Verse. 3488 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَاقْصِدْ فِيْ مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ۝۰ۭ اِنَّ اَنْكَرَ الْاَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيْرِ۝۱۹ۧ
Waiqsid fee mashyika waoghdud min sawtika inna ankara alaswati lasawtu alhameeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واقصد في مشيك» توسط فيه بين الدبيب والإسراع، وعليك السكينة والوقار «واغضض» اخفض «من صوتك إن أنكر الأصوات» أقبحها «لصوت الحمير» أوله زفير وآخره شهيق.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : لما قال: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } وعدم ذلك قد يكون بضده وهو الذي يخالف غاية الاختلاف، وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهداً فقال: {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أي كن وسطاً بين الطرفين المذمومين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هل للأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في المشي؟ فنقول: نعم سواء علمناها نحن أو لم نعلمها وفي كلام الله من الفوائد ما لا يحصره حد ولا يصيبه عد، ولا يعلمه أحد والذي يظهر وجوه الأول: هو أن الإنسان لما كان شريفاً تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطراً فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي، فإن عجز عن إدراك مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشياً إليه فإن عجز عن إبلاغ كلامه إليه، وبعض الحيوانات يشارك الإنسان في تحصيل المطلوب بالصوت كما أن الغنم تطلب السخلة والبقرة العجل والناقة الفصيل بالثغاء والخوار والرغاء ولكن لا تتعدى إلى غيرها، والإنسان يميز البعض عن البعض فإذا كان المشي والصوت مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر الثاني: هو أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشاركه فيه الحيوانات فإنه حركة وسكون، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا لله، وقد أشار إليه بقوله: { أية : إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } تفسير : [لقمان:16] أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، بقي الأمران فقال: {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال الثالث: هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه. فقوله: {وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان فإن الملك لا يأمر ملكاً آخر بشيء ولا ينهاه عن شيء. وقوله: {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحاً } الذي هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة فإن عدم التكبر والتبختر صفتهم. وقوله: {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } إشارة إلى المكارم التي هي صفة الحيوان ثم قال تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي، نقول أما على قولنا إن المشي والصوت كلاهما موصلان إلى شخص مطلوب إن أدركه بالمشي إليه فذاك، وإلا فيوقفه بالنداء، فنقول رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن. وأما السرعة في المشي فلا تؤذي أو إن كانت تؤذي فلا تؤذي غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين واليسار، ولأن المشي يؤذي آلة المشي والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب، فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي، وأما على قولنا الإشارة بالشيء والصوت إلى الأفعال والأقوال فلأن القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب والاعتبار يصحح الدعوى. المسألة الثانية: كيف يفهم كونه أنكر مع أن مس المنشار بالمبرد وحت النحاس بالحديد أشد تنفيراً؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المراد أن أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد ما ذكرتم وما ذكرتم في أكثر الأمر لمصلحة وعمارة فلا ينكر، بخلاف صوت الحمير وهذا وهو الجواب الثاني. المسألة الثالثة: أنكر هو أفعل التفضيل فمن أي باب هو؟ نقول يحتمل أن يكون من باب أطوع له من بنانه، بمعنى أشدها طاعة فإن أفعل لا يجىء في مفعل ولا في مفعول ولا في باب العيوب إلا ما شذ، كقولهم أطوع من كذا للتفضيل على المطيع، وأشغل من ذات النحيين للتفضيل على المشغول، وأحمق من فلان من باب العيوب، وعلى هذا فهو في باب أفعل كأشغل في باب مفعول فيكون للتفضيل على المنكر، أو نقول هو من باب أشغل مأخوذاً من نكر الشيء فهو منكر، وهذا أنكر منه، وعلى هذا فله معنى لطيف، وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو غير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكور، ويمكن أن يقال هو من نكير كأجدر من جدير.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} لما نهاه عن الخُلُق الذميم رسم له الخُلقَ الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ» أي توسّط فيه. والقصد: ما بين الإسراع والبطء؛ أي لا تَدِبّ دبيب المُتَمَاوتين ولا تَثب وثب الشطار؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»تفسير : . فأما ما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا مشى أسرع، وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: كان إذا مشى أسرع ـ فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت؛ والله أعلم. وقد مدح الله سبحانه مَن هذه صفته حسبما تقدّم بيانه في «الفرقان». الثانية: قوله تعالى: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} أي انقص منه؛ أي لا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه؛ فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلّف يؤذي. والمراد بذلك كله التواضع؛ وقد قال عمر لمؤذّن تكلّف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مُرَيْطَاؤك! والمؤذّن هو أبو محذورة سَمُرة بن مِعْيَر. والمُرَيْطاء: ما بين السرة إلى العانة. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} أي أقبحها وأوحشها؛ ومنه أتانا بوجه منكر. والحمار مَثَل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نُهاقه؛ ومن استفحاشهم لذكره مجرداً أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الأذنين؛ كما يكنى عن الأشياء المستقذرة. وقد عُدَّ في مساوىء الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة. ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافاً وإن بلغت منه الرُّجْلة. وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعاً وتذللاً لله تبارك وتعالى. الرابعة: في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والمُلاحاة بقبح أصوات الحمير؛ لأنها عالية. وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً»تفسير : . وقد روي: أنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطاناً. وقال سفيان الثَّوْرِي: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير. وقال عطاء: نهيق الحمير دعاء على الظلمة. الخامسة: وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاوناً بهم، أو بترك الصياح جملة؛ وكانت العرب تَفْخَر بجهارة الصوت الجَهِير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتاً كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، حتى قال شاعرهم:شعر : جَهِير الكلام جهير العُطاس جهِير الرُّواء جهير النَّعَم ويَعْدُو على الأيْنَ عَدْوَى الظَّليم ويعلو الرجال بخَلْق عَمَم تفسير : فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} أي لو أن شيئاً يهاب لصوته لكان الحمار؛ فجعلهم في المثل سواء. السادسة: قوله تعالى: {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} اللام للتأكيد، ووحد الصوت وإن كان مضافاً إلى الجماعة لأنه مصدر والمصدر يدل على الكثرة، وهو مصدر صات يَصُوت صَوْتاً فهو صائت. ويقال: صوّت تصويتاً فهو مصوِّت. ورجل صاتٌ أي شديد الصوت بمعنى صائت؛ كقولهم: رجل مالٌ ونالٌ؛ أي كثير المال والنوال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ } توسط فيه بين الدبيب والإِسراع، وعليك السكينة والوقار {وَٱغْضُضْ } اخفض {مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ } أقبحها {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } أوّله زفير وآخره شهيق.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} تواضع فيه، أو انظر في مشيك إلى موضع قدمك، أو أسرع فيه أو لا تسرع فيه، أو لا تختل فيه. {وَأَغْضُضْ} اخفض. {أَنكَرَ الأَصْوَاتِ} أقبحها، أو شرها، أو أشدها، أو أبعدها. خص الحمار لأن صوته مستقبح في النفوس مستنكر في السمع، أو لأن صياح كل شيء تسبيحه إلاَّ الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان.

النسفي

تفسير : {وَٱقْصِدْ } القصد التوسط بين العلو والتقصير {فِى مَشْيِكَ } أي اعدل فيه حتى يكون مشياً بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثوب الشطار. قال عليه السلام «حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»تفسير : وأما قول عائشة في عمر رضي الله عنه: كان إذا مشى أسرع، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك. وقيل: معناه وانظر موضع قدميك متواضعاً {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } وانقص منه أي اخفض صوتك {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ } أي أوحشها {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان ولذلك سماه الله منكراً. وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن أرفع الصوت في غاية الكراهة يؤيده ما روي أنه عليه السلام كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت ويكره أن يكون مجهور الصوت. وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من احاد هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس فوجب توحيده. {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ } يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك {وَأَسْبَغَ } وأتم {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ } مدني وأبو عمرو وسهل وحفص. {نعمة} غيرهم والنعمة كل نفع قصد به الإحسان {ظَـٰهِرَةً } بالمشاهدة {وَبَاطِنَةً } ما لا يعلم إلا بدليل ثم قيل: الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك. ويروى في دعاء موسى عليه السلام: إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس. وقيل: تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق ونيل العطايا وصرف البلايا وقبول الخلق ورضا الرب. وقال ابن عباس: الظاهرة ما سوّى من خلقك والباطنة ما ستر من عيوبك. {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } نزلت في النضر بن الحرث وقد مر في «الحج»

البقاعي

تفسير : ولما كان النهي عن ذلك امراً بأضداده، وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه الإنصاف في الكلام، وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي والسر والجهر بالصوت فوق الحد، قال محترساً في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب الحال الذميم: {واقصد} أي اعدل وتوسط {في مشيك} لا إفراط ولا تفريط مجانباً لوثب الشطار ودبيب المتماوتين، وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قال الرازي في اللوامع، وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ولا بتكبر {واغضض} أي انقص، ولأجل ما ذكر قال: {من صوتك} بإثبات "من" أي لئلا يكون صوتك منكراً، وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حماراً، وأما مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به. ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكراً كما كان خفضه دونها تماوتاً أو دلالاً وتكبراً، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بـ "من" فأفهم أن الطرفين مذمومان، علل النهي عن الأول دالاً بصيغة "أفعل" على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكراً أعلاها تصويراً له بأقبح صورة تنفيراً عنه فقال: {إن أنكر} أي أفظع وأبشع وأوحش {الأصوات} أي كلها المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج الاستعارة تصويراً لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حماراً، مبالغة في التهجين، وتنبيهاً على أنه من كراهة الله له بمكان فقال: {لصوت الحمير} أي هذا الجنس، لما له من الغلو المفرط من غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك, ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الذم والشتم ما ليس لغيره, ولذلك يستهجن التصريح باسمه، وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث: الحكمة والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة، وعن الانحطاط إلى البله والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال: إن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى: إحداها مبدأ إدراك الحقائق، والشوق إلى النظر في العواقب، والتمييز بين المصالح والمفاسد، ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية، والثانية مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك، وتسمى القوة الشهوية والبهيمية والنفس الأمارة، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة، ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة، والثانية العفة، والثالثة الشجاعة، فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث، وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها وتركيباتها، وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان، أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}تفسير : [البقرة: 269] وإفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي، كمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ينفع قلت: وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجربز - بالضم، وهو الخب، أي الخداع الخبيث - والله أعلم، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة، وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الماثلة، حتى يكون فعلها جميلاً، وصبرها محموداً، وإفراطها التهور، أي الإقدام على ما لا ينبغي، وتفريطها الجبن، أي الحذر عما لا ينبغي، وأما العفة فهي انقياد البهيمة للناطقة، لتكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقة، لتسلم عن استعباد الهوى إياها، واستخدام اللذات، وإفراطها الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب، وتفريطها الجمود، أي السكوت عن طلب الذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثاراً لا خلقة، فالأوساط فضائل، والأطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة، فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة، أي في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : [البقرة: 143] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : خير الأمور أوساطها" تفسير : والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ليصل إلى كمالها اللائق بها، ومقصدها المتوجه إليه، وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها، واشترط التوسط في أفعالها لئلا تستعبد الناطقة هواهما وتصرفاها عن كمالها ومقصدها - انتهى. ولما انقضت هذه الجمل، رافعة أعناقها على المشتري وزحل، قابلة لمن يريد عملها مع الكسل، والضجر في الفكر والملل، وأين الثريا من يد المتناول، وكان قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم وضلال لآخرين، وكان من الغرائب أن شيئاً واحداً يؤثر شيئين متضادين، وأتبع ذلك ما دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة، لكنها بمسالك دقيقة وإشارات خفية، إلى أن ختم بالنهي عن التكبر، ورفع الصوت فوق الحاجة، إشارة إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم، وكان التكبر على الناس والتعالي عليهم من آثار الفضل في النعمة، وكانت العادة جارية بأن اللك يخضع له تارة لمجرد عظمته، وتارة خوفاً من سطوته، وتارة رجاء لنعمته، أبرز سبحانه وتعالى غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير الضدين في حالة واحدة في شاهد الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه، لما أمر به لقمان عليه السلام من العبادة والتذلل، وأن إليه المرجع، وهو عالم على استحقاقه، لما أمر به لقمان شيء، وأن كل ما ترى خلقه مذكراً بأن النعمة إنما هي منه، فلا ينبغي لأحد أن يفخر بما آتاه غيره، ولو كل فيه إلى نفسه لم يقدر على شيء منه، محذراً من سلبها عن المتكبر وإعطائها للذليل المحتقر، فقال: {ألم تروا} اي تعلموا علماً هو في ظهوره كالمشاهدة أيها المشترون لهو الحديث، المتكبرون علي المقبلين على الله، المتخلين عن الدنيا، الذين قلنا لهم رداً عن الشرك وإبعاداً عن الهوى والإفك {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} {أن الله} أي الحائز لكل كمال {سخر لكم} أي خاصة {ما في السماوات} بالإنارة والإظلام، والحر والبرد وغير ذلك من الإنعام، وأكده بإعادة الموصول والجار، لأن المقام حقيق به فقال: {وما في الأرض} بكل ما يصلحكم فتعلموا أن الكل خلقه، ما لأحد ممن دونه فيه شيء، وأنه محيط بكل شيء قدرة وعلماً، فهو قادر على تعسيره فينبئكم بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان في أخفى الأماكن {وأسبغ} أي أطال وأوسع وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل {عليكم} أيها المكلفون {نعمه} أي واحدة تليق بالدنيا - في قراءة الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث منصوبة منونة تنوين تعظيم، مشيراً إلى أنها ذات أنواع كثيرة جداً، بما دلت عليه قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص عن عاصم بجعل تاء التأنيث ضميراً له سبحانه مع فتح العين ليكون جمعاً {ظاهرة} وهي ما تشاهدونها متذكرين لها {وباطنة} وهي ما غابت عنكم فلا يحسونها، أو تحسونها وهي خفية عنكم، لا تذكرونها إلا بالتذكير، وكل منكم يعرف ذلك على الإجمال، فاعبدوه لما دعت إليه مجلة لقمان عليه السلام لتكونوا من المحسنين، حذراً من سلب نعمه، وإيجاب نقمه، ويجوز أن تكون الآية دليلاً على قوله تعالى: {خلق السماوات بغير عمد ترونها}. ولما كان التقدير: ومع كون كل منكم أيها الخلق يعرف أن ذلك نعمة منه سبحانه تعالى وحده, فمن الناس من أذعن وأناب, وسلم لكل ما دعا إليه كتابه الحكيم, على لسان رسوله النبي الكريم, فكان من الحكماء الحسنين فاهتدى, عطف عليه قوله مظهراً موضع ضمير المخاطبين مما يشير إليه النوس: {ومن الناس} أي الذين هم أهل للاضطراب، ويمكن أن يكون حالاً من {ألم تروا} ويكون {ألم تروا} دليلاً على أول السورة، أي أشير إلى الآيات حال كونها هدى لمن ذكر والحال أن من الناس من يشتري اللهو، ألم تروا دليلاً على أن من الناس المعاند بعد وضوح الدليل أن الله سخر لكم جميع العالم وأنعم عليكم بما أنعم والحال أن من الناس {من يجادل} فلا لهو أعظم من جداله، ولا كبر مثل كبره، ولا ضلال مثل ضلاله، وأظهر لزيادة التشنيع على هذا المجادل، وإشارة إلى قبح المجادلة من غير نظر إلى النعم فقال تعالى: {في الله} المحيط بكل شيء علماً وقدرة. ولما كان سبحانه في ظهور وجوده وأوصافه بحيث لا يخفى بوجه، وكان المجادل قد يكون فهماً، قال: {بغير} أي بكلام متصف بأنه غير {علم} أي بل بألفاظ هي في ركاكة معانيها لعدم استنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العحم، فكان بذلك حماراً تابعاً للهوى. ولما كان المعنى قد يظهر لبعض القاصرين، لوروده على لسان من لا يعتبر، فإذا أضيف إلى كبير، تؤمل ولم يبادر إلى رده لاستعظامه، فظهر على طول حسه، قال معبراً بأداة النفي الحقيقة به، لأن الموضع لها، وعدل عنها اولاً لئلا يظن أن المذموم إنما هو المجادل إذا كان غير متصف بالعلم وإن كان جداله متصفاً بالعلم: {ولا هدى} أي وارد عمن عهد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات، فوجب أخذ اقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها. ولما كان القول قد يكون مقبولاً لاستناده إلى الله تعالى وإن لم يكن اصلاً معقولاً، قال: {ولا كتاب} أي من الله؛ ووصفه بما هو لازمه لا ينفك عنه فقال: {منير*} أي بين غاية البيان، مبين لغيره على عادة بيان الله سبحانه وتعالى، أو يكون أريد بالوصف الإعجاز لإظهاره قطعاً أنه من الله، فإنه ليس كل كتاب الله كذلك.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}[19] فإنه يصيح لرؤية الشيطان، فلذلك سماه الله تعالى منكراً.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [الآية: 19]. قال سفيان الثورى: صوت كل شىء تسبيح إلا صوت الحمير فإنها تصيح لرؤية الشيطان كذلك سماه الله منكرًا.

القشيري

تفسير : كُنْ فانياً عن شواهدك، مُصطَلَماً عن صَوْلَتِك، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتِك، مُنْتَشِقاً مما استولى عليك من كشوفات سِرِّك. وانظر مَنْ الذي يسمع صوتَكَ حتى تستفيق من خمار غفلتك؛ {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}: في الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذنٍ من الحقِّ. وقالوا: إنه الصوفيُّ يتكلم قبل أوانه. ويقال إنما ينهق الحمارُ عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكرَ الأصوات.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} ان العارف لنا شرب من بحر الوحدانية شربة فرح بوجه الحق وكاد ان يتبختر العز والكبرياء من صولة الحال فيؤدبه الله بان يلقى عليه عزة الوحدة فيفنيه تحت انوارها حتى يخرجه من جد السكر الى حد الصحو فيكون خطواته خطوات اهل التمكين لا خطوات اهل التلوين وكل مريد يشرب من سواقى صفاء العبودية شربة تقرحه بقرحة الوقت وصفاء الذوق فيهجيه الى الزفرات والسهاقات ولا يجوز ذلك له فان اصواته ممزوجة بخطرات الطبيعة مخلوطة واجس النفسانية فاذا صاح صار صيحته صيحة الطبيعة لا صيحة الحقيقة لذلك نهاه الله بقوله {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال ----- كل شئ تسبيح الاصوات الحمير فانها تصبح لرؤية الشيطان لذلك سماه الله منكر او قال الاستاذ قوله واقصد فى مشيك واغضض من صوتك كن فانيا عن شواهد مصطلحا عن هواك ماخوذا عن قوتك وحولك منقسما بما استولى عليك من كشوفات سرك وانظر من الذى يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير فى الاشارة انه يتكلم فى لسان المعرفة من غير اذن عن الحق وقال هو الصوفى يتكلم قبل اوانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {واقصد فى مشيك} القصد ضد الافراط والتفريط. والمعنى واعدل فى المشى بعد الاجتناب عن المرح فيه: وبالفارسية [وميانه باش دررفتن خود] اى توسد بين الدبيب والاسراع فلا تمش كمشى الزهاد المظهرين الضعف فى المشى من كثرة العبادات والرياضات فكأنهم اموات وهم المراؤون الذين ضل سعيهم ولا كمشى الشطار ووثوبهم وعليك بالسكينة والوقار وفى الحديث "حديث : سرعة المشى تذهب بهاء المؤمن" تفسير : وقول عائشة رضى الله عنها فى عمر رضى الله عنه كان اذا مشى اسرع فالمراد ما فوق دبيب المتماوت. قال بعضهم ان للشيطان من ابن آدم نزغتين بايتهما ظفر قنع الافراط والتفريط وذلك فى كل شئ يتصور ذلك فيه {واغضض من صوتك} يقال غض صوته وغض بصره اذا خفض صوته وغمض بصره. قال فى المفردات الغض النقص من الطرف والصوت: وبالفارسية [فرو خوابا نيدن جشم وفروداشتن اواز] والصوت هو الهواء المنضغط عند قرع جسمين. قال بعضهم الهواء الخارج من داخل الانسان ان خرج بدفع الطبع يسمى نفسا بفتح الفاء وان خرج بالارادة وعرض له تموّج بتصادم جسمين يسمى صوتا واذا عرض للصوت كيفيات مخصوصة باسباب معلومة يسمى حروفا. والمعنى وانقص من صوتك واقصر واخفض فى محل الخطاب والكلام خصوصا عند الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وعند الدعاء والمناجاة. وكذلك وصية الله فى الانجيل لعيسى ابن مريم مر عبادى اذا دعونى يخفضوا اصواتهم فانى اسمع واعلم ما فى قلوبهم: وبالفارسية [فرو آور وكم كمن آوز خويش يعنى فرياد كننده ونعره زننده ودراز زبان وسخت كوى مباش] واستثنى منه الجهر لارهاب العدو ونحوه. وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد قد اختار الحكماء للسلطان جهاره الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم انتهى. وفى الخلاصة لا يجهر الامام فوق حاجة الناس والا فهو مسيئ كما فى الكشف. والفرق بين الكراهة والاساءة هوان الكراهة افحش من الاساءة. وفى انسان العيون لا بأس برفع المؤذنين اصواتهم لتبليغ التكبير لمن بعد عن الامام من المقتدين لما فيه من النفع بخلاف ما اذا بلغهم صوت الامام فان التبليغ حينئذ بدعة منكرة باتفاق الائمة الاربعة ومعنى منكرة مكروهة. وفى انوار المشارق المختار عند الاخيار ان المبالغة والاستقصاء فى رفع الصوت بالتكبير فى الصلاة ونحوه مكروه والحالة الوسطى بين الجهر والاخفاء مع التضرع والتذلل والاستكانة الخالية عن الرياء جائز غير مكروه باتفاق العلماء. وقد جمع النووى بين الاحاديث الواردة فى استحباب الجهر بالذكر والواردة فى استحباب الاسرار به بان الاخفاء افضل حيث خاف الرياء او تأذى المصلون او النائمون والجهر افضل فى غير ذلك لان العمل فيه اكثر ولان فائدته تتعدى الى السامعين ولانه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همة الفكر ويشنف سمعه ويطرد النوم ويزيد فى النشاط وكان عليه السلام اذا سلم من صلاته قال بصوته الاعلى "حديث : لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير " تفسير : ومن اللطائف ان الحجاج سأل بعض جلسائه عن ارق الصوت عندهم فقال احدهم ما سمعت صوتا ارق من صوت قارئ حسن الصوت يقرأ كتاب الله فى جوف الليل قال ان ذلك لحسن. وقال آخر ما سمعت صوتا اعجب من ان اترك امرأتى ما خضا واتوجه الى المسجد بكيرا فيأتينى آت فيبشرنى بغلام فقال واحسناه. فقال شعبة بن علقمة التميمى لا والله ما سمعت قط اعجب الى من ان اكون جائعا فاسمع خفخفة الخوان فقال الحجاج ابيتم يا بنى تميم الاحب الزاد {ان انكر الاصوات} اوحشها واقبحها الذى ينكره العقل الصحيح ويحكم بقبحه وبالفارسية [زشت ترين آوازها] {لصوت الحمير} جمع حمار. قال بعضهم سمى حمارا لشدته من قولهم ظعنة حمراء اى شديدة وحمارة القيظ شدته وافراد الصوت مع اضافته الى الجمع لما ان المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين اصوات سائر الاجناس. قال ابو الليث صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح وان كان قد يكون ما سواه اقبح منه فى بعض الحيوان وانما ضرب الله المثل بما هو معروف عند الناس بالقبح لان اوله زفير وآخره شهيق كصوت اهل النار يتوحش من يسمعه ويتنفر منه كل التنفر. والمعنى ان انكر اصوات الناس حين يصوتون ويتكلمون لصوت من يصوّت صوت الحمار اى يرفع صوته عند التصويت كما يرفع الحمار صوته. ففيه تشبيه الرافعين اصواتهم فوق الحاجة بالحمير وتمثيل اصواتهم بالنهاق ثم اخلاء الكلام عن لفظ التشبيه واخراجه مخرج الاستعارة وجعلهم حميرا واصواتهم نهاقا مبالغة شديدة فى الذم والزجر عن رفع الصوت فوق الحاجة وتنبيه على انه من المكاره عند الله لا من المحاب. قال الكاشفى [يعنى در ارتفاع صوت فضيلتى نيست جو صوت حمار باوجود رفعت مكروهست طباع را وموجب وحشت اسماع است. درعين المعانى آورده كه مشركان عرب برفع اصوات تفاخر ميكر دندى بدين آيت رد كرد برايشان فخرايشان]. يقول الفقير ان الرد ليس بمنحصر فى رفع الصوت بل كل ما فى وصايا لقمان من نهى الشرك وما يليه ردلهم لانهم كانوا متصفين بالشرك وسائر ما حكى من الاوصاف القبيحة آتين بالسيآت تاركين للصلاة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر جزعين عند المصيبات والحمار مثل فى الذم سيما نهاقه ولذلك كنى عنه فيقال طويل الاذنين. قال سفيان الثورى رحمه الله تعالى صوت كل شئ تسبيح الاصوت الحمير فانها تصيح لرؤية الشيطان ولذلك سماه منكرا وفى الحديث "حديث : اذا سمعتم نهاق الحمير" تفسير : وهو بالضم صوتها (فتعوّذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا واذا سمعتم صياح الديكة) بفتح الياء جمع ديك (فاسألوا الله من فضله فانها رأت ملكا) وفى الحديث دلالة على نزول الرحمة عند حضور اهل الصلاح فيستحب الدعاء فى ذلك الوقت وعلى نزول الغضب عند اهل المعصية فيستحب التعوذ كما فى شرح المشارق لابن الملك. يقول الفقير ومن هنا قال عليه السلام "حديث : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب" تفسير : اى يقطع كمالها وينقصها مرور هذه الاشياء بين يدى المصلى. اما المرأة فلكونها احب الشهوات الى الناس واشد فسادا للحال من الوسواس. واما الكلب والمراد الكلب الاسود فلكونه شيطانا كما قال عليه السلام "حديث : الكلب الاسود شيطان" تفسير : سمى شيطانا لكونه اعقر الكلاب واخبثها واقلها نفعا واكثرها نعاسا ومن هذا قال احمد بن حنبل لا يحل الصيد به. واما الحمار فلكون الشيطان قد تعلق بذنبه حين دخل سفينة نوح عليه السلام فهو غير مفارق عنه فى اكثر الاوقات وهو السر فى اختصاص الحمار برؤية الشيطان والله اعلم كما ان وجه اختصاص الديك برؤية الملك كون صياحه تابعا لصياح ديك العرش كما ثبت فى بعض الروايات الصحيحة فالملك غير مفارق عنه فى غالب الحالات وفى الحديث "حديث : ان الله يبغض ثلاثة اصواتها نهقة الحمير ونباح الكلب والداعية بالحرب " تفسير : [ورد فيه ما فيه ازحضرت مولوى قدس سره وجه انكريت صوت حمار جنين نقل كرده اندكه درغالب او براى كاه وجوست. ويا بجهت اجراء شهوت. ياجنك بادراز كوش ديكر. وصدايى كه ازغلبه صفات بهيمى زايد زشت ترين صداها باشد وازينجا معلوم ميشود كه ندايى كه از صاحب اخلاق روحانى وملكى آيد خوبترين نداها خواهد بود نغمهاى عاشقانه بس دلكش است استماع نغمة ايشان خوش وحضرت رسالت عليه السلام آواز نرم را دوست داشتى وجهر صوت را كاره بودى] ودخل فى الصوت المنكر العطسة المنكره فلتدفع بقدر الاستطاعة وكذا الزفرات والشهقات الصادرة من اهل الطبيعة والنفس بدون غلبة الحال فانها ممزوجة بالحظوظ مخلوطة بالرياء فلا تكون صيحة حقيقة بل صيحة طبيعة ونفس نعوذ بالله من شهوات الطبيعة وهوى النفس ومخالطة اهل الدعوى. قال بعضهم فى الآية اشارة الى الذى يتكلم فى لسان المعرفة من غير اذن من الحق وقبل اوانه ومن تصدر قبل اوانه تصدى لهوانه. ثم من وصايا لقمان على ما فى كشف الاسرار قوله [اى بسر جون قدرت يابى برظلم بندكان قدرت خداى برعقوبت خود يادكن واز انتقام وى بينديش كه او جل جلاله منتقم است دادستان از كردن كشان وكين خواه از ستمكاران وبحقيقت دان كه ظلم تو ازان مظلوم فرا كذرد وعقوبة الله بر ان ظلم برتو بماند وباينده بود]: قال الشيح سعدى قدس سره شعر : شنيدم كه لقمان سيه فام بود نه تن برور ونازك اندام بود يكى بنده خويش بنداشتش ببغداد دركار كل داشتش به سالى سرايى ببر داختش كس ازبنده خواجه نشناختش جوبيش آمدش بندده رفتة باز زلقمانش آمد نهيبى فراز به بابش درافتاد وبوزش نمود بخنديد لقمان كه بوزش جه سود بسالى زجورت جكر خون كنم بيك ساعت ازدل بدر جون كنم وليكن بخشايم اى نيك مرد كه سود تومارا زيانى نكرد تو آباد كردى شبستان خويش مرا حكمت ومعرفت كشت بيش غلاميست درخيم اى نيك بخت كه فرمايمش وقتها كار سخت دكرره نيازارمش سخت دل جو آيدم سختئ كار كل هر آنكس كه جور بزركان نبرد نسوزد دلش برضعيفان خرد كه از حا كمان سخت آيد سخن تو برزير دستان درشتى مكن مهازور مندى مكن بركهان كه بريك نمط مى نماند جهان تفسير : [لقمانرا كفتند ادب ازكه آموختى كفت ازبى ادبان كه هرجه از ايشان در نظرم نابسند آمد ازان فعل برهيز كردم] شعر : نكويند ازسر بازيجه حرفى كزان بندى نكيرد صاحب هوش وكر صد باب حكمت بيش نادان بخوانند آيدش بازيجه در كوش تفسير : وعن على رضى الله عنه الحكمة ضالة المؤمن فالتقفها ولو من افواه المشركين: يعنى [مرد مؤمن هميشه طالب حكمت بود جنانكه طالب كم كرده خويش بود] قال عيسى عليه السلام لا تقولوا العلم فى السماء من يصعد يأتى به ولا فى تخوم الارض من ينزل يأتى به ولا من وراء البحر من يعبر يأتى به العلم مجعول فى قلوبكم تأدبوا بين يدى الله بآداب الروحانيين يظهر عليكم كما فى شرح منازل السائرين. ومن آداب الروحانيين ترك الامور الطبيعية والقيام فى مقام الصمدية [عابدى را حكايت كنند كه هر شب ده من طعام بخوردى وتا بسحر ختمى درنماز بكردى صاحب دلى بشنيد وكفت اكر نيم من بخوردى وبخفتى بسيار ازين فاضلتر بودى] شعر : اندرون از طعام خالى دار تادرو نور معرفت بينى تهى ازحكمتى بعلت آن كه برى ازطعام تابينى تفسير : واعلم ان الحكمة قد تكون متلفظا بها كالاحكام الشرعية المتعلقة بظواهر القرآن وقد تكون مسكوتا عنها كالاسرار الالهية المستورة عن غير اهلها المتعلقة ببواطن القرآن فمن لج فى الطلب من طريقه ولج فى المعرفة بفضل الله تعالى وتوفيقه

الجنابذي

تفسير : {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} يعنى عن الاسراع فانّ المقصود التّوسّط بين الاختيال الظّاهر بالتّأنّى فى المشى وبين خفّة النّفس وعدم وقارها الظّاهر بالاسراع فى المشى {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} اى انقص من صوتك ولا ترفعه قدر ما يمكن لك رفعه فالمقصود التّوسّط بين الخفض بحيث لا يسمعه من اردت اسماعه ولا يزيد على قدر اسماعه {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ} اشدّها زجراً {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} عن الصّادق (ع) انّه قال: هى العطسة القبيحة والرّجل يرفع صوته بالحديث رفعاً قبيحاً الاّ ان يكون داعياً او يقرأ القرآن وقد اقتصر تعالى شأنه من حكاية مواعظه على ما هو اصل اصول الدّين وهى الاشراك بالله او الاشراك بالنّبوّة او الولاية وعلى ما هو اصل اصول الاعمال الشّرعيّة من اقامة الصّلٰوة والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر والصّبر عليها او على البلايا، لكنّ المقصود الصّبر على الصّلٰوة ما بعدها حتّى يمكن عدّه من جانب الاعمال الشّرعيّة القالبيّة لانّ الصّبر على البلايا معدود من الاخلاق النّفسيّة وعلى ما هو اصل اصول آداب المعاشرة وقد ذكرنا قبيل هذا انّ ما نقل من مواعظه كثيرة من اراد فليرجع الى المفصّلات.

الهواري

تفسير : قال: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} وقال في آية أخرى: (أية : وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً) تفسير : [الإِسراء: 37]. قال: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ} يعني أقبح الأصوات {لَصَوْتُ الحَمِيرِ} وإنما كانت {لَصَوْتُ الحَمِيرِ} ولم تكن لأصوات الحمير لأنه عنى صوتها الذي هو صوتها. قوله: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ} يعني شمسها وقمرها ونجومها وما ينزل من السماء من ماء وما فيها من جبال البرد {وَمَا فِي الأَرْضِ} أي: وسخر لكم ما في الأرض أي: من شجرها وجبالها وأنهارها وثمارها [وبحارها وبهائمها] {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} أي: في باطن أمركم وظاهره. [وبعضهم يقول]: الظاهرة الإِسلام والقرآن، والباطنة ما ستر من العيوب والذنوب. قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ} فيعبد الأوثان دونه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاه من الله {وَلاَ هُدىً} أتاه من الله {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي: مضيء. أي: بيّن لما هو عليه من الشرك. وتفسير الكلبي أنها نزلت في النضر بن الحارث، أخي بني عبد الدار.

اطفيش

تفسير : {وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} توسط فيه لا تجعله دبيبا ولا اسراعا قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : سرعة المشي تذهب بها المؤمن "تفسير : ، وفي رواية (بهاء الوجه) واما قول عائشة في النبي صلى الله عليه وسلم او في عمر رضي الله عنه: كان اذا مشى أسرع، فانما ارادت بذلك السرعة المرتفعة عن الدبيب المتوسطة المصحوبة بالسكينة والوقار وقرىء بفتح الهمزة وقطعها وكسر الصاد من قولك اقصد زيد بمعنى سدد واقصد الرامي اذا سدد سهمه نحو الرمية وقصد يقصد بفتح عين الماضي وكسر عين المضارع سواء كان بمعنى التوسط كما في الآية او بمعنى التوجه الى الشيء والقصد اليه كما نص عليه في المصباح والقاموس. {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} اي خفض منه وانقص منه يقال غض زيد من عمرو اذا قصر به ووضع منه ونقصه ففي غض الصوت توقير المتكلم وبسط لنفس السامع وفهم. {إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} أي إن اوحشها وأقبحها عندك وعند امثالك من الناس لصوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق وهما لاهل النار فكيف تغلظ صوتك وتجهر به حتى يضاهي صوت الحمير والجملة تعليل للأمر بالغض او ذلك مبالغة شديدة في ذم رفع الصوت وتهجينه وافراط في التثبيط عنه والترغيب عنه وتنبيه على انه من كراهة الله بمكان فوق ما تكرهه يا انسان من صوت الحمير حيث شبه الرافعين اصواتهم بالحمير ومثل اوصواتهم بالنهيق واخلى الكلام من لفظ التشبيه واخرج ذلك مخرج الاستعارة فكأنه قيل ان انكر الاصوات وأبغضها عند الله لصوت هؤلاء الذين صوتهم في الاعلان كصوت الحمير والحمار مثل في الذم البليغ عند الناس وكذا نهاقه ومن استفحاش الناس له الكناية عنه بطويل الاذنين، وقد عد من مساويء الادب ذكره في مجلس أولى المروءة ومن العرب من لا يركبه استكبارا وان بلغ الجهد، وانما افرد صوت الحمير لانه لم يرد ذكر صوت كل واحد من احاد هذا الجنس بل اراد ان لكل حيوان صوتا وان انكر اصوات الحيوان كله صوت هذا الجنس او لان اضافته للاستغراق فمعناه اصوات الحمير او لانه في الاصل مصدر ومعناه تحريك اللسان والمخارج مثلا ثم اطلق على الالفاظ المسوعة مثلا وفي الحديث: "حديث : إِذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فانها رأت شيطانا ". تفسير : وقال سفيان الثوري صياح كل شيء تسبيح إلا صياح الحمير. وعن ابي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا سمعتم الديكة فاسألوا الله من فضله فإِنها رأت ملكا وإِذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فانها رأت شيطانا " تفسير : ، وفي رواية: "حديث : إِذا سمعتم الديكة تصيح بالليل ". تفسير : وعن جابر بن عبدالله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا سمعتم نباح الكلب أَو نهيق الحمار من الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فانها ترى مالا ترون وأقلوا الخروج في الليل فان الله يبعث في ليله من خلقه ما يشاء "تفسير : . وقيل ان الآية في العطسة القبيحة المنكرة وعن وهب: تكلم لقمان باثني عشر بابا من الحكمة ادخلها الناس في كلامهم وقضاياهم. قال مالك قال لقمان لابنه: يا بني ان الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون وهم الى الآخرة سراعا يذهبون وانك قد استدبرت الدنيا مذ كنت واستقبلت الآخرة مع انفاسك وان دارا تسير اليها اقرب من دار تخرج عنها. وعن سفيان الثوري قال لقمان لابنه: يا بني ان الدنيا بحر عميق غرق فيه ناس كثير فلتكن فيه سفينتك تقوى الله وليكن حشوها ايمانا بالله وشراعها توكلا على الله لعلك تنجو وما اظنك ناجيا، يا بني خذ من الدنيا بلغة ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك ولا تفرضها تكن عيالا على الناس وصم صياما يقطع شهوتك ولا تصم صياما يمنعك عن الصلاة فان الصلاة عند الله اعظم من الصيام يا بني لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء ولتماري به السفهاء ولا تترك العلم زهادة فيه ورغبة في الجهالة يا بني اختر المجالس على عزلتك فان رأيت قوما يذكرون الله فاجلس اليهم فان كنت عالما ينفعك علمك ويزيدوك علما وان كنت جاهلا يعلموك ولعل الله يطالعهم برحمته فتعمك معهم يا بني لا تجادل فاجرا كما انه ليس بين الذئب والشاة خلة ومن يحب المراء يشتم ومن يدخل مداخل السوء يتهم ومن يقارن قرين السوء لا يسلم ومن لا يملك لسانه يندم يا بني كن عبدا للاخيار ولا تكن ولدا للاشرار يا بني كن امينا غنيا يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتك ولا تجادلهم فيمنعوك علمهم والطف بهم في السؤال يا بني لا تطلب من الأمور مدبرا ولا ترفض منها مقبلا فان ذلك يقل الرأي ويزري بالعقل يا بني ان تأدبت صغيرا انتفعت كبيرا يا بني ان سافرت فلا تتأمر على دابتك فان ذلك سريع من دبرها وليس ذلك من فعل الحكمة واذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك وابدأ بعقلها قبل نصيبك فانها نفسك واياك والسفر او الليل وعليك بالتغليس والادلاج من نصف الليل الى آخره وسافر بسيفك وخفك وعمامتك وكسائك وسقائك وابرتك وخيوطك ومخزرك وتزود معك الادوية تنتفع انت ومن معك وكن لا صحابك موافقا مواتيا الا في معصية الله تعالى يا بني اياك والتقنع فانه بالنهار شهرة وبالليل ريبة يا بني لا تأمر الناس بالبر وتنسى نفسك فيكون مثلك مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه يا بني لا تحقرن من الذنوب صغارها فان الصغار غدا تكون كبارا يا بني اياك والكذب فانه يفسد عليك دينك ويهجر عند الناس مروءتك فيذهب عند الناس جاهك وبهاؤك ولا يسمع منك اذا حدثت ولا تصدق اذا قلت ولا خير في العيش اذا كان هكذا يا بني اياك وسوء الخلق والضجر وقلة الصبر فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب ولا يزول عليها من الله معاتب والزم نفسك تأنى في أمورك واحسن مع جميع الناس خلقك فان من حسن خلقه حضى عند الأبرار وظهر عند الأخيار وأحبوه محبة الأبرار وجانبه الفجار يا بني لا تقبل الهموم والأحزان وانفها عن نفسك وارض بالقضاء وارض بما قسم الله يصفوا عيشك وتريح نفسك وان اردت ان تجمع غنى الدنيا فاقطع طمعك مما في ايدي الناس يا بني ان الدنيا متاعها قليل وعمرك منها قليل وما بقي من القليل الا القليل يا بني اجعل معروفك في اهله ولا تصرفه في غير اهله فتخسره في الدنيا وتحرم ثوابه في الآخرة وكن مقتصدا ولا تكن مبذرا ولا تمسك المال تقتير ولا تعطه تبذيرا وأكرم الحكمة تكرم بها وأعزها تعز بها وسر اخلاق الحكمة في دين الله تعالى يا بني ان للحاسد ثلاث علامات يغتاب اذا غاب ويتملق اذا شاهد ويشتم بالمعيبة. وأنفها عن نفسك وارض بالقضاء وارض بما قسم الله يصفوا عيشك وتريح نفسك وان اردت ان تجمع غنى الدنيا فاقطع طمعك مما في ايدي الناس يا بني ان الدنيا متاعها قليل وعمرك منها قليل وما بقي من القليل الا القليل يا بني اجعل معروفك في اهله ولا تصرفه في غير اهله فتخسره في الدنيا وتحرم ثوابه في الآخرة وكن مقتصدا ولا تكن مبذرا ولا تمسك المال تقتيرا ولا تعطه تبذيرا وأكرم الحكمة تكرم بها وأعزها تعز بها وسر اخلاق الحكمة في دين الله تعالى يا بني ان للحاسد ثلاث علامات يغتاب اذا غاب ويتملق اذا شاهد ويشتم بالمعيبة.

اطفيش

تفسير : {واقْصِد في مَشْيك} توسط فيه لا تسرع الا لغرض صحيح، ولا تتباطأ كذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن"تفسير : اى هيبته وجماله، وذلك انه يعد ذلك منه خفة، ولو لم تكن فيه فيحتقر، وقد يتغير البدل بالسرعة فيزول بهاؤه، قال ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبيب اليهود، ودبيب النصارى، وراى عمر رضى الله عنه رجلا متماوتا فقال: لا تمت علينا ديننا اماتك الله تعالى، وراى رجلا متطأطئ راسه فقال: ارفع راسك، فان الاسلام ليس بمريض، ورأت عائشة رضى الله عنها رجلا كاد يموت تخافتا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: انه من القراء، فقالت: كان عمر رضى الله عنه سيد القراء، وكان اذا مشى اسرع، واذا قال اسمع واذا ضرب اوجع، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الاسراع، ولو لادراك الامام، وقال: ما ادركت فصل وما فات فاستدركه. {واغْضُض مِن صَوْتك} انقض من صوتك الجهير: فتعدى بمن على التضمين والتأويل، ويتعدى ايضا بنفسه وهو الاصل، ومنه قوله تعالى: "أية : يغضون أصواتهم"تفسير : [الحجرات: 3] فلا يبالغ فى الجهر الا لغرض صحيح، ومنه الاذان والانذار من العدو، ويقال رفع الصوت فى غاية الكرامة، ويروى ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله يعجبه ان يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره ان يكون جهير الصوت، ويظهر ان المبالغة فى الجهر تشوه الوجه، فيذهب بهاؤه، وتركه اوفر للمتكلم، وابسط لنفس السامع وفهمه، والآية شاملة للعطاس، فان ما يسمع منه صوت فينبغى خفضه ما أمكن، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت بالعطاس، وذكر الغض بعد القصد فى المشى، لان يتوصل برفع الصوت اذا عجز عن التوصل الى المطلوب بالمشى، فليتوصل اليه بالمشى الا ما خيف فوته، او ما دعا اليه غرض صحيح. {إنَّ أنكر الأصْوات} لان انكر اصوات الحيوانات اسم تفضيل من المبنى للفاعل، كما هو شائع المقيس من معنى قولك: نكر الشئ بضم الكاف صعب، اى ان اصعب الاصوات على القلوب والاسماع، كما قال الله تعالى: "أية : إلى شيء نكر"تفسير : [القمر: 6] والجهر يضر سمع السامع، واما ان قلنا: من نكر بالبناء للمفعول او من انكر كذلك بالهمزة بمعنى اقبح الاصوات فشاذ، حيث بنى من المبنى للمفعول، او من الرباعى المبنى ايضا للمفعول {لَصوت الحَمِير} اسم جمع كما قال السهيلى، لا جمع كما قال غيره، فرافع الصوت فى غير محل الرفع كالحمار فى القبح، ولا استعارة فى ذلك، وان اريد بصوت الحمير اصوات الرافعين لا صوت الحمير، كانت الاستعارة، اى انكر الاصوات اصوات هؤلاء الرافعين اصواتهم، وسماهم حميرا. ومقتضى الظاهر ان انكر الاصوات لاصوات الحمير بجمعهما، او انكر الصوت لصوت الحمار بافرادهما، ولكن قال صوت الحمير اشارة الى ان اصوات الحمير كصوت واحد لقوة تشابهها، ولان المراد بيان صوت هذا الجنس، لا صوت كل فرد منه، وجمع الحمار مع هذا مبالغة فى التنفيرفان صوت حمر بمرة اشد قبحا، ولا يخفى ان المنكر صوت ذلك الجنس، ولو من فرد منه، والجملة من كلام لقمان، وقيل من كلام الله سبحانه وتعالى ردا على المشركين، اذ يتفاخرون بجهر الصوت، كما قال شاعرهم: شعر : جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويخطو على العم خطو الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم تفسير : قال سفيان الثورى: صياح كل شئ تسبيح الا صوت الحمار، فانه يصيح لرؤية الشيطان، وكثيرا ما يرى يصيح عند رؤية حمار ولعل مع الحمار الذى يرى شيطانا او تارة لحمار وتارة لشيطان.

الالوسي

تفسير : {وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ } بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط فيه بين الدبيب والإسراع من القصد وهو الاعتدال، وجاء في عدة روايات إلا أن في أكثرها مقالاً يخرجها عن صلاحية الاحتجاج بها كما لا يخفى على من راجع «شرح الجامع الصغير» للمناوي / عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»تفسير : أي هيبته وجماله أي تورثه حقارة في أعين الناس، وكأن ذلك لأنها تدل على الخفة وهذا أقرب من قول المناوي لأنها تتعب فتغير البدن والهيئة. وقال ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك، وما في «النهاية» من أن عائشة نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتاً فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء فقالت: كان عمر رضي الله تعالى عنه سيد القراء وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع، فالمراد بالإسراع فيه ما فوق دبيب المتماوت وهو الذي يخفي صوته ويقل حركاته مما يتزيا بزي العباد كأنه يتكلف في اتصافه بما يقربه من صفات الأموات ليوهم أنه ضعف من كثرة العبادة فلا ينافي الآية، وكذا ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم إذ يمشي كأنما ينحط من صبب وكذا لا ينافيها قوله تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً }تفسير : [الفرقان: 63] إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل، وذكر بعض الأفاضل أن المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه، وقال السخاوي: محل ذم الإسراع ما لم يخش من بطء السير تفويت أمر ديني، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مثلاً مما قالوا إنه مما لا ينبغي فلا تغفل، وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه، وقيل: جعل البصر موضع القدم، والمعول عليه ما تقدم. وقرىء {وَأقصد} بقطع الهمزة ونسبها ابن خالويه للحجازي من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها ليصيبها أي سدد في مشيك والمراد أمش مشياً حسناً، وكأنه أريد التوسط به بين المشيين السريع والبطىء فتتوافق القراءاتان. {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } أي انقص منه واقصر من قولك فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه وحط من درجته. وفي «البحر» الغضرد طموح الشيء كالصوت والنظر ويستعمل متعدياً بنفسه كما في قوله:شعر : فغض الطرف إنك من نمير تفسير : ومتعدياً بمن كما هو ظاهر قول الجوهري غض من صوته. والظاهر إن ما في الآية من الثاني، وتكلف بعضهم جعل من فيها للتبعيض، وادعى آخر كونها زائدة في الإثبات، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية ومنه، قول الشاعر:شعر : جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويخطو على العم خطو الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم تفسير : والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه. {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ } أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في «البحر»: وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم: أشغل من ذات النحيين وبناؤه من ذلك شاذ، وقال بعض: أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم نكارة ومنه {أية : يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ }تفسير : [القمر: 6] أي أمر صعب لا يعرف، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن أنكر أصوات الحيوانات {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } جمع حمار كما صرح به أهل اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال: إن فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق على اسم الجمع الجمع عند اللغويين، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهم بالحمير وهم مثل في الذم البليغ والشتيمة ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير / وآخره شهيق ثم أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة، وفي ذلك من المبالغة في الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه، وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، قيل: فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار بتوحيد المضاف إليه. وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر. وأورد عليه أنه يوهم أن الأنكرية في التوافق دون الانفراد وهو لا يناسب المقام، وأجيب بأنه لا يلتفت إلى مثل هذا التوهم، وقيل: لم يجمع الصوت المضاف لأنه مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع ما لم تقصد الأنواع كما في {أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ } فتأمل. والظاهر أن قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } من كلام لقمان لابنه تنفيراً له عن رفع الصوت، وقيل: هو من كلام الله تعالى وانتهت وصية لقمان بقوله: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } رد سبحانه به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ورفعه مع أن ذلك يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأذن وبين عز وجل أن مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وأن مثل أصواتهم التي يرفعونها مثل نهاقها في الشدة مع القبح الموحش وهذا الذي يليق أن يجعل وجه شبه لا الخلو عن ذكر الله تعالى كما يتوهم بناءً على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن سفيان الثوري قال: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار لما أن وجه الشبه ينبغي أن يكون صفة ظاهرة وخلو صوت الحمار عن الذكر ليس كذلك، على أنا لا نسلم صحة هذا الخبر فإن فيه ما فيه، ومثله ما شاع بين الجهلة من أن نهيق الحمار لعن للشيعة الذين لا يزالون ينهقون بسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومثل هذا من الخرافات التي يمجها السمع ما عدا سمع طويل الأذنين. والظاهر أن المراد بالغض من الصوت الغض منه عند التكلم والمحاورة، وقيل: الغض من الصوت مطلقاً فيشمل الغض منه عند العطاس فلا ينبغي أن يرفع صوته عنده إن أمكنه عدم الرفع، وروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما يقتضيه ثم أن الغض ممدوح أن لم يدع داع شرعي إلى خلافه، وأردف الأمر بالقصد في المشي بالأمر بالغض من الصوت لما أنه كثيراً ما يتوصل إلى المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصل إليه بالمشي كذا قيل. هذا وأبعد بعضهم في الكلام على هذين الأمرين فقال: إن الأول إشارة إلى التوسط في الأفعال والثاني إشارة إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسط في الأقوال، وجعل قوله تعالى: {أية : إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ }تفسير : [لقمان: 61] الخ إشارة إلى إصلاح الضمير وهو كما ترى. وقرأ ابن أبـي عبلة {لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } بالجمع بغير لام التأكيد.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن بيّن له آداب حسن المعاملة مع الناس قفَّاها بحسن الآداب في حالته الخاصة، وتلك حالتا المشي والتكلم، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه. والقصد: الوسط العَدل بين طرفين، فالقصد في المشي هو أن يكون بين طرف التبختر وطرف الدبيب ويقال: قصد في مشيه. فمعنى {اقْصِدْ في مشيك}: ارتكب القصد. والغَضُّ: نقص قوة استعمال الشيء. يقال: غَضَّ بصره، إذا خفَّض نظره فلم يحدّق. وتقدم قوله تعالى {أية : قل للمؤمنين يغُضُّوا من أبصارهم} تفسير : في سورة النور (30). فغض الصوت: جعله دون الجهر. وجيء بـ {مِن} الدالة على التبعيض لإفادة أنه يغض بعضه، أي بعضَ جهره، أي ينقص من جُهُورته ولكنه لا يبلغ به إلى التخافت والسرار. وجملة {إن أنكر الأصوات لصوتُ الحمير} تعليل علل به الأمر بالغض من صوته باعتبارها متضمنة تشبيهاً بليغاً، أي لأن صوت الحمير أنكر الأصوات. ورفع الصوت في الكلام يشبه نهيق الحمير فله حظ من النكارة. و{أنكَر}: اسم تفضيل في كون الصوت منكوراً، فهو تفضيل مشتق من الفعل المبني للمجهول ومثله سماعي وغيرُ شاذ، ومنه قولهم في المثل: «أشغل من ذات النِّحْيَيْنِ» أي أشد مشغولية من المرأة التي أُريدت في هذا المثل. وإنما جمع {الحمير} في نظم القرآن مع أن {صوت} مفرداً ولم يقل الحمار لأن المعرف بلام الجنس يستوي مفرده وجمعُه. ولذلك يقال: إن لام الجنس إذا دخلتْ على جَمع أبطلت منه معنى الجَمْعِيَّة. وإنما أوثر لفظ الجمع لأن كلمة الحمير أسعد بالفواصل لأن من محاسن الفواصل والأسجاع أن تجري على أحكام القوافي، والقافية المؤسسة بالواو أو الياء لا يجوز أن يرد معها ألف تأسيس فإن الفواصل المتقدمة من قوله {أية : ولقد ءاتينا لقمان الحكمة}تفسير : [لقمان: 12] هي: حميد، عظيم، المصير، خبير، الأمور، فخور، الحمير. وفواصل القرآن تعتمد كثيراً على الحركات والمُدود والصيغ دون تماثل الحروف وبذلك تخالف قوافي القصائد. وهذا وفاء بما وعدتُ به عند الكلام على قوله تعالى {ولقد ءاتينا لقمان الحكمة} من ذكر ما انتهى إليه تتبعي لما أُثِر من حِكمة لقمان غير ما في هذه السورة وقد ذكر الألوسي في «تفسيره» منها ثمانياً وعشرين حكمة وهي: قوله لابنه: أي بني، إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها أناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحِشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً. وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزاً، والذل في طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية. وقوله: ضَرْبُ الوالد لولده كالسماد للزرع. وقوله: يا بني إياك والدَّين فإنه ذل النهار وَهَمُّ الليل. وقوله: يا بني ارجُ الله عز وجل رجاء لا يجرِّئك على معصيته تعالى، وخَفِ الله سبحانه خوفاً لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه. وقوله: من كَذب ذهب ماء وجهه، ومَن ساء خلُقُه كثُر غمُّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم. وقوله: يا بني حَملْتُ الجندل والحديد وكلَّ شيء ثقيل فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المِرار فلم أذق شيئاً هو أمرّ من الفقر. يا بني لا تُرسِلْ رسولك جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسولَ نفسك. يا بني، إياك والكذب، فإنه شَهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه. يا بني، احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا. يا بني، لا تأكل شِبَعاً على شِبَع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله. يا بني، لا تكُن حُلواً فتُبلَعَ ولا تكن مُرّاً فتُلْفَظ. وقوله لابنه: لا يأكل طعامك إلاَّ الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء. وقوله: لا خير لك في أن تتعلمَ ما لم تَعْلَم ولَمّا تعملْ بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً فحمل حُزْمَة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى. وقوله: يا بني، إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذَره. وقوله: لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقوله: يا بني، أنْزِل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بدّ لك منه. يا بنيّ، كن كمن لا يبتغي محمدَة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة. وقوله: يا بني، امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكتَّ سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك. وأنا أقفّي عليها ما لم يذكره الألوسي. فمن ذلك ما في «الموطأ» فيما جاء في طلب العلم من كتاب «الجامع»: مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور العلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء. وفيه فيما جاء في الصدق والكذب من كتاب «الجامع» أنه بلغه أنه قيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى ــــ يريدون الفضلــــ؟ فقال: صدقُ الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعْنيني. وفي «جامع المستخرجة» للعتبي قال مالك: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بُني ليكنْ أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأةً صالحة. وفي «أحكام القرآن» لابن العربي عن مالك: أن لقمان قال لابنه: يا بني إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنتَ واستقبلتَ الآخرة، وإن داراً تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها. وقال: ليس غنى كصحة، ولا نعمة كطِيب نفْس. وقال: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم اتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء فيصيبَك معهم، وقال: يا بني، جالس العلماء ومَاشِهِم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وفي «الكشاف»: أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنتَ تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنتَ تراني أسود فقلبي أبيض. وأن مولاه أمره بذبححِ شاة وأن يأتيه بأطيب مضغتين فأتاه باللسان والقلب، ثم أمره بذبح أخرى وأنْ ألْقِ منها أخبث مضغتين، فألقى اللسان والقلب؛ فسأله عن ذلك، فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا. ودخل على داود وهو يسرد الدروع فأراد أن يسأله عماذا يصنع، فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها داود لَبِسها وقال: نِعم لَبُوس الحرب أنتِ. فقال لقمان: الصمتُ حكمة وقليل فاعله. وفي «تفسير ابن عطية»: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ فقال: الذي لا يبالي أن يراه الناس سيِّئاً أو مسيئاً. وفي «تفسير القرطبي»: كان لقمان يفتي قبل مبعث داود فلما بعث داود قطع الفتوى. فقيل له، فقال: ألا أكتفِي إذا كُفِيتُ. وفيه: إن الحاكم بأشدّ المنازل وكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إنْ يصبْ فبالحريِّ أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً. ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتْه الدنيا ولا يُصب الآخرة. وفي «تفسير البيضاوي»: أن داود سأل لقمان: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحت في يَديْ غيري. وفي «درة التنزيل» المنسوب لفخر الدين الرازي: قال لقمان لابنه: إن الله رَضيني لك فلم يُوصني بكَ ولم يرضَك لي فأوصاك بي. وفي «الشفاء» لعياض: قال لقمان لابنه: إذا امتلأتْ المَعِدة نامت الفِكْرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة. وفي كتاب «آداب النكاح» لقاسم بن يأمون التليدي الأخماسي: أن من وصية لقمان: يا بني إنما مَثَل المرأة الصالحة كمثَل الدهن في الرأس يُليِّن العروق ويحسن الشعر، ومَثَلها كمثل التاج على رأس الملك، ومثلها كمثَل اللؤلؤ والجوهر لا يدري أحد ما قيمته. ومثَل المرأة السوء كمثل السَّيْل لا ينتهي حتى يبلغ منتهاه: إذا تكلمتْ أسمعت، وإذا مشت أسرعت، وإذا قعدت رفعت، وإذا غضبت أسمعت. وكل داء يبرأ إلاَّ داء امرأة السوء. يا بني، لأن تساكن الأسد والأسْوَد خير من أن تساكنها: تبكي وهي الظالمة، وتحكم وهي الجائرة، وتنطق وهي الجاهلة وهي أفعى بلدغها. وفي «مجمع البيان» للطبرسي: يا بني، سافر بسيفك وخُفّك وعمامتك وخبائك وسِقائك وخيوطك ومخرزك، وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقاً إلا في معصية الله عز وجل. يا بني، إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، فإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعِنْهم، واستعمِل طول الصمت وكثرة الصلاة، وسَخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهَد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر، ولا تُجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته، فإن من لم يمحض النصيحة من استشاره سلبه الله رأيه، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنّاً. وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئاً فقل نعم ولا تقل (لا) فإن (لا) عِيٌّ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فأنزلوا، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا، وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه فإن الشخص الواحد في الفلاة مُريب لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم. واحذروا الشخصين أيضاً إلا أن تروا ما لا أرى لأن العاقِل إذا أبصر بعينه شيئاً عرف الحق منه والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء، صلِّها واسترح منها فإنها دَين، وصلِّ في جماعة ولو على رأس زَجّ. وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لوناً وألينها تربة وأكثرها عشباً. وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجتك فأبْعِد المذهب في الأرض. وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثم ودّع الأرض التي حللتَ بها وسلّم على أهلها فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة، وإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتى تبتدىء فتتصدق منه فافعل. وعليك بقراءة كتاب الله ــــ لعله يعني الزبور ــــ ما دمت راكباً، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملاً عملاً، وعليك بالدعاء ما دمت خالياً. وإياك والسير في أول الليل إلى آخره. وإياك ورفع الصوت في مسيرك. فقد استقصينا ما وجدنا من حكمة لقمان مما يقارب سبعين حكمة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع كقوله: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} تفسير : [لقمان: 18].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَصْوَاتِ} (19) - وَامشِ مُقْتَصِداًَ فِي مَشْيِكَ، عَدْلاً وَسَطاً بَيْنَ البَطِيءِ المُتَثَبِّطِ، والسَّرِيعِ المُفْرِطِ، وَلا تُبَالِغْ فِي الكَلاَمِ، وَلا تَرْفَعَ صَوْتَكَ فِيمَا لا فَائِدَةَ مِنْهُ، وَحِينَما لاَ تَكُونَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلى رَفْعِ الصَّوتِ، فَذَلِكَ يَكُونُ أَوْقَرَ لِلمُتَكَلِّمِ، وأَبْسَطَ لِنَفْسِ السَّامِعِ. ثُمَّ قَالَ لُقْمَانُ لاْبِنِهِ مُنَفِّراً إِيَّاهُ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ حِينَما لاَ يَكُونُ هُنَاكَ حَاجَةً لِذلِك: إِنَّ الحِمَارَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عِندَ النَّهِيقِ، ولكِنَّ الصَّوْتَ الذِي يَصْدُرُ عَنْهُ قَبيحٌ مُنْكَرٌ، فَلاَ يَلِيقُ بالإِنسَانِ العَاقِلِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَ الحِمَارِ. اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ - تَوَسَّطْ فِي المَشيِ بَينَ الإِسراعِ والإِبَطَاءِ. اغْضُضْ - اخفِضْ وَانْقِصْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : القصد: هو الإقبال على الحدث، إقبالاً لا نقيضَ فيه لطرفين، يعني: توسطاً واعتدالاً، هذا في المشي {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ..} [لقمان: 19] أي: اخفضه وحَسْبك من الأداء ما بلغ الأذن. لكن، لماذا جمع السياق القرآني بين المشي والصوت؟ قالوا: لأن للإنسان مطلوبات في الحياة، هذه المطلوبات يصل إليها، إما بالمشي - فأنا لا أمشي إلى مكان إلا إذا كان لي فيه مصلحة وغرض - وإما بالصوت فإذا لم أستطع المشي إليه ناديته بصوتي. إذن: إما تذهب إلى مطلوبك، أو أنْ تستدعيه إليك. والقصد أي التوسط في الأمر مطلوب في كل شيء؛ لأن كل شيء له طرفان لا بُدَّ أن يكون في أحدهما مبالغة، وفي الآخرة تقصير؛ لذلك قالوا: كلا طرفي قصد الأمور ذميم. ثم يقول سبحانه مُشبِّهاً الصوت المرتفع بصوت الحمار: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [لقمان: 19] والبعض يفهم هذه الآية فهماً يظلم فيه الحمير، وعادة ما يتهم البشرُ الحميرَ بالغباء وبالذلة، لذلك يقول الشاعر: شعر : وَلاَ يُقيم علَى ضيَمْ يُرَادُ به إلاَّ الأذلاَّنِ عَيْرُ الحيِّ والوَتِدُ هذا على الخسفْ مربوطٌ برمته وذَا يُشَدُّ فَلاَ يَرْثِى لَهُ أَحَد تفسير : ونعيب على الشاعر أن يصف عِيرَ الحي - والمراد الحمار - بالذلة، ويقرنه في هذه الصفة بالوتد الذي صار مضرب المثل في الذلة حتى قالوا (أذلّ من وتد) لأنك تدقّ عليه بالآلة الثقيلة حتى ينفلق نصفين، فلا يعترض عليك، ولا يتبرم ولا يغيثه أحد، فالحمار مُسخّر، وليس ذليلاً، بل هو مذلَّل لك من الله سبحانه. ولو تأملنا طبيعة الحمير لوجدنا كم هي مظلومة مع البشر، فالحمار تجعله لحمل السباخ والقاذورات، وتتركه ينام في الوحل فلا يعترض عليك، وتريده دابة للركوب فتنظفه وتضع عليه السِّرْج، وفي فمه اللجام، فيسرع بك إلى حيث تريد دون تذمر أو اعتراض. وقالوا في الحكمة من علو صوت الحمار حين ينهق: أن الحمار قصير غير مرتفع كالجمل مثلاً، وإذا خرج لطلب المرعى ربما ستره تلّ أو شجرة فلا يهتدي إليه صاحبه إلا إذا نهق، فكأن صوته آلة من آلات البادية الطبيعية ولازمة من لوازمه الضرورية التي تناسب طبيعته. لذلك يجب أن نفهم قول الله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فنهيق الحمار ليس مُنكَراً من الحمار، إنما المنكر أن يشبه صوت الإنسان صوت الحمار، فكأن نهيق الحمار كمال فيه، وصوتك الذي يشبهه مُنكَر مذموم فيك، وإلا فما ذنب الحمار؟ إنك تلحظ الجمل مثلاً وهو أضخم وأقوى من الحمار إذا حمَّلته حِمْلاً فإنه (ينعَّر) إذا ثقل عليه، أما الحمار فتُحمِّله فوق طاقته فيحمل دون أنْ يتكلم أو يبدي اعتراضاً، الحمار بحكم ما جعل الله فيه من الغريزة ينظر مثلاً إلى (القناة) فإنْ كانت في طاقته قفز، وإنْ كانت فوق طاقته امتنع مهما أجبرته على عبورها. أما الإنسان فيدعوه غروره بنفسه أنْ يتحمّل ماَلا يطيق. ويُقال: إن الحمار إذا نهق فإنه يرى شيطاناً، وعلمنا بالتجربة أن الحيوانات ومنها الحمير تشعر بالزلزال قبل وقوعه، وأنها تقطِّع قيودها وتفرّ إلى الخلاء، وقد لوحظ هذا في زلزال أغادير بالمغرب، ولاحظناه في زلزال عام 1992م عندما هاجت الحيوانات في حديقة الحيوان قبيل الزلزال. ثم إن الحمار إنْ سار بك في طريق مهما كان طويلاً فإنه يعود بك من نفس الطريق دون أنْ تُوجِّهه أنت، ويذهب إليه مرة أخرى دون أنْ يتعدَّاه، لكن المتحاملين على الحمير يقولون: ومع ذلك هو حمار لأنه لا يتصرف، إنما يضع الخطوة على الخطوة، ونحن نقول: بل يُمدح الحمار حتى وإنْ لم يتصرف؛ لأنه محكوم بالغريزة. كذلك الحال في قول الله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..} تفسير : [الجمعة: 5]. فمتى نثبت الفعل وننفيه في آن واحد؟ المعنى: حملوها أي: عرفوها وحفظوها في كتبهم وفي صدورهم، ولم يحملوها أي: لم يؤدوا حق حملها ولم يعملوا بها، مثَلهم في ذلك {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..} تفسير : [الجمعة: 5] فهل يُعَدُّ هذا ذَماً للحمار؟ لا، لأن الحمار مهمته الحمل فحسب، إنما يُذَمّ منهم أَنْ يحملوا كتاب الله ولا يعملوا به، فالحمار مهمته أنْ يحمل، وأنت مهمتك أنْ تفقه ما حملت وأنْ تؤديه. فالاعتدال في الصوت أمر ينبغي أن يتحلى به المؤمن حتى في الصلاة وفي التعبد يُعلِّمنا الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 110] أما ما تسمعه من (الجعر) في مكبرات الصوت والنُّواح طوال الليل فلا ينالنا منه إلا سخط المريض وسخط صاحب العمل وغيرهم، ولقد تعمدنا عمل إحصاء فوجدنا أن الذين يأتون إلى المسجد هم هم لم يزيدوا شيئاً بـ (الميكروفونات). كذلك الذين يرفعون أصواتهم بقراءة القرآن في المساجد فيشغلون الناس، وينبغي أن نترك كل إنسان يتقرب إلى الله بما يخفّ على نفسه: هذا يريد أنْ يصلي، وهذا يريد أن يُسبِّح أو يستغفر، وهذا يريد أنْ يقرأ في كتاب الله، فلماذا تحمل الناس على تطوعك أنت؟ بعد أنْ عرضتْ لنا الآيات طرفاً من حكمة لقمان ووصاياه لولده تنقلنا إلى معنى كوني جديد: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} معناه تَواضعْ فيهِ. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} معناه أقبحُها. وقال: أشدُّ الأَصواتِ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 768 : 3 : 2 - سفين عن الأعمش في قوله {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} قال، أقبح الأصوات. [الآية 19].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ/ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} [19] 411 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا سمعتم صياح الدِّيكةِ فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمارِ فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً ".

همام الصنعاني

تفسير : 2292- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ}: [الآية: 19]، قال: أُمِرَ بالاقتصاد في صَوْتِهِ. 2293- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}: [الآية: 19]، قال: أقبح الأصوات، لصوت الحمير.