Verse. 3485 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

يٰبُنَيَّ اِنَّہَاۗ اِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّۃٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِيْ صَخْـرَۃٍ اَوْ فِي السَّمٰوٰتِ اَوْ فِي الْاَرْضِ يَاْتِ بِہَا اؙ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَطِيْفٌ خَبِيْرٌ۝۱۶
Ya bunayya innaha in taku mithqala habbatin min khardalin fatakun fee sakhratin aw fee alssamawati aw fee alardi yati biha Allahu inna Allaha lateefun khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بنيّ إنها» أي الخصلة السيئة «إن تك مثقال حبة من خردلِ فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض» أي في أخفى مكان من ذلك «يأت بها الله» فيحاسب عليها «إن الله لطيف» باستخراجها «خبير» بمكانها.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : لما قال: {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وقع لابنه أن ما يفعل في خفية يخفي فقال: {يا بني إنها} أي الحسنة والسيئة إن كانت في الصغر مثل حبة خردل وتكون مع ذلك الصغر في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَتَكُنْ } بالفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب. المسألة الثانية: لو قيل الصخرة لا بد من أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟ ولأن القائل لو قال هذا رجل أو امرأة أو ابن عمرو لا يصح هذا الكلام لكون ابن عمرو داخلاً في أحد القسمين فكيف يفهم هذا، فنقول الجواب عنه من أوجه أحدها: ما قاله بعض المفسرين وهو أن المراد بالصخرة صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء والثاني: ما قاله الزمخشري وهو أن فيه إضماراً تقديره فتكن في صخرة أو في موضع آخر في السموات أو في الأرض والثالث: أن نقول تقديم الخاص وتأخير العام في مثل هذا التقسيم جائز وتقديم العام وتأخير الخاص غير جائز، أما الثاني فلما بينتم أن من قال هذا في دار زيد أو في غيرها أو في دار عمرو لا يصح لكون دار عمرو داخلة في قوله أو في غيرها، وأما الأول فلأن قول القائل هذا في دار زيد أو في دار عمرو أو في غيرها صحيح غير قبيح فكذلك ههنا قدم الأخص أو نقول خفاء الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصغر ومنها أن يكون بعيداً، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها أن يكون من وراء حجاب، فإن انتفت الأمور بأسرها بأن يكون كبيراً قريباً في ضوء من غير حجاب فلا يخفى في العبادة، فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله: {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ } إشارة إلى الصغر وقوله: {فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ } إشارة إلى الحجاب وقوله: {أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله: {أَوْ فِى ٱلأَرْضِ } إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره فقوله: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } أي يظهرها الله للأشهاد وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } أي نافذ القدرة {خَبِيرٌ } أي عالم ببواطن الأمور.

القرطبي

تفسير : المعنى: وقال لقمان لابنه يا بُنَيّ. وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى. وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن الخردلة يقال: إن الحِسّ لا يدرك لها ثِقَلاً، إذ لا ترجّح ميزاناً. أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبّة خَرْدَل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه؛ أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليّ. قلت: ومن هذا المعنى حديث : قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «لا تكثِر همك ما يُقَدِّر يكون وما تُرْزق يأتيك» تفسير : وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً؛ سبحانه لا شريك له. وروي أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في سُفل البحر أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية. وقيل: المعنى أنه أراد الأعمال، المعاصي والطاعات؛ أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقالَ حبة يأت بها الله؛ أي لا تفوت الإنسان المقدّر وقوعُها منه. وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى. وفي القول الأوّل ليس فيه ترجية ولا تخويف. قوله تعالى: {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة وتصلح للأعمال؛ أي ما يزنه على جهة المماثلة قدر حبة. ومما يؤيّد قول من قال هي من الجواهر: قراءة عبد الكريم الجَزَري «فتكِنّ» بكسر الكاف وشدّ النون، من الكنّ الذي هو الشيء المغطى. وقرأ جمهور القرّاء: «إِنْ تَكُ» بالتاء من فوق «مِثْقَالَ» بالنصب على خبر كان، واسمها مضمر تقديره: مسألتك، على ما روي، أو المعصية والطاعة على القول الثاني؛ ويدلّ على صحته قولُ ابن لقمان لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان له: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} الآية. فما زال ابنه يضطرب حتى مات؛ قاله مقاتل. والضمير في «إنَّهَا» ضمير القصة؛ كقولك: إنها هند قائمة؛ أي القصة إنها إن تك مثقال حبة. والبصريون يجيزون: إنها زيد ضربته؛ بمعنى إن القصة. والكوفيون لا يجيزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا. وقرأ نافع: «مِثقالُ» بالرفع، وعلى هذا «تكُ» يرجع إلى معنى خردلة؛ أي إن تك حبة من خردل. وقيل: أسند إلى المثقال فِعلاً فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه؛ لأن مثقال الحبة من الخردل إما سيئة أو حسنة؛ كما قال: { أية : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160] فأنّث وإن كان المِثل مذكراً؛ لأنه أراد الحسنات. وهذا كقول الشاعر: شعر : مَشَيْنَ كما اهتزت رِماحٌ تسفّهَتْ أعالِيهَا مَرُّ الرياح النَّواسِم تفسير : و«تَكُ» هاهنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا. قوله تعالى: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} قيل: معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم؛ أي أن قدرته تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء والأرض. وقال ابن عباس: الصخرة تحت الأرَضين السبع وعليها الأرض. وقيل: هي الصخرة على ظهر الحوت. وقال السُّدّي: هي صخرة ليست في السموات والأرض، بل هي وراء سبع أَرَضين عليها مَلَك قائم؛ لأنه قال: {أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ} وفيهما غُنْية عن قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ}؛ وهذا الذي قاله ممكن، ويمكن أن يقال: قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} تأكيد؛ كقوله: { أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } تفسير : [العلق: 1 ـ 2]، وقوله: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1].

ابن كثير

تفسير : هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، فقال: {يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} أي: إن المظلمة، أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل، وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: إنها، ضمير الشأن والقصة، وجوز على هذا رفع مثقال، والأول أولى. وقوله عز وجل: {يَأْتِ بِهَا} أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كما قال تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} تفسير : [الأنبياء: 47] الآية. وقال تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 ــــ 8] ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات والأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دقت ولطفت وتضاءلت، {خَبِيرٌ} بدبيب النمل في الليل البهيم. وقد زعم بعضهم: أن المراد بقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة، إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم، وهذا ــــ والله أعلم ــــ كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر ــــ والله أعلم ــــ أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها، لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائناً ما كان».تفسير : ثم قال: {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي: بحسب طاقتك وجهدك، {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور. وقوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس، إذا كلمتهم أو كلموك؛ احتقاراً منك لهم، واستكباراً عليهم، ولكن ألن جانبك، وابسط وجهك إليهم؛ كما جاء في الحديث: «حديث : ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله».تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} يقول: لا تتكبر، فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه. وقال مالك عن زيد بن أسلم: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} لا تتكلم وأنت معرض، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم. وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك: التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. قال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي:شعر : وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أَقَمْنا لهُ من مَيْلِهِ فَتَقَوَّما تفسير : وقال أبو طالب في شعره:شعر : وكُنَّا قَديماً لا نُقِرُّ ظُلامَةً إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الرُّؤوسِ نُقِيمُها تفسير : وقوله: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلاَْرْضِ مَرَحًا} أي: خيلاء متكبراً جباراً عنيداً، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: مختال معجب في نفسه، فخور، أي: على غيره. وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلاَْرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه، فقال: «حديث : إن الله لا يحب كل مختال فخور» تفسير : فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي، فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: «حديث : ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق، وتغمط الناس» تفسير : ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته. وقوله: {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} أي: امش مقتصداً: مشياً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً وسطاً بين بين. وقوله: وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير؛ في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه».تفسير : وقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطاناً» تفسير : وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به، وفي بعض الألفاظ: بالليل، فالله أعلم. فهذه وصايا نافعة جداً، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم، وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجاً ودستوراً إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حديث : إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه»تفسير : . وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان، عن القاسم يحدث عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة بالليل، مذمة بالنهار».تفسير : وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان عن ضمرة، حدثنا الثري بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم، فارمهم بسهم الإسلام، يعني: السلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله، فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك، فتحول عنهم إلى غيرهم. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جراباً من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفد الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل، تفطر، قال: فتفطر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أنس بن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اتخذوا السودان؛ فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن» تفسير : قال أبو القاسم الطبراني: أراد الحبش. فصل في الخمول والتواضع وذلك متعلق بوصية لقمان عليه السلام لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتاباً مفرداً، ونحن نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني عن أسامة بن زيد بن حفص بن عيبد الله بن أنس عن جده أنس بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : رُبَّ أشعث ذي طِمْرين، يصفح عن أبواب الناس، إذا أقسم على الله، لأبره» تفسير : ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت، وعلي بن زيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وزاد: «حديث : منهم البراء بن مالك».تفسير : وروي أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : طوبى للأتقياء الأثرياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مجردون من كل فتنة غبراء مشتتة»تفسير : وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد عن عياش بن عباس عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه: أنه دخل المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: «حديث : إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة».تفسير : حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عثام بن علي عن حميد بن عطاء الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رب ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسألك الجنة، لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئاً»تفسير : . وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله ديناراً أو درهماً أو فلساً، لم يعطه، ولو سأل الله الجنة، لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا، لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره» تفسير : وهذا مرسل من هذا الوجه. وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين، لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء، لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء، لم ينكحوا، وإذا قالوا، لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم»تفسير : . قال: وأنشدني عمر بن شبة عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك:شعر : أَلا رُبَّ ذِي طِمْرَيْنِ في مَنْزِلٍ غَدا زَرابِيُّهُ مَبْثُوثَةٌ ونَمارِقُهْ قَدِ اطَّرَدَتْ أنهارُهُ حولَ قَصْرِهْ وأشرَقَ والتَفَّتْ عليهِ حدائِقُهْ تفسير : وروي أيضاً من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعاً: «حديث : قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضاً في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، إن صبر على ذلك» تفسير : قال: ثم أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: «حديث : عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه» تفسير : وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم. وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك؟ ألك أسترك؟ ألم... ألم... ألم أُجمل ذكرك. ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف، فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس، محموداً عند الله. وكان ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً. وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط خلقك. (باب ما جاء في الشهرة) ثم قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : حسب امرىء من الشر، إلا من عصم الله، أن يشير الناس إليه بالإصابع في دينه ودنياه، وإن الله لاينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم» تفسير : وروي مثله عن إسحاق بن البهلول عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً مثله، وروي عن الحسن مرسلاً نحوه، فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق. وعن علي رضي الله عنه قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. وقال محمد بن العلاء: من أحب الله، أحب أن لا يعرفه الناس. وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء. وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك، فأقل من المعارف. كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة، نهض وتركهم. وقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن عوف عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوماً يمشون معه، فقال: ذباب طمع، وفراش النار. وقال ابن إدريس عن هارون بن أبي عشيرة عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي، إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة، وقال: إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع. وقال ابن عون عن الحسن: خرج ابن مسعود، فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي، ما اتبعني منكم رجلان. وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس، ومعنا أيوب، فسلم، ردوا رداً شديداً، فكان ذلك يغمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي صلى الله عليه وسلم فلبسهما أياماً ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما. وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهر في الفقهاء، ولا ما يزدريك السفهاء. وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها، ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذل دينه. وحدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة، إذ دخل عليه رجل عليه أكسية، فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق. وقال الحسن رحمه الله: إن قوماً جعلوا الكبر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه، ما لهم تفاقدوا. وفي بعض الأخبار: أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب؟ البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية. (فصل في حسن الخلق) قال أبو التياح عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً. وعن عطاء عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: «حديث : أحسنهم خلقاً»تفسير : . وعن نوح بن عباد عن ثابت عن أنس مرفوعاً: «حديث : إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم، وهو عابد»تفسير : . وعن سيار بن هارون عن حميد عن أنس مرفوعاً: «حديث : ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة»تفسير : . وعن عائشة مرفوعاً: «حديث : إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار».تفسير : وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي عن جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «حديث : تقوى الله وحسن الخلق»تفسير : . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: «حديث : الأجوفان: الفم والفرج»تفسير : . وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: «حديث : حسن الخلق».تفسير : وقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: «حديث : ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق» تفسير : وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به. وعن مسروق عن عبد الله مرفوعاً: «حديث : إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً»تفسير : . حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عنين عن محمد بن أبي سارة عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح»تفسير : . وعن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعاً: «حديث : إن أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني منزلاً في الجنة مساويكم أخلاقاً، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون» تفسير : وعن أبي أويس عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً: «حديث : ألا أخبركم بأكملكم إيماناً؟ أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يؤلفون ويألفون».تفسير : وقال الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار»تفسير : . وعن عبد الله بن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعاً: «حديث : خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق»تفسير : . وقال ميمون بن مهران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» تفسير : وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب، إلا وقع في آخر. قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيــــىء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»تفسير : . وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه، وحسن خلق»تفسير : . وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين. (فصل في ذم الكبر) قال علقمة عن ابن مسعود رفعه: «حديث : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان»تفسير : . وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «حديث : من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار»تفسير : . حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية عن عمر بن راشد عن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعاً: «حديث : لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب»تفسير : . وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود عليهما السلام ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس، ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتاً: لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر، لخسف به أبعد مما رفع. قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا، فيذكر بدء خلق الإنسان، حتى إن أحدنا ليقذر نفسه، يقول: خرج من مجرى البول مرتين. وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 19] وقال الحسن: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين، ثم يتكبر، يعارض جبار السموات. قال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد عن علي بن الحسن عن الضحاك بن سفيان، فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم. وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه. وقال محمد بن الحسين بن علي ــــ من ولد علي رضي الله عنه ــــ: ما دخل قلب رجل شيء من الكبر، إلا نقص من عقله بقدر ذلك. وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا هذه المشية. (فصل في الاختيال) عن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً: «حديث : من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه» تفسير : ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً مثله. وحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه، أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة»تفسير : . وروى الزهري عن سالم عن أبيه: بينما رجل إلى آخره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰبُنَىَّ إِنَّهَا } أي الخصلة السيئة {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ } أي في أخفى مكان من ذلك {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } فيحاسب عليها {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } باستخراجها {خَبِيرٌ } بمكانها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} وهذا مثل مضروب لمثقال حبة من خردل. قال قتادة: من خير أو شر. {فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ} فيها قولان: أحدهما: أنها الصخرة التي تحت الأرض السابعة قاله الرُبَيعُ بن أنس والسدي. قال عبد الله بن الحارث وهي صخرة على ظهر الحوت، قال الثوري: بلغنا أن خضرة السماء من تلك الصخرة، وقال ابن عباس هذه الصخرة ليست في السماء ولا في الأرض. وقيل إن هذه الصخرة هي سجِّين التي يكتب فيها أعمال الكفار ولا ترفع إلى السماء. الثاني: معنى قوله في صخرة أي في جبل، قاله قتادة. {أَوْ فِي السَّمَواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: بجزاء ما وازنها من خير أو شر. الثاني: يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء، كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله فيجازي عليه. {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} باستخراجها. {خَبِيرٌ} بمكانها، قاله الربيع بن أنس. روى علي بن رباح اللخمي قال: لما وعظ لقمان ابنه بهذا أخذ حبة من خردلٍ فأتى بها البحر فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء ثم ذكرها وبسط يده فبعث الله ذبابة فاختطفتها وحملتها حتى وضعتها في يده. قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ} يحتمل وجهين: أحدهما: على ما أصابك من الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الثاني: على ما أصابك من البلوى في نفسك أو مالك. {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما أمر الله به من الأمور. الثاني: من ضبط الأمور، قاله المفضل. الثالث: من قطع الأمور. وفي العزم والحزم وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. الثاني: معناهما مختلف وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: أن الحزم الحذر والعزم القوة، ومنه المثل: لا خير في عزم بغير حزم. الثاني: أن الحزم التأهب للأمر والعزم النفاذ فيه، ومنه قولهم في بعض الأمثال: رَوِّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم. قوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع. {تُصَاعِر} بألف، وتصاعر تفاعل من الصعر وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الكبر، قاله ابن عباس. الثاني: الميل، قاله المفضل. الثالث: التشدق في الكلام، حكاه اليزيدي، وتُصِّعرْ هو على معنى المبالغة. وفي معنى الآية خمسة أوجه: أحدها: أنه إعراض الوجه عن الناس تكبراً، قاله ابن جبير. الثاني: هوالتشدق، قاله إبراهيم النخعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الثالث: أن يلوي شدقه عند ذكر الإنسان احتقاراً، قاله أبو الجوزاء، قال عمرو بن كلثوم. شعر : وكنا إذا الجبّارُ صعر خَدّه أقمنا له من صعره فتقوّما تفسير : الرابع: هو أن يعرض عمن بينه وبينه إحنة هجراً له فكأنه أمر بالصفح والعفو، قاله الربيع بن أنس. {وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالمعصية، قاله الضحاك. الثاني: بالخيلاء والعظمة، قاله ابن جبير. الثالث: أن يكون بطراً أشراً، قاله ابن شجرة. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المنان، قاله أبو ذر. الثاني: المتكبر، قاله مجاهد. الثالث: البطر، قاله ابن جبير.وروى أبو ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ثَلاَثَةٌ يَشْنَؤُهُم اللَّهُ: الفَقِيرُ المُخْتَالُ، والبَخِيلُ المَنَّانُ، والبَيّعُ الحَلاَّفُ ". تفسير : {فَخُورٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المتطاول على الناس بنفسه، قاله ابن شجرة. الثاني: أنه المفتخر عليهم بما يصفه من مناقبه، قاله ابن عيسى. الثالث: أنه الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله فيما أعطاه، قاله مجاهد. قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه تواضع في نفسك، قاله مجاهد. الثاني: انظر في مشيك موضع قدمك، قاله الضحاك. الثالث: اسرْع في مشيتك، قاله يزيد بن أبي حبيب. الرابع: لا تسرع في المشي، حكاه النقاش. وقد روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ وَجْهِ المَرْءِ ". تفسير : الخامس: لا تختل في مشيتك، قاله ابن جبير. {وَاغْضُضْ مِن صَوتِكَ} أي اخفض من صوتك والصوت هو أرفع من كلام المخاطبة. {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} يعني شر الأصوات، قاله عكرمة وفيه أربعة أوجه: أحدها: أقبح الأصوات، قاله ابن جبير. الثاني: قد تقدم. الثالث: أشد، قاله الحسن. الرابع: أبعد، قاله المبرد. {لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} فيه وجهان: أحدهما: أنها العطسة المرتفعة، قاله جعفر الصادق. الثاني: أنه صوت الحمار. وفي تخصيصه بالذكر من بين الحيوان وجهان: أحدهما: لأنه أقبحها في النفس وأنكرها عند السمع وهو عند العرب مضروب به المثل، قال قتادة: لأن أوله زفير وآخره شهيق. الثاني: لأن صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان، قاله سفيان الثوري، وقد حكي عن بشر بن الحارث أنه قال: نهيق الحمار دعاء على الظلمة. والسبب في أن ضرب الله صوت الحمار مثلا ما روى سليمان بن أرقم عن الحسن أن المشركين كانواْ في الجاهلية يتجاهرون ويتفاخرون برفع الأصوات فمن كان منهم أشد صوتاً كان أعز، ومن كان أخفض صوتاً كان أذل، فقال الله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} أي لو أن شيئاً يُهَابُ لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل بمنزلته.

ابن عطية

تفسير : المعنى وقال لقمان {يا بني}، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن "الخردلة" يقال إن الحس لا يقدر لها ثقلاً إذ لا ترجح ميزاناً، وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بها علماً. وقوله {مثقال حبة} عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، وتصلح للأعمال أي ما تزنه على جهة المماثلة قدر حبة، وظاهر الآية أنه أراد شيئاً من الأشياء خفياً قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مقل البحر يعلمها الله، فراجعه لقمان بهذه الآية. وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله {يأت بها الله} أي لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف منضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري "فتكِنّ" بكسر الكاف وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء "إن تك" بالتاء من فوق "مثقالَ" بالنصب على خبر "كان" واسمها مضمر تقديره مسألتك على ما روي، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني. ولهذا المقدر هو الضمير في {إنها}. وقرأ نافع وحده بالتاء أيضاً "مثقالُ" بالرفع على اسم "كان" وهي التامة. وأسند إلى المثقال فعلاً فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه وهذا كقول الشاعر: [الطويل] شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليَها مرُّ الرياح النواسم تفسير : وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر. وقوله {فتكن في صخرة}، قيل أراد الصخرة التي عليها الأرض والحوت والماء وهي على ظهر ملك وقيل هي صخرة في الريح. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض. وقرأ قتادة "فتكِن" بكسر الكاف والتخفيف من وكن يكن، وتقدمت قراءه عبد الكريم"فتكِنّ". وقوله {يأت بها الله} إن أراد الجواهر فالمعنى {يأت بها} إن احتيج إلى ذلك أو كانت رزقاً ونحو هذا، وإن أراد الأعمال فمعناه {يأت} بذكرها وحفظها فيجازي عليها بثواب أو عقاب. و {لطيف خبير} صفتان لائقتان بإظهار غرائب القدرة، ثم وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع، وقوله {واصبر على ما أصابك} يقتضي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحياناً، وهذا القدر هو على جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا. وقوله تعالى {إن ذلك من عزم الأمور} يحتمل أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزم أهل الحزم والسالكين طريق النجاة، والأول أصوب، وبكليهما قالت طائفة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن محيصن "ولا تصاعر"، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد وأبو جعفر "ولا تصعر"، وقرأ الجحدري "ولا تصْعر" بسكون الصاد والمعنى متقارب، و"الصعر" الميل ومنه قول الأعرابي: "وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره"، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: [الطويل] شعر : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوم تفسير : أي فتقوم أنت، قاله أبو عبيدة، وأنشد الطبري "فتقوما" وهو خطأ لأن قافية الشعر مخفوضة، وفي بيت آخر أقمنا له من خده المتصعر. فمعنى الآية ولا تمل {خدك للناس} كبراً عليهم ونخوة وإعجاباً واحتقاراً لهم وهذا هو تأويل ابن عباس وجماعة، ويحتمل أن يريد أيضاً الضد، أي {ولا تصاعر خدك} سؤالاً ولا ضراعة بالفقر، والأول أظهر بدلالة ذكر الاختيال والفخر بعد، وقال مجاهد "ولا تصعر" أراد به الإعراض هجرة بسبب إحنة، والمرح النشاط، والمشي مرحاً هو في غير شغل ولغير حاجة، وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في مشيه وقد قال عليه السلام "حديث : من جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"تفسير : ، وقال: "حديث : بينما رجل من بني إسرائيل يجر ثوبه خيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة"تفسير : ، وقال مجاهد "الفخور" هو الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله تعالى. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الآية الفخر بالنسب وغير ذلك، ولما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله من القصد في المشي وهو أن لا يتخرق في إسراع ولا يواني في إبطاء وتضاؤل على نحو ما قال القائل: [مجزوء الرمل] شعر : كلنا نمشي رويد كلنا يطلب صيد غير عمرو بن عبيد تفسير : وأن لا يمشي مختالاً متبختراً ونحو هذا مما ليس في قصد، و"غض الصوت" أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه، ثم عارض ممثلاً بصوت الحمير على جهة التشبيه، أي تلك هي التي بعدت عن الغض فهي أنكر الأصوات، فكذلك كل ما بعد عن الغض من أصوات البشر فهو في طريق تلك وفي الحديث "حديث : إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً"تفسير : ، وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير، وقال عطاء: صياح الحمير دعاء على الظلمة، و {أنكر} معناه أقبح وأخشن، و {أنكر} عبارة تجمع المذام اللاحقة للصوت الجهير، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت الجهير على خلق الجاهلية ومنه قول الشاعر يمدح آخر: [المتقارب] شعر : جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عدو الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم تفسير : فنهى الله تعالى عن هذه الخلق الجاهلية، وقوله {لصوت الحمير} أراد بـ"الصوت" اسم الجنس، ولذلك جاء مفرداً، وقرأ ابن أبي عبلة "أنكر الأصوات أصوات الحمير" بالجمع في الثاني دون لام، والغض رد طمحان الشيء كالنظر وزمام الناقة والصوت وغير ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} من الخير، أو الشر. {صَخْرَةٍ} خضراء تحت الأرض السابعة على ظهر الحوت، خضرة السماء منها وقيل: إنها في سجين التي يكتب فيها أعمال الكفار، أو في صخرة في جبل. {يَأَتِ بِهَا اللَّهُ} أي بجزاء ما وازنها من خير، أو شر، أو يعلمها ويأتي بها إذا شاء كذلك قليل العمل من الخير والشر ويعلمه الله تعالى فيجازي عليه. {لَطِيفٌ} في إخراجها. {خَبِيرٌ} بمكانها قيل لما وعظ ابنه ألقى حبة خردل في عرض البحر ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فبعث الله تعالى ذبابة فأخذتها فوضعتها في يده.

النسفي

تفسير : {يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } بالرفع: مدني، والضمير للقصة وأنت المثقال لإضافته إلى الحبة كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم و«كان» تامة والباقون بالنصب والضمير للهنة من الإساءة والإحسان أي إن كانت مثلاً في الصغر كحبة خردل {فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ } أي فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي والأكثر على أنها التي عليها الأرض وهي السجين يكتب فيها أعمال الفجار وليست من الأرض {يَأتِ بِهَا ٱللَّهُ } يوم القيامة فيحاسب بها عاملها {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } بتوصل علمه إلى كل خفي {خَبِيرٌ } عالم بكنهه أو لطيف باستخراجها خبير بمستقرها {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ } في ذات الله تعالى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أو على ما أصابك من المحن فإنها تورث المنح {إِنَّ ذٰلِكَ } الذي وصيتك به {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام أي أمر به أمراً حتماً، وهو من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات الأمور أي مقطوعاتها ومفروضاتها، وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم. {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي ولا تعرض عنهم تكبراً. {تصاعر} أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي، وهو بمعنى تصعّر، والصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعاً ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } أي تمرح مرحاً، أو أوقع المصدر موقع الحال أي مرحاً، أو ولا تمش لأجل المرح والأشر {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } متكبر {فَخُورٌ } من يعدد مناقبه تطاولا

الخازن

تفسير : {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ قال يا بني إنها أي الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل أي في الصغر {فتكن} أي من صغرها {في صخرة} قال ابن عباس: صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار وخضرة السماء منها وقيل خلق الله الأرض على حوت وهو النون والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك وقيل على ظهر ثور وهو على صخرة وهي التي ذكر لقمان ليست في الأرض ولا في السماء فلذلك قال {أو في السموات أو في الأرض} والصخرة على متن الريح والريح على القدرة {يأت بها الله} معناه الله عالم بها قادر على استخراجها وهو قوله {إن الله لطيف} أي باستخراجها {خبير} أي بمكانها ومعنى الآية الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها قيل إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها وعظمتها فمات {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} من الأذى {إن ذلك من عزم الأمور} يعني إقامة الصلاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى من الأمور الواجبة التي أمر الله بها {ولا تصعر} وقرىء تصاعر {خدك للناس} قال ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه محبة فيلقاك فتعرض عنه وقيل هو الذي إذا سلم عليه ولوى عنقه تكبراً وقيل معناه لا تحتقر الفقراء فليكن الفقير والغني عندك سواء {ولا تمش في الأرض مرحاً} أي خيلاء {إن الله لا يحب كل مختال} في مشيه {فخور} أي على الناس {واقصد في مشيك} أي ليكن في مشيتك قصد بين الإسراع والتأني أما بالإسراع فهو من الخيلاء وأما التأني فهو أن يرى في نفسه الضعف تزهداً وكلا الطرفين مذموم بل ليكن مشيك بين السكينة والوقار {واغضض} أي اخفض وقيل وانقص {من صوتك إن أنكر} أي أقبح {الأصوات لصوت الحمير} لأن أوله زفير وآخره شهيق وهما صوت أهل النار وعن الثوري في هذه الآية قال صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار وقيل معنى الآية هو العطسة القبيحة المنكرة قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم ومن حكمته قيل: إنه كان عبداً حبشياً فدفع إليه مولاه شاة وقال له: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه أخرى وقال له اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه فقال ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقال لقمان ليس مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس. وقيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً. قوله عز وجل {ألم ترو أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ} أي أتم وأكمل {عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} قال ابن عباس النعمة الظاهرة الإسلام والقرآن والباطنة ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة؛ وقيل الظاهرة تسوية الأعضاء وحسن الصورة والباطنة الاعتقاد بالقلب وقيل الظاهرة الرزق والباطنة حسن الخلق وقيل الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة وقيل الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة وقيل الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأمية بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه سلم في الله وفي صفاته بغير علم {ولا هدى ولا كتاب منير}.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها، وأنها في علم الله سواء، حسن جداً الرجوع إلى تمام بيان حكمته، فقال بادئاً بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالباً بالبال، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي مضى تأسيسه: {يا بني} متحبباً مستعطفاً، مصغراً له بالنسبة إلى حمل شيء من غضب الله تعالى مستضعفاً: {إنها} أي العمل، وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير، والتأنيث أولى بذلك، ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة {إن تك} وأسقط النون لغرض الإيجار في الإيصاء بما ينيل المفاز، والدلالة على أقل الكون وأصغره {مثقال} أي وزن، ثم حقرها بقوله: {حبة} وزاد في ذلك بقوله: {من خردل} هذا على قراءة الجمهور بالنصب، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما أشار إليه التأنيث. ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسبباً عن صغرها: {فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها. وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه، وعسرّها بعد أن حقرها بقوله معبراً عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز: {في صخرة} أي أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها. ولما أخفى وضيق، أظهر ووسع، ورفع وخفض، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها فقال: {أو في السماوات} أي في أيّ مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد "أو" نصاً على إرادة كل منهما على حدته، والجار تأكيداً للمعنى فقال: {أو في الأرض} أي كذلك، وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في إحداهما، وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال: {يأتِ بها الله} بعظم جلاله، وباهر كبريائه وكماله، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء منها، فيحاسب عليها، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكداً إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق: {إنّ الله} فأعاد الاسم الأعظم تنبيهاً على استحضار العظمة وتعميماً للحكم {لطيف} أي عظيم المتّ بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيهما يظهر للخلق {خبير *} بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه شيء، ولا يفوته أمر. ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب، أمره مما يدخره لذلك توسلاً إليه، وتخضعاً لديه، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه، فقال: {يا بني} مكرراً للمناداة على هذا الوجه تنبيهاً على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعياً في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة من الخلل في العمل {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد، وترك ذكر الزكاة تنبيهاً على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم. ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق، عطف على ذلك تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق، وذلك أنه لما كان الناس في هذه الدار سفراً، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو، أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه، وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير، فإنك إذا قلت: لا تأت منكراً، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية، لا فعل الطاعة، فقال: {وأمر بالمعروف} أي كل من تقدر على أمره تهذيباً لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك. ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم، وكانت المعاصي مفسدة لها، وكان فساد السفينة مغرقاً لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم يأخذ على يده، وكان الأمر بالمعروف نهياً عن المنكر، صرح به فقال: {وانه} أي كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حباً لأخيك ما تحب لنفسك، تحقيقاً لنصيحتك، وتكميلاً لعبادتك، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى: شعر : ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم تفسير : لأنه أمره أولاً بالمعروف، وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا أمر نفسه ونهاها، ناسب أن يأمر غيره ينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان عليه السلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به. ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر، لأنه يخالف المعظم فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما أن أمرهم ونهاهم، قال تعالى: {واصبر} صبراً عظيماً بحيث يكون مستعلياً {على ما} أي الذي، وحقق بالماضي أنه لا بد من المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة، فقال: {أصابك} أي في عبادتك من الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد أو لا كالمرض ونحوه، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك الاستعانة {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 45] واختلاف المخاطب في الموضعين أوجب اختلاف الترتيبين، المخاطب هنا مؤمن متقلل، وهناك كافر متكثر. ولما كان ما أحكمه له عظيم الجدوى، وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال والتروك كلها، نبهه على ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف إيماء إلى التبجيل: {إن ذلك} أي الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما الصبر على المصائب: {من عزم الأمور} أي معزوماتها، تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر، أي الأمور المقطوع بها المفروضة أو القاطعة الجازمة بجزم فاعلها، أي التي هي أهل لأن يعزم عليها العازم، وينحو إليها بكليته الجازم، فلا مندوحة في تركها بوجه من الوجوه في ملة من الملل. ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر، قال محذراً من ذلك معبراً عن الكبر بلازمه، لأن النفي الأعم نفي للأخص، منبهاً على أن المطلوب في الأمر والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور: {ولا تصعر خدك} أي لا تمله معتمداً إمالته بإمالة العنق متكلفاً لها صرفاً عن الحالة القاصدة، وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: تصاعر، والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقاً، والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - والله أعلم. ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم، أشار إلى المقصود بقوله تعالى: {للناس} بلام العلة، أي لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم، وذلك لا يكون إلا تهاوناً بهم من الكبر، بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشراً منبسطاً من غير كبر ولا علو، وأتبع ذلك ما يلزمه فقال: {ولا تمش} ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر، ذكره بأن أصله تراب، وهو لا يقدر أن يعدوه فقال: {في الأرض} وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة فقال: {مرحاً} أي اختيالاً وتبختراً، أي لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر وبطر وتكبر، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي، بل امش هوناً فأن ذلك يفضي بك إلى التواضع، فتصل إلى كل خير، فترفق بك الأرض إذا صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها. ولما كانت غاية ذلك الرياء للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة عن بغضة الله تعالى، علله بقوله مؤكداً لأن كثيراً من الناس يظن أن أسباغ النعم الدنيوية من محبة الله: {إن الله} أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له لما له من العظمة المطلقة. ولما كان حب الله الذي يلزمه حب الناس محبوباً للنفوس، وكان فوات المحبوب أشق على النفوس من وقوع المحذور، وكانت "لا" لا تدخل إلا على المضارع المستقبل قال: {لا يحب} أي فيما يستقبل من الزمان، ولو قال "يبغض" لاحتمال التقييد بالحال، ولما كان النشر المشوش أفصح لقرب الرجوع تدليا فيما ترقى فيه المقبل قال: {كل مختال} أي مراء للناس في مشيه تبختراً يرى له فضلاً على الناس فيشمخ بأنفه، وذلك فعل المرح {فخور} يعدد مناقبه، وذلك فعل المصعر، لأن ذلك من الكبر الذي تردى به سبحانه وتعالى فمن نازعه إياه قصمه.

القشيري

تفسير : إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمةُ فلا محالةَ تصل إلى المقسوم له بغير مرية.. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}: عالم بدقائق الأمور وخفاياها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا} كيف يخفى على موجد الاشياء شئ وهو منشئه فهذا تنبيه منه لاحاطة علمه القديم بكل ذرة من العرش الى الثرى ظاهرها وباطنها حتى يفرغ المراقب الصادق اطلاع الحق بوصف العظمة والكبرياء على نوادر الخطرات وبطون الحركات فان كان خاطره بادرا من قهره سبحانه تستتر فى جريانه فى صخرة النفوس او فى سماء الارواح او فى ارض القلوب يظهره الحق انى عرضة الغفل لعين السر فيحاسبه بذلك ويعرفه مكان نفعه وضرى ليعرف صاحبه وصف جلال علمه كيف يحيط باسرار الضماير وبطون الخواطر الا ترى الى قوله {ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} قال عبد العزيز المكى مثال حبة من خردل فتكن فى صخرة مجتمعة او فى سبع سماوات وارضين متفرقة يات بها الله مجتمعة على صاحبها لان الله لطيف خبير لطف افعاله عن ان يدركه احد بعقل.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنىّ} [كفت لقمان فرزند خودرا كه انعم نام بود] بضم العين [اى بسرك من]. قال فى الارشاد شروع فى حكاية بقية وصايا لقمان اثر تقرير ما فى مطلعها من النهى عن الشرك وتأكيده بالاعتراض {انها} اى الخصلة من الاساءة او الاحسان. وقال مقاتل وذلك ان ابن لقمان قال لابيه يا ابتاه ان عملت الخطيئة حيث لا يرانى احد كيف يعلمها الله فرد عليه لقمان فقال يا بنى انها اى الخطيئة {ان تك} اصله تكون حذفت الواو لاجتماع الساكنين الحاصل من سقوط حركة النون بان الشرطية وحذفت النون ايضا تشبيها بحرف العلة فى امتداد الصوت او بالواو فى الغنة او بالتنوين. وقال بعضهم حذفت تخفيفا لكثرة الاستعمال فلا تحذف من مثل لم يصن ولم يخن فان وصلت بساكن ردت النون وتحرك نحو لم يكن الذين الآية {مثقال حبة من خردل} المثقال ما يوزن به وهو من الثقل وذلك اسم لكل صنج. وفى كشف الاسرار يقال مثقال الشئ ما يساويه فى الوزن وكثر الكلام فصار عبارة عن مقدار الدنيا انتهى. والحبة بالفارسية [دانه] والخردل من الحبوب معروف. والمعنى مقدار ما هو اصغر المقادير التى توزن بها الاشياء من جنس الخردل الذى هو اصغر الحبوب المقتاتة {فتكن} [بس باشد آن] اى مع كونها فى اقصى غايات الصغر {فى صخرة} الصخر الحجر الصلب اى فى اخفى مكان واحرزه كجوف صخرة ما. وقال المولى الجامى فى صخرة هى اصلب المركبات واشدها منعا لاستخراج ما فيها انتهى والمراد بالصخرة أية صخرة كانت لانه قال بلفظ النكرة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما الارض على الحوت والحوت فى الماء والماء على صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة التى ذكر لقمان ليست فى السموات ولا فى الارض كذا فى التكملة {او فى السموات} مع ما بعدها. وفى بعض التفاسير فى العالم العلوى كمحدب السموات {او فى الارض} مع طولها وعرضها. وفى بعض التفاسير فى العالم السفلى كمقعر الارض {يأت بها الله} اى يحضرها فيحاسب عليها لانه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره: وبالفارسية [بيارد خداى تعالى آنرا وحاضر كرداند وبر آن حساب كند] فالباء للتعدية. قال المولى الجامى فى شرح الفصوص انها اى القصة ان تك مثقال حبة بالرفع كما هو قراءة نافع وحينئذ كان تامة وتأنيثها لاضافة المثقال الى الحبة وقوله يأت بها الله اى للأغتذاء بها {ان الله} من قول لقمان {لطيف} يصل علمه الى كل خفى فان احد معانى اللطيف هو العالم بخفيات الامور ومن عرف انه العالم بالخفيات يحذر ان يطلع عليه فيما هو فيه ويثق به فى علم ما يجهله شعر : برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بيدا وبنهان بنزدش يكيست تفسير : {خبير} عالم بكنهه. قال فى شرح حزب البحر الخبير هو العليم بدقائق الامور التى لا يتوصل اليها غيره الا بالاختيار والاحتيال ومن عرف انه الخبير ترك الرياء والتصنع لغيره بالاخلاص له فالله تعالى لا يخفى عليه شئ فى الارض ولا فى السماء ويحيط باسرار الضمائر وبطون الخواطر ويحاسب عليها سواء كانت فى صخرة النفوس او فى سماء الارواح او فى ارض القلوب. وفيه تنبيه لاهل المراقبة وتحذير من الملاحظات لاطلاع الحق على نوادر الخطرات وبطون الحركات. وفى التأويلات النجمية {يا بنى انها} يشير الى المقسومات الازلية من الارزاق والاخلاصات الانسانية والمواهب الالهية {ان تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة} اى صخرة العدم {او فى السموات} فى الصورة والمعنى {او فى الارض} فى الصورة والمبنى {يأت بها الله} لمن قدر له وقسم من اسباب السعادة والشقاوة ان شاء بطريق كسب العبد وان شاء يجعل له مخرجا فى حصولها من حيث لا يحتسب {ان الله لطيف} بعباده {خبير} باتيان ما قسم لهم بلطف ربوبيته فالواجب على العبد ان يتق بوعده ويتكل على كرمه فيما قدر له ويسعى الى القيام بعبوديته انتهى. وفى بعض الكتب ان هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات انتهى. يقول الفقير هذا الحضور فى مقام الهيبة من صفات المقربين. وكان ابراهيم عليه السلام اذا صلى يسمع غليان صدره وذلك من استيلاء الهيبة عليه وهذا الغليان يقال له برهان الصدر وقع لنبينا عليه السلام فى مرتبة الا كملية فواعجبا لا مثالنا كيف لا ينجع فينا الوعظ ولا يأخذ بنا معانى اللفظ وليس الا من الغفلة والنسيان وكثرة العصيان شعر : تا نيابى رتبه لقمانرا آتش هيبت نسوزد جانرا جان عاشق همجو بروانه بود نزد شمع آيدا كر سوزان شود تفسير : ومن وصايا لقمان ما قال فى كشف الاسرار [لقمان بسر خويش را بندداد ووصيت كرد كه اى بسر بسورها مروكه ترا رغبت دردنيابديد آيد واخرى بردل توفراموش كردد وكفت كه اى بسر كر سعادت آخرت ميخواهى وزهد دردنيا به تشييع جنازها بيرون شو ومرك رابيش جشم خويش دار ودر دنيا جنان مباش كه عيال ووبال مردم شوى ازدنيا قوت ضرورى بردار وفضول بكذار وازننك زنان تاتوانى برحذر باش وبرزنان بد فرياد خواه بالله كه ايشان دام شيطانند وسبب فتنه]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في (إنها): للقصة، ومن قرأ "مثقال": بالرفع؛ ففاعِلُ كَانَ التامة, ومن قرأ بالنصب؛ فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث "المثقال"؛ لإضافته إلى الحبة. يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عَمِلْتُ بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: {يا بُنيَّ إنها}، أي: القصة أو الخطيئة {إن تكُ مثقال حبةٍ من خَرْدَلٍ} أي: إن تك المعصية؛ في الصغر والحقارة، مثالَ حَبَّةٍ من خردل، أو: إن تقع مثقالُ حَبَّةٍ من المعاصي {فتكن في صخرةٍ}، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأَرَضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. هـ. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صَفَاةٍ - أي: صخرة - والصفاة على ظهر ملَكَ، والملك على صَخْرَة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. هـ. أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان {يأتِ بها اللهُ} يوم القيامة؛ فيحاسب عليها عاملها. {إن الله لطيفٌ}: يتوصل علمه إلى كل خفي، {خبير}: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. {يا بُني أقم الصلاةَ}: أتقنها، وحافظ عليها؛ تكميلاً لنفسك، {وأْمُر بالمعروف وَانْهَ عن المنكر}؛ تكميلاً لغيرك، {واصبرْ على ما أصابك} في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر؛ فإن فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن؛ فإنها تورث المنح والمنن. {إِن ذلك}؛ الذي وصيتك به، {من عزم الأمور} أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قَطَعَه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمراً حتماً. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم. {ولا تُصَعِّر خَدكَ للناس} أي: تُمله عنهم، ولا تولهم صفَحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عُنُقَهُ منه. والمعنى: أَقْبِل على الناس بوجهك؛ تواضعاً، ولا تُولهم شق وجهك وصفحته؛ {ولا تمشِ في الأرض مرحاً}؛ خُيَلاَءَ؛ متبختراً، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مَرِحاً، أو تمرح مرحاً، أو: لأجل المرح، {إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ}، علة النهي. والمختال هو المرِحُ الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المُصَعِّرُ خَدَّهُ؛ تكبراً. وتأخير الفخور، مع تقدمه؛ لرؤوس الآي. {واقصِدْ في مشيك}؛ توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ سُرْعَةَ المَشي تُذْهِبُ بَهَاءِ المُؤْمِنِ"تفسير : . وأما قول عائشة ـ رضي الله عنها: (كان إذا مَشَى أسْرَع)؛ فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خَبَبِ اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشياً بين ذلك. وقيل: {واقصد في مشيك}: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: تَوَسَّطْ بين العلو والتقصير. {واغضض من صوتك}؛ وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خُلُق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يُهَابْ، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: {إِن أنكَرَ الأصواتِ}؛ أوحشها وأقبحها {لصوتُ الحمير}؛ لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكراً، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير؛ تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما رُوِيَ أنه: عليه الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت. وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن؛ منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: أَذِّن أذاناً سنِّياً، وإلا اعتزلنا. هـ. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لاَ تَدْعُون أصمَّ ولا غَائباً"تفسير : . وإنما وحّد صوت الحمير ولم يجمع؛ لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: {يا بُني إنها تلك مثقالَ حبة...} إلخ. ومنها: القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: {يا بُني أقم الصلاة...} إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها: التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله: {ولا تُصعر خدَّك للناس ولا تمش في الأرض مرحا}. ومنها: السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله: {واقصد في مشيك}. ومنها: خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} تفسير : [طه:108]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء. قال القشيري: قوله تعالى: {وأْمُر بالمعروف...}، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغُهُ أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومنْ لا حُكْم له على نفسه؛ لا حُكْم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به: ما يُوَصِّلُ العبدَ إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال: وقوله تعالى: {واصبر على ما أصباك}: تنبيه على أنَّ مَنْ قام لله بحقٍِّ امْتُحِنَ في الله، فسبيله أن يصبرَ في الله، فإنَّ من صبر لله لم يخسر على الله. ثم قال: قوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}؛ لا تتكبرْ عليهم، وطالِعْهم مِنْ حَيْثُ النسبة، وتحقق بأنكَ بمشهدٍ من مولاك. ومن عَلِمَ أن مولاه ينظر إليه؛ لا يتكبرُ ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى: {واقصد في مشيك..} الآية، أي: كُنْ فانياً عن شواهدك، مُصْطَلَماً عن صَوْلَتِك، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتك، متشبهاً بما استولى عليك من كشوفات سِرِّك. وانظر مَنِ الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خُمَارِ غفلتك، {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}: في الإشارة: أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذنٍ من الحق. وقالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. هـ. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق. ثم ذكّر بالنعم، فقال: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر {ولا تصعر} بغير ألف في التصعير. الباقون {تصاعر} بألف. وقرأ اهل المدينة {مثقال حبة} رفعاً. الباقون نصباً من رفعه جعل (كان) بمعنى حدث، ووقع، ولم يجعل لها خبراً. ومن نصب فعلى أنه خبر (كان) والاسم مضمر فيها أي إن تك الحبة مثقال. وقرأ نافع وأبو جعفر وابن كثير وابو عمرو وحفص عن عاصم {نعمه} على لفظ الجمع. الباقون {نعمة} على التوحيد. يقول الله تعالى مخبراً عن لقمان ووصيته لابنه، وأنه قال {يا بني أنها إن تك مثقال حبة من خردل} من خير أو شر {فتكن} عطف على الشرط فلذلك جزمه. وتقديره: إن تلك الحبة لو كانت في جوف صخرة، وهي الحجر العظيم او تكون في السموات او الأرض {يأت بها الله} ويحاسب عليها ويجازي لأنه لا يخفى عليه شيء منها، ولا يتعذر عليه الاتيان بها أي موضع كانت، لأنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء عالم لنفسه لا تخفى عليه خافية. وقوله {يأت بها الله} معناه إنه يجازي بها ويواقف عليها فكأنه أتى بها وإن كانت أفعال العباد لا يصح إعادتها، ولو صح اعادتها لما كانت مقدورة لله. وإنما أراد ما قلناه، وفي ذلك غاية التهديد والحث على الأخذ بالحزم. والهاء في قوله {إنها} قيل: انها عماد وهو الضمير على شريطة التفسير. وقيل: {إنها} كناية عن الخطيئة او الفعلة التي تقتضي الجزاء، وهي المضمرة في تلك وانما أنث مثقال، لأنه مضاف إلى مؤنث وهي الحبة، كما قيل: ذهبت بعض اصابعه. وكما قيل: شعر : [ وتشرق بالقول الذي قد اذعته] كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : والصخرة وإن كانت في الأرض أو في السماء، فذكر السموات والارض بعدها مبالغة كقوله {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} تفسير : وقد قال بعض المفسرين: ان الصخرة خارجة عن السموات والارض، وهو ايضاً جائز. وقرأ قتادة {فتكن في صخرة} بكسر الكاف مخففاً من (وكن يكن) أي جعل الصخرة كالوكنة. وهو عش الطائر. ذكره ابن خالويه. وحكاه عن ابن مجاهد سماعاً، واستحسنه. وقوله {إن الله لطيف خبير} قال قتادة: معناه - ها هنا - لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها. واللطيف القادر الذي لا يحفو عن عمل شيء، لأن من القادرين من يحفو عن عمل اشياء كثيرة كاخراج الجزء الذي لا يتجزأ وتأليفه إلى مثله، فهو فان كان قادراً عليه، فهو ممتنع منه، لانه يحفو عن عمل مثله. والخبير العالم وفيه مبالغة في الصفة، مشتق من الخبر. ولم يزل الله خبيراً عالماً بوجوه ما يصح أن يخبر به، والمثقال مقدار يساوي غيره في الوزن، فمقدار الحبة مقدار حبة في الوزن. وقد صار بالعرف عبارة عن وزن الدينار، فاذا قيل: مثقال كافور او عنبر، فمعناه مقدار الدينار بالوزن. ثم حكى ما قاله لقمان لابنه ايضاً قال له {يا بني أقم الصلاة} أي دم عليها وأقم حدودها وشرائطها {وأمر بالمعروف} والمعروف هو الطاعات {وانه عن المنكر} وهي القبائح سواء كانت قبائح عقلية او شرعية {واصبر على ما أصابك} من الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المشقة والأذى وفي ذلك دلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فيه بعض المشقة. ثم قال {إن ذلك} أي ما ذكره من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {من عزم الأمور} من العقد الصحيح على فعل الحسن بدلا من القبيح، والعزم العقد على الأمر لتوطين النفس على فعله وهي الارادة المتقدمة للفعل بأكثر من وقت، لان التلون في الرأي يناقض العزم. قال الله تعالى {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}. تفسير : ثم حكى ما قال لقمان لابنه، فانه قال له ايضاً {ولا تصعر خدك للناس} ومعناه لا تعرض بوجهك عن الناس تكبراً - ذكره ابن عباس - واصل الصعر داء يأخذ الابل في اعناقها أو رؤسها حتى يلفت أعناقها فتشبه به الرجل المتكبر على الناس. وقال عمر بن جني الثعلبي واضافه المبرد إلى الفرزدق: شعر : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من مثله فتقوما تفسير : قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يكون تصعر وتصاعر بمعنى، كقولهم ضعف وضاعف، قال ابو الحسن (لا تصاعر) لغة اهل الحجاز و (لا تصعر) لغة بني تميم. والمعنى ولا تتكبر، ولا تعرض عنهم تكبراً {ولا تمش في الأرض مرحاً} أي مشي مختال متكبر {إن الله لا يحب كل مختال فخور} فالاختيال مشية البطر، قال مجاهد: المختال المتكبر، والفخر ذكر المناقب للتطاول بها على السامع، يقال: فخر يفخر فخراً وفاخره مفاخرة وفخاراً، وتفاخرا تفاخراً وافتخر افتخاراً. ثم قال له {واقصد في مشيك} أي اجعل مشيك مشي قصد، لا تمشي مشي مختال ولا متكبر {واغضض من صوتك} أي لا ترفع صوتك متطاولاً لانه مذموم {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال الفراء: معناه إن اشد الأصوات. وقال غيره: معناه أقبح الأصوات - في قول مجاهد - كما يقال: هذا وجه منكر. ثم نبههم على وجوه نعم الله على خلقه. فقال {ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} أي ذللـه لكم تتصرفون فيه بحسب ما تريدون من أنواع الحالات من الثمار والبهائم، وغير ذلك {وأسبغ عليكم نعمه} ظاهرة أي وسع عليكم نعمه، والسابغ الواسع الذي يفضل عن مقدار القوت. وقوله {ظاهرة وباطنة} أي من نعمه ما هو ظاهر لكم لا يمكنكم جحده: من خلقكم، واحيائكم واقداركم، وخلق الشهوة فيكم وضروب نعمه، ومنها ما هو باطن مستور لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها وقيل: النعم الباطنة مصالح الدين والدنيا، مما لا يشعرون به. وقيل: سخر لكم ما في السموات من شمس وقمر ونجم وسحاب، وما في الارض من دابة وشجر وثمار، وغير ذلك مما تنتفعون به في اقواتكم ومصالحكم. ثم قال تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} اي يخاصم ولا علم له بما يقوله، ويجادل فيه {ولا هدى} أي ولا حجة على صحة ما يقوله {ولا كتاب منير} أي، ولا كتاب من عند الله منير أي ظاهر عليه نور وهدى.

الأعقم

تفسير : {يا بني إنها إن تك مثقال حبَّة} أي قدر حبةٍ {من خردلٍ} وزن حبة خردل {فتكن في صخرة} وهي الصخرة الذي تحت الأرض وهي السجين يكتب فيها أعمال الكفار {أو في السماوات} في العالم العلوي {أو في الأرض} السفلى {يأت بها الله} أي يجازي بها يوم القيامة {إن الله لطيف خبير} {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف} أي بالطاعات {وانه عن المنكر} أي المعاصي {واصبر على ما أصابك} يجوز أن يكون عاماً في كل ما يصيبه من المحن {إن ذلك من عزم الأمور} الواجبة التي أمر الله بها {ولا تصعر خدك للناس} يعني أقبل على الناس بوجهك تواضعاً ولا تولّهم بشق وجهك وصفحته كما يفعل المتكبرون، وقيل: هو الذي إذا سلّم عليه أحد لَوَى عنقه تكبراً، وقيل: هو يكون بينك وبينه شيء فإذا لقيته أعرضت، وقيل: لا تحتقر الفقير وليكن الفقير والغني عندك سواء {ولا تمشِ في الأرض مرحاً} أي بطراً {إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور} أي متكبراً على الناس {واقصد في مشيك} قيل: تواضع ولا تتكبر وليكن مشيك قصد {واغضض من صوتك} وانقص منه واقصر من قولك {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فشبَّه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق، وعن زيد بن علي: أراد بالحمير الحمير من الناس وهم الجهال شبَّههم بذلك وهو أحسن ما قيل فيه قاله الحاكم {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} أي ألم تعلموا أنه سخّر لمنافعكم ما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والأمطار وما في الأرض من الحيوان وغير ذلك مما تنتفعون به {وأسبغ عليكم} أي أنعم وأتم {نعمه ظاهرة وباطنة} قيل: الظاهرة الدين والباطنة ما غاب عن العباد وعلمه الله، وقيل: الظاهرة الرزق من حيث يحتسب والباطنة الرزق من حيث لا يحتسب، وقيل: الظاهرة المدخل للغذاء والباطنة المخرج للأذى، وقيل: الظاهرة الإِسلام والباطنة الستر {ومن الناس من يجادل في الله} الآية نزلت في النضر بن الحارث {بغير علم} بغير حجة موجبة للعلم {ولا هدى ولا كتاب} أنزله الله تعالى {منير} أي واضح {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} على محمد وهو القرآن {قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} وهي نار جهنم فإنه يدعوهم إلى موجباتها وهو الكفر والمعاصي.

اطفيش

تفسير : {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا} أي القصة. {إِن تَكُ مِثْقَالَ} فاعل تك وتكون تام وانث الفعل لاضافة المثقال إلى المؤنث او لان المراد بالمثقال الحسنة او السيئة. {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} نعت لحبة والمثقال الوزن وقرأ غير نافع بنصب مثقال على انه خبر تك وتك ناقص وفيه مستتر عائد الى ما عاد اليه اسم ان واسم ان ضمير عائد الى الخصلة حسنة أو سيئة. {فَتَكُن} مع صغرها. {فِي صَخْرَةٍ} في جوف صخرة وعن ابن عباس انها الصخرة التي تحت الأرضين وهي التي فيها اعمال الفجار قيل خضرة السماء منها وقيل من جبل قاف وهي على ظهر ملك والماء على ظهرها والحوت فيه والأرض على الحوت وقيل الصخرة على ظهر ثور وقيل الثور عليها وقيل الصخرة على الريح والريح على القدرة وليست في السماوات ولا في الأرضين. {أَوْ فِي السَّمَٰوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ} يحضرها فيحاسب عليها فاعلها وذلك ان ابن لقمان قال لأبيه لقمان يا ابت ان عملت الخطيئة حيث لا يراني احد كيف يعلمها الله فقال له ابوه: (يا بني انها) الخ وقرىء (فتكن) بكسر الكاف استعارة من وكن الطائر يكن اذا استقر في وكنه وهي مستقرة ليلا وقريء (فتكن) بكسر الكاف وتشديد النون مفتوحة اي تستر. {إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ} يصل علمه الى كل خفي وقال قتادة: لطيف باستخراجها. {خَبِيرٌ} عالم بكنهه وقال قتادة: خبير بمستقرها وعن بعضهم ان هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها وعظمتها فمات وما ذكره الله عنه بعد هذا تكلم به قبل ذلك.

اطفيش

تفسير : {يا بنيَّ إنَّها} اى القصة {إنْ تكُ مثْقال} فاعل تك، ولا خبر لتلك، وانت مثقال لانه بمعنى الزنة او الحسنة والسيئة، او لاضافته لمؤنث وهو قوله: {حبةً} اى ما يساويها فى الثقل من حسنة او سيئة، او المراد بالمثقال الموزون المتعارف به {من خَردل} حب معروف {فتكن في صَخْرة} فى داخلها {أو في السماوات} فى داخل احدى السماوات، او المراد بالذات السماء السابعة، لان ما فيها هو فيهن {أو في الأرض} اى فى داخلها، ويحتمل الجنس الشامل لسبع ارضين على حد ما مر فى السماوات من التضمن، او اراد السابعة، والمقام للمبالغة، فلا يبعد ان يراد اخفى موضع فى ذلك كمحدودب السماوات، ومقعر الارض السابعة. ذكر الصخرة لمشاهدتها مع عسر الاخراج منها، ثم السماوات لبعدها بالعلو، وهى أشد امتناعا من الصخرة، ثم كونه فى ظلمة بعض الارض لقوة الظلمة، حتى لو حضر احد فى بطنها لم ير ما فيه، فكيف وقد احتجب، فذلك على سبيل الترقى، والمراد مطلقة الصخرة لا صخرة تحت الارض عليها الارض، ولا صخرة عليها بحر عليه نون، والصخرة على ثور، والثور على الثرى، والماء اخضر لخضرة تلك الصخرة، فانا لا نعلم صحة ذلك، وخضر الماء انما هو لتراكمه، وان كانت فلم اخضر الماء وحده منها؟ ولم لا يخضر من فيه؟ ولم كان يخضر وهو لا يقابلها. {يأت بها الله} يحضرها ويحاسب عليها فاعلها، والمراد باحضارها المعبر عنه بالايتان بها اخبار فاعلها بها فيقر، ومن زعم ان الافعال تجسم يوم القيامة، فالاحضار على ظاهره الا انه ايضا يقر فاعلها بها، او المراد نفس الحبة الممثل بها للحسنة والسيئة {إنَّ الله لَطيفٌ} دقيق علمه، يدخل كل خفى {خَبيرٌ} عالم بكنه كل خفى، او يعلم محل تلك الحبة المثل بها، ويقال: هذه الكلمة اخر كلمة قالها، فانشقت مرارته من هيئتها وعظمتها، ومات، ويروى انه لما وعظ لقمان ابنه بقوله: {يا بني إنها إنْ تك} الآية اخذ حبة من الخردل فالقاها فى عرض اليرموك واد بالشام، ومكث ما شاء الله عز وجل، ثم ذكرها وبسط يده لحاجة، او طلبا لها فاقبل بها ذباب فوضعها فى راحته.

الالوسي

تفسير : {يٰبُنَىَّ} الخ رجوع إلى القصة بذكر بقية ما أريد حكايته من وصايا لقمان إثر تقرير ما في مطلعه من النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض {أَنَّهَا} أي الخصلة من الإساءة والإحسان لفهمها من السياق. وقيل: وهو كما ترى أنها أي التي سألت عنها، فقد روى أن لقمان سأله ابنه أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر أيعلمها الله تعالى فقال يا بني إنها أي التي سألت عنها {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } أي إن تكن مثلاً في الصغر كحبة الخردل والمثقال ما يقدر به غيره لتساوي ثقلهما وهو في العرف معلوم. وقرأ نافع والأعرج وأبو جعفر {مِثْقَالَ } بالرفع على أن الضمير للقصة و {تَكُ } مضارع كان التامة والتأنيث لإضافة الفاعل إلى المؤنث كما في قول الأعشى:شعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : أو لتأويله بالزنة أو الحسنة والسيئة {فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ } أي فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر والقماءة في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي، وقيل: في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو أعلاه كمحدب السماوات أو أسفله كمقعر الأرض، ولا يخفى أنه لا دلالة في النظم على تخصيص المحدب والمقعر ولعل المقام يقتضيه إذ المقصود المبالغة. وفي قوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } لا يأبى ذلك لأنها ذكرت بحسب المكانية أو للمشاكلة أو هي بمعنى على، وعبر بها للدلالة على التمكن ومع هذا الظاهر ما تقدم، وفي «البحر» أنه بدأ بما يتعقله السامع أولاً وهو كينونة الشيء في صخرة وهو ما صلب من الحجر وعسر الإخراج منه ثم أتبعه بالعالم العلوي وهو أغرب للسامع ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض، وقيل: إن خفاء الشيء وصعوبة نيله بطرق بغاية صغره ويبعده عن الرائي وبكونه في ظلمة وباحتجابه فمثقال حبة من خردل إشارة إلى غاية الصغر، و {فِى صَخْرَةٍ } إشارة إلى الحجاب و {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } إشارة إلى البعد و {فِى ٱلأَرْضِ } إشارة إلى الظلمة فإن جوف الأرض أشد الأماكن ظلمة وأياً ما كان فليس المراد بصخرة صخرة معينة، وعن ابن عباس والسدي أن هذه الصخرة هي التي عليها الأرض، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن الأرض على نون والنون على بحر والبحر على صخرة خضراء خضرة الماء منها والصخرة على قرن ثور وذلك الثور على الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى. وفسر بعضهم الصخرة بهذه الصخرة، وقيل: هي صخرة في الريح، قال ابن عطية: وكل ذلك ضعيف / لا يثبت سنده وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم أي إن قدرته عز وجل تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وما يكون في الأرض اهـ، والأقوى عندي وضع هذه الأخبار ونحوها فليست الأرض إلا في حجر الماء وليس الماء إلا في جوف الهواء وينتهي الأمر إلى عرش الرحمن جل وعلا والكل في كف قدرة الله عز وجل. وقرأ عبد الرحيم الجزري {فَتَكُنْ } بكسر الكاف وشد النون وفتحها، وقرأ محمد بن أبـي فجة البعلبكي {فَتكن} بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة، وقرأ قتادة {فَتَكنْ } بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ورويت هذه القراءة عن الجزري أيضاً، والفعل في جميع ما ذكر من وكن الطائر إذا استقر في وكنته أي عشه ففي الكلام استعارة أو مجاز مرسل كما في المشفر، والضمير للمحدث عنه فيما سبق، وجوز أن يكون للابن والمعنى إن تختف أو تخف وقت الحساب يحضرك الله تعالى، ولا يخفى أنه غير ملائم للجواب أعني قوله تعالى: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } أي يحضرها فيحاسب عليها، وهذا إما على ظاهره أو المراد يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها والاعتراف بها {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } يصل علمه تعالى إلى كل خفي {خبير} عالم بكنهه. وعن قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها، وقيل: ذو لطف بعباده فيلطف بالإتيان بها بأحد الخصمين خبير عالم بخفايا الأشياء وهو كما ترى، والجملة علة مصححة للإتيان بها، أخرج ابن أبـي حاتم عن علي بن رباح اللخمي أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال: {إِنَّهَا إِن تَكُ } الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك وهو واد في الشام فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء الله تعالى ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته والله تعالى أعلم. وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو أول ما يجب على المكلف في ضمن النهي عن الشرك ونبهه على كمال علمه تعالى وقدرته عز وجل أمره بالصلاة التي هي أكمل العبادات تكميلاً [له] من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد فقال مستميلاً له: {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ}.

ابن عاشور

تفسير : تكرير النداء لتجديد نشاط السامع لوعي الكلام. وقرأ نافع وأبو جعفر {إن تَكُ مثقالُ} برفع {مثقالُ} على أنه فاعل {تَكُ} مِن (كان) التامة. وإنما جيء بفعله بتاء المضارعة للمؤنثة، وأعيد عليه الضمير في قوله {بها} مؤنثاً مع أن {مثقال} لفظ غير مؤنث لأنه أضيف إلى {حبة} فاكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو استعمال كثير إذا كان المضاف لو حذف لما اختل الكلام بحيث يستغنى بالمضاف إليه عن المضاف، وعليه فضمير {إنها} للقصة والحادثة وهو المسمى بضمير الشأن، وهو يقع بصورة ضمير المفردة المؤنثة بتأويل القصة، ويختار تأنيث هذا الضمير إذا كان في القصة لفظ مؤنث كما في قوله تعالى {أية : فإنها لا تَعْمَى الأبصار}تفسير : [الحج: 46]، ويكثر وقوع ضمير الشأن بعد (إنَّ) كقوله تعالى {أية : إنه مَن يأتِ ربه مجرماً فإنَّ له جَهَنم لا يَمُوت فيها ولا يَحْيى} تفسير : [طه: 74]، ومن ذلك تقدير ضمير الشأن اسماً لحرف (أنَّ) المفتوحة المخففة، وهو يفيد الاهتمام بإقبال المخاطب على ما يأتي بعده، فاجتمع في هذه الجملة ثلاثة مؤكدات: النداء، وإنَّ، وضمير القصة، لعظم خطر ما بعده المفيد تقرير وصفه تعالى بالعلم المحيط بجميع المعلومات من الكائنات، ووصفه بالقدرة المحيطة بجميع الممكنات بقرينة قوله {يأت بها الله}. وقد أفيد ذلك بطريق دلالة الفحوى؛ فذُكر أدقُّ الكائنات حالاً من حيث تعلق العلم والقدرة به، وذلك أدق الأجسام المختفي في أصْلَب مكان أو أقصاه وأعزِّه منالاً، أو أوسعه وأشده انتشاراً، ليعلم أن ما هو أقوى منه في الظهور والدّنو من التناول أولى بأن يحيط به علم الله وقدرته. وقرأه الباقون بنصب {مثقالَ}على الخبرية لــــ {تكُ} مِن (كان) الناقصة، وتقدير اسم لها يدل عليه المقام مع كون الفعل مسنداً لمؤنث، أي إن تك الكائنة، فضمير {إنها} مراد منه الخصلة من حسنة أو سيئة أخذاً من المقام. والمثقال بكسر الميم: ما يقدر به الثقل ولذلك صيغ على زنة اسم الآلة. والحبة: واحدة الحَبّ وهو بذر النبات من سنابل أو قطنية بحيث تكون تلك الواحدة زريعة لنوعها من النبات، وقد تقدم في سورة البقرة (261) قوله {أية : كَمَثَل حَبَّة أنبتَتْ سَبْع سَنَابل}تفسير : وقوله {أية : إنَّ الله فَالِق الحَب والنَّوى} تفسير : في سورة الأنعام (95). والخردل: نبت له جذر وساق قائمة متفرعة إسطوانية أوراقها كبيرة يُخرج أزهاراً صغيرة صُفْراً سنبلية تتحول إلى قرون دقيقة مربعة الزوايا تخرج بزوراً دقيقة تسمى الخردل أيضاً، ولبّ تلك البزور شديد الحرارة يلدغ اللسان والجلد، وهي سريعة التفتق ينفتق عنها قشرها بدقّ أو إذا بلت بمائع، فتستعمل في الأدوية ضَمَّادات على المواضع التي فيها التهاب داخلي من نزلة أو ذات جنْب وهو كثير الاستعمال في الطب قديماً وحديثاً. وقد أخذ الأطباء يستغنون عنه بعقاقير أخرى. وتقدم نظير هذا في سورة الأنبياء (47) {أية : فلا تُظْلَم نفس شيئاً وإن كان مثقالُ حَبة من خردل أتينَا بها}.تفسير : وقوله {أو في السماوات} عطف على {في صخرة} لأن الصخرة من أجزاء الأرض فذكر بعدها {أو في السماوات} على معنى: أو كانت في أعزّ مَنَالاً من الصخرة، وعطف عليه {أو في الأرض} وإنما الصخرة جزء من الأرض لقصد تعميم الأمكنة الأرضية فإن الظرفية تصدق بهما، أي: ذلك كله سواء في جانب علم الله وقدرته، كأنه قال: فتكن في صخرة أو حيث كانت من العالم العلوي والعالم السفلي وهو معنى قوله {أية : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين}تفسير : [يونس: 61]. والإتيان كناية عن التمكن منها، وهو أيضاً كناية رمْزيَّة عن العلم بها لأن الإتيان بأدق الأجسام من أقصى الأمكنة وأعمقها وأصلبها لا يكون إلا عن علم بكونها في ذلك المكان وعلم بوسائل استخراجها منه. وجملة {إن الله لطيف خبير} يجوز أن تكون من كلام لقمان فهي كالمقصد من المقدمة أو كالنتيجة من الدليل، ولذلك فصلت ولم تعطف لأن النتيجة كبدل الاشتمال يشتمل عليها القياس ولذلك جيء بالنتيجة كلية بعد الاستدلال بجزئية. وإنما لم نجعلها تعليلاً لأن مقام تعليم لقمان ابنه يقتضي أن الابن جاهل بهذه الحقائق، وشرط التعليل أن يكون مسلَّماً معلوماً قبل العلم بالمعلَّل ليصح الاستدلال به. ويجوز أن تكون معترضة بين كلام لقمان تعليماً من الله للمسلمين. واللطيف: مَن يعلم دقائق الأشياء ويسلك في إيصالها إلى من تصلح به مسلك الرفق، فهو وصف مؤذن بالعلم والقُدرة الكاملين، أي يعلم ويقدر وينفذ قدرته، وتقدم في قوله {أية : وهو اللطيف الخبير} تفسير : في سورة الأنعام (103). ففي تعقيب {يأت بها الله} بوصفه بــــ(اللطيف) إيماء إلى أن التمكن منها وامتلاكها بكيفية دقيقة تناسب فلق الصخرة واستخراج الخردلة منها مع سلامتهما وسلامة ما اتصل بهما من اختلال نظام صُنعه. وهنا قد استوفى أصول الاعتقاد الصحيح. وجملة {أية : إن الله لطيف خبير} تفسير : [لقمان:16] يجوز أن تكون من كلام لقمان وأن تكون معترضة من كلام الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إنها إن تك مثقال حبة: أي توجد زنة حبة من خردل. فتكن في صخرة: أي في داخل صخرة من الصخور لا يعلمها أحد. لطيف خبير: أي لطيف باستخراج الحبة خبير بموضعها حيث كانت. وأمر بالمعروف وانه عن المنكر: أي مُر الناس بطاعة الله تعالى، وانههم عن معصيته. من عزم الأمور: أي مما أمر الله به عزماً لا رخصة فيه. ولا تصّعر خدك للناس: أي ولا تُعرض بوجهك عمن تكلمه تكبراً. مرحا: أي مختالا تمشي خيلاء. مختال فخور: أي متبختر فخور كثير الفخر مما أعطاه الله ولا يشكر. واقصد في مشيك: أي إتَّئد ولا تعجل في مشيتك ولا تستكبر. واغضض من صوتك: أي اخفض من صوتك وهو الاقتصاد في الصوت. إن أنكر الأصوات: أي أقبح الأصوات وأشدها نكارة عند الناس لأن أوله زفير وآخره شهيق. معنى الآيات ما زال السياق الكريم في قصص لقمان عليه السلام فقال تعالى مخبراً عن لقمان بقوله لابنه ثاران {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} أي إن تك زنة حبة من خردل من خير أو شر من حسنة أو سيئة {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} ويحاسب عليها ويجزي بها، {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ} أي باستخراجها {خَبِيرٌ} بموضعها وعليه فاعمل الصالحات واجتنب السَّيئات وثق في جزاء الله العادل الرحيم هذا ما دلت عليه الآية الأولى [16] أما الآية الثانية [17] فقد تضّمنت أمر ولدِه باقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذلك فقال له ما أخبر تعالى به عنه في قوله: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي أدها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بطاعة الله تعالى فيما أوجب على عباده {وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي عما حرم الله تعالى على عباده من اعتقاد أو قول أو عمل. {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} من أذى ممن تأمرهم وتنهاهم، وقوله {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي إن اقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذات الله من الأمور الواجبة التي هي عزائم وليست برخص. وقوله تعالى {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} هذا مما قاله لقمان لابنه نهاه فيه عن خصال ذميمة محرمة وهي التكبر على الناس بأن يخاطبهم وهو معرض عنهم بوجهه لاوٍ عنقه، وهي مشية المرح والاختيال والتبختر، والفخر بالنعم مع عدم شكرها وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} هذا مما قاله لقمان لابنه لما نهاه عن التكبر والاختيال والفخر أخبره أن الله تعالى لا يحب من هذه حاله حتى يتجنبها ولده الذي يعظه بها وبغيرها وقوله في الآية [19] {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي إمش متَّئداً في غير عجلة ولا إسراع إذ الاقتصاد ضد الإِسراف. وقوله: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أمره أن يقتصد في صوته أيضاً فلا يرفع صوته إلا بقدر الحاجة. كالمقتصد لا يُخرج درهمه إلا عند الحاجة وبقدرها وقوله {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} ذكر هذه الجملة لينفره من رفع صوته بغير حاجة فذكر له أنَّ أقبح الأصوات صوت الحمير لأنه عال مرتفع وأوله زفير وآخره شهيق. هذا آخر ما قص تعالى من نبأ لقمان العبد الصالح عليه السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلت وصغرت. 2) وجوب إقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى. 3) حرمة التكبر والاختيال في المشي ووجوب القصد في المشي والصوت فلا يسرع ولا يرفع صوته إلا على قدر الحاجة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {يٰبُنَيَّ} (16) - وَتَابَعَ لُقمَانُ وَعْظَهُ لاِبْنِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ خَطِيئَةَ الإِنسَانِ وَفعْلَتَهُ وَلَوْ كَانَتْ وَزْنَ (مِثْقَالَ) حَبَّةِ الخَرْدَلِ الصَّغِيرَةِ، مُخَبَّأَةً في صَخْرَةٍ، أَو فِي السَّمَاوَاتِ، أَوْ في الأََرضِ يُحْضِرُها اللهُ يومَ القِيَامة، لِيَضَعَها فِي مِيزَانِ أَعمَالِ الإِنسانِ، ليُحَاسِبَهُ عَلَيها، وَكَذَلِكَ الحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِحَسَناتِ الإِنسَانِ، فإِنَّ الله تَعَالَى يأتِي بهَا يومَ القِيَامَةِ ويُحَاسِبُهُ عَليهَا. واللهُ لَطِيفٌ يَصِلُ عِلمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ، وَهُوَ تَعَالى خَبيرٌ يَعْلَمُ ظَواهِرَ الأُمُورِ وَخَوافِيَهَا. مِثْقَالَ حَبَّةٍ - وَزْنَ حَبَّةِ الخَرْدلِ، أَيْ أَصْغَرَ شَيءٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {يٰبُنَيَّ ..} [لقمان: 16] نداء أيضاً للتلطف والترقيق {إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ..} [لقمان: 16] يريد لقمان أن يدل ولده على صفة من صفات الحق سبحانه، هي صفة العلم المطلق الذي لا تخفى عليه خافية، وكأنه يقول له: إياك أن تظن أن ما يخفى على الناس يخفى على الله تعالى {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. وكما أن الله تعالى لا يخفى عليه مثقال حبة من خردل، حتى إن كانت في باطن صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، كذلك لا تخفى عليه حسنة ولا سيئة مهما دَقَّتْ، ومهما حاول صاحبها إخفاءها. وقلنا: إن المستشرقين وقفوا عند مسألة علم الله الخفي بخفايا خَلْقه، وعند قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110] يقولون: الله يمتنُّ بعلم ما نكْتُم، فكيف يمتنُّ بعلم الجهر، وهو معلوم للجميع؟ ونقول: الحق سبحانه في قوله: {أية : إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110] لا يخاطب فرداً، إنما يخاطب جماعة، فهو يعلم جَهْر الجماعة في وقت واحد، ومثَّلْنا لذلك بمظاهرة مثلاً، فيها الآلاف من البشر يهتفون بأصوات مختلفة وشعارات شتى، منها ما يعاقب عليه القانون، فهل تستطيع مع اختلاط الأصوات وتداخلها أن تُميِّز بينها، وتُرجع كل كلمة إلى صاحبها؟ إنك لا تستطيع، مع أن هذا جهر يسمعه الجميع، أما الحق - تبارك وتعالى - فيعلم كل كلمة، ويعلم مَنْ نطق بها ويردّ كل لفظ إلى صاحبه. إذن: من حقه تعالى أن يمتنَّ بعلم الجهر، بل إن عِلْم الجهر أعظم من علْم السرِّ وأبلغ. وقوله تعالى {أية : مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ..} تفسير : [لقمان: 16] أي: وزن حبة الخردل، وكانت أصغر شيء وقتها، فجعلوها وحدة قياس للقلة، وليس لك الآن أن تقول: وهل حبة الخردل أصغر شيء في الوجود؟ فالقرآن ذكرها مثالاً للصِّغَر على قدر معرفة الناس بالأشياء عند نزوله، أما من حيث التحقيق فقد ذكر القرآن الذرة والأقلَّ منها. لذلك لما اخترعوا في ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد (أي الجزء الذي لا يتجزأ)، واستطاعوا تفتيت الذرة، ظنوا أن في هذه العملية مأخذاً على القرآن، فقد ذكر القرآن الذرة، وجعلها مقياساً دينياً في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8] لكن لم يذكر الأقلَّ منها، ومعلوم أن الجزء أصغر من كله. ونقول: قرأتم شيئاً وغابت عنكم أشياء، ولو كان لديكم إلمام بكلام الله لعلمتم أن فيه احتياطاً لما توصلتم إليه، ولما ستتوصلون إليه فيما بعد، واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى عن الذرة: {أية : وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61]. بل نقول: إن الاحتياط هنا احتياط مركب، فلم يقل صغير إنما قال (أصغر) وهذا يدل على وجود رصيد في كلام الله لكل مُفتّت من الذرة. وقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ..} [لقمان: 16] {فِي صَخْرَةٍ ..} [لقمان: 16] أي: على حبكة الوجود، وفي أضيق مكان {أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [لقمان: 16] يعني: في المتسع الذي لا حدود له، فلا في الضيِّق المحكم، ولا في المتسع يخفى على الله شيء {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ..} [لقمان: 16] واستصحب حيثيات الإتيان بها بوصفين لله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]. وجمع بين هاتين الصفتين؛ لأنك قد تكون خبيراً بالشيء عالماً بمكانه، لكنك لا تستطيع الوصول إليه، كأنْ يكون في مكان ضيق لا تنفذ إليه يدك، وعندها تستعين بآلة دقيقة كالملقاط مثلاً، فالخبرة موجودة، لكن ينقصك اللطف في الدخول. والحق - سبحانه وتعالى - لطيف، فمهما صَغُرت الأشياء ودقَّتْ يصل إليها، فهو إذن عليم خبير بكل شيء مهما صغر، قادر على الإتيان به مهما دقَّ؛ لأنه لطيف لا يمنعه مانع، فصفة اللطف هذه للتغلغل في الأشياء. ونحن نعلم أن الشيء كلما دقَّ ولَطُف كان أعنف حتى في المخلوقات الضارة، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمَنْ بنى بيتاً في الخلاء، وأراد أنْ يؤمِّن نوافذه من الحيوانات والحشرات الضارة، فوضع على النوافذ شبكة من الحديد تمنع اللصوص والحيوانات الكبيرة، ثم تذكّر الفئران والثعابين فضيّق الحديد، ثم تذكّر الذباب والناموس فاحتاج إلى شيء أضيق وأدقّ، إذن: كلما كان عدوك لطيفاً دقيقاً كان أعنف، واحتاج إلى احتياط أكثر. فقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16] يعني: لا يعوزه علم بالمكان، ولا سهولة ويُسْر في الوصول إلى الأشياء. كانت هذه بعض وصايا لقمان ومواعظه لولده، ولم يأمره حتى الآن بشيء من التكاليف، إنما حرص أنْ يُنبهه: أنك قد آمنت بالله وبلغَك منهجه واستمعت إليه، فأطع ذلك المنهج في افعل ولا تفعل، لكن قبل أنْ تباشر منهج ربك في سلوكك اعلم أنك تتعامل مع إله قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغيب عنه شيء، فادخل على المنهج بهذا الاعتقاد. وإياك أنْ تتغلَّب عليك شبهة أنك لا ترى الله، فإنك إنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك، واعلم أن عملك محسوب عليك، وإنْ كان في صخرة صماء ضيقة، أو في سماء، أو في أرض شاسعة. ويؤكد هذه المسألة قوله تعالى في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي: إنْ كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أنِّي أراكم، فَلِمَ جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ ". تفسير : بعد ذلك يدخل لقمان في وعظه لولده مجال التكليف، فيقول له: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} معناه يُجازي بِهَا الله. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} معناه لَطِيفٌ باستخراجِهَا خَبيرٌ بمكانِها. تفسير : وقوله تعالى: {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} معناه زِنةُ حَبَّةٍ.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سجَّل لقمان على ابنه التوحيد بنفي ضده على طريق المبالغة والتأكيد، أراد أن ينبه عليه بأنه لا بدَّ له أن يحفظ على نفسه الأدب مع الله في كل الأحوال، بحيث لا يصدر عنه شيء يخالف توحيده، ولا يلائمه ولو كان ذرة حقيرة؛ إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه سبحانه شيء، فقال أيضاً منادياً: {يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ} أي: الخصلة الذميمة التي أتيت بها المنافية للتوحيد، أو الخصلة الحميدة الملائمة له، لا يعزب كلامهما عن علم الله مطلقاً، وبالجملة: {إِن تَكُ} فرضاً ما جئت به من الخصلة الذميمة والحميدة في صغر الحبة والوزن {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} واحدة كائنة {مِّنْ خَرْدَلٍ} أي: هي مثل في الحقارة والصغر {فَتَكُنْ} أنت بعدما جئت بها {فِي صَخْرَةٍ} أي: جوفها، وهي أخفى المواضع وأستر الأمكنة {أَوْ فِي} أعلى {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وفوقها، وهو ما وراء الفلك الأطلس {أَوْ فِي} أسفل {ٱلأَرْضِ} وقعرها. وبالجملة: إن كنت في أخفى الأماكن وأحفظها {يَأْتِ بِهَا} أي: بك وخصلتك التي صدرت عنك {ٱللَّهُ} الرقيب عليك في جميع حالاتك، ويجازيك بمقتضاها إن تعلق إرادته ومشيئته بأحضارك وإتيانها، وبالجلمة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على السرائر والخفايا {لَطِيفٌ} لا يحجبه حجب، ولا يمنعه سدل {خَبِيرٌ} [لقمان: 16] ذو خبرة، يعلم كنه الأشياء وإن دقت ورقت ولا كتنه ذاته، مع أنه أظهر وأبين في ذاته من عموم مظاهره ومصنوعاته. وبعدما سمعت {يٰبُنَيَّ} وصف ربك وحيطة علمه وقدرته، ولطافة إطلاعه وخبرته {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي: دوام ميلك نحوه بجميع أركان وجوارحك مخلصاً في ميلك ورجوعك إليه سبحانه، محرماً على نفسك جميع ما يشغلك عن ربك، مجرداً عارياً قلبك عن جميع منسوباتك ومقتضيات بشريتك ولوازم هويتك {وَأْمُرْ} يا بني على بني نوعك أولاً إن قصدت تكميلهم وإرشادهم إلى مقصد التوحيد {بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن عقلاً وشرعاً، وكلم معهم على قدر عقولهم بلا إغراء ولا إغواء، ولا تفش عليهم سر التوحيد ما لم يستحقوا لحفظه، ولم يستعدوا له قبوله {وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} المستهجن عقلاً وشرعاً، وعادةً ومرءوةً، ونبههم على وجه القبح والهجنة، وألطف معهم في تبيينها لعلهم يتفطنون بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها في بدء الأمر. {وَ} بالجملة: {ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} في تمشية سلوك التوحيد، وتقوية طريقه، وكن متحملاً على مشاق الطاعات ومتاعب العبادات، وارض من ربك بجميع ما جرى عليك، وثبت لك في لوح قضائه {إِنَّ ذَلِكَ} المذكور؛ أي: كل واحد من الأمور المذكورة والخصائل المأمورة {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [لقمان: 17] أي: من الأمور التي عم الحق عليها، وأوجبها على أولي العزائم الصحيحة من خلَّص عباده إرشاداً لهم إلى وحدة ذاته، وزلال هدايته الصافية عن كدر الضلالات والجهالات. وكن يا بني في تمدنك ومعاشرتك مع بني نوعك ليناً هيناً، بشَّاشاً بسَّاماً {وَلاَ تُصَعِّرْ} أي: لا تمل ولا تعرض {خَدَّكَ} أي: صفحة وجهك التي بها مواجهتك {لِلنَّاسِ} ولا تلوِ عنقك عنهم كبراً وخيلاً، كما يفعله أرباب النخوة من الجهلة المستكبرين المتفوقين، المفتخرين بما عندهم من المال والجاه والثروة والسيادة، والعلوم الرسمية على الفقراء الضعفاء الفاقدين لها {وَ} بالجملة: {لاَ تَمْشِ} يا بني {فِي ٱلأَرْضِ} التي بُسطت للتذلل والانكسار {مَرَحاً} أي: ذا فرح وسرور، متفخراً بما عندك من الحطام الفاني {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} يمشي على وجه الأرض خيلاً، بحيث يتبادر منه الكبر والنخوة في بادئ النظر {فَخُورٍ} [لقمان: 18] بما عنده من الحسب والنسب، والمال والجاه بطر بها، مباه بسببها. {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي: توسط يا بني في مشيك بين الإسراع المذهب بهاء المؤمن ووقاره، وبين الدبيب الموجب للعجب والخيلاء {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أيضاً، وأنقص منه ولا ترفعه وإن كان حسناً، فإنك - يقصد رفعة صوتك مبالغاً فيها - تشبه الحمار؛ إذ هو مخصوص من بين سائر الحيوانات بترفيع الصوت والمبالغة فيه، ومن بالغ في رفع صوته، فقد أشبه نفسه به، ولا شك أن صوته منكر عند جمهور العقلاء، وجميع الحيوانات أيضاً حتى إن الكلب يتأذى من صوته، ويفزع منه عند سماعه من غاية تأثيره وتألمهن وبالجملة: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ} وأوحشها وأقرعها للآذان {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [لقمان: 19] وكيف تشبهون أنفسكم أيها المجبولون على الشرف والكمال على أدون الحيوانات، وأذل المخلوقات، وأنزلها رتبةً؟!.

همام الصنعاني

تفسير : 2290- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ}: [الآية: 16]، قال: الصخرة التي الأرض عليها، ثم قال: {أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ}: [الآية: 16]، يقول: {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} من خير أو شر{يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ}. 2291- (حدّثنا) عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوْري، قال: صخرة تحت الأَرْضين، قال: بلغنا أنَّ خُضْرةَ السَّماء من تلك الصخرة.