Verse. 3486 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

يٰبُنَيَّ اَقِـمِ الصَّلٰوۃَ وَاْمُرْ بِالْمَعْرُوْفِ وَانْہَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلٰي مَاۗ اَصَابَكَ۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْاُمُوْرِ۝۱۷ۚ
Ya bunayya aqimi alssalata wamur bialmaAAroofi wainha AAani almunkari waisbir AAala ma asabaka inna thalika min AAazmi alomoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بنيّ أقْم الصلاة وأمُر بالمعروف وانْهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك» بسبب الأمر والنهي «إن ذلك» المذكور «من عزم الأمور» أي معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزمه من التوحيد وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله مخلصاً، وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيئتها اختلفت. ثم قال تعالى: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أي إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم، فإن قال قائل كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر، وقبل قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فإنه أول ما قال {يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ } ثم قال: {يا بني أقم الصلاة} فنقول هو كان يعلم من ابنه أنه معترف بوجود الله فما أمره بهذا المعروف ونهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف، فإن المشرك بالله لا يكون نافياً لله في الاعتقاد وإن كان يلزمه نفيه بالدليل فكان كل معروف في مقابلته منكر والمعروف في معرفة الله اعتقاد وجوده والمنكر اعتقاد وجود غيره معه، فلم يأمره بذلك المعروف لحصوله ونهاه عن المنكر لأنه ورد في التفسير أن ابنه كان مشركاً فوعظه ولم يزل يعظه حتى أسلم، وأما ههنا فأمر أمراً مطلقاً والمعروف مقدم على المنكر ثم قال تعالى: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ } يعني أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذي فأمره بالصبر عليه، وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي من الأمور الواجبة المعزومة أي المقطوعة ويكون المصدر بمعنى المفعول، كما تقول أكلي في النهار رغيف خبز أي مأكولي.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} وصّى ابنه بعُظْم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع. ولقد أحسن من قال:شعر : وابدأ بنفسك فانهها عن غَيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم تفسير : في أبيات تقدّم في «البقرة» ذكرها. الثانية: قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر؛ فهو إشعار بأن المغيِّر يؤذَى أحياناً؛ وهذا القدر على جهة الندب والقوّة في ذات الله؛ وأما على اللزوم فلا، وقد مضى الكلام في هذا مستوفًى في «آل عمران والمائدة». وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل؛ وهذا قول حسن لأنه يعمّ. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبرُ على المكاره. وقيل: إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور؛ أي مما عزمه الله وأمر به؛ قاله ابن جريج. ويحتمل إن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحَزم السالكين طريق النجاة. وقول ابن جريج أصوب.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مآ أَصَابَكَ } بسبب الأمر والنهي {إِنَّ ذٰلِكَ } المذكور {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} مما أمر الله تعالى به من الأمور، أو من ضبط الأمور، أو من قطع الأموُر. العزم والحزم واحد، أو الحزم الحذر والعزم القوة وفي المثل لا خير في عزم بغير حزم، أو الحزم التأهب للأمر والعزم النفاذ فيه وفي المثل رَوِّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [الآية: 17]. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: الأوامر على وجوه أمر فرض الله كقوله {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } تفسير : [البقرة: 43] وأمر تكوين كقوله {أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] وأمر تغيير كقوله {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة: 65] وأمر تهديد كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] وأمر إرشاد كقوله: {أية : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء: 135] وأمر قضية كقوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ} تفسير : [الإسراء: 23] وأمر استهزاء كقوله: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} تفسير : [الإسراء: 64] وأمر سنة كقوله: {أية : فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} تفسير : [الأحزاب: 53] وأمر معروف كقوله: {أية : وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [الحج: 41] وأمر إحسان كقوله: {أية : فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [المجادلة: 11] وأمر كفاية كقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5]. وقال بعضهم: قال لقمان لابنه: يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وابدأ بنفسك واصبر على ما أصابك فيه من المحن فإنه يورث المنح. قال الواسطى رحمة الله عليه: الصبر هو ترك الشكوى عن طوارق المحن والتيقظ عند طوارق النعم.

القشيري

تفسير : الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تُنهى عنه، واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك، ومنْ لا حُكْمَ له عَلَى نَفسه لا ينفذ حكمه على غيره. والمعروف الذي يجب الأمرُ به و ما يُوَصِّلُ العبدَ إلى الله، والمنكرُ الذي يجب النهي عنه هو ما يشغل العبدَ عن الله. {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} تنبيهٌ عَلَى أنَّ منْ قام بحقٍّ امْتُحِنَ في الله؛ فسبيله أنْ يصبرَ لله - فإنْ منْ صبرَ لله لا يَخسر عَلَى الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} الامر بالمعروف ان ترشد الخليقة الى الحقيقة بعد ما ذقت طعم القربة وانهى عن المنكر زجرك نفسك عن النظر الى ما دون خالقها قوله تعالى {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} اى اصبر على طوارق القهر وامتحان الريب واسكن تحت جريان القضاء والقدر فان ذلك من عزائم الحقيقة والمعرفة وايضا واصبر على ما اصابك من لطائف كشف جماله وحقائق انوار ذاته وصفاته ولا تفش تلك الاسرار بالغلبة والكسر حين يظهر الشطاح السكر ان دعوى الانائية فان كتمانها من عزائم اهل الصحو فى المعرفة قيل الامر بالمعروف والدلالة على الرشد والنهى عن المنكر المنع عن ----.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنىّ اقم الصلاة} التى هى اكمل العبادات تكميلا لنفسك من حيث العمل بعد تكميلها من حيث العلم والاعتقادات لان النهى عن الشرك فيما سبق قد تضمن الامر بالتوحيد الذى هو اول ما يجب على الانسان. وفى التأويلات النجمية ادمها وادامتها فى ان تنتهى عن الفحشاء والمنكر فان الله وصف الصلاة بانها تنهى عن الفحشاء والمنكر فمن كان منتهيا عنهما فانه فى الصلاة وان لم يكن على هيئتها ومن لم يكن منتهيا عنهما فليس فى الصلاة وان كان مؤديا هيئتها انتهى. ومن وصايا لقمان ما قال فى كشف الاسرار [اى بسر روزه كه دارى جنان دار كه شهوت ببرد نه قوت ببرد وضعيف كند تاازنماز بازمانى كه بنزديك خدانماز دوستر ازروزه] وذلك لان الصوم والرياضات لاصلاح الطبيعة وتحسين الاخلاق واما الصلاة فلا صلاح النفس التى هى مأوى كل شر ومعدن كل هوى وما عبد اله ابغض الى الله من الهوى {وأمر بالمعروف} بالمستحسن شرعا وعقلا وحقيقته ما يوصل العبد الى الله {وانه عن المنكر} اىعن المستقبح شرعا وعقلا تكميلا لغيرك وحقيقته ما يشغل العبد عن الله {واصبر} الصبر حبس النفس عما يقتضى الشرع او العقل الكف عنه {على ما اصابك} من الشدائد والمحن كالامراض والفقر والهم والغم لا سيما عند التصدى للامر بالمعروف والنهى عن المنكر من اذى الذين تأمرهم بالمعروف وتبعثهم على الخير وتنهاهم عن المنكر وتزجرهم عن الشر {ان ذلك} المذكور من الوصايا وهو الامر والنهى والصبر {من عزم الامور} العزم والعزيمة عقد القلب على امضاء الامر وعزم الامور ما لا يشوبه شبهة ولا يدافعه ريبة. وفى الخبر (من صلى قبل العصر اربعا غفر الله له مغفرة عزما) اى هذا الوعد صادق عزيم وثيق وفى دعائه عليه السلام {اسألك عزائم مغفرتك} اى اسألك ان توفقنى للاعمال التى تغفر لصاحبها لا محالة واطلق المصدر اى العزم على المفعول اى المعزوم. والمعنى من معزومات الامور ومقطوعاتها ومفروضاتها بمعنى مما عزمه الله اى قطعه قطع ايجاب وامر به العباد امرا حتما ويجوز ان يكون بمعنى الفاعل اى من عازمات الامور وواجباتها ولازماتها من قوله فاذا عزم الامر اى جد. وفى هذا دليل على قدم هذه الطاعات والحث عليها فى شريعة من تقدمنا وبيان لهذه الامة ان من امر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغى ان يكون صابرا على ما يصيبه فى ذلك ان كان امره ونهيه لوجه الله لانه قد اصابه ذلك فى ذات الله وشانه. واشارة الى ان البلاء والمحنة من لوازم المحبة فلا بد للمريد الصادق ان يصبر على ما اصابه فى اثناء الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الاعداء فى الظاهر والباطن الجزع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس ومن الباطن عند قلة الكشوف والمشاهدات التى هى غذاء للقلب ونقص من الاموال والانفس من مفارقة الاولاد والاهالى والاخوان والاخدان والثمرات. يعنى ثمرات المجاهدات وبشر الصابرين على هذه الاحوال بان عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون الى الحضرة. ومن وصايا لقمان على ما فى كشف الاسرار [اى بسر مبادا كه ترا كارى بيش آيد ازمحبوب ومكروه كه تونيز در ضمير خود جنان دانى كه خير وصلاح تو در آنست بسر كفت اى بدر من اين عهد نتوانم داد تا آنكه بدانم كه آنجه كفتى جنانست كه توكفتى بدر كفت الله تعالى بيغمبر مى فرستاد است وعلم وبيان آنجه من كفتم باوى است تاهردو نزديك وى شويم وازوى ببرسيم هردو بيرون آمدند وبر مركوب نشستند وآنجه دربايست بود ازتوشه وزاد سفر برداشتند بيابانى دربيش بود مركوب همى راندند تاروز بنماز بيشين رسيد وكرما عظيم بود آب وتوشه سبرى كشت وهيج نماند هر دو ازمر كوب فرود آمدند وبياده بشتاب همى رفتند نا كاه لقمان در بيش نكرست سياهى ديد ودود بادل خويش كفت آن سياهى درخت است وآن دودنشان آبادانى ومردمانكه آنجا وطن كرفته اند همجنان رفتند بشتاب ناكاه بسر لقمان باى براستخوانى نهاد آن استخوان بزير قدم وى برآمد وبيشت باى بيرون آمد بسر بيهوش كشت وبر جاى بيفتاد لقمان دروى آويخت واستخوان بدندان ازباى وى بيرون كرد وعمامه وى باره كرد وبر باى وى بست لقمان آن ساعت بكريست ويك قطره آب جشم برروى بسم افتاد وبسرروى فرايدر كرد وكفت اى باباى من بكريى بجيزى كه ميكويى كه بهتر من وصلاح من در آنست اى بدر جه بهتريست مارا درين حال وتوشه سبرى شد وما هردو درين بيابان متحير مانده ايم اكر توبروى ومرا درين حال بجاى مانى باغم وانديشه روى واكر بامن اينجا مقام كنى برين حال هردو بميريم درين جه بهترست وجه خبرست بدر كفت كريستن من اينجا آنست كه مرا دوست داشتيد كه بهر حظى كه مرا ازدنياست من فداى توكر دمى كه من بدرم ومهربانى بدران برفرزندان معلومست واما آنجه توميكويى كه درين جه خيرست توجه دانى مكر آن بلا كه از توصرف كرده اند خود بزركتر ازين بلاست كه بتو رسانيده اند وباشد كه اين بلا كه بتو رسانيده اند آسانتر از أنست كه ازتو صرف كرده اند ايشان درين سخن بودند كه لقمان فرا بيش نكرست وهيج جيز نديد ازان سواد ودخان بادل خويش كفت من اينجا جيزى ميديدم واكنون نمى بينم ندانم تا آن جه بودنا كاه شخصى را ديدكه مى آمد براسبى نشسته وجامه بوشيده آوازداد كه لقمان تويى كفت آرى كفت حكيم تويى كفت جنين ميكويند كفت آن بسربى خردجه كفت اكر آن نبودى كه اين بلا بوى رسيد شمارا هردو بزمين فرو بردندى جنانكه آن ديكر انرا فروبردند لقمان روى بابسر كرد وكفت دريافتى وبدانستى كه هر جه بربنده رسد از محبوب ومكروه خيرت وصلاحت در آنست بس هر دو برخاستند ورفتند. عمر خطاب رضى الله عنه از آنجا كفت من باك ندارم كه بامداد بر خيزم بر هر حال باشم بر محبوب يابر مكروه زيراكه من ندانم خيرت من اندر جيست. موسى عليه السلام كفت بار خدايا ازبند كان توكيست بزرك كناهتر كفت آنكس كه مرامتهم دارد كفت آن كيست كفت استخارت كند وزامن بهترئ خويش خواهد آنكه بحكم من رضا ندهد] قال الصائب شعر : جون سرو در مقام رضا ايستاده ام آسوده خاطرم زبهار وخزان خويش

الجنابذي

تفسير : {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} قد مضى فى اوّل البقرة وفى سورة النّساء عند قوله {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} تفسير : [النساء:43] بيان تامّ لاقسام الصّلٰوة واقامتها {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} قد مضى فى سورة البقرة عند قوله {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [آية: 44] بيان للامر بالمعروف والنّهى عن المنكر {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} من البلايا او المشقّة والاذى فى الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} ممّا ينبغى ان يعزم عليه لكونه فرضاً من الله او فرضاً تكوينيّاً للنّفس الانسانيّة وللاهتمام بهذه الامور اتى بقوله: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} بين المتعاطفات.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا بُنَيِّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ}. ذكر بعضهم عن أصحاب النبي عليه السلام قال: من أمر بعبادة الله، ونهى عن عبادة الأوثان فقد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. قال الله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} والعزم أن تصبر. قال: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي: لا تعرض عنهم وجهك استكباراً {وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحاً} أي: بالعظمة [ {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} أي: متكبِّر {فَخُورٍ} يعني يُزهى بما أُعطِيَ ولا يشكر الله]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إن الرجل منا ليكون نقيَّ الثوب، جديد الشراك فيعجبه ذلك، فقال: ليس ذلك الكبر، ولكن الكبر أن تسفّه الحق وتغمط الناس . تفسير : ذكروا عن بعضهم قال: من وضع جبهته ساجداً لله فقد برئ من الكبر. ذكروا أن علياً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من صنع شيئاً فخراً لقي الله يوم القيامة أسود. قال: فقال القوم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكنا وربِّ الكعبة، فوالله إن الرجل منا ليعجبه حسن ثوبه وحسن مركبه، ثم ينظر في شعره ونعله. فقال علي: قد شكونا الذي تشكون إلى النبي عليه السلام فقال: ليس ذلك بالفخر، ولكن الفخر بَطَرُ الحق وغمط الناس والاستطالة عليهم .

اطفيش

تفسير : {يَا بُنَيَّ أَقم الصَّلٰوةَ} تكميلا لنفسك. {وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ} تكميلا لغيرك ولك الثواب الجزيل على ذلك وذلك على العموم وقيل مراد لقمان الامر بعبادة الله والنهي عن عبادة الأوثان. {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ} مطلقا وقيل مراده على ما اصابك من الأذى على الامر والنهي هذا من كلام لقمان ذكره الله امرا للنبي صلى الله عليه وسلم وامته به وهو الصبر المأمور به في كل وقت منسوخ بآية السيف. {إِنَّ ذَلِكَ} اي الصبر أو كل ما امره به. {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} اي من معزوم الأمور اي من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها من الله ألا ترى ان الملك يقول لبعض رعيته عزمت عليك إلا فعلت كذا فلا يكون له بد من فعله ولا من وجه في تركه فالعزم مصدر بمعنى اسم او هو مصدر بمعنى اسم الفاعل كقوله فاذا عزم الأمر أي جدا أي كان جدا وصدقا لا هزلا وذلك قول ابن جريج وقال جماعة معنى قوله {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ان ذلك من مكارم الاخلاق وعادة اهل الحزم السالكين طرق النجاة.

اطفيش

تفسير : {يا بني أقم الصَّلاة} تكميلا لنفسك الناقصة، فكمال الانسان بكمالها، ونقصه بنقصها، قيل قال له: اذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها، صلها واسترح منها، فانها دين، وصل فى جماعة ولو على راس زج {وأمُر} الناس {بالمعروف} عن ابى سعيد الخدرى: كل بلد فيها اربعة اهلها معصومون من البلاء: امام عادل، او من يقول مقامه لا يظلمهم شيئا. وعالم على سبيل الهدى. ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرصون على تعليم العلم والقرآن. ونساء مستورات لا يتبرجن. قال الله عز وجل: "أية : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار"تفسير : [المائدة: 63] الخ قال عز وجل: "أية : كنتم خير أمة" تفسير : [آل عمران: 110] الخ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتأمرون بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم"تفسير : واذا كان الامر الناهى يقذف ويشتم، او يضرب فتركهم افضل، وان علم انه ان ضربوه او شتموه لم يصبر فتقع الفتنة، فليتركهم، وان علم من نفسه الصبر، ولا يشكون فلا بأس، وعمله عمل الانبياء، وان علم انهم لا يغلبون ولا يخاف ضربا ولا شتما فالامر افضل. {وانْهَ} الناس {عن المُنْكر} تكميلا لغيرك وهما على العموم اولى من قول ابن جبير: المعروف التوحيد: المنكر الشرك، ولعله اعتبر ان الاصل ذلك: او اراد التمثيل{واصْبر على ما أصابكً}من الشدائد والمحن من شدة إقامة الصلاة، فان اقامتها شديد، وانها لكبيرة الا على الخاشعين، ومن مضار الناس عليك لأمرك ونهيك وعداوتهم لك على ذلك، وشهر ان الاصابة على الامر والنهى، وهو المتبادر وهو قول سعيد بن جبير. {إنَّ ذلك} اى الصبر على شدائده اقامة الصلاة، وشدائد الامر والنهى، او ان الصبر على الامر والنهى، او على ما اصابك بهما او ان ما ذكر من نفس اقامة الصلاة والامر والنهى، واشارة البعد فى كل ذلك لعلوه {من عَزم الأمُور} من قطع الامور: اى من الامور المقطوع بها من الله ايجابا، ولم يجعلها ندبا او اختيارا منكم، فعزم مصدر بمعنى مفعول من اضافة النعت الى المنعوت، اى من معزومة الامور، اى من الامور المعزومة من اهل الحزم السالكين طريق النجاة، اى المعزوم عليه، وقد قيل: العزم الحزم، ويجوز ان يكن على الاسناد المجازى، اى من عازمة الامور، اى الامور العازمة كقوله تعالى: "أية : فإذا عزم الأمر"تفسير : [محمد: 21] ويجوز تكون الاضافة بمعنى فى على غير الوجه الاخير، والجملة تعليل لما قبلها: او مستأنفة للتاكيد، وهو أولى.

الالوسي

تفسير : {يٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ } تكميلاً لنفسك، ويروى أنه قال له: يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها واسترح منها فإنها دين، وصل في جماعة ولو على رأس زج {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تكميلاً لغيرك والظاهر أنه ليس المراد معروفاً ومنكراً معينين. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أنه قال: وأمر بالمعروف يعني التوحيد وانه عن المنكر يعني الشرك {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ } من الشدائد والمحن لا سيما فيما أمرت به من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحتياج الأخيرين للصبر على ما ذكر ظاهر، والأول لأن إتمام الصلاة والمحافظة عليها قد يشق ولذا قال تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ }تفسير : [البقرة: 45] وقال ابن جبير: واصبر على ما أصابك في أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر وأصابك في ذلك أذى وشدة فاصبر عليه. {إِنَّ ذٰلِكَ } أي الصبر على ما أصابك عند ابن جبير، وهو يناسب إفراد اسم الإشارة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته في الفضل، أو الإشارة إلى الصبر وإلى سائر ما أمربه والإفراد للتأويل بما ذكر وأمر البعد على ما سمعت {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي مما عزمه الله تعالى وقطعه قطع إيجاب وروي ذلك عن / ابن جريج، والعزم بهذا المعنى مما ينسب إلى الله تعالى ومنه ما ورد «من عزمات الله عز وجل»، والمراد به هنا المعزوم إطلاقاً للمصدر على المفعول، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور المعزومة. وجوز أن يكون العزم بمعنى الفاعل أي عازم الأمور من عزم الأمر أي جد فعزم الأمور من باب الإسناد المجازي كمكر الليل لا من باب الإضافة على معنى في وإن صح، وقيل: يريد من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، واستظهر أبو حيان أنه أراد من لازمات الأمور الواجبة، ونقل عن بعضهم أن العزم هو الحزم بلغة هذيل، والحزم والعزم أصلان، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء لاطراد تصاريف كل من اللفظين فليس أحدهما أصلاً للآخر، والجملة تعليل لوجوب الامتثال بما سبق وفيه اعتناء بشأنه.

ابن عاشور

تفسير : انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى تعليمه أصول الأعمال الصالحة فابتدأها بإقامة الصلاة، والصلاة التوجه إلى الله بالخضوع والتسبيح والدعاء في أوقات معينة في الشريعة التي يدين بها لقمان، والصلاة عِماد الأعمال لاشتمالها على الاعتراف بطاعة الله وطلب الاهتداء للعمل الصالح. وإقامة الصلاة إدامتها والمحافظة على أدائها في أوقاتها. وتقدم في أول سورة البقرة. وشمل الأمرُ بالمعروف الإتيانَ بالأعمال الصالحة كلها على وجه الإجمال ليتطلَّب بيانه في تضاعيف وصايا أبيه كما شمل النهيُ عن المنكر اجتناب الأعمال السيئة كذلك. والأمر بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقتضي إتيان الآمر وانتهاءه في نفسه لأن الذي يأمر بفعل الخير وينهى عن فعل الشر يعلم ما في الأعمال من خير وشر، ومصالح ومفاسد، فلا جرم أن يتوقاها في نفسه بالأولوية من أمره الناسَ ونهيه إياهم. فهذه كلمة جامعة من الحكمة والتقوى، إذ جمع لابنه الإرشاد إلى فعله الخيرَ وبثِّه في الناس وكفه عن الشر وزجره الناس عن ارتكابه، ثم أعقب ذلك بأن أمره بالصبر على ما يصيبه. ووجه تعقيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بملازمة الصبر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يَجران للقائم بهما معاداةً من بعض الناس أو أذى من بعض فإذا لم يصبر على ما يصيبه من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شك أن يتركهما. ولما كانت فائدة الصبر عائدة على الصابر بالأجر العظيم عُدَّ الصبر هنا في عداد الأعمال القاصرة على صاحبها ولم يلتفت إلى ما في تحمل أذى الناس من حسن المعاملة معهم حتى يذكر الصبر مع قوله {أية : ولا تصعر خَدّك للناس}تفسير : [لقمان: 18] لأن ذلك ليس هو المقصود الأول من الأمر بالصبر. والصبر: هو تحمل ما يحل بالمرء مما يؤلم أو يحزن. وقد تقدم في قوله تعالى {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : في سورة البقرة (45). وجملة {إن ذلك من عزم الأمور} موقعها كموقع جملة {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]. والإشارة بــــ {ذلك} إلى المذكور من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما أصاب. والتأكيد للاهتمام. والعزم مصدر بمعنى: الجزم والإلزام. والعزيمة: الإرادة التي لا تردد فيها. و{عزم} مصدر بمعنى المفعول، أي من معزوم الأمور، أي التي عزمها الله وأوجبها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 17- يا بنى: حافظ على الصلاة، وأمر بكل حسن، وانْه عن كل قبيح، واحتمل ما أصابك من الشدائد، إن ما أوصى الله به هو من الأمور التى ينبغى الحرص عليها والتمسك بها. 18- ولا تُمِلْ خدك للناس تكبراً، ولا تمش فى الأرض مُعجباً بنفسك، إن الله لا يحب كل مختال يعدد مناقبه. 19- وتوسط فى مشيك بين السرعة والبطء، واخفض من صوتك، لأن أقبح ما يستنكر من الأصوات هو صوت الحمير، أوله زفير مما يكره، وآخره شهيق مما يستقبح. 20- قد رأيتم أن الله ذلَّل لكم ما فى السموات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وما فى الأرض من الأنهار والثمار والدواب، وأتم عليكم نعمه ظاهرة لكم ومستورة عنكم، ومن الناس من يُجادل فى ذات الله وصفاته بلا دليل ولا رشاد مأثور عن نبى ولا وحى يضئ طريق الحق. 21- وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من الحق والهدى، قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى ضلال يدخلهم عذاب السعير؟. 22- ومن يتجه إلى الله بقلبه ووجهه ويفوض إليه جميع أمره - وهو محسن فى عمله - فقد تعلق بأقوى الأسباب التى توصله إلى رضا الله، وإليه - سبحانه - مصير الأمور كلها.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰبُنَيَّ} {ٱلصَّلاَةَ} (17) - ثُمَّ قَالَ لُقمَانُ لابنِهِ، يَا بُنَيَّ أَدِّ الصَّلاَة في أَوْقَاتِها، وَأَتْمِمْهَا بِرُكُوعِها وَسُجُودِها وَخُشُوعِها، لأَنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِرَبِّهِ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى فِعْلِ المَعْرُوفِ، والانْتِهَاءِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ، وإِذا فَعَلَ الإِنسَانُ ذلِكَ تَصْفُو نَفْسُهُ وَتَسْمُو، وَيَسْهُلُ عَلَيها احْتِمَالُ الصِّعَابِ في اللهِ، ثمَّ حَثَّ لُقْمَانُ ابْنَهُ عَلَى احتِمَالِ أَذَى النَّاسِ إِذا قَابَلُوهُ بِالسُّوءِ والأَذَى عَلَى حَثِّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى فِعْلِ الخَيرِ، والانْتِهَاءِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ هذا الذِي أَوْصَاهُ بِهِ هُوَ مِنَ الأمُورِ التِي يَنْبَغِي الحِرْصُ عَليها، والتَّمَسُّكُ بِهَا (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه مسائل أربع بدأها لقمان بإقامة الصلاة، والصلاة هي الركن الأول بعد أنْ تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وعلمنا أن الصلاة لأهميتها فُرِضت بالمباشرة، ولأهميتها جُعلِت ملازمة للمؤمن لا تسقط عنه بحال، أما بقية الأركان فقد تسقط عنك لسبب أو لآخر، كالصوم والزكاة والحج، فإذا سقطت عنك هذه الأركان لم يَبْق معك إلا الشهادتان والصلاة؛ لذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين. ولذلك بدأ بها لقمان: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [لقمان: 17] لأنها استدامة إعلان الولاء لله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، فحين يناديك ربك (الله أكبر) فلا ينبغي أن تنشغل بمخلوق عن نداء الخالق، وإلا فما موقف الأب مثلاً حين ينادي ولده فلا يجيبه؟ فاحذر إذا ناداك ربك ألا تجيب. ثم تأمل النداء للصلاة الذي اهتدتْ إليه الفطرة البشرية السليمة، وأقرّه سيدنا رسول الله: الله أكبر الله أكبر، يعني أكبر من كل ما يشغلك عنه، فإياك أن تعتذر بالعمل في زراعة أو صناعة أو تجارة عن إقامة الصلاة. وقد ناقشتُ أحد أطباء الجراحة في هذه المسألة، فقال: كيف أترك عملية جراحية من أجل الصلاة؟ فقلت له: بالله لو اضطررتَ لقضاء الحاجة تذهب أم لا؟ فضحك وقال: أذهب، فقلت: فالصلاة أوْلَى، ولا تعتقد أن الله تعالى يكلِّف العبد تكليفاً، ثم يضنّ عليه باتساع الزمن له، بدليل أنه تعالى يراعي وقت العبد ومصالحه وإمكاناته، ففي السفر مثلاً يشرع لك الجمع والقصر. فبإمكانك أنْ تُوفِّق صلاتك حسب وقتك المتاح لك، إما بجمع التقديم أو التأخير، وكم يتسع وقتك ويخلو من مشغولية العبادة إذا جمعتَ الظهر والعصر جمْعَ تقديم، والمغرب والعشاء جَمْع تأخير في آخر وقت العشاء؟ أو حين تجمع الظهر والعصر جمعَ تأخير، فتصليهما قبل المغرب، ثم تصلي المغرب والعشاء جمع تقديم؟ إذن: المسألة فيها سِعَة، ولا حجةَ لأحد في تَرْك الصلاة بالذات، أما الذين يقولون في مثل هذه الأمور {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..} تفسير : [البقرة: 286] وأن هذا ليس في وُسْعي .. فنقول لهم: لا ينبغي أنْ تجعل وُسْعك هو الحكم، إنما التكليف هو الحكم في الوُسْع، وما دام ربك - عز وجل - قد كلَّفك فقد علم سبحانه وُسْعْك وكلّفك على قدره بدليل ما شرعه لك من رُخَص إذا خرجتْ العبادة عن الوُسْع. وقال {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [لقمان: 17] لأن الصلاة أول اكتمال في الإجماع لمنهج الله، وبها يكتمل إيمان الإنسان في ذاته، وسبق أن قلنا: إن هناك فرقاً بين أركان الإسلام وأركان المسلم، أركان الإسلام هي الخمس المعروفة، أمَّا أركان المسلم فهي الملازمة له التي لا تسقط عنه بحال، وهي الشهادتان والصلاة، وإنْ كان على المسلم أنْ يؤمن بها جميعاً، لكن في العمل قد تسقط عنه عدا الصلاة والشهادتين. ثم يبين لقمان لولده: أن الإيمان لا يقف عند حدِّ الاستجابة لهذين الركنين الأساسيين، إنما من الإيمان ومن كمال الإيمان أنْ تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فيقول له: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ..} [لقمان: 17] فانشغل بعد كمالك بإقامة الصلاة، بأنْ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فبالصلاة كَمُلْتَ في ذاتك، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنقل الكمال إلى الغير، وفي ذلك كمال الإيمان. وأنت حين تأمر بالمعروف، وحين تنهى عن المنكر لا تظن أنك تتصدَّق على الآخرين، إنما تؤدي عملاً يعود نفعه عليك، فبه تجد سعة الراحة في الإيمان، وتجد الطمأنينة والراحة الذاتية؛ لأنك أديْتَ التكاليف في حين قصرَّ غيرك وتخاذل. ولا شك أن في التزام غيرك وفي سيره على منهج الله راحة لك أنت أيضاً، وإلا فالمجتمع كله يَشْقى بهذه الفئة القليلة الخارجة عن منهج الله. ومن إعزاز العلم أنك لا تنتفع به الانتفاع الكامل إلا إذا عدَّيْته للغير، فإنْ كتمته انتفع الآخرون بخيرك، وشقيتَ أنت بشرّهم. إذن: لا تنتفع بخير غيرك إلا حين تؤدي هذه الفريضة، فتأمر غيرك بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وتحب لهم ما تحب لنفسك، وبذلك تنال الحظين، حظك عند الله لأنك أديْتَ، وحظك عند الناس لأنك في مجتمع متكامل الإيمان ينفعك ولا يضرك. ولك هنا أن تلحظ أن هذه الآية لم تقرن إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة كعادة الآيات، فغالباً ما نقرأ: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ..} تفسير : [البقرة: 43]. وحين نستقرئ كلمة الزكاة في القرآن الكريم نجد أنها وردت اثنتين وثلاثين مرة، اثنتان منها ليستا في معنى زكاة المال المعروفة النماء العام إنما بمعنى التطهر، وذلك في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما السلام: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ..} تفسير : [الكهف: 74]. ثم قوله تعالى: {أية : فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} تفسير : [الكهف: 81]. والمعنى: طهرناهم حينما رفعنا عنهم باباً من أبواب الفتنة في دين الله. والموضع الآخر في قوله تعالى: {أية : وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ..} تفسير : [مريم: 13] فالمعنى: وهبنا لمريم شيئاً نُزكيها به؛ ذلك لأن الزكاة أول ما تتعدى تتعدَّى من واجد لمعدم، ومريم لم تتزوج فهي مُعْدَمة في هذه الناحية؛ لذلك وهبها الله النماء الخاص من ناحية أخرى حين نفخ فيها الروح من عنده تعالى. وفي موضع واحد، جاءت الزكاة بمعنى زكاة المال، لكن غير مقرونة بالصلاة، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39]. وفي هذه الآية قال لقمان لولده: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} [لقمان: 17] ولم يقل: وآتِ الزكاة، فلماذا؟ ينبغي أن نشير إلى أن القرآن جمع بين الصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة فيها تضحية بالوقت، والوقت زمن العمل، والعمل وسيلة الكسب والمال، إذن؛ ساعة تصلي فقد ضحيْتَ بالوقت الذي هو أصل المال، فكأن في الصلاة تصدقت بمائة في المائة من المال المكتسب في هذا الوقت، أمّا في الزكاة فأنت تتصدَّق بالعُشْر، أو نصف العشر، أو رُبْع العشر، ويبقى لك معظم كسبك، فالواقع أن الزكاة في الصلاة أكبر وأبلغ من الزكاة نفسها. إذن: لما كانت الزكاة في كل منهما، قرن القرآن بينهما إلا في هذا الموضع، ولما تتأمله تجده من دقائق الأسلوب القرآني، فالقرآن يحكي هذه الوصايا عن لقمان لولده، ولنا فيه ملحظان: الأول: أن الله تعالى لم يكلِّف العبد إلا بعد سِنِّ البلوغ إلا في الصلاة، وجعل هذا التكليف مُوجهاً إلى الوالد أو ولي الأمر، فأنابه أن يكلف ولده بالصلاة، وأن يعاقبه إنْ أهمل في أدائها، ذلك ليربي عند ولده الدُّرْبة على الصلاة، بحيث يأتي سِنّ التكليف، وقد ألِفَها الولد وتعوَّد عليها، فهي عبادة تحتاج في البداية إلى مران وأخذ وردٍّ، وهذا أنسب للسنِّ المبكرة. والوالد يُكلِّف ولده على اعتبار أنه الموجد الثاني له، والسبب المباشر في وجوده، وكأن الله تعالى يقول: أنا الموجد لكم جميعاً وقد وكَّلتُك في أنْ تكلِّف ولدك؛ لأن معروفك ظاهر عنده، وأياديك عليه كثيرة، فأنت القائم بمصالحه المُلَبِّي لرغباته، فإنْ أمرته قَبِل منك وأطاعك، فهي طاعة بثمنها. وطالما وكلتك في التكليف فطبيعي أنْ أُوكِّلك في العقوبة، فإنْ حدث تقصير في هذه المسألة فالمخالفة منك، لا من الولد؛ لأنني لم أُكلِّفه إنما كلَّفْتُك أنت. لذلك بدأ لقمان أوامره لولده بإقامة الصلاة، لأنه مُكلَّف بهذا الأمر، فولده ما يزال صغيراً بدليل قوله {يٰبُنَيَّ ..} [لقمان: 17] فالتكليف هنا من الوالد، فإنْ كان الولد بالغاً حال هذا الأمر فالمعنى: لاحظ التكليف من الله بإقامة الصلاة. أما الزكاة، وهي تكليف من الله أيضاً فلم يذكرها هنا - وهذه من حكمة لقمان ودِقَّة تعبيره، وقد حكاها لنا القرآن الكريم لنأخذ منها مبادئ نعيش بها. ثانياً: إنْ كلَّفه بالزكاة فقال: أقم الصلاة وآتِ الزكاة فقد أثبت لولده ملكية، ومعروف أن الولد لا ملكيةَ له في وجود والده، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنت ومالك لأبيك" تفسير : وذكرنا أن لقمان لما علم بموت أبيه قال: إذن ملكتُ أمري فأمره ليس مِلْكاً له في حياة أبيه؛ لذلك لم يأمر ولده بالزكاة، فالزكاة في ذمته هو، لا في ذمة ولده. وتتأكد لدينا هذه المسألة حين نقرأ قول الله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ..} تفسير : [النور: 61]. فالله تعالى رفع عنَّا الحرج أنْ نأكل من هذه البيوت، ونلحظ أن الآية ذكرتْ الأقارب عدا الأبناء، وكان الترتيب المنطقي أن يقول بعد أمهاتكم: أو بيوت أبنائكم، فلماذا لم يذكر هنا بيوت الأبناء؟ قالوا: لأنها داخلة في قوله: بيوتكم، فبيت الابن هو بيت الأب، والولد وما ملكتْ يداه مِلْكٌ لأبيه. ثم يقول لقمان لولده: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ..} [لقمان: 17] الصبر: حَمْل النفس على التجلُّد للأحداث، حتى لا تعينَ الأحداث على نفسك بالجزع، فأنت أمام الأحداث تحتاج إلى قوة مضاعفة، فكيف تُضعِف نفسك أمامها؟ والمصيبة تقع إما لك فيها غريم، أو ليس لك فيها غريم، فالذي يسقط مثلاً، فتنكسر ساقه، أو الذي يفاجئه المرض .. الخ هذه أقدار ساقها الله إليك بلا سبب فلا غريم لك فيها؛ لذلك يجعلها في ميزانك: إما أنْ يعلي بها درجاتك، وإما أنْ يُكفِّر بها سيئاتك؛ لذلك كان الكفار يفرحون إذا أصاب المسلمين مصيبة، كما فرحوا يوم أُحُد، وقد ردَّ الله عليهم وبيَّن غباءهم، وقال سبحانه: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ..} تفسير : [التوبة: 51] وتأمل الجار والمجرور (لنا) ولم يقُلْ كتِب علينا، إذن: فالمصيبة في حساب (له) لا (عليه) فلماذا تفرحون في المصيبة تقع بالمسلمين؟ وأوصى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الذي يتعرض لهذين الأمرين لا بُدَّ أن يصيبه سوء من جراء أمره بالمعروف أو نَهْيه عن المنكر، فإنْ تعرضتْ للإيذاء فاصبر؛ لأن هذا الصبر يعطيك جزاءً واسعاً. وتغيير المنكر له مراحل وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : مَنْ رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". تفسير : فالله أمرك أنْ تُغيِّر المنكر، لكن جعل لك تقدير المسألة ومدى إمكانك فيها، فالدين يريدك مُصلِحاً لكن لا يريد أنْ تلقى بنفسك إلى التهلكة، فلك أنْ تُغيِّر المنكر بيدكَ فتضرب وتمنع إذا كان لك ولاية على صاحب المنكر، كأن يكون ولدك أو أخاك .. إلخ. فلك أن تضربه مثلاً إنْ رأيتَ سيجارة في فمه، أو أنْ تكسر له كأس الخمر إنْ شربها أو تمزق له مثلاً ورق "الكوتشينة"، فإنْ لم تكُنْ لك هذه الاستطاعة فيكفي أنْ تُغيِّر بلسانك إنْ كانت لديك الكلمة الطيبة التي تداوي دون أن تجرح الآخرين، ودون أنْ يؤدي النصح إلى فتنة، فيكون ضرره أكثر من نفعه. فإنْ لم يكُنْ في استطاعتك هذه أيضاً، فليكُنْ تغيير المنكر بالقلب، فإنْ رأيتَ منكراً لا تملك إلا أنَّ تقول: اللهم إنَّ هذا منكر لا يرضيك لكن أيُعَدُّ عمل القلب تغييراً للمنكر وأنت مطالب بأنْ تُغيِّره بيدك يعني: إلى ضده؟ وهل هذه الكلمة تغير من الواقع شيئاً؟ قالوا: لا يحدث التغيير بالقلب إلا إذا كان القالب تابعاً للقلب، فالقلب يشهد أنَّ هذا منكر لا يُرضي الله، والقالب يساند حتى لا تكون منافقاً، فأنت أنكرتَ عليه الفعل، ولا استطاعة لك على أنْ تمنعه، ولا أن تنصحه، فلا أقلَّ من أنْ تعزله عن حياتك وتقاطعه، وإلاَّ فكيف تُغيِّر بقلبك إنْ أنكرتَ عليه فعله وأبقيتَ على وُدِّه ومعاملته؟ إذن: لا يكون التغيير بالقلب إلا إذا أحسَّ صاحب المنكر أنه في عزلة، فلا تهنئه في فرح، ولا تعزيه في حزن، وإنْ كنتَ صاحب تجارة، فلا تَبِعْ له ولا تشتر منه .. الخ. وما استشرى الباطل وتَبجح أهل الفساد وأهل المنكر إلا لأن الناس يحترمونهم ويعاملونهم على هذه الحال، بل ربما زاد احترام الناس لهم خوفاً من باطلهم ومن ظلمهم. فالتغيير بالقلب ليس كلمة تقال إنما فعل وموقف، وقد علَّمنا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في قوله سبحانه: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 140]. ويقول سبحانه في آية أخرى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 68]. والنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا بغير عذر في غزوة تبوك، يُعلِّمنا كيف نعزل أصحاب المنكر، لا بأن نعزلهم في زنزانة كما نفعل الآن، إنما بأن نعزل المجتمع عنهم، ليس المجتمع العام فحسب، بل عن المجتمع الخاص، وعن أقرب الناس إليه. وقد تخلف عن هذه الغزوة عدة رجال اعتذروا لرسول الله فقَبِل علانيتهم وترك سرائرهم لله، لكن هؤلاء الثلاثة لم يجدوا لأنفسهم عذراً، ورأوا أنهم لا يستطعيون أنْ يكذبوا على رسول الله، ولم يحبسهم الرسول، إنما حبس المجتمع عنهم حتى الأقارب، فكان الواحد منهم يمشي و (يتمحك) في الناس ليكلمه أحد منهم، فلا يكلمه أحد، وكعب بن مالك يتسوَّر على ابن عمه الحديقة، ويقول له: تعلم أني أحب الله ورسوله فلا يجيبه، ويصلي بجوار الرسول يلتمس أنْ ينظر إليه، فلا ينظر إليه. ولما نجحت هذه المقاطعة على هذا المستوى أعلاها الشرع وتسلسل بها إلى الخصوصيات في البيت، فعزل هؤلاء الثلاثة عن زوجاتهم، فأمر كلاً منهن ألاَّ يقربها زوجها إلى أن يحكم الله في أمرهم، حتى أن واحدة من هؤلاء جاءت لرسول الله وقالت: يا رسول الله، إن زوجي رجل كهدبة الثوب (يعني: ليست له رغبة في أمر النساء) فأذن لها رسول الله في أن تخدمه على ألاَّ يقربها. ظل هؤلاء الثلاثة ثلاثين يوماً في هذا الامتحان العام وعشرة أيام في الامتحان الخاص، ونجح المجتمع العام، ونجح المجتمع الخاص، وهكذا علَّمنا الشرع كيف نعزل أصحاب المنكر وأهل الجريمة، فعزل المجتمع عنهم أبلغ من عزلهم عن المجتمع، لذلك كان وَقْع هذه العزلة قاسياً على هؤلاء. فهذا كعب بن مالك يحكي قصته ويقول: لقد ضاقت بي الأرض على سعتها، والحق يقول في وصف حالهم: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. فلما استوى المجتمع العام والمجتمع الخاص على منهج الله فرَّج الله عن هؤلاء الثلاثة، ونزل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. فأسرع أحدهم يبشر كعباً بهذه البشرى فطار كعب فرحاً بها، وقال: فوالله ما ملكتُ أنْ أخلع عليه ثيابي كلها، ثم أستعير ثياباً أذهب بها إلى رسول الله. إذن: ينبغي أن نعزل المجتمع كله عن أصحاب المنكر، لا أن نعزلهم هم في السجون، لكن مَنْ يضمن لنا استقامة المجتمع في تنفيذ هذه العزلة كما نفذها المجتمع المسلم على عهد رسول الله؟ نعود إلى ما كنا نتحدث عنه من أن المصيبة إذا كانت قدراً من الله ليس لك فيها غريم، فإن الصبر عليها هيِّن، فالأمر بينك وبين ربك، أما إنْ كان لك في المصيبة غريم كأن يعتدي عليك أحد فيحرق زرعك أو يقتل ولدك، فهذه تحتاج إلى صبر أشد، فكلما رأيتَ غريمك هاجتْ نفسك وغلى الدم في عروقك، فيحتاج إلى طاقة أكبر ليحمل نفسه على الصبر. لذلك يقول سبحانه في هذه المسألة: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] فأكَّدها باللام؛ لأنها تحتاج إلى طاقة أكبر من الصبر وضبط النفس حتى لا تتعدى كلما رأيت الغريم، وهذا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون يلتمسون فيها مأخذاً على كلام الله. يقولون: ما الفرق بين قول القرآن {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [لقمان: 17] وقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. ثم أيهما أبلغ من الأخرى، فإنْ كانت الأولى بليغة فالأخرى غير بليغة. ونقول في الرد عليهم: كل من الآيتين بليغة في سياقها، فالتي أُكِّدت باللام جاءت في المصيبة التي لك فيها غريم وتحتاج إلى صبر أكبر، أما الأخرى ففي المصيبة التي ليس لك فيها غريم، فهي بينك وبين ربك، والصبر عليها هيِّن يسير. لذلك، فالحق سبحانه يعالج هذه المسألة ليُصفِّي النفس ويمنع ثورتها، فيقول: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40] لتقف النفس عند حدِّ الرد بالمثل، ثم يُرقِّى المسألة، ويفتح باباً للعفو: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [الشورى: 40] وقال في موضع آخر: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126]. فحين يبيح لك ربك أنْ تأخذ بحقك تهدأ نفسك، وربما تتنازل عن هذا الحق بعد أن أصبح في يدك؛ لذلك كثيراً ما نرى - خاصة في صعيد مصر حيث توجد عادة الأخذ بالثأر - القاتل يأخذ كفنه على يديه، ويدخل به على ولي الدم، ويُسلِّم نفسه إليه، وعندها لا يملك ولي الدم إلا أن يعفو. حتى في مسألة القتل والقصاص يجعل الحق سبحانه مجالاً لترقية النفس البشرية وأريحيتها، بل ويُسمِّي الطرفين إخوة في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} تفسير : [البقرة: 178]. ففي هذا الجو وفي أثناء ما تسيل الدماء يُحدِّثنا ربنا عن العفو والإحسان والأخوة، ومعلوم أن هناك فَرْقاً بين أن تأخذ الحق، وبين أنْ تنفذ أخذ الحق بيدك. فالله تعالى خالق النفس البشرية ويعلم ما جُبلَتْ عليه من الغرائز وما تُكِنّه من العواطف، وما يستقر فيها من القيم والمبادئ، لكنه - سبحانه وتعالى - لا يبني الحكم على ارتفاع المناهج في الإنسان، إنما على ضوء هذه الطبيعة التي خلقه عليها، فليس الخَلْق كلهم على درجة من الورع تدعوهم إلى العفو والصفح؛ لذلك أعطاك حقَّ الرد بالمثل على مَن اعتدى عليك {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40] وقال: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ .. } تفسير : [النحل: 126]. ومع ذلك حين تتأمل هذه الآيات تجد أن تنفيذها من الصعوبة بمكان، فمَنْ لديه القدرة والمقاييس الدقيقة التي تُوقِفه عند حدِّ المثلية التي أمر الله بها؟ وسبق أنْ بيَّنا: أنه إذا اعتدى عليك شخص وضربك مثلاً، أتستطيع أنْ تضربه مثل ضربته لا تزيد عليها، لأنك إنْ زدتَ صِرْتَ ظالماً، واقرأ بقية الآية: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الشورى: 40]. وسبق أنْ ذكرنا قصة المرابي اليهودي الذي اتفق مع مدينه على أنْ يقطع من جسمه رطلاً، إذا لم يُؤدِّ في الموعد المحدد، وفعلاً جاء موعد السداد، ولم يَف المدين، فرفع اليهودي أمره إلى القاضي وأخبره بشرطه - وكان القاضي مُوفَّقاً قد نوَّر الله بصيرته، فقال لليهودي: نعم لك حَقٌ في أن تُنفذ ما اتفقنا عليه، وسأعطيك السكين على أنْ تأخذ من المدين رطلاً من لحمه في ضربة واحدة، بشرط إذا زدتَ عنها أو نقصتَ أخذناه من لحمك. وعندها انصرف اليهودي؛ لأن المثلية لا يمكن أن تتحقق، فكأن الله تعالى بهذا الشرط - شرط المثلية في الردِّ - يلفت انتباهك إلى أن العفو أوْلَى بك وأصلح. إذن: يُحدِّثنا الحق - تبارك وتعالى - عن العفو وعن الإحسان في المصيبة التي لك فيها غريم، ويبين لنا أنك إذا أخذتَ حقك الذي قرره لك فقد أرحتَ نفسك، لكن حرمتها الأجر الذي تكفَّل الله لك به إنْ أنت عفوتَ. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يولد من أسباب البغضاء أسباباً للولاء، فالذي كان من حقك أنْ تقتله ثم عفوتَ عنه أصبحت حياته مِلْكاً لك، فهل يفكر لك في سوء بعدها؟ لذلك يُعلِّمنا ربنا: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. وأذكر أنني جاءني مَنْ يقول: والله أنا دفعتُ بالتي هي أحسن مع خصمي، فلم أجده ولياً حميماً كما قال الله تعالى، فقلت له: عليك أن تراجع نفسك؛ لأنك ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، لكن الواقع غير ذلك، ولو دفعتَ بالتي هي أحسن لَصدق الله معك، ورأيت خَصْمك ولياً حميماً، إنما أنت تريد أنْ تُجرِّب مع الله والتجربة مع الله شكٌّ. والنبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا أنْ نبقى على يقين التوكل سارياً دون أنْ نفكر كيف يحدث، وقصة الصحابية أم مالك شاهدَة على ذلك، فقد كان عندها غنم تحلب لبنها، فتصنع مما زاد عن حاجتها وحاجة أولادها زبداً، وكانت تهدي منه إلى رسول الله في عكة عندها، فكان أهل بيت رسول الله يُفرغون هذه العكة في آنيتهم، ثم يعيدونها إليها وهكذا. حتى قالت أم مالك: والله ما أصبتُ إداماً إلا من هذه العكة، وكانت كلما احتاجت الإدام أفرغتْ العكة، فوجدت بها الإدام حتى بعد أن أفرغها أهل بيت الرسول، لكن خُيِّل لها في يوم من الأيام أنها أسرفت في استعمال هذه العكة، وظنت أن ما بها من إدام قد نفد، فأخذتها وعصرتها، فلم تجد فيها شيئاً، فظنت أن رسول الله غاضب منها، فذهبت إليه وقصَّتْ عليه هذه المسألة، فقال لها صلى الله عليه وسلم: حديث : "أعَصريتها يا أم مالك؟" فقالت: نعم يا رسول الله، فأخبرها أن التجربة مع الله شكٌّ وأنها لو لم تعصرها ولم تظن هذا الظن لبقيتْ العُكَّة على حالهاتفسير : ، وكما تعودت منها. وتلحظ أن كلمة (أصابك) والمصيبة تدل على أنها واقعة بك ولن تنجو منها؛ لأنها قدر أرسل إليك بالفعل، وسيصيبك لا محالة، والمسألة مسألة وقت إلى أنْ يصلك هذا السهم الذي أُطِلق عليك، فإياك أنْ تقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فما سُمِّيت المصيبة بهذا الاسم إلا لأنها صائبتك لا تستطيع أنْ تفرَّ منها. كما يقولون عن الموت: تأكد أنك ستموت، وعمرك بمقدار أنْ يصلك سهم الموت. وكلمة {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [لقمان: 17] نقول: فلان له عزم، ونسمع القرآن يقول: {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 159] العزم: الفرض المقطوع به، والذي لا مناص عنه، ومنه ما جاء في قول لقمان لما خيَّره ربه بين أن يكون رسولاً أو حكيماً، فاختار الراحة وترك الابتلاء، لكنه قال: يا رب إنْ كانت عزمة منك فسمعاً وطاعة، يعني: أمراً مفروضاً ينبغي ألاَّ نحيد عنه. والعزم يعني شحن كل طاقات النفس للفعل والقطع به، فالصلاة على الميت مثلاً لا تُسمَّى عزيمة؛ لأنها فرض كفاية إنْ فعلها البعض سقطتْ عن الباقين، على خلاف الصلاة التامة في السفر مثلاً حيث يعتبرها الإمام أبو حنيفة عزيمة لا رخصة، فإن أتممت الصلاة في السفر أسأْت، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه ". تفسير : والمعنى: لا ترد يد الله المبسوطة لك بالتيسير في الصلاة أثناء السفر. ثم يعتمد في هذا الرأي على دليل آخر من علم الأصول هو أن الصلاة فُرضَتْ في الأصل مثنى مثنى، ثم أقرت في السفر وزيدت في الحضر. إذن: فصلاة السفر مع الأصل، فلو أتممتَ الصلاة في السفر أسأْتَ. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا أَبو جعفر عن الربيع /60 و/ عن أَبي العالية في قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [الآية: 17]. قال: من دعا إِلى الإِيمان، ونهى عن عبادة الأَوثان، فقد أَمر بالمعروف ونهى عن المنكر. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [الآية: 18]. قال: هو الصدود والإِعراض بالوجه عن الناس. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الآية: 18]. يعني: كل متكبر. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَخُورٍ} [الآية: 18]. قال: هو الذي يعدد ما أَعطاه، وهو لا يشكر الله. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الآية: 28]. قال: يقول: القليل والكثير عليه سواءٌ. {أية : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [البقرة: 117].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : كما أمره الله تعالى بقوله: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} [لقمان: 17] أي: أدمها، وأدامتها في أن ينتهي من الفحشاء والمنكر فإنه تعالى وصف الصلاة بأن {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45] فإنه في الصلاة وإن لم يكن على هيئاتها، ومن لم يكن منتهياً عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وإن كان مؤدياً هيئاتها، ولهذا المعنى ذكر عقيب قوله: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}، وقوله: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [لقمان: 17] يشير به إلى أن تأمر قلبك بالمعروف والمعروف ما يوصل العبد إلى الله وتنهي نفسك عن المنكر والمنكر ما يشغل العبد عن الله. وقوله: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} [لقمان: 17] يشير إلى أن البلاء والمحنة فلا بد للمريد الصادق أن يصبر على ما أصابه في أثناء الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الأعداء في الظاهر أو من الأعداء في الباطن والجوع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس أو مفارقة الأولاد والأهالي والإخوان والثمرات يعني: ثمرات المجاهدات. {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [البقرة: 155] على هذه الأحوال بأن {أية : عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 157] إلى الحضرة {إِنَّ ذَلِكَ} [لقمان: 17] المقدمات {مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [لقمان: 17] الموصلة للعبد إلى الرب {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18] تكبراً وتجبراً معجباً بما فتح الله عليك فتكون بهذا مفسداً في لحظة ما أصلحته في مدة. {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} [لقمان: 18] كمشية الجبارين وأيضاً ولا تمش مرحاً في طلب الحق تعالى بالتوالي والسكون كمشية المختال الفخور {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] في السير إليه فخور بما مال من الحق على الناس بطريق العجب والنظر إليهم بالحقارة {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19] بين مشي المتكاسل الجبان المتعلل وبين مشي المتسارع المستعجل المقدام {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} [لقمان: 19] في إظهار الدعاوى وكتمان المعاني كن فانياً عن شواهدك مصطلماً عن قولك مأخوذاً عن حولك وقوتك بما استولى عليك من كشوفات سرك وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك بل من سكر إعجابك وحسبانك، {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فيه إشارة إلى أن الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحق وقالوا: هو صوفي يتكلم قبل أوانه. ثم أخبر عن كمال عنايته في أهل ولايته بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20] يشير إلى ما في سماوات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل واليقين والصبر والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية والمواهب الربانية وتسخيرها بأن يستر العورة عليها بالسير والسلوك المتداركة بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها وإلى ما في أرض النفوس من الأوصاف الذميمة مثل الكبر والحسد والحقد والبخل والحرص والشره والشهوة وغيرها تبديلها بالأخلاق الحميدة والعبور عليها والتمتع بخواصها محترزاً عن عواقبها. ثم منَّ على العباد بما أنعم عليهم في تسخيرها في الروح لهم وقال: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] فالنعمة الظاهرة هي تسخير ما في السماوات وما في الأرض الظاهرة من الكواكب السيارة والملائكة المقربين فتسخير الكواكب تيسيرها في البروج على الفلاك التي دبرها لكل واحدة منها فلكاً، وقدر لهن القربات والاتصالات وجعلهن مدبرات العالم السفلي متصرفات بالخواص والطبائع في العناصر الأربعة ولقرابتهن واتصالاتهن مقتضيات في إظهار الأمور المقدرة بتقدير العزيز العليم في عالم السفلي من الزماني مثل الشتاء والصيف والخريف والربيع. ومن المكاني مثل المعدن والنبات والحيوان والإنسان فظهور الأحوال المختلفة بحسب سير الكواكب على الدوام لمصالح الإنسان ومنافعهم منها، وتسخير الملائكة بأن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل كل صنف من الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وأعواناً لها كالملائكة الموكلين على الشمس والقمر والنجوم وأفلاكها والموكلين على السحاب والمطر، وقد جاء في الخبر أن على كل قطرة من المطر موكلاً من الملائكة لينزلها حيث أمر، والموكلين على الرياح والبحور والمخلوقات، والملائكة الكُتَّاب للناس الموكلين عليهم، ومنهم المعقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمر الله حتى جعل على الأرحام ملائكة، فإذا وقعت نطفة الرجل في الرحم يأخذ الملك بيده اليمنى وإذا وقعت نطفة المرأة يأخذها الملك بيده اليسرى، فإذا أمر مشجها بمشج النطفتين، وذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}تفسير : [الإنسان: 2]. وأما الملائكة الموكلين على الجنة والنار كلهم مسخرون لصالح الإنسان ومنافعهم حتى الجنة والنار مسخرات لهم تطميعاً وتخويفاً لأنهم يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، والنعمة الباطنة هي تسخير ما في السماوات وما في الأرض الباطنة وهي القلب والنفس وقد تقدم ذكر ما فيهما وبقوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الحج: 3] يُشير إلى أهل الجدل من الأصوليين والفلاسفة، فإنهم يجادلون في ذات الله وصفاته بغير علم في معرفة ذاته وصفاته؛ لأنهم ما سلكوا طريق المعرفة في متابعة الأنبياء بدلالة صاحب ولاية عالم رباني واقف على أسرار الطريقة عارف بأسرار عالم الحقيقة ليخرجهم من ظلمات الإنسانية إلى نور الربانية ليعرفوا الحق تعالى بنوره فهو يهديهم إلى معرفة ذاته وصفاته بإفناء ذاتهم وصفاتهم عند تجلي ذاته وصفاته، فلما كان أهل الجدال بمعزل هذا العلم وعن هذا الهدى قال تعالى: {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى}تفسير : [الحج: 8] ولا هدى. وأما قوله: {أية : وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} تفسير : [الحج: 8] يشير إلى أنهم إذا كانوا معطلين عن هذا الهدى لو تمسكوا بالقرآن واستمسكوا به في معرفة ذات الله وصفاته لاهتدوا ولكنهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} [لقمان: 21] بهذا يشير إلى الجدال إذا قال لهم الحق: اتبعوا في معرفة ذات الله وصفاته ما أنزل الله من كتابه من الدلائل في التوحيد، يقولون: بل نتبع الدلائل العقلية تقليداً لما وجدنا عليه أستاذنا والحكماء الأوائل، فلا يقبلون دلائل القرآن العظيم والكلام على التوحيد ويقبلون دلائل العقول المشوبة بالوهم والخيال وشبهات أهل الأهواء والبدع على الكفر والضلالة قال الله تعالى فيهم: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [لقمان: 21] أي: بموجبات اتباعهم الدلائل والشبهات العقلية.