Verse. 3487 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْاَرْضِ مَرَحًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْـتَالٍ فَخُــوْرٍ۝۱۸ۚ
Wala tusaAAAAir khaddaka lilnnasi wala tamshi fee alardi marahan inna Allaha la yuhibbu kulla mukhtalin fakhoorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تصعِّر» وفي قراءة تصاعر «خدك للناس» لا تمل وجهك عنهم تكبرا «ولا تمش في الأرض مرحا» أي خيلاء «إن الله لا يحب كل مختالٍ» متبختر في مشيه «فخور» على الناس.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أمره أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى بعدهما من أمرين أحدهما: التكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له والثاني: التبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه فقال: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } تكبراً {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } تبختراً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } يعني من يكون به خيلاء وهو الذي يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر {فَخُورٌ } يعني من يكون مفتخراً بنفسه وهو الذي يرى عظمة لنفسه في عينه، وفي الآية لطيفة وهو أن الله تعالى قدم الكمال على التكميل حيث قال {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } ثم قال: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } وفي النهي قدم ما يورثه التكميل على ما يورثه الكمال حيث قال: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ } ثم قال: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } لأن في طرف الإثبات من لا يكون كاملاً لا يمكن أن يصير مكملاً فقدم الكمال، وفي طرف النفي من يكون متكبراً على غيره متبختراً لأنه لا يتكبر على الغير إلا عند اعتقاده أنه أكبر منه من وجه، وأما من يكون متبختراً في نفسه لا يتكبر، ويتوهم أنه يتواضع للناس فقدم نفي التكبر ثم نفي التبختر، لأنه لو قد نفي التبختر للزم منه نفي التكبر فلا يحتاج إلى النهي عنه. ومثاله أنه لا يجوز أن يقال لا تفطر ولا تأكل، لأن من لا يفطر لا يأكل، ويجوز أن يقال لا تأكل ولا تفطر، لأن من لا يأكل قد يفطر بغير الأكل، ولقائل أن يقول إن مثل هذا الكلام يكون للتفسير فيقول لا تفطر ولا تأكل أي لا تفطر بأن تأكل ولا يكون نهيين بل واحداً.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن مُحَيْصِن: «تصاعر» بالألف بعد الصاد. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد: «تُصَعّر» وقرأ الجحدرِي: «تُصْعر» بسكون الصاد؛ والمعنى متقارب. والصَّعَر: الميل؛ ومنه قول الأعرابي: وقد أقام الدهر صعرى، بعد أن أقمت صعره. ومنه قول عمرو بن حُنَيّ التّغلبي:شعر : وكنا إذا الجبّار صَعّر خدّه أقمنا له من مَيْله فَتقوَّمِ تفسير : وأنشده الطبري: «فتقوّمَا». قال ابن عطية: وهو خطأ؛ لأن قافية الشعر مخفوضة. وفي بيت آخر:شعر : أقـمـنـا لـه مـن خـدّه المـتـصـعـر تفسير : قال الهروي: «ولا تصاعر» أي لا تعرِض عنهم تكبّراً عليهم؛ يقال: أصاب البعيرَ صَعَرٌ وصَيَد إذ أصابه داء يَلْوِي منه عنقه. ثم يقال للمتكبّر: فيه صَعَر وصَيَد؛ فمعنى: «لاَ تُصَعِّر» أي لا تلزم خدّك الصَّعَر. وفي الحديث: «حديث : يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أَصْعَرُ أو أبتر»تفسير : والأصعر: المعرض بوجهه كبرا؛ وأراد رُذالة الناس الذين لا دين لهم. وفي الحديث: «حديث : كلّ صعّار ملعونٌ» تفسير : أي كل ذي أبَّهة وكبر. الثانية: معنى الآية: ولا تُمِل خدّك للناس كبراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم. وهذا تأويل ابن عباس وجماعة. وقيل: هو أن تلوِي شِدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره؛ فالمعنى: أقبل عليهم متواضعاً مؤنساً مستأنساً، وإذا حدّثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه. وكذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل. قلت: ومن هذا المعنى ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»تفسير : . فالتدابر الإعراض وترك الكلام والسلام ونحوه. وإنما قيل للإعراض تدابر لأن من أبغضته أعرضت عنه ووليته دبرك؛ وكذلك يصنع هو بك. ومن أحببته أقبلت عليه بوجهك وواجهته لتسرّه ويسرّك؛ فمعنى التدابر موجود فيمن صَعّر خده، وبه فسر مجاهد الآية. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: قوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} كأنه نهى أن يذِلّ الإنسان نفسه من غير حاجة؛ ونحو ذلك روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ليس للإنسان أن يذلّ نفسه".تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي متبختراً متكبراً، مصدر في موضع الحال، وقد مضى في «سبحان». وهو النشاط والمشي فرحاً في غير شغل وفي غير حاجة. وأهل هذا الخُلُق ملازمون للفخر والخُيَلاء؛ فالمرِح مختال في مشيته. روى يحيـى بن جابر الطائي عن ابن عائذ الأزدي عن غُضيف بن الحارث قال: أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال: فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم ما غَرّك بي! ألم تعلم أني بيت الوحدة! ألم تعلم أني بيت الظلمة! ألم تعلم أني بيت الحق! يا ابن آدم ما غَرّك بي! لقد كنت تمشي حولي فَدّادا. قال ابن عائذ قلت لغُضيف: ما الفدّاد يا أبا أسماء؟ قال: كبعض مِشيتك يا ابن أخي أحياناً. قال أبو عبيد: والمعنى ذا مال كثير وذا خُيلاء. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جرّ ثوبه خُيَلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة»تفسير : . والفخور: هو الذي يعدد ما أعطِي ولا يشكر الله تعالى؛ قاله مجاهد. وفي اللفظة الفخر بالنسب وغير ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تُصَعِّرْ } وفي قراءة تُصَاعِرْ {خَدَّكَ لِلنَّاسِ } لا تُمِلْ وجهك عنهم متكبراً {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } أي خيلاء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } متبختر في مشيه {فَخُورٍ } على الناس.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُصَعِّرْ} الصعر الكبر "ع"، أو الميل، أو التشدق في الكلام، يقول لا تعرض بوجهك عن الناس تكبراً، أو بالتشدق، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يلوي شدقه عن ذكر الإنسان احتقاراً، أو الإعراض عمن بينه وبينه إحنة هجراً له فكأنه أمر بالصفح والعفو، أو أن يكون الغني والفقير عنده في العلم سواء. {مَرَحاً} بالمعصية، أو بالخيلاء والعظمة، أو البطر والأشر. {مُخْتَالٍ} منان، أو متكبر، أو بطر. {فَخُورٍ} متطاول على الناس بنفسه، أو مفتخر عليهم بما يصفه من مناقبه "ع"، أو الذي يعدد ما أعطى ولا يشكر الله تعالى فيما أعطاه.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي تُمِله ولا تُولِّهم صفحة وجهِك كما هو ديدنُ المتكبرينَ. من الصَّعرِ وهو الصَّيَدُ وهو داءٌ يصيبُ البعيرَ فيلوى منه عنقَهُ. وقُرىء ولا تُصاعرْ. وقُرىء ولا تَصْعِرْ من الإفعالِ والكلُّ بمعنى مثل عَلاَهُ وعَالاَهُ وأعَلاَهُ {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحًا} أي فَرَحاً مصدرٌ وقعَ موقعَ الحالِ أو مصدرُ مؤكِّدٌ لفعلِ هو الحالُ أي تمرحُ مَرَحاً أو لأجلِ المرحِ والبَطَرِ. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} تعليلٌ للنَّهي أو موجبِه، وتأخيرُ الفخورِ مع كونِه بمقابلةِ المصعِّرِ خدَّه عن المختالِ وهو بمقابلةِ الماشِي مَرَحا رعايةً للفواصلِ. {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} بعد الاجتنابِ عن المَرَح فيه أي توسَّطْ بـين الدبـيبِ والإسراعِ وعنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : سرعةُ المشيِ تُذهُب بهاءَ المُؤمنِ » تفسير : وقولُ عائشةَ في عمرَ رضي الله عنهما: (كانَ إذا مشَى أسرعَ) فالمرادُ به ما فوقَ دبـيبِ المتماوتِ. وقُرىء بقطعِ الهمزةِ من أقصَدَ الرَّامِي إذا سدَّدَ سهمَه نحوَ الرَّميةِ. {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} وانقُص منه واقصُر {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ} أي أوحشَها {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} تعليلٌ للأمرِ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه مبنيٌّ على تشبـيهِ الرَّافعينَ أصواتَهم بالحميرِ، وتمثيلِ أصواتِهم بالنُّهاقِ وإفراطٌ في التَّحذيرِ عن رفعِ الصَّوتِ والتَّنفيرِ عنه، وإفرادُ الصَّوتِ مع إضافتِه إلى الجمعِ لما أنَّ المرادَ ليس بـيانَ حالِ صوتِ كلِّ واحدٍ من آحادِ هذا الجنسِ حتى يُجمعَ بل بـيانَ حالِ صوتِ هذا الجنسِ من بـينِ أصواتِ سائرِ الأجناسِ. وقولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} رجوعٌ ما سلفَ قبل قصَّةِ لقمانَ من خطابِ المشركينَ وتوبـيخٌ لهم على إصرارِهم على ما هُم عليه مع مشاهدتِهم لدلائلِ التَّوحيدِ، والمرادُ بالتَّسخير إمَّا جعلُ المسخَّرِ بحيثُ ينفعُ المسخَّرَ له أعمًّ من أنْ يكونَ مُنقاداً له يتصرَّفُ فيه كيفَ يشاءُ ويستعملُه حسبما يريدُ كعامَّة ما في الأرضِ من الأشياءِ المسخَّرة للإنسانِ المستعملةِ له من الجمادِ والحيوانِ أو لا يكونُ كذلك بل يكونُ سبباً لحصولِ مرادِه من غيرِ أن يكونَ له دخلٌ في استعمالِه كجميعِ ما في السَّمواتِ من الأشياءِ التي نِيطتْ بها مصالحُ العبادِ معاشاً أو مَعَاداً، وإما جعلُه منقاداً للأمرِ مذللاً على أنَّ معنى لكُم لأجلِكم فإنَّ جميعَ ما في السَّمواتِ والأرضِ من الكائناتِ مسخرةٌ لله تعالى مستتبعةٌ لمنافعِ الخلقِ، وما يستعملُه الإنسانُ حسبما يشاءُ وإن كان مسخَّراً له بحسبِ الظَّاهرِ فهو في الحقيقةِ مسخَّرٌ لله تعالى {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً} محسوسةً ومعقولةً معروفةً لكم وغيرَ معروفةٍ وقد مرَّ شرحُ النِّعمةِ وتفصيلُها في الفاتحةِ. وقُرىء أصبغَ بالصَّادِ وهو جارٍ في كلِّ سينٍ قارنت الغينَ أو الخاءَ أو القافَ كما تقولُ في سَلَخ صَلَخ وفي سَقَر صَقَر وفي سَالِغ صالغ وقُرىء نعمةً {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ} في توحيدِه وصفاتِه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} مستفادٍ من دليلٍ {وَلاَ هُدًى} من جهةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ} أنزلَه الله سبحانُه بل بمجرَّدِ التَّقليدِ.

التستري

تفسير : قوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}[18] أي لا تعرض وجهك عمن استرشدك الطريق إلينا، وعرفهم نعمتي وإحساني لديهم.

القشيري

تفسير : يعني لا تتكبرْ عَلَى الناسِ، وطالِعْهم من حيث النسبة والتحقق بأنكَ بمشهدٍ منْ مولاك. ومَنْ عَلِمَ أنّ مولاه ينظر إليه لا يتكبرُ ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تصعر خدك للناس} التصعر التواء وميل فى العنق من خلقة او داء او من كبر فى الانسان وفى الابل. والتصعير امالته عن النظر كبرا كما قال فى تاج المصادر [التصعير: روى بكردانيدن از كبر]. وخد الانسان ما اكتنف الانف عن اليمين والشمال او ما جاوز مؤخر العينين الى منتهى الشدق او من لدن المحجر الى اللحى كما فى القاموس. والمعنى اقبل على الناس بجملة وجهك عند السلام والكلام واللقاء تواضعا ولا تحول وجهك عنهم ولا تغط شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون استحقارا للناس خصوصا الفقراء وليكن الغنى والفقير عندك على السوية فى حسن المعاملة. والاشارة لا تمل خدك تكبرا او تجبرا معجبا بما فتح الله عليك فتكون بهذا مفسدا فى لحظة ما اصلحته فى مدة: قال الحافظ شعر : ببال وبر مرو ازره كه تير برتابى هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست تفسير : {ولا تمش فى الارض مرحا} المرح اشد الفرح والخفة الحاصلة من النعمة كالاشر والبطر اى حال كونك ذا فرح شديد ونشاط وعجب وخفة اى مشيا كمشى المرح من الناس كما يرى من كثيرهم لا سيما اذا لم يتضمن مصلحة دينية او دنيوية: وبالفارسية [مخرام جون جاهلان ومانند دنيا برستان] {ان الله لا يحب كل مختال} الاختيال والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة ومنه لفظ الخيل كما قيل انه لا يركب احد فرسا الاوجد فى نفسه نخوة اى لا يرضى عن المتكبر المتبختر فى مشيته بل يسخط عليه: وبالفارسية [هرخرا منده كه متكبرا نه رود] وهو بمقابلة الماشى مرحا {فخور} هو بمقابلة المصعر خده وتأخيره لرعاية الفواصل. والفخر المباهاة فى الاشياء الخارجة عن الانسان كالمال والجاه والفخور الذى يعدد مناقبه تطاولا بها واحتقارا لمن عدم مثلها. والمعنى بالفارسية [نازش كننده كه باسباب تنعم بر مردمان تطاول نمايد]. وفى الحديث "حديث : خرج رجل يتبختر فى الجاهلية عليه حلة فامر الله الارض فاخذته فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة" شعر : جو صبيان مباز وجوصنوان مناز برو مرد حق شو زروى نياز تفسير : قال بعض الحكماء ان افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك. وان افتحرت بثيابك وآلاتك فالجمال لها دونك. وان افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لافيك ولو تكلمت هذه الاشياء لقالت هذه محاسننا فما لك من الحسن شئ. فان افتخرت فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك: قال الحافظ شعر : قلندران حقيقت بنيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه ارهنز عار يست تفسير : واذا اعجبك من الدنيا شئ فاذكر فناءك وبقاءه او بقاءك وزواله او فناء كما جميعا فاذا راقك ما هو لك فانظر الى قرب خروجه من يدك وبعد رجوعه اليك وطول حسابه عليك ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر ـ حكى ـ انه حمل الى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجوهر لم ير له نظير ففرح به الملك فرحا شديدا فقال لمن عنده من الحكماء كيف ترى هذا فقال اراه فقرا حاضرا ومصيبة عاجلة قال وكيف ذلك قال ان انكسر كانت مصيبة لا جبر لها وان سرق صرت فقيرا اليه وقد كنت قبل ان يحمل اليك فى امن من المصيبة والفقر فاتفق انه انكسر القدح يوما فعظمت المصيبة على الملك وقال صدق الحكيم ليته لم يحمل الينا شعر : انما الدنيا كرؤيا فرّحت من رآها ساعة ثم انقضت

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} لا تمل خدّك عنهم فى المعاشرة معهم ولا تعرض عمّن يكلّمك استخفافاً به، وقيل: المعنى لا تذلّ للنّاس طمعاً فيما عندهم {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} المرح شدّة الفرح اى تكبّر عنهم فرحاً بما عندك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} الاختيال والفخر متقاربا المفهوم فانّهما خصلتان ناشئتان من ملاحظة النّفس وانانيّتها والفرح بها، وملاحظة الغير وتحقيره فى جنب نفسه لكن فى الاختيال ملاحظة النّفس غالبة، وفى الفخر ملاحظة الغير وتحقيره غالبة.

اطفيش

تفسير : {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} الصعر الميل والمصاعرة والاصعار والتصعير الامالة واللام بمعنى عن اي لا تميل وجهك وعبر عنه ببعضه وهو الخد او اراد لا تمل شق وجهك وهو الخد عن الناس كما يفعل المتكبرون بل قال يلهم بوجهك تواضعا والصعوراء يصيب البعير يلوي منه عنقه. وقيل المراد ان الرجل يكون بينك وبينه منافرة فيلقاك فتعرض عنه. وقيل هوم الذي اذا سلم عليه لوّى عنقه تكبرا. وقيل معناه لا تحتقر الفقراء فليكن هو والغني عندك سواء وذلك قراءة نافع وحمزة والكسائي وقرأ الباقون (ولا تصعر) بترك الالف وبتشديد العين وقرىء (ولا تصعر) باسكان الصاد والمعنى واحد. {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} اي مشي مرح او ذا مرح او تمرح مرحا او ضمن تمشي معنى تمرح او يقدر مرحا مرحا بكسر راء الأول او يقدر مرحا بالوصف وهو مرح بكسر الراء أو يقدر ناصبه وصفا منصوبا على الحال والمرح الخيلاء او لاجل المرح وقيل المراد المشي في غير حاجة دينية او دنيوية. وعن بعض أصحابنا: ثلاث كلمات فيهن الخير كله ويسعهن ظفر تبع تبع ولا تبتدع ولا تضع ولا ترتفع ومن تورع فلا يتسع، وكذا قال عياش عن ابي اسحاق من علماء جيان وهي بلدة ابن مالك بالاندلس وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر "تفسير : وقال رجل من القوم ان الرجل منا ليكون نقي الثوب جديد الشراك فيعجبه ذلك فقال: "حديث : ليس ذلك الكبر ولكن الكبر أن تسفه الحق وتغمض الناس " . تفسير : {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} في مشيه. {فَخُورٍ} على الناس وهذا من عموم السلب لا من سلب العموم ولو تقدم النفي على كل والغالب في ذلك العكس والمختال عائد على المرح والفخور على المصاعرة وأخره لتفاصله والجملة تعليل للنهي وذكروا ان عليا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صنع شيئا فخرا لقي الله يوم القيامة اسود فقال القوم: انا لله وانا اليه راجعون هلكنا ورب هذه الكعبة فوالله ان الرجل منا يعجبه حسن ثوبه وحسن مركبه ثم ينظر في شعره ونعله، فقال علي قد شكونا الذي تشكون الى النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك بالفخر ولكن الفخر إِبطال الحق وغمض الناس والاستطالة عليهم "تفسير : وزعم بعضهم ان من وضع جبهته في الأرض ساجدا لله فقد برىء من الكبر.

اطفيش

تفسير : {ولا تُصعِّر خدك للنَّاس} لا تمله للناس مواجهة به لهم تكبرا عن ان تواجههم بوجهك، وقيل اللام للتعليل، وقيل لا تمله للذل والحياء من الناس، والصحيح الاول لانه موافق لما بعده فى الزجر عن التكبر، ومن العجيب، تفسير الآية باعراضك عن رجل بينك وبينه محبة اذا لقيك، وكأن قائله اراد النهى عن القطع بعد الوصل، وتفسيرها بان يسلم عليك احد فتلوى وجهك تكبرا، وفسرها بعض باحتقار الفقراء والعموم هو الحق {ولا تَمْش في الأرض مَرحاً} فرحا معجبا بحالك انت من اهل الارض، فمالك والمشى مرحا لو حل المرح لمشاه اهل السماوات، والارض خلقت للعبادة، ومرحا حال اى ذا مرح او مرحا بكسر الراء قيل، او مبالغة وفيه ان يقال كأنه اجاز له ما دون المبالغة فى المرح، وهو لا يجوز، ويجاب بانه اراد السلب الكلى، او يباح القليل الذى لا يخلو منه الانسان، او مفعول مطلق لتمرح محذوفا حالا، او لتمش مضمنا تمرح، او مفعول من اجله، وذلك ان الانسان تارة يمشى ويخطر له المرح، وتارة يستأنف المشى ليمرح، وما تقدم أولى لعموم التارتين ويدل الحال قراءة بعض بكسر الراء. {إنَّ الله لا يُحِب كلَ مُختالٍ فَخُور} تعليل لما قبله، والاختيال التبخر فى المشىكبرا، ومنه سميت الخيل لاختيالها فى مشيها طبعا، او توهم الناس انها تختال، وقد قيل: لا يركب انسان الفرس الا وجد فى نفسه نخوة، وقد قيل: الاختيال التكبر الناشئ عن تخيل فضيلة تراءت للانسان من نفسه، والفخر والمباهاة بالاشياء الخارجة عن الانسان، كالمال والجاه والاولاد والنسب، وغير الخارجة كالجمال والفصاحة، وقد يعد منها النسب، ومن عد ماله او نحوه على جهة الشكر، فليس فخوراً الا ان عنى العلو على غيره ففخر، ولو ادعى الشكر، وقد ابطل ما توهمه شكرا، ومن عد ذلك ولم يقصد علوا ولا شكرا، فليس مفتخرا، والنفى هنا لعموم السلب لا لسلب العموم، فانه لا يحب بعضا ولا كلا، وكذا فى فخور الذى هو صفة مبالغة، فانه لا يحب المبالغ فى الفخر، ولا المفاخر الذى لم يبالغ فيه. اللهم الا ان يتسامح فى قليل الفخر الذى يخلو منه الانسان، وما كان من الفخر او المرح لوجه الله، احبه الله عز وجل كالمرح فى صف الجهاد، وكالافتخار بالمال على عدو الدين، والاختيال يناسب الكبر والعجب، والفخر يناسب المشى مرحاً على اللف والنشر المرتب، وان قابلنا الماشى مرحا بالمختال والمصاعر بالفخور كانا لفا ونشراً معكوسا، وقيل الفخور مقبل للمصاعر، والمختار للماشى وآخر للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون قاله ابن عباس وجماعة وأنشدوا:شعر : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما تفسير : فهو من الصعر بمعنى الصيد وهو داء يعتري البعير فيلوي منه عنقه ويستعار للتكبر كالصعر، وقال ابن خويزمنداد: نهى أن يذل نفسه من غير حاجة فيلوي عنقه، ورجح الأول بأنه أوفق بما بعد، ولام {لِلنَّاسِ } تعليلية والمراد ولا تصعر خدك لأجل الإعراض عن الناس أو صلة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي {تصاعر} بألف بعد الصاد وقرأ الجحدري (تصعر) مضارع أصعر والكل واحد مثل علاه وعالاه وأعلاه. {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ } التي هي أحط الأماكن منزلة {مَرَحاً } أي فرحاً وبطراً، مصدر وقع موقع الحال للمبالغة أو لتأويله بالوصف أو تمرح مرحاً على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة في موضع الحال أو لأجل المرح على أنه مفعول له، وقرىء (مرحاً) بكسر الراء على أنه وصف في موضع الحال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل للنهي أو موجبه والمختال من الخيلاء وهو التبختر في المشي كبراً، وقال الراغب: التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنه تؤول لفظ الخيل لما قيل أنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة، والفخور من الفخر وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لظهور أنه مباهاة بالمال، وعن مجاهد تفسير الفخور بمن يعدد ما أعطى ولا يشكر الله عز وجل، وفي الآية عند الزمخشري لف ونشر معكوس حيث قال: المختال مقابل للماشي مرحاً وكذلك الفخور للمصعر خده كبراً وذلك لرعاية الفواصل على ما قيل، ولا يأبـى ذلك كون الوصية لم تكن باللسان العربـي كما لا يخفى. وجوز أن يكون هناك لف ونشر مرتب فإن الاختيال يناسب الكبر والعجب وكذا الفخر يناسب المشي مرحاً، والكلام على رفع الإيجاب الكلي والمراد السلب الكلي، وجوز أن يبقى على ظاهره، وصيغة {فَخُورٌ } للفاصلة ولأن ما يكره من الفخر كثرته فإن القليل منه يكثر وقوعه فلطف الله تعالى بالعفو عنه وهذا كما لطف بإباحة اختيال المجاهد بين الصفني وإباحة الفخر بنحو المال لمقصد حسن.

ابن عاشور

تفسير : انتقل لقمان بابنه إلى الآداب في معاملة الناس فنهاه عن احتقار الناس وعن التفخر عليهم، وهذا يقتضي أمره بإظهار مساواته مع الناس وعدّ نفسه كواحد منهم. وقرأ الجمهور {ولا تُصاعر}. وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب {ولا تصعِّر}. يقال: صَاعَر وصَعَّر، إذا أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن جانب آخر، وهو مشتق من الصَعَر بالتحريك لِداء يصيبُ البعير فيلوي منه عنقه فكأنه صيغ له صيغة تكلف بمعنى تكلف إظهار الصعَر وهو تمثيل للاحتقار لأن مصاعرة الخد هيئة المحتقر المستخف في غالب الأحوال. قال عمرو بن حُنَي التغلبي يخاطب بعض ملوكهم:شعر : وَكُنّا إذا الجبَّار صَعَّر خدَّه أقمنا له من ميله فتقَوَّمِ تفسير : والمعنى: لا تحتقر الناس فالنهي عن الإعراض عنهم احتقاراً لهم لا عن خصوص مصاعرة الخد فيشمل الاحتقار بالقول والشتم وغير ذلك فهو قريب من قوله تعالى {أية : فلا تقل لهما أُفَ}تفسير : [الإسراء: 23] إلا أن هذا تمثيل كنائي والآخر كناية لا تمثيل فيها. وكذلك قوله {ولا تمش في الأرض مرحاً} تمثيل كنائي عن النهي عن التكبر والتفاخر لا عن خصوص المشي في حال المرح فيشمل الفخر عليهم بالكلام وغيره. والمَرح: فرْط النشاط من فَرح وازدهاء، ويظهر ذلك في المشي تبختراً واختيالاً فلذلك يسمى ذلك المشي مَرَحاً كما في الآية، فانتصابه على الصفة لمفعول مطلق، أي مَشياً مرحاً، وتقدم في سورة الإسراء (37) وموقع قوله {أية : في الأرض} تفسير : بعد {لا تمش} مع أن المشي لا يكون إلا في الأرض هو الإيماء إلى أن المشي في مكان يمشي فيه الناس كلهم قويّهم وضعيفهم، ففي ذلك موعظة للماشي مرحاً أنه مساو لسائر الناس. وموقع {إن الله لا يحب كل مختال فخور} موقع {أية : إن الله لطيف خبير} تفسير : [لقمان: 16] كما تقدم. والمختال: اسم فاعل من اختال بوزن الافتعال من فِعل خَال إذا كان ذا خُيلاء، فهو خائل. والخُيلاء: الكبر والازدهاء، فصيغة الافتعال فيه للمبالغة في الوصف فوزن المختال مختيل فلما تحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفاً، فقوله {إن الله لا يحب كل مختال} مقابل قوله {ولا تصاعر خدك للناس}، وقوله {فخور} مقابل قوله {ولا تَمش في الأرض مرحاً}. والفَخور: شديد الفخر. وتقدم في قوله {أية : إن الله لا يحب من كان مختالاً فَخوراً} تفسير : في سورة النساء (36). ومعنى {إن الله لا يحب كل مختال فخور} أن الله لا يرضى عن أحد من المختالين الفخورين، ولا يخطر ببال أهل الاستعمال أن يكون مفاده أن الله لا يحب مجموع المختالين الفخورين إذا اجتمعوا بناء على ما ذكره عبد القاهر من أن {كُل} إذا وقع في حيز النفي مؤخراً عن أداته ينصبّ النفي على الشمول، فإن ذلك إنما هو في {كل} التي يراد منها تأكيد الإحاطة لا في {كل} التي يراد منها الأفراد، والتعويل في ذلك على القرائن. على أنّا نرى ما ذكره الشيخ أمرٌ أغلبي غير مطرد في استعمال أهل اللسان ولذلك نرى صحة الرفع والنصب في لفظ (كل) في قول أبي النجم العِجلي:شعر : قد أصبحتْ أُمّ الخيار تدّعي عليَّ ذنباً كلَّه لم أصنع تفسير : وقد بينت ذلك في تعليقاتي على دلائل الإعجاز. وموقع جملة {إن الله لا يحب كل مختال فخور} يجوز فيه ما مضى في جملة {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] وجملة {أية : إن الله لطيف خبير}تفسير : [لقمان: 16]، وجملة {أية : إن ذلك من عزم الأمور}تفسير : [لقمان: 17].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}. معناه لا تتكبر على الناس. ففي الآية نهي عن التكبر على الناس، والصعر الميل، والمتكبر يميل وجهه عن الناس، متكبراً عليهم، معرضاً عنهم، والصعر الميل وأصله: داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبر يلوي عنقه، ويميل خده عن الناس تكبراً عليهم، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: شعر : وكنا إذا الجبار صعّر خده أقمنا له من ميله فتقوّما تفسير : وقول أبي طالب: شعر : وكنا قديماً لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها تفسير : ومن إطلاق الصعر على الميل قول النمر بن تولب العلكي: شعر : إنا أتيناك وقد طال السفر نقود خيلا ضمرا فيها صعر تفسير : وإذا علمت أن معنى قوله: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} لا تتكبر عليهم. فاعلم أنا قدمنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 13] الآيات القرآنية الدالة على التحذير من الكبر المبينة لكثرة عواقبه السيئة، وأوضحنا ذلك مع بعض الآيات الدالة على حسن التواضع، وثناء الله على المتواضعين. قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً}. قد قدمنا إيضاحه وتفسير الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37].

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - وَلاَ تُعْرِضْ بِوجَهِكَ عَنِ النَّاسِ كِبْراً واسْتِعْلاءً، ولكِنْ أَقبِلْ عَليهِمْ بِوَجْهِكَ كُلِّهِ إذا كَلَّمْتَهُم، مُسْتَبْشِراً مُتَهَلِّلاً مِنْ غير كِبْرٍ وَلاَ عُتُوٍّ، وَلا تَمْشِ في الأَرْضٍِ مُتَبَخْتِراً، مُعْجَباً بِنَفْسِكَ كَالجَبَّارِينَ الطُّغَاةِ المُتَكَبِّرِينَ (مَرَحاً)، بَلِ امْشِ هَوْناً مِشْيَةَ المُتَواضِعِينَ للهِ، فَيُحِبَّكَ اللهُ، ويُحِبَّكَ خَلْقُهُ، واللهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ المُعْجَبَ بِنَفْسِهِ (المُخْتَالَ) الفَخُورَ عَلى غَيْرِهِ. (وفِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ فِي خُيَلاءٍ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِليهِ يَوْمَ القِيَامَةِتفسير : ). لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ - لاَ تَمِلْ بِوَجْهِكَ عَنْهُمْ كِبْراً وَتَعَاظُماً. مَرَحاً - فَرَحاً وَبَطراً وَخُيَلاَءَ. مُخْتَالٍ - فَخُورٍ - متَكَبِّرٍ مُتَطَاوِلٍ بِمَنَاقِبِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: تصعر من الصَّعَر، وهو في الأصل داء يصيب البعير يجعله يميل برقبته، ويشبه به الإنسان المتكبر الذي يميل بخدِّه، ويُعرض عن الناس تكبّراً، ونسمع في العامية يقولون للمتكبر (فلان ماشي لاوي رقبته). فقول الله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ..} [لقمان: 18] واختيار هذا التشبيه بالذات كأن الحق سبحانه يُنبِّهنا أن التكبُّر وتصعير الخدِّ داء، فهذا داء جسدي، وهذا داء خلقي. وقد تنبه الشاعر إلى هذا المعنى فقال: شعر : فَدَعْ كُلَّ طَاغِيةٍ للزَّمانِ فإنَّ الزمانَ يُقيم الصَّعَر تفسير : يعني: إذا لم يستطع أبناء الزمان تقويم صعر المتكبر، فدعْه للزمان فهو جدير بتقويمه، وكثيراً ما نرى نماذج لأناس تكبروا وتجبروا، وهم الآن لا يستطيع الواحد منهم قياماً أو قعوداً، بل لا يستطيع أنْ يذب الطير عن وجهه. والإنسان عادة لا يتكبر إلا إذا شعر في نفسه بميزة عن الآخرين، بدليل أنه إذا رأى مَنْ هو أعلى منه انكسر وتواضع وقوَّم من صَعره، ومثَّلنا لذلك بـ (فتوة) الحارة الذي يجلس على القهوة مثلاً واضعاً قدماً على قدم، غير مُبَال بأحد، فإذا دخل عليه (فتوة) آخر أقوى منه نجده تلقائياً يعتدل في جلسته. وهذه المسألة تفسر لنا الحكمة التي تقول (اتق شر من أحسنت إليه) لماذا؟ لأن الذي أحسنتَ إليه مرتْ به فترة كان ضعيفاً محتاجاً وأنت قوي فأحسنتَ إليه، وقدَّمْتَ له المعروف الذي قوّم حياته فأصبح لك يَدٌ عليه، وكلما رآك ذكَّرته بفترة ضعفه، ثم إن الأيام دُوَل تدور بين الخَلْق، والضعيف يصبح قوياً ويحب أنْ يُعلي نفسه بين معارفه، لكنه لا بُدَّ أن يتواضع حينما يرى مَنْ أحسن إليه، وكأن وجود مَنْ أحسن إليه هو العقبة أمام عُلُوِّه وكبريائه؛ لذلك قبل: (اتق شر من أحسنت إليه). ثم أن الذي يتكبر ينبغي أنْ يتكبَّر بشيء ذاتي فيه لا بشيء موهوب له، وإذا رأيتَ في نفسك ميزة عن الآخرين فانظر فيما تميزوا وهم به عليك، وساعة تنظر إلى الخَلْق والخالق تجد كل مخلوق لله جميلاً. لذلك تروى قصة الجارية التي كانت تداعب سيدتها، وهي تزينها وتدعو لها بفارس الأحلام ابن الحلال، فقالت سيدتها: لكني مشفقة عليك؛ لأنك سوداء لن ينظر أحد إليك، فقالت الجارية: يا سيدتي، اذكري أن حُسْنك لا يظهر لأعين الناس إلا إذا رأوا قُبْحي - فالذي تراه أنت قبيحاً هو في ذاته جميل، لأنه يبدي جمال الله تعالى في طلاقة القدرة - ثم قالت: يا هذه، لا تغضبي الله بشيء من هذا، أتعيبين النقش، أم تعيبين النقاش؟ ولو أدركت ما فيَّ من أمانة التناول لك في كل ما أكلف به وعدم أمانتك فيما يكلفك به أبوك لعلمت في أي شيء أنا جميلة. ويقول الشاعر في هذا المعنى: شعر : فَالوَجْه مِثْلُ الصُّبْح مُبيضُّ والشَّعْر مثْل الليْل مُسْوَدُّ ضِدَّانِ لما اسْتجْمعَا حَسُنَا والضِّد يُظْهِر حُسْنَهُ الضِّدُّ تفسير : والله تعالى يُعلِّمنا هذا الدرس في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. فإذا رأيتَ إنساناً دونك في شيء ففتش في نفسك، وانظر، فلا بُدَّ أنه متميز عليك في شيء آخر، وبذلك يعتدل الميزان. فالله تعالى وزَّع المواهب بين الخَلْق جميعاً، ولم يحابِ منهم أحداً على أحد، وكما قلنا: مجموع مواهب كل إنسان يساوي مجموع مواهب الآخر. وسبق أن ذكرنا أن رجلاً قال للقمان: لقد عرفناك عبداً أسود غليظ الشفاه، تخدم فلاناً وترعى الغنم، فقال لقمان: نعم، لكني أحمل قلباً أبيض، ويخرج من بين شفتيَّ الغليظتين الكلام العذب الرقيق. ويكفي لقمان فخراً أن الله تعالى ذكر كلامه، وحكاه في قرآنه وجعله خالداً يُتْلى ويُتعبَّد به، ويحفظه الله بحفظه لقرآنه. ولنا مَلْحظ في قوله تعالى {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ..} [لقمان: 18] فكلمة للناس هنا لها مدخل، وكأن الله تعالى يقول لمن يُصعِّر خده؛ لا تَدْعُ الناس إلى العصيان والتمرد على أقدار الله بتكبُّرك عليهم وإظهار مزاياك وسَتْر مزاياهم، فقد تصادف قليلَ الإيمان الذي يتمرد على الله ويعترض على قدره فيه حينما يراك متكبراً متعالياً وهو حقير متواضع، فإنْ كنت محترف صَعَر و (كييف) تكبُّر، فليكُنْ ذلك بينك وبين نفسك، كأن تقف أمام المرآة مثلاً وتفعل ما يحلو لك مما يُشْبع عندك هذا الداء. فكأن كلمة {لِلنَّاسِ ..} [لقمان: 18] تعني: أن الله تعالى يريد أنْ يمنع رؤية الناس لك على هذا الحال؛ لأنك قد تفتن الضعاف في دينهم وفي رضاهم عن ربهم. ثم يقول لقمان: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ..} [لقمان: 18] المرح هو الاختيال والتبختر، فربُّكَ لا يمنعك أنْ تمشي في الأرض، لكن يمنعك أنْ تمشي مِشيْة المتعالي على الناس، المختال بنفسه، والله تعالى يأمرنا: {أية : فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [الملك: 15]. فالمشي في الأرض مطلوب، لكن بهيئة خاصة تمشي مَشْياً سوياً معتدلاً، فعمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يسير متماوتاً فنهره، وقال: ما هذا التماوت يا هذا، وقد وهبك الله عافية، دَعْها لشيخوختك. ورأى رجلاً يمشي مشية الشطار - يعني: قُطَّاع الطرق - فنهاه عن القفز أو الجري والإسراع في المشي. إذن: المطلوب في المشي هيئة الاعتدال، لذلك سيأتي في قول لقمان: {أية : وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ..} تفسير : [لقمان: 19] يعني: لا تمشِ مشية المتهالك المتماوت، ولا تقفز قفز أهل الشر وقُطَّاع الطريق. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] المختال: هو الذي وجد له مزية عند الناس، والفخور الذي يجد مزية في نفسه، والله تعالى لا يحب هذا ولا ذاك؛ لأنه سبحانه يريد أنْ يحكم الناس بمبدأ المساواة ليعلم الناس أنه تعالى ربُّ الجميع، وهو سبحانه المتكبِّر وحده في الكون، وإذا كان الكبرياء لله وحده فهذا يحمينا أنْ يتكبَّر علينا غيره، على حدِّ قول الناظم: شعر : والسُّجُود الذي تَجْتويه من أُلُوفِ السُّجُودِ فيه نَجَاةُ تفسير : فسجودنا جميعاً للإله الحق يحمينا أن نسجد لكل طاغية ولكل متكبر ومتجبر، فكأن كبرياء الحق - تبارك وتعالى - في صالح العباد. ثم يقول الحق سبحانه على لسان لقمان عليه السلام: {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ} معناه تُعرِضُ عَنْهم تكبراً. وقال: هو التَّشديقُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} يعني بَطراً وكبراً.

همام الصنعاني

تفسير : 2288- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ [تصاعر] خَدَّكَ لِلنَّاسِ}: [الآية: 18]، قال: هو الإِعراضُ عن الناس يكلمك أحدهم وأنت معرض عنه متكبر.