Verse. 3484 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَاِنْ جَاہَدٰكَ عَلٰۗي اَنْ تُشْرِكَ بِيْ مَا لَيْسَ لَكَ بِہٖ عِلْمٌ۝۰ۙ فَلَا تُطِعْہُمَا وَصَاحِبْہُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوْفًا۝۰ۡوَّاتَّبِــعْ سَبِيْلَ مَنْ اَنَابَ اِلَيَّ۝۰ۚ ثُمَّ اِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ۝۱۵
Wain jahadaka AAala an tushrika bee ma laysa laka bihi AAilmun fala tutiAAhuma wasahibhuma fee alddunya maAAroofan waittabiAA sabeela man anaba ilayya thumma ilayya marjiAAukum faonabbiokum bima kuntum taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم» موافقة للواقع «فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا» أي بالمعروف البر والصلة «واتبع سبيل» طريق «من أناب» رجع «إليَّ» بالطاعة «ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» فأجازيكم عليه وجملة الوصية وما بعدها اعتراض.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني أن خدمتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما، وقد ذكرنا تفسير الآية في العنكبوت، وقال ههنا {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ }، يعني صاحبهما بجسمك فإن حقهما على جسمك، واتبع سبيل النبـي عليه السلام بعقلك، فإنه مربـي عقلك، كما أن الوالد مربـي جسمك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } موافقة للواقع {فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً } أي بالمعروف:البرّ والصلة {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ } طريق {مَنْ أَنَابَ } رجع {إِلَىَّ } بالطاعة {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيكم عليه وجملة الوصية وما بعدها اعتراض.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَعْرُوفاً} إحساناً تعودهما إذا مرضا وتشيعهما إذا ماتا وتواسيهما إذا افتقرا. {مَنْ أَنَابَ} أقبل بقلبه {إِلَىَّ} مخلصاً وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ} أي بشركتِه له تعالى في استحقاقِ العبادةِ {عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} في ذلك {وَصَـٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} أي صحاباً معروفاً يرتضيِه الشَّرعُ وتقتضيه المروءةُ. {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} بالتَّوحيدِ والإخلاصِ في الطَّاعةِ {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي مرجعُك ومرجعُهما ومرجعُ من أناب إليَّ {فَأُنَبِئُكُم} عند رجوعِكم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بأنْ أجازيَ كُلاًّ منكم بما صدَر عنه من الخيرِ والشرِّ. وقولُه تعالى {يَا بَنِي} الخ شروعٌ في حكايةِ بقيةِ وصايا لقمانَ إثرَ تقريرِ ما في مطلعِها من النَّهيِ عن الشِّركِ وتأكيدهِ بالاعتراضِ {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} أي إنَّ الخصلةَ من الإساءةِ أو الإحسانِ إنْ تكُ مثلاً في الصِّغرِ كحَّبةِ الخردلِ، وقُرىء برفعِ مثقال على أنَّ الضَّميرَ للقصَّةِ وكانَ تامَّةٌ. والتَّأنيثُ لإضافةِ المثقالِ إلى الحبَّةِ كما في قولِ مَن قالَ: [الطويل] شعر : [وتَشْرِق بالقول الذي قد أَذَعْتهُ] كَما شرِقتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ تفسير : أو لأنَّ المرادَ به الحسنةُ أو السيِّئةُ {فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ} أي فتكُن مع كونِها في أقصى غاياتِ الصِّغرِ والقَماءةِ في أخفى مكانٍ وأحرزه كجوفِ الصَّخرةِ أو حيثُ كانتْ في العالمِ العُلويِّ أو السُّفليِّ {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} أي يُحضرها ويُحاسبُ عليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} يصلُ علمُه إلى كلِّ حفيَ {خَبِيرٌ} بكُنهِه وبَعْدَ ما أمرَهُ بالتَّوحيدِ الذي هُو أولُ ما يجبُ على الإنسانِ في ضمنِ النَّهي عن الشِّركِ ونبَّهه على كمالِ علمِ الله تعالى وقدرتِه أمرَه بالصَّلاة التي هي أكملُ العباداتِ تكميلاً له من حيثُ العملُ بعد تكميلِه من حيثُ الاعتقادُ فقال مستميلاً له {يَا بَنِىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} تكميلاً لنفسِك {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تكميلاً لغيرِك {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ} من الشَّدائدِ والمحنِ لا سيَّما فيما أُمرت به {إِنَّ ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى كلِّ ما ذُكر، وما فيهِ من معنى البُعد مع قُرب العهدِ بالمشارِ إليه لما مرَّ مراراً من الإشعارِ ببُعدِ منزلتِه في الفضل {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي ممَّا عزمَهُ الله تعالى وقطَعه على عبادِه من الأمورِ لمزيدِ مزيَّتِها، مصدرٌ أُطلق على المفعولِ، وقد جُوِّز أنْ يكونَ بمعنى الفاعلِ من قوله تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْر} تفسير : [سورة محمد: الآية 21] أي جدَّ والجملةُ تعليلٌ لوجوبِ الامتثالِ بما سبقَ من الأمرِ والنَّهي وإيذانٌ بأنَّ ما بعدها ليس بمثابتِه.

التستري

تفسير : قوله: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ}[15] يعني من لم يهتد الطريق إلى الحق عزَّ وجلَّ فليتبع آثار الصالحين لتوصله بركة متابعتهم إلى طريق الحق، ألا ترى كيف نفع اتباع الصالحين كلب أصحاب الكهف، حتى ذكره الله تعالى بالخير مراراً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث: "حديث : هم الذين لا يشقى بهم جليسهم ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [الآية: 15]. قال بعضهم: عاملهما معاملة حسنة جميلة. قال عبد الله بن المبارك: لا تقطع أيديهما عن مالك ولا تدع لنفسك معهما ملكًا. قال بعضهم: اجعل لهما ظاهرك من الخدمة والشفقة وأخلص قلبك لسيدك ألا تراه يقول: {صَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا}. والدنيا هو ظاهرك و{مَعْرُوفاً} والمعروف هو ما يشغلك عن سيّدك. قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [الآية: 15]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه - فى هذه الآية: صاحب من ترى عليه أنوار خدمتى. قال بعضهم: من لم يعرف الطريق الى الله فليتبع آثار الصالحين ليوصلهم بركة متابعتهم إلى طريق الحق فإن بركة اتباع الصالحين نفع كلب أصحاب الكهف حتى ذكره الله عز وجل فى كتابه قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الطويل: "حديث : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ".

القشيري

تفسير : إنْ جاهداك على أن تشرك بالله، أو تسعى بما هو زلة في امر الله - فلا تطعهما، ولكن عاشرهما بالجميل؛ تخشين في تليين، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس فيه حرَجٌ، وانفرد بسرِّك لله، {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}: وهو المنيبُ إليه حقاً من غير أن تبقى بقية في النفْس.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} المعروف ها هنا ان تعرفهما مكان الخطاب والغلط فى الدين عند جهالتهما بالله قال بعضهم عاملها معاملة جميلة قوله تعالى {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} اذا قال فلا تطعهما نفى عنه متابعة المغالطين وحثه على متابعة المنبين اليه من الصادقين قال ابن عطا صاحب من ترى غلبة أثار انوار خدمتى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان جاهداك} المجاهدة استفراغ الجهد اى الوسع فى مدافعة العدو: وبالفارسية [باكسى كار زار كردن در راه خداى] والمعنى وقلنا للانسان ان اجتهد ابواك وحملاك: وبالفارسية [واكر كشش وكوشش كنند بدر ومادر تو باتو] {على ان تشرك بى ما ليس لك به} اى بشركته تعالى فى استحقاق العبادة {علم فلا تطعهما} فى الشرك يعنى ان خدمة الوالدين وان كانت عظيمة فلا يجوز للولد ان يعطيعهما فى المعصية شعر : جون نبود خويش را ديانت وتقوى قطع رحم بهتر از مودت قربى تفسير : {وصاحبهما} [ومصاحبت كن باايشان ومعاشرت] {فى الدنيا} صحابا {معروفا} ومعاشرة جميلة يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم من الانفاق وغيره وفى الحديث "حديث : حسن المصاحبة ان يطعمهما اذا جاعا وان يكسوهما اذا عريا" تفسير : فيجب على المسلم نفقة الوالدين ولو كانا كافرين وبرهما وخدمتهما وزيارتهما الا ان يخاف ان يجلباه الى الكفر وحينئذ يجوز ان لا يزورهما ولا يقودهما الى البيعة لانه معصية ويقودهما منها الى المنزل. وقال بعضهم المعروف ههنا ان يعرفهما مكان الخطأ والغلط فى الدين عند جهالتهما بالله. قال فى المفردات المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه والمنكر ما ينكر بهما ولهذا قيل للاقتصاد فى الجود معروف لما كان ذلك مستحسنا فى العقول بالشرع {واتبع} فى الدين {سبيل من اناب الىّ} رجع بالتوحيد والاخلاص فى الطاعة وهم المؤمنون الكاملون {ثم الىّ مرجعكم} مرجعك ومرجعهما {فانبئكم} عن رجوعكم {بما كنتم تعملون} بان اجازى كلا منكم بما صدر عنه من الخير والشر: وبالفارسية [بس آكاه كنم شمارا بباداش آن جيز كه مى كرديد] ونزل الآية فى سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه من العشرة المبشرة حين اسلم وحلفت امه ان لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه [أورده اندكه مادر سعد سه روزنان وآب نخورد تادهن او بجوبى بشكافتند وآب دران ريختند وسعد ميكفت اكر اورا هفتاد روح باشد ويك بيك اكر قبض كنند يعنى بفرض اكر هفتاد باربميرد من از دين اسلام بر نمى كردم] وقد سبقت قصته مع فوائد كثيرة فى اوائل سورة العنكبوت. واعلم ان اهم الواجبات بعد التوحيد بر الوالدين ـ روى ـ حديث : ان رجلا قال يا رسول الله ان امى هرمت فاطعمها بيدى واسقيها واوضئها واحملها على عاتقى فهل جازيتها حقها قال عليه السلام "لا ولا واحدا من مائة" قال ولم يا رسول الله قال "لانها خدمتك فى وقت ضعفك مريدة حياتك وانت تخدمها مريدا مماتها ولكنك احسنت والله يثيبك على القليل كثيرا"تفسير : :قال الشيخ سعدى شعر : رازراى مادر بتافت دل درد مندش بآزر بتافت جو بيجاره شد بيشش آورد مهد كه اى سست مهر وفراموش عهد نه كريان ودر مانده بودى وخرد كه شبها زدست تو خوابم نبرد نه در مهد نيروى حالت نبود مكس راندن ازخود مجالت نبود توانى كه از يك مكس رنجه كه امروز سالار سر بنجه بحالى شوى باز در قعر كور كه نتوانى ازخويشتن دفع مور دكر ديده جون برفروزد جراغ جو كرم لحد خورد بيه دماغ جوبوشيده جشمى نه بينى كه راه نداند همى وقت رفتن زجاه توكر شكر كردى كه باديده وكرنه توهم جشم بوشيدة تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لولا انى اخاف عليكم تغير الاحوال عليكم بعدى لامرتكم ان تشهدوا لاربعة اصناف بالجنة. او لهم امرأة وهبت صداقها لزوجها لاجل الله وزوجها راض. والثانى ذو عيال كثير يجتهد فى المعيشة لاجلهم حتى يطعمهم الحلال. والثالث التائب من الذنب على ان لا يعود اليه ابدا كاللبن لا يعود الى الثدى. والرابع البار بوالديه" ثم قال عليه السلام "طوبى لمن بر بوالديه وويل لمن عقهما " تفسير : وعن عطاء بن يسار ان قوما سافروا فنزلوا برية فسمعوا نهيق حمار حتى اسهرهم فلما اصبحوا نظروا فرأوا بيتا من شعر فيه عجوز فقالوا سمعنا نهيق حمار وليس عندك حمار فقالت ذاك ابنى كان يقول لى يا حمارة فدعوت الله ان يصيره حمارا فذاك منذ مات ينهق كل ليلة حتى الصباح. وعن وهب لما خرج نوح عليه السلام من السفينة نام فانكشفت عورته وكان عنده حام ولده فضحك ولم يستره فسمع سام ويافث صنع حام فألقيا عليه ثوبا فلما سمعه نوح قال غير الله لونك فجعل السودان من نسل حام فصار الذل لاولاده الى يوم القيامة: قال الحافظ شعر : دخترانرا همه جنكست وجدل بامادر بسرانرا همه بدخواه بدر مى بينم تفسير : ثم ان الآية قد تضمنت النهى عن صحبة الكفار والفساق والترغيب فى صحبة الصالحين فان المقارنة مؤثرة والطبع جذاب والامراض سارية. وفى الحديث "حديث : لاتساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم او جامعهم فهو منهم وليس منا" تفسير : اى لا تسكنوا مع المشركين فى المسكن الواحد ولا تجتمعوا معهم فى المجلس الواحد حتى لا تسرى اليكم اخلاقهم الخبيثة وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة شعر : باد جون برفضاى بد كذرد بوى بدكيرد از هواى خبيث تفسير : قال ابراهيم قدس سره دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. واخلاء البطن. وقيام الليل. والتضرع الى الله تعالى عند السحر. ومجالسة الصالحين شعر : بى نيك مردان ببايد شتافت كه هركه اين سعادت طلب كرد يافت وليكن تو دنبال ديو خسى ندانم كه در صالحان كى رسى تفسير : كذا فى البستان

الجنابذي

تفسير : {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} لمّا كان الوالدان التّكوينيّان كما مضى فى سورة البقرة والنّساء بحسب كلّ مرتبة من مراتب وجود الانسان وكلّ شأنٍ من شؤنه غير الوالدين بحسب المرتبة الاخرى والشّأن الآخر وهكذا بحسب التّكليف والاختيار كان الشّيطان والنّفس والديه كما انّ العقل والنّفس ومحمّداً (ص) وعليّاً (ع) كانا والديه، فكما يجوز ان يكون المراد بالوالدين الوالدين الجسمانيّين يجوز ان يراد بهما الوالدان الرّوحانيّان، وكما يجوز ان يراد بالوالدان التّكوينيّان يجوز ان يراد التّكليفيّان فجاز ان يراد بالوالدين فى قوله {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} الجسمانيّان والرّوحانيّان، وبالضّمير فى قوله {وَإِن جَاهَدَاكَ} الجسمانيّان او الرّوحانيّان اللّذان هما والداه بحسب مقام جهله تكويناً او تكليفاً بطريق الاستخدام، وقد ورد اخبار كثيرة دالّة على انّ محمّداً (ص) وعليّاً (ع) افضل آباء هذه الامّة وانّ حقّهما اعظم من حقّ آبائهم الجسمانيّين، وانّ من ارضاهما ارضى الله والديه الجسمانيّين، فعن جعفر بن محمّد (ع): من رعى حقّ ابويه الافضل محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) لم يضرّه ما ضاع من حقّ ابوى نفسه وسائر عباد الله فانّهما يرضيانهما بشفاعتهما، وعن علىّ بن محمّدٍ (ع): من لم يكن والدا دينه محمّد (ص) وعلىّ (ع) اكرم عليه من والدى نسبه فليس من الله فى حلٍّ ولا حرامٍ ولا قليلٍ ولا كثيرٍ، وعن امير المؤمنين (ع) انّه قال: الوالدان اللّذان اوجب الله لهما الشّكر هما اللّذان ولّدا العلم وورّثا الحكم، وامر النّاس بطاعتهما ثمّ قال: الىّ المصير فمصير العباد الى الله والدّليل على ذلك الوالدان ثمّ عطف على ابن حَنتمة وصاحبه فقال فى الخاصّ والعامّ: وان جاهداك ان تشرك بى يقول فى الوصيّة وتعدل عمّن امرت بطاعته فلا تطعهما ولا تسمع قولهما، ثمّ عطف القول على الوالدين فقال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}، يقول عرّف النّاس فضلهما وادع الى سبيلهما وذلك قوله {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} قال الى الله ثمّ الينا فاتّقوا الله ولا تعصوا الوالدين فانّ رضاهما رضا الله وسخطهما سخط الله، وقد ورد اخبار كثيرة فى حفظ حقّ الوالدين الجسمانيّين ايضاً وطاعتهما والتّرحّم عليهما والدّعاء لهما وان كانا لا يعرفان الحقّ، روى انّه جاء رجل الى النّبىّ (ص) فقال: اوصنى، فقال (ص): لا تشرك بالله شيئاً وان حُرقت بالنّار الاّ وقلبك مطمئنّ بالايمان ووالديك فأطعهما وبرّهما حيّين كانا او ميّتين وان امراك ان تخرج من اهلك ومالك فافعل فانّ ذلك من الايمان، وعن الصّادق (ع): برّ الوالدين واجب وان كانا مشركين ولا طاعة لهما فى معصية الخالق ولا لغيرهما فانّه لا طاعة لمخلوقٍ فى معصية الخالق {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} صحاباً معروفاً يعرفه العقلاء بالحسن، والمعروف بالنّسبة الى انواع الوالدين يختلف فانّ المعروف بالنّسبة الى محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) ان لا نخالف قولهما لا فى الظّاهر ولا فى الباطن وان تطيعهما فى كلّ ما امراك به، وان تحبّهما وتبايع معهما، وترابط معهما المرابطة القلبيّة بان تكون متوجّهاً اليهما ومتذكّراً لهما ومصوّراً لصورتهما فى كلّ حالٍ، والمعروف بالنّسبة الى والديك الجسمانيّين لا يخفى على احدٍ {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} يعنى لا يكن صحابتك المعروفة مخرجة لك من طريق الولاية وصارفة لك من توجّهك الى طريق قلبك فانّ الاهتمام بشأن الوالدين ليس الاّ لسلامة البقاء على طريق القلب وطريق الولاية فلا يكن اهتمامك بالوالدين مخرجاً لك عن الولاية {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} ضمير انّها للقصّة او للاشراك والتّأنيث باعتبار الخير الّذى هو مثقال حبّةٍ فانّ المثقال بصحّة سقوطه يكسب التّأنيث من المضاف اليه، او باعتبار الخصلة كأنّه قال: انّ خصلة الاشراك، وقيل: انّ الضّمير للعمل سيّئة كان او حسنةً باعتبار الخصلة، وقرئ مثقال بالرّفع بجعل الضّمير للقصّة وكون كان تامّة {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} يعنى تكن فى جوف اصلب الاشياء {أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} يعنى فى ابعد الاماكن {أَوْ فِي ٱلأَرْضِ} اى فى اقرب الاماكن اليكم {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} يحضرها ويحاسب عليها، قيل: انّ ابن لقمان سئل فقال: أرأيت الحبّة تكون فى مقل البحر ايعلمها الله؟- فقال: انّها اى الحبّة الّتى سألتها ان تك مثقال حبّةٍ (الآية)، وقيل: انّ المراد انّ الرّزق ان كانت مثقال حبّةٍ من خردلٍ يأتيك بها الله {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} فى علمه وعمله فيعلم مثقال حبّة من خردلٍ وان كانت فى اخفى الاماكن واصلبها او ابعدها او اقربها ويقدر على الاتيان بها من تلك الاماكن لدقّته فى علمه {خَبِيرٌ} ويجوز ان يكون المراد باللّطيف لطفه فى عمله، وبالخبير لطفه فى علمه، وعن الصّادق والباقر (ع): اتّقوا المحقّرات من الذّنوب فانّ لها طالباً لا يقولنّ احدكم اذنب واستغفر الله انّ الله يقول: ان تك مثقال حبّةٍ من خردلٍ (الآية).

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي: إنك تعلم أني ليس لي شريك، يعني المؤمن. قال: {فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي: طريق من أناب إليّ، أي: أقبَلَ إليَّ بقلبه مخلصاً، يعني النبي عليه السلام والمؤمنين. ثم قال: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة {فَأُنَبِّئُكُم} أي: فأخبركم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا. قوله: {يَابُنَيَّ} رجع إلى كلام لقمان، تبعاً للكلام الأول حيث قال: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيِّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ} قال: {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} أي: وزن حبة {مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ} بلغنا أن الصخرة التي عليها الحوت الذي عليه قرار الأرض. قال: {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ} أي: احذر يا بني فإنه سيحصي عليك عملك ويعلمه كما علم هذه الحبة من الخردل. لقمان يقوله لابنه. قال: {إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها.

اطفيش

تفسير : {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ما لم تثبت شركته فضلا عن ان تعلمها او ما ليس لك به علم باستحقاق الاشراك ولكن اراد ان تقلدهما فيه. {فَلا تُطِعْهُمَا} في ذلك الاشراك ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} بمعروف وهو البر والصلة بالنفس والمال والعشرة الجملية ومعروفا نعت لمصدر محذوف اي صحابا معروفا. {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} رجع إليّ بالتوبة والطاعة والتوحيد وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقيل ابو بكر رضي الله عنه. قال ابن عباس: وذلك انه حين اسلم اتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن ابي وقاص وعبدالرحمن بن عوف وقالوا له: لقد صدقت بهذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق فآمنوا به ثم حملهم إلى النبي صلىالله عليه وسلم حتى اسلموا فهؤلاء سابقة التوحيد وحدّوا بارشاد أبي بكر رضي الله عنه بعد ان كانوا مشركين. وقيل المراد بمن أناب الأنبياء والصالحون. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فأجازيكم بايمانكم وكفر والديكم.

اطفيش

تفسير : {وإنْ جاهداك على أن تُشْرك بي} فى العبادة او الدعاء او ما اختص به {ما لَيسَ لَكَ به} الباء متعلق بقوله: {علِمٌ} وما واقعة على الشئ، او شئ مفعول به، او على اشراك او الاشراك مفعول مطلق، اى الاشراك الذي ليس لك به علم، او اشراكا ليس لك به علم، وليس ذلك مقيدا، فانه لا يرجو علم يبيح الاشراك، فنفى العلم بذلك نفى لوجوده على حد قوله تعالى: "أية : تدعون من دونه" تفسير : [الأعراف: 197، فاطر: 13] من شيء والعلم به غير شئ، فلا يتعلق العلم به، او على طريق نفى الشئ بنفى لازمه، فانه اذا لم يوجد معلوم لم يوجد علم، كقولك: لا اراك هنا، اى لا تكن هنا فضلا من اراك وقوله: شعر : على لاحب لا يهتدى بمنارة تفسير : اى لا منار له فيهتدى به، او العلم به مفقود على فرض وجوده، فلا عبرة به، وإنما قدم به على علم، مع ان معمول المصدر لا يتقدمه، لانه ليس المعنى على انسباكه بالفعل، وحرف المصدر ليس المعنى ما ليس لك ان تعلم به، ويجوز تعليقه بلك او متعلقة على ان الباء بمعنى فى {فلا تطعهما} فى الاشراك، وكذا كل معصية لا طاعة لمخلوق فيها {وصاحبهما في الدنيا} فى حياتك وحياتهما، وعبر بالدنيا تلويحا بقصر عمر الدنيا كلها، فكيف بعضها، لا يثقل عليك الاحسان اليهما ولو مدة الدنيا، بل مدة باقيها او تلويحا بانصرام ايام الحياة، فلا يثقلان عليك، او احترز بذكر الدنيا عن الدين، فان المعتبر هو الدين، ولا بد منه، ولا يعتبر عليك منهما ما يخالفه {معْروفاً} مفعول مطلق، اى صحابا معروفا بكسر الصاد، وهو المصاحبة بالكرم والجود، والمروءة والاطعام والكسوة، عدم ما يضرهما كالانتهار، ونحو ذلك فى صحتها ومرضها، وما احسن قول بعض: شعر : لأمك حق لو علمت كبير كثيرك يا هذا لديه يسير فكم ليلة باتت بثقلك تشتكى لها من جواها أنة وزفير وفى الوضع لو تدرى عليها مشقة فمن غصص لها الفؤاد يطير وكم غسلت منك الاذى بيمينها وما حجرها الا لديك سرير وتفديك عما تشتكيه بنفسها ومن ثديها شرب لديك نمير وكم مرة جاءت واعطتك قوتها حنوا وإشفاقا وأنت صغير وآها لذى عقل ويتبع الهوى وآها لأعمى القلب وهو بصير فدونك فارغب فى عميم دعائها فأنت لما تدعو به لفقير تفسير : ولا يخفى ان حق الام اعظم لامثال هذه المشاق والصبر عليها، وعدم الملل به، وقيل ذكر الله تعالى: {وصاحبهما فى الدنيا معروفاً} مقابلة لقوله: {واتبع} فى الدين {سبيل من أنابَ إليَّ} رجع الى بالتوحيد والاخلاص فى العمل، لاسبيهما فى دعائهما لك للاشراك. قال سعد بن ابى وقاص: كنت برا بأمى، واسلمت فقالت: لا آكل ولا اشرب حتى تكفر او اموت، فتعير بى يا قاتل امه، فلم تأكل يوما وليلة، فاجهدت، وروى ثلاث ليال فقلت لها: لا أكفر ولو كانت لك مائة نفس خرجت واحدة، بعد واحدة فكلى واشربى او اتركى ونزل فى: (وان جاهداك) الآية رواه الطبرانى وغيره. {ثم إليَّ مرجعُكُم} رجوعك ورجوعهما، قيل ورجوع من أناب الى، وفى ذلك خطاب بعد غيبة لتأكيد الزجر عن المخالفة {فأنَبئكُم بما كُنتْم تعْمَلون} من وفاء او تقصير، عبر عن الجزاء بالاخبار لا يخفى عن عملكم، فأنا اجازيكم بمقتضاه، وذكر بعض ان قوله: {ووصينا} الى هنا نزل فى سعد بن ابى وقاص، ولذلك افرد لان الصديق آمن فآمن سعد بسبب إسلامه، وقيل عن ابن عباس: إن من أناب هو الصديق، لما اسلم تبعه سعد، وعبدالرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وقيل من اناب محمد صلى الله عليه وسلم، والصحيح العموم.

الالوسي

تفسير : {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ } أي باستحقاقه الإشراك أو بشركته له تعالى في استحقاق العبادة، والجار متعلق بقوله تعالى: {عِلْمٍ } وما مفعول {تُشْرِكْ } كما اختاره ابن الحاجب ثم قال: ولو جعل {تُشْرِكْ } بمعنى تكفر وجعلت {مَا } نكرة أو بمعنى الذي بمعنى كفراً أو الكفر وتكون نصباً على المصدرية لكان وجهاً حسناً، والكلام عليه أيضاً بتقدير مضاف أي وإن جاهدك الوالدان على أن تكفر بـي كفراً ليس لك أو الكفر الذي ليس لك بصحته أو بحقيته علم {فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك والمراد استمرار نفي العلم لا نفي استمراره فلا يكون الإشراك إلا تقليداً. وفي «الكشاف» أراد سبحانه بنفي العلم نفي ما يشرك أي لا تشرك بـي ما ليس بشيء يريد عز وجل الأصنام كقوله سبحانه: {أية : مَّا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء} تفسير : [العنكبوت: 42]: وجعله الطيبـي على ذلك من باب نفي الشيء بنفي لازمه وذلك أن العلم تابع للمعلوم فإذا كان الشيء معدوماً لم يتعلق به موجوداً، ونقل عن ابن المنير أنه عليه من باب:شعر : على لا حب لا يهتدي بمناره تفسير : أي ما ليس بإله فيكون لك علم بإلهيته وفي «الكشف» أن الزمخشري أراد أنه بولغ في نفي الشريك حتى جعل كلا شيء ثم بولغ حتى ما لا يصح أن يتعلق به علم والمعدوم يصح أن يعلم ويصح أن يقال إنه شيء فأدخل في سلك المجهول مطلقاً وليس من قبيل نفي العلم لنفي وجوده وهذا تقرير حسن وفيه مبالغة عظيمة منه يظهر ترجيح هذا المسلك في هذا المقام على أسلوب:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : اهـ فافهم ولا تغفل. {وَصَـٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً } أي صحاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم والمروءة كإطعامهما وإكسائهما وعدم جفائهما وانتهارهما وعيادتهما إذا مرضا ومواراتهما إذا ماتا، وذكر {فِى ٱلدُّنْيَا } لتهوين أمر الصحبة والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة الانقضاء فلا يضر تحمل مشقتها لقلة أيامها وسرعة انصرامها؛ وقيل: للإشارة إلى أن الرفق بهما في الأمور الدنيوية دون الدينية. وقيل: ذكره لمقابلته بقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ } أي رجع {إِلَىَّ } بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، وحاصله اتبع سبيل المخلصين لا سبيلهما {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي رجوعك ورجوعهما وزاد بعضهم من أناب وهو خلاف الظاهر، وأياً ما كان ففيه تغليب للخطاب على الغيبة {فَأُنَبِئُكُم } عند رجوعكم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بأن أجازي كلاً منكم بما صدر عنه من الخير والشر. والآية نزلت في سعد بن أبـي وقاص. أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبـي عثمان النهدي أن سعد بن أبـي وقاص قال: أنزلت فيَّ هذه الآية {وَإِن جَـٰهَدَاكَ } الآية كنت رجلاً براً بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بـي فيقال يا قاتل أمه قلت: لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوماً وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوماً [آخر] وليلة لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله ولو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً / ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فنزلت هذه الآية، وذكر بعضهم أن هذه وما قبلها أعني قوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ }تفسير : [لقمان: 14] الآية نزلتا فيه قيل ولكون النزول فيه قيل: من أناب بتوحيد الضمير حيث أريد بذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه فإن إسلام سعد كان بسبب إسلامه. أخرج الواحدي عن عطاء عن ابن عباس قال إنه يريد بمن أناب أبو بكر وذلك أنه حين أسلم رآه عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير فقالوا لأبـي بكر آمنت وصدقت محمداً صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: نعم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فأنزل الله تعالى يقول لسعد: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه، وابن جريج يقول كما أخرج عنه ابن المنذر من أناب محمد عليه الصلاة والسلام، وغير واحد يقول هو صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، والظاهر هو العموم.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَاهَدَاكَ} (15) - وَإِذَا أَلَحَّ عَلَيكَ وَالِدَاكَ لِيَحْمِلاَكَ عَلَى أَنْ تَكْفُرَ بِاللهِ رَبِّكَ، وَعَلى أَنْ تُشْرِكَ مَعَهُ بِالعِبَادَةِ غَيْرَهُ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَنْدَادٍ، وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ لِهؤُلاءِ الأَصْنَامِ والأَندَادِ شَرِكَةً مَعَ اللهِ في الخَلْقِ وَالأُلُوهِيَّةِ، فَلاَ تُطِعْهُما فِيما أمَراك بهِ، وَلكِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لا يَمْنَعَكَ مِنَ الإِحسَانِ إِليهِما، وَمُصَاحَبَتِهِما بِالمَعْرُوفِ خِلاَلَ أيامِ هذهِ الدُّنيا القَلِيلةِ الفَانِيَة كَإِطْعَامِهِمَا وكِسوَتِهِمَا، والعِنَايَةِ بِهِما إِذا مَرِضَا ... وَاتَّبعْ في أُمُورِ الدِّينِ سَبيلَ الذينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ مِنَ المُؤْمِنينَ، وأَنَابُوا إِليهِ بدونِ وَهَنٍ وَلاَ تَرَدُّدٍ، فَإِنَّكُمْ رَاجِعُونَ إِليهِ تَعَالى جَمِيعاً يَومَ القِيَامَةِ، فَيُخبِرُكُمْ بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ وَيُجَازِيكُمْ بِهِ. (هَذِهِ الآيةُ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ (وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) فَقَدْ قَالتْ لًَهُ أُمُّهُ لَمَّا أَسْلَمَ: (إِمَّا أَنْ تَكْفُرَ بالدِّينِ الذِي آمَنْتَ بِهِ، وَتَعُودَ إِلى دينِ آبائِكَ، وَإِمَّا أَنْ أَمتَنِعَ عَنْ تَنَاوُلِ شَيءٍ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرابِ حَتَّى أَموتَ). وامتَنَعَتْ عَنْ تَنَاوُلِ شيءٍ. فَقَالَ لَهَا سَعْدٌ: واللهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِئَةُ نَفْسٍ، وَخَرَجَتْ نَفْساً نَفْساً مَا تَرَكْتُ دِيني هذا لِشَيءٍ، فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي فَأَكَلَتْ). أَنَابَ إليَّ - رَجِعَ بِالإِخْلاَصِ وَالطَّاعَةِ إِلى رَبِّهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يؤكد الحق سبحانه على أمر الوالدين، وكأنه سبحانه استدرك غير مُستدرَك، فليس لأحد أنْ يستدرك على الله، وكأن واحداً كان يناقش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الوالدين وما نزل في شأنهما، فسأل: كيف لو أمراني بالكفر، أأكفر طاعةً لهما؟ لذلك جاء الحكم من الله في هذه المسألة. وفي آية العنكبوت: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 8]. فذكر فيها (حُسنْاً) ولم يقل فيها {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} [لقمان: 15] فكأن كلمة الحُسْن، وهي الوصف الجامع لكلِّ مدلولات الحُسْن أغنتْ عن المصاحبة بالمعروف. ومعنى {جَاهَدَاكَ ..} [لقمان: 15] نقول: جاهد وجهد، جهد أي في نفسه، أما جاهد ففيها مفاعلة مع الغير، نقول: جاهد فلان فلاناً مثل قاتل، فهي تدل على المشاركة في الفعل، كما لو قلت: شارك عمرو زيداً، فكل منهما فاعل، وكل منهما مفعول، لكن تغلب الفاعلية في واحد، والمفعولية في الآخر. فمعنى {وَإِن جَاهَدَاكَ ..} [لقمان: 15] لا تعني مجرد كلمة عَرَضَا فيها عليك أن تشرك بالله، إنما حدث منهما مجهود ومحاولات لجذبك إلى مجاراتهما في الشرك بالله، فإن حدث منهما ذلك فنصيحتي لك {فَلاَ تُطِعْهُمَا ..} [لقمان: 15]. ثم إياك أنْ تتخذ من كفرهما ودعوتهما لك إلى الكفر سبباً في اللدد معهما، أو قطع الرحم، فحتى مع الكفر يكون لهما حق عليك {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} [لقمان: 15] ثم إنهما كفرا بي أنا، وأنا الذي أوصيك بهما معروفاً. وقوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ..} [لقمان: 15] أي: لن تكون وحدك، إنما سبقك أُنَاسٌ قبلك تابوا وأنابوا فكُنْ معهم {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ..} [لقمان: 15] أي: مأواكم جميعاً. قالوا: إن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خالي سعد، فليُرني امرؤ خاله" ولما أسلم سعد غضبت أمه - وكانت شديدة الحب له فكادت تُجَنُّ وحلفتْ لا تأكل ولا تشرب ولا تغتسل، وأنْ تتعرَّى في حَرِّ الشمس حتى يرجع دينه، فلما علم سعد بذلك قال: دعوها والله لو عضَّها الجوع لأكلتْ، ولو عضَّها العطش لشربتْ، ولو أذاها القمل لاغتسلتْ، أما أنا فلن أحيد عن الدين الذي أنا عليه، فنزلت: {وَإِن جَاهَدَاكَ ..} [لقمان: 15]. ولو أن الذي يكفر بالله ويريد لغيره من المؤمنين أنْ يكفر معه كابن أو غيره، ثم يرى وصية الله به رغم كفره لعلم إن الله تعالى رب رحيم لا يستحق منه هذا الجحود. وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي الذي قالت فيه الأرض: "حديث : رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك وقالت السماء: رب ائذن لي أن أسقط كسَفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أُغرق ابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك .. الخ، فقال الحق تبارك وتعالى: لو خلقتموهم لرحمتموهم ". تفسير : ذلك لأنهم عباد الله وصَنْعته، وهل رأيتم صاحب صنعة يُحطِّم صنعته، وجاء في الحديث النبوي: "حديث : الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة ". تفسير : إذن: فنِعْمَ الرب هو. ويُروى أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف، فرأى أن سَمْته غير سَمْت المؤمنين، فسأله عن دينه فقال: إنه من عُبَّاد النار، فردَّ إبراهيم الباب في وجهه، فانصرف الرجل، فعاتب الله نبيه إبراهيم في شأن هذا الرجل فقال: يا إبراهيم، تريد أن تصرفه عن دينه لضيافة ليلة، وقد وَسِعْتُه طوال عمره، وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب الله له، فقال الرجل: نِعْم الرب ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه، ثم شهد ألاَّ إله إلا الله. فلو أن الكافر الذي يريد الكفر لغيره يعرف أن الله يوصي به وهو كافر، ويُرقِّق له القلوب لَعاد إلى ساحة الإيمان بالله؛ لذلك كثيراً ما نقابل أصحاب ديانات أخرى يعشقون الإسلام فيختارونه، فيغضب عليهم أهلهم فنقول للواحد منهم: كُنْ في دينك الجديد أبرَّ بهم من دينك القديم، ليعلموا محاسن دينك، فضاعف لهم البر، وضاعف لهم المعروف، لعل ذلك يُرقِّق قلوبهم ويعطفهم نحو دينك. وتأمل عظمة الأسلوب في {وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} [لقمان: 15] فلم يقل مثلاً أعطهم معروفاً، إنما جعل المعروف مصاحبة تقتضي متابعتهما وتفقُّد شأنهما، بحيث يعرف الابن حاجة أبويْه، ويعطيهما قبل أنْ يسألا، فلا يلجئهما إلى ذُلِّ السؤال، وهذا في ذاته إحسان آخر. كالرجل الذي طرق بابه صديق له، فلما فتح له الباب أسرَّ له الصديق بشيء فدخل الرجل وأعطى صديقه ما طلب، ثم دخل بيته يبكي فسألته زوجته: لم تبكي وقد وصلْته؟ فقال: أبكي لأنني لم أتفقد حاله فأعطيه قبل أن يذَّل نفسه بالسؤال. والحق - تبارك وتعالى - حين يقول بعد الوصية بالوالدين: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] إنما لينبهنا أن البرَّ بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف لم يُنسى لك ذلك، إنما سيُكتب لك، وسيكون في ميزانك؛ لأنك أطعتَ تكليفي وأمري، وأدَّيْتَ، فلك الجزاء لأنك عملتَ عملاً إيمانياً لا بُدَّ أن تُثاب عليه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} معناه طَريقُ مَنْ رَجِعَ.