وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } وفطامه في انقضاء عامين وكانت ترضعه في تلك المدة، وقرىء «وفصله في عامين» وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان. {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } تفسير لـ {وَصَّيْنَا} أو علة له أو بدل من والديه بدل الاشتمال، وذكر الحمل والفصال في البين اعتراض مؤكد للتوصية في حقها خصوصاً ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام لمن قال مَنْ أُبِرّ «حديث : أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك أباك»تفسير : {إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} فأحاسبك على شكرك وكفرك. {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} باستحقاقه الإِشراك تقليداً لهما، وقيل أراد بنفي العلم به نفيه. {فَلاَ تُطِعْهُمَا} في ذلك. {وَصَـٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} صحاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم. {وَٱتَّبِعْ } في الدين {سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ} بالتوحيد والإِخلاص في الطاعة. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} مرجعك ومرجعهما. {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيداً لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال: وقد وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يستحقاه في الإِشراك فما ظنك بغيرهما (روي) نزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثاً لم تطعم فيها شيئاً، ولذلك قيل من أناب إليه أبو بكر رضي الله عنه فإنه أسلم بدعوته. {يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} أي أن الخصلة من الإِحسان أو الإِساءة إن تك مثلاً في الصغر كحبة الخردل. ورفع نافع {مِثْقَالَ } على أن الهاء ضمير القصة وكان تامة وتأنيثها لإِضافة المثقال إلى الحبة كقول الشاعر:شعر : كمـا شـرقـت صـدر القنـاة مـن الـدم تفسير : أو لأن المراد به الحسنة أو السيئة. {فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ} في أخفى مكان وأحرزه كجوف صخرة أو أعلاه كمحدب السموات أو أسفله كمقعر الأرض. وقرىء بكسر الكاف من وكن الطائر إذا استقر في وكنته. {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} يحضرها فيحاسب عليها. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } يصل علمه إلى كل خفي. {خَبِيرٌ } عالم بكنهه. {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} تكميلاً لنفسك. {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تكِميلاً لغيرك. {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ} من الشدائد سيما في ذلك. {إِنَّ ذٰلِكَ} إشارة إلى الصبر أو إلى كل ما أمر به. {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب مصدر أطلق للمفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل من قوله {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جد. {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي «وَلاَ تصاعر»، وقرىء «وَلاَ تُصَعّرْ» والكل واحد مثل علاه وأعلاه وعالاه. {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} أي فرحاً مصدر وقع موقع الحال أي تمرح مرحاً أو لأجل المرح وهو البطر. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} علة للنهي وتأخير الـ {فَخُورٌ} وهو مقابل للمصعر خده والمختال للماشي مرحاً لتوافق رؤوس الآي. {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} توسط فيه بين الدبيب والإِسراع. وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»تفسير : ، وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما كان إذا مشى أسرع فالمراد ما فوق دبيب المتماوت، وقرىء بقطع الهمزة من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية. {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} وانقص منه واقصر. {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ} أوحشها. {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} والحمار مثل في الذم سيما نهاقه ولذلك يكنى عنه فيقال طويل الأذنين، وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الإِستعارة مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد أو لأنه مصدر في الأصل.

ابن كثير

تفسير : اختلف السلف في لقمان: هل كان نبياً، أو عبداً صالحاً من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني.وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيراً أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان أسود نوبياً ذا مشافر. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن أبي الأشهب عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاه، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرجتهما؟ فقال لقمان:إنه ليس من شيء أطيب منهماإذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وقال شعبة عن الحكم عن مجاهد: كان لقمان عبداً صالحاً، ولم يكن نبياً. وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين. وقال حكام بن سَلْم عن سعيد الزبيدي عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضياً على بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبداً أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني، فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبياً، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبداً قد مسه الرق ينافي كونه نبياً؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبياً، وإنما ينقل كونه نبياً عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة، قال: كان لقمان نبياً، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة، قال: وقف رجل على لقمان الحكيم، فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يابن أخي إن صَغيت إلى ما أقول لك، كنت كذلك، قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة عن أبي الدرداء: أنه قال يوماً، وذكر لقمان الحكيم، فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقاً نطقه، إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا، فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام؛ لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي. وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد عن ابن بشير قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم، فذر عليه الحكمة، أو رش عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها، قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة، وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني، فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} أي: الفقه في الإسلام،ولم يكن نبياً، ولم يوح إليه. وقوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} أي: الفهم والعلم والتعبير {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما آتاه الله، ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} تفسير : [الروم: 44]. وقوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعاً؛ فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } منها العلم والديانة والإِصابة في القول، وحِكَمُهُ كثيرة مأثورة كان يفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا، وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل له: أيّ الناس شرٌّ؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً {أن} أي وقلنا له أن {ٱشْكُرْ لِلَّهِ } على ما أعطاك من الحكمة {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأن ثواب شكره له {وَمَن كَفَرَ } النعمة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ } عن خلقه {حَمِيدٌ } محمود في صنعه.

الشوكاني

تفسير : اختلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي؟ مشتق من اللقم، فمن قال: إنه عجمي، منعه للتعريف والعجمة، ومن قال: إنه عربي منعه للتعريف، ولزيادة الألف والنون. واختلفوا أيضاً هو نبيّ أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس بنبيّ. وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي: أنه كان نبياً، والأوّل أرجح لما سيأتي في آخر البحث. وقيل: لم يقل بنبوّته إلا عكرمة فقط، مع أن الراوي لذلك عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدّاً. وهو لقمان بن باعورا بن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، وقيل: هو لقمان بن عنقا بن مرون، وكان نوبياً من أهل أيلة ذكره السهيلي. قال وهب: هو ابن أخت أيوب. وقال مقاتل: هو: ابن خالته، عاش ألف سنة وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى، فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كفيت؟ قال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل، والحكمة التي آتاه الله هي: الفقه والعقل والإصابة في القول، وفسر الحكمة من قال: بنبوّته بالنبوّة {أَنِ ٱشْكُرْ لِي}: "أن" هي المفسرة؛ لأن في إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل: التقدير قلنا له: أن اشكر لي. وقال الزجاج: المعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن أشكر لي. وقيل: بأن أشكر لي فشكر فكان حكيماً بشكره، والشكر لله الثناء عليه في مقابلة النعمة وطاعته فيما أمر به. ثم بين سبحانه: أن الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر، فقال: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأن نفع ذلك راجع إليه وفائدته حاصلة له؛ إذ به تستبقى النعمة وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي من جعل كفر النعم مكان شكرها، فإن الله غنيّ عن شكره غير محتاج إليه، حميد مستحق للحمد من خلقه؛ لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال. قال يحيى بن سلام: غنيّ عن خلقه حميد في فعله. {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } قال السهيلي: اسم ابنه ثاران في قول ابن جرير والقتيبي. وقال الكلبي: مشكم. وقال النقاش: أنعم. وقيل: ماتان. قال القشيري: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما، وهذه الجملة معطوفة على ما تقدّم، والتقدير: آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه، وحين جعلناه واعظاً لغيره. قال الزجاج: "إذ" في موضع نصب بـ {آتينا}. والمعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال. قال النحاس: وأحسبه غلطاً لأن في الكلام واواً، وهي تمنع من ذلك، ومعنى {وَهُوَ يَعِظُهُ }: يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد، وتصدّه عن الشرك {يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } قرأ الجمهور بكسر الياء. وقرأ ابن كثير بإسكانها. وقرأ حفص بفتحها، ونهيه عن الشرك يدلّ على أنه كان كافراً كما تقدّم، وجملة: {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل لما قبلها، وبدأ في وعظه بنهيه عن الشرك لأنه أهمّ من غيره. وقد اختلف في هذه الجملة، فقيل: هي من كلام لقمان. وقيل: هي من كلام الله، فتكون منقطعة عما قبلها، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أنها لما نزلت {أية : وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82] شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه. فأنزل الله: {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } فطابت أنفسهم. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } هذه التوصية بالوالدين وما بعدها إلى قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } اعتراض بين كلام لقمان لقصد التأكيد لما فيها من النهي عن الشرك بالله، وتفسير التوصية هي قوله: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوٰلِدَيْكَ }، وما بينهما اعتراض بين المفسَّر والمفسِّر، وفي جعل الشكر لهما مقترناً بالشكر لله دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد، وأكبرها وأشدّها وجوباً، ومعنى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أنها حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفاً على ضعف، وقيل: المعنى: إن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل. وانتصاب {وهناً} على المصدر. وقال النحاس: على أنه مفعول ثان بإسقاط الحرف، أي حملته بضعف على ضعف، وقال الزجاج: المعنى: لزمها بحملها إياه أن تضعف، مرّة بعد مرة. وقيل: انتصابه على الحال من أمه، و{على وهن} صفة لـ {وهناً} أي: وهناً كائناً على وهن. قرأ الجمهور بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ عيسى الثقفي وهي رواية عن أبي عمرو بفتحهما وهما لغتان. قال قعنب:شعر : هل للعواذل من ناه فيزجرها إن العواذل فيها الأين والوهن تفسير : {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } الفصال: الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم، وهو مبتدأ وخبره الظرف. وقرأ الجحدري، وقتادة وأبو رجاء، والحسن ويعقوب: "وفصله" وهما لغتان، يقال: انفصل عن كذا، أي تميز، وبه سمي الفصيل. وقد قدّمنا أن أمة في قوله: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوٰلِدَيْكَ } هي المفسرة. وقال الزجاج: هي مصدرية. والمعنى: بأن اشكر لي. قال النحاس: وأجود منه أن تكون "أن" مفسرة، وجملة: {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } تعليل لوجوب امتثال الأمر، أي الرجوع إليّ لا إلى غيري. {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي ما لا علم لك بشركته {فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك. وقد قدّمنا تفسير الآية، وسبب نزولها في سورة العنكبوت، وانتصاب {مَّعْرُوفاً } على أنه صفة لمصدر محذوف، أي وصاحبهما صحاباً معروفاً. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، والتقدير: بمعروف {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } أي اتبع سبيل من رجع إليّ من عبادي الصالحين بالتوبة والإخلاص {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعاً لا إلى غيري {فَأُنَبِئُكُم } أي أخبركم عند رجوعكم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشرّ فأجازي كلّ عامل بعمله. وقد قيل: إن هذا السياق من قوله: {ووصينا الإنسان} إلى هنا من كلام لقمان فلا يكون اعتراضاً وفيه بعد. ثم شرع سبحانه في حكاية بقية كلام لقمان في وعظه لابنه فقال: {يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } الضمير في {إنها} عائد إلى الخطيئة، لما روي: أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد هل يعلمها الله؟ فقال: إنها، أي الخطيئة، والجملة الشرطية مفسرة للضمير، أي إن الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل. قال الزجاج: التقدير: إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل، وعبر بالخردلة؛ لأنها أصغر الحبوب، ولا يدرك بالحسّ ثقلها ولا ترجح ميزاناً. وقيل: إن الضمير في: {إنها} راجع إلى الخصلة من الإساءة والإحسان، أي إن الخصلة من الإساءة والإحسان إن تك مثقال حبة إلخ، ثم زاد في بيان خفاء الحبة مع خفتها فقال: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } فإن كونها في الصخرة قد صارت في أخفى مكان وأحرزه {أَوْ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ } أي أو حيث كانت من بقاع السماوات، أو من بقاع الأرض {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } أي يحضرها، ويحاسب فاعلها عليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } لا تخفى عليه خافية، بل يصل علمه إلى كل خفيّ {خَبِيرٌ } بكل شيء لا يغيب عنه شيء. قرأ الجمهور: {إن تك} بالفوقية على معنى إن تك الخطيئة أو المسألة، أو الخصلة أو القصة. وقرءوا: {مثقال} بالنصب على أنه خبر كان، واسمها هو أحد تلك المقدرات. وقرأ نافع برفع: "مثقال" على أنه اسم كان وهي تامة. وأنث الفعل في هذه القراءة لإضافة مثقال إلى المؤنث. وقرأ الجمهور: {فتكن} بضم الكاف. وقرأ الجحدري بكسرها وتشديد النون. من الكنّ الذي هو الشيء المغطى. قال السدّي: هذه الصخرة هي صخرة ليست في السٰماوات، ولا في الأرض. ثم حكى سبحانه عن لقمان: أنه أمر ابنه بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصيبة. ووجه تخصيص هذه الطاعات أنها أمهات العبادات وعماد الخير كله، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ } إلى الطاعات المذكورة، وخبر "إنّ" قوله: {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي مما جعله الله عزيمة وأوجبه على عباده. وقيل: المعنى: من حق الأمور التي أمر الله بها. والعزم يجوز أن يكون بمعنى: المعزوم، أي من معزومات الأمور أو بمعنى العازم كقوله: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ } تفسير : [محمد: 21] قال المبرد: إن العين تبدل حاء. فيقال: عزم وحزم. قال ابن جرير: ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم أهل الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وصوّب هذا القرطبي. {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } قرأ الجمهور: {تصعّر}، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: "تصاعر" والمعنى متقارب. والصعر: الميل، يقال: صعر خدّه وصاعر خدّه: إذا أمال وجهه، وأعرض تكبراً. والمعنى: لا تعرض عن الناس تكبراً عليهم، ومنه قول الشاعر:شعر : وكنا إذا الجبار صعر خدّه مشينا إليه بالسيوف نعاتبه تفسير : ورواه ابن جرير هكذا:شعر : وكنا إذا الجبار صعر خدّه أقمنا له من ميله فتقوّما تفسير : قال الهروي: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي لا تعرض عنهم تكبراً، يقال: أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي عنقه. وقيل: المعنى: ولا تلو شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره. وقال ابن خويز منداد: كأنه نهى أن يذلّ الإنسان نفسه من غير حاجة، ولعله فهم من التصعير التذلل {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحًا } أي: خيلاء وفرحاً، والمعنى: النهي عن التكبر والتجبر، والمختال يمرح في مشيه، وهو مصدر في موضع الحال، وقد تقدّم تحقيقه، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل للنهي لأن الاختيال هو المرح، والفخور هو الذي يفتخر على الناس بما له من المال أو الشرف أو القوّة أو غير ذلك، وليس منه التحدّث بنعم الله، فإن الله يقول: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } تفسير : [الضحى: 11]. {أية : وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } تفسير : أي توسط فيه، والقصد ما بين الإسراع والبطء، يقال: قصد فلان في مشيته: إذا مشى مستوياً لا يدبّ دبيب المتماوتين، ولا يثب وثوب الشياطين. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى أسرع، فلا بدّ أن يحمل القصد هنا على ما جاوز الحدّ في السرعة. وقال مقاتل: معناه: لا تختل في مشيتك. وقال عطاء: امش بالوقار، والسكينة. كقوله: {أية : يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } تفسير : [الفرقان: 63] {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } أي انقص منه، واخفضه ولا تتكلف رفعه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، وجملة {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بالغضّ من الصوت، أي أوحشها، وأقبحها. قال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير؛ أوّله زفير وآخره شهيق. قال المبرد: تأويله: إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب الصوت المنكر. واللام في {لصوت} للتأكيد، ووحد الصوت مع كونه مضافاً إلى الجمع لأنه مصدر، وهو يدلّ على الكثرة، وهو مصدر صات يصوت صوتاً فهو صائت. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون ما كان لقمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: كان حبشياً»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً. وأخرج الطبراني، وابن حبان في الضعفاء، وابن عساكر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن»تفسير : . قال الطبراني: أراد الحبشة. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } يعني: العقل والفهم والفطنة في غير نبوّة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه كان نبياً، وقد قدّمنا أن الراوي عنه جابر الجعفي، وهو ضعيف جداً. وأخرج أحمد والحكيم والترمذي، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه» تفسير : . وقد ذكر جماعة من أهل الحديث روايات عن جماعة من الصحابة والتابعين تتضمن كلمات من مواعظ لقمان وحكمه، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء ولا ثبت إسناد صحيح إلى لقمان بشيء منها حتى نقبله. وقد حكى الله سبحانه من مواعظه لابنه ما حكاه في هذا الموضع، وفيه كفاية وما عدا ذلك مما لم يصح فليس في ذكره إلا شغلة للحيز وقطيعة للوقت، ولم يكن نبياً حتى يكون ما نقل عنه من شرع من قبلنا، ولا صحّ إسناد ما روي عنه من الكلمات حتى يكون ذكر ذلك من تدوين كلمات الحكمة التي هي ضالة المؤمن. وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي: أن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت فيّ هذه الآية: {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي }، وقد تقدّم ذكر هذا. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } قال: شدّة بعد شدّة، وخلقاً بعد خلق. وأخرج الطبراني وابن عديّ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ }، فقال: "حديث : ليّ الشدق"تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } قال: لا تتكبر، فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم إذا كلموك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} اختلف في نبوته على قولين: أحدهما: أنه نبي، قاله عكرمة والشعبي. الثاني: أنه حكيم وليس بنبي، قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب. ووهب بن منبه، قال إسماعيل: كان لقمان من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال قتادة: خير الله لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح ينطق بها، فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه العون منه ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إليّ. واختلف في جنسه على قولين: أحدهما: أنه كان من النوبة قصيراً أفطس، قاله جابر بن عبد الله. الثاني: كان عبداً حبشياً، قاله ابن عباس. واختلف في صنعته على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان خياطاً بمصر، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنه كان راعياً فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله وأدائي الأمانة، وصدق الحديث وتركي ما لا يعنيني، قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر. الثالث: أنه كان نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين فأتاه باللسان والقلب فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت، ثم أمره فذبح له شاة ثم قال: أَلقِ أخبثها مضغتين فألقى اللسان والقلب فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت باللسان والقلب فقال إنه ليس شيىء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا، قاله خالد الربعي. واختلف في زمانه على قولين: أحدهما: أنه كان فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. الثاني: أنه ولد كوش بن سام بن نوح، ولد لعشر سنين من ملك داود عليه السلام وبقي إلى زمن يونس عليه السلام. وفي {الْحِكْمَةَ} التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الفهم والعقل، قاله السدي. الثاني: الفقه والعقل والإصابة في القول، قاله مجاهد. الثالث: الأمانة. {أَنِ اشكُرْ لِلَّهِ} يعني نعم اللَّه، فيه وجهان: أحدهما: معنى الكلام: ولقد آتيناه الحكمة وآتيناه الشكر لله، قاله المفضل. الثاني: آتيناه الحكمة لأن يشكر لله، قاله الزجاج. وفي شكره أربعة أوجه: أحدها: هو حمده على نعمه. الثاني: هو ألا يعصيه على نعمه. الثالث: هو ألا يرى معه شريكاً في نعمه عليه. الرابع: هو طاعته فيما أمره. {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي يعود شكره إلى نفسه لأنه على النعمة إذا زاد من الشكر. {وَمَن كَفَرَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني كفر بالله واليوم الآخر، قاله مجاهد. الثاني: كُفْرُ النعمة، قاله يحيى بن سلام. {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فيه وجهان: أحدهما: غني عن خلقه حميد في فعله، قاله يحيى بن سلام. الثاني: غني عن شكره مستحمد إلى خلقه، قاله ابن عيسى.

ابن عطية

تفسير : {لقمان} رجل حكيم بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل، واختلف هل هو نبي مع ذلك أو رجل صالح فقط، فقال بنبوءته عكرمة والشعبي، وقال بصلاحه فقط مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لم يكن لقمان نبياً ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين أحب الله فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال يا رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء وإن عزمت علي فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمني وكان قاضياً في بني إسرائيل نوبياً أسود مشقق الرجلين ذا مشافر"تفسير : ، قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وابن عباس، وقال له رجل كان قد رعى معه الغنم ما بلغ بك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعني، وقال ابن المسيب: كان من سودان مصر من النوبة، وقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، وقيل كان خياطاً، وقيل كان راعياً، وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له وأي الناس شر؟ قال الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً. وقوله تعالى: {أن اشكر} يجوز أن تكون {أن} في موضع نصب على إسقاط حرف الجر أي "بأن اشكر لله"، ويجوز أن تكون مفسرة أي كانت حكمته دائرة على الشكر لله ومعانيه وجميع العبادات والمعتقدات داخلة في شكر الله تعالى، ثم أخبر تعالى أن الشاكر حظه عائد عليه وهو المنتفع بذلك. و {الله} تعالى {غني} عن الشكر فلا ينفعه شكر العباد {حميد} في نفسه فلا يضره كفر الكافرين و {حميد} بمعنى محمود أي هو مستحق ذلك بذاته وصفاته، وقوله {وإذ قال} يحتمل أن يكون التقدير واذكر إذ قال، ويحتمل أن يكون التقدير "وآتيناه الحكمة إذ قال" واختصر ذلك لدلالة المتقدم عليه واسم ابنه ثاران، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم "يا بنيِّ" بالشد والكسر في الياء في الثلاثة على إدغام إحدى الياءين في الأخرى، وقرأ حفص والمفضل عن عاصم "يا بنيَّ" بالشد والفتح في الثلاثة على قولك يا بنيا ويا غلاما، وقرأ ابن أبي برة عن ابن كثير "يا بنيْ" بسكون الياء، و {أية : يا بني إنها} تفسير : [لقمان: 16] بالكسر، و {أية : يا بنيَّ أقم الصلاة} تفسير : [لقمان: 17] بفتح الياء، وروى عنه قنبل بالسكون في الأولى والثالثة وبكسر الوسطى وظاهر قوله {إن الشرك لظلم عظيم} أنه من كلام لقمان، ويحتمل أن يكون خبراً من الله تعالى منقطعاً من كلام لقمان متصلاً به في تأكيد المعنى، ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت {أية : ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} تفسير : [الأنعام: 82] أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم، فأنزل الله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} فسكن إشفاقهم. قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون ذلك خبراً من الله تعالى، وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد.

ابن عبد السلام

تفسير : {لُقْمَانَ} نبي ـ قاله عكرمة، أو من سودان مصر ذو مشافر أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة، أو كان عبداً حبشياً، أو نوبياً قصيراً أفطس خياطاً بمصر، أو راعياً، أو نجاراً وكان فيما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو ولد لعشر سنين من ملك داود وبقي إلى زمان يونس {الْحِكْمَةَ} الفهم والعقل، أو الفقه والعقل والإصابة في القول، أو الأمانة. {أَنِ اشْكُرْ} أتيناه الحكمة والشكر، أو آتيناه الحكمة لأن يشكر قاله الزجاج {اشْكُرْ لِلَّهِ} احمده على نعمه، أو أطعه ولا تشرك به، أو لا تعصه على نعمه. {يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنه تزداد نعمه كلما ازداد شكراً. {وَمَن كَفَرَ} بالنعمة، أو بالله واليوم الآخر. {غَنِىٌّ} عن خلقه {حَمِيدٌ} في فعله، أو غني عن فعله مستحمد إلى خلقه.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } وهو لقمان ابن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟ وقيل: كان خياطاً. وقيل نجاراً وقيل راعياً وقيل، كان قاضياً في بني إسرائيل. وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً. والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً. وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل. وقيل: تتلمذ لألف وتتلمذ له ألف نبي. و «أن» في {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } مفسرة والمعنى أي اشكر الله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر. وقيل: لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حكيماً في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته، وقال السري السقطي: الشكر أن لا تعصي الله بنعمه. وقال الجنيد: أن لا ترى معه شريكاً في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل أن شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل. {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأن منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد {وَمَن كَفَرَ } النعمة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ } غير محتاج إلى الشكر {حَمِيدٌ } حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد {وَإِذْ } أي واذكر إذ {قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } أنعم أواشكم {وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَىَّ} بالإسكان مكي {يا بني} حفص بفتحه في كل القرآن {لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} اختلف في لقمان؛ هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعْت النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ: «حديث : لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً؛ وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللّهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً؛ يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خَيَّرْتَنِي، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا مَشَافِر»تفسير : ، قاله سعيدُ بن المسيِّب وابن عباس وجماعة: وقال له رَجُلٌ ـــ كان قد رَعَىٰ معه الغنم ـــ: مَا بَلَغَ بِكَ يا لقمان مَا أَرَىٰ؟ قَالَ: صِدْقُ الحديثِ، وأداءُ الأَمانةِ، وتركِي ما لا يعنيني، وحِكَمُ لُقْمَانَ كثيرةٌ مأثُورَة. قال ابن العربي في «أحكامه»: ورَوَى عُلماؤُنا عن مالكِ قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إنَّ الناسَ قد تطاوَلَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرةِ سِراعاً يذهبون، وإنك قد اسْتَدْبَرْت الدنيا مذ كنت، واستقبلت الآخرة مع أَنْفَاسِك، وإن داراً ستسير إليها؛ أقرب إليك من دار تخرج منها، انتهى. وقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ} يجوز أن تكونَ «أنْ» في مَوضعِ نصب على إسقاط حرف الجر، أي: بأنِ اشْكُرْ للَّهِ ويجوز أن تكونَ مفسِّرَةً، أي: كانت حكمتُه دائرة على الشكر للَّه، وجميع العبادات داخلةٌ في الشكر للَّه عز وجل، و {حَمِيدٌ} بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك بذاته وصفاته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} لقمان قيل: أعجمي وهو الظاهر فمنعه للتعريف والعجمة الشخصية، وقيل: عربي مشتق من اللّقْم وهو حينئذ مُرَجَّل لأنه لم يبق له وضعٌ في النكرات ومنعه حينئذ للتعريف وزيادة الألف والنون، والعامل في "إذ" مضمر. قال ابن إسحاق لقمانُ هو نَاعور بن ناحُور بن تَارخ، وهو آزر، وقال وهب كان ابن أخت أيوب وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل واتفق العلماء على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً إلا عكرمة فإنه قال كان نبياً وانفرد بهذا القول وقال بعضهم خُيِّرَ لُقْمَانُ: بين النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاختار الحكمةَ, وروي أنه كان نائماً نصف النهار فنُودِيَ يا لقمانُ: هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحقّ فأجاب الصوت وقال: إن خَيَّرَنِي ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن عزم علي فسمعاً وطاعة فإني أعْلَمُ إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني فقالت الملائكة بصوت لا يراهم لِمَ يا لقمانُ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن يعن فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً، ومن يختر الدنيا على الآخرة تُغْنه الدنيا ولا يصيب الآخرة فتعجبت الملائكة من حسن مَنْطِقِه فقام من نومه فأعطي الحكمة فانْتَبَهَ وهو يتكلم بها ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة، كُلّ ذلك بعفو الله عنه وكان لقمان تؤازره الحكمة، قال خالد الربعي: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، وقال سعيد بن المسيب: كان خياطاً، وقيل: كان راعِيَ غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألستَ فلاناً الراعيَ فبم بَلَغْتَ ما بَلَغْتَ؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يَعْنِينِي، وقال مجاهد: كان عبداً أسود عظيم الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وقال الحسن: اعتزل لقمان الناس فنزل ما بين الرقّة (وبيت) المقدس لا يخالطهم، وقال أبو جعفر: كان لقمانُ الحبشيُّ عبداً لرجل فجاء به إلى السوق ليبيعه فكَانَ كلما جاء إنسانٌ يشتريه قال له لقمان: ما تصنع بي (فاعل فيقول: أصنع بك كذا وكذا فيقول: حاجتي إليك أن لا تَشْتِرِيَنِي حتى جاء رجل فقال له: ما تصنع بي) قال أُصَيِّرُك بواباً على بابي فقال: أنت اشتري فاشتراه وجاء به إلى جاره قال: وكان لمولاه ثلاثُ بناتٍ يَبْغِين في القرية، وأراد أن يخرج إلى ضيعةً له فقال له: إني أَدْخَلْتُ إليهن طعامَهُنَّ وما يَحْتَجْنَ إليه فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أحضر قال: ففعل فَخَرَجْنَ إليه كما كُن يَخْرُجُنْ فقلن (له): افتح الباب فأبى (عليهن) فَسَجَنَّه فَغَسَل الدم وجلس، فلما قدم مولاه لم يخبره (ثم عاد مولاه بعد ذلك فخرج إليه وقال: إني قد أدخلت غليهن ما يحتجن إليه فلا تفتح الباب فأغلق الباب فجئن إليه فقلن له: افتح الباب فأبى فَشَجَجْنَه ورجَعنَ فغسل الدم وجلس فلما جاء مولاه لم يخبره) قال: فقالت الكبرى: وما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله - عز وجل - مني والله لأتوبَنَّ فتَابَتْ، (وقالت) الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشيّ وهذه الكبرى أولى بطاعة الله - عز وجل - مني والله لأتوبَنَّ فَتَابَتْ فقالت الوسطى: ما بال هَاتَيْن وهذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني والله لأتوبن فتابت فتُبْنَ إلى الله تعالى وكُنَّ عَوَابِدَ القرية فقال غُوَاةُ القرية ما بال هذا العبد الحبشيّ وبنات فلان أولى بطاعة الله - عز وجل - منّا فتابوا، وعن مكحول: أن لقمانَ كان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل وكان مولاه يلعب بِالنَّرْدِ ويخاطر عليه، وكان على بابه نهرٌ جارٍ فلعب يوماً بالنَّرْدِ على أن من قهر صاحبه شرب الماء الذي في البحر كله أو افتدى منه فقمر سيد لقمان فقال له القامر: اشرب ما في النهر كله وإلا فافتديه فقال سَلْنِي الفداء فقال: عينيك أَفْقَأهُما أو جميع ما تملك فقال: أمْهِلْنِي يوماً قال لك ذلك. فأمسى كئيباً حزيناً فكلمه لقمان فأعرض عنه فأعاد عليه القول فأعرض عنه فقال أخبرني فلعل لك عندي فرجاً فأخبره فقال: إذا قال لك الرجلُ اشرب ما في النهر فقل له أشرب ما بين حفتي النهر أو المد (فإنه) يقول لك ما بين حفتي النهر فقل له احبس عني المد حتى أشرب ما بين الحفتين فإنه لا يستطيع وتكون قد خرجت مما ضمنته له فعرف الرجل أنه قد صدق فطابت نفسه، فلما أصبح الرجل جاء فقال أَوْفِ لي شرطي فقال له نعم أشرب ما بين الضفتين أو المد فقال ما بين الضفتين قال فاحبس عني المد قال كيف أستطيع فخصمه قال فأعتقه مولاه فأكرمه الله تعالى وكان يختلف إلى داودَ - عليه السلام - يقتبس منه فاختلف إليه سنة وداود يتخذ درعاً يسأله ما هذا ولم يخبره داود حتى فرغ منها ولَبِسَها على نفسه فقال عند ذاك: الصمت حكمة. فصل لما بين الله تعالى فساد اعتقاد المشركين في عبادة من لا يَخْلقُ شَيْئاً بقوله: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}تفسير : [الروم: 11] بين أن المشرك ظالم ضالٌّ ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم نقيض الحكمة إن لم يكن هناك نبوة وذكر حكاية لقمان فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ}. (والحكمة) عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فإن أريد تَحْدِيدُها بما يدخل فيه حكمة الله فنقول: حصول العلم على وفق المعلوم. قوله: "أَنْ اشْكُرْ" هذه "أن" المفسرة، فسر الله إيتاء الحكمة بقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ} ثم بين أن الشكر لا يشفع إلا الشاكر بقوله: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} وبين أن من كفر لا يتضرر غير الكافر، فقال: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي غير محتاج إلى شكره، وقدم الشكر على الكُفْرَانِ ههنا وقال في الروم: {أية : مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}تفسير : [الروم: 44] لأن الذكر في الروم كان للترهيب ولذلك قال: {أية : يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ}تفسير : [الروم: 43] فقدم التخويف، وههنا الذكر للترغيب؛ لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد. قوله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ} هذا عطف على ما تقدم والتقدير آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه، وحين جعلناه واعظاً لغيره. قوله: "يا بُنَيَّ" قرأ ابن كثير بإسكان الياء وفتحها حفصٌ والباقون بالكسر {لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} بدأ في الوعظ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، أما أنه ظلم فلأنه وضع النفس الشريفة المكرمة في عبادة الخسيس، فوضع العبادة في غير موضعها. قوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبٌ منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة بل هي واجبة لغير الله (في بعض الصور) كخدمة الأبوين ثم بين السبب فقال: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ" يعني لله على العبد نعمة الابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق أي صارت بقدرة الله سبب وجود فإنها حملته وبرضاه حصل التربية والبقاء. قوله: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} يجوز أن ينتصب على الحال من (أُمُّهُ) أي ضَعْفاً على ضعف. وقال ابن عباس: شدة عل شدة، وقال مجاهد: مشقة بعد مشقة وقال الزجاج: المرأة إذا حَمَلَتْ توَالَى عليها الضعف والمشقة، وقيل: الحمل ضعف والوضع ضعف، وقيل: منصوب على إسقاط الخافض أي في وهنٍ. قال أبو البقاء: "وعلى وهن" صفة له "لوَهْناً". وقرأ الثَّقَفِي وأبو عمرٍو - في رواية - وَهَنا على وَهَنٍ - بفتح الهاء فيهما - فاحتمل أن تكونا لغتين كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، واحتمل أن يكون المفتوح مصدر "وَهِنَ" بالكسر يَوهَنُ وَهناً. قوله: "وفصاله" قرأ الجَحْدِرِيُّ وقتادةُ وأبُو رَجَاء والحسنُ "وفَصْلُهُ" دون ألف - أي وفِطامُهُ في عامين. فإن قيل: وصى الله بالوالدين، وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه الحشر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ. فالجواب: أن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأبَ حمله خلفة لكونه من جملةِ جَسَدِهِ، والأم حملته ثقلاً آدميّاً مودع فيها وبعد وضعه وتربيته ليلاً ونهاراً وبينهما ما لا يخفى من المشقة. قوله: "أَنْ اشْكُرْ" في "أن" وجهان: أحدهما: أنها مفسرة. والثاني: أنها مصدرية في محل نصب بـ "وصّينا" قاله الزجاج، لما كان الوالدان سببَ وجود الولد والموجد في الحقيقة للولد والوالدين هو الله أمر بأن يشكر قبلهما. ثم بين الفرق فقال "إِلَيَّ المَصِيرُ" أي المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أَدْبَار الصَّلَوَاتِ الخَمْس فقد شكر الوالدين. قوله: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} يعني أن خدمتهما واجبة، وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاقة الله فإن أفضى إليه فلا تُطِعْهُما، وتقدم تفسير الآية في العنكبوت. وقوله: "مَعْرُوفاً" صفة لمصدر محذوف أي صِحَاباً مَعْروفاً وقيل: الأصل: بمعروف. قوله: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبا بكر، وذلك انه حين أسلم أتاه عثمانُ وطلحة والزبير وسعدُ بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عَوْف وقالوا له: (لقد) صَدَّقْتَ هذا الرجل وآمنت به قال نعم هو صادق فآمنوا ثم حملهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أسلموا وهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر قال الله (تعالى): {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} يعني أبا بكر. قوله: "إِلَي" متعلق "بأَنَاب" ثم "إِليَّ" متعلق بمحذوف لأنه خبر "مرجعكم" فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تعملون. قيل: نزلت هاتان الآيتان في سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص وأمِّه، وقيل: الآية عامة. قوله: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ} هذا الضمير يرجع إلى الخطيئة، وذلك أن ابنَ لقمان قال لأبيه: يا أبت إنْ عملت الخطيئةَ حيث لا يراني أحد كيف يعلمها (الله)؟ فقال: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}. قوله: "إِنْ تَكُ" الضمير ضمير القصة، والجملة الشريطة مفسرة (للضمير)، وتقدم أن نافعاً يقرأ مِثْقَال بالرفع على أن كَانَ تامة وهو فاعلها وعلى هذا فيقال: لم ألحقت فله تاء التأنيث؟ قيل: لإضافته إلى مؤنث؛ ولأنه بمعنى "زِنَةُ حَبَّةٍ"، وجوز الزمخشري في ضمير "إِنَّهَا" أن تكون للحبة من السيئات والإحسان في قراءة من نصب "مِثْقَال". وقيل: الضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام أي إنَّ التي سألتَ عنها (إنْ تَكُ)، قال المفسرون: إنه سأل أباه أرأيت الحَبَّةَ تقع في مغاص البحر يعلمها الله؟. قوله: "فتكن" الفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفيةً في موضع حريز كالصَّخْرَةِ لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب وقرأ عبد الكريم الجَحْدَريُّ "فَتكِنَّ" بكسر الكاف، وتشديد النون مفتوحة أي فتستقر. وقرأ مُحَمَّدُ بْنُ أبي مُحَمَّد البَعْلَبَكِّيِّ: فَتُكَنَّ، إِلا أنه مبنيٌّ للمجهول، وقتادة "فَتَكِنْ" بكسر الكاف وتخفيف النون مضارع "وَكَنَ" أي استقر في وَكْنِهِ ووَكْرِهِ. فصل الصخرة لا بد وأن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة من ذكرها؟ قال بعض المفسرين المراد بالصخرة صخرة عليها الثَّوْرُ وهي لا في الأرض ولا في السماء، (وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تَكُنْ في صخرةٍ أو في موضع آخَرَ في السموات أو في الأرض). وقيل: هذا من تقديم الخاصّ وتأخير العام، وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصِّغَرِ، هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله: {إنْ تَكُ مثقال حبة من خردل} إشارة إلى الصغر، وقوله: {تَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} إشارة (إلى الحِجَاب، وقوله: "فِي السَّمَوَاتِ" إشارة إلى البُعد، فإنها أبعدُ الأبعاد، وقوله: "أَوْ فِي الأَرْضِ" إشارة) إلى الظلمة فإن جوْف الأرض أظلمُ الأماكن، وقوله: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} أبلغ من قول القائل: يعلمه الله لأن من يظهر له شيء (ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دونَ حال من يَظْهَرُ له الشيء) ويُظْهِرُهُ لغيره فقوله: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} أي يظهرها (للإشهار) {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} نافذ القدرة، "خَبِيرٌ" عالم ببواطن الأمور، روي في بعض الكتب أن هذه آخر كلمة تكلم بها لقمانُ فانشقتْ مرارتُه من هَيْبَتِهَا فمات، قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها. قوله: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزم من التوحيد وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله مخلصاً وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيئاته اختلفت. وقوله: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك فإن شغل الأنبياء رتبتهم عن العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} يعني من الأذى لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر عليه. فإن قيل: كيف قدم (في) وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر ابنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال: {لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} ثم قال: "أَقِم الصَّلاَةَ"؟. فالجواب: أنه كان يعلم أن ابنه معترفٌ بوجودِ الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف، وأما ابنه فأمره أمراً مطلقاً والمعروف يقدم على المنكر. قوله: {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} يجوز أن يكون عزم بمعنى مفعول أي من مَعْزُوماتِ الأمور أو بمعنى عازم كقوله: أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ}تفسير : [محمد: 21] وهو مجاز بليغ، وزعم المبرد أن العين تبدل حاء فيقال "حَزْم، وعَزْم" والصحيح أنهما مادتان مختلفتان اتفقا في المعنى، والمراد من الآية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى (فيهما) من الأمور الواجهة التي أمر الله تعالى بها ويعزم عليها لوجوبها. قوله: "وَلاَ تُصَعِّرْ" قرأ ابن كثير وابنُ عامر وعاصمٌ "تُصَاعِرْ" بألف وتخفيف العين، والباقون بالألف وتشديد العين، والرسم يحتملهما، فإنه رسم بغير ألف، وهما لغتان لغةُ الحجاز التخفيف وتميم التثقيل فمن التثقيل قوله: شعر : 4050 - وَكُنَّـا إِذَا الجَبَـارُ صَعَّـرَ خَـدَّهُ أَقَمْنَـا لَـهُ مِـنْ مَيْـلِهِ فَيُقَــوَّمُ تفسير : ويقال أيضاً: تَصَعَّر، قال: شعر : 4051 - ........................... أقَمْنَـا لَـهُ مِـنْ خَـدِّه المُتَصَعِّــر تفسير : وهو من الميل، وذلك أن المتكبر يميل بِخَدِّهِ تكبراً كقوله {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ}تفسير : [الحج: 9]. قال أبو عبيدة: أصله من الصَّعَرِ داء يأخذ الإبل في أعناقها فتميل وتَلْتَوِي؛ يقال: صَعَّرَ وجهه وصاَعَرَ إذا مال وأعرض تكبُّراً، ورجل أصْعَرُ أي مائل العنق، وتفسير اليَزِيدِيّ له بأنه التَّشَدُّق في الكلام لا يوافق الآية هنا، قال ابن عباس: يقول لا تتكبر فتحتقر الناس وتعرض عنهم وجهك إذا كلموك، وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبين إحْنَةٌ فتلقاه فيعرض عنك بوجهه، وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عُنُقَه تكبراً، وقال الربيع بن أنس وقتادة ولا تحتقر الفقراء ليكون الغنيّ والفقير عندك سواء، واعلم أنه لما أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره فكان يخشى بعدها من أمرين: أاحدهما: التكبر على الغير لكونه مكملاً له. والثاني: التبختر في المشي لكونه كاملاً في نفسه فقال: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ} تكبراً {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي خُيَلاَءَ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} في نفسه "فَخُورٍ" على الناس بنفسه. قوله: "واقْصِدْ" (هذا قاصر) بمعنى اقْتَصِدْ واسلُك الطريقة الوسطى بين ذلك قَوَاماً أي ليكن مشيك قصداً لا تخيلاً ولا إسراعاً. وقال عطاء: امشِ بالوَقَار والسكينة لقوله: {أية : يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}تفسير : [الفرقان: 63]. (وقُرِىءَ) "وأَقْصِدْ" بهمزة قطعٍ من أَقْصَدَ إذا سَدَّدَ سهمه للرَّمْيَةِ. قوله: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} من تَبْعيضيَّه، وعند الأخفش يجوز أن تكون زائدة، ويؤيده قوله {أية : يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ}تفسير : [الحجرات: 3]. وقيل: "من صوتك" صفة لموصوف محذوف أي شيئاً من صوتك، وكان الجاهلية يتمدحون برفع الصوت، قال: [من المتقارب]: شعر : 4052 - جَهِيـرَ الكَلاَمِ جَهِيـرَ العُطَاسِ جَهِيـرَ الرُّوَاءِ جَهِيـرَ النّعَمْ تفسير : والمعنى أَنْقِصْ من صوتك، وقال مقاتل: اخفض من صوتك. فإن قيل: لِمَ ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟. فالجواب: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصِّمَاخ بقوته، وربما يخرقُ الغِشَاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشيء فلا تؤذي وإن أذت فلا يؤذي غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار ولأن اللمس يؤذي آلة اللمس والصوت يؤذي آلة السمع، وآلة السمع على باب القلب فإن الكلامَ ينتقلُ من السمع إلى القلب ولا كذلك اللمس وأيضاً فلأن قبيحَ القول أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان تَرْجُمانُ القلب. قوله: "إِنَّ أَنْكَرَ" قيل: أنكر مبنيٌّ من مبنيٍّ للمفعول نحو: "أشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النّحْيَيْنِ"، وهو مختلف فيه ووحد "صوت" لأنه يراد به الجنس ولإضافته لجمع، وقيل: يحتمل أن يكون "أنكر" من باب "أطوع له من بنانه" ومعناه أشدّ طاعةً. فإن "أفْعَلَ" لا يجيء (في) "مُفْعَل ولا في "مفْعُول" ولا في باب العيوب إلا ما شَذَّ كقولهم "أَطْوَعُ مِنْ كَذَا" للتفضيل على مُطِيع و "أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْن" و "أحْمَقُ (مِنْ فُلانُ") من باب العيوب، وعلى هذا فهو من باب "أفعل" كأَشْغَلَ في باب مَفْعُولٍ فيكون للتفضيل على المنكر. أو نقول هو من باب "أَشْغَل" مأخوذ من نُكِرَ الشيءُ فهو مَنْكُورٌ، وهذا أنْكَرُ مِنْه، وعلى هذا فله معنى لطيف وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثِقَل أو تعب كالبَعير أو لغير ذلك والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهقُ بصوتٍ مُنْكَر (فيمكن) أن يقال: هو من نكير كأَحَدَّ من حَدِيدٍ. فإن قيل: كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حزَّ المِنْشَار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتاً؟!. فالجواب من وجهين: الأول: أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوتاً الحميرُ فلا يَردُ السؤال. الثاني: أن الآمر بمصلحة وعبادة لا ينكر صوته بخلاف صوت (الحمير). فصل قال مقاتل: اخْفِضْ مِنْ صوتك {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ} أقبح الأصوات {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} أوله زَفيرٌ، وآخره شهيقٌ وهما صوت (أهل النار) وقال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار وقال جعفر الصادق في قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال: هي العطسة القبيحة المنكرة، قال وهب تكلم لقمان اثْنَي عشَرَ ألْف كلمةٍ من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم ومن حكمه: قال خالد الربعي كان لقمان عبداً حبشياً فدفع (له) مولاه إليه شاة فقال اذبحها فأتِنِي بأطيبِ مُضْغَتَيْنِ مِنْها فأتاه باللِّسان والقَلْب فسأله مولاه فقال: ليس شيء أطْيَبَ منهما إذا طابا ولا أخبثَ منهما إذا خَبُثَا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏أتدرون ما كان لقمان‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏: كان حبشياً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في الزهد وأحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً نجاراً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال‏:‏ قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما‏:‏ ما انتهى إليكم من شأن لقمان عليه السلام‏؟‏ قال‏:‏ كان قصيراً، أفطس من النوبة‏. وأخرج الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة‏:‏ لقمان الحكيم‏.‏ والنجاشي‏.‏ وبلال المؤذن‏‏"‏تفسير : . قال الطبراني‏:‏ أراد الحبشة. ‏ وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏سادات السودان أربعة:‏ لقمان الحبشي‏.‏ والنجاشي‏.‏ وبلال‏.‏ ومهجع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر، ذا مشافر‏، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن حرملة قال‏:‏ جاء أسود إلى سعيد بن المسيب رضي الله عنه يسأله، فقال له سعيد رضي الله عنه‏:‏ لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان‏:‏ بلال‏.‏ ومهجع مولى عمر بن الخطاب‏.‏ ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام عبداً أسود‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً لبني إسرائيل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه‏ أن لقمان عليه السلام كان خياطا‏ً.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام من أهون مملوكيه على سيده، وإن أول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان أن طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويكون منه الباسور، ويصعد الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج، فخرج فكتب حكمته على باب الحش قال‏:‏ وسكر مولاه، فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما وقع منه، فدعا لقمان فقال‏:‏ لمثل هذا كنت أخبؤك‏.‏ فقال‏:‏ اجمعهم، فلما اجتمعوا قال‏:‏ على أي شيء خاطرتموه‏؟‏ قالوا‏:‏ على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال‏:‏ فإن لها مواد فاحبسوا موادها عنها قالوا‏:‏ كيف نستطيع أن نحبس موادها‏؟‏ قال‏:‏ وكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد‏؟ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏ولقد آتينا لقمان الحكمة‏}‏ قال‏:‏ يعني العقل، والفهم، والفطنة‏.‏ من غير نبوّة‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له‏:‏ يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق‏؟‏ قال لقمان‏:‏ إن أجبرني ربي عز وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني‏.‏ وعلمني‏.‏ وعصمني‏.‏ وإن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أسأل البلاء، فقالت الملائكة‏:‏ يا لقمان لم‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً شائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة‏.‏ فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطاً فانتبه فتكلم بها، ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة، فقبلها ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح عنه وتجاوز‏.‏ وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام‏:‏ طوبى لك يا لقمان، أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولقد آتينا لقمان الحكمة‏}‏ قال‏:‏ العقل‏،‏ والفقه‏، والاصابة في القول في نبوّه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولقد آتينا لقمان الحكمة‏} ‏ قال‏:‏ الفقه في الإِسلام، ولم يكن نبياً، ولم يوح إليه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة‏.‏ فاختار الحكمة على النبوّة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم، فذر عليه الحكمة، فاصبح ينطق بها فقيل له‏:‏ كيف اخترت الحكمة على النبوّة، وقد خيرك ربك‏؟‏ فقال‏:‏ لو أنه أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني، فخفت أن أضعف عن النبوّة، فكانت الحكمة أحب إلي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل أكان لقمان عليه السلام نبيا‏ً؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ لم يلوح إليه، وكان رجلاً صالحا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام نبيا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام رجلاً صالحاً ولم يكن نبيا‏ً.‏ وأخرج الطبراني والرامهرمزي في الأمثال بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : إن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني عليك بمجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال‏:‏ ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال‏.‏ ولا حسب‏.‏ ولا خصال‏.‏ ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوّط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، كان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول‏:‏ حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر‏.‏ فبذلك أوتي ما أوتي‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير عن عمر بن قيس رضي الله عنه قال‏:‏ مر رجل بلقمان عليه السلام والناس عنده فقال‏:‏ ألست عبد بني فلان‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فما الذي بلغ بك ما أرى‏؟‏ قال‏:‏ تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني‏. وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : إن لقمان الحكيم كان يقول‏:‏ إن الله إذا استودع شيئاً حفظه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال‏:‏ ما زال لقمان يعظ ابنه حتى انشقت مرارته فمات‏. وأخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال‏:‏ وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة، فنفذ الخردل فقال‏:‏ يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر‏.‏ فتفطر ابنه‏. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏قال لقمان لابنه وهو يعظه‏:‏ يا بني إياك والتقنع فإنها مخوفة بالليل، ومذلة بالنهار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج العسكري في الأمثال والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس‏؛‏ أن لقمان عليه السلام كان عبداً لداود، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال‏:‏ نعم درع الحرب هذه‏.‏ فقال لقمان‏:‏ الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني‏. وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس بها من رحمته، فقال‏:‏ يا أبتاه وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد‏؟‏ قال‏:‏ المؤمن كذا له قلبان‏.‏ قلب يرجو به‏.‏ وقلب يخاف به‏. وأخرج البيهقي عن سليمان التيمي رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني أكثر من قول‏:‏ رب اغفر لي‏،‏ فإن لله ساعة لا يرد فيها سائل‏.‏ وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن عمر بن سليم رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني حملت الحجارة، والحديد، والحمل الثقيل، فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، يا بني إني قد ذقت المر كله فلم أذق شيئاً أمر من الفقر‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في اليقين عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إن العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله، يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريبة فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فاخبره أن الدنيا مفارقة متروكة‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن وهب رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني اتخذ تقوى الله تجارة يأتك الربح من غير بضاعة‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في الرضا عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك‏.‏ قال‏:‏ أهذه فلا أقدر أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت، قال‏:‏ يا بني فإن الله قد بعث نبيا‏ً.‏ هلم حتى تأتيه فصدقه‏.‏ قال‏:‏ اذهب يا أبت‏.‏ فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتى تلقتهما مفازة، فأخذا أهبتهما لها فدخلاها، فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطآ حماريهما، فنزلا فجعلا يشتدان على سَوْقِهِما، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هم بسواد ودخان، فقال في نفسه‏:‏ السواد‏:‏ الشجر‏.‏ والدخان‏:‏ العمران والناس‏. فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطىء ابن لقمان على عظم في الطريق، فخر مغشياً عليه، فوثب إليه لقمان عليه السلام، فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه، ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال‏:‏ يا أبت أنت تبكي وأنت تقول‏:‏ هذا خير لي، كيف يكون هذا خيراً لي‏؟‏ وقد نفد الطعام والماء، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وان أقمت معي متنا جميعاً فقال‏:‏ يا بني‏.‏ أما بكائي فرقة الوالدين، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيراً لي‏؟‏ فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم يَرَ ذلك الدخان والسواد‏. وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض، وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً، فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه، ثم صاح به‏:‏ أنت لقمان‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أنت الحكيم‏؟‏ قال‏:‏ كذلك‏.‏ فقال‏:‏ ما قال لك ابنك‏؟‏ قال‏:‏ يا عبد الله من أنت‏؟‏‏!‏ اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال‏:‏ أنا جبريل‏.‏ أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها، فاخبرت انكما تريدانها، فدعوت ربي أن يحبسكما عنها بما شاء، فحبسكما بما ابتلي به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً، وعلى الذين كان فيه الماء فامتلأ ماء، ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير، فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي؛‏ أنه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه قال‏:‏ ‏{‏إنها إن تك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك، فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله، ثم ذكر وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب نفس‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه أن لقمان قال لابنه‏:‏ يا بني حملت الجندل‏.‏ والحديد‏.‏ وكل شيء ثقيل‏.‏ فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المر فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً على شبع، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتلفظ‏.‏ وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك‏.‏ وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال‏:‏ قيل للقمان عليه السلام‏:‏ ما حكمتك‏؟‏ قال‏:‏ لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني‏. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال‏:‏ لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزناً طويلاً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال‏:‏ كان لقمان عليه السلام يقول لابنه‏:‏ يا بني اتق الله، ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرمك بذلك وقلبك فاجر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده‏:‏ اذبح لي شاة‏.‏ فذبح له شاة فقال له‏:‏ ائتني بأطيب مضغتين فيها‏.‏ فأتاه باللسان والقلب فقال‏:‏ أما كان شيء أطيب من هذين‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فسكت عنه ما سكت، ثم قال له‏:‏ اذبح لي شاة‏.‏ فذبح له شاة فقال له‏:‏ ألق أخبثها مضغتين‏.‏ فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بأن تأتي بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال‏:‏ إنه ليس شيء بأطيب منها إذا طابا، ولا بأخبث منهما إذا خبثا‏. وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام‏:‏ ألا أن يد الله على أفواه الحكماء‏.‏ لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له‏.‏ وأخرج عبد الله عن سفيان رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني ما ندمت على الصمت قط وإن كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب‏.‏ وأخرج أحمد عن قتادة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق‏.‏ وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ مكتوب في الحكمة - يعني حكمة لقمان عليه السلام - يا بني إياك والرغب كل الرغب، فإن الرغب كل الرغب ينفذ القرب من القرب، ويترك الحلم مثل الرطب، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه‏:‏ يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله عز وجل فيه فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وان يطلع الله عز وجل إليهم برحمة تصبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك عَيِياً يزيدوك عياً، وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، ويا بني لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت‏. وأخرج عبد الله في زوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء‏.‏ وأخرج أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ مكتوب في الحكمة - يعني حكمة لقمان - لتكن كلمتك طيبة، وليكن وهجك بسيطاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال‏:‏ مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون‏.‏ وقال‏:‏ مكتوب في الحكمة‏:‏ كما تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون‏.‏ وقال‏:‏ مكتوب في الحكمة‏:‏ أحب خليلك وخليل أبيك‏.‏ وأخرج أحمد عن أبي قلابة رضي الله عنه قال‏:‏ قيل للقمان عليه السلام‏:‏ أي الناس أصبر‏؟‏ قال‏:‏ صبر لا معه أذى‏.‏ قيل‏:‏ فأي الناس أعلم‏؟‏ قال‏:‏ من ازداد من علم الناس إلى علمه‏.‏ قيل فأي الناس خير‏؟‏ قال‏:‏ الغني‏.‏ قيل‏:‏ الغني من المال‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ولكن الغني إذا التمس عنده خير وجدوا لا أغنى نفسه عن الناس‏. وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه قال‏:‏ قيل للقمان عليه السلام‏:‏ أي الناس شر‏؟‏ قال‏:‏ الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً‏.‏ وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ وجدت في بعض الحكمة‏.‏ يبرد الله عظام الذين يتكلمون باهواء الناس، ووجدت في الحكمة‏:‏ لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم إذا لم تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك رجل احتطب حطباً فحمل حزمة، فذهب يحملها، فعجز عنها فضم إليها أخرى‏.‏ وأخرج أحمد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام‏:‏ يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم‏.‏ وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه عمن أخبره أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإِيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجياً‏.‏ وأخرج عبد الله في زوائده عن عوف بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر‏.‏ وأخرج أحمد عن شرحبيل بن مسلم رضي الله عنه أن لقمان قال‏:‏ أقصر من اللجاجة، ولا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أكون مضحاكاً من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب‏.‏ وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال‏:‏ قرأت في الحكمة‏:‏ من كان له من نفسه واعظاً كان له من الله حافظاً، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية‏.‏ وأخرج أحمد عن عبد الله بن دينار رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني انزل نفسك منزلة من لا حاجة له بك، و لا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن أبي يحيى رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ أي بني أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك‏.‏ وأخرج أحمد عن معاوية بن قرة قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني جالس الصالحين من عباد الله فإنك تصيب بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم، يا بني لا تجالس الأشرار فإنك لا يصبك من مجالستهم خير، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام‏:‏ الصمت حكم وقليل فاعله فقال طاوس رضي الله عنه‏:‏ أي أبا نجيح من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله‏.‏ وأخرج أحمد عن عون رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني إذا انتهيت إلى نادي قوم فارمهم بسهم الإِسلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجلس معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم‏. وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن دينار رضي الله تعالى عنه‏:‏ إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال‏:‏ ما فعل أبي‏؟‏ قال‏:‏ مات‏.‏ قال‏:‏ الحمد لله ملكت أمري قال‏:‏ ما فعلت أمي‏؟‏ قال‏:‏ ماتت‏.‏ قال‏:‏ ذهب همي قال‏:‏ ما فعلت امرأتي‏؟‏ قال‏:‏ ماتت قال‏:‏ جدد فراشي قال‏:‏ ما فعلت أختي‏؟‏ قال‏:‏ ماتت قال‏:‏ سترت عورتي قال‏:‏ ما فعل أخي‏؟‏ قال‏:‏ مات قال‏:‏ انقطع ظهري‏. وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الوهاب بن بخت المكي رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء‏. وأخرج عن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني امتنع مما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك‏. وأخرج أحمد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم‏.‏ وأخرج أحمد عن بكر المزني رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام‏:‏ ضرب الوالد لولده كالماء للزرع‏. وأخرج القالي في أماليه عن العتبي قال‏:‏ بلغني أن لقمان عليه السلام كان يقول‏:‏ ثلاثة لا يعرفون إلا ثلاثة مواطن‏:‏ الحليم عند الغضب‏.‏ والشجاع عند الحرب‏.‏ وأخوك عند حاجتك إليه‏.‏ وأخرج وكيع في الغرر عن الحنظلي رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فاغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره‏. وأخرج الدارقطني عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الأخرى، فَدَارٌ أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تُبَاعِد‏.‏ وأخرج ابن المبارك عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان يقول‏:‏ اللهم لا تجعل أصحابي الغافلين،‏ إذا ذكرتك لم يعينوني، وإذا نسيتك لم يذكروني، وإذا أمرت لم يطيعوني، وإن صمت أحزنوني‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن معتمر عن أبيه أن لقمان عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني عود لسانك أن يقول‏:‏ اللهم اغفر لي‏.‏ فإن لله ساعة لا يرد فيها الدعاء‏.‏ وأخرج الخطيب عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام لابنه‏:‏ يا بني إياك والدَيْن فإنه ذُلُّ النهارِ هَمُّ الليلِ‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ قال لقمان لابنه‏:‏ يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته‏. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال لقمان عليه السلام‏:‏ إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه فلا تقض له حتى يأتي خصمه قال‏:‏ يقول لعله أن يأتي وقد نزع أربعة أعين‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال الله عز وجل‏"حديث : ‏يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري، وتدعو إلي وتفر مني، وتذكرني وتنساني هذا أظلم ظلم في الأرض‏"تفسير : ثم يتلو الحسن ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيانِ بطلانِ الشِّركِ وهو لقمانُ بنُ باعُوراء من أولادِ آزرَ بنِ أختِ أيُّوبَ عليه السَّلامُ أو خالتِه وعاشَ حتَّى أدركَ داودَ عليه السَّلامُ وأخذ عنْهُ العلمَ وكان يُفتي قبل مبعثِه وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيلَ. والجمهورُ على أنَّه كانَ حكيماً ولم يكُنْ نبـيِّاً، والحكمةٌ في عُرفِ العُلماءِ: استكمالُ النَّفسِ الإنسانيَّةِ باقتباسِ العُلوم النَّطريةِ واكتسابِ المَلَكة التَّامةِ على الأفعالِ الفاضلةِ على قدرِ طاقتِها. ومن حكمتِه أنَّه صحبَ داودَ عليه السَّلام شُهوراً وكان يسرد الدِّرعَ فلم يسألْه عنها فلمَّا أتمَّها لبسها وقال نعمَ لبوسُ الحربِ أنتِ فقال: (الصَّمتُ حكمةٌ وقليلٌ فاعلُه) فقال له داودُ عليه السَّلامُ: بحقَ ما سُمِّيت حكيماً وأنَّ داودَ قال له يوماً كيفَ أصبحتَ فقال أصبحتُ في يَدَيْ غيرِي فتفكَّر داودُ فيه فصعِق صعقةً. وأنَّه أمرَه مولاهُ بأنْ يذبحَ شاةً ويأتي بأطيبِ مُضغتينِ منها فأتى باللِّسانِ والقلبِ، ثمَّ بعد أيَّامٍ أمره بأنْ يأتيَ بأخبثِ مُضغتينِ منها فأتى بِهما أيضاً فسأله عن ذلك فقالَ: هُما أطيبُ شيءٍ إذا طَابَا وأخبثُ شيءٍ إذا خُبثا. ومعنى {أَنِ ٱشْكُرْ للهِ} أي اشكُر له تعالى على أنَّ أنْ مفسِّرةٌ فإنَّ إيتاءَ الحكمةِ في معنى القَولِ وقوله تعالى: {وَمَن يَشْكُرْ} الخ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله موجبٌ للامتثالِ بالأمر أي ومَن يشكُرْ له تعالى {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنَّ منفعتَهُ التي هي ارتباطُ العتيدِ واستجلابُ المزيدِ مقصورةٌ عليها {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ} عن كلِّ شيءٍ فلا يحتاجُ إلى الشُّكرِ ليتضررَ بكفرِ مَن كفَرَ {حَمِيدٌ} حقيقٌ بالحمد وإنْ لم يحمدْهُ أحدٌ أو محمودٌ بالفعل ينطقُ بحمدِه جميعُ المخلوقاتِ بلسانِ الحالِ. وعدمُ التَّعرضِ لكونِه تعالى مشكُوراً لما أنَّ الحمدَ متضمنٌ للشكرِ بل هو رأسُه، كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : الحمدُ رأسُ الشُّكرِ لم يشكرِ الله عبدٌ لم يحمدْهُ » تفسير : فإثباتُه له تعالى إثباتٌ للشكرِ له قطعاً. {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} أنعمَ وقيل أشكمَ وقيل ماثانَ {وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَىَّ} تصغيرُ إشفاقٍ. وقُرىء يا بنيْ بإسكانِ الياءِ وبكسرِها {لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} قيل: كانَ ابنُه كافراً فلم يزلْ به حتَّى أسلم ومن وقفَ على لا تُشركْ جعلَ بالله قسماً {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تعليلٌ للنَّهي أو للانتهاءِ عن الشِّركِ {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ} الخ كلامُ مستأنفٌ اعترض به على نهجِ الاستطرادِ في أثناءِ وصيَّةِ لقمانَ تأكيداً لما فيها من النَّهيِ عن الشِّركِ. وقولُه تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} إلى قولِه في عامينِ اعتراضٌ بـين المفسَّر والمفسِّر. وقولُه تعالى: {وَهْناً} حالٌ من أمِّه أي ذاتَ وهنٍ أو مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلِ هو الحالُ أي تهِنُ وَهْناً. وقولُه تعالى: {عَلَىٰ وَهْنٍ} صفة للمصدرِ أي كائناً على وَهنٍ أي تضعُف ضعفاً فوقَ ضعفٍ فإنَّها لا تزالُ يتضاعفُ ضعفُها. وقُرىء وَهَنا على وَهَن بالتَّحريك يقالُ وَهِن يَهِنُ وَهَنا ووَهَن يَوْهِنُ وَهْناً {وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ} أي فطامُه في تمامِ عامينِ وهي مدَّةُ الرَّضاعِ عند الشَّافعيِّ وعند أبـي حنيفةَ رحمهما الله تعالى هي ثلاثُون شهراً. وقد بُـيِّن وجهُه في موضعِه. وقُرىء وفَصْلُه. {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ} تفسيرٌ لوصَّينا وما بـينهما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للوصيِّةِ في حقِّها خاصَّة ولذلك (حديث : قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمن قالَ له مَن أبرُّ؟ "أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ قالَ بعدَ ذلكَ ثمَّ أباكَ")تفسير : . {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تعليلٌ لوجوبِ الامتثالِ أي إليَّ الرُّجوع لا إلى غيرِي فأجازيك على ما صَدَر عنْك من الشُّكرِ والكُفرِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} [الآية: 12]. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: لا يكون الحكيم حكيمًا حتى يكون حكيمًا فى قوله حكيمًا فى فعله حكيمًا فى معاشرته حكيمًا فى صحبته وإلا يقال إنه يتكلم بالحكمة ولا يقال إنه حكيم. سمعت عبد الله الرازى يقول: كتبت من كتاب أبى عثمان وذكر أنه من كلام شاه: ثلاثة من علامات الحكمة إنزال النفس من الناس منزلتها عندهم وإنزال النفس كظنهم ووعظهم على قدر عقولهم فيقوموا بنفع حاضر. قوله تعالى: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [الآية: 12]. سمعت عبد الله الرازى يقول: كتبت من كتاب أبى عثمان وذكر أنه من كلام شاه: ثلاثة من علامات الشكر المقاربة من الإخوان فى النعمة، واستغنام قضاء حوائجهم وبذل العطية من استقلال الشكر بملاحظة المنة. قال أبو عثمان - رحمة الله عليه - فى كتابه إلى محمد بن الفضل: والشكر معرفة العجز عن الشكر إجلالاً لله وخضوعًا لعظمته ثم بدأ تحديد النعمة عليه فى رؤية التقصير فى الشكر فيشكر فيكون هذا شكر الشكر ثم يشكر فى شكر الشكر على الشكر ثم يفتح الله عين قلبه فيرى أنه لا نهاية للقيام بشكره والشكر على رؤية الشكر هو الشكر. وقال السرى - رحمة الله عليه -: الشكر ألا يعصى الله فى نعمه. وقال الجنيد - رحمة الله عليه -: الشكر أن لا ترى معه شريكًا فى نعمه. وقال الجريرى: الشكر أن تحرس لسانك عن النطق بالشكر علمًا بأن آخره العجز.

القشيري

تفسير : {ٱلْحِكْمَةَ} الإصابة في العقل والعقد والنطق. ويقال {ٱلْحِكْمَةَ} متابعة الطريق من حيث توفيق الحق لا من حيث هِمةَ النفس. ويقال {ٱلْحِكْمَةَ} ألا تكون تحت سلطان الهوى. ويقال {ٱلْحِكْمَةَ} الكوْن بحكم من له الحكم. ويقال {ٱلْحِكْمَةَ} معرفة قدْر نَفسك حتى لا تمدّ رِجليك خارجاً عن كسائك. ويقال {ٱلْحِكْمَةَ} ألا تستعصي عَلَى مَنْ تعلم أَنك لا تقاومه. {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ}: حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرَّبِّ. فهو مقلوب قولهم: كَشَرَتْ عن أنيابها الدابةُ؛ فيقال شكر وكشر مثل جذَب وَجبذَ. ويقال الشكرُ تحققكَ بعجزك عن شكره. ويقال الشكر ما به يحصل كمالُ استلذاذ النعمة. ويقال الشكر فضلةٌ تظهر عَلَى اللسان من امتلاء القلب بالسرور؛ فينطلق بمدح المشكور. ويقال الشكر نعتُ كلّ غنيِّ كما أن الكفرانَ وَصفُ كلِّ لَئيم. ويقال الشكر قرُع باب الزيادة. ويقال الشكر قيد الإنعام. ويقال الشكر قصة يمليها صميم الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال. {أية : وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}تفسير : [النمل: 40]. لأنه في صلاحها ونصيبها يسعى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} الحكمة ثلثة حكمة القرأن وهى حقايقها وحكمة الايمان وعلى المعرفة وحكمة البرهان وهى ادراك لطائف صنع الحق فى الافعال واصل الحكمة ادراك خطاب الحق بوصف الالهام قال شاة ثلثة من علامات الحكمة انزال النفس من الناس منزلتا وانزال الناس من الناس كظنهم ووعظهم على قدر عقولهم فيقوموا بنفع حاضر.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا لقمان الحكمة} [آورده اندكه قصة لقمان حكيم ووصايا او نزد يهود شهرتى داشت عظيم وعرب در مهمى كه بديشان رجوع كردندى ازحكمتها ولقمان براى ايشان مثل زدندى حق سبحانه وتعالى ازحال وى خبرداد وفرمود: ولقد الخ] وهو على ما قال محمد بن اسحاق صاحب المغازى لقمان بن باغور بن باحور بن تارخ بن تارخ وهو آزر ابو ابراهيم الخليل عليه السلام وعاش الف سنة حتى ادرك زمن داود عليه السلام واخذ عنه العلم وكان يفتى قبل مبعثه فلما بعث ترك الفتيا فقيل له فى ذلك فقال ألا اكتفى اذا كفيت. وقال بعضهم هو لقمان بن عنقا بن سرون كان عبدا نوبيا من اهل ايلة اسود اللون ولا ضير فان الله تعالى لا يصطفى عباده اصطفاء نبوة او ولاية وحكمة على الحسن والجمال وانما يصطفيهم على ما يعلم من غائب امرهم ونعم ما قال المولى الجامى شعر : جه غم زمنقصت صورت اهل معنى را جوجان زروم بود كوتن ازحبش مى باش تفسير : والجمهور على انه كان حكيما حكمة طب وحكمة حقيقة: يعنى [مردى حكيم بود ازنيك مردان بنى اسرائيل خلق را بند دادى وسخن حكمت كفتى وليكن سبط او معلوم نيست ولم يكن نبيا اما هزار ييغمبررا شا كردى كرده بود وهزار ييغمبر اورا شا كرد بودند درسخن حكمت]. وفى بعض الكتب قال لقمان خدمت اربعة آلاف نبى واخترت من كلامهم ثمانى كلمات. ان كنت فى الصلاة فاحفظ قلبك. وان كنت فى الطعام فاحفظ حلقك. وان كنت فى بيت الغير فاحفظ عينيك. وان كنت بين الناس فاحفظ لسانك. واذكر اثنين. وانس اثنين اما اللذان تذكرهما فالله والموت واما اللذان تنساهما احسانك فى حق الغير واساءة الغير فى حقك. ويؤيد كونه حكيما لا نبيا كونه اسود اللون لان الله تعالى لم يبعث نبيا الاحسن الشكل حسن الصوت. وما روى انه قيل ما اقبح وجهك يا لقمان فقال أتعيب بهذا على النقش ام على النقاش. وما قال عليه السلام حقا اقول لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين احب الله فاحبه فمن عليه بالحكمة وهى اصابة الحق باللسان واصابة الفكر بالجنان واصابة الحركة بالاركان ان تكلم تكلم بحكمة وان تفكر تفكر بحكمة وان تحرك تحرك بحكمة كما قال الامام الراغب الحكمة اصابة الحق بالعلم والفعل. فالحكمة من الله تعالى معرفة الاشياء وايجادها على غاية الاحكام. ومن الانسان معرفة الموجودات على ما هى عليه وفعل الخيرات وهذا هو الذى وصف به لقمان فى هذه الآية. قال الامام الغزالى رحمه الله من عرف جميع الاشياء ولم يعرف الله لم يستحق ان يسمى حكيماً لانه لم يعرف اجل الاشياء وافضلها والحكمة اجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا اجل من الله ومن عرف الله فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها ومن عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فانه قلما يتعرف للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع فى العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية اظهر عند الناس من احوال الحكيم من معرفته بالله ربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الانبياء عليه السلام "حديث : رأس الحكمة مخافة الله. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. كن ورعا تكن اعبد الناس. وكن تقيا تكن اشكر الناس. البلاء موكل بالمنطق. السعيد من وعظ بغيره. القناعة مال لا ينفد. اليقين الايمان كله" تفسير : فهذه الكلمات وامثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما. وفى التأويلات النجمية الحكمة عدل الوحى قال عليه السلام "حديث : اوتيت القرآن وما يعدله" تفسير : وهو الحكمة بدليل قوله تعالى {أية : ويعلمهم الكتاب والحكمة} تفسير : فالحكمة موهبة للاولياء كما ان الوحى موهبة للانبياء وكما ان النبوة ليست كسبية بل هى فضل الله يؤتيه من يشاء فكذلك الحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الانبياء اياه طريق تحصيلها بل بايتاء الله تعالى كما علمنا النبى عليه السلام طريق تحصيلها بقوله "حديث : من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" تفسير : وكما ان القلب مهبط الوحى من ايحاء الحق تعالى كذلك مهبط الحكمة بايتاء الحق تعالى كما قال تعالى {ولقد آتينا لقمان الحكمة} وقال {أية : يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا} تفسير : فثبت ان الحكمة من المواهب لا من المكاسب لانها الاقوال لا من المقامات والمعقولات التى سمتها الحكماء حكمة ليست بحكمة فانها من نتائج الفكر السليم من شوب آفة الوهم والخيال وذلك يكون للمؤمن والكافر وقلما يسلم من الشوائب ولهذا وقع الاختلاف فى ادلتهم وعقائدهم ومن يحفظ الحكمة التى اوتيت لبعض الحكماء الحقيقية لم تكن هى حكمة بالنسبة اليه لانه لم يؤت الحكمة ولم يكن هو حكيما انتهى. قال فى عرائس البيان الحكمة ثلاث. حكمة القرآن وهى حقائقه. وحكمة الايمان وهى المعرفة. وحكمة البرهان وهى ادراك لطائف صنع الحق فى الافعال واصل الحكمة ادراك خطاب الحق بوصف الالهام. قال شاه شجاع ثلاث من علامات الحكمة. انزال النفس من الناس منزلتها. وانزال الناس من النفس منزلتهم. ووعظهم على قدر عقولهم فيقوم بنفع حاضر. وقال الحسين بن منصور الحكمة سهام وقلوب المؤمنين اهدافها والرامى الله والخطأ معدوم. وقيل الحكمة هو النور الفارق بين الالهام والوسواس ويتولد هذا النور فى القلب من الفكر والعبرة وهما ميراث الحزن والجوع. قال حكيم قوت الاجساد المشارب والمطاعم وقوت العقل الحكمة والعلم. وافضل ما اوتى العبد فى الدنيا الحكمة وفى الآخرة الرحمة والحكمة للاخلاق كالطب للاجساد. وعن على رضى الله عنه روّحوا هذه القلوب واطلبوا لها طرائق الحكمة فانها تمل كما تمل الابدان وفى الحديث "ما زهد عبد فى الدنيا الا انبت الله الحكمة فى قلبه وانطق بها لسانه وبصّره عيوب الدنيا وعيوب نفسه واذا رأيتم اخاكم قد زهد فاقربوا اليه فاستمعوا منه فانه يلقى الحكمة". والزهد فى اللغة ترك الميل الى الشئ وفى اصطلاح اهل الحقيقة هو بعض الدنيا والاعراض عنها وشرط الزاهد ان لا يحنّ الى ما زهد فيه واد به ان لا يذم المزهود فيه لكونه من جملة افعال الله تعالى وليشغل نفسه بمن زهد من اجله. قال عيسى عليه السلام اين تنبت الحبة قالوا من الارض فقال كذلك الحكمة لا تنبت الا فى قلب مثل الارض وهو موضع نبع الماء. والتواضع سر من اسرار الله المخزونة عنده لا يهنه على الكمال الا لنبىّ او صديق فليس كل تواضع تواضعا وهو اعلى مقامات الطريق وآخر مقام ينتهى اليه رجال الله وحقيقة العلم بعبودية النفس ولا يصح من العبودية رياسة اصلا لانها ضدلها. ولهذا قال ابو مدين قدس سره آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ولا تظن ان هذا التواضع الظاهر على اكثر الناس وعلى بعض الصالحين تواضع وانما هو تملق بسبب غاب عنك وكل يتملق على قدر مطلوبه والمطلوب منه فالتواضع شريف لا يقدر عليه كل احد فانه موقوف على صاحب التمكين فى العالم والتحقق فى التخلق كذا فى مواقع النجوم لحضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر ـ روى ـ ان لقمان كان نائما نصف النهار فنودى يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة فى الارض وتحكم بين الناس بالحق فاجاب الصوت فقال ان خيرنى ربى قبلت العافية ولم اقبل البلاء وان عزم على اى جزم فسمعا وطاعة فانى اعلم ان فعل بى ذلك اعاننى وعصمنى فقالت الملائكة بصوت لا يراهم لم يا لقمان قال لان الحاكم باشد المنازل وا كدرها يغشاه الظلم من كل مكان اصاب فبالحرى ان ينجو وان اخطأ اخطأ طريق الجنة ومن يكن فى الدنيا ذليلا خير من ان يكون شريفا ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة فعجبت الملائكة من حسن منطقه ثم نام نومة اخرى فاعطى الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها. قال الكاشفى [حق سبحانه وتعالى اورا بسنديد وحكمت را برو افاضه كرد بمثابه كه ده هزار كلمه حكمت ازو منقولست كه هر كلمه بعالمى ارزد] فانظر الى قابليته وحسن استعداده لحسن حاله مع الله. واما امية بن ابى الصلت الذى كان يأمل ان يكون نبى آخر الزمان وكان من بلغاء العرب فانه نام يوما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه لسوء حاله مع الله تعالى. ثم نودى داود بعد لقمان فقبلها فلم يشترط ما اشترط لقمان فوقع منه بعض الزلات وكانت مغفورة له. وكان لقمان يوازره بحكمته: يعنى [وزيرئ وى ميكند بحمكت] فقال له داود طوبى لك يا لقمان اعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى واعطى داود الخلافة وابتلى بالبلية والفتنة شعر : در قصر عافيت جه نشينيم اى سليم مارا كه هست معركهاى بلا نصيب تفسير : وقال شعر : دائم كه شاد بودن من نيست مصلحت جزغم نصيب جان ودل ناتوان مباد تفسير : ولما كانت الحكمة من انعام الله تعالى على لقمان ونعمة من نعمه طالبه بشكره بقوله {ان اشكر لله} اى قلنا له اشكر لله على نعمة الحكمة اذا آتاك الله اياها وانت نائم غافل عنها جاهل بها {ومن} [وهركه] {يشكر} له تعالى على نعمه {فانما يشكر لنفسه} لان منفعته التى هى دوام النعمة واستحقاق مزيدها عائدة اليها مقصورة عليها ولان الكفران من الوصف اللازم للانسان فانه ظلوم كفار والشكر من صفة الحق تعالى فان الله شاكر عليم فمن شكر فانما يشكر لنفسه بازالة صفة الكفران عنها واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى {ومن كفر} نعمة ربه فعليه وبال كفره {فان الله غنى} عنه وعن شكره {حميد} محمود فى ذاته وصفاته وافعاله سواء حمده العباد وشكروه ام كفروه ولا يحصى عليه احد ثناء كما يثنى هو على نفسه وعدم التعرض لكونه تعالى شكورا لما ان الحمد متضمن للشكر وهو رأسه كما قال عليه السلام "حديث : الحمد رأس الشكر لم يشكر الله عبد لم يحمده" تفسير : فاثباته له تعالى اثبات للشكر. قال فى كشف الاسرار رأس الحكمة الشكر لله ثم المخافة منه ثم القيام بطاعته ولا شك ان لقمان امتثل امر الله فى الشكر وقام بعبوديته [لقمان ادبى تمام داشت وعبادت فراوان وسينه آبادان ودلى برنور وحمكت روشن برمردمان مشفق ودرميان خلق مصلح وهمواره ناصح خودرا بوشيده داشتى وبرمرك فرزندان وهلاك مال غم نخوردى واز تعلم هيج نيا سودى حكيم بود وحليم ورحيم وكريم] فلقمان ذو الخير الكثير بشهادة الله له بذلك فانه قال {أية : ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا } تفسير : واول ما روى من حكمته الطبية انه بينا هومع مولاه اذ دخل المخرج فاطال الجلوس فناداه لقمان ان طول الجلوس على الحاجة يتجزع منه الكبد ويورث الناسور ويصعد الحرارة الى الرأس فاجلس هوينا وقم هوينا فخرج فكتب حكمته على باب الحش. واوّل ما ظهرت حكمته العقلية انه كان راعيا لسيده فقال مولاه يوما امتحانا لعقله ومعرفته اذبح شاة وائتنى منها باطيب مضغتين فاتاه باللسان والقلب. وفى كشف الاسرار [آنجه ازجانور بدتراست وخبيث تربمن آر] فاتاه باللسان والقلب ايضا فسأله عن ذلك فقال لقمان ليس شئ اطيب منهما اذا طابا ولا اخبث منهما اذا خبثا [خواجه آن حكمت ازوى ببسنديد واورا آزاد كرد]. وفى بعض الكتب ان لقمان خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة فبينا هويعظ الناس يوما وهم مجتمعون عليه لاستماع كلمة الحكمة اذ مر به عظيم من عظماء بنى اسرائيل فقال ما هذه الجماعة قيل له هذه جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم فاقبل اليه فقال له ألست العبد الاسود الذى كنت ترعى بموضع كذا وكذا: وبالفارسية [توآن بنده سياه نيستى كه شبانئ رمه فلان مى كردى] قال نعم فقال فما الذى بلغ بك ما ارى قال صدق الحديث واداء الامانة وترك ما لا يعنى: يعنى [آنجه دردين بكار نيايد وازان بسر نشود بكذاشتن]. قال فى كشف الاسرار [لقمان سى سال بادواد همى بود بيك جاى وازبس داود زنده بود تابعهد يونس بن متى]. وكان عند داود وهو يسرد دروعا لان الحديد صار له كالشمع بطريق المعجزة فجعل لقمان يتعجب مما يرى ويريدان ان يسأله وتمنعه حكمته عن السؤال فلما اتمها لبسها وقال نعم درع الحرب هذه فقال لقمان ان من الحكمة الصمت وقليل فاعله اى من يستعمله كما قال الشيخ سعدى [هر آنجه دانى كه هرآينه معلوم توخوا هدشد بيرسيدن او تعجيل مكن كه حكمت را زيان كند] شعر : جو لقمان ديد كاندر دست داود همى آهن بمعجز موم كردد نبر سيدش جه مى سازى كه دانست كه بى برسيدنش معلوم كردد تفسير : ومن حكمته ان داود عليه السلام قال له يوما كيف اصبحت فقال اصبحت بيد غيرى فتفكر داود فيه صعق صعقة: يعنى [نعره زد وبيهوش شد ومراد ازيد غير قبضتين فضل وعدلست] كما فى تفسير الكاشفى. قال لقمان ليس مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وقال ضرب الوالد كالسبار للزرع [در تفسير ثعلبى ازحكمت لقمان مى آردكه رورى خواجه وى اورا باغلامان ديكر بباغ فرستاد تاميوه بيارد "وكان من اهون مملوك على سيده" شعر : بود لقمان بيش خواجه خويشتن درميان بندكانش خوارتن بود لقمان در غلامان جون طفيل بر معانى تيره صورت همجو ليل تفسير : غلامان ميوه را درراه بخورند وحواله خوردن آن بلقمان كردند خواجه بروخشم كرفت لقمان كفت ايشان ميوه خورده اند دروغ بمن بستند خواجه كفت حقيقت اين سخن بجه جيز معلوم توان كرد كفت آنكه مارا آب كرم بخورانى ودر صحرا باره بدوانى تاقى كنيم ازدرون هركه ميوه بيرون آيد خائن اوست] شعر : كشت ساقى خواجه از آب حميم مرغلامانرا وخوردند آن زبيم بعد ازان مى راند شان دردشتها ميدويدند آن نفر تحت وعلا قى در افتادند ايشان از عنا آب مى آورد زيشان ميوها جونكه لقمان رادر آمد قى زناف مى برآمد از درونش آب صاف حكمت لقمان جوداند اين نمود بس جه باشد حكمت رب ودود يوم تبلى والسرائر كلها بان منكم كامن لا يشتهى جون سقوا ماء حميما قطعت جملة الاستار مما افضحت هرجه بنهان باشد آن بيدا شود هركه او خائن بود رسوا شود تفسير : وعن عبد الله بن دينار ان لقمان قدم من سفر فلقى غلامه فى الطريق فقال ما فعل ابى قال مات قال الحمد لله ملكت امرى قال وما فعلت امى قال قد ماتت قال ذهب همى قال ما فعلت امرأتى قال ماتت قال جدد فراشى قال ما فعلت اختى قال ماتت قال سترت عورتى قال ما فعل اخى قال مات قال انقطع ظهرى وانكسر جناحى ثم قال ما فعل ابنى قال مات قال انصدع قلبى. قال فى فتح الرحمان وقبر لقمان بقرية صرفند ظاهر مدينة الرملة من اعمال فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين هى البلاد الى بين الشام وارض مصر منها الرملة وغزة وعسقلان وعلى قبره مشهد وهو مقصود بالزيارة. وقال قتادة قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها وهناك قبور سبعين نبيا ماتوا بعد لقمان جوعا فى يوم واحد اخرجهم بنوا اسرائيل من القدس فالجأوهم الى الرملة ثم احاطوهم هناك فتلك قبورهم شعر : جهان جاى راحت نشد اى فتى شدند انبيا اوليا مبتلا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (يا بُني)؛ فيه ثلاث قراءات؛ كسر الياء، وفتحها؛ مُشَدَّدةً، وإسكانها. وقد تتبعنا توجيهاتها في كتابنا "الدرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة". يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا لقمان الحكمةَ} وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر، وقيل: أخو شداد بن عاد، أُعطى شداد القوة، وأُعطى لقمان الحكمة، وعاش ألف سنة، وقيل: أكثر، وسيأتي. وأدرك داود عليه السلام، وأخذ منه العلم. وكان يُفتي قبل مبعث داود، فلما بُعث قطع الفتوى، فقيل له في ذلك؟ فقال: ألا أكتفي إذا كُفيت. وقيل: كان خياطاً، وقيل: نجاراً، وقيل: راعياً. وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل. وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً، والجمهور على أنه كان حكيماً فقط. وقد خُير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وهي الإصابة في القول والعمل. وقيل: تتلمذ لألف نبي وتتلمذ له ألف نبي. قاله النسفي. قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لم يكن لقمان نبياً ولكن كان عبداً كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة. كان قائماً فجاءه نداء: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت، فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، وإن عزم عليّ فسمعاً وطاعة، فإني أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني. قالت الملائكة بصوت ولا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ فقال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن يُعَن، فالبحري أن ينجو، وإن أخطأ؛ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً، خير من أن يكون شريفاً، ومن يختر الدنيا على الآخرة؛ تفُته الدنيا، ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأُعطى الحكمة، فانتبه وتكلم بها"تفسير : . هـ. قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود، عظيم الشفتين، مُشققَّ القدمين. زاد في اللباب: وكانت زوجته من أجمل أهل زمانها. قيل: لم يزل لقمان، ومن زمن داود مظهراً للحكمة والزهد، إلى أيام يونس بن متى. وكان قد عَمَّرَ عُمر سبعة أنسر، فكان آخر نسوره "لبذ". رُوي أنه أخذ نسراً صغيراً فربّاه، وكان يصرفه في حوائجه، فعاش ذلك النسر ألف سنة ومات، ثم أخذ نسراً آخر، فعاش خمسمائة سنة، ثم أخذ آخر، فعاش مثل ذلك، إلى السابع، عاش خمسمائة سنة، واسمه لبذ، فقال له لقمان يوماً: يا لبذ انهض إلى كذا، فأراد النهوض فلم يستطع، وإذا بوتر لقمان قد اختلج، وكان لم يألم قط، فنادى بأهله وعشيرته، وعلم أن أجله قد قرب، وقال: إن أجلي قد حضر بموت هذا النسر، كما أعلمني ربي، فإذا مت فلا تدفنوني في الكهوف والمقابر، كما [تدفنون] الجبابرة، ولكن ادفنوني في ضريح الارض، فدفنوه كما أوصاهم، فقال ابن ثعلبة: شعر : رَأَيْتُ الْفَتَى يَنْسَى مِنَ الْمَوتِ حَتْفَهُ حَذُوراً لِرَيْبِ الدَّهْرِ، والدَّهْرُ آكِلُهْ فَلَوْ عَاشَ مَا عَاشَت بِلُقْمَانَ أَنْسُرٌ لَصَرْفْ المَنَايَا، بعد ذلك، حَافِلْهُ تفسير : قال البيضاوي: والحكمة, في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية؛ باقتباس العلوم النظرية واكتساب الْمَلَكَةِ التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهوراً، وكان يسرد الدرع، فلم يسأله عنها، فلما أتمها لبسها، فقال: نِعْمَ لبوسُ الحرب أنتِ، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، وأن داود قال له يوماً: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في يَدَيْ غيري. وأنه أمر لقمان بأن يذبح شاة ويأتيه بأطيب مُضْغَتين منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها, فأتى بهما أيضاً, فسأله عن ذلك, فقال: هما أطيب شيء؛ إذا طابا, وأخبث شيء؛ إذا خبثا. والذي عند الثعلبي: أن الآمر له بإتيان المضغتين سيدهُ، لا داود عليه السلام قيل له: بِمَ نلت هذه الحكم، وقد كنت راعياً؟ فقال بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. هـ. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما رؤى من حكمة لقمان: أن مولاه أطال الجلوس في المخرج، فناداه لقمان: إن الجلوس على الحاجة ينخلع منه الكبد، ويورث الباسور، ويُصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هويناً، وقم هويناً"تفسير : . وروي أنه قَدِمَ من سفر، فقيل له: مات أبوك، فقال: الحمد لله، ملكتُ أمري، فقيل له: ماتت امرأتك، فقال: الحمد لله؛ جُدِّدَ فراشي، فقيل له: ماتت أختك، فقال: سُترت عورتي، فقيل له: مات أخوك، فقال: انقطع ظهري. هـ. و "أَنْ" - في قوله: {أن أشكر}: مفسرة؛ لأنَّ إيتاء الحكمة في معنى القول، أي: وقلنا له اشكر الله على ما أعطاك من الحكمة، وفيه تنبيه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادةُ الله والشكر له، حيث فسر الحكمة بالحث على الشكر. وقيل: لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حليماً في قوله وفعله ومعاشرته وصُحبته. وقال الجنيد: الشكر: ألا يُعْصَى اللهُ بنعمه. وقال أيضاً: ألا ترى مع الله شريكاً في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل: أن شكر القلب: المعرفة، وشكر اللسان: الحمد، وشكر الأركان: الطاعة. ورؤية العجز في الكل دليل القبول. {ومن يشكرْ فإنما يشكر لنفسه}؛ لأن منفعته تعود عليه، لأنه يريد المزيد، {ومن كفرَ فإِنَّ الله غنيٌّ}؛ غير محتاج إلى شكر أحد، {حميد}؛ حقيق بأن يُحمد، وإن لم يَحْمَدْهُ أحد. {و} اذكر {اذ قال لقمان لابنه}، واسمه: أنعم، أو أشكم، أو ناران، {وهو يَعِظُهُ يا بُنَي}، تصغير ابن، لا تُشرك بالله؛ {إن الشرك لظلم عظيم}؛ لأنه تسوية بين مَنْ لاَ نِعْمَةَ إلا منه، ومن لا نعمة منه أصلاً. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: الحكمة: الإصابة في الفعل والعقد والنطق. ويقال: الحكمة: متابعة الطريق، مِنْ حَيْثُ توفيق الحق، لا من حيث هِمة النفس. ويقال: الحكمة: ألا يكون تحت سلطان الهوى. ويقال: هي معرفةُ قدْر نَفسك حتى لا تمدّ رجليك خارجاً عن كسائك. ويقال: ألا تستعصي على منْ تعلم أنك لا تقاومه. وحقيقة الشكر: انفتاح عين القلب لشهود ملاطفات الحق. ويقال: الشكرُ: تَحَقُّقُكَ بعجزك عن شكره. ويقال: ما به يَحْصُلُ كَمَالُ استلذاذِ النعمة. ويقال: هو فضلةٌ تظهر على اللسان من امتلاء القلب من السرور، فينطق بمدح المشكور. ويقال: الشكر: نعتُ كُلّ غنيٍّ، كما أن الكفران وصف كلِّ لئيم. ويقال: الشكر: قرعُ باب الزيادة. هـ. قلت: والأحسن: أنه فرح القلب بإقبال المنعم، فيسري ذلك في الجوارح. ثم قال في قوله: {لا تُشرك بالله}: الشركُ على ضربين: جَليّ وخفيّ، فالجليُّ؛ عبادة الأصنام، والخفيّ: حسبان شيء من الحدثان من الأنام - أي: أن تظن شيئاً مما يحدث في الوجود أنه من الأنام - ويقال: الشرك: إثباتُ غَيْنٍ مع شهود العين، ويقال: الشرك ظلمٌ عَلَى القلب، والمعاصي ظلمٌ على النفس، فظلم النفس مُعَرَّضٌ للغفران، وظلم القلب لا سبيل للغفران إليه. هـ. ثم أمر ببرّ الوالدين الذي تقدم السؤال عنه في سبب نزول السورة، فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} عطف على جملة خلق السّماوات فانّه لمّا عدّ اصول النّعم الّتى انعم بها على عباده ذكر الشّاكر على نعمه وعدّ شكره حكمة فانّ الحكمة هى دقّة النّظر فى القوّة العلاّمة واتقان الصّنع فى القوّة العمّالة، ولم يكن الشّكر الاّ من دقّة النّظر واتقان الصّنع القلبىّ والبدنىّ فانّه كما سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي} تفسير : [البقرة:152]عبارة عن ملاحظة انعام المنعم فى النّعمة وملاحظة حقّ المنعم فىالانعام المستلزم لتعظيم المنعم وصرف النّعمة لما خلقت لاجله وليس هذه الملاحظة الاّ دقّة النّظر ولا ذلك التّعظيم والصّرف الاّ اتقان الصّنع القلبىّ والبدنىّ وقد ذكر فى نسبه انّه كان ابن باعورا من اولاد ازد بن اخت ايّوب (ع) او خالته عاش حتّى ادرك داود (ع) {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} بملاحظة حقّه وعظمته فى كلّ ماله مدخليّة فى وجودك وبقائك وهو كلّ موجود فى العالم الكبير من المحسوسات وغير المشهودات، وفى العالم الصّغير من كلّ ماله مدخليّة فى وجودك او فى كمال وجودك، ولفظة ان تفسيريّة وتفسير للحكمة فانّه كما تكون تفسيراً للمجمل المحذوف تكون تفسيراً للمجمل المذكور، او مصدريّة بتقدير الّلام، او تكون مع ما بعدها بدلاً من الحكمة {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} جملة حاليّة او معطوفة على جملة لقد آتينا لقمان (الآية)، او على الحكمة، او على ان اشكر على ان يكون ان مصدريّةً، ويكون بدلا وعليهما فليقدّر قبلهما مضاف حتّى تصير مفردةً والتّقدير ان اشكر لله ومضمون من يشكر فانّما يشكر لنفسه، او عطف على اشكر سواء جعلت ان تفسيريّة او مصدريّة لكن بتقدير القول والتّقدير ان اشكر لله وقل لغيرك: من يشكر فانّما يشكر لنفسه لانّ نفعه عائد اليه {وَمَن كَفَرَ} كفران النّعم بترك ملاحظة المنعم وتعظيمه فى النّعمة وترك صرفها فى وجهها لا يضرّ الله شيئاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن حمد الحامدين وشكر الشّاكرين {حَمِيدٌ} بنفسه حُمد ام لم يُحمد، وفى خبرٍ شكر كلّ نعمة وان عظمت ان يحمد الله عزّ وجلّ عليها، وفى خبرٍ: وان كان فيما انعم عليه حقّ ادّاه، وفى خبرٍ: من انعم الله عليه بنعمةٍ فعرفها بقلبه فقد أدّى شكرها، وفى خبرٍ اوحى الله عزّ وجلّ الى موسى (ع): يا موسى اشكرنى حقّ شكرى فقال: يا ربّ وكيف اشكرك حقّ شكرك وليس من شكرٍ اشكرك به الاّ وانت انعمت به علىّ؟- قال: يا موسى الآن شكرتنى حين علمت انّ ذلك منّى. شرح فى احوال لقمان وعن الصّادق (ع) انّه سئل عن لقمان وحكمته الّتى ذكره الله عزّ وجلّ فقال: اما والله ما اوتى لقمان الحكمة بحسبٍ ولا مالٍ ولا اهلٍ ولا بسطٍ فى جسمٍ ولا جمالٍ ولكنّه كان رجلاً قويّاً فى امر الله مستودعاً فى الله ساكتاً سكّيتاً عميق النّظر طويل الفكر حديد النّظر مستغنٍ بالعبر لم ينم نهاراً قطّ ولم يره احد من النّاس على بولٍ ولا غائطٍ ولا اغتسالٍ لشدّة تستّره وعمق نظره وتحفّظه فى امره ولم يضحك من شيءٍ قطّ مخافة الاثم، ولم يغضب قطّ ولم يمازح انساناً قطّ، ولم يفرح بشيءٍ اتاه من امر الدّنيا ولا حزن منها على شيءٍ قطّ، وقد نكح من النّساء وولد له الاولاد الكثير وقدّم اكثرهم افراطاً فما بكى على موت احدٍ منهم، ولم يمرّ برجلين يختصمان او يقتتلان الاّ اصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتّى تحابّا (او تحاجزا) ولم يسمع قولاً قطّ من احدٍ استحسنه الاّ سأل عن تفسيره وعمّن اخذه فكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء وكان يغشى القضاة والملوك والسّلاطين فيرثى للقضاة ممّا ابتلوا به، ويرحم الملوك والسّلاطين لغرّتهم وطمأنينتهم فى ذلك، ويعتبر ويتعلّم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشّيطان، وكان يداوى قلبه بالتّفكّر والعبر وكان لا يظعن الاّ فيما ينفعه، ولا ينظر الاّ فيما يعينه، فبذلك اوتى الحكمة ومنح العصمة وانّ الله تبارك وتعالى امر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم، فقالوا: يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفةً فى الارض تحكم بين النّاس؟- فقال لقمان: ان امرنى ربّى بذلك فالسّمع والطّاعة لانّه ان فعل بى ذلك اعاننى عليه وعلّمنى وعصمنى، وان هو خيّرنى قبلت العافية، فقالت الملائكة: يا لقمان لم قلت ذلك؟- قال: لانّ الحكم بين النّاس باشدّ المنازل من الدّين واكثر فتناً وبلاءً وما يخذل ولا يعان ويغشاه الظّلم من كلّ مكانٍ وصاحبه منه بين امرين، ان اصاب فيه الحقّ فبالحرىّ ان يسلم، وان أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن فى الدّنيا ذليلاً ضعيفاً كان اهون عليه فى المعاد من ان يكون فيه حكماً سريّاً شريفاً، ومن اختار الدّنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه ولا يدرك تلك، قال: فعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرّحمن منطقه، فلمّا امسى واخذ مضجعه من اللّيل انزل الله عليه الحكمة فغشّاه بها من قرنه الى قدمه وهو نائم وغطّاه بالحكمة غطاءً فاستيقظ وهو احكم النّاس فى زمانه، وخرج على النّاس ينطق بالحكمة ويبثّها فيهم قال: فلمّا اوتى الحكم بالخلافة ولم يقبلها امر الله عزّ وجلّ الملائكة فنادت داود (ع) بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان (ع) فأعطاه الله عزّ وجلّ الخلافة فى الارض وابتلى فيها غير مرّة كلّ ذلك يهوى فى الخطاء ويقيله الله تعالى ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود (ع) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه، وكان داود يقول له: طوبى لك يا لقمان اوتيت الحكمة وصرفت عنك البليّة، واعطى داود الخلافة وابتلى بالحكم والفتنة، ولمّا كان الحكمة لا تحصل الاّ بمعرفة امام الزّمان فسّرها الصّادق (ع) بمعرفة امام زمانه، ولمّا كانت لا تحصل بحسب جزءها العلمىّ الاّ بالفهم والعقل فسّرها الكاظم (ع) بالفهم والعقل، وقد ذكر من حكم لقمان ووصاياه لابنه وغيره فى المفصّلات من اراد فليرجع اليها.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ} قال محمد بن اسحاق هو لقمان بن باعوراء بن تاروخ وهو آزر وقيل هو ابن ناصر بن آزر فلقمان من اولاد آزر وقال وهب كان ابن اخت ايوب عليه السلام وقيل ابن اخيه وقال مقاتل كان ابن خالة ايوب وقيل هو ابن عثمان بن بشرون وقال مجاهد كان عبدا اسود عظيم الشفتين مشقوق القدمين. قيل كان قريبا من سودان مصر وقيل كان من النوبة. وعن خالد كان عبدا حبشيا نجارا وعن سعيد بن المسيب كان خياطا من سودان مصر وفي رواية عنه كان نوبيا مشقوق الرجلين عظيم الشفتين وكذا روي عن ابن عباس وجماعة وروي انه كان راعيا. وعن الاوزاعي عن عبدالرحمن بن حرملة ان اسود جاء الى سعيد بن المسيب فقال له: لا تحزن من اجل انك اسود فانه من خير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر بن الخطاب ولقمان الحكيم قيل ورابعهم النجاشي وكان لقمان قاضيا في بني اسرائيل وروي انه عاش الف سنة وقال ابن العماد انه عبد البلخشخاش يعني انه عبد لانسان من بني الخشخاش روي ان داود عليه السلام ادركه واخذ عنه العلم وكان يفتي ويقضي بين بني اسرائيل قبل مبعث داود عليه السلام ولما بعث داود قطع الفتوى فقيل له؟ فقال: ألا اكتفى اذا كفيت واتفق العلماء على انه كان حكيما ولم يكن نبيا الا عكرمة فانه قال: كان نبيا انفرد بهذا القول. وعن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حقا أقول لكم لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا حبشيا كثير الصمت والتفكر حسن اليقين أحب الله فأحبه فمنّ عليه بالحكمة " . تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن لقمان نبيا ولا ملكا ولكن كان راعيا اسود فرزقه الله العتق ورضي قوله ووصيته فقص امره في القرآن لتمتسكوا بوصيته. وقال جار الله: القائل بنبوته عكرمة والشعبي. وروي انه عبد يحتطب لمولاه كل يوم حزمة قيل خيّر لقمان بين الحكمة والنبوة فاختار الحكمة وهو بعيد بأن الحكمة قطرة من بحر النبوة وليس من الحكمة ان يختار الحكمة المجردة عن النبوة وروي انه كان نائما نصف النهار اذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق فأجاب الصوت فقال: ان ربي خيرني قبلت العافية ولم اقبل البلاء وان عزم عليّ فسمعا وطاعة فاني اعلم ان فعل بي اعانني وعصمني فقالت الملائكة بصوت لا يراه: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم باشر المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان ان عدل فبالأحري ان ينجو وان أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكون في الدنيا ذليلا خير ممن يكون عزيزا ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا والآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ثم نودي داود عليه السلام بالخلافة فقبلها ولم يشترط ما ا شترط لقمان. قيل وهذه خطيئة عفا الله عنه وغفرها له. وكان لقمان يؤازره بحكمته وقال له يوما: طوبى لك يا لقمان أُعطيت الحكمة وصُرفت عنك البلوى وأعطي داود الخلافة وابتلي بالبلية والفتنة. وقيل كان بعد داود. وقيل بين عيسى ونبينا عليهم الصلاة والسلام ومن زعم انه عاش الف سنة واهم وكأنه اختلط عليه بلقمان بن عاد واستدل بعض على جواز نبوة العبد بأن لقمان عبد وكان نبيا. {الحِكْمَةَ} العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. وقيل: العقل والفهم. وقيل العلم والعمل به ولا يسمى رجل حكيما حتى يجمعهما. وقيل: المعرفة والإصابة في الأمور. وقيل: الحكمة شيء يجعله الله في القلب ينور فيبصر به كما يبصر بالبصر. وقيل: هي في عرف العلماء استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. قال عكرمة: كان لقمان عند سيده أمينا فبعثه مولاه في رقيق له على بستان له يأتونه من ثمره بشيء فجاءوا وليس معهم شيء وقد أكلوا الثمر وأحالوا على لقمان فقالوا لسيدهم: إن ذا الوجهين لا يكون عند الله أمينا. قال: اسقني وإياهم ماءً ثم أرسلنا نتقيأ فتعرف. ففعل فجعلوا يتقيئون تلك الفاكهة ولقمان يتقيأ ماءً فعرف صدقه وكذبهم. وقال: وأول ما روي من حكمته أنه كان مع مولاه فدخل مولاه الخلاء فأطال فيه الجلوس فنادى لقمان طول الجلوس على الخلاء ينجع منه الكبد ويورث الباسور ويصعد الحرارة الى الرأس فأجلس هويناً. فخرج وكتب حكمته وسكر مولاه يوماً فخاطر قوما على أن يشرب ماء البحيرة فلما أفاق عرف ما وقع فيه فدعا لقمان فقص عليه فقال: اخرج نحوسك وقدورك وأباريقك ثم إجمعها ولما اجتمعت قال لقمان: على أي شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال: فان لها مواد فاحبسوا موادها عنها حتى يشربها قالوا وكيف نستطيع ان نحبس موادها؟ قال لقمان: كيف يستطيع شربها ولها مواد؟ وعن خالد الربعي انه قال سيده له: اذبح لنا شاة فذبح فقال له: ألق أخبث مضغة فرمى باللسان والقلب وأتاه بها وقيل قال له: ائتني بأخبث مضغة فيها فأتاه بهما وأمره مرة أخرى وقال له: ائتيني بأطيبها فأتاه باللسان والقلب فقال له: أمرتك ان ترمي أخبثها فرميت اللسان والقلب وأمرتك أن تأتي بأطيبها فأتيت بهما فقال له: لا أطيب منهما اذا طابا ولا أخبت منهما إذا خبثا. وقال الشيخ هود: هذه أول ما عرف من حكمته. وعن محمد بن عجلان قال لقمان: ليس حال كصحة البدن ولا نعيم كطيب النفس. وعن ابي هريرة: مر رجل بلقمان والناس يجتمعون عليه يتكلم بالحكمة فقال: ألست العبد الأسود الذي كان يرعى غنما بموضع كذا وكذا؟ وروي ان هذا الرجل كان راعيا ايضا معه، قال: بلى. قال لقمان: ما بلغ بك ما ارى؟ قال: صدق الحديث وأداء الأمانة وترك مالا يعنيني. وعن عبدالرحمن بن دينار ان لقمان قدم من سفر فلقي غلاما في الطريق فقال: ما فعل ابي؟ قال: مات. قال: الحمد لله ملكت امري قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت قال: جدد فراشي قال: ما فعلت اختي؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي قال ما فعل أخي؟ قال: مات قال: انقطع عضدي. وقيل له: أي الناس أشر؟ قال: الذي لا يبالي ان يراه الناس مسيئا. وقيل له: ما اقبح وجهك؟ فقال: أتعيب بهذا على النقش او على النقاش؟ وقال لرجل ينظر اليه: ان كنت تراني غليظ الشفتين فانه يخرج من بينهما كلام رقيق وان كنت تراني اسود فقلبي أبيض، ودخل علي داود وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد ان يسأله فأدركته الحكمة فسكت فلما اتمها لبسها فقال: نعم لبوس الحرب انت فعلم لماذا يصنع ذلك فقال: الصمت حكم وقليل فاعله، فقال له داود: بحق سميت حكيما. وقيل صحب داود شهرا وهو يسرد الدرع ولم يسأله ولما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب انت فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، وقال له داود عليه السلام: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في يدي غيري. {أَنِ اشْكُرْ للهِ} أن مفسرة لان إيتاء الحكمة في معنى القول والحكمة دائرة على الشكر وجميع العبادات داخلة فيه والحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هما العمل وعبادة الله والشكر ونية الله على ذلك حيث فسر ايتاء الحكمة بالبعث على الشكر وزعم بعض ان دخول ان المصدرية غير المخففة على الطلب جائز فزعم ان هذه مصدرية ولام الجر والباء مقدرة قبلها وقد يستدل لصحته بجواز دخول المخففة عليه. {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لان نفعه وهو ثواب الدنيا والآخرة ودوام النعمة واستحقاق مزيدها عائد اليه. {وَمَن كَفَرَ} فعليه وبال كفره. {فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ} عن شكر الشاكرين وطاعتهم وعن غيره على الاطلاق. {حَمِيدٌ} حقيق بالحمد وان لم يحمده أحد أو حمده خلقه كلهم بعضهم باللسان والأعمال ولسان الحال وبعضهم بلسان الحال كالمشرك والدواب.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك بالنقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل. ولقمان اسم أعجمي لا عربـي مشتق من اللقم، وهو على ما قيل: ابن باعوراء، قال وهب: وكان ابن أخت أيوب عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقال عبد الرحمن السهيلي: هو ابن عنقا بن سرون، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبـي / كان نبياً، والأكثرون على أنه كان في زمن داود عليه السلام ولم يكن نبياً. واختلف فيه أكان حراً أو عبداً والأكثرون على أنه كان عبداً. واختلفوا فقيل: كان حبشياً، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد. وأخرج ذلك ابن مردويه عن أبـي هريرة مرفوعاً، وذكر مجاهد في وصفه أنه كان غليظ الشفتين مصفح القدمين، وقيل: كان نوبياً مشقق الرجلين ذا مشافر، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس. وابن المسيب. ومجاهد. وأخرج ابن أبـي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيراً أفطس من النوبة، وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر عن ابن المسيب أنه قال: إن لقمان كان أسود من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة. واختلف فيما كان يعانيه من الأشغال فقال خالد بن الربيع: كان نجاراً بالراء، وفي «معاني الزجاج» كان نجاداً بالدال وهو على وزن كتاب من يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما. وأخرج ابن أبـي شيبة وأحمد في «الزهد» وابن المنذر عن ابن المسيب أنه كان خياطاً وهم أعم من النجاد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان راعياً وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة ولا وثوق لي بشيء من هذه الأخبار وإنما نقلتها تأسياً بمن نقلها من المفسرين الأخيار غير أني أختار أنه كان رجلاً صالحاً حكيماً ولم يكن نبياً. و {ٱلْحِكْمَةَ } على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس العقل والفهم والفطنة. وأخرج الفريابـي وأحمد في «الزهد» وابن جرير وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنها العقل والفقه والإصابة في القول، وقال الراغب: هي معرفة الموجودات وفعل الخيرات وقال الإمام: هي عبارة عن توفيق العمل بالعلم ثم قال: وإن أردنا تحديداً بما يدخل فيه حكمة الله تعالى فنقول: حصول العمل على وفق المعلوم وقال أبو حيان: هي المنطق الذي يتعظ به ويتنبه ويتناقله الناس لذلك، وقيل: إتقان الشيء علماً وعملاً وقيل: كمال حاصل باستكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها وفسرها كثير من الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية. ولهم تفسيرات أخر وما لها وما عليها من الجرح والتعديل مذكوران في كتبهم. ومن حكمته قوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى وحشوها الإيمان وشراعها التوكل على الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً، وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزاً والذل في طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية وقوله: ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع وقوله: يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار هم الليل وقوله يا بني ارج الله عز وجل رجاء لا يجريك على معصيته تعالى وخف الله سبحانه خوفاً لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه، وقوله: من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثير غمه ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، وقوله: يا بني حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً عل شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع ولا مراً فتلفظ، وقوله لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء، وقوله: لا خير لك في أن تتعلم / ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً فحمل حزمة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى، وقوله: يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، وقوله: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، وقوله: يا بني أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة، وقوله: يا بني امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك إلى غير ذلك مما لا يحصى. {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أي أي اشكر على أن {أن} تفسيرية وما بعدها تفسير لإيتاء الحكمة وفيه معنى القول دون حروفه سواء كان بإلهام أو وحي أو تعليم. وجوز أن يكون تفسيراً للحكمة باعتبار ما تضمنه الأمر، وجعل الزجاج {أن} مصدرية بتقدير اللام التعليلية ولا يفوت معنى الأمر كما مر تحقيقه. وحكى سيبويه كتبت إليه بأن قم، والجار متعلق بآتينا، وجوز كونها مصدرية بلا تقدير على أن المصدر بدل اشتمال (من الحكمة)، وهو بعيد. {وَمَن يَشْكُرْ } الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله موجب للامتثال بالأمر أي ومن يشكر له تعالى {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } (لأن منفعته التي هي من ارتباط العتيد) واستجلاب المزيد والفوز بجنة الخلود مقصورة عليها {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ } عن كل شيء فلا يحتاج إلى الشكر ليتضرر بكفر من كفر {حَمِيدٌ } حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد أو محمود بالفعل ينطق بحمده تعالى جميع المخلوقات بلسان الحال، فحميد فعيل بمعنى محمود على الوجهين، وعدم التعرض لكونه سبحانه وتعالى مشكوراً لما أن الحمد متضمن للشكر بل هو رأسه كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحمد رأس الشكر لم يشكر الله تعالى عبد لم يحمده»تفسير : فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعاً، وفي اختيار صيغة المضي في هذا الشق قيل: إشارة إلى قبح الكفران وأنه لا ينبغي إلا أن يعد في خبر كان، وقيل إشارة إلى أنه كثير متحقق بخلاف الشكر {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }تفسير : [سبأ: 13] وجواب الشرط محذوف قام مقامه قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ } الخ، وكان الأصل ومن كفر فإنما يكفر على نفسه لأن الله غني حميد، وحاصله ومن كفر فضرر كفره عائد عليه لأنه تعالى غني لا يحتاج إلى الشكر ليتضرر سبحانه بالكفر محمود بحسب الاستحقاق أو بنطق ألسنة الحال فكلا الوصفين متعلقان بالشق الثاني، وجوز أن يكون {غَنِىٌّ} تعليلاً لقوله سبحانه: {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } وقوله عز وجل: {حَمِيدٌ } تعليلاً للجواب المقدر للشرط الثاني بقرينة مقابله وهو فإنما يكفر على نفسه، وأن يكون كل منهما متعلقاً بكل منهما، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف الذي لم يدع إليه ولم تقم عليه قرينة فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : الواو عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث المتقدمة في قوله تعالى {أية : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله}تفسير : [لقمان: 6] باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزؤاً، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان؛ فقُطِع النظر عن كون قصة النضر سيقت مساق المقدمة والمدخل إلى المقصود لأن الكلام لما طال في المقدمة خرجت عن سَنن المقدمات إلى المقصودات بالذات فلذلك عطفت عطفَ القصص ولم تُفصل فَصْل النتائج عقب مقدماتها. وقد تتعدد الاعتبارات للأسلوب الواحد فيتخير البليغ في رعيها كقوله تعالى {أية : يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم} تفسير : في سورة البقرة (49)، {أية : ويذبحون أبناءكم} تفسير : في سورة [إبراهيم:1]. وافتتاح القصة بحرفي التوكيد: لام القسم و(قد) للإنباء بأنها خبر عن أمر مهم واقع. و{لقمان} اسم رجل حكيم صالح، وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد بعضها وإن كانت أسانيدها ضعيفة تقتضي أنه كان من السود، فقيل هو من بلاد النوبة، وقيل من الحبشة. وليس هو لقمان بن عاد الذي قال المثل المشهور: إحدى حُظيات لقمان. والذي ذكره أبو المهوش الأسدي أو يزيد بن عمر يصعق في قوله:شعر : تراه يطوف الآفاق حرصاً ليأكل رأس لقمان بن عاد تفسير : ويعرف ذلك بلقمان صاحب النسور، وهو الذي له ابن اسمه لقيم وبعضهم ذكر أن اسم أبيه باعوراء، فسبق إلى أوهام بعض المؤلفين أنه المسمى في كتب اليهود بلعام بن باعوراء المذكور خبره في «الإصحاحين» (22 و23) من «سفر العدد»، ولعل ذلك وهَم لأن بلعام ذلك رجل من أهل مَدْيَن كان نبيئاً في زمن موسى عليه السلام، فلعل التوهم جاء من اتحاد اسم الأب، أو من ظن أن بلعام يرادف معنى لقمان لأن بلعام من البلع ولقمان من اللّقم فيكون العرب سموه بما يرادف اسمه في العبرانية. وقد اختلف السلف في أن لقمان المذكور في القرآن كان حكيماً أو نبيئاً. فالجمهور قالوا: كان حكيماً صالحاً. واعتمد مالك في «الموطأ» على الثاني، فذكره في «جامع الموطأ» مرتين بوصف لقمان الحكيم، وذلك يقتضي أنه اشتهر بذلك بين علماء المدينة. وذكر ابن عطية: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لم يكن لقمان نبيئاً ولكن كان عبداً كثير التفكر حسنَ اليقين أحبَّ الله تعالى فأحبه فمنَّ عليه بالحكمة» تفسير : ويظهر من الآيات المذكورة في قصته هذه أنه لم يكن نبيئاً لأنه لم يمتن عليه بوحي ولا بكلام الملائكة. والاقتصارُ على أنه أوتي الحكمة يومىء إلى أنه أُلهم الحكمة ونطق بها، ولأنه لما ذكر تعليمه لابنه قال تعالى {أية : وهو يعظه}تفسير : [لقمان: 13] وذلك مؤذن بأنه تعليم لا تبليغ تشريع. وذهب عكرمة والشعبي: أن لقمان نبيء ولفظ الحكمة يسمح بهذا القول لأن الحكمة أطلقت على النبوءة في كثير من القرآن كقوله في داود {أية : وءاتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب}تفسير : [ص: 20]. وقد فسرت الحكمة في قوله تعالى {أية : ومن يُؤْت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}تفسير : [البقرة: 269] بما يشمل النبوءة. وأن الحكمة «معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه» وأعلاها النبوءة لأنها علم بالحقائق مأمون من أن يكون مخالفاً لما هي عليه في نفس الأمر إذ النبوءة متلقاة من الله الذي لا يعزب عن عمله شيء. وسيأتي أن إيراد قوله تعالى {أية : ووصينا الإنسان بوالديه}تفسير : [لقمان: 14] في أثناء كلام لقمان يساعد هذا القول. وذكر أهل التفسير والتاريخ أنه كان في زمن داود. وبعضهم يقول: إنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، فتعين أنه عاش في بلاد إسرائيل. وذكر بعضهم أنه كان عبداً فأعتقه سيده، وذكر ابن كثير عن مجاهد: أن لقمان كان قاضياً في بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ولا يوجد ذكر ذلك في كتب الإسرائيليين. قيل كان راعياً لغنم وقيل كان نجاراً وقيل خياطاً. وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن وهب أن لقمان كان عبداً لبني الحسحاس وبنو الحسحاس من العرب وكان من عبيدهم سحيم العبد الشاعر المخضرم الذي قتل في مدة عثمان. وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقرّبة للخفيات بأحسن الأمثال. وقد عني بها أهل التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في هذه السورة، وذكر منها مالك في «الموطأ» بلاغين في كتاب «الجامع» وذكر حكمة له في كتاب «جامع العتبية» وذكر منها أحمد بن حنبل في «مسنده» ولا نعرف كتاباً جمع حكمة لقمان. وفي «تفسير القرطبي» قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب. ولعل هذا إن صح عن وهب بن منبه كان مبالغة في الكثرة. وكان لقمان معروفاً عند خاصة العرب. قال ابن إسحاق في «السيرة»: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجّاً أو معتمراً فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرِضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله. قال ابن إسحاق: فقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج وكان قتله قبل يوم بعاث. وكان رجال من قومه يقولون: إنّا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قومه يدْعُونه الكامل اهــــ. وفي «الاستيعاب» لابن عبد البر: أنا شَاكّ في إسلامه كما شك غيري. وقد تقدم في صدر الكلام على هذه السورة أن قريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقمان وابنه وذلك يقتضي أنه كان معروفاً للعرب. وقد انتهى إليّ حين كتابة هذا التفسير من حِكَم لقمان المأثورة ثمان وثلاثون حكمةً غير ما ذكر في هذه الآية وسنذكرها عند الفراغ من تفسير هذه الآيات. والإيتاء: الإعطاء، وهو مستعار هنا للإلهام أو الوحي. و{لقمان}: اسم علَم مَادته مادة عربية مشتق من اللَّقْم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من ألفاظ لغتهم على عادتهم كما عربوا شاول باسم طالوت وهو ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة. وتقدم تعريف الحكمة عند قوله تعالى {أية : يؤتي الحكمة من يشاء} تفسير : في سورة البقرة (269)، وقوله {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} تفسير : في سورة النحل (125). و{أنْ} في قوله {أن اشكر لله} تفسيرية وليست تفسيراً لفعل {ءاتينا} لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة، فتكون {أنْ} مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة هنا أقوال أوحيت إليه أو ألهمها فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه فيصلح أن تُفسر بــــ {أنْ}التفسيرية، كما فسرت حاجة في قول الشاعر الذي لم يُعرف وهو من شواهد العربية:شعر : إنْ تحملا حاجة لي خفّ محملها تستوجبا منة عندي بها ويَدا أنْ تقرءان علي أسماء ويحكما مني السلامَ وأن لا تُخبرا أحدا تفسير : والصوفية وحكماء الإشراق يرون خواطرَ الأصفياء حجة ويسمونها إلهاماً. ومال إليه جمّ من علمائنا. وقد قال قطب الدين الشيرازي في «ديباجة شرحه على المفتاح»: «أما بعد إني قَد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، إلاَّ كوَهَم من الأوهام، ما أورثني التجافيَ عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور»، الخ. وكان أول ما لُقنه لقمان من الحكمة هو الحكمة في نفسه بأن أمره الله بشكره على ما هو محفوف به من نعم الله التي منها نعمة الاصطفاء لإعطائه الحكمة وإعداده لذلك بقابليته لها. وهذا رأس الحكمة لتضمنه النظر في دلائل نفسه وحقيقته قبل النظر في حقائق الأشياء وقبل التصدي لإرشاد غيره، وأن أهم النظر في حقيقته هو الشعور بوجوده على حالة كاملة والشعور بموجده ومفيض الكمال عليه، وذلك كله مقتض لشكر موجده على ذلك. وأيضاً فإن شكر الله من الحكمة، إذ الحكمة تدعو إلى معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه لقصد العمل بمقتضى العلم، فالحكيم يبث في الناس تلك الحقائق على حسب قابلياتهم بطريقة التشريع تارة والموعظة أخرى، والتعليم لقابليه مع حملهم على العمل بما علموه من ذلك، وذلك العمل من الشكر إذ الشكر قد عُرف بأنه صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من مواهب ونِعم فيما خلق لأجله؛ فكان شكر الله هو الأهم في الأعمال المستقيمة فلذلك كان رأس الحكمة لأن من الحكمة تقديم العلم بالأنفع على العلم بما هو دونه؛ فالشكر هو مبدأ الكمالات علماً، وغايتها عملاً. وللتنبيه على هذا المعنى أعقب الله الشكر المأمور به ببيان أن فائدته لنفس الشاكر لا للمشكور بقوله {ومَن يشكر فإنما يشكر لنفسه} لأن آثار شكر الله كمالات حاصلة للشاكر ولا تنفع المشكور شيئاً لغناه سبحانه عن شكر الشاكرين، ولذلك جيء به في صورة الشرط لتحقيق التعلق بين مضمون الشرط ومضمون الجزاء، فإن الشرط أدل على ذلك من الإخبار. وجيء بصيغة حصر نفع الشكر في الثبوت للشاكر بقوله {فإنما يشكر لنفسه} أي ما يشكر إلا لفائدة نفسه، ولام التعليل مؤذنة بالفائدة. وزيد ذلك تبيناً بعطف ضده بقوله {ومَن كفر فإن الله غنيّ حميد} لإفادة أن الإعراض عن الشكر بعد استشعاره كفر للنعمة وأن الله غنيّ عن شكره بخلاف شأن المخلوقات إذ يكسبهم الشكر فوائد بين بني جنسهم تجر إليهم منافع الطاعة أو الإعانة أو الإغناء أو غير ذلك من فوائد الشكر للمشكورين على تفاوت مقاماتهم، والله غني عن جميع ذلك، وهو {حميد}، أي: كثير المحمودية بلسان حال الكائنات كلها حتى حال الكافر به كما قال تعالى {أية : ولله يسجد مَن في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} تفسير : سورة الرعد (15). ومن بلاغة القرآن وبديع إيجازه أن كان قوله {أن اشكر لله} جامعاً لمبدأ الحكمة التي أوتيها لقمان، ولأمره بالشكر على ذلك، فقد جمع قوله {أن اشكر لله} الإرشاد إلى الشكر، مع الشروع في الأمر المشكور عليه تنبيهاً على المبادرة بالشكر عند حصول النعمة. وإنما قوبل الإعراض عن الشكر بوصف الله بأنه حميد لأن الحمد والشكر متقاربان، وفي الحديث: «حديث : الحَمدُ رأس الشكر»، تفسير : فلما لم يكن في أسماء الله تعالى اسم من مادة الشكر إلا اسمه الشكور وهو بمعنى شاكر، أي: شاكر لعباده عبادتَهم إياه عُبر هنا باسمه {حميد}. وجيء في فعل {يشكر}بصيغة المضارع للإيماء إلى جدارة الشكر بالتجديد. واللام في قوله {أية : أن اشكر لي}تفسير : [لقمان: 14] داخلة على مفعول الشكر وهي لام ملتزم زيادتها مع مادة الشكر للتأكيد والتقوية، وتقدم في قوله {أية : واشكُرُوا لي} تفسير : في سورة البقرة (152).

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد آتينا لقمان الحكمة: أي أعطينا لقمان القاضي: أي الفقه في الدين والعقل والإِصابة في الأمور. أن اشكر لله: أي اشكر لله ما أنعم به عليك بطاعته وذكره. لابنه وهو يعظه: أي ابنه ثاران وهو يعظه أي يأمره وينهاه مرغَّباً له مرهباً. ووصينا الإِنسان: أي عهدنا إليه ببرهما وهو كف الأذى عنهما والإِحسان إليهما وطاعتهما في المعروف. وهناً على وهن: أي ضعفاً على ضعف وشدة على شدة وهي الحمل والولادة والإِرضاع. وفصاله في عامين: أي مدة رضاعه تنتهي في عامين، وبذلك يفصل عن الرضاع. وإن جاهداك: أي بذلا جهدهما في حملك على الشرك. وصاحبهما في الدنيا معروفا: أي واصحبهما في حياتهما بالمعروف وهو البر والإِحسان وكف الأذى والطاعة في غير معصية الله. من أناب إليَّ: أي رجع إليَّ بتوحيدي وطاعتي وطاعة رسولي محمد صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين وهذه القصة اللقمانية اللطيفة مشوقة لذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} أي أعطينا عبدنا لقمان الحكمة وهي الفقه في الدين والإِصابة في الأمور ورأسها مخافة الله تعالى بذكره وشكره الذي هو طاعته في عبادته وتوحيده فيها. وقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} أي وقلنا له اشكر الله خالقك ما أنعم به عليك بصرف تلك النعم فيما يرضيه عنك ولا يسخطه عليك. وقوله تعالى {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي ومن شكر الله بطاعته فإِن ثمرة الشكر وعائدته للشاكر نفسه بحفظ النعمة والزيادة فيها أما الله فإِنه غني بذاته محمود بفعاله فلا يفتقر إلى خلقه في شيء إذ هم الفقراء إليه سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ} أي واذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين قول لقمان لابنه وأخص الناس به وهو ينهاه عن الشرك الذي نهيتكم أنا عنه فغضبتم وأصررتم عليه عناداً ومكابره فقال له: بما أخبر به تعالى عنه في قوله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ} أي يأمره وينهاه مرغباً له في الخير مرهباً له من الشر: {يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي في عبادته أحداً. وعلل لنهيه ليكون أوقع في نفسه فقال: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} والظلم وضع الشيء في غير موضعه ويترتب عليه الفساد والخسران الكبير، وعبادة غير الله وضع لها في غير موضعها إذ العبادة حق الله على عباده مقابل خلقهم ورزقهم وكلاءتهم في حياتهم وحفظهم وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} أي عهدنا إلى الإِنسان آمرين أياه ببرِّ والديه أي أمه وأبيه، وبرُّهما بذل المعروف لهما وكف الأذى عنهما وطاعتهما في المعروف، وقوله تعالى: {حَمَلَتْهُ} أي الإِنسان أمه أي والدته {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} أي ضعفا على ضعف وشدة على أخرى وهي آلام وأتعاب الحمل والطلق والولادة والإِرضاع فلهذا تأكدَّ برُّها فوق برِّ الوالد مرتين لحديث الصحيح: "حديث : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" تفسير : وقوله {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} أي فطام الولد من الرضاع في عامين فأول الرضاع ساعة الولادة وآخره تمام الحولين ويجوز فصله عن الرضاع خلال العامين، وقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} هذا الموصى به وهو أن يشكر لله تعالى وذلك بطاعته تعالى فيما يأمره به وينهاه عنه، وذكره بقلبه ولسانه وقوله {وَلِوَالِدَيْكَ} إذ هما قدما معروفا وجميلا فوجب شكرهما، وذلك ببرِّهما وصلتهما وطاعتهما في غير معصية الله ورسوله، لأن طاعة الله كشكره قبل طاعة الوالدين وشكرهما وقوله {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} أي الرجوع بعد الموت وهذه الجملة مؤكدة لواجب شكر الله تعالى وبر الوالدين لما تحمله من الترغيب والترهيب فالمطيع إذا رجع إلى الله أكرمه والعاصي أهانه. وما دام الرجوع إليه تعالى حتميّا فطاعته بشكره وشكر الوالدين متأكدة متعيّنة. وقوله تعالى {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} أي وإن جاهداك أيها الإِنسان والداك وبذلا جهدهما في حملك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم وهو عامة الشركاء إذ ما هناك من يصح إشراكه في عبادة الله قط. فلا تطعهما في ذلك ابداً، {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا} أي في الحياة بالمعروف وهو برهما وصلتهما وطاعتهما في غير معصية الله تعالى ورسوله، وقوله: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي اتبع طريق من أناب إليَّ بتوحيدي وعبادتي والدعوة إليّ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم والآية نزلت في سعد ابن أبي وقاص حيث أمرته أمه أن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك قبل إسلامها وبذلت جهداً كبيراً في مراودة ابنها سعد رضي الله عنهما وقوله {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي جميعاً فأنبكم بما كنتم تعملون وأجزكم بعملكم الخير بالخير والشر بالشر فاتقوني بطاعتي وتوحيدي والإِنابة إليّ في كل أموركم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير التوحيد والتنديد بالشرك. 2) بيان الحكمة وهي شكر الله تعالى بطاعته وذكره إذ لا يشكر إلا عاقل فقيه. 3) مشروعية الوعظ والإِرشاد للكبير والصغير والقريب والبعيد. 4) التهويل في شأن الشرك وإنه لظلم عظيم. 5) بيان مدة الرضاع وهي في خلال العامين لا تزيد. 6) وجوب بر الوالدين وصلتهما. 7) تقرير مبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بعدم طاعة الوالدين في غير المعروف. 8) وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة.

القطان

تفسير : لقمان: عرف العرب بهذا الاسم شخصين احدهما لقمان بن عاد وكانوا يعظّمون قدره في النباهة والرياسة والدهاء. واما الآخر فهو لقمان الحكيم الذي اشتهر بحكَمه وامثاله. وهو المقصود هنا، وسُميت السورة باسمه، وقد كانت حِكمه شائعة بين العرب. ويقول بعض المفسرين إنه نبي، وآخرون يقولون انه حكيم آتاه الله الحكمة والعقل والفطنة. وأورد الامام مالك كثيرا من حِكمه في كتابه "الموطأ"، ويقال انه كان اسود من سودان مصر او من الحبشة او النوبة. الحكمة: العلم مع العمل، وكل كلام وافق الحقَّ فهو حكمة. وقيل الحكمة: هي الكلام المعقول المصون عن الحشو، وقال ابن عباس الحكمة: تعلُّم الحلالِ والحرام. وقال الراغب: الحكمة: معرفة الموجودات وفعل الخيرات. وقال الرسول الكريم: "حديث : ان من الشعر لحكمة" تفسير : يعني كلاما صادقا. وقال تعالى {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} الخ.... يعظه: يذكّره بالخير وعمله. الوهن: الضعف. الفصال: الفطام. جاهداك: بذلا جهدهما لتكفر معهما. أناب: رجع. مثقال: وزن. مثقال حبة من خردل: شيء صغير جدا. لطيف: يصل علمه الى كل شيء خفي. خبير: عليم بكنْه الاشياء وحقائقها. من عزْم الأمور، العزم: عقدُ القلب على إمضاء الأمر، من عزم الامور: من الأمور المؤكدة. لا تصعّر خدك: لا تتكبر، وغالبا ما يمشي المتكبر وهو مائل الوجه مبديا صفحة وجهه عنهم. ولا تمشِ في الأرض مرحا: مختلا بطِرا. مختال فخور: يمشي الخيلاء ويفخر على الناس ويتباهى بماله وجاهه. واقصِد في مشيك: توسط واقصد في مشيك. واغضض من صوتك: اخفض منه ولا ترفعه. أَنكرُ الاصوات: اقبحها. {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. لقد منحْنا لقمانَ الحكم والعلم والاصابة في القول، وقلنا له اشكرِ الله، ومن يشكر فان فائدةَ ذلك الشكر عائدةٌ اليه، ومن جَحَدَ نعمةَ الله فإنه غنيّ عن شكره غير محتاج اليه، محمود في ذاته. واذكر ايها الرسول الكريم لَمّا قال لقمانُ لابنه وهو يعظه ويذكّره: يا بنيّ لا تشركْ بالله أحدا، إن الشِركَ ظلمٌ عظيم لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه. ثم بعد ان ذكر الشِرك وما فيه من شفاعة أتبعه بوصية الولد بوالديه، لكونهما السببَ في ايجاده فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ....} أمرناه ببرّهما وطاعتهما، والقيام بحقوقهما لأنهما تعبا في تربيته.... لقد حملته أمه في بطنها، وما زالت تضعف كلما مرت الأيام ضعفاً على ضعف حتى وضعتْه، ثم أرضعتْه عامين وفطمته، وكل ذلك ببذل جهود عظيمة، فاشكر لي ايها الانسان ولوالديك وأحسنْ إليهما فإليَّ الرجوع لا الى غيري. {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} ما أحلى هذا الكلام! فإن كانا كافرين، وحاولا ان تكفر أنت بالله فلا تطعمها، ومع ذلك يجب عليك ان تبقى باراً بهما، تصاحبهما بالمعروف والاحسان والعطف. اما من جهة الدين: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} إن عليك ان تتبع طريقَ الهدى، وطريق من تاب الى الله، ومصيركم جميعاً اليّ بعد مماتكم فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير او شر. ثم عاد الى ذكر بقية وصايا لقمان لابنه فقال: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}. يا بنيِّ، ان الله لا يَفلِتُ من حسابه شيء، إن الخصلةَ من الإحسان أو الاساءة إن تكن وزنَ حبة خردلٍ تائهة في وسط صخرة او في السماوات او في الأرض - يأتِ بها الله ويُحضرها يوم القيامة حين يضع الموازينَ بالقسط. ان الله لطيف يصل علمه الى كل خفي، خبير يعلم ظواهر الأمور وبواطنها. {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ.... } يا بني حافظْ على الصلاة، وأْمر بكل حَسَن، وانهَ عن كل قبيح، واحتملْ ما أصابك من الشدائد، فان المحافظة على الصلاة والصبرَ على الشدائد من عزم الامور.... بدأ هذه الوصيةَ بالصلاة وختمها بملازمة الصبر لأنهما من أعظمِ ما يستعان بهما كما قال تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}تفسير : [البقرة:45 و 153]. وبعد ان أمره بعمل اشياء خيرة، حذّره من أمور غير مستحسَنة وأدّبه خير تأديب فقال: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}. إنها حِكم تُكتب بماء الذهب.... لا تتكبر وتُعرِضْ بوجهك عن الناس، ان الله لا يحب المتكبرين. وامشِ بهدوء، وتوسَّط في مشيك بين السرعة والبطء، ولا ترفع صوتك لأن اقبح ما يُستنكر من الأصوات هو صوت الحمير.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {لُقْمَانَ} (12) - أَكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ رَجُلاً صَالِحاً وَلَيسَ نَبِياً، وَهُوَ عَبْدٌ حَبَشِيٌ كَانَ يَعْمَل نَجَّاراً. وَقَدْ أََعْطَاهُ اللهُ تَعَالى الفَهْمَ والعِلْمَ الصَّحِيحَ والرَّأْيَ الصَّائِبَ. وأَمَرَهُ تَعَالى بِشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى ما آتاهُ اللهُ، وَعَلَى مَا خَصَّهُ بِهِ مِنَ العِلْمِ والفَضْلِ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ شَكَرَ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لِخَيرِ نَفْسِهِ وَمَنْفَعَتِها، أَمَّا مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العِبَادِ، لاَ يَتَضَرٌّرُ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَفَرَ أَهْلُ الأَرْضِ جَمِيعاً، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ والثَّنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. الحِكْمَةَ - العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ وَإِصَابَةَ القَوْلِ.

الثعلبي

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} يعني العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأُمور. قال محمّد بن إسحاق بن يسار: وهو لقمان بن باعور بن باحور بن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أُخت أيّوب. وقال مقاتل: ذُكر أنَّ لقمان كان ابن خالة أيّوب. قال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل، واتّفق العلماء على أنّه كان حكيماً ولم يكن نبيّاً إلاّ عكرمة فإنّه قال: كان لقمان نبيّاً، تفرّد بهذا القول. حدّثنا أبو منصور الجمشاذي قال: حدّثني أبو عبدالله محمد بن يوسف، عن الحسين بن محمد، عن عبدالله بن هاشم، عن وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيّاً. وقال بعضهم: خُيِّر لقمان بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة. وروى عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه يقول: "حديث : حقّاً أقول لم يكن لقمان نبيّاً ولكن عبد صمصامة كثير التفكير، حسن اليقين، أحبَّ الله فأحبّه وضمن عليه بالحكمة ". تفسير : (وروي أنّ لقمان في ابتداء أمره) كان نائماً نصف النهار إذ جاءهُ نداء: يا لقمان هل لك أنْ يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحقّ؟ فأجاب الصوت فقال: إنْ خيّرني ربّي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإنْ عزم عليَّ فسمعاً وطاعة. فإنّي أعلم إنْ فعل ذلك بي عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كلّ مكان إن (وفى فبالحري) أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً (وفي الآخرة شريفاً) خير من أن يكون)في الدنيا) شريفاً (وفي الآخرة ذليلاً). ومن تخيّر الدنيا على الآخرة تفتهُ الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأُعطي الحكمة. فانتبه يتكلّم بها. ثمّ نودي داود بعده فقبلها ولم يشرط ما شرط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرّة كلّ ذلك يعفو الله عزّ وجلّ عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أُعطيت الحكمة وصُرفتْ عنك البلوى. وأُعطي داود الخلافة وأُبتلي بالبليّة والفتنة. وحدّثنا الإمام أبو منصور بن الجمشاذي لفظاً قال: حدّثني أبو عبدالله بن يوسف عن الحسن بن محمد، عن عبدالله بن هاشم، عن وكيع، عن محمّد بن حسّان، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبداً حبشيّاً نجّاراً. وأخبرنا أبو عبدالله بن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبي عن أسود بن عامر، عن حمّاد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أنّ لقمان كان خيّاطاً. {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} يعني وقلنا له: أن اشكر لله. {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين، متشقّق القدمين. وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنّك أسود، فإنّه كان من أخيَر الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن الخطّاب ولقمان الحكيم كان أسود نوبيّاً من سودان مصر ذا مشافر. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} واسمه أنعم {وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} قال ابن عبّاس: شدّة بعد شدّة. الضحاك: ضعف على ضعف. قتادة: جهداً على جهد. مجاهد وابن كيسان: مشقّة على مشقّة. {وَفِصَالُهُ} فطامه. وروي عن يعقوب: وفصله {فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} أنبأني عبدالله بن حامد الأصفهاني، عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي قال: أخبرني أبو بكر محمّد بن القاسم البلخي، عن نصير بن يحيى، عن سفيان بن عيينة في قول الله عزّ وجلّ: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} قال: مَنْ صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر للوالدين. {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} عِشْرة جميلة، وتقديره: بالمعروف. {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ} واسلك طريق محمّد وأصحابه. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقّاص وأُمّه، وقد مضت القُصّة. {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} قال بعض النحاة: هذه الكناية راجعة إلى الخطيئة والمعصية، يعني: إنَّ المعصية إنْ تَكُ. يدلّ عليه قول مقاتل: قال أنعم بن لقمان لأبيه: يا أبة إنْ عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال له: يا بُني إنّها إنْ تَكُ. وقال آخرون: هذه الهاء عماد، وإنّما أنّث لإنّه ذهب بها إلى الحبّة، كقول الشاعر: شعر : ويشرق بالقول الذي قد اذعته كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : ويرفع المثقال وينصب، فالنّصب على خبر كان والرّفع على اسمها ومجازه: إنْ تقع وحينئذ لا خبر له: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} قال قتادة: في جبل، وقال ابن عبّاس: هي صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجّار، وخضرة السماء منها، وقال السدي: خلق الله الأرض على حوت وهو النون الذي ذكره الله عزّ وجلّ في القرآن {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ}تفسير : [القلم: 1] والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك، على صخرة، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الرّيح. {أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيف} باستخراجها {خَبِيرٌ} عالم بمكانها. ورأيت في بعض الكتب أنّ لقمان (عليه السلام) قال لابنه: يا بُني {إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} إلى آخر الآية. فانفطر من هيبة هذه الكلمة فمات فكانت آخر حكمته. قوله: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي الأُمور الواجبة التي أمر الله بها، وقال ابن عبّاس: حزم الأُمور. مقاتل: حقّ الأُمور. {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} قرأ النخعي ونافع وأبو عمرو وابن محيص ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تصاعر بالألف. أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه قال: أخبرني أبو حبش قال أبو القاسم بن الفضل قال أبو زرعة: حدّثني نضر بن علي قال: أخبرني أبي عن معلى الورّاق عن عاصم الجحدري {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ} بضم التاء وجزم الصاد من أصعر. الباقون {تُصَعِّرْ} من التّصعير. قال ابن عبّاس: يقول لا تتكبّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك. مجاهد: هو الرجل يكون بينه وبينك إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. عكرمة: هو الذي إذا سُلّم عليه لوى عنقه تكبّراً. الربيع وقتادة: لا تحقّر الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء. عطاء: هو الذي يلوي شِدقه. أخبرنا عبدالله بن حامد، عن حامد بن محمد، عن محمد ابن صالح، عن عبد الصمد، عن خارجة بن مصعب، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس} قال: التشديق في الكلام. وقال المؤرّخ: لا تعبس في وجوه الناس. وأصل هذه الكلمة من المَيل، يقال: رجل أصعَر إذا كان مائل العنق. وجمعُهُ صُعر، ومنه، الصِّعر: وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها حتى يلفت أعناقها، فشُبّه الرجل المتكبّر الذي يعرض عن الناس احتقاراً لهم بذلك.قال الشاعر يصف إبلاً: شعر : وردناه في مجرى سهيل يمانياً بصعر البري من بين جمع وخادج تفسير : أي مائلات البري. وقال آخر: شعر : وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه أقمنا له من ميله فتقوّما تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي خيلاءَ. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} في مشيته {فَخُورٍ} على الناس. أخبرني عبدالله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن جيغويه، عن صالح ابن محمد، عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خرج رجل يتبختر في الجاهلية عليه حُلّة، فأمر الله عزّ وجلّ الأرضَ فأخذتْه، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . تفسير : {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي تواضع ولا تتبختر وليكن مشيك قصداً لا بخيلاء ولا إسراع. أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ سنة إحدى وثمانين وثلثمائة قال: أخبرني أبو العبّاس محمد بن إسحاق السرّاج وأبو الوفا، المؤيّد بن الحسين بن عيسى قالا: قال عبّاس بن محمد الدوري، عن الوليد بن سلمة قاضي الأردن، عن عمر بن صهبان، عن نافع عن ابن عمران أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن ". تفسير : {وَٱغْضُضْ} واخفض {مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال مجاهد وقتادة والضحاك: أقبح، أوّله زفير وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته. عكرمة والحكم بن عيينة: أشدّ. ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير. أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحري قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن عبدون بن عمارة الأعمش قال: أخبرني أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، عن يحيى بن صالح الوحاضي، عن موسى بن أعين قال: سمعت سفيان يقول في قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} يقول: صياح كلّ شيء تسبيح لله عزّ وجلّ إلاّ الحمار. وقيل: لأنّه ينهق بلا فائدة. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن محمد بن الحسين بن بشر قال: أخبرني أبو بكر ابن أبي الخصيب، عن عبدالله بن جابر، عن عبدالله بن الوليد الحراني، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زادان، عن أُمّ سعد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله عزّ وجلّ يبغض ثلاثة أصوات: نهقة الحمار، ونباح الكلب، والداعية بالحرب ". تفسير : فصل في ذِكْر بعض ما رُوي مِنْ حِكَمِ لُقمان أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان الأصفهاني، عن أحمد بن شاذان، عن جيغويه بن محمد (عن صالح بن محمد) عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن عجلان قال: قال لقمان: ليس مال كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس. وأخبرنا أبو عبدالله الحسين بن محمد الدينوري، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، عن محمد بن عبد الغفّار الزرقاني، عن أبو سكين زكريا بن يحيى بن عمر بن (حفص) عن عمّه أبي زجر بن حصن، عن جدّه حميد بن منهب قال: حدّثني طاووس، عن أبي هريرة قال: مرَّ رجل بلقمان والناس مجتمعون عليه فقال: ألستَ بالعبد الأسود الذي كُنتَ راعياً موضع كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو الحسين بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله ابن أحمد بن حنبل، عن أُبيّ، عن وكيع قال: أخبرني أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبداً حبشيّاً نجّاراً، فقال له سيّده: اذبح لنا شاة، فذبح له شاة، فقال له: ائتني بأطيب المضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: ما كان فيها شيء أطيب من هذا؟ قال: لا، قال: فسكت عنه ما سكت، ثمّ قال له: اذبح لنا شاة، فذبح شاة، فقال: ألقِ أخبثها مضغتين، فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أنْ تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللّسان والقلب وأمرتك أنْ تلقي أخبثها مضغتين فألقيتَ اللسان والقلب؟ فقال: لأنّه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا وأخبث منهما إذا خبثا. وأخبرني الحسين بن محمد، عن أحمد بن جعفر بن حمدان، عن يوسف بن عبدالله عن موسى ابن إسماعيل، عن حمّاد بن سلمة، عن أنس أنّ لقمان كان عند داود (عليه السلام) وهو يسرد درعاً فجعل لقمان يتعجّب ممّا يرى، ويريد أن يسأله، ويمنعه حكمه عن السؤال، فلمّا فرغ منها وجاء بها وصبها قال: نِعمَ درع الحرب هذهِ فقال لقمان: إنّ من الحكم الصمت وقليل فاعله. (وأخبرني الحسين بن محمد بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي) قال: أخبرني أبو أُسامة ووكيع قالا: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان لقمان من أهون مملوكيه على سيّده. قال: فبعثه مولاه في رقيق له إلى بستان له ليأتوه من ثمره، فجاؤوا وليس معهم شيء، وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان. فقال لقمان لمولاه: إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله أميناً، فاسقني وإيّاهم ماءً حميماً ثمّ أرسِلنا فلْنعدُ، ففعل، فجعلوا يقيئون تلك الفاكهة وجعل لقمان يقيء ماءً، فعرف صدقه وكذبهم. قال: أوّل ما روي من حكمته، أنّه بينا هو مع مولاه، إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوناً، وقم هوناً، قال: فخرج وكتب حكمته على باب [الحش]. قال: وسكر مولاه يوماً فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنتُ اجتبيتك، فقال: اخرج كرسيّك وأباريقك ثمّ اجمعهم، فلمّا اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة، قال: فإنّ لها موادَّ احبسوا موادّها عنها، قالوا: وكيف نستطيع أن نحبس موادها عنها؟ قال لقمان: وكيف يستطيع شربها ولها موادّ؟! وأخبرني الحسين بن محمد، عن عبيدالله بن محمد بن شنبه، عن علي بن محمد بن ماهان، عن علي بن محمد الطنافسي قال: أخبرني أبو الحسين العكلي [عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن داود بن عمر، عن إسماعيل بن عياش عن عبدالله بن دينار أنّ لقمان قدم من سفر،] فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكت أمري. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدَّدَ فراشي، قال: ما فعلت أُختي؟ قال: ماتت، قال: ستَرَ عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري. وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبي، عن سفيان قال: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ قال: الذي لا يبالي أنْ يراه الناس مسيئاً. وقيل للقمان: ما أقبح وجهك قال: تعيب بهذا على النقش أو على النقّاش؟ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ}. قرأ نافع وشيبه وأبو جعفر وأبو رجاء العطاردي وأبو محلز وأبو عمرو والأعرج وأيّوب وحفص {نِعَمَهُ} بالجمع والإضافة، واختاره أبو عبيد وأبو معاذ النحوي وأبو حاتم، وقرأ الآخرون منُوّنة على الواحد ومعناها جمع أيضاً، ودليله قول الله عزّ وجلّ: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] وقال مجاهد وسفيان: هي لاَ إِلهَ إِلاّ الله، وتصديقه أيضاً ما أخبرني أبو القاسم (الحبيبي) أنّه رأى في مصحف عبدالله {نِعْمَتَهُ} بالأضافة والتوحيد {ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} اختلفوا فيها فأكثروا. فقال ابن عبّاس: أمّا الظاهرة فالدين والرياش، وأمّا الباطنة فما غاب عن العباد وَعَلِمَهُ الله. مقاتل: الظاهرة تسوية الخَلق والرّزق والإسلام، والباطنة ما ستر من ذنوب بني آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب عليها. الضحّاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المغفرة. القرظي: الظاهرة محمّد صلى الله عليه وسلم والباطنة المعرفة. ربيع: الظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب. عطاء الخراساني: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة الشفاعة. مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة الإمداد بالملائكة. أخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم النيستاني، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ابن محمش، قال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى بن الحرب، عن محمد بن يوسف بن محمد ابن سابق الكوفي قال: أخبرني أبو مالك الجبنى، عن جويبر، عن الضحاك قال: سألت ابن عبّاس عن قول الله عزّ وجلّ: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} فقال: هذا من محرزي الذي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حديث : يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ قال: أمّا الظاهرة فالإسلام وما حسن من خلقك وما أفضل عليك من الرزق، وأمّا الباطنة ما ستر من سوء عملك، يابن عبّاس يقول الله تعالى: إنّي جعلت للمؤمن ثلثا صلاة المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله أُكفّر به عن خطاياه، وجعلت له ثلث ماله ليكفّر به عنه من خطاياه وسترت عليه سوء عمله الذي لو قد أبديته للناس لنبذه أهله فما سواهم . تفسير : وقال محمّد بن علي الترمذي: النعمة الظاهرة:{أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 3] والباطنة قوله: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3]. (الحرث بن أسد المحاسبي): الظاهرة نعيم الدنيا، والباطنة نعيم العقبى. عمرو بن عثمان الصدفي: الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة تضعيف الصنائع. وقيل: الظاهرة الجزاء، والباطنة الرضا. سهل بن عبدالله: الظاهرة إتباع الرسول، والباطنة محبّته. وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة التبيين، بيانه قوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176] {أية : وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 221] والباطنة التزين قوله:{أية : وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 7] وقيل: الظاهرة الرزق المكتسب، والباطنة الرزق من حيث لا يُحتسب. وقيل: الظاهرة المدخل للغذاء، والباطنة المخرج للأذى. وقيل: الظاهرة الجوارح، والباطنة المصالح. وقيل: الظاهرة الخَلق، والباطنة الخُلق. وقيل الظاهرة التنعيم، بيانه قوله:{أية : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الحمد: 7] والباطنة التعليم. قوله: {أية : وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 151] وقيل: الظاهرة ما أعطى وحبا من النعماء، وقيل الباطنة: ما طوي وزوي من أنواع البلاء، وقيل: الظاهرة الدعوة، بيانه قوله:{أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}تفسير : [يونس: 25] والباطنة الهداية. بيانه قوله: {أية : وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [يونس: 25]. وقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة، والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفّار، وقيل: الظاهرة تفصيل الطاعات، وهو أنّه ذكَر طاعتك واحدة فواحدة وأثنى عليك بها وأثابك عليها، بيانه قوله:{أية : ٱلتَّائِبُونَ}تفسير : [التوبة: 112] وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}تفسير : [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية. والباطنة إجمال المعاصي وذلك أنّه دعاك منها إلى التوبة باسم الإيمان من غير عدّها وتفصيلها، بيانه قوله: {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [النور: 31] وقيل: الظاهرة إنزال الأقطار والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأمصار. وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص والعصمة من المراءات، وقيل: الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان، وقيل: الظاهرة تلاوة القرآن والباطنة معرفته. وقيل: الظاهرة ضياء النهار للتصرّف والمعاش، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار. وقيل: الظاهرة النطق، والباطنة العقل، وقيل: الظاهرة نِعَمَهُ عليك بعدما خرجت من بطن أُمّك، والباطنة: نِعَمَهُ عليك وأنت في بطن أُمّك. وقيل: الظاهرة الشهادة الناطقة، والباطنة السعادة السابقة. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة وضع الوزر ورفع الذّكر، والباطنة شرح الصدر. وقيل: الظاهرة فتح المسالك والباطنة نزع الممالك ممّن خالفك، وقيل: الظاهرة المال والأولاد، والباطنة الهدى والارشاد، وقيل: الظاهرة القول السديد والباطنة التأييد والتسديد، وقيل: الظاهرة ما يكفِّر الله به الخطايا من الرزايا والبلايا، والباطنة ما يعفو عنه ولا يؤاخذ به في الدنيا والعقبى، وقيل: الظاهرة ما بينك وبين خلقه من الأنساب والأصهار، والباطنة ما بينك وبينه من القرب والأسرار والمناجاة في الأسحار، وقيل: الظاهرة العلوّ بيانه قوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}تفسير : [آل عمران: 139] والباطنة الدنوّ بيانه قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 11]. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحرث حين زعم أنّ الملائكة بنات الله {وَلاَ هُدَىً وَلاَ كِتَابٍ مُنير وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}. قال الله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ} قال الأخفش: لفظه استفهام ومعناه تقرير، وقال أبو عبيدة: لو هاهنا متروك الجواب مجازه أَوَلَو كَانَ {ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي موجباته فيتبعونه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه آتانا قبل أنْ يخلقنا، وآتانا بعد أن خلقنا بالمنهج ثم وَالَى إلينا بمواكب الرسالات التي تحمل إلى كل بيئة المنهج الذي يناسبها، وقبل أن يخرج آدم عليه السلام لتحمُّل عِبء هذه الخلافة أعطى الله له تجربة، هذه التجربة مفادها أن يحافظ على منهج ربه في (افعل) و (لا تفعل) وأن يحذر كيد الشيطان. وقد مرَّ آدم بهذه التجربة البيانية قبل أن يجتبيه الله للنبوة وكثيرون يظنون أن عصيان آدم جاء بعد أن كُلِّف بالنبوة فيقولون: كيف يعصي آدم ربه، وهو نبي والنبي معصوم؟ ونقول: نعم، عصى آدم ربه، لكن قبل النبوة، وهو ما يزال بشراً عادياً؛ لذلك قال سبحانه في حقه: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 121-122]. إذن: جاء الاجتباء بعد المعصية، فإنْ قلتَ: فما الداعي للعصيان يصدر من آدم، وهو يُعد للنبوة؟ قالوا: لأنه أبو البشر، والبشر قسمان: بشر معصومون، وهم الأنبياء، وبشر ليست لهم عصمة وهم عامة الناس غير الأنبياء، ولا بُدَّ لآدم أنْ يمثل النوعين لأنه أبو الجميع، فمثَّل البشر عامة حين وقع في المعصية، ومثّل الأنبياء حين اجتباه ربه وتاب عليه، فجمع بذلك بين الملحظين. هنا يقول سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا ..} [لقمان: 12] والإيتاء يُطلَق على الوحي مع الفارق بينهما، فإنْ أطلق الوحي فإنه ينصرف إلى الوحي للرسول بمنهج من الله، ويُعرَف الوحي عامة بأنه إعلام بخفاء. ومن ذلك قوله تعالى في الوحي للملائكة: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [الأنفال: 12]. ويُوحِي للبشر، قال تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} تفسير : [القصص: 7]. ويوحي للحيوان {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ..} تفسير : [النحل: 68]. ومن ذلك أيضاً يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من شياطين الإنس أو الجن: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. كذلك يوحي الله إلى أهل الخير من أتباع الرسل: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..} تفسير : [المائدة: 111]. هذا في المعنى اللغوي للوحي وهو: إعلام بخفاء، فإنْ قصدت الوحي الشرعي الاصطلاحي: فهو إعلام من الله لرسوله بمنهجه. وهذا التعريف يُخرِج كل الأنواع السابقة. والحق سبحانه عبَّر عن الإيتاء العام بقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..} تفسير : [الشورى: 51]. والإيتاء يُقصد به الإلهام، ويكون حين تتوفر للإنسان آلة استقبال سليمة صالحة لاستقبال الإلهام والخاطر من الحق سبحانه وتعالى، وآلة الاستقبال لا تصلح للاستقبال عن الله تعالى إلا إذا كانت على مواصفات الخالق سبحانه صانعها ومبدعها، كما يلتقط (الراديو أو التليفزيون) الإرسال، فإنِ انقطع عنك الإرسال فاعلم أن جهاز استقبالك به عطب، أما الإرسال فموجود لا ينقطع، ولله تعالى المثل الأعلى. وله سبحانه إرسال دائم إلى عباده، لا يلتقطه إلا مَنْ صفَتْ آلة استقباله، وصلحت للتلقي عن الله، وهذه الآلة لا تصلح إلا إذا كانت على المنهج في افعل ولا تفعل، لا تصلح إذا تكونت من الحرام وتغذَّتْ به؛ لأن الحرام يفسد كيماوية الفطرة التي خلقها الله في عباده يوم أن أخذ عليهم العهد: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. فهذه الذرية لو ظلتْ على حالها من الصفاء يوم كانت في ظهر آدم ويوم أخذ الله عليها العهد، ولو التزمتْ منهج ربها في (افعل) و (لا تفعل) لكانت أهلاً لإلهام الله؛ لأن آلة استقبالها عن الله سليمة. وتأمل في وحي الله إلى أم موسى: {أية : أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} تفسير : [القصص: 7]. فأيُّ آلة استقبال هذه التي استقبلتْ هذا الأمر ونفذته دون أنْ تناقشه، واطمأنتْ إليه قبل أنْ تفكر فيه؟ وكيف تقتنع الأم أن الموت المحقق يُنجي وليدها من موت مظنون؟ لذلك نقول: إذا صادف الإلهام آلة استقبال سليمة فإنه لا يوجد في النفس ما يصادره، ولا ما يبحث عن دليل، فقامت أم موسى ونفذت الأمر كما أُلقي إليها، هذا هو الإيتاء. ومنه أيضاً قوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65] والعبد الصالح لم يكن نبياً، ومع ذلك آتاه الله بدون واسطة، فكان هو مُعلِّماً للنبي، وما ذلك إلا لأنه عبد لله على منهج موسى، وأخلص لله تعالى فآتاه الله من عنده. واقرأ قول الله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..} تفسير : [الأنفال: 29] وقال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] إذن: كلُّ ما علينا لنأخذ إلهامات الحق سبحانه أنْ نحتفظ بصفاء البنية التي خلقها الله لتظل بمواصفات خالقها، ثم نسير بها على منهجه تعالى في افعل ولا تفعل، وكان سيدنا لقمان من هذا النوع الصافي الطاهر النقي، الذي لم يخالط جسمه حرام، والذي لا يغفل عن منهج ربه؛ لذلك آتاه الله الحكمة، وقال فيه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ..} [لقمان: 12]. وقد اختلف العلماء فيه: أهو نبي أم غير نبي، والغالب أنه غير نبي؛ لأن القائلين بنبوته ليس لهم سند صحيح، والجمهور اجتمعوا على أنه رجل صالح مرهف الحس، دقيق الإدراك، والحسّ كما قلنا هو الأصل الأول في المعلومات، وكان لقمان لا يمر على الأشياء إلا بهذا الحسِّ المرهف والإدراك الدقيق العميق، فتتكون لديه مُدْركات ومواجيد دقيقة تختمر في نفسه، فتتجمع لديه مجموعة من الفضائل والقيم التي تسوس حركة حياته، فيسعد بها في نفسه، بل ويسعد غيره من حوله بما يملك من المنطق المناسب والتعبير الحسن، كذلك كان لقمان. وللعلماء أبحاث حول شخصية لقمان وجنسيته، فمنهم مَنْ ذهب إلى أنه كان أسود اللون غليظ الشفتين كأهل جنوب إفريقيا، لكنه مع ذلك كان أبيض القلب نقي السريرة، تخرج من بين شفتيه الغليظتين الحِكَم الرقيقة والمعاني الدقيقة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا: "حديث : إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ". تفسير : لذلك حين ترى مَنْ هو أقل منك في مال، أو صحة، أو جاه، أو منظر فلا تغتر بذلك، وانظر وتأمل ما تميّز به عليك؛ لأن الخالق سبحانه - كما قلنا - وزَّع فضله بين عباده بالتساوي، بحيث يكون مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولا تفاضلَ بين المجموعات إلا بالتقوى: "حديث : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ". تفسير : فالذين يحلو لهم أنْ يقسموا المهن مثلاً إلى مهن شريفة وأخرى حقيرة نقول: ليست هناك مهنة حقيرة ما دام المجتمع في حاجة إليها ولا تستقيم حركة الحياة إلا بها، فكيف تحقرها؟ وكيف تحقر أهلها؟ والله لو قعد الوزراء في بيوتهم أسبوعاً ما حدث شيء، لكن لو تعطل عمال النظافة مثلاً أو الصرف الصحي ليوم واحد لحدثتْ مشكلة، ولأصبحت الدنيا (خرارة). وكيف نحقر هذه المهن ونحقر أصحابها، وهم يرضوْنَ باليسير، ويتحملون ما لا يطيقه غيرهم، كيف نحقرهم، والله تعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. فإن قلت: ما دام ليس نبياً، فكيف يؤتيه الله؟ نقول: بالمدد والإلهام الذي قال الله فيه: {أية : إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29] فمَنْ يحافظ على مواصفات التكوين بمنطق الله يأخذ من الله مباشرة. كما لو طلب منك ولدك مبلغاً من المال يتاجر به في السوق، فتعطيه مبلغاً يسيراً تُجرِّبه به، فإنْ أفلح وربحت تجارته يطمئن قلبك فتزيده أضعاف ما أخذ في المرة الأولى، كذلك الإنسان إن أحسن صحبته لربه داوم الله عليه فضله ووالى إليه فيضه. لذلك يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما قصر بنا في علم ما نجهل إلا عدم عملنا بما علمنا - يعني: لو كنا أهلاً للزيادة لزادنا، لو كنا مأمونين على ما علمنا فوظّفناه في حركة حياتنا لجاءتنا فيوضات إشراقية وعطاءات من ربنا ممتدة لا تنتهي، أما إنْ أخذنا العلم فألقيناه جانباً ولم نعمل به، فما الداعي للزيادة، وأنت لم تستفِدْ بما عندك؟ وكما تكلم العلماء في شخصية لقمان وجنسيته تكلموا في حكمته، فسأله أحدهم وقد تبسَّط معه في الحديث: ألم تكُنْ عبداً تخدم فلاناً؟ قال: بلى، قال: فَبِمَ أوتيتَ الحكمة؟ قال: باحترامي قدر ربي، وأدائي الأمانة فيما وليت من عَمل، وصدق الحديث، وعدم تعرُّضي لما لا يعنيني. وهذه الصفات كافية لأنْ تكون منهجاً لكل مؤمن، ولأنْ ينطق صاحبها بالحكمة، والله لو كانت فيه صفة الصدق في الحديث لكانت كافية. لذلك وصل لقمان إلى هذه المرتبة وهو العبد الأسود، فآتاه الله الحكمة مباشرة، وهو ليس نبياً ولا رسولاً، وسُمِّيت إحدى سور القرآن باسمه، وهذا يدلك على أن الإنسان إذا اعتدل مع الله وأخلص في طاعته فإن الله يعطيه من فيضه الواسع، فيكون له ذِكْر في مصافِّ الرسل والأنبياء. ويُرْوَى من حكمة لقمان أن سيده أمره أن يذبح له شاة ثم يأتيه بأطيب مُضْغتين فيها، فذبح الشاة وجاءه بالقلب واللسان، وفي اليوم التالي قال له: اذبح لي شاة وأتني بأخبث مُضغتين فيها، فجاءه أيضاً بالقلب واللسان فسأله: ألم تَأْتِ بهما بالأمس على أنهما أطيب مضغتين في الشاة؟ قال: بلى فليس شيء أطيب منهما إذا طَابَا، ولا شيء أخبث منهما إذا خَبُثَا. وبعد لقمان جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا هذا الدرس فيقول: "حديث : ... ألا أن في الجسد مضغة إذا صَلُحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". تفسير : ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "حديث : من حفظ ما بين لحييه وما بين رِجْليه دخل الجنة ". تفسير : ويُروى أن لقمان كان يفتي الناس، وكانوا يثقون بكلامه، وكان ذلك قبل داود عليه السلام، فلما جاء داود كفَّ لقمان عن الفُتْيا، فلما سألوه: لماذا امتنعتَ عن الفُتْيا؟ فقال - وهذه أيضاً من حكمته: ألاَ أكتفي إذا كُفيت؟ يعني: لماذا أتمسَّك بها وقد بعث الله لي مَنْ حملها عني، وهو يعلم تماماً أنه مجرد عبد صالح (أي: أنه أخذ الحكمة من منازلهم كما يقال)، أما داود فرسول من عند الله، ومن الحكمة أنْ يُفسِح له هذا المجال، ويترك له ساحة الفُتْيا في القوم لعله يأتي بأفضلَ مما عند لقمان؛ لذلك تركها له عن رضاً وطيب خاطر. والبعض يقول: إن الله خيَّره بين أن يكون نبياً أو حكيماً، فقال: أما وقد خيَّرتني يا رب، فأنا أختار الراحة، وأترك الابتلاء، أما إنْ أردْتها يا رب عزمة فأنا سأقبلها سمعاً وطاعة؛ لأني أعلم أنك لن تخذلني. والحق سبحانه يُنطِق لقمان بأشياء من الحكمة يسبق بها النبوة؛ ليبين لنا أن الإنسان من الممكن أن يكون ربانياً، كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : عبدي، أطعني تكُنْ ربانياً، تقول للشيء كُنْ فيكون ". تفسير : ذلك لأن فضل الله ليس له حدود، وليس عليه حرج، وبابه تعالى مفتوح، المهم أن تكون أهلاً لأنْ تلِجَ هذا الباب، وأنْ تكون في معية ربك دائماً. ومما يُرْوَى من حكمة لقمان أنه غاب في سَفْرة، ثم عاد فلقيه تابعه، فقال له: مَا حال أبي؟ فقال: مات، فقال لقمان: الآن ملكْتُ أمري، ثم سأل: فما حال زوجتي؟ فقال: ماتت، فقال: جدّدتُ فراشي، ثم سأل عن أخته، فقال: ماتت، فقال: ستَر الله عِرْضي، ثم سأل عن أخيه، فقال: مات، فقال: انقصم ظهري. وهذا الكلام لا يصدر إلا عن حكمة، فكثيراً ما يفرح الابن - خاصة العاق - بموت أبيه؛ لأنه سيترك له المال يتمتع به، أما لقمان فيقول عندما علم بموت أبيه: الآن ملكْتُ أمري؛ لأنه في حياة أبيه كان له أمر، لكن أمره ليس في يده إنما في يد أبيه، فلما مات أبوه صار أمره بيده. وهذه الحكمة توضح لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : أنت وما ملكت يداك لأبيك"تفسير : كأنه من العيب أن تقول في حياة أبيك: أنا أملك كذا وكذا. أما الآن فقد تجاوز الأبناء كل هذه القيم، ونسمع الابن يقول لأبيه: اكتب لي كذا وكذا. أما قوله: "جددت فراشي" فهي كلمة لها معنى كبير: أنا لا أُدخِل الجديدة على فراش القديمة حتى لا أجرح مشاعرها، أو أنني لا أتزوج إلا بعد وفاة زوجتي الأولى؛ ذلك لأن الغيرة طبع في النساء. وكانت أم المؤمنين عائشة تغار حتى من ذكر السيدة خديجة، فقد حديث : دخلت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم على أبيها مُغْضبة فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أغضبك يا أم أبيها" فقالت: والله إن عائشة قالت لي: إن رسول الله تزوج أمك ثيباً، ولم يتزوج بِكْراً غيري، فقال لها رسول الله: "إذا أعادت عليك هذا القول - وانظر هنا إلى أدب النبوة في الردَّ وفي سرعة الخاطر - فقولي لها: ولكن أمي تزوجتْ رسول الله وهو بكر، وتزوجتيه أنت وهو ثيَّب" تفسير : هذا كلام النبوة، ومن بعدها لم تُعِدْها عائشة مرة أخرى. وقد يقول قائل: وكيف تغار عائشة، وهي أم المؤمنين وزوج رسول الله؟ قالوا: هذه الغيرة لها معنى، فقد عقد رسول الله عليها وهي بنت السادسة، ودخل بها وهي بنت التاسعة، وقد جاوز صلى الله عليه وسلم الخمسين من عمره، ومع فارق السن بينهما رضيتْ عائشة برسول الله؛ لأنها رأتْ فيه من مزايا نوره ما جعلها تَغَار عليه رغم كِبَر سنّه وصِغَر سنها، فلم تنظر إليه على أنه رجل عجوز يكبرها، بل رأَتْ فيه ما يفوق ويعلو على مجرد الشباب. إذن: فمعنى: "جددت فراشي" أنني أراعي مشاعر الزوجة الجديدة، فلا أُدِخلها على فراش القديمة فأصدمها به، وأُلِهب مشاعر الغيرة عندها، حتى من التي ماتت، وأنا أريد أن تكون صافية التكوين لذاتي، راضية عن كل تصرفاتي، أريد أن أمنع كل شبهة تقلق كونها سكناً لي، وأنا سَكن لها. نعود إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ..} [لقمان: 12] فالذي آتى هو الله عز وجل، والحكمة: مادة حكَم تدل على وَضْع الشيء في موضعه، ومنها الحاكم؛ لأنه يضع الحق في نصابه، حتى في الدواب نسمي الحديدة التي توضع في فم الفرس لأتحكم في حركته (حَكَمه)؛ لأن الهدف من ركوب الخيل مختلف، فمرة أركبه للنزهة، ومرة أركبه لأدرك به صَيْداً، ومرة للكِّر وللفرِّ في المعركة، فكُلُّ هدف من هذه له حركة، وينبغي أنْ أتحكم في حصاني ليؤدي لي ما أريده منه. إذن: فالحكمة تعني في معناها العام وَضَع الشيء في موضعه، وهي مجموعة من مَلَكات الفضائل تصدر عنها الأشياء التي تضع كل أمر في محله لكن بيُسْر وبلا مشقة ولا تعب، كالشيخ الذي ظل يدرس في الأزهر مثلاً عشرين أو ثلاثين سنة تذهب إليه، وتستفتيه في أمر من الأمور، فيجيبك بيُسْر وسهولة، وبدون تفكير أو إعداد، لماذا؟ لأن الفُتْيا أصبحت ملَكَه عنده لا تحتاج منه إلى مجهود ولا مشقة. ومن الحكمة أنْ يخلق الله لك أشياءً، ويهديك لأنْ تستنبط منها أشياءً أخرى. وساعة تسمع من الله تعالى: {وَلَقَدْ ..} [لقمان: 12] فاعلم أن هنا قَسَماً فالواو واو القسم، والمقسَم عليه مُؤكَّد باللام ومُؤكَّد بقد التي تفيد التحقيق. قوله سبحانه: {آتَيْنَا ..} [لقمان: 12] الحق - سبحانه وتعالى - في إتيانه للأشياء يعني تعدَّي ما قدره لمن قدره من خير ظاهر ومن خير مستور. وقبل أنْ يخلق الله الإنسان خلق له، فجاء الإنسان الأول (آدم عليه السلام) وطرأ على كون فيه كل مُقوِّمات حياته من هواء وماء وأرض وسماء وطعام وشراب .. الخ. وكل ذلك مُسخَّر له تسخيراً لا دَخْلَ للمنتفع به فيه، وهذا أول الإيتاء، بل قبل ذلك، وفي الأزل قبل أن يخلق الإنسان خلق له مُقوِّمات مادته ومُقوِّمات قيمه وروحه - أي: أوجدها. لأننا نعلم أن كل صانع قبل أن يُقدِم على صَنْعة لا بُدَّ أن يُحدِّد الغاية، ويضع الهدف منها أولاً، لا أنْ يصنع الشيء ثم ينظر فيه: لأيِّ شيء يصلح هذا الشيء، كذلك لا بُدَّ أنْ يسبق الصنعةَ منهجُ صيانتها. فالحق سبحانه قبل أنْ يخلق الإنسان وضع له مُقوِّماته المادية والمعنوية، والمنهج الذي يُصلِحه وحدّد الهدف من وجوده؛ لذلك يُنبِّهنا الحق سبحانه إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-3] فقبل أنْ يخلق الله الإنسانَ وضع المنهج الذي به صيانته، وهو القرآن الكريم. إذن: فمعنى الإيتاء أنْ يعدي الله ما قدره من خير ظاهر أو خير مستور لمن قدره، والخير يكون على نوعين: خير يقيم المادة، وخير يقيم القيم الروحية، المادة تقوم بالهواء وبالطعام وبالشراب .. الخ، والقيم تقوم بالوحي وبالمنهج الذي حمله الرسل بافعل ولا تفعل. والله تعالى آتى كثيراً من خلقه، فلماذا خَصَّ لقمان بالذات، فقال {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ..} [لقمان: 12]؟ قالوا: لأن الله تعالى حين يأمر الرسل بأمر ليُبلِّغوه يُعِد الرسل لهذا الأمر، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يقول لنا، إن الفَطرة السليمة تهتدي إلى الله، وإلى المطلوب من الله بدون وحي، وبدون إعداد. ومن ذلك ما رُوِي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - من أنه كان يُحدِّث سيدنا رسول الله بالأمر، ويقترح عليه فيأتي الوحي موافقاً لرأيه، فكيف يتسنى لعمر أن يقترح على رسول الله وفي وجوده، وهو المشرع الثاني بعد القرآن؟ نقول: لأن الله تعالى يريد أنْ يثبت لنا أن الفطرة السليمة إذا صَفتْ لله تستطيع أنْ تهتدي إلى الأشياء، وتصل إلى الحق قبل أنْ ينزل الوحي به. إذن: فالإيتاء من الله لا يأتي عبثاً، فالإيتاء الأول كان لآدم عليه السلام، وآدم شاء الله أنْ يجعله خليفة له في الأرض، ولا يعني هذا أنه أول المخلوقات في الأرض، والحق سبحانه لم يَقُلْ إنني أول ما خلقتُ خلقتُ آدم، وبدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27]. ومسألة الخلْق هذه هيِّنة على الله، بدليل قوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [إبراهيم: 19-20] فالمسألة ليست نادرة حدثت مرة واحدة، ولن تحدث بعد ذلك. وللعلماء كلام طويل في عوالم أخرى غير عالمنا كعالم الحن، وعالم البنِّ، وعالم الجن وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، لكن إنْ حدَّثك المضللون الذين يريدون أنْ يستدركوا على الدين ويقولون: إن الحفريات أثبتت وجود مخلوقات قبل آدم، فكيف تقولون: إن آدم أول مخلوق؟ ونقول لهؤلاء: لم يقُلْ أحد: إن آدم أول مخلوق على الأرض، إنما هو أول هذا الجنس البشري الذي نسميه "إنسان" لكن سبقته أجناس أخرى، وشاء الله أنْ يجعل آدم خليفة في الأرض، ثم أخبر الملائكة {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30]. والله حين يخبر الملائكة هذا الخبر لا يستشيرهم، إنما ليبين لهم أمراً واقعاً، وخصَّ الملائكة بهذا الإخبار؛ لأنه سيكون لهم دور مع هذا الخليفة الجديد. إذن: فالذين قال الله لهم: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30] ليسوا كل الملائكة، إنما الذين لهم دور ومهمة مع هذا المخلوق، أما باقي الملائكة فلا يدرون بآدم، ولا يعرفون عنه شيئاً، وليس في بالهم إلا الله. والقرآن الكريم يشير لنا إلى هذه المسألة إشارةً دقيقة في قوله تعالى مخاطباً إبليس لما رفض السجود لآدم: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75] والعالون هم الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود. وقلنا: إن الله تعالى كرَّم آدم حين خلقه تعالى، وباشر خَلْقه بيده سبحانه، ولم يخلقه كباقي المخلوقات (بكُنْ)؛ لذلك جاء في حيثية النقد على إبليس: {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..} تفسير : [ص: 75]. إذن: مباشرة الخَلْق باليد دليل على العناية بالمخلوق؛ لأن اليد هي الآلة الفاعلة لأكثر الأشياء، وحتى الآن نفخر بعمل اليد فنقول (هذا الشيء يدويّ) يعني: لم تصنعه آلة صماء، إنما يد مفكر يتقن الصنعة. وفي مسألة خَلْق آدم - عليه السلام - يحلو للبعض أن يقول: هو الذي أخرجنا من الجنة، فهل قال الله تعالى قبل أن يصدر أول بيان عن آدم أنني خلقُته للجنة، ثم عصى آدم ربه وتسبب في أنْ نخرج منها؟ لم يقُلْ ذلك، إنما قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30] فهو - إذن - مخلوق للأرض، وما الجنة التي دخلها إلا جنة التجربة لا جنة الخلد، والبعض يظن أن كلمة الجنة إذا أُطلقَتْ تعني جنة الآخرة، وهذا خطأ بدليل قول الله تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} تفسير : [القلم: 17]. وقوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..} تفسير : [الكهف: 32]. فالجنة في اللغة هي المكان المليء بالأشجار الكثيفة التي تستر مَنْ يسير فيها، كما تستره أيضاً عن البيئة الخارجية؛ لأنها تكفيه بما فيها عن الاحتياج إلى غيرها، فبها كل مُقوِّمات الحياة، ومن ذلك الجنة التي دخلها آدم؛ لأن الله تعالى أراد أنْ يصنع لآدم تدريباً على مهمة الخلافة، ولم لا ونحن نُدرِّب كل صاحب مهمة على مهمته قبل أنْ يقوم بها، حتى لاعب الكرة. وحين نأخذ المتدرب لندربه على أداء مهمته لا بُدَّ أن نوفر له كل مُقوِّمات حياته، ونتكفل له بكل ما يعينه على أداء مهمته، فنقدم له إقامة كاملة من طعام وشراب ومسكن .. إلخ وكذلك فعل الله تعالى لآدم فقال له {أية : يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 35]. وحين نقارن بين ما أباحه الله لآدم وما حظره عليه نجد أنه تعالى أباح له كُلَّ ما في الجنة ولم يحرم عليه إلا هذه الشجرة التي أوضحها وبيَّنها له. كما نلحظ قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبَا ..} تفسير : [البقرة: 35] ولم يقُلْ: لا تأكلا؛ لأن القرب من الشيء قد يُغرِي بمزاولته، فاحتطْ أنت لنفسك بعدم القرب منه. وهذا التدريب لآدم فيه إشارة رمزية لكل تكليف من الله لخَلْقه في (افعل) و (لا تفعل). ثم يذكِّر الحق سبحانه آدم بالمقدمة العدائية التي حدثتْ بينه وبين إبليس، وينصحه بأنْ يحذر هذا العدو؛ لأنه أبى أنْ يسجد له لما أمره الله بالسجود استكباراً وعُتواً. والله حين يأمر بالسجود لآدم إنما يريد السجود للأمر والانصياع له، لا السجود لآدم في ذاته؛ لذلك نجد الأمر من الله تعالى يختلف باختلاف المأمورين، فمرة ينهى عن شيء ويأمر بمثله ليرى مدى انضباطك للأمر وللنهي. ففي الحج مثلاً، يأمرك أنْ تُقبِّل حجراً، وأنْ ترمي حجراً آخر وترجمه، وهذا حجر وذاك حجر، إذن: فالحجرية غير منظورة، لكن المنظور فيه إلى الأمر أو النهي. وبصرف النظر عن المصلحة أو الحكمة من الأمر أو النهي، فمثلاً حينما يتعذر الماء يشرع التيمم بدلاً من الوضوء، فيأتي مَنْ يقول: الوضوء للنظافة، فما النظافة في التيمم، وهو يُلوِّث الجسم؟ ونقول: فَرْق بين النظافة والتطهير، والمراد من التيمم التطهير بشيء هو أصل في مادتك وتكوينك، فالمسألة انضباط في طاعة الأمر بأن تفعل شيئاً تجعله مقدمة لصلاتك، كأنك لا تُقبل على الصلاة إلا بتهيئة، وأيضاً لأن الصلاة بها قِوامَ روحك وحياتك، وحياتك في الأصل ومادتك من الماء الذي تستخدمه في الوضوء والتراب الذي تستخدمه في التيمم. إذن: لهاتين المادتين رمزية يجب أن تُلحظ في الدخول على الله في الصلاة، ولا يليق بالمؤمن أنْ يُفلسف أمور العبادات ويبحث عن عِلّتها والحكمة أو المصلحة من أدائها، إنما يكفي أن يقول: عِلَّة هذا الأمر أن الله أمر به أنْ يفعل، وعلة هذا الحكم أن الله أمر به ألاَّ يُفعل. لذلك ورد عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: لو كانت المسألة بالعقل لكان أسفل الخُفِّ أوْلَى بالمسح من أعلاه، إذن: المسألة طاعة والتزام للأمر وللنهي؛ لذلك من غير المناسب أن نقول: إن من حكمة الصوم: أنْ يَشعر الغني بألم الجوع، فيعطف على الفقير؛ لأنني سأقول لك إذن: لماذا يصوم الفقير؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً وما زْلنا نكرره. قلنا: إن أعز شيء على المرء صحته، فإنْ أصابته علة، فأول ما يُعمِل عقله يبحث عن الطبيب المتخصص في مرضه فيذهب إليه، ثم يسلم له نفسه ليفحصه، ثم يكتب له الدواء فيأخذه ويتناوله دون أنْ يسأل عن عِلَّته، أو لماذا وصفه الطبيب، لماذا؟ لأن الطبيب مؤتمن بعد أنْ تعلَّم ودرس وتخصَّص، فأنت لا تسأله ولا تناقشه: لماذا كتب لك هذا الدواء، وهو مع ذلك إنسان وعُرْضة للخطأ وللسهو وللنسيان، ومع ذلك لا يناقش. إذن: علة تناول الدواء أن الطبيب وصفه لي، وعلة كل أمر عند الآمر به. والآمر في العبادات هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يليق بالمؤمن بعد أن آمن بالله وبحكمته وقدرته أنْ يبحث ليعلم الحكمة من كل أمر يأتيه من ربه عز وجل. نعود إلى آدم - عليه السلام - وأن الجنة التي دخلها كانت للتدريب والتجربة ولم تكُنْ جنة الخلد، تدرَّب فيها آدم على: كل (افعل) وعلى: لا تقرب (لا تفعل) واحذر الشيطان فإنه عدو لك، وسوف يوسوس لك، ويغويك؛ لأنه لا يريد أنْ يكونَ عاصياً وحده، يريد أنْ يجرَّك معه إلى حمأة المعصية. وظل آدم وزوجته يأكلان كما قال تعالى من الجنة رغداً حيث شاءا، دون أنْ يقربا هذه الشجرة التي بيَّنها الله لهما إلى أنْ وسوس لهما الشيطان وأغراهما بالأكل منها، مع أن الله تعالى حذَّرهما، وأعطاهما حقنة مناعة ضد الشيطان ووسوسته، ومع ذلك حدثتْ من آدم الغفلة. وهذه الغفلة الله يُنبِّه بها ذرية آدم من بعده: أن الشيطان لن يدعكم، وسوف يدخل عليكم بألاعيبه وحيله، كما دخل على أبيكم آدم، فكونوا منه على حذر، وابحثوا بعقولكم ما يلقيه إليكم من وساوس. بالله ماذا قال إبليس لآدم حين أغواه بالأكل من الشجرة؟ قال: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20]. أليس من المنطق أن نقول: ولماذا لم تأكل أنت منها يا إبليس فتصير مَلَكاً، وتصير من الخالدين، ولا تتمحك فتقول: {أية : فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الحجر: 36] إذن: كان على آدم أنْ يتنبه إلى مكايد الشيطان وألاعيبه. ثم يُنبِّهنا - سبحانه وتعالى - من خلال هذه القصة إلى أن الشيطان سيأتينا في مقام الطاعة، فلو أن آدم وزوجه ذهبا إلى هذه الشجرة وأكلا منها ما وسوس لهما، فهذا دليل على أنهما احتاطا للأمر، فلم يقربا من الشجرة تنفيذاً لأمر الله؛ لذلك تدخَّل الشيطان. إذن: نقول إن الشيطان لا يتدخل إلاّ في مجال الطاعة، أما المعصية فصاحبها كفاه مؤنة الوسوسة، الشيطان يذهب إلى المسجد لا يذهب إلى الخمارة؛ لأن الذي يذهب إلى الخمارة صار شيطاناً في ذاته، فما حاجته لإبليس؟ لذلك يقول تعالى حكاية عن إبليس: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] أي: في مواضع الخير وطرق الصلاح والهداية لأبطل أعمالهم، وأفسد عليهم أمرهم، ونحن نلحظ ذلك في صلاتنا مثلاً، فقد تنسى شيئاً، وتحاول أن تتذكره فلا تستطيع، وفجأة وأنت تصلي تتذكره. فلو أننا أخذنا (الروشتة) من خالقنا عز وجل وبمجرد أنْ ينزغنا الشيطان نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتنبّه الشيطان، وعلم أننا لسنا في غفلة، وأننا نكشف ألاعيبه، ونعرف حيله وصدق الله العظيم حين قال: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 200]. وقد وصف الله الشيطان بأنه خنّاس، يعني: إذا ذُكِر الله خنس وتضاءل، فإنْ جاءك هذا الخاطر الشيطاني - حتى وإنْ كنتَ تقرأ القرآن - قُلْ بجرأة وقوة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ليعلم أن ألاعيبه لا تخفى عليك فينصرف عنك، أما أن تخضع له فإنه يعطيك فقط طرف الخيط، ويفتح لك باباً يشغلك به، ثم يتركك أنت (تكُرُّ) هذا الخيط من نفسك، ويذهب هو (يستغفل) واحداً غيرك. والشيطان رغم عِلْمه، إلا أن فيه تغفيلاً بدليل أنه أعلن عن خطته، وأظهر لنا مكايده قبل أنْ يكيدنا بها، فقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] وقال {أية : لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 17]، فالذي يدبر المكايد ويتآمر على غيره لا يعلن عن مكايده مُقدماً، ونحن أيضاً كان علينا أنْ نحذر هذه المكايد خاصة، وقد أعلن عدونا عنها. ولك أنْ تلحظ في خطة إبليس أنه يأتيك من جهاتك الأربع، ومعلوم أن الجهات ست، فلماذا لم يذكر فوقنا وتحتنا؟ قالوا: لأن هاتين الجهتين محلُّ نظر إلى الله عز وجل، فالعبد ينظر إلى عِزِّ الربوبية في عليائه وذُلِّ العبودية إذا اتجه في سجوده إلى أسفل. إذن: فأنت في معية ربك في هاتين الجهتين، والشيطان لا ينال منك إلا وأنت بعيد عن معية ربك. ومثَّلْنا لذلك، ولله المثل الأعلى؛ قلنا: إن الغلام إذا كان يسير في يد أبيه وفي صحبته، لا يجرؤ أحد من أمثاله على الاعتداء عليه، إنما إنْ سار وحده فهو عُرْضة للإيذاء. وهذا دليل على علم إبليس وعلى ذكائه، ونلحظ هذا أيضاً في قوله: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83] كأنه يقول لربه: أنا لا أقترب من عبادك الذين هم في حضانتك، وفي معيتك. والتغفيل الأكبر في إبليس أنه مع علمه بمقام ربه يتمرد على أمره، حين يأمره بالسجود فلا يسجد. إذن: نبَّه الله تعالى آدم وحذره من كيْد إبليس، وكان عليه أنْ يحذر وألاَّ تدخل عليه حيلة الأكل من الشجرة إلا أنه في غفلة منه عن أمر ربه أكل من الشجرة، فلما خالف الأمر اختلفتْ طبيعته، وبدَتْ له ولزوجه السَّوْءة، وكانت المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بعورته عند خروج الغائط. لكن، ما الفرق بين فتحة دخول الطعام (الفم) وفتحة خروجه؟ ولماذا أصبحت هذه عورة، وهذه غير عورة؟ قالوا: لأن آدم حال طاعته لأمر ربه في الأكل من ثمار الجنة كان يأكل بطهي ربه، وهو طهي بحكمة وبقدر معلوم، يكفي مقومات الحياة ولا يزيد عنها، لذلك لم يَبْق في بطن آدم فضلات، ولم توجد عنده غازات أو أرياح، فلم يشعر في هذه الحالة بحاجة إلى التغوط، فكانت الفتحتان متساويتين، هذه فتحة، وهذه فتحة. فلما خالف آدم ربه وذاق الشجرة اختلفتْ الأغذية في بطنه، وحدث لها تفاعلات، ونتج عنها فضلات وأرياح، ولما أحسَّ بها آدم نفر منها وأصابه الخجل، وشعر أنها عورة ينبغي أنْ تُستر، فالطبع السليم لا بُدَّ أنْ ينفر منها؛ لذلك أخذ يزيل هذا الأذى عن نفسه، ويستره بأوراق الشجر، ومنذ ذلك الحين لم يستطع آدم أن يسدَّ هذه الفتحة، ولن تُسدَّ. إذن: الحق سبحانه جعل الدُّرْبة لآدم في الجنة هذه، وهيَّأ له فيها طعامه، ونهاه عن نوع بعينه، فأمره ونهاه وعلَّمه وحذَّره، فلما وقع في المخالفة وأغواه الشيطان، ولم يعمل بنصيحة ربه أخرجه إلى الأرض بهذه التجربة، لتكون رمزاً له ولذريته من بعده: إنْ سِرْتَ على منهجي ووِفْق أوامري في (افعل) و (لا تفعل) فلن تجد عورة في الكون كله، ونحن نرى ذلك فعلاً في حركة حياتنا في الكون، فلا نرى عورة في المجتمع ولا خللاً إلا إذا خُولِفَتْ أوامر الله. هذا هو الإتيان الأول، بعد ذلك قدَّر الله غفلة البشر، فأرسل إليهم الرسل بالمنهج، فكان إتيان آخر، كما قال تعالى: {أية : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [النساء: 163] وقال في عيسى عليه السلام: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} تفسير : [الحديد: 27]. وهذا الإيتاء من الله يتم في خفاء؛ لذلك يُسمونه وحياً، وهو من الغيبيات، فالله تعالى لا يمدُّ يده فيعطي النبي أو الرسول شيئاً حسِّياً، ومن هنا ارتبط الإيمان بالغيبيات دون المحسَّات، فأنا لا أقول مثلاً: آمنتُ بأنني قاعد في مسجد الشيخ سليمان وأمامي جَمْع من الإخوة .. الخ. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الإيمان بأمر غيبي. الحق - سبحانه وتعالى - يُؤتِى على توالي العصور أنبياءه معجزات، ويؤتيهم منهجاً يسوس حركة الحياة، ولا يقتصر إيتاء الله على الرسل، إنما يؤتى غير الرسل، ويؤتى الحيوان .. الخ. ثم يعطينا الحق سبحانه نموذجاً للحكمة التي آتاها لقمان: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ..} [لقمان: 12] هذه هي الحكمة الأولى في الوجود؛ لأنك إنْ شكرتَ الله على ما قدَّم لك قبل أنْ توجد، وعلى ما أعطاك قبل أن تسأل، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم، كأنه تعالى يقول لعباده: ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم. فإن شكرك لله يهدم أول لبنة من لبنات الاغترار، فالذي يفسد خلافة الإنسان في الأرض أنْ يغترَّ بما أعطاه الله وبما وهبه، وينسى أنه خليفة، ويعتبر نفسه أصيلاً في الكون، والشكر لله تعالى يكون على ما قدَّم لك من نعم. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78] أي: تشكر الله على ما سبق، فقد وُلدتَ لا تعلم شيئاً، ثم تكونت عندك آلات الإدراك والعلم، فعلمتَ وملأت قلبك بالمعاني الجميلة؛ لذلك تشكر الله عليها، فجَعْل هذه الآلات لك، عِلَّته أنْ تشكر أي: على ما مضى. ثم هناك شكر آخر، لا على ما فات، لكن شكر هو في ذاته نعمة جديدة، وتأمل في ذلك قول الله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الروم: 46] هذه كلها نِعَم يعطف عليها بقوله: {أية : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الروم: 46]. فعطف الشكر على النعم السابقة يعني أنه في ذاته نعمة، وإلا لقال كما في الآية السابقة {أية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. والشكر بهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7] فهذا شكر لما سبق، وهذا شكر لما هو آتٍ. والشكر في قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ..} [لقمان: 12] مُوجه إلى الله تعالى، فكيف إذا توجه الشكر في أسباب تناوله إلى غير الله، كأنْ تشكر صاحبك الذي قدم لك معروفاً مثلاً؟ قالوا: لو تأملتَ شكر غير الله ممن قدَّم لك معروفاً يستوجب الشكر لوجدته يؤول إلى شكر الله في النهاية. لذلك قالوا: لا تشكر الله إلا حين تشكر مَنْ ساق لك الجميل على يديه، يعني: جعله سبباً في قضاء حاجتك، ثم إن الذي قدَّم لك جميلاً، ما قدّمه لك وما آثرك على نفسه إلا لأن الله أمره بذلك، ودعاه إليه. وأثابه على فعله، فإذا سلسلتَ الشكر لانتهى إلى شكر الله تعالى. ثم يقول سبحانه: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] علمنا أن الشكر لله هو أول الحكمة، فلماذا؟ لأن مَنْ يشكر تعود إليه ثمرة شكره. وإياك أن تظن أن من مقومات قيومية ربك أنْ تشكره، فشكْرك وعدمه سواء بالنسبة لله تعالى، كيف وقد وسِع سبحانه الكافر الذي كفر به، ولم يقطع عنه نعمه؛ ذلك لأنه سبحانه غني عن خَلْقه {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] لأنه سبحانه يعرف أنه رب، حتى للكافر الجاحد. ونلحظ في الأسلوب هنا عظمة وروعة، ففي الشكر قال سبحانه {وَمَن يَشْكُرْ ..} [لقمان: 12] أما في الكفر فقال: {وَمَن كَفَرَ ..} [لقمان: 12] ولم يقل: ومَنْ يكفر، وفَرْق بين الأسلوبين، والكلام هنا كلام ربٍّ، ففي الشكر جاء بالفعل المضارع {يَشْكُرْ ..} [لقمان: 12] الدال على الحال والاستقبال، فالشكر متجدد ودائم على خلاف الكفر. وكأنه - سبحانه وتعالى - لا يريد من عبده الدوام على كفره، فلعله يتوب ويرجع إلى ساحة الإيمان، فجاء بالفعل الماضي {كَفَر ..} [لقمان: 12] أي: في الماضي فحسب، وقد لا يعود في المستقبل، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم. ومعنى {حَمِيدٌ} [لقمان: 12] من صيغ المبالغة على وزن "فعيل" وتأتي مرة بمعنى "فاعل" مثل رحيم، ومرة بمعنى "مفعول" مثل قتيل أي: مقتول، والمعنى هنا {حَمِيدٌ} [لقمان: 12] أي: محمود وجاءت هذه الصفة بعد {غَنِيٌّ ..} [لقمان: 12] لأن الكافر لو كان يعلم أن الله لم يقطع عنه نعمه رغم كفره به لحمد هذا الإله الذي حلم عليه، ولم يعامله بالمثل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} [الآية: 12]. يعني: الفقه والعقل والإِصابة في القول في غير نبوة. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} [الآية: 14]. يعني: المشقة وهن الولد. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس، عن أَبي العالية في قوله: {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الآية: 16]. قال: لطيف باستخراجها. خبير بمكانها.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا بيَّن تعالى فساد اعتقاد المشركين، بسبب عنادهم وإِشراكهم من لا يخلق شيئاَ بمن هو خالق كل شيء، ذكر هنا وصايا "لقمان" الحكيم، وهي وصايا ثمينة في غاية الحكمة والدعوة إِلى طريق الرشاد، وقد جاءت هذه الوصايا مبدوءةً بالتحذير من الشرك الذي هو أقبح الذنوب، وأعظم الجرائم عند الله. اللغَة: {ٱلْحِكْمَةَ} الإِصابة في القول العمل، وأصلها وضع الشيء في موضعه قال في اللسان: أحكم الأمر أتقنه ويُقال للرجل إِذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب، والحكيم: المتقن للأمور {يَعِظُهُ} ينصحه ويذكره، والعظةُ والموعظة: النصح والإِرشاد {وَهْناً} الوهن: الضعف ومنه {أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4] أي ضعف {فِصَالُهُ} الفصال: الفطام وهو لفظ يستعمل في الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعم، وفصلت المرأة ولدها أي فطمته وتركت إرضاعه {أَنَابَ} رجع، والمنيب الراجع إِلى ربه بالتوبة والاستغفار {تُصَعِّرْ} الصَّعر: بفتحتين في الأصل داءٌ يصيب البعير فيلوي منه عنقه ثم استعمل في ميل العنق كبراً وافتخاراً قال عمرو التغلبي: شعر : وكنَّا إِذا الجبَّار صعَّر خدَّه أقمنا له من ميله فتقومّ تفسير : {مَرَحاً} فرحاً وبطراً وخيلاء {مُخْتَالٍ} متبختر في مشيته {ٱقْصِدْ} توسَّط، والقصد: التوسط بين الإِسراع والبطء {ٱغْضُضْ} غضَّ الصوت خفضه قال جرير: شعر : فغُضَّ الطرف إِنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا تفسير : التفسِيْر: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} أي والله لقد أعطينا لقمان الحكمة وهي الإصابة في القول، والسَّداد في الرأي، والنطق بما يوافق الحق، قال مجاهد: الحكمة: الفقه والعقل، والإِصابة في القول، ولم يكن نبياً إِنما كان حكيماً {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} أي وقلنا له: أشكر الله على إِنعامه وإِفضاله عليك حيث خصَّك بالحكمة وجعلها على لسانك قال القرطبي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن "لقمان" كان حكيماً ولم يكن نبياً وفي الحديث "حديث : لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً كثير التفكر، حسن اليقين، أحبَّ الله تعالى فأحبَّه، فمنَّ عليه بالحكمة" تفسير : {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي ومن يشكر ربه فثواب شكره راجع لنفسه، وفائدته إنما تعود عليه، لأن الله تعالى لا ينفعه شكر من شكر، ولا يضره كفر من كفر ولهذا قال بعده {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي ومن جحد نعمة الله فإِنما أساء إلى نفسه، لأن الله مستغنٍ عن العباد، محمودٌ على كل حال، مستحقٌ للحمد لذاته وصفاته قال الرازي: المعنى أن الله غير محتاج إِلى شكر حتى يتضرَّر بكفر الكافر، فهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أم لم يشكروه، ثم ذكر تعالى بعض نصائح لقمان لابنه وبدأ بالتحذير له من الشرك، الذي هو نهاية القبح والشناعة فقال {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي واذكر لقومك موعظة لقمان الحكيم لولده، حين قال له واعظاً ناصحاً مرشداً: يا بني كن عاقلاً ولا تشرك بالله أحداً، بشراً أو صنماً أو ولداً {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} أي إِن الشرك قبيح، وظلم صارخ لأنه وضعٌ للشيء في غير موضعه، فمن سوَّى بين الخالق والمخلوق، وبين الإِله والصنم فهو - بلا شك - أحمق الناس، وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة، وحري به أن يوصف بالظلم ويجعل في عداد البهائم {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} أي أمرناه بالإِحسان إِليهما لا سيما الوالدة {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} أي حملته جنيناً في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفاً على ضعف، من حين الحمل إِلى حين الولادة، لأن الحمل كلما ازداد وعظم، إِزدادت به ثقلاً وضعفاً {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} أي وفطامه في تمام عامين {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} أي وقلنا له: اشكر ربك على نعمة الإِيمان والإِحسان، واشكر والديك على نعمة التربية {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} أي إِليَّ المرجع والمآب فأجازي المحسن على إِحسانه، والمسيء على إِساءته قال ابن جزي: وقوله {أَنِ ٱشْكُرْ} تفسيرٌ للوصية، واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ليبيّن ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم حقها، ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} أي وإِن بذلا جهدهما، وأقصى ما في وسعهما، ليحملاك على الكفر والإِشراك بالله فلا تطعهما، إِذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} أي وصاحبهما في الحياة الدنيا بالمعروف والإِحسان إليهما - ولو كان مشركين - لأن كفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحمَّلاها في تربية الولد، ولا التنكر بالجميل {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي واسلك طريق من رجع إلى الله بالتوحيد والطاعة والعمل الصالح {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي مرجع الخلق إِلى الله فيجازيهم على أعمالهم، والحكمةُ من ذكر الوصية بالوالدين - ضمن وصايا لقمان - تأكيد ما أفادته الآية الأولى من تقبيح أمر الشرك {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فكأنه تعالى يقول: مع أننا وصينا الإِنسان بوالديه، وأمرناه بالإِحسان إِليهما والعطف عليهما، وألزمناه طاعتهما بسبب حقهما العظيم عليه، مع كل هذا فقد نهيناه عن طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأن الإِشراك بالله من أعظم الذنوب، وهو في نهاية القبح والشناعة.. ثم رجع الكلام إِلى وصايا لقمان فقال تعالى {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} أي يا ولدي إِن الخطيئة والمعصية مهما كانت صغيرة حتى ولو كانت وزن حبة الخردل في الصغر {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} أي فتكن تلك السيئة - مع كونها في أقصى غايات الصغر - في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة الصماء، أو في أعلى مكان في السماء أو في الأرض يحضرها الله سبحانه ويحاسب عليها، والغرض التمثيلُ بأن الله لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي هو سبحانه لطيف بالعباد خبير أي عالم ببواطن الأمور {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي حافظ على الصلاة في أوقاتها وبخشوعها وآدابها {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي وأمر الناس بكل خير وفضيلة، وأنههم عن كل شر ورذيلة {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} أي اصبر على المحن والبلايا، لأنَّ الداعي إِلى الحق معرَّض لإِيصال الأذى إِليه قال أبو حيان: لما نهاه أولاً عن الشرك، وأخبره ثانياً بعلمه تعالى وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إِلى الله من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهي الصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر بالمعروف، فكثيراً ما يُؤذى فاعل ذلك {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي إِن ذلك المذكور مما عزمه الله وأمر به قال ابن عباس: من حقيقة الإِيمان الصبر على المكاره وقال الرازي: معناه إِن ذلك من الأمور الواجبة المعزومة أي المقطوعة، فالمصدر بمعنى المفعول {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي لا تمل وجهك عنهم تكبراً عليهم قال القرطبي: أي لا تمل خدك للناس كبراً عليهم وإِعجاباً، وتحقيراً لهم، وهو قول ابن عباس {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي لا تمش متبختراً متكبراً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} تعليلٌ للنهي أي لأن الله يكره المتكبر الذي يرى العظمة لنفسه، ويتكبر على عباد الله، المتبختر في مشيته، والفخور الذي يفتخر على غيره، ثم لما نهاه عن الخُلُق الذميم، أمره بالخُلُق الكريم فقال {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي توسَّط في مشيتك واعتدل فيها بين الإِسراع والبطء {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أي اخفض من صوتك فلا ترفعه عالياً فإِنه قبيح لا يجمل بالعاقل {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} أي إِن أوحش الأصوات صوتُ الحمير فمن رفع صوته كان مماثلاً لهم، وأتى بالمنكر القبيح قال الحسن: كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات فرد عليهم بأنه لو كان خيراً لفضلتهم به الحمير، وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {شْكُرْ.. وكَفَرَ}. 2- صيغة المبالغة {غَنِيٌّ حَمِيدٌ} وكذلك {لَطِيفٌ خَبِيرٌ} و {فَخُورٍ} لأن فعيل وفعول من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر. 3- ذكر الخاص بعد العام {بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص. 4- تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر مثل {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي لا إِلى غيري. 5- التمثيل {إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} مثَّل ذلك لسعة علم الله وإِحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإِنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة. 6- التتميم {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} تَّمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع. 7- المقابلة {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ} ثم قال {وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} فقابل بين اللفظين. 8- الاستعارة التمثيلية {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} شبَّه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير عن رفع الصوت. تنبيه: حين أمر تعالى بشكر الوالدين قدَّم شكره تعالى على شكرهما فقال {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} ثم أردفه بقوله {وَلِوَالِدَيْكَ} وذلك لإِشعارنا بأن حق الله أعظم من حق الوالدين، لأنه سبحانه هو السبب الحقيقي في خلق الإِنسان، والوالدان سبب في الصورة والظاهر، ولهذا حرَّم تعالى طاعتهما على الإِنسان إِذا أرادا إِجباره على الكفر.

الصابوني

تفسير : [1] "طاعة الوالدين" أو "بر الوالدين" التحليل اللفظي {ٱلْحِكْمَةَ}: الإصابة في القول والعمل. وأصل الحكمة: وضع الشيء في موضعه قال تعالى: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]. قال الرازي: الحكمة عبارة عن التوفيق بين العلم والعمل، فكلّ من أوتي توفيق العلم بالعمل فقد أوتي الحكمة. وفي "اللسان": أحكم الأمر: أتقنه، ويقال للرجل إذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب، والحكيم: المتقن للأمور. وقد كان لقمان حكيماً على الرأي الراجح ولم يكن نبياً. {غَنِيٌّ}: مستغنٍ عن الخلق ليس بحاجة إلى أحد، والعبادُ محتاجون إليه جلّ وعلا {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15]. {حَمِيدٌ}: فعيل بمعنى (مفعول) أي محمود يحمده أهل السماء وأهل الأرض. قال أبو السعود: (حميد) أي حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد، والمعنى أنه تعالى مستحق للحمد سواء شكره الناس أو لم يشكروه. {يَعِظُهُ}: العظة والموعظة بمعنى (النصيحة) و(الإرشاد) بالأسلوب الحكيم {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]. وفي حديث العرباض بن سارية (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظةٍ ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب....). {وَهْناً}: مصدر وَهَن بمعنى ضعف، والوهن الضعف، وفي التنزيل {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4]. قال الزجّاج: (وهناً على وهنٍ) أي ضعفاً على ضعف، والمعنى: لزمها بحملها إيّاه أن تضعف مرة بعد مرة، فلا يزل ضعفها يتزايد من حين الحمل إلى الولادة، لأن الحمل كلما عظم ازدادت به ثقلاً وضعفاً. ثم هي في أصل خلقتها ضعيفة البنية والحمل يزيدها ضعفاً. {وَفِصَٰلُهُ}: فطامه، والفِصال: يراد منه ترك الإرضاع، وهو لفظ يستعمل في الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعمّ منه، لأنه يستعمل في الرضاع وغيره، وقيل: هما بمعنى واحد. قال في "اللسان": والفصال: الفطام، قال تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15]. وفصلت المرأة ولدها أي فطمته، وفي الحديث (لا رضاع بعد فصال) قال ابن الأثير: أي بعد أن يفصل الولد عن أمه، وبه سُمّي الفصيل من أولاد الإبل، فعيل بمعنى مفعول. ومعنى الآية: أي فطامه يتم في انقضاء عامين. {ٱلْمَصِيرُ}: المرجع والمآب قال تعالى: {أية : وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [المائدة: 18] أي الرجوع والمآب، وصِرْت إلى فلان مصيراً، قال الجوهري: وهو شاذ والقياس مَصَار مثل معاش، وفي كلام الفَزَاري لعمه (ابن عنقاء): ما الذي أصارك إلى ما أرى يا عم؟ قال: بخلك بمالك، وبخل غيرك من أمثالك، وصوني أنا وجهي عن مثلهم وتسآلك! {جَٰهَدَاكَ}: أي بذلا أقصى ما في وسعهما من أجل حملك على الإشراك بالله، يقال: جاهد أي بذل جهده قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69] والجهاد المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة، ولهذا يسمى المحارب (مجاهداً) لأنه يبذل ماله ونفسه وروحه في سبيل الله. فهو قد بذل كل ما لديه قال الشاعر: شعر : يقولونَ جاهدْ يا جميلُ بغزوةٍ وأيّ جهادٍ غيرهنّ أريد؟ تفسير : {مَعْرُوفاً}: أي صاحبهما مصاحبة بالمعروف، والمعروف ما يستحسن من الأفعال. {أَنَابَ}: أي رجع إلى ربه وتاب إليه، والمنيب: الراجع إلى ربه، السالك طريق الاستقامة، {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تفسير : [سبأ: 9]. قال الطبري: وقوله {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} يقول: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلى الإسلام، واتّبع محمداً صلى الله عليه وسلم. المعنى الإجمالي نبّه الباري جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة إلى المقام الرفيع الذي أُعطيه العبد الصالح (لقمان).. وذكّر بحق الوالدين، وحذّر من الشرك، الذي هو أعظم الجرائم عند الله، فالله جلّ ثناؤه يخبرنا عن أمر ذلك العبد الصالح، الذي رزقه الله الحكمة، وآتاه العقل والرشد، فكان ينطق بالحكمة ويعلّمها الناس. وقد عدّد سبحانه وتعالى بعض هذه النصائح، التي أوصى بها (لقمان الحكيم) ولده، وكان من أهمها وأخطرها، التحذير من (الكفر والإشراك) لأنه نهاية القبح والشناعة {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} تفسير : [الحج: 31]. يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اذكر يا محمد لقومك. موعظة لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه، وأحبّهم لديه، حين نبَّهه إلى خطر الشرك بالله، وجحود نعمائه. وحذّره من ضرره، لأنه ظلم صارخ، وعدوان مبين، لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه. فمن سوّى بين الخالق والمخلوق، وبين الإلٰه الرازق، والصنم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يغني عن صاحبه شيئاً. فهو - بلا شك - أحمق الناس. وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة. وحريّ به أن يوصف بالظلم، ويجعل في عداد البهائم.. وبعد أن ذكر سبحانه ما أوصى به لقمان ابنه من شكر المنعم، وذكر ما في الشرك من الشناعة. أتبعها سبحانه بوصيةٍ مستقلةٍ عن وصايا لقمان ألا وهي (الوصية بالوالدين) ليشير إلى قبح الشرك، ويؤكد حكمة الرجل الصالح (لقمان) لابنه في نهيه عن الشرك فكأنه تعالى يقول: مع أننا أوصينا الإنسان بوالديه، وأمرناه بالعطف عليهما، والإحسان إليهما، وألزمناه طاعتهما لما تحملا في سبيله من المتاعب والمصاعب، مع كل هذا فقد حذَّرناه من طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالوضع السليم بين (الأب وابنه) هي الطاعة والإحسان، وامتثال كمال الأدب مع من ربّاه وتعب في شأن تربيته. {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24] فإذا تغيّر الوضع، وأصبح الأب والأم مدعاةً للشرك، ومصدراً للعصيان، فلا سمع ولا طاعة ولا استجابة لصوت الضلال، مهما بذلا من جهدٍ، ومع كل ذلك فقد ختم الله جلّ ثناؤه الآية الكريمة بوجوب صحبتهما بالمعروف والإحسان إليهما في الدنيا حتى ولو كانا مشركَيْن، لأنّ حقهما على ولدهما عظيم، وكفرُهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحمّلاها في تربية الولد، فالإحسان إليهما واجب، وطاعتهما في معصية الله ممنوعة، واتباع سبيل المؤمنين الصادقين هو الطريق السوي الذي يوصل إلى رضوان الله تعالى. سبب النزول روى الحافظ (ابن كثير) في تفسيره عن (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه أنه قال: (كنتُ رجلاً براً بأمي، فلما أسلمتُ، قالت يا سعد: ما هذا الدين الذي أراك قد أحدثت! لتَدَعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلتَ لها: يا أمّهْ لا تفعلي، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبداً)!! قال: فمكثتْ يوماً وليلة ولم تأكُلْ، فأصبحتْ قد جَهِدت، فمكثتْ يوماً آخر وليلة ولم تأكل، فأصبحتْ وقد جَهِدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتدّ جهدها.. فلما رأيتُ ذلك جئتُ إليها فقلت: يا أُمّهْ، تعلمينَ واللَّهِ، لو كانتْ لكِ مائةُ نفسٍ أي (روح) فخرجتْ نَفْساً نَفْساً، ما تركت ديني هذا لشيءٍ أبداً، فإن شئتِ فكلي وإن شئت فدعي.. فلما رأت صلابته في دينه أكلت فأنزل الله عز وجلّ {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ...} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذَكَرَ اللَّه سبحانه وتعالى في الوصية (أمر الوالدين) ثمّ نوّه بشأن الأم خاصة، فهو من باب ذكر (الخاص بعد العام) لزيادة العناية والاهتمام، ولبيان أن حق الأم على الولد أعظم من حق الأب، وقوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} هذه جملة اعتراضية. قال الزمخشري: في "الكشّاف": فإن قلت: قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} كيف اعترض به بين المفسَّر والمفسِّر؟ قلتُ: لمّا وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاقّ والمتاعب، في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجاباً للتوصية بالوالدة خصوصاً وتذكيراً بحقها العظيم مفرداً، ومن ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله: مَنْ أبرّ؟ قال: أمّك، ثم أمّك، ثم أمّك، ثم قال بعد ذلك: أباك. وروي عن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره، وهو يقول في حدائه: (أحمل أمي وهي الحمّالة، ترضعني الدرّة والعُلاَلة، ولا يُجَازَى والدٌ فِعَاله). اللطيفة الثانية: حين أمر سبحانه بشكر الوالدين قدّم شكره تعالى على شكرهما فقال {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} وفي هذا التقديم إشارة إلى أن حقّ الله أعظم من حق الوالدين، وشكره أوجب وألزم، لأنه تعالى هو المنعم الحقيقي، المتفضل على عباده بالنعم، وشكر الوالدين جزء من شكر المنعِم، والله جلّ وعلا هو السبب الحقيقي في الخلق والايجاد، والوالدان سبب ظاهري، فينبغي أن يُقدَّم السبب الحقيقي على السبب الظاهري. اللطيفة الثالثة: تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر فقوله تعالى: {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} وقوله {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} تقدّم الجار والمجرور على المتعلّق به فأفاد معنى الحصر والمعنى: إليّ المرجع والمآب لا إلى غيري، وإليّ مرجع الخلائق جميعاً لا إلى أحدٍ سواي. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فِي ٱلدُّنْيَا} ذكرُ الدنيا في الآية الكريمة، فيه إشارة إلى (تهوين) أمر الصحبة، وتقليل مدتها لأنها في أيام قلائل، وشيكة الزوال والانقضاء، فلا يصعب على الإنسان تحمّلها. ولقد أحسن من قال: شعر : دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له إنّ الحياةَ دقائقٌ وثواني تفسير : اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} في الآية الكريمة إشارة إلى سلوك طريق الصالحين والاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. وفسّره بعضهم بأن المراد بقوله تعالى: {مَنْ أَنَابَ} هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه أي اتّبع سبيله في الإيمان لأن إسلام (سعد) كان بسببه. والصحيح كما قال الألوسي: أنها عامة تعمُ كل من اتصف بهذا الوصف. وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} قراءة الجمهور بسكون الهاء، وقرأ الضحاك وعاصم {وَهَنَاً على وَهَنٍ} بفتح الهاء فيهما. 2 - قوله تعالى: {وَفِصَٰلُهُ فِي عَامَيْنِ} قرأ النخعي والأعمش "وفَصَاله" بفتح الفاء، والجمهور بكسرها، وقرأ الحسن وأبو رجاء (وفَصْله) بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف. 3 - قوله تعالى: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [لقمان: 17] قراءة الجمهور بفتح الياء على تقدير (يا بُنَيّا) والاجتزاء بالفتحة عن الألف، وقرأ البزي (يَا بْنِي) بالسكون، وقرأ بعضهم (يا بُنَيِّ) بكسر الياء مع التشديد. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَٰنُ} إذْ ظرف متعلق بفعل مقدر، وتقديره: إذكر إذ قال لقمان، و(لقمان) ممنوع من الصرف للتعريف والألف والنون الزائدتين كعثمان، وعمران، ويجوز أن يكون أعجمياً، فلا ينصرف للعجمة والتعريف. 2 - قوله تعالى: {وَهُوَ يَعِظُهُ} الجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال أي واعظاً له. 3 - قوله تعالى: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} وهناً: حال من الفاعل، والمعنى حملته أُمه ذات وهن أو واهنة، وهذا اختيار أبي حيّان والزمخشري. والمصدر يأتي (حالاً) بكثرة كما قال ابن مالك: شعر : ومصدرٌ منكّرٌ حالاً يقع بكثرةٍ كبغتةً زيدٌ طلع تفسير : واختار ابن الأنباري أن يكون منصوباً بنزع الخافض وتقديره: حملته أمه بوهنٍ، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه. والأرجح الأول لعدم احتياجه للتأويل بخلاف الثاني. 4- قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لي} قال الزجّاج: هي في موضع نصب على حذف حرف الجر، وتقديره، بأن اشكر، وقيل (أنْ) مفسّرة بمعنى (أيْ) كقوله تعالى: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} تفسير : [صۤ: 6] قال النحّاس: والأجود أن تكون مفسّرة. 5- قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} انتصب (معروفاً) على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: صحاباً معروفاً أو بنزع الخافض والتقدير: وصاحبهما بالمعروف. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي مدة الرضاع المحرِّم؟ استدل الفقهاء على أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم هو سنتان بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَفِصَٰلُهُ فِي عَامَيْنِ} فإنّ المراد بالفصال الفطام فتكون السنتان هي تمام مدة الرضاع. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى في سورة البقرة [233] {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ...}تفسير : الآية. على أن أقصى مدة الرضاع سنتان فقط. وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى. وذهب الإمام (أبو حنيفة) رحمه الله إلى أن مدة الرضاع المحرِّم سنتان ونصف، ودليله قوله تعالى في سورة الأحقاف [15]: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً...}تفسير : الآية. وله في الاستدلال من الآية الكريمة وجهان: الوجه الأول: أن المراد بالحمل هنا ليس حمل الجنين في بطن أمه، وإنما حمله على اليدين من أجل الإرضاع فكأن الله تعالى يقول: تحمل الأم ولدها بعد الولادة لترضعه مدة ثلاثين شهراً، فتكون المدة المذكورة في الآية الكريمة لشيءٍ واحد وهو الرضاع. الوجه الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية الكريمة أمرين وهما: (الحمل) و(الفِصال)، وأعقبهما بذكر بيان المدة، فتكون هذه المدة لكلٍ من الأمرين استقلالاً ويصبح المعنى على هذا التأويل: حمله ثلاثون شهراً، وفصاله ثلاثون شهراً أي إن المدة لكلٍ منهما (عامان ونصف) وبذلك يثبت أن مدة الرضاع عامان ونصف، وهو كما إذا قال إنسان عليه دين (لفلانٍ وفلان عندي مائة إلى سنة) فتكون السنة هي أجل كلٍ من الدَيْنَيْن، وكذلك هنا تكون الثلاثون شهراً مدة كلٍ من الحمل والرضاع. وهذا الرأي الذي ذهب إليه (أبو حنيفة) رحمه الله لم يوافقه عليه تلميذاه (أبو يوسف) و(الإمام محمد) بل قالوا بمثل قول الجمهور وهو أن مدة الرضاع المحرِّم عامان فقط. الترجيح: ولعلنا بعد استعراض الأدلة نرجح قول الجمهور، لا سيّما وأنّ تلميذيه قد خالفاه فيما ذهب إليه، ودليل أبي حنيفة وإن كان وجيهاً إلا أنه يحتاج إلى تكلفٍ في التأويل بخلاف دليل الجمهور. والله أعلم. الحكم الثاني: كم هي مدة الحمل الشرعي؟ أجمع الفقهاء على أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، وهذا الحكم مستنبط من قوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] ومن قوله تعالى في الآية الأخرى {وَفِصَٰلُهُ فِي عَامَيْنِ} فمن مجموع الآيتين الكريمتين يتبيَّن أن أقل مدة الحمل هي ستة شهور.. قال (ابن العربي) في تفسيره: روي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم تزوجت، فأتي بها عثمان رضي الله عنه فأراد أن يرجمها، فقال (ابن عباس) لعثمان: إنها إن تخاصمْكم بكتاب الله تخصِمْكم، قال الله عز وجل: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وقال: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ...} تفسير : [البقرة: 233] فالحمل ستة أشهر، والفصال أربع وعشرون شهراً، فخلّى عثمان رضي الله عنه سبيلها. وفي رواية أنّ (علي بن أبي طالب) قال له ذلك. قال ابن العربي: وهو استنباط بديع. الحكم الثالث: هل يقتص من الوالد بجنايته على الولد؟ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الولد لا يستحق القوَد على أحد والديه بجناية أحدهما عليه، ولا يقتص منهما بسبب الولد، كما لا يحدّ إذا قذفه أحدهما ولا يحبس له بدين عليه. ودليلهم أن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالصحبة لهما بالمعروف فقال {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} وليس من المعروف أن يقتص من الوالد للولد، ولا أن يحبس في دينه، ولا أن يحدّ إذا قذفه لأن ذلك كلّه مما يتنافى مع صحبتهما بالمعروف. ولأنهما كانا سبباً في حياته، فلا يصح أن يكون الولد سبباً في إهلاك والديه. وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا حيث قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقاد للولد من والده ". تفسير : الحكم الرابع: هل تلزم طاعة الوالدين في الأمور المحظورة؟ قال العلامة القرطبي: (إن طاعة الأبوين لا تراعى في ارتكاب كبيرة، ولا في ترك فريضة وتلزم طاعتهما في المباحات، ونقل عن (الحسن) أنه قال: إن منعته أُمّه من شهود صلاة العشاء شفقةً فلا يطعها). ثم قال: والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها أمها من الرضاعة فقالت: "حديث : يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم ". تفسير : وهذه الأحكام استنبطها العلماء من قوله تعالى: {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} فكما تحرم طاعة الوالدين في الشرك تحرم في كل معصية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذا المعنى قد سَنّه الخليفة الراشد (أبو بكر) رضي الله عنه في خطبته الأولى حين تولى الخلافة على المؤمنين. فكان فيما قال: (أما بعد. أيها الناس: إني قَدْ وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم). الحكم الخامس: هل يصح سلوك طريق غير المؤمنين؟ ظاهر قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ...} وجوب الاقتداء بالسلف الصالح وسلوك طريق المؤمنين، وتحريم السير في اتجاه يخالف اتجاههم كطريق المنافقين والكافرين. وقد صرّح بهذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء: 115]. فلا بدّ من الانضواء تحت رأية أَهل التوحيد والإيمان واتباع سبيلهم، فالخير كله في الاقتداء بهم، والسير على منوالهم. ولقد أحسن من قال: شعر : فكلّ خيرٍ في اتباع من سَلَف وكلّ شرٍّ في ابتداعِ من خَلَف تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - الحكمة هبة إلٰهية لا تنال إلا بطريق التقوى والعمل الصالح. 2 - شكر النعمة واجب على المرء. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. 3 - الشرك من أعظم الذنوب، وأكبر الجرائم عند الله وهو محبط للعمل. 4 - طاعة الوالدين من طاعة الله، وبرهما مقرون بعبادة الله تعالى. 5 - حق الأم على ولدها أعظم من حق الأب لأنّ أتعابها عليها أكثر. 6 - لا تجوز الطاعة في المعصية. إنما الطاعة في المعروف كما بينَّه عليه السلام. حكمة التشريع أوصى الله تعالى بالوالدين إحساناً، وأمر ببرّهما وطاعتهما والإحسان إليهما، وخصّ (الأم) بمزيد من العناية والاهتمام، فجعل حقّها أعظم من حق الأب، لما تحملته من شدائد وأهوال تجاه طفلها الوليد، ولما قاسته من آلام في سبيل تربيته وحياته. فمن أحق بالعناية والرعاية من الأم؟! الأم التي حنت عليه فغذته بلَبَانها، وغمرته بحنانها، وآثرته على نفسها وراحتها فشقيت من أجل سعادته، وتعبت من أجل راحته، وتحمّلت الأثقال والآلام في سبيل أن ترى وليدها زهرة يانعة، تعيش بين أزهار الربيع، فكم من ليلة سهرت من أجل راحته، لتطرد عنه شبح الخوف، أو تزيل عنه ألم المرض، وكم من ساعة قضتها بين جدران البيت تحمله على يديها، متعبة مثقلة لتواسيه في وقت شدته ومحنته... فهل يليق بعد كل هذا أن يسلك طريق العقوق، أو يجنح إلى الإساءة والعصيان؟! فحق الأم على ولدها عظيم، وفضلها عليه كبير وجسيم، إذ هي السبب المباشر في حياة هذا الطفل بعد الله عزّ وجلّ، فلولا رعايتها وحنانها، ولولا تحملها المتاعب والآلام، لَمَا تَربّى وليد، ولا عاش إنسان!! وقد أمر الله تعالى بشكر الوالدين، وطاعتهما وبرّهما حتى ولو كانا (مُشْركَيْن)، ولكنّه جلّ ثناؤه حذّر من اتّباعهما ومسايرتهما في أمر الكفر والإشراك {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} إذْ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله عز وجلّ.. فطاعتهما مشروطة بطاعة الله، وفي الحدود التي يقرّها الشرع الحنيف، ولا يكون فيها تضييع لحق الخالق، أو حقّ المخلوق، فشكرُ الوالدين من شكر الله، وطاعتهما - فيما ليس فيه معصية - من طاعة الله!! وصدق الله حيث يقول: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً...} تفسير : [الأحقاف: 15].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} معناهُ الفِقهُ، والإِصابةُ في القَولِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه عن سبيل إظهار الفضل الامتنان، والتفرد بمقتضى الألوهية والربوبية: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} من مقام عظيم لطفنا وجودنا {لُقْمَانَ} بن باعورا بن ناخور بن آزر، فكان ابن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته، وعاش إلى أن أدرك داوود عليه السلام فأخذ منه العلم و{ٱلْحِكْمَةَ} وهي عبارة عن اعتدال الأوصاف الجبلية المودعة في النفوس البشرية على مقتضى الفطرة الأصلية، والتخلق بالأخلاق المرضية المنشئة من الأوصاف الذاتية الإلهية، وقلنا له بعدما أنعمنا عليه نعمة الحكمة، وأعددناه لقبول فيضان أنواع اللطف والكرامات: {أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ} واصرف بمقتضى الحكمة الموهوبة لك من عندنا جميع ما أعطيناك من النعم العظام على ما جبلنا لأجله؛ لتكون من زمرة الشاكرين المواظبين على أداء حقوق جودنا وكرمنا، ومن جملة المطيعين لمقتضيات حكمتنا وأحكامنا. {وَ} أعلم أيها المجبول على الحكمة الفطرية أنه {مَن يَشْكُرْ} نعمنا عاد على نفسه فوائد كرمنا {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} إذ فائدة شكره عائدة إليه، مزيدة لنعمنا إياه، مستجبلة لأنواع لطفنا وإحساننا معه {وَمَن كَفَرَ} لنعمنا من خبث طينته، وأعرض عن أداء حقوق كرمنا إياه، فوبال كفرانه أيضاً عائد إلى نفسه؛ إذ عندنا الشكر والكفر سيان، ونحن منزهون عن الربح والخسران {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على عموم الأنفس والآفاق بالاستحقاق {غَنِيٌّ} بذاته عن جميع صور إحسان عباده معه {حَمِيدٌ} [لقمان: 12] هو في ذاته باعتبار أوصافه الذاتية الظاهرة آثارها على صفائح الأكوان والمكونات، المتجهة نحو مبدعها، المثنية له حالاً ومقالاً، سراً وجهاراً. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين معناه تذكيراً لهم، وعظةً عليهم: {إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} المسمى بأنعم أو أشكم، أو ماثان قولاً ناشئاً عن محض الحكمة المتقنة، الموهوبة له من عنده سبحانه {وَهُوَ يَعِظُهُ} ويقصد تهذيب ظاهره وباطنه عن الأخلاق الردَّية والخصائل الدنيَّة، منادياً أياه، مصغراً على سبيل التحنن والتعطف، وكمال الترحم والتلطف، مضيفاً إلى نفسه؛ ليقبل منه ما أوصاه: {يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ} المنزه عن الشريك والشبيه، والكفء والنظير، واعلم أن أجلّ أخلاقك، وأعز أوصافك: التوحيد وتنزيه الحق عن الشبيه والتعديد، وأخس أوصافك، وأرذل أخلاقك، وأردى ما جرى في خلدك وضميرك: الشرك بالله {إِنَّ ٱلشِّرْكَ} واعتقاد التعدد والاثنينية في حق الحق، الحقيقي بالحقية، الوحيد بالقيومية، الفريد بالديمومية، المستقبل بالألوهية والربوبية {لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] لا ظلم أعظم وأفحش، أعاذنا الله وعموم عباده منه. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوصية والمبالغة تأكيداً وتحقيقاً على ما أوصى به لقمان ابنه من النهي عن الشرك، والزجر عنه: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ} وألزمنا عليه أولاً بعدما أظهرناه قابلاً لحمل التكاليف المستكملة {بِوَالِدَيْهِ} أي: بإطاعتهما، وبحفظ آداب المعاشرة والمصاحبة معهما، ورعاية حقوقها على ما ينبغي ويليق بلا فوت شيء من حقوقهما، سيما الوالدة المتحملة لأجله أنواع المحن والمشاق؛ إذ {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} بواسطة حمله في بدء وجوده {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} أي: ضعفاً على ضعف؛ إذ كلما ازداد نشوءه ازداد ضعفها إلى أن انفصل عنها، وبعد انفصاله تداوم لحفظه وحضانته إلى فطامه {وَفِصَالُهُ} أي: فطامه إنما هو {فِي عَامَيْنِ} وبعد انفطم تلازم أيضاً على حفظه إلى وقت بلوغه، وبعدما بلغ سن التكليف قلنا له: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} أيها المكلف المتنعم بأنواع النعم مني أصالةً وتسبباً؛ لأني خلقتك وأظهرتك من كتم العدم ولم تك شيئاً. {وَ} اشكر أيضاً {لِوَالِدَيْكَ}، {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] لإقامتهما على حفظك وحضانتك إلى أن كبرت، وبلغت مرتبة أشدك، وكمال عقلك ورشدك، واعلم أن شكرك لهما راجع إليَّ أيضاً؛ إذ أقدرتهما ومكنتهما على حفظك، وألقيت محبتك في قلبيهما، وبالجملة: {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [لقمان: 14] والمرجع في جميع الأفعال الصادرة من العباد ظاهراً؛ إذ هم وما صدر عنهم من الأفعال مستندون إلينا أولاً وبالذات، وكيف لا تُستند أفعالهم إلينا؛ إذ جميع ما صدر عنهم تابع لوجوداتهم، مترتب عليها؟! والحال أنه ليس لهم وجود في أنفسهم، بل وجوداتهم إنماهي رشحة من رشحات وجود الحق، وفيء من أضلال أوصافه وأسمائه الذاتية. {وَ} بعدما أكدنا عليكم أيها المكلفون في حفظ حقوق والديكم، وبالغنا فيه {إِن جَاهَدَاكَ} أي: والداك أيها المكلف، واجتهدا في شأنك، وبالغا في الجهد والسعي إلى أن قاتلا معك وأرادا مقتك {عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي} وتعتقد رباً سواي وتعبده مثل عبادتي، مع أنك خالي الذهن؛ إذ {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} يتعلق بنفي الشريك وإثباته أيضاً {فَلاَ تُطِعْهُمَا} في أمرهما هذا وسعيهما فيه؛ إذ أصل فطرتك مجبولة على التوحيد سواء تعلق علمك به أو لم يتعلق، فلك ألاَّ تطعهما وتنصرف عن أمرهما هذا {وَ} مع انصرافك على أمرهما هذا {صَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا} وإن كانا مشركين {مَعْرُوفاً} مستحسناً عقلاً وشرعاً ومروءةً حفظاً لحقوقهما. {وَ} لا تتبع بشركها وكفرهما، بل {ٱتَّبِعْ} في الدين والملة {سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} ورجع {إِلَيَّ} ودين من توجه نحوي موحداً إياي، بريئاً من الشرك معي، وبالجملة: امرض على التوحيد واسلك طريقه مادمت في دار الابتلاء {ثُمَّ} بعدما انقرضت النشأة الأولى {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} تابعاً ومتبوعاً، أصلاً وفروعاً {فَأُنَبِّئُكُمْ} وأخبركم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] أي: بتفاصيل أعمالكم التي صدرت عنكم في دار الاختبار، وأجازيكم على مقتضاها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } إلى آخر القصة. يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم [بالحق] على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما، ولا يكون حكيما. وأما الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح. ولما أعطاه اللّه هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه. والله غني [عنه] حميد فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره، فغناه تعالى، من لوازم ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين، صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر، زيادة كمال إلى كمال. واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا؟ واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال: { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ }. أو قال له قولا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة [من النعم] بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟! وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، [فجعلها في أخس المراتب] جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا. ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ } أي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه { بِوَالِدَيْهِ } وقلنا له: { اشْكُرْ لِي } بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي. { وَلِوَالِدَيْكَ } بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، [وإكرامهما] وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن { إِلَيَّ الْمَصِيرُ } أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل؟. ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ } أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد. ثم { فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟ { وَإِنْ جَاهَدَاكَ } أي: اجتهد والداك { عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق اللّه، مقدم على حق كل أحد، و "لا طاعة لمخلوق، في معصية الخالق" ولم يقل: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما" بل قال: { فَلا تُطِعْهُمَا } أي: بالشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما. { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } وهم المؤمنون باللّه، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه. واتباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى اللّه، التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى اللّه، ثم يتبعها سعي البدن، فيما يرضي اللّه، ويقرب منه. { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } الطائع والعاصي، والمنيب، وغيره { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فلا يخفى على اللّه من أعمالهم خافية. { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، { فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } أي في وسطها { أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ } في أي جهة من جهاتهما { يَأْتِ بِهَا اللَّهُ } لسعة علمه، وتمام خبرته وكمال قدرته، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } أي: لطف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا، الحث على مراقبة اللّه، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ. { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ } حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه. والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } ومن كونه فاعلا لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ } الذي وعظ به لقمان ابنه { مِنْ عَزْمِ الأمُورِ } أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك الناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظما. { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } أي: بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } في نفسه وهيئته وتعاظمه { فَخُور } بقوله. { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أي: امش متواضعا مستكينا، لا مَشْيَ البطر والتكبر، ولا مشي التماوت. { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ } أدبا مع الناس ومع اللّه، { إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ } أي أفظعها وأبشعها { لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته. وهذه الوصايا، التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرا، وإلى تركها إن كانت نهيا. وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة اللّه، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، مشهورا بها. ولهذا من منة اللّه عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة.

همام الصنعاني

تفسير : 2289- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا الثَّوْري، عن ابن أبي لَيْلى، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ}: [الآية: 12]، قال العقل، والفقه، والإِصابة في القول: في غير نبوة.