٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبة منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة، بل هي واجبة لغير الله في بعض الصور مثل خدمة الأبوين، ثم بين السبب فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ } يعني لله على العبيد نعمة الإيجاد ابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق وجعل بفضله للأم ما له صورة ذلك وإن لم يكن لها حقيقة فإن الحمل به يظهر الوجود، وبالرضاع يحصل التربية والبقاء فقال حملته أمه أي صارت بقدرة الله سبب وجوده {وفصاله في عامين}، أي صارت بقدرته أيضاً سبب بقائه، فإذا كان منها ما له صورة الوجود والبقاء وجب عليه ما له شبه العبادة من الخدمة، فإن الخدمة لها صورة العبادة، فإن قال قائل وصى الله بالوالدين وذكر السبب في حق الأم فنقول خص الأم بالذكر وفي الأب ما وجد في الأم فإن الأب حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ وقوله: {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } لما كان الله تعالى بفضله جعل من الوالدين صورة ما من الله، فإن الوجود في الحقيقة من الله وفي الصورة يظهر من الوالدين جعل الشكر بينهما فقال: {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } ثم بين الفرق وقال: {إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } يعني نعمتهما مختصة بالدنيا ونعمتي في الدنيا والآخرة، فإن إلي المصير أو نقول لما أمر بالشكر لنفسه وللوالدين قال الجزاء عليَّ وقت المصير إليّ.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصيّة لقمان. وقيل: إن هذا مما أوصى به لقمان ابنَه؛ أخبر الله به عنه؛ أي قال لقمان لابنه: لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصّى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركاً ومعصية لله تعالى. وقيل: أي وإذ قال لقمان لابنه؛ فقلنا للقمان فيما آتيناه من الحكمة ووصينا الإنسان بوالديه؛ أي قلنا له اشكر لله، وقلنا له ووصينا الإنسان. وقيل: وإذ قال لقمان لابنه لا تشرك، ونحن وصينا الإنسان بوالديه حسناً، وأمرنا الناس بهذا، وأمر لقمان به ابنه؛ ذكر هذه الأقوال القشيريّ. والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وَقّاص؛ كما تقدم في «العنكبوت» وعليه جماعة المفسرين. وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات الندب؛ ومنه أمر الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة؛ على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يعلل بخوف هلكة عليها، ونحوه مما يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب. وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال: إن منعته أمّه من شهود العِشاء شفقة فلا يطعها. الثانية: لما خصّ تعالى الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة؛ وأشبه ذلك حديث : قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل: من أَبَرّ؟ قال: «أمّك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك» تفسير : فجعل له الرّبع من المَبَرَّة كما في هذه الآية؛ وقد مضى هذا كله في «سبحان». الثالثة: قوله تعالى: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} أي حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفاً على ضعف. وقيل: المرأة ضعِيفة الخلقة ثم يُضعفها الحمل. وقرأ عيسى الثَّقَفيّ: «وَهَناً على وَهَن» بفتح الهاء فيهما؛ ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنًى واحد. قال قَعْنَب بن أم صاحب:شعر : هل للعواذل من ناهٍ فَيزْجُرَها إن العواذل فيها الأَيْن والوَهَن تفسير : يقال: وَهَن يَهِن، ووَهُن يَوْهَنُ ووَهِن، يَهِن؛ مثلُ وَرِمَ يَرِم. وانتصب «وَهْناً» على المصدر؛ ذكره القشيري. النحاس: على المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر؛ أي حملته بضعف على ضعف. وقرأ الجمهور: «وَفِصَالُهُ» وقرأ الحسن ويعقوب: «وفَصْله» وهما لغتان، أي وفصاله في انقضاء عامين؛ والمقصود من الفصال الفطام، فعبّر بغايته ونهايته. ويقال: انفصل عن كذا أي تميّز؛ وبه سُمِّيَ الفَصِيل. الرابعة: الناس مُجْمِعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحدّدت فرقة بالعام لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع. وقالت فرقة: إن فُطم الصبيّ قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرّم؛ وقد مضى هذا في «البقرة» مستوفًى. الخامسة: قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} «أَن» في موضع نصب في قول الزجاج، وأن المعنى: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. النحاس: وأجود منه أن تكون «أن» مفسرة، والمعنى: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك. قيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية. وقال سفيان بن عُيَيْنة: من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما. السادسة: قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } قد بينا أن هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص لمّا أسلم، وأن أمّه وهي حَمْنة بنت أبي سفيان بن أُمَيَّة حلفت ألاّ تأكل؛ كما تقدم في الآية قبلها. السابعة: قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} نعت لمصدر محذوف؛ أي مصاحباً معروفاً؛ يقال صاحبته مصاحبة ومصاحَباً. و«مَعْرُوفاً» أي ما يحسن. والآية دليلٌ على صلة الأبوين الكافرَيْن بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلاَنة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد حديث : قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبيّ عليه الصلاة والسلام وقد قَدِمت عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة فقالت: يا رسول الله، إن أميّ قدِمت عليّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم»تفسير : . وراغبة قيل معناه: عن الإسلام. قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لِتقْدم على أسماء لولا حاجتها. ووالدة أسماء هي قُتيلة بنت عبد العُزّى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رُومان قديمة الإسلام. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} وصيّة لجميع العالم؛ كأن المأمور الإنسان. و«أَنَابَ» معناه مال ورجع إلى الشيء؛ وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. وحكى النقاش أن المأمور سعد، والذي أناب أبو بكر؛ وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزّبير فقالوا: آمنت! قال نعم؛ فنزلت فيه: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} تفسير : [الزمر: 9] فلمّا سمعها الستة آمنوا؛ فأنزل الله تعالى فيهم: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ـ إلى قوله ـ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 17 ـ 18]. وقيل: الذي أناب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: ولما أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعُوَيْمر؛ فلم يبق منهم مشرك إلا عُتبة. ثم توعّد عز وجل بِبَعث مَن في القبور والرجوع إليه للجزاءِ والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } أمرناه أن يبرّهما {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ } فوهنت {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أي ضعفت للحمل وضعفت للطلق وضعفت للولادة {وَفِصَٰلُهُ } أي فطامه {فِى عَامَيْنِ } وقلنا له {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } أي المرجع.
ابن عطية
تفسير : هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان، ووجه الطبري ذلك بأنها من معنى كلام لقمان ومما قصده، وذلك غير متوجه لأن كون الآيتين في شأن سعد بن أبي وقاص حسب ما أذكره بعد يُضعِّفُ أن تكون مما قالها لقمان، وإنما الذي يشبه أنه اعتراض أثناء الموعظة وليس ذلك بمفسد للأول منها ولا للآخر، بل لما فرغ من هاتين الآيتين عاد إلى الموعظة على تقدير إضمار وقال أيضاً لقمان ثم اختصر ذلك لدلالة المتقدم عليه، وهذه الآية شرك الله تعالى الأم والوالد منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل ودرجة ذكر الرضاع فتحصل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل من أبر؟ "حديث : قال: أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال ثم أباك" تفسير : فجعل له الربع من المبرة كالآية. {وهناً على وهن} معناه ضعفاً على ضعف، وقيل إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولاد بعده، وقيل إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره، وقرأ عيسى الثقفي "وهَناً على وهَن" بفتح الهاء، ورويت عن أبي عمرو وهما بمعنى واحد، وقرأ جمهور الناس "وفصاله"، وقرأ الحسن وأبو رجاء والجحدري ويعقوب "وفصله"، وأشار بـ"الفصال" إلى تعديد مدة الرضاع فعبر عنه بغايته، والناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة بالعامين لا زيادة ولا نقص، وقالت فرقة العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع في حكم واحد يحرم، وقالت فرقة إن فطم الصبي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرم، وقوله تعالى: {أن اشكر} يحتمل أن يكون التقدير "بأن اشكر"، ويحتمل أن تكون مفسرة، وقال سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى. ومن دعا لوالديه في دبر الصلوات فقد شكرهما، وقوله تعالى: {إليّ المصير} توعد أثناء الوصية، وقوله تعالى: {وإن جاهداك} الآية روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أن أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية لما أسلم حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يفارق دينه ويرجع إلى دين قومه فلج سعد في الإسلام، وكانت هي إذا أفرط عليها الجوع والعطش شحوا فاها، ويروى شجروا فاها، أي فتحوه بعود ونحوه وصبوا ما يرمقها، فلما طال ذلك ورأت أن سعداً لا يرجع أكلت، ففي هذه القصة نزلت الآيات، قاله سعد بن أبي وقاص والجماعة من المفسرين. قال الفقيه الإمام القاضي: فمطلب الآية الأولى الأمر ببر الوالدين وتعظيمه، ثم حكم بأن ذلك لا يكون في الكفر والمعاصي، وجملة هذا الباب أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن أقوى من الندب لكن يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسن في هذا الفصل فقال إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة فلا يطعها، وقوله {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} يعني الأبوين الكافرين أي صلهما بالمال وادعهما برفق، ومنه قول أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها، وقيل أمها من الرضاعة، فقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال نعم. وراغبة قيل معناه عن الإسلام. قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي أنها راغبة في الصلة وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها، ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد عزى بن عبد أسعد وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام. وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إليّ}، وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان، و {أناب} معناه، مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين، وحكى النقاش أن المأمور سعد والذي أناب أبو بكر، وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا آمنت؟ قال نعم، فنزلت فيه {أية : أمن هو قانت آناء الليل} تفسير : [الزمر: 9] فلما سمعها الستة آمنوا فأنزل الله تعالى فيهم {أية : والذين اجتنبوا الطاغوت} تفسير : [الزمر: 17] إلى قوله {أية : أولئك الذين هداهم الله} تفسير : [الزمر: 18]. ثم توعد عز وجل بالبعث من القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ} عامة، أو نزلت في سعد بن أبي وقاص. {وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} شدة على شدة "ع"، أو جهداً على جهد، أو ضعفاً على ضعف، ضعف الولد على ضعف الوالدة، أو ضعف نطفة الأب على ضعف نطفة الأم، أو ضعف الولد أطوار خلقه، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم سوياً ثم وليداً ثم رضيعاً ثم فطيماً. {اشْكُرْ لِى} النعمة بالحمد والطاعة {وَلِوَالِدَيْكَ} التربية بالبر والصلة.
النسفي
تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أي حملته تهن وهناً على وهن أي تضعف ضعفاً فوق ضعف أي يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلاً وضعفاً {وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } هو تفسير لـــــ {وصينا} أي وصيناه بشكرنا وبشكر والديه. وقوله {حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين} اعتراض بين المفسر والمفسر لأنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق في حمله وفصاله هذه المدة الطويلة تذكيراً «بحقها العظيم مفرداً». وعن ابن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكرهما {إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } أي مصيرك إليّ وحسابك عليّ {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أراد بنفي العلم به نفيه أي لا تشرك بي ما ليس بشيء يريد الأصنام {فَلاَ تُطِعْهُمَا } في الشرك {وَصَـٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً } صفة مصدر محذوف أي صحاباً معروفاً حسناً بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } أي سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا. وقال ابن عطاء: صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي مرجعك ومرجعهما {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما. وقد اعترض بهاتين الآيتين على سبيل الاستطراد تأكيداً لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك يعني إنا وصيناه بوالديه وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك وإن جهدا كل الجهد لقبحه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان و {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} معناه ضعفاً على ضعف، كأنه قال: حملته أمه والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده. وقال * ص *: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْداً على جَهْدِ، وقيل {وَهْناً} نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالاً من الضميرِ المنصوبِ في {حَمَلَتْهُ}. انتهى. وقوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوٰلِدَيْكَ}. قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر اللّه تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما. وقوله سبحانه: {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي} رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ؛ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب. وقوله سبحانه: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} وصيةٌ لجميع العالم. وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. وقوله تعالى ـــ حاكياً عن لقمان {يَٰبُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ...} الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة اللّه تعالى. وقوله: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} يَقْتَضِي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحياناً. وقوله: {إِنَّ ذَٰلِكَ مِن عَزْمِ ٱلأُمُورِ} يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللّهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج: ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ؛ قاله جماعة. والصَّعَرُ: الميْل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم؛ قاله ابن عباس وجماعة. وعبارة البخاري: ولا تُصَاعِر، أي: لا تعرض والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه؛ انتهى. والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا: هو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سردَهُ. قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ؛ وفيهن الخيرُ كلُّه: اتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ. ٱتَّضِعْ وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ, انتهى. وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلاً بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر؛ فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: «حديث : إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطاناً».تفسير : وقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير. * ت *: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَأَنَّهُ رَأَىٰ شَيْطَاناً»تفسير : رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ. وفي لفظ النسائي: «حديث : إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ»تفسير : ، وعن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ فَإنَّهَا تَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ؛ فَإنَّ اللّهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ»تفسير : . رواه أبو داود النسائي والحاكم في «المستدرك». واللفظ له، وقال صحيح على شرط مسلم؛ انتهى، من «السلاح». وقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً}. قال المُحَاسبيُّ ـــ رحمه اللّه ـــ الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى. والظاهر عندي التعميمُ. ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكونُ وهم بحالِ من يصير إلى عذاب السعير، فكأنّ القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير. فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف؛ كما كان اتّساقُ الكلام فيه؛ فتأملْه.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي قال: إن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدَثْتَ؟ لتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فَتُعَيَّرَ بي، فيُقال يا قاتل أمه قلت: يا أمه لا تفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل، فاصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً آخر وليلة وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت. فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن عساكر عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات: الأنفال {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} والوصية والخمر. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه {وإن جاهداك على أن تشرك بي...} . وأخرج ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جئت من الرمي فإذا الناس مجتمعون على أمي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعلى أخي عامر حين أسلم فقلت: ما شأن الناس! فقالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامراً تعطي الله عهداً: أن لا يظلها ظل، ولا تأكل طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى يدع الصباوة. فأقبل سعد رضي الله عنه حتى تخلص إليها فقال: علي يا أمه فاحلفي قالت: لم؟ قال: أن لا تستظلي في ظل، ولا تأكلي طعاماً، ولا تشربي شراباً، حتى تريْ مقعدك من النار: فقالت: إنما أحلف على ابني البر. فأنزل الله {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهناً على وهن} قال: شدة بعد شدة، وخلقاً بعد خلق. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله {وهناً على وهن} قال: ضعفاً على ضعف. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وهناً على وهن} قال: مشقة وهو الولد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وهناً على وهن} قال: الولد على وهن؟ قال: الوالدة وضعفها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} قال: تعودهما إذا مرضا، وتتبعهما إذا ماتا، وتواسيهما مما أعطاك الله {واتبع سبيل من أناب إليَّ} . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {واتبع سبيل من أناب إليَّ} قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنها إن تك مثقال حبة من خردل} قال: من خير أو شر {فتكن في صخرة} قال: في جبل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على نون، والنون على بحر، والبحر على صخرة خضراء، فخضرة الماء من تلك الصخرة قال: والصخرة على قرن ثور، وذلك الثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله. فذلك قوله: {أية : له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}تفسير : [طه: 6] فجميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى في حرم الرحمن، فإذا كان يوم القيامة لم يبق شيء من خلقه، قال: {لمن الملك اليوم} فيهتز ما في السموات والأرض فيجيب هو نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} . وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه {يأت بها الله} قال: يعلمها الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إن الله لطيف} قال: باستخراجها. قال: بمستقرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وأمر بالمعروف} يعني بالتوحيد {وانه عن المنكر} يعني عن الشرك {واصبر على ما أصابك} في أمرهما يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، وأصابك في ذلك أذى وشدة، فاصبر عليه {إن ذلك} يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {من عزم الأمور} يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {واصبر على ما أصابك} من الأذى في ذلك {إن ذلك من عزم الأمور} يقول: مما عزم الله عليه من الأمور، ومما أمر الله به من الأمور. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في تالي التلخيص عن أبي جعفر الخطمي رضي الله عنه أن جده عمير بن حبيب وكانت له صحبة أوصى بنيه قال: يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء، إنه من يحلم عن السفيه يسر بحلمه، ومن يحبه يندم، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، وليثق بالثواب من الله، ومن يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى. وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله {ولا تصعر خدك للناس} قال: ليّ الشدق ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تصعر خدك للناس} يقول: لا تتكبر. فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تصعر خدك للناس} قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولا تصعر خدك للناس} قال: الصدود والإِعراض بالوجه عن الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {ولا تصعر خدك للناس} يقول: لا تعرض وجهك عن فقراء الناس تكبراً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله {ولا تصعر خدك للناس} قال: ليكن الفقير والغني عندك في العلم سواء، وقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم {عبس وتولى}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {واقصد في مشيك} قال: تواضع. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله {واقصد في مشيك} قال: يعني السرعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {واقصد في مشيك} يقول: لا تختال: {واغضض من صوتك} قال: اخفض من صوتك عن الملأ {إن أنكر الأصوات} قال: أقبح الأصوات {لصوت الحمير}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {واقصد في مشيك} قال: نهاه عن الخيلاء {واغضض من صوتك} قال: أمره بالاقتصاد في صوته {إن أنكر الأصوات} قال: أقبح الأصوات {لصوت الحمير} قال: أوّله زفير وآخره شهيق. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال: أنكرها على السمع. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [الآية: 14]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: اشكره حيث أوجدك، فكثيرًا ما سمعت سيدى الجنيد - رحمة الله عليه -: يقول فى خلال كلماته: اشكر من كنت منه على بال حتى خلقك واشكر والديك إذ هما سبب كونك فمن استغرقه شكر المسبب قطعه عن شكر السبب ومن لم يتحقق فى شكر المسبب رد إلى شكر السبب.
القشيري
تفسير : أوجب الله شُكرَ نفسه وشكر الوالدين. ولما حصل الإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما، وألا يُكْتَفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما عُلِم أنَّ شُكْرَ الحقِّ لا يكْفي فيه مجرَّدُ القول ما لم تكن فيه موافقهُ العقل؛ وذلك بالتزام الطاعة، واستعمال النعمة فى وجه الطاعة دون صَرفِها في الزَّلَّة؛ فشكرُ الحقِّ بالتعظيم والتكبير، وشكرُ الوالدين بالإنفاق والتوفير.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} بين سبحانه طريق الجمع والتفرقة فى هذه الاية فالجمع ما قال ان اشكر لى فاذا اضاف الشكر الى الغير فقد شغله بالتفرقة لان السبب غير المسبب والعارف اذا كمل فى معرفته فقد سقط عنه رؤية السبب والاشتغال بالوصيلة الا ترى كيف دعى العارف من التفرقة الى الجمع بقوله الى المصير كان من بلغ الى الحق فالرجوع الى غيره وان كان وسيلة الحسنة فهو شرك وشكر المفرد معرفة المشكور بنعت الاعراف بالعجز عن شكره لانه تعالى اجل واعظم من ان يشكره احد سواه وشكر الوالدين لانهما مدارج افعال الربوبية واذا شكرت الفعل شكرت الصفة واذا شكر الصفة شكرت الذات واذا كنت كذلك فقد وصلت الى عين الجمع فالاول جمع الجمع وهو قوله ان اشكر لى والثانى عين الجمع وهو قوله ولوالديك فاذا كنت مشاهد الكل فى عين الجمع فصار عين الجمع جمع الجمع كذلك ادق الاشارة بقوله الى المصير لان عين الجمع وجمع الجمع ----فى صلاة التوحيد لا فى حقيقة التوحيد لان حقيقة التوحيد افراد القدم عن الحدوث عن الحدوث وقال ابن عطا اشكره حيث اوجدك وكثيرا ما سمعت سيدى الجنيد بقوله فى خلال كلماته اشكر من كنت منه على بال حين خلقك واشكر والديك اذ ها هنا سبب كونك فمن استغرقه شكر المسبب قطعه عن شكر السبب ومن لم يتحقق فى شكر المسبب رد الى شكر السبب قال الاستاذ شكرا الحق التعظيم التكبير وشكر الوالدين بالاشفاق والتوتير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ووصينا الانسان بوالديه} الى آخره اعتراض فى اثناء وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهى عن الشرك يقال وصيت زيدا بعمرو امرته بتعهده ومراعاته: والمعنى [وصيت كرديم مردم را به بدر ومادر ورعايت حقوق ايشان]. ثم رجح الام ونبه على عظم حق والديه فقال {حملته امه} الى قوله عامين اعتراض بين المفسر والمفسر اى التوصية والشكر. والمعنى بالفارسية [برداشت مادر اورا درشكم] {وهنا} حال من امه اى ذات وهن والوهن الضعف من حيث الخلق والخلق {على وهن} اى ضعفا كائنا على ضعف فانه كلما عظم ما فى بطنها زادها ضعفا الى ان تضع {وفصاله فى عامين} الفصال التفريق بين الصبى والرضاع ومنه الفصيل وهو ولد الناقة اذا فصل عن امه. والعام بالتخفيف السنة لكن كثيرا ما تستعمل السنة فى الحول الذى فيه الشدة والجدب ولذا يعبر عن الجدب بالسنة والعام فيما فيه الرخاء اى فطام الانسان من اللبن يقع فى تمام عامين من وقت الولادة وهى مدة الرضاع عند الشافعى فلا يثبت حرمة الرضاع بعدها فالارضاع عنده واجب الى الاستغناء ويستحب الى الحولين وجائز الى حولين ونصف وهذا الخلاف بينهما فى حرمة الرضاع كما اشير اليه اما استحقاق الاجرة فمقدر بحولين فلا تجب نفقة الارضاع على الاب بعد الحولين بالاتفاق وتمام الباب فى كتاب الرضاع فى الفقه. قال فى الوسيط المعنى ذكر مشقة الوالدة بارضاع الولد بعد الوضع عامين {ان اشكر لى ولوالديك} تفسير لوصيناه اى قلنا له اشكر لى او علة له اى لان يشكر لى وما بينهما اعتراض مؤكد للوصية فى حقها خاصة ولذلك قال عليه السلام لمن قال له من ابر "حديث : امك ثم امك ثم امك" ثم قال بعد ذلك "ثم اباك" تفسير : والمعنى اشكر لى حيث اوجدتك وهديتك بالاسلام واشكر لوالديك حيث ربياك صغيرا وشكر الحق بالتعظيم والتكبير وشكر الوالدين بالاشفاق والتوقير. وفى شرح الحكم قرن شكرهما بشكره اذهما اصل وجودك المجازى كما ان اصل وجودك الحقيقى فضله وكرمه فله حقيقة الشكر كما له حقيقة النعمة ولغيره مجازه كما لغيره مجازها وفى الحديث "حديث : لا يشكر الله من لا يشكر الناس" تفسير : فجعل شكر الناس شرطا فى صحة شكره تعالى او جعل ثواب الله على الشكر لا يتوجه الا لمن شكر عباده. ثم حق المعلم فى الشكر فوق حق الوالدين. سئل الاسكندر وقيل ما بالك تعظم مؤد بك اشد من تعظيمك لابيك فقال ابى حطنى من السماء الى الارض ومؤدبى رفعنى من الارض الى السماء: قال الحافظ شعر : من ملك بودم وفردوس برين جايم بود آدم آورد درين دير خراب آبادم تفسير : وقيل. لبرزجمهر ما بالك تعظيمك لمعلمك اشد من تعظيمك لابيك قال لان ابى سبب حياتى الفانية ومعلمى سبب حياتى الباقية {الىّ المصير} تعليل لوجوب الامتثال بالامر اى الى الرجوع لا الى غيرى فاجازيك على شكرك وكفرك. ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الىّ حيث لا حاكم ولا مالك سواه. قال سفيان بن عيينه من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه فى ادبار الصلوات الخمس فقد شكر والديه وفى الحديث "حديث : من احب ان يصل اباه فى قبره فليصل اخوان ابيه من بعده ومن مات والداه وهو لهما غير بار وهو حى فليستغفر لهما ويتصدق لهما حتى يكتب بارا لوالديه ومن زار قبر ابويه او احدهما فى كل جمعة كان بارا" تفسير : وفى الحديث "حديث : من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسى خمس مرات وقل هو الله احد خمس مرات والمعوذتين خمسا خمسا فاذا فرغ من صلاته استغفر الله خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه فقد ادى حق والديه عليه وان كان عاقا لهما واعطاه الله تعالى ما يعطى الصديقين والشهداء" تفسير : كذا فى الاحياء وقوت القلوب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الجملتان معترضتان بين أجزاء توصية لقمان لابنه. و(وَهْناً): حال من (أمه)، أي: حملته حال كونها ذَاتَ وَهْنٍ، أو من الضمير المنصوب، أي: حملته نُطْفَةً، ثم علقة... إلخ، أو مصدر، أي: تهن وهناً. يقول الحق جل جلاله: {ووصينا الإنسانَ بوالديه}؛ أن يَبَرَّهُمَا ويُطِيعَهُمَا، ثم ذكر الحامل على البر فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّه وَهْناً على وَهْنٍ} أي: تضعف ضعفاً فوق ضعف، أي: يتزايد ضعفها ويتضاعف؛ لأن الحمل، كلما ازداد وعظم، ازدادت ثِقلاً. {وفِصَالهُ في عامين} أي: فطامه لتمام عامين. وهذا أيضاً مما يهيج الولد على بر والديه، فيتذكر مَرْقده في بطن أمه، وتعبَها معه في مدة حَمْلِةِ، ثم ما قاست من وجع الطلق عند خروجه، ثم ما عالجته في أيام رضاعه؛ من تربيته، وغسل ثيابه، وسهر الليل في بكائه، إلى غير ذلك. {أن اشكر لي ولوالديك}، هو تفسير لِوَصَّينَا، أو على حذف الجار، أي: وصيناه بشكرنا وبشكر والديه. وقوله: {حملته أمه..} إلخ: اعتراض بين المفسَّر والمفسِّر، لأنه لَمَّا وصى بالوالدين، ذكر ما تُكابده وتُعاينه من المشاق في حمله وفصاله، هذه المدة الطويلة؛ تذكيراً لحقها، مفرداً. وعن ابن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين، في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكرهما. هـ. وقال القشيري: والإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما. ثم قال: فشكرُ الحقِّ بالتعظيم والتكبير، وشكرُ الوالدين بالإشفاق والتوقير. هـ. ثم قال تعالى: {إليَّ المصيرُ} فأحاسبك على شكرك، أو كفرك. {وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به عِلْمٌ}، أراد بنفي العلم به نفيَه من أصله، أي: أن تشرك بي ما ليس بشيء. أو: ما ليس لك به علم باستحقاقه الإشراك مع الله، بل تقليداً لهما، {فلا تُطِعْهُما} في ذلك الشرك. {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} أي: صِحَاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم، وهو الخُلُقُ الجميل، بِحِلْمٍ، واحتفالٍ، وبر، وصلة. وقد تقدم تفسيره في الإسراء. {واتبع سبيل من أناب إلي} أي: اتبع طريق مَنْ رَجَعَ إليَّ بالتوحيد والإخلاص، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ولاتتبع سبيلهما، وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا، وقال ابن عطاء: اتبع سبيل من ترى عليه أنوار خدمتي. هـ. {ثم إليَّ مرجِعكُم} أي: مرجعك ومرجعهما، {فأُنَبِئُكم بما كنتم تعملون}؛ فأجازيك على إيمانك وَبِرِّكَ, وأجازيهما على كفرهما. وَاعْتَرَضَ بهاتين الآيتين، على سبيل الاستطراد؛ تأكيداً لِمَا في وصية لقمان من النهي عن الشرك، يعني: إنما وصيناه بوالديه، وأمرناه ألا يطيعَهُمَا في الشرك، وإن جاهدا كل الجهد؛ لقبح الشرك. وتقدم أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه مضت لأمه ثلاث ليال لم تَطْعم فيها شيئاً، فشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزلت، وقيل: من أناب: أبو بكر؛ لأن سعداً أسلم بدعوته. والله تعالى أعلم. الإشارة: بر الوالدين واجب، لاسيما في حق الخصوص، فيطيعهما في كل شيء، إلا إذا منعاه من صحبة شيخ التربية، الذي يُطهر من الشرك الخفي، الذي لا ينجو منه أحد، فإن الآية تشمله بطريق العموم والإشارة. أي: وإن جاهداك على أن تشرك بي متابعة هواك وحظوظك ومحبتهن، فلا تُطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل من أناب إليَّ، هو شيخ التربية في علم الإشارة. وقد تقدم قول الجنيد: أمرني أبي بشيء، وأمرني السّري بشيء، فقدمت أمر السّري، فرأيت سراً كبيراً. وكان شيخ شيوخنا الولي الشهير، سيدي يوسف الفاسي، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس، وكان أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه، فكان الشيخ يقول للشاب: أطع أباك في كل شيء إلا في الإتيان إلينا. هـ. وكان بعض المشايخ يقول: ائتوني ولو بسخط الوالدين، إذ لا يضره ذلك، حيث قصد إصلاح نفسه ودواءها. وقال الشيخ السنوسي، في شرح عقائد الجزائري، ما نصه: وحاصل الأمر في النفس: أنها شبيهة، في حالها، بحال الكافر الحَرْبِيّ، الذي يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا، وكلمة التوحيد السفلى، وكذلك النفس؛ تريد أن تكون كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة، المُشْغِلة عن إخلاص العبودية لمولانا جل وعلا، وعن القيام بوظائف تكاليفه، على الوجه الذي أمر به، هي العليا، النافذ أمرها ونهيها في مُدُنِ الأجسام وما تعلق بها، بعد أن نزلت ساحة الأبدان، واتصلت اتصالاً عظيماً لا انفكاك له إلا بالموت، فوجب، لذلك، على كل مؤمن يُعظّم حرمات الله تعالى أن ينهض كل النهوض، بغاية قواه العِلمية والعملية، لجهادها وقتالها. وفي مثل هذا القتال الذي نزل العدو فيه بساحة الأبدان، وهو فرض عين على كل مؤمن، يسقط فيه استئذان الأبوين وغيرهما. هـ. فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد، وحجابها له عن ربه، كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين، وهو كذلك؛ إذ طاعة الوالدين لا تكون في ترك فرض، ولا في ارتكاب معصية، ومن جملة المعاصي، عند الخواص، رؤية النفس والوقوف معها، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : فَقلتُ: ومَا ذنبي؟ فَقَالَتْ؛ مُجِيبَةً : وُجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقاس بِهِ ذَنْبُ تفسير : وتطهير النفس فرض عين، ولا طاعة للوالدين في فرض العين. وقوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) قال الورتجبي: المعروف، ها هنا، أن تُعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. {واتبع سبيل من أناب إليَّ}، نهاه عن متابعة المخلَّطِين، وحثه على متابعة المنيبين. هـ. وبالله التوفيق. ثم قال لقمان في وصيته: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ...}
الجنابذي
تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} يعنى وصّيناه بالاحسان اليهما فانّ هذه العبارة مستعملة فى هذا المعنى وقد مضى فى سورة البقرة وسورة النّساء عند قوله {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [النساء: 36] بيان الوالدين والاحسان اليهما واقسامهما {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً} حمل ضعف او واهنة {عَلَىٰ وَهْنٍ} فانّه كلّما يمضى من زمان حمل الولد يحصل وهن آخر {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} اى فى انقضاء عامين على الاغلب وعلى ما ينبغى ان يفطم والجملتان معترضتان جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل كما انّ مجموع قوله تعالى {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ} (الى قوله) {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ} (الآية) كان معترضاً للاشعار بالاهتمام بأمر الوالدين كالاهتمام بامر التّوحيد كما مضى فى السّورتين المذكورتين انّه تعالى لكمال الاهتمام بامر الوالدين قرنهما بتوحيده وبالنّهى عن اشراكه فى عدّة مواضع {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} ان تفسيريّة او مصدريّة وبدل مع ما بعدها عن الوالدين بدل الاشتمال {وَلِوَالِدَيْكَ} ولكمال الاهتمام بالوالدين ذكر شكر الوالدين قريناً لشكره {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} فى مقام التّعليل ولم يقل ان اشكر لى واشكر لوالديك لئلاّ يتوّهم انّ شكر الوالدين امر مغاير لشكر الله بل شكر الله ليس الاّ شكر الوالدين كما عن الرّضا (ع) فانّه قال امر بالشّكر له وللوالدين فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله اقول: وليس ذلك الاّ من جهة كون شكر الله مندرجاً فى شكر الوالدين.
فرات الكوفي
تفسير : {اشكر لي وَلوالِدَيْكَ14} فرات قال: حدثني [أ، ب: ثنا] جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن زياد بن المنذر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وسأله جابر عن هذه الآية {اشكر لي ولوالديك} قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام.
اطفيش
تفسير : {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدِيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُهُ} هذه الجملة معترضة اكد بها التوصية كأنه قيل كيف لا يبذل جهده في الاحسان اليهما وقد ولداه وتكفلا به ولا سيما الأم فانها حملته. {وَهْناً} مفعول مطلق لمحذوف والمحذوف حال من الأم اي تهن وهنا او واهنة وهنا. {عَلَى وَهْنٍ} متعلق بمحذوف نعت لوهنا والوهن الضعف اي يتزايد ضعفها بتزايد ثقل الحمل او ضعفت للحمل وضعفت للطلق وضعفت للولادة وقرىء {وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} بفتح الهائين وهو رواية عن ابي عمرو وقيل وهنا على وهن علقة بعد نطفة وهكذا اي وهن وهنا او واهنا وهنا على وهن فصاحب الحال هاء حملته فائدة من سكن هاء الوهن فانه يقول وهن يهن كوعد يعد من باب ضرب ومن فتحها فانه يقول وهن يوهن كوجل يوجل من باب علم. {وَفِصَالُهُ} فطامه وانقطاعه عن الرضاع. {فِي عَامَيْنِ} عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا رضاع بعد الفطام "تفسير : وكان عمر وابن عباس لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئا وهو ظاهر القرآن وقد قرىء (وفصله) فلو مص لبن امرأة بعد تمام العامين لجاز له تزوجها وهو مذهب الشافعي وابي يوسف ومحمد فالعامان الغاية التي يكون بها الرضاع عاما كاملا كما قال الله عز وجل {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }تفسير : وما دون العامين موكول الى اجتهاد الام ان علمت انه يقوى على الفطام فلها ان تفطمه. وقال أبو حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا وعنه ان فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم ارضعته لم يكن رضاعا وان اكل اكلا ضعيفا لم يستغن به عن الرضاع ثم ارضعته فهو رضاع محرم فانظر شرح النيل. {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} تفسير بوصينا وان اجزت دخول ان المصدرية الخفيفة على الأمر فلك تقدير لام التعليل قبل ان فتعلق بوصينا ولك جعل {أَن اشْكُرْ} في التأويل بدلا من والديه بدل اشتمال بالنسبة الى ان ولوالديك وبه تصح البدلية وقدر بعضهم القول قبل ان وهو غلط فان ان التفسيرية لا تقع بعد لفظ القول {وحمله وِفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} كجملة {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} معترضة بين التوصية بالوالدين والشكر لله سبحانه ولهما لتأكيد التوصية بالوالدة اذ كانت تكابد امر الحمل والرضاع ومشاقهما في مدة طويلة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه سلم لمن قال له من أبر؟ بفتح الباء من باب علم او بكسرها من باب ضرب قال: "حديث : أُمك ثم أُمك ثم أُمك "تفسير : ثم قال بعد ذلك "حديث : ثم أباك "تفسير : وحمل بعض العرب امه الى الحج على ظهره وهو يقول: شعر : احمل أمي وهي الحمالة ترضعني الذرة والعلالة تفسير : ولا يجازي والد فعاله الدرة بفتح الدال مفرد الدر وهو اللبن وبضم الدال مفرد الدر وهو اللؤلؤ وبكسر الدال وهي التي يضرب بها والعلالة بقية اللبن والحلبة بين الحلبتين. وعن سفيان بن عيينه من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله ومن دعا للوالدين في ادبار الصلوات الخمس فقد شكر لهما. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رضى الرب مع رضى الوالد وسخط الرب مع سخط الوالد "تفسير : قال: قال رسول الله صلىا لله عليه وسلم "حديث : من أصبح بارا بوالديه أصبح له بابان مفتوحان الى الجنة وان كان واحدا فواحد وان ظلماه وان ظلماه وان ظلماه "تفسير : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان فوق كل بر برا حتى ان الرجل ليهريق دمه لله وان فوق كل فجور فجورا حتى ان الرجل ليعق والديه. وشكر الله فوق شكر الوالدين وغيرهما فان كل نعمة من الله سبحانه وتعالى جرت على يد الوالدين وغيرهما ونعمته دنيوية واخروية. {إلَيَّ المَصِيرُ} المرجع فاحاسبك على الشكر والكفر. قيل نزلت تلك الآية في سعد بن ابي وقاص وامه على ما مر في سورة العنكبوت. وروي انها مكثت ثلاثا لا تطعم ولا تشرب فتحوا فاها بعود.
اطفيش
تفسير : {ووصَّيْنَا الإنسان بوالِديْه} هذا كلام من الله تعالى اكد به كلام لقمان، اذ قال: "أية : وإنْ جاهداك"تفسير : [لقمان: 15] الخ شدد فى حق الدين، فقال: مع شدة حقهما يحرم مطاوعتمها فى الاشراك، وقيل: المراد انا قلنا له: اشكر لى، وقلنا له: وصينا الانسان، وقيل هذا من كلام لقمان، اخبرنا الله انه اوصى به ابنه {حملته أمَّه وهْناً} ضعفا {على وَهْن} تعليل للوصية، ووهنا حال من امه، اى ذات وهن على وهن، ولا يصح تأويله بواهنة، لان الثانى لا يصح فيه هذا، لا يقال واهنة على واهنة، اللهم مع بقاء الثانى على مصدريته بمعنى واهنة على وهن سابق. او لاحق. والوهنان منها، والمراد التكرار لا اثنان فقط، لان الوهن يتزايد الى النفاس، وقيل ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس، بعد الولادة، او حال من الهاء فى حملته، فذلك وهنه ووهنها كما قال مجاهد: وهن الولد على وهن الوالدة، وضعفها، وليس الوهنان منه فقط، لانه يتزايد قوة، مفعول مطلق، اى تهن وهنا وعلى وهن نعت وهنا. {وفصاله} انقطاعه عن الرضاع {في عامين} اى فى تمام عامين فاقصى مدة الرضاع عامان عند الجمهور، وعن ابى حنيفة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهرا، لقوله تعالى: "أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً" تفسير : [الأحقاف: 15] وجاء حديث: "حديث : لا رضاع بعد عامين" تفسير : {أن اشكر لي ولوالديْك} ان تفسيرية لوصينا لا مصدرية بتقدير لام التعليل، وهو خطأ لانه لا خارج للامر، والاجاز اشرت اليك ان قم والمشى اى بالقيام والمشى، واعجبنى ان اقم أى قيامك بالرفع على الفاصلية ونحو ذلك، وهو لا يجوز وذكر شكر الله لان شكرهما لا ينفع بدون شكره، وكذا عكسه، وفى مسند أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يشكر الله من لا يشكر الناس ". تفسير : روى الترمذى، وابو داود، عن بهز بن حكيم، عن ابيه، عن جده، عنه صلى الله عليه وسلم، انه سأله رجل: "حديث : من أبر؟ فقال: أمك فقال: ثم من قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك" تفسير : ومعنى شكر الله اداء فرائضه، وترك معاصيه واستشعار نعمه وشكر الوالدين الاحسان اليهما وترك ما يكرهان، واستشعار نفعهما له، ومثل ابن عيينة لشكر الله بالصلوات الخمس، ولبرهما بالدعاء لهما إدبارها {إليَّ} لا الى غيرى {المَصيرُ} الرجوع لاثيبكم على شكرى وشكرهما، او اعاقبكم على التقصيرفى ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } الخ كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيداً لما فيه من النهي عن الإشراك فهو من كلام الله عز وجل لم يقله سبحانه للقمان، وقيل: هو من كلامه تعالى قاله جل وعلا وكأنه قيل: قلنا له اشكر وقلنا له وصينا الإنسان الخ، وفي «البحر» لما بين لقمان لابنه إن الشرك ظلم ونهاه عنه كان ذلك حثاً على طاعة الله تعالى ثم بين أن الطاعة أيضاً تكون للأبوين وبين السبب في ذلك فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه أخبر الله تعالى عنه بذلك، وكلا القولين كما ترى، والمعنى وأمرنا الإنسان برعاية والديه. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً } أي ضعفاً {عَلَىٰ وَهْنٍ } أي ضعف، والمصدر حال من {أُمُّهُ } بتقدير مضاف أي ذات وهن؛ وجوز جعله نفسه حالاً مبالغة لكنه مخالف للقياس إذ القياس في الحال كونه مشتقاً، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لفعل مقدر أي تهن وهناً، والجملة حال من {أُمُّهُ } أيضاً. وأياً ما كان فالمراد تضعف ضعفاً متزايداً بازدياد ثقل الحمل إلى مدة الطلق، وقيل: ضعفاً متتابعاً وهو ضعف الحمل وضعف الطلق وضعف النفاس، وجوز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب في {حَمَلَتْهُ } العائد على {ٱلإِنسَـٰنَ } وهو الذي يقتضيه ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه قال: {وَهْناً } الولد {عَلَىٰ وَهْنٍ } الوالدة وضعفها، والمراد أنه حملته حال كونه ضعيفاً على ضعيف مثله، وليس المراد أنها حملته حال كونه متزايد الضعف ليقال إن ضعفه لا يتزايد بل ينقص. وقرأ عيسى الثقفي وأبو عمرو في رواية {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } بفتح الهاء فيهما فاحتمل أن يكون من باب تحريك العين إذا كانت حرف حلق كالشعر والشعر على القياس المطرد عند الكوفي كما ذهب إليه ابن جني، وأن يكون مصدر وهن بكسر الهاء يوهن بفتحها فإن مصدره جاء كذلك وهذا كما يقال تعب يتعب تعباً كما قيل: وكلام صاحب «القاموس» ظاهر في عدم / اختصاص أحد المصدرين بأحد الفعلين قال: الوهن الضعف في العمل ويحرك والفعل كوعد وورث وكرم. {وَفِصَـٰلُهُ } أي فطامه وترك إرضاعه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري ويعقوب {وفصـله} وهو أعم من الفصال، والفصال هٰهنا أوقع من الفصل لأنه موقع يختص بالرضاع وإن رجعا إلى أصل واحد على ما قال الطيبـي {فِى عَامَيْنِ } أي في انقضاء عامين أي في أول زمان انقضائهما، وظاهر الآية أن مدة الرضاع عامان وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد وأبو يوسف ومحمد، وهو مختار الطحاوي وروى عن مالك، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهراً لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } تفسير : [الأحقاف: 15]، ووجه الاستدلال به أنه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب للدينين على شخصين بأن قال: أجلت الدين الذي لي على فلان والدين الذي لي على فلان سنة فإنه يفهم أن السنة بكمالها لكل، أو على شخص بأن قال لفلان علي ألف درهم وعشرة أقفزة إلى سنة فصدقه المقر له في الأجل فإذا مضت السنة يتم أجلهما جميعاً إلا أنه قام النقص في أحدهما أعني مدة الحمل لقول عائشة الذي لا يقال مثله إلا سماعاً: الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل فتبقى مدة الفصال على ظاهرها، وما ذكر هنا أقل مدته وفيه بحث. {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } تفسير لوصينا كما اختاره النحاس فأن تفسيرية، وجوز أن تكون مصدرية بتقدير لام التعليل قبلها وهو متعلق بوصينا وبلا تقدير على أن يكون المصدر بدلاً من ـ والديه ـ بدل الاشتمال، وعليه كأنه قيل: وصينا الإنسان بوالديه بشكرهما وذكر شكر الله تعالى لأن صحة شكرهما تتوقف على شكره عز وجل كما قيل في عكسه لا يشكر الله تعالى من لا يشكر الناس ولذا قرن بينهما في الوصية، وفي هذا من البعد ما فيه، وأما القول بأن الأمر يأبى التفسير والتعليل والبدلية فليس بشيء كما أشرنا إليه قريباً، وعلى الأوجه الثلاثة يكون قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} ـ إِلَى ـ {عَامَيْنِ } اعتراضاً مؤكداً للتوصية في حق الأم خصوصاً لذكر ما قاسته في تربيته وحمله، ولذا قال النبـي صلى الله عليه وسلم كما في حديث صحيح رواه الترمذي وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لمن سأله عمن يبره: أمك وأجابه عن سؤاله به ثلاث مرات، وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه:شعر : احمل أمي وهي الحمالة ترضعني الدرة والعلالة ولا يجازى والد فعاله تفسير : ولله تعالى در من قال:شعر : لأمك حق لو علمت كبير كثيرك يا هذا لديه يسير فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي لها من جراها أنة وزفير وفي الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غصص لها الفؤاد يطير وكم غسلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير وتفديك مما تشتكيه بنفسها ومن ثديها شرب لديك نمير وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حنواً وإشفاقاً وأنت صغير فآهاً لذي عقل ويتبع الهوى وآهاً لأعمى القلب وهو بصير فدونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو به لفقير تفسير : واختلف في المراد بالشكر المأمور به فقيل هو الطاعة وفعل ما يرضي كالصلاة والصيام بالنسبة إليه تعالى / وكالصلة والبر بالنسبة إلى الوالدين، وعن سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه في أدبارها فقد شكرهما ولعل هذا بيان لبعض أفراد الشكر {إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } تعليل لوجوب الامتثال بالأمر أي إلى الرجوع لا إلى غيري فأجازيك على ما صدر عنك مما يخالف أمري.
ابن عاشور
تفسير : إذا درجنا على أن لقمان لم يكن نبيئاً مبلغاً عن الله وإنما كان حكيماً مرشداً كان هذا الكلام اعتراضاً بين كلامي لقمان لأن صيغة هذا الكلام مصوغة على أسلوب الإبلاغ والحكاية لقول من أقوال الله. والضمائر ضمائر العظمة جرَّتْه مناسبة حكاية نهي لقمان لابنه عن الإشراك وتفظيعه بأنه ظلم عظيم. فذكر الله هذا لتأكيد ما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بتعميم النهي في الأشخاص والأحوال لئلا يتوهم متوهم أن النهي خاص بابن لقمان أو ببعض الأحوال فحكى الله أن الله أوصى بذلك كل إنسان وأن لا هوادة فيه ولو في أحرج الأحوال وهي حال مجاهدة الوالدين أولادَهم على الإشراك. وأحسن من هذه المناسبة أن تجعل مناسبة هذا الكلام أنه لما حكى وصاية لقمان لابنه بما هو شكر الله بتنزيهه عن الشرك في الإلهية بيَّن الله أنه تعالى أسبق منَّة على عباده إذ أوصى الأبناء ببر الآباء فدخل في العموم المنة على لقمان جزاءً على رعيه لحق الله في ابتداء موعظة ابنه فالله أسبق بالإحسان إلى الذين أحسنوا برَعْي حقه. ويقوي هذا التفسير اقتران شكر الله وشكر الوالدين في الأمر. وإذا درجنا على أن لقمان كان نبيئاً فهذا الكلام مما أبلغه لقمان لابنه وهو مما أوتيه من الوحي ويكون قد حكي بالأسلوب الذي أوحي به إليه على نحو أسلوب قوله {أية : أن اشكر لله}تفسير : [لقمان: 12] وهذا الاحتمال أنسب بسياق الكلام، ويرجحه اختلاف الأسلوب بينها وبين آيتي سورة العنكبوت وسورة الأحقاف لأن ما هنا حكاية ما سبق في أمة أخرى والأخريين خطاب أنف لهذه الأمة. وقد روي أن لقمان لما أبلغ ابنه هذا قال له: إن الله رضيني لك فلم يوصِني بك ولم يرضَك لي فأوصاكَ بي. والمقصود من هذا الكلام هو قوله {وإن جاهداك على أن تشرك بي} إلى آخره... وما قبله تمهيد له وتقرير لواجب بر الوالدين ليكون النهي عن طاعتهما إذا أمرا بالإشراك بالله نهياً عنه في أوْلى الحالات بالطاعة حتى يكون النهي عن الشرك فيما دون ذلك من الأحوال مفهوماً بفحوى الخطاب مع ما في ذلك من حسن الإدماج المناسب لحكمة لقمان سواء كان هذا من كلام لقمان أو كان من جانب الله تعالى. وعلى كلا الاعتبارين لا يحسن ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن هذه الآية نزلت في قضية إسلام سعد بن أبي وقاص وامتعاض أمه، لعدم مناسبته السياق، ولأنه قد تقدم أن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك، وأنها المناسبة لسبب النزول فإنها أخلِيت عن الأوصاف التي فيها ترقيق على الأم بخلاف هذه، ولا وجه لنزول آيتين في غرض واحد ووقت مختلف وسيجيء بيان الموصَى به. والوهْن ــــ بسكون الهاء ــــ مصدر وَهَن يهِن من باب ضرَب. ويقال: وَهَنٌ ــــ بفتح الهاء ــــ على أنه مصدر وهِنَ يَوْهَن كوَجِلَ يَوجَل. وهو الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيء. وانتصب {وَهْناً} على الحال من {أمّه} مبالغة في ضعفها حتى كأنها نفس الوهْن، أي واهنة في حمله، و{على وهن} صفة لــــ {وَهْناً} أي وهْناً واقعاً على وهْن، كما يقال: رجع عوْداً على بدء، إذا استأنف عملاً فرغ منه فرجع إليه، أي: بعد بدء، أو {على} بمعنى (مع) كما في قول الأحوص:شعر : إني على ما قد علمِت محسَّد أنمي على البغضاءِ والشَنآنِ تفسير : فإن حمل المرأة يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضُعفُ من انعكاس دمها إلى تغذية الجنين، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد زمن الحمل فلا جرم أنه وَهْن على وَهْن. وجملة {حملته أمه وهناً على وهن} في موضع التعليل للوصاية بالوالدين قصداً لتأكيد تلك الوصاية لأن تعليل الحكم يفيده تأكيداً، ولأن في مضمون هذه الجملة ما يثير الباعث في نفس الولد على أن يبرّ بأمه ويستتبع البرّ بأبيه. وإنما وقع تعليل الوصاية بالوالدين بذكر أحوال خاصة بأحدهما وهي الأم اكتفاء بأن تلك الحالة تقتضي الوصَاية بالأب أيضاً للقياس فإن الأب يلاقي مشاقّ وتعباً في القيام على الأم لتتمكن من الشغل بالطفل في مدة حضانته ثم هو يتولى تربيته والذبّ عنه حتى يبلغ أشدّه ويستغني عن الإسعاف كما قال تعالى {أية : وقُلْ ربِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء: 24]، فجمعهما في التربية في حال الصغر مما يرجع إلى حفظه وإكمال نشأته، فلما ذكرت هنا الحالة التي تقتضي البر بالأم من الحمل والإرضاع كانت منبهة إلى ما للأب من حالة تقتضي البرَّ به على حساب ما تقتضيه تلك العلة في كليهما قوة وضعفاً. ولا يقدح في القياس التفاوت بين المقيس والمقيس عليه في قوة الوصف الموجب للإلحاق. وقد نبَّه على هذا القياس تشريكهما في التحكم عقب ذلك بقوله {أن اشكر لي ولوالديك} وقوله {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}. وحصل من هذا النظم البديع قضاء حق الإيجاز. وأمّا رجحان الأم في هذا الباب عند التعارض في مقتضيات البرور تعارضاً لا يمكن معه الجمع فقال ابن عطية في «تفسيره»: شرك الله في هذه الآية الأم والأب في رتبة الوصية بهما ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل ودرجة الرضاع فتحصل للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة، وأشبه ذلك حديث : قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل: مَن أُبِرُّ؟ قال: أمَّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمَّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمَّك. قال: ثم مَن؟ قال: أباكتفسير : . فجعل له الربع من المبرّة. وهذا كلام منسوب مثله لابن بطّال في شرح «صحيح البخاري». ولا يخفى أن مساق الحديث لتأكيد البر بالأم إذ قد يقع التفريط في الوفاء بالواجب للأم من الابن اعتماداً على ما يلاقيه من اللين منها بخلاف جانب الأب فإنه قوي ولأبنائه تَوَقَ من شدته عليهم، فهذا مساق الحديث. ولا معنى لأخذه على ظاهره حتى نذهب إلى تجزئة البرّ بين الأم والأب أثلاثاً أو أرباعاً وهو ما استشكله القرافي في «فائدة من الفرق الثالث والعشرين»، وحسبنا نظم هذه الآية البديع في هذا الشأن. وأما لفظ الحديث فهو مسوق لتأكيد البر بالأم خشية التفريط فيه. وليس معنى «ثُمَّ» فيه إلا محاكاة قول السائل «ثُمَّ مَن» بقرينة أنه عطف بها لفظ الأم في المرتين ولا معنى لتفضيل الأم على نفسها في البر. وإذ كان السياق مسوقاً للاهتمام تعين أن عطف الأب على الأم في المرة الثالثة عطف في الاهتمام فلا ينتزع منه ترجيح عند التعارض. ولعل الرسول عليه الصلاة والسلام علم من السائل إرادة الترخيص له في عدم البرّ. وقد قال مالك لرجل سأله: أن أباه في بلد السودان كتب إليه أن يقدم عليه وأن أمه منعته فقال له مالك: أطِعْ أباك ولا تعْصِ أمك. وهذا يقتضي إعراضه عن ترجيح جانب أحد الأبوين وأنه متوقف في هذا التعارض ليحمل الابن على ترضية كليهما. وقال الليث: يرجح جانب الأم. وقال الشافعي: يرجح جانب الأب. وجملة {وفصاله في عامين} عطف على جملة {حملتْه أمه} الخ، فهي في موقع الحال أيضاً. وفي الجملة تقدير ضمير رابط إياها بصاحبها، إذ التقدير: وفصالها إياه، فلما أضيف الفصال إلى مفعوله علم أن فاعله هو الأم. والفِصال: اسم للفطام، فهو فصل عن الرضاعة. وتقدم في قوله {أية : فإن أرادَا فِصالاً} تفسير : في سورة البقرة (233). وذكر الفِصال في معرض تعليل حقية الأم بالبرّ، لأنه يستلزم الإرضاع من قبل الفِصال، وللإشارة إلى ما تتحمله الأم من كدَر الشفقة على الرضيع حين فصاله، وما تشاهده من حزنه وألمه في مبدأ فطامه. وذُكر لمدة فِطامه أقصاها وهو عامان لأن ذلك أنسب بالترقيق على الأم، وأشير إلى أنه قد يكون الفطام قبل العامين بحرف الظرفية لأن الظرفية تصدق مع استيعاب المظروف جميعَ الظرف، ولذلك فموقع في أبلغ من موقع (من) التبعيضية في قول سبَرة بن عمرو الفقعسي:شعر : ونَشْرَب في أثمانها ونُقَامِر تفسير : لأنه يصدق بأن يستغرق الشرابُ والمقامرة كامل أثمان إبله. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى {أية : وارزقوهم فيها واكسوهم} تفسير : في سورة النساء (5). وقد حمله علي بن أبي طالب أوْ ابن عباس على هذا المعنى فأخذ منه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر جمعاً بين هذه الآية وآية سورة الأحقاف كما سيأتي هنالك. وجملة {أن اشكر لي ولوالديك} تفسير لفعل {وصينا.} و{أن} تفسيرية، وإنما فُسرت الوصية بالوالدين بما فيه الأمرُ بشكر الله مع شكرهما على وجه الإدماج تمهيداً لقوله {وإن جاهداك على أن تُشْرِك بي} الخ. وجملة {إلي المصير} استئناف للوعظ والتحذير من مخالفة ما أوصى الله به من الشكر له. وتعريف {المصير} تعريف الجنس، أي مصير الناس كلهم. ولك أن تجعل (أل) عوضاً عن المضاف إليه. وتقديم المجرور للحصر، أي ليس للأصنام مصير في شفاعة ولا غيرها. وتقدم الكلام على نظير قوله{أية : وإن جاهداك لتشرك بي}تفسير : [العنكبوت: 8] إلى {أية : فلا تطعهما} تفسير : في سورة العنكبوت (8)، سوى أنه قال هنا {على أن تُشرِك بي} وقال في سورة العنكبوت {لِتُشْرِك بِي} فأما حرف {على} فهو أدلّ على تمكن المجاهدة، أي مجاهدة قوية للإشراك، والمجاهدة: شدة السعي والإلحاح. والمعنى: إن ألحَّا وبالغا في دعوتك إلى الإشراك بي فلا تطعهما. وهذا تأكيد للنهي عن الإصغاء إليهما إذا دعَوَا إلى الإشراك. وأما آية العنكبوت فجيء فيها بلام العلة لظهور أن سعداً كان غنياً عن تأكيد النهي عن طاعة أمه لقوة إيمانه. وقال القرطبي: إن امرأة لقمان وابنه كانا مُشركَيْن فلم يزل لقمان يعظهما حتى آمنا، وبه يزيد ذكر مجاهدة الوالدين على الشرك اتضاحاً. والمصاحبة: المعاشرة. ومنه حديث حديث : معاوية بن حيدة «أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمَّك»تفسير : الخ. والمعروف: الشيء المتعارف المألوف الذي لا ينكر فهو الشيء الحسن، أي صاحبْ والديْك صحبةً حسنة، وانتصب {معروفاً}على أنه وصف لمصدر محذوف مفعول مطلق لــــ {صاحِبْهُما،}أي صِحاباً معروفاً لأمثالهما. وفهم منه اجتناب ما ينكر في مصاحبتهما، فشمل ذلك معاملة الابن أبويه بالمنكر، وشمل ذلك أن يدعو الوَالدُ إلى ما ينكره الله ولا يرضى به ولذلك لا يُطاعَان إذا أمرَا بمعصية. وفهم من ذكر {وصاحبْهما في الدنيا معروفاً} أثر قوله {وإن جاهداك على أن تشرك بي} الخ... أن الأمر بمعاشرتهما بالمعروف شامل لحالة كون الأبوين مشركين فإن على الابن معاشرتهما بالمعروف كالإحسان إليهما وصلتهما. وفي الحديث: حديث : أن أسماء بنت أبي بكر قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي جاءت راغبة أفأصلها؟ فقال: نعم، صلي أمَّككِ، وكانت مشركة تفسير : (وهي قتيلة بنت عبد العزى). وشمل المعروف ما هو معروف لهما أن يفعلاه في أنفسهما، وإن كان منكراً للمسلم فلذلك قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكراً في الدينين فلا يحلّ للمسلم أن يشايع أحد أبويه عليه. واتباعُ سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله، أي الراجعين إليه، وقد تقدم ذكر الإنابة في سورة الروم (33) عند قوله {أية : منيبين إليه} تفسير : وفي سورة هود (88). فالمراد بمن أناب: المقلعون عن الشرك وعن المنهيات التي منها عقوق الوالدين وهم الذين يدعون إلى التوحيد ومن اتبعوهم في ذلك. وجملة {ثم إلي مرجعكم} معطوفة على الجمل السابقة و{ثم} للتراخي الرتبي المفيد للاهتمام بما بعدها، أي وعلاوة على ذلك كله إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. وضمير الجمع للإنسان والوالدين، أي مرجع الجميع. وتقديم المجرور للاهتمام بهذا الرجوع أو هو للتخصيص، أي لا ينفعكم شيء مما تأملونه من الأصنام. وفرع على هذا {فأنبئكم} الخ... والإنباء كناية عن إظهار الجزاء على الأعمال لأن الملازمة بين إظهار الشيء وبين العلم به ظاهرة. وجملة {ثم إليّ مرجعكم} وَعد ووعيد. وفي هذه الضمائر تغليب الخطاب على الغيبة لأن الخطاب أهم لأنه أعرف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 14- وأمرنا الإنسان أن يبرّ والديه ويجعل أمه أوفر نصيباً، حملته يتزايد ضعفها ويعظم شيئاً فشيئاً، وفطامه فى عامين، ووصيناه أن اشكر لله ولوِالديك، إليه المرجع للحساب والجزاء. 15- وإِنْ حَمَلَكَ وَاْلِدَاكَ - بجهد - على أن تشرك بالله ما لا تعلم أنه يستحق فلا تطعهما، وصاحبهما فى الدنيا بالبر والصلة والإحسان، واتبع طريق من رجع إلىَّ بالتوحيد والإخلاص، ثم إلىَّ مرجعكم جميعاً، فأخبركم بما كنتم تعملون من خير وشر لأجازيكم عليه. 16- يا بنى: إن الحسنة أو السيئة للإنسان إن تكن - مثلا - فى الصغر كحبة الخردل، فتكن فى أخفى مكان كقلب صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يظهرها الله ويحاسب عليها، إن الله لطيف لا تخفى عليه دقائق الأشياء، خبير يعلم حقائق الأشياء كلها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنْسَانَ} {بِوَالِدَيْهِ} {َفِصَالُهُ} {لِوَالِدَيْكَ} (14) - وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالى مَا وَصَّى بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالى وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لأنَّهُ المُنْعِمُ المُوجِدُ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا أَوْصَى بِهِ الوَلَدَ بِالوَالِدَينِ، لِكَونِهِما السَّبيلَ فِي وُجُودِهِ، فَقَالَ تَعَالى إِنَّهُ أَمَرَ (وَصِّينَا) الإِنسانَ بِبِرِّ وَالدَيهِ وطَاعَتِهِما، وَبِالقِيامِ بِمَا يَتَوجَّبُ عَليهِ نَحْوَهُما، وَذَكَّرَ اللهُ تَعَالى الإِنسانَ بصُورَةٍ خَاصَّةٍ بما تَحَمَّلَتْهُ أُمُّهُ مِنَ العَنَاءِ وَالجَهْدِ والمَشَقَّةِ في حَمْلِهِ وَوِلاَدَتِهِ، وإِرْضَاعِهِ وتَربِيتَهِ، فَقَدْ حَمَلَتْهُ في جَهْدٍ (وَهْنٍ) يَتَزَايدُ بِتَزَايُدِ ثِقَلِ الحَمْلِ، ثُمّ أَرْضَعَتْهُ في عَامَينِ كَامِلَينِ، وهيَ تُقَاسِي مِنْ ذَلِكَ ما تُقَاسِي مِنَ المَشَاقِّ. ثُمَّ أَمرَ اللهُ تَعَالى الإِنْسَانَ بِشُكْرِهِ تَعَالى عَلَى نِعَمِهِ عَلَيهِ، وبِشُكْرِ وَالِدَيهِ لأََنَّهُمَا كَانَا سَبَبَ وُجُودِهِ، ثُمَّ نَبَّهَ اللهُ الإِنسانَ إِلَى أَنَّهُ سَيَرجِعُ إِِلى اللهِ فَيُجَازِيهِ عَلَى عَمَلِهِ إنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً.. وَصَّينَا - أَمَرْنَا وَأَلْزَمْنا. وَهْناً - ضَعْفاً. فِصَالُهُ - فِطَامُهُ عنِ الرِّضَاعِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أهذه وصية من وصايا لقمان لابنه، أم هي كلام جديد من الله تعالى جاء في سياق كلام لقمان؟ قالوا: هو من كلام الحق تبارك وتعالى، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ..} تفسير : [لقمان: 15]. ومن التكريم للقمان أن الله تعالى ساق هذه الوصية بعد وصيته لابنه، فجاءت وكأنها حكاية عنه. ومعنى {وَوَصَّيْنَا ..} [لقمان: 14] يعني: علّمنا ووعظنا، وهما يدلان على معلومات تبتدئ بعلمنا ويذكر بها في وعظنا، ويُوفى بها حين جمعنا كل الخير في كلمة واحدة؛ لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس في حجة الوداع ذكر أمهات الفضائل، لماذا؟ لأنه آخر كلامه إليهم، والموقف لا يناسب أنْ يذكر فيه تفاصيل الدين كله، فاكتفى بذكر أسسه وقواعده، كالرجل منَّا حين تحضره الوفاة يجمع أولاده، ويوصيهم، فيختار الأمور الهامة والخلاصة في أضيق نطاق. الله تعالى يقول: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} [لقمان: 14] والوصية بالوالدين بالذات أخذتْ رقعة واسعة في كتاب الله، في هذه الآية ذكر علة الوصية، فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..} [لقمان: 14]. وفي خمس آيات أخرى وردتْ كلمة (إحساناً)، في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [البقرة: 83]. وفي سورة النساء: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [النساء: 36]. وفي الأنعام: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [الأنعام: 151]. وفي الإسراء:{أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [الإسراء: 23]. وفي الأحقاف: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. وفي آية واحدة وردت كلمة (حسناً) في سورة العنكبوت: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8]. وفي آية واحدة أيضاً جاءت الوصية بالوالدين دون ذكر لهاتين الكلمتين: (حُسْناً وإحساناً) هي الآية التي نحن بصدد الحديث عنها. لكن، ما الفرق بين (إحساناً) و (حُسناً)؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن، وأحسن حدث، تقول: أحسن فلان إحساناً. أما حُسناً فمن الحسن وهو المصدر الأصيل لهذه المادة كما تقول: فلان عادل، فوصفته بالعدل، فإنْ أردتَ أنْ تبالغ في هذا الوصف تقول: فلان عَدْل أي: في ذاته، لا مجرد وَصْف له. إذن: فحُسْناً آكد في الوصف من إحساناً، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8] قالوا: لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمسُّ قمة العقيدة، فسوف يطلب الوالدان من الابن أنْ يشرك بالله. لذلك احتاج الأمر أنْ نوصي الابن بالحُسْن في ذاته، وفي أسمى توكيداته فلم يقُلْ هنا (إحْسَاناً) إنما قال (حُسْناً) حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر لإهانتهما، أو التخلي عنهما؛ لذلك يُعلِّمنا ربنا: {أية : فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} تفسير : [لقمان: 15]. وإنْ كانت الوصية هنا بالوالدين ألا أن حيثيات الوصية خاصة بالأم {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] فلم يذكر شيئاً عن دور الأب، لماذا؟ قالوا: لأن الكلام هنا كلام رب، وما عليك إلا أنْ تُعمِل فيه فكرك وقلبك لتصل إلى دقائقه. الله تعالى يُذكِّرنا هنا بدور الأم خاصة، لأنها تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صُنْعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما الأفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كِبَرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدَّم أبوه من أجله. فكأن أفعال الأب وُجِدت حين تم تكوين العمر العقلي الواعي، ففهم الابن ما فعل أبوه، وكثيراً ما سمع الابن: أبوك ذهب إلى كذا، أبوك أحضر لك كذا، وهذا الأمر عندما يأتي أبوك .. الخ، فدوْر الأب ظاهر على خلاف دور الأم؛ لذلك ذكره الحق - تبارك وتعالى - هنا {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} [لقمان: 14]. ويأتي مَنْ يقول: أليس الابن نتيجة التقاء الأب والأم، فهما فيه سواء؟ ونقول: بلى، لكن مشقة الأم فيه أوضح أثناء الحمل وعند الولادة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالشهوة لَزهدَ الناس فيه لما تتحمله الأم من مشاق، ولما يتحمله الأب من تبعات الأولاد. ونعرف قصة المرأة التي ذهبت تقاضي زوجها لأنه يريد أنْ يأخذ ولدها منها، فقالت للقاضي وقد قال لها: أليس الولد ولدكما معاً؟ قالت: بلى، ولكنه حمله خِفّاً ووضعه شهوة، وحملتُه وهناً على وهن، فحكم لها. ومعنى: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..} [لقمان: 14] أي: ضعفاً على ضعف، والمرأة بذاتها ضعيفة، فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها، ويكبر في أحشائها يوماً بعد يوم؛ لذلك قلنا: إن من حكمة الله تعالى في خَلْق الرحم أنْ جعله قابلاً للتمدد والاتساع ليحتوي الجنين في مراحل الحمل المختلفة إلى أنْ يزيد الجنين زيادةً لا يتحملها اتساع الرحم فينفجر إيذاناً بولادة إنسان جديد وخَلْقِ آخر كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. فالجنين كان خَلْقاً تابعاً لأمه في غذائه وفي تنفسه وحركته، لكن حينما جاء أمر الله وأذن بميلاده أنشأه خَلْقاً آخر له مُقوِّمات حياة مستقلة غير متصل بأمه. ويقولون في هذه العملية (القرن طش) كما تنفجر البالونة إذا نُفخت لدرجة أكثر مما تتحمل، ومن العجيب أن الرحم يتسع بقدرة الله لعدة توائم كما نرى ونسمع. ومن عظمة الخالق سبحانه في مسألة الرزق أن رزق الجنين يأتيه منفصلا عن رزق أمه، فلكل منهما رزق لا يأخذه الآخر، ومعلوم أن المرأة حين يُقدَّر لها حَمْل ينقطع عنها الدم الذي كان ينزل بصفة دورية حال فراغ الرحم من الحمل، هذا الدم هو الذي جعله الله غذاءً للجنين الجديد. أما إذا لم يُقدَّر لها حمل فإنَّ جسمها يطرد هذا الدم ويتخلص منه ولا يستفيد به، لماذا؟ لأنه ليس غذاءها، وكأن الخالق - عز وجل - يُنبِّهنا أن لكل منا رزقه الذي لا يتعدَّاه إلى غيره. وأيضاً من حكمته تعالى في وَضْع الجنين في بطن أمه عند الولادة أنْ ينزل برأسه، وهذا هو الوضع الطبيعي لولادة طفل سليم؛ لأن أول ضروريات الحياة للطفل ساعةَ ينفصل عن أمه أنْ يتنفس، فإذا نزل برأسه - وهذا الوضع يحاول أطباء الولادة التأكد منه - استطاع التنفس حتى وإنْ تعسر نزول باقي جسمه، أمّا إنْ نزل الطفل بعكس هذا الوضع فإنه يختنق ويموت قبل أنْ يتم نزوله. ثم يقول سبحانه: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..} [لقمان: 14] الفصال: أي الانفصال عن الأم في مسألة الرضاعة، ومنه: يسمون ولد الناقة الذي استغنى عن لبنها: الفصيل أي الذي فُصِل عن أمه، وأصبح قادراً على أنْ يأكل، وأن يعيش دون مساعدتها، وحتى عملية فصال الولد عن أمه فيها مشقة وألم للأم. أما العملية الجنسية التي أثمرتْ الولد فكانت شركة بينهما، وبذلك لا بُدَّ أن نعترف أن للأم الدور الأكبر وعليها العبء الأكبر في مسألة الأولاد؛ لذلك كان لها الحظ الأوفر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي سأله: مَنْ أحق الناس بحُسْن صحابتي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، فأعطى كلاً منهما على قدر ما قدَّم. ومسألة الفصال هذه شُرحت في آيات أخرى، ففي سورة البقرة: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ..} تفسير : [البقرة: 233] وهذه تؤكد {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..} [لقمان: 14] وفي آية أخرى تجمع الحمل والرضاعة معاً: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15] وبخصم العامين من الثلاثين شهراً يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقلّ مدة للحمل. وهذه المسألة اعتمد عليها الإمام علي - رضي الله عنه - حينما رأى عُمَر رضي الله عنه يريد أن يُقيم الحد على امرأة ولدتْ لستة أشهر؛ لأنه يعتقد أن مدة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، الله يقول غير ذلك، فقال: وماذا يقول الله؟ فذكر عليٌّ الآيتين السابقتين: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. والأخرى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [لقمان: 14]. ثم بيَّن له عليٌّ أن أقلَّ مدة للحمل بناءً على هاتين الآيتين ستة أشهر، فقال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. وقوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [لقمان: 14] فالله تعالى هو المستحق للشكر أولاً؛ لأنه سبحانه هو الذي أنشأ من عدم، وأمدَّ من عُدْم، ثم الوالدان لأنهما السبب في الإيجاد وإنشاء الولد. فكأن الحق سبحانه مسبِّب أعلى؛ لأنه خلق من لا شيء، والوالدان سبب من أسباب الله في الوجود، إذن: لا تُحسِن شكر الله الخالق الأول والمسبِّب الأعلى حتى تُحسِن شكر الوالدين، وهما السبب الثاني في وجودك. فقوله سبحانه: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [لقمان: 14] أي: على الإيجاد، لكن في موضع آخر: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24] وهذه للإيجاد وللتربية وللرعاية، فكما أن هناك أبوةً للإيجاد هناك أبوة للتربية، فكثيراً ما نجد الطفل يريبه غير أبيه وغير أمه، ولا بُدَّ أنْ يكون لهؤلاء نصيب من الشكر ومن الولاء والبرِّ ما دام أن الله تعالى ذكرهم في العلة {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24]. والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا لم يكُنْ للأب الحقيقي وجود، فالأبوة لمن ربَّى، وله نفس حقوق الأب من حيث الشكْر والبر والمودة، بل ينبغي أن يكون حقُّه مضاعفاً؛ لأن في الأب الحقيقي عطف البُضع على البُضع، وفي الأب المربِّي عطف الدين على الدين، وهذه مسألة أخرى غير مجرد الأبوة. لكن، هل شكر الله أولاً دُرْبة على أنْ تشكر الوالدين، وهما السبب المباشر في وجودك؟ أم أن شكرَ الوالدين دربةٌ على أن تشكر الله الذي خلقك وأوجدك؟ نقول: هما معاً، فشُكْر الله يستلزم شكْر الوالدين، وشكر الوالدين ينتهي إلى شُكْر الله. وقوله: {إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} [لقمان: 14] أي: المرجع، والمعنى: أنني أوصيك بأهم شيء فاحذر أنْ تخالف وصيتي؛ لأنني أقدر على أنْ أعاقب مَنْ خالف. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً} معناه ضُعفٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 2295- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ}: [الآية: 14]، قال: جُهْداً عَلَى جُهْدٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):