Verse. 3489 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

اَلَمْ تَرَوْا اَنَّ اللہَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ وَاَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَہٗ ظَاہِرَۃً وَّبَاطِنَۃً۝۰ۭ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِي اللہِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَّلَا ہُدًى وَّلَا كِتٰبٍ مُّنِيْرٍ۝۲۰
Alam taraw anna Allaha sakhkhara lakum ma fee alssamawati wama fee alardi waasbagha AAalaykum niAAamahu thahiratan wabatinatan wamina alnnasi man yujadilu fee Allahi bighayri AAilmin wala hudan wala kitabin muneerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تروْا» تعلموا يا مخاطبين «أن الله سخَّر لكم ما في السموات» من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها «وما في الأرض» من الثمار والأنهار والدواب «وأسبغ» أوسع وأتمَّ «عليكم نعمه ظاهرةً» وهي حسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك «وباطنةً» هي المعرفة وغيرها «ومن الناس» أي أهل مكة «من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً» من رسول «ولا كتاب منير» أنزله الله، بل بالتقليد.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : لما استدل بقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبـي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي. وذكر بعض النعم بقوله: { أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } تفسير : [لقمان:10] ذكر بعده عامة النعم فقال: {سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } أي سخر لأجلكم ما في السموات، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده، وسخر ما في الأرض لأجل عباده، وقوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً } وهي ما في الأعضاء من السلامة {وَبَاطِنَةً } وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله: {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يكون إشارة إلى النعم الآفاقية، وقوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } يكون إشارة إلى النعم الأنفسية، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولاً منقولاً، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولاً. ثم قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره، إما إلهاً أو منعماً {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي، فقال تعالى: {يُجَـٰدِلُ } ذلك المجادل لا من علم واضح، ولا من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علماً كما قال تعالى: { أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } تفسير : [النساء: 113] والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: { أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى: { أية : الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة:1، 2] وقال في هذه السورة: { أية : هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [لقمان: 3] وقال في السجدة: (23) { أية : وَلقد ءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : فالكتاب هدى لقوم النبـي عليه السلام، والنبـي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين، فقال تعالى: يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً، ولا بكتاب يتلى عليه وعظاً. ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب: {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف، فلو قال ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال: {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } فإن ذلك الكتاب مظلم، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخّر لهم «مَا فِي السَّمَوَاتِ» من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجرّ إليهم منافعهم. «وَمَا فِي الأَرْضِ» عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى. {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} أي أكملها وأتمها. وقرأ ابن عباس ويحيـى بن عمارة: «وَأَصْبَغَ» بالصاد على بدلها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سُفْلها إلى عُلوّها فتردّها صاداً. والنِّعَم: جمع نِعمة كسِدْرة وسِدَر (بفتح الدال) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص. الباقون: «نِعمةً» على الإفراد؛ والإفراد يدلّ على الكثرة؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34]. وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح. وقيل: إن معناها الإسلام؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية: «حديث : الظاهرةُ الإسلام وما حَسُن من خَلْقك، والباطنة ما ستر عليك من سيّء عملك»تفسير : . النحاس: وشرحُ هذا أن سعيد بن جُبير قال في قول الله عز وجل: {أية : وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة. وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة، فكذا لمّا كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سُمِّيَ نعمة. وقيل: الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة والعقل. وقال المحاسبي: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العُقْبى. وقيل: الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات. وقد سرد الماوَرْديّ في هذا أقوالاً تسعة، كلها ترجع إلى هذا. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تقدّم معناها في «الحج» وغيرها. نزلت في يهوديّ جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك، مِن أيّ شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته؛ قاله مجاهد. وقد مضى هذا في «الرعد». وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول: إن الملائكة بنات الله؛ قاله ابن عباس. {يُجَادِلُ} يخاصم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بغير حجة {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي نيّر بيّن؛ إلا الشيطان فيما يلقى إليهم. {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} تفسير : [الأنعام: 121] وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعدُ. {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } يتبعونه.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} بأن جعله أسباباً محصلة لمنافعكم. {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} بأن مكنكم من الإِنتفاع به بوسط أو غير وسط {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً} محسوسة ومعقولة ما تعرفونه وما لا تعرفونه وقد مر شرح النعمة وتفصيلها في الفاتحة، وقرىء «وأصبغ» بالإبدال وهو جار في كل سين اجتمع من الغين أو الخاء أو القاف كصلخ وصقر، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «نِعَمَهُ» بالجمع والإِضافة. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ} في توحيده وصفاته. {بِغَيْرِ عِلْمٍ } مستفاد من دليل. {وَلاَ هُدًى} راجع إلى رسول. {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ} أنزله الله بل بالتقليد كما قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} وهو منع صريح من التقليد في الأصول. {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ} يحتمل أن يكون الضمير {لَهُمْ} ولآبائهم. {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } إلى ما يؤول إليه من التقليد أو الإِشراك وجواب محذوف مثل لاتبعوه، والإِستفهام للإنكار والتعجب. {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه من أسلمت المتاع إلى الزبون، ويؤيده القراءة بالتشديد وحيث عدى باللام فلتضمن معنى الإخلاص. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تعلق بأوثق ما يتعلق به، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يترقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ} إذ الكل صائر إليه. {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } فإنه لا يضرك في الدنيا والآخرة، وقرىء {فَلاَ يَحْزُنكَ } من أحزن وليس بمستفيض. {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } في الدارين. {فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ} بالإِهلاك والتعذيب. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فمجازٍ عليه فضلاً عما في الظاهر. {نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً} تمتيعاً أو زماناً قليلاً فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل. {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ أو يضم إلى الإِحراق الضغط. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذاعته. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على إلزامهم والجائهم إلى الإِعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك يلزمهم. {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لا يستحق العبادة فيهما غيره {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ} عن حمد الحامدين. {ٱلْحَمِيدِ} المستحق للحمد وإن لم يحمد. {وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وتوحيد {شَجَرَةٍ} لأن المراد تفصيل الآحاد. {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} والبحر المحيط بسعته مداداً ممدوداً بسبعة أبحر، فأغنى عن ذكر المداد بمده لأنه من مد الدواة وأمدها، ورفعه للعطف على محل أن ومعموليها وبمده حال أو للابتداء على أنه مستأنف أو الواو للحال، ونصبه البصريان بالعطف على اسم {أَن} أو إضمار فعل يفسره {يَمُدُّهُ}، وقرىء «تمده» «ويمده» بالياء والتاء. {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ} بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد وإيثار جمع القلة للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يعجزه شيء. {حَكِيمٌ} لا يخرج عن علمه وحكمته أمر، والآية جواب لليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله تعالى: {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }تفسير : [الإسراء: 85] وقد أنزل التوراة وفيها علم كل شيء. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } إلا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتية كما قال {أية : إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} يسمع كل مسموع {بَصِيرٌ} يبصر كل مبصر لا يشغله إدراك بعضها عن بعض فكذلك الحق. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى} كل من النيرين يجري في فلكه. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى منتهى معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر. وقيل إلى يوم القيامة والفرق بينه وبين قوله {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} أن الـ {أَجَلٌ} ها هنا منتهى الجري وثمة غرضه حقيقة أو مجازاً وكلا المعنيين حاصل في الغايات. {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عالم بكنهه. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها. {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته، أو الثابت إلهيته. {وَأَنَّ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ } المعدوم في حد ذاته لأنه لا يوجد ولا يتصف إلا بجعله أو الباطل إلهيته، وقرأ البصريان والكوفيون غير أبي بكر بالياء. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} مترفع على كل شيء ومتسلط عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منبهاً خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله إياها لهم سقفاً محفوظاً، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده، وإرساله الرسل، ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ}تفسير : [الحج: 8] أي: مبين مضيء، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي: على رسوله من الشرائع المطهرة{قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170] أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة، وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ } تعلموا يا مخاطبين {أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ } من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } من الثمار والأنهار والدواب {وَأَسْبَغَ } أوسع وَأَتَمَّ {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَٰهِرَةً } وهي حُسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك {وَبَاطِنَةً } هي المعرفة وغيرها. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى } من رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ } أنزله الله، بل بالتقليد.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من قصة لقمان رجع إلى توبيخ المشركين وتبكيتهم وإقامة الحجج عليهم، فقال: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } قال الزجاج: معنى تسخيرها للآدميين: الانتفاع بها انتهى، فمن مخلوقات السمٰوات المسخرة لبني آدم، أي التي ينتفعون بها الشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك. ومن جملة ذلك: الملائكة فإنهم حفظة لبني آدم بأمر الله سبحانه، ومن مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم: الأحجار والتراب والزرع والشجر والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها والعشب الذي يرعون فيه دوابهم، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، فالمراد بالتسخير جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له، سواء كان منقاداً له، وداخلاً تحت تصرّفه أم لا {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } أي أتمّ وأكمل عليكم نعمه، يقال: سبغت النعمة إذا تمت وكملت. قرأ الجمهور: {أسبغ} بالسين، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة: "أصبغ" بالصاد مكان السين. والنعم جمع نعمة على قراءة نافع وأبي عمرو وحفص، وقرأ الباقون: "نعمة" بسكون العين على الإفراد والتنوين اسم جنس يراد به الجمع ويدلّ به على الكثرة، كقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] وهي قراءة ابن عباس. والمراد بالنعم الظاهرة: ما يدرك بالعقل أو الحسّ ويعرفه من يتعرفه، وبالباطنة: ما لا يدرك للناس، ويخفى عليهم. وقيل: الظاهرة: الصحة وكمال الخلق، والباطنة: المعرفة، والعقل. وقيل: الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال، وفعل الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفعه الله عن البعد من الآفات. وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم الآخرة. وقيل: الظاهرة: الإسلام والجمال، والباطنة: ما ستره الله على العبد من الأعمال السيئة {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِي ٱللَّهِ } أي في شأن الله سبحانه في توحيده وصفاته؛ مكابرة وعناداً بعد ظهور الحق له وقيام الحجة عليه، ولهذا قال: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } من عقل ولا نقل {وَلاَ هُدًى } يهتدي به إلى طريق الصواب {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } أنزله الله سبحانه، بل مجرّد تعنت، ومحض عناد. وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي إذا قيل لهؤلاء المجادلين. والجمع باعتبار معنى من، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الكتاب تمسكوا بمجرد التقليد البحت. و{قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ونمشي في الطريق التي كانوا يمشون بها في دينهم، ثم قال على طريق الاستفهام للاستبعاد والتبكيت {أَوْ لَّوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } أي يدعو آباءهم الذين اقتدوا بهم في دينهم، أي يتبعونهم في الشرك، ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من الشرك، ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير؛ لأنه زين لهم اتباع آبائهم والتدين بدينهم، ويجوز أن يراد أنه يدعو جميع التابعين والمتبوعين إلى العذاب، فدعاؤه للمتبوعين بتزيينه لهم الشرك، ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين آبائهم، وجواب لو محذوف، أي يدعوهم فيتبعونهم، ومحل الجملة النصب على الحال. وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم عائدته على من وقع فيه. فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله كمن يريد أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق، فتأبى ذلك، وتتهافت في نار الحريق، وعذاب السعير. {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } أي يفوّض إليه أمره، ويخلص له عبادته ويقبل عليه بكليته {وَهُوَ مُحْسِنٌ } في أعماله؛ لأن العبادة من غير إحسان لها ولا معرفة بما يحتاج إليه فيها، لا تقع بالموقع الذي تقع به عبادة المحسنين. وقد صح عن الصادق المصدوق لما سأله جبريل عن الإحسان أنه قال له: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» تفسير : . {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } أي اعتصم بالعهد الأوثق وتعلق به، وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى الله بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى حبل متدلّ منه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ } أي مصيرها إليه لا إلى غيره. وقرأ عليّ بن أبي طالب والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار: "ومن يسلم" بالتشديد، قال النحاس: والتخفيف في هذا أعرف كما قال عزّ وجلّ: {أية : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } تفسير : [آل عمران: 20] {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } أي لا تحزن لذلك، فإن كفره لا يضرك، بيّن سبحانه حال الكافرين بعد فراغه من بيان حال المؤمنين، ثم توعدهم بقوله: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } أي نخبرهم بقبائح أعمالهم، ونجازيهم عليها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما تسرّه صدورهم لا تخفى عليه من ذلك خافية. فالسرّ عنده كالعلانية. {نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً } أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. فإن النعيم الزائل هو أقل قليل بالنسبة إلى النعيم الدائم. وانتصاب {قليلاً} على أنه صفة لمصدر محذوف، أي تمتيعاً قليلاً: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي نلجئهم إلى عذاب النار. فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به، فلهذا استعير له الغلظ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } أي يعترفون بالله خالق ذلك لوضوح الأمر فيه عندهم. وهذا اعتراف منهم بما يدل على التوحيد وبطلان الشرك، ولهذا قال: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أي قل يا محمد: الحمد لله على اعترافكم، فكيف تعبدون غيره، وتجعلونه شريكاً له؟ أو المعنى: فقل: الحمد لله على ما هدانا له من دينه، ولا حمد لغيره، ثم أضرب عن ذلك فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا ينظرون ولا يتدبرون حتى يعلموا أن خالق هذه الأشياء هو الذي تجب له العبادة دون غيره. {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ملكاً، وخلقاً فلا يستحق العبادة غيره {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن غيره {ٱلْحَمِيدِ } أي المستحق للحمد أو المحمود من عباده بلسان المقال أو بلسان الحال. ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض أتبعه بما يدلّ على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عدد، ولا يحصر بحدّ فقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلاْرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } أي لو أن جميع ما في الأرض من الشجر أقلام. ووحد الشجرة لما تقرّر في علم المعاني: أن استغراق المفرد أشمل، فكأنه قال: كل شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت أقلاماً، وجمع الأقلام لقصد التكثير، أي لو أن يعدّ كل شجرة من الشجر أقلاماً. قال أبو حيان: وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ } تفسير : [البقرة: 106]، ثم قال سبحانه: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } أي يمدّه من بعد نفاده سبعة أبحر. قرأ الجمهور: {والبحر} بالرفع على أنه مبتدأ، و{يمدّه} خبره، والجملة في محل الحال، أي والحال أن البحر المحيط مع سعته يمدّه السبعة الأبحر مدّاً لا ينقطع، كذا قال سيبويه. وقال المبرد: إن البحر مرتفع بفعل مقدّر تقديره: ولو ثبت البحر حال كونه تمدّه من بعده سبعة أبحر. وقيل: هو مرتفع بالعطف على أن وما في حيزها. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: "والبحر" بالنصب عطفاً على اسم أن، أو بفعل مضمر يفسره {يمدّه}. وقرأ ابن هرمز والحسن: «يمدّه» بضم حرف المضارعة، وكسر الميم، من أمدّ. وقرأ جعفر بن محمد: "والبحر مداده" وجواب لو: {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } أي كلماته التي هي عبارة عن معلوماته. قال أبو عليّ الفارسي: المراد بالكلمات والله أعلم: ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود، ووافقه القفال فقال: المعنى: أن الأشجار لو كانت أقلاماً والبحار مداداً، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري: ردّ القفال معنى الكلمات إلى المقدورات. وحمل الآية على الكلام القديم أولى. قال النحاس: قد تبين أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء؛ لأنه جلّ وعلا علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذرّ، وعلم الأجناس كلها، وما فيها من شعرة وعضو وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق. وقيل: إن قريشاً قالت: ما أكثر كلام محمد، فنزلت: قاله السديّ، وقيل: إنها لما نزلت {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] في اليهود، قالوا: كيف، وقد أوتينا التوراة فيها كلام الله، وأحكامه، فنزلت. قال أبو عبيدة: المراد بالبحر هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء المالح، فلا ينبت الأقلام. قلت: ما أسقط هذا الكلام، وأقلّ جدواه {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي غالب لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن حكمته وعلمه فرد من أفراد مخلوقاته. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } أي إلا كخلق نفس واحدة، وبعثها. قال النحاس: كذا قدّره النحويون كخلق نفس مثل قوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82]. قال الزجاج: أي قدرة الله على بعث الخلق كلهم، وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لكل ما يسمع {بَصِيرٌ } بكل ما يبصر. وقد أخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } الآية، قال: هذه من كنوز علمي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : أما الظاهرة: فما سوّى من خلقك، وأما الباطنة: فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والديلمي وابن النجار عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } فقال: «حديث : أما الظاهرة: فالإسلام، وما سوّى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة: فما ستر من مساوي عملك»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: النعمة الظاهرة: الإسلام، والنعمة الباطنة: كل ما يستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: أنه قال في تفسير الآية هي: لا إلٰه إلا الله. وأخرج ابن أبي إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلاْرْضِ } الآية؟ أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] إيانا تريد أم قومك؟ فقال: «حديث : كُلا»تفسير : ، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال: حديث : إنها في علم الله قليلتفسير : ، وأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ } الآية. وأخرجه ابن مردويه عنه بأطول منه. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن مسعود نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} وفي تسخيره ذلك وجهان: أحدهما: تسهيله. الثاني: الانتفاع به. {وَأَسْبَغَ عَلَيَكُمْ نِعَمَهُ} قرأ نافع وأبو عمرو وحفص بغير تنوين على الجمع والباقون بالتنوين يعني نعمة واحدة، وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما: أنه عنى الإسلام فجعلها واحدة، قاله إبراهيم. الثاني: أنه قصد التكثير بلفظ الواحد كقول العرب: كثر الدينار والدرهم، والأرض سيف وفرس، وهذا أبلغ في التكثير من لفظ الجمع، قاله ابن شجرة. وفي قوله: {ظَاهِرةً وَبَاطِنَةً} خمسة أقاويل: أحدها: أن الظاهرة الإسلام، والباطنة ما ستره الله من المعاصي قاله مقاتل. الثاني: أن الظاهرة على اللسان، والباطنة في القلب، قاله مجاهد ووكيع. الثالث: أن الظاهرة ما أعطاهم من الزي والثياب، والباطنة متاع المنازل، حكاه النقاش. الخامس: الظاهرة الولد، والباطنة الجماع. ويحتمل سادساً: أن الظاهرة في نفسه، والباطنة في ذريته من بعده. ويحتمل سابعاً: أن الظاهرة ما مضى، والباطنة ما يأتي. ويحتمل ثامناً: أن الظاهرة في الدنيا، والباطنة في الآخرة. ويحتمل تاسعاً: أن الظاهرة في الأبدان، والباطنة في الأديان. {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ في اللَّهِ بِغَيرِ عَلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كَتَابٍ مُنِيرٍ} فيه قولان: أحدهما: نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته. الثاني: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يقول: إن الملائكة بنات الله، قاله أبو مالك.

ابن عطية

تفسير : هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وذلك أن تسخير هذه الأمور العظام كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات إنما هو بمسخر ومالك، وقرأ يحيى بن عمارة وابن عباس "وأصبغ" بالصاد على بدلها من السين لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صاداً، والجمهور قراءتهم بالسين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وابن نصاح وغيرهم "نعمَه" جمع نعمة كسدرة وسدر بفتح الدال، و"الظاهرة" هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير ذلك، و"الباطنة" المعتقدات من الإيمان ونحوه والعقل. قال ابن عباس "الظاهرة" الإسلام وحسن الخلقة، و"الباطنة" ما يستر من سيىء العمل، وفي الحديث قيل يا رسول الله قد عرفنا الظاهرة فما الباطنة؟ قال: ستر ما لو رآك الناس عليه لقتلوك. قال الفقيه الإمام القاضي: ومن "الباطنة" التنفس والهضم والتغذي وما لا يحصى كثرة، ومن "الظاهرة" عمل الجوارح بالطاعة. قال المحاسبي رحمه الله "الظاهرة" تعم الدنيا و"الباطنة" تعم العقبى، وقرأ جمهور الناس "نعمة" على الإفراد، فقال مجاهد المراد لا إله إلا الله، وقال ابن عباس أراد الإسلام، والظاهر عندي أنه اسم جنس كقوله تعالى: {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34، النحل: 18]، ثم عارض بالكفرة منها على فساد حالهم وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {ومن الناس}، وقال النقاش: الإشارة إلى النضر بن الحارث ونظرائه لأنهم كانوا ينكرون الله ويشركون الأصنام في الألوهية، فذلك جدالهم، و{بغير علم} أي لم يعلمهم من يقبل قوله ولا عندهم هدى قلب ولا نور بصيرة يقيمون بها حجة ولا يتبعون بذلك كتاباً بأمر الله يقر بأنه وحي، بل ذلك دعوى منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، ثم وقف الله تعالى وهم المراد بالتوفيق على اتباعهم دين آبائهم أيكون وهم بحال من يصير {إلى عذاب السعير} فكان القائل منهم يقول هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتساق الكلام فتأمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَخَّرَ} سهل، أو الانتفاع به. {نعمهُ} جنس أو أراد الإسلام. {ظَاهِرَةً} على اللسان {وَبَاطِنَةً} في القلب، أو الظاهرة الإسلام والباطنة ما ستره من المعاصي، أو الظاهرة الخلق والرزق والباطنة ما أخفاه من العيوب والذنوب، أو ما أعطاهم من الزي والثياب والباطنة متاع المنازل، أو الظاهرة الولد والباطنة الجماع {مَن يُجَادِلُ} نزلت في يهودي قال للرسول صلى الله عليه وسلم، أخبرني عن ربك من أي شيء هو، فجاءت صاعقة فأحرقته، أو في النظر بن الحارث كان يقول الملائكة بنات الله.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {نعمه} على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص {والبحر} بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها {وأن ما يدعون} على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب {وينزل الغيث} التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم. الوقوف: {وباطنه} ط {منير} ه {آباءنا} ط {السعير} ه {الوثقى} ط {الأمور} ه {كفره} ه {عملوا} ط {الصدور} ه {غليظ} ه {ليقولن الله} ط {الله} ط {لا يعلمون} ه {والأرض} ط {الحميد} ه {كلمات الله} ط {حكيم} ه {واحدة} ط {بصير} ه {والقمر} ز لأن قوله {كل} مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى {خبير} ه {الباطل} لا {الكبير} ه {من آياته} ط {شكور} ه {الدين} ج {مقتصد} ط {كفور} ه {عن ولده} لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى {شيئاً} ط {الدنيا} قف للفصل بين الموعظتين {الغرور} ه {الساعة} ج لاختلاف الجملتين {الغيث} ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب {الأرحام} ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام {غداً} ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها {تموت} ط {خبير} ه. التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية. ومعنى {سخر لكم} لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله {أية : وسخر لكم الشمس والقمر دائبين}تفسير : [إبراهيم: 33] الآية ومعنى {اسبغ} أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها. والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً. ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة. وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم. وقيل: النفس. ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج". ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً {أولو كان} إلخ. ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟ ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال {ومن يسلم وجهه إلى الله} وهو نظير قوله في "البقرة" {أية : بلى من أسلم وجهه لله}تفسير : [الآية: 112] والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي. وقوله {يمتعهم} الآية. كقوله في البقرة {أية : ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره}تفسير : [الآية: 126] وغلظ العذاب شدته. ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره {بل أكثرهم لا يعلمون} وذلك أنه زاد هناك قوله {أية : وسخر الشمس والقمر} تفسير : [الرعد: 2] فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس. ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق. وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال {ولو أن ما في الأرض} الاية. عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة. وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد. وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر. ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس. وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء"تفسير : أراد الأكل الكثير. وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع. قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم. وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟ وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف. ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة. ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء. ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً {الم تر} وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله {الكبير} وقوله ههنا {يجري إلى أجل مسمى} وقوله في "فاطر" و"الزمر" {أية : لأجل مسمى} تفسير : [الزمر: 5، فاطر: 13] يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر. وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ. والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا. ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل. والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق. قال بعضهم {العلي} إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له. و{الكبير} إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه. ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية. ومعنى {بنعمته} بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله {إن في ذلك} الإجراء {لآيات لكل صبار} على الضراء {شكور} في السراء. ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر"تفسير : . ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة. وإنما قال ههنا. {فمنهم مقتصد} وقد قال فيما قبل {أية : إذا هم يشركون}تفسير : [العنكبوت: 65] لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر. والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر". والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه. والكفور طباق الشكور. وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة. ومعنى {لا يجزي} لا يقضي كما مر في أول "البقرة". وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه {والد عن ولده} شيئاً من الآلام {ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} من أسباب الإهانة. قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد. وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد. وفي لفظ {المولود} دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه. وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً {إن وعد الله} بمجيء ذلك اليوم {حق} أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق. و{الغرور} بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مفاتيح الغيب خمس" تفسير : وتلا قوله {إن الله عنده علم الساعة} إلى آخرها. وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس. فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه. قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه تعالى حذر الناس من يوم القيامة. كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟ فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى. ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم {ماذا تكسب غداً} مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟ والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره. والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره. روي أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه. فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني. وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل. ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك. قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ {بآية أرض} والأفصح عدم تأنيثه. التأويل: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة} هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة. وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها. وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها. {ثم نضطرهم} لفساد استعدادهم {تجري في البحر بنعمة الله} سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ...} الآية (أي) سخر لأجلكم ما في السماوات والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمره وفيها الفوائد لعباده وسخر ما في الأرض لأجل عباده. قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} قرأ نافعٌ وأبُو عَمْروٍ وحفصٌ (نِعَمَهُ) جمعُ نِعْمَةٍ مضافاً لها الضمير "فظَاهِرةً" حال منها، والباقون "نِعْمَةً" بسكون العين، وتنوين تاء التأنيث، اسم جنس يراد به الجمع كقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] و [النحل: 18] فظاهرةً (نعت) لها، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة "وأصْبَغَ" بأبدال السين صاداً وهي لغة كلْبٍ، يفعلون ذلك مع الغَيْنِ والخَاءِ والقَافِ، وتقدم نظير هذه الجمل كلها في البقرة. فصل قال عكرمة عن ابن عباس النعمة الظاهرة الإسلام، والقرآن، والباطنة ما ستر عليك من الذنوب، ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك: الظاهرة حُسْن الصورة وتسويةُ الأعضاء، والباطنة المعرفة، وقال مقاتل: الظاهرة تسوية الخِلْقَة، والرزق، والإسلام والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب وقال الربيع الظاهرة الجوارح، والباطنة القلب، وقيل:الظاهرة تمام الرزق والباطنة حُسْنُ الخُلُق، وقال عطاء: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة الشفاعة، وقال مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة، وقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وقال سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الظاهرة: اتِّباع الرسول والباطنة محبته. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحَرثِ، وَأُبيِّ بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم -) وفي صفاته {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي بغير هُدًى أرسلناه إليه (وَحْياً ولا بكتاب يُتْلَى عليه وعظاً) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القُبْح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَدعوهُم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم وبين كلام الله وكلام العلماء بَوْنٌ عظيمٌ فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهال؟ ثم قال: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، جواب "لو" محذوف ومجازه: يدعوهم فيتبعونه أي يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، والمعنى أن الله يدعوهم إلى الثواب، والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون (الشيطان) وقد تقدم الكلام على "أَوَ لَوْ" ونَحوهِ. قوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} قرأ عَليٌّ (والسُّلَمِيُّ) "يُسَلِّمْ" بالتشديد، لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المستسلم المسلم لأمر الله وقوله: "وَهُو مُحْسِنٌ" أي لله يعني يخلص دينه لله ويفوض أمره إليه وهو محسن في عمله {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه لأن أوثق العُرَى جانب الله، فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باقٍ لا انقطاع له {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} يعني فقد استمسك بالعروة التي توصله إلى الله لأن عاقبةَ كُلِّ شيء إليه. فإن قيل: كيف قال هَهُنَا: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} (فعداه "بإلى" وقال في البقرة: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 112]) فعداه باللاّم؟ فقال الزمخشري: أَسْلَمَ لِلّه أي إلى الله يعني أنَّ "أَسْلَمَ" يتعدى تارة "باللام"، وتارة "بإلى" كما يتعدى "أَرْسَلَ" تارة باللام, وتارة "بإلى" قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ}تفسير : [النساء": 79] وقال: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً}تفسير : [المزمل: 15] ثم قال: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} (لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر وقال: {وَمَن كَفَر فَلاَ يَحْزُنكَ}) أي لا تحزن إذا كفر كافر، فإن من يكذبْ وهو مقطوعٌ بأن صدقه بين عن قرب لا تحزن بل قد يتوب المكذب عن تكذيبه، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه فإنه يتألم من التكذيب فقال: {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} فإن المرجعَ إليَّ "فأنبئهم بِمَا عَمِلُوا" فيَنْخَجلون ثم قال {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي لا يخفى عليه سرُّهُمْ وعلانيتُهم فينبئهم بما أسَرَّتهُ صدورهم. قوله: "نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً" أي نمهلهم ليتمتعوا بنعم الدنيا قليلاً إلى انقضاء آجالهم "ثُمَّ نضطرّهم" نُلجئهم ونردهم في الآخرة {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهو عذاب النار. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...} الآية لما استدل بخلق السموات بغير عمد، وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم يعترفون بذلك ولا ينكرونه وهذا يقتضي أن الحمد كله لله لأن خالق السماوات والأرض محتاج إليه كلّ من في السماوات والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره لكنهم لا يعلمون هذا، ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما سلى قَلْبَ النبي - عليه السلام - بقوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي لا تحزن على تكذيبك فإن صدقَك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا بل لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة بأنهم يعترفون بأن خالق السموات والأرض هو الله، ثم قال في دعوى الوحدانية وتبيين كذبهم في الشرك {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على (ظهور) صدقك وكذبهم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، وعلى هذا يكون "لاَ يَعْلَمُونَ" استعجالاً للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية، كما يقال: فُلاَنٌ يَعْطِي وَيمْنَعُ ولا يكون ضميره من يعطي بل يريد أن له عطاءً ومعاً فكذلك ههنَا قال: "لاَ يَعْلَمُونَ" أي ليس لهم علم، وعلى الأولى يكون "لا يعلمون" (له مفعول مفهوم) وهو أنهم لا يعلمون أن الحمدَ كُلَّه لله وعلى الثاني هو كقول القائل: فلانٌ لا علم لهَ بكذا. قوله: لا علم له وكذا قوله: فلان لا ينفعُ زيداً ولا يضره دون قوله: "فلان لاَ يَضْرُّ وَلاَ يَنْفَعُ". قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ذكر ما يلزم منه وهو أن يكون له ما فيهما {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي إن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وخلق منافعها لكم، فهو غني لعدم حاجته "حميد" مشكور (لدفعه) حوائجكم بها.

السيوطي

تفسير : أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله ‏{‏وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة‏} ‏ قال‏:‏ هذه من كنوز علي قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏أما الظاهرة؛ فما سوى من خلقك، وأما الباطنة؛ فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول ‏ {‏وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة‏}‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أما الظاهرة‏؛‏ فالإِسلام وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة؛ فما ستر من مساوىء عملك، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول‏:‏ ثلاث جعلتهن للمؤمن‏:‏ صلاة المؤمنين عليه من بعده‏.‏ وجعلت له ثلث ماله أكفر عنه من خطاياه‏.‏ وسترت عليه من مساوىء عمله، فلم أفضحه بشيء منها، ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة‏}‏ قال‏:‏ النعمة الظاهرة‏:‏ الإِسلام‏.‏ والنعمة الباطنة‏:‏ كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ‏ {‏وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة‏} ‏ قال‏:‏ هي لا إله إلا الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ‏{‏وأسبغ عليكم نعمه‏} ‏ قال‏:‏ لو كانت نعمة كانت نعمة دون نعمة‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأسبغ عليكم نعمه‏} ‏ قال‏:‏ لا إله إلا الله ظاهرة قال‏:‏ على اللسان ‏{‏وباطنة‏}‏ قال‏:‏ في القلب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل رضي الله عنه في قوله ‏{‏نعمه ظاهرة‏} ‏ قال‏:‏ الإِسلام ‏ {‏وباطنة‏}‏ قال‏:‏ ستره عليكم المعاصي‏.‏ وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة‏} ‏ قال‏:‏ أما الظاهرة‏:‏ فالإِسلام. والقرآن، وأما الباطنة‏:‏ فما ستر من العيوب‏.

التستري

تفسير : {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}[20] الظاهرة محبة الصالحين، والباطنة سكون القلب إلى الله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [الآية: 20]. قال بعضهم: النعم الظاهرة: الأمن والنعم الباطنة الرضا والغفران. قال ابن عطاء: النعم الظاهرة: الإسلام والنعم الباطنة الإيمان. قال الجوزجانى: النعم الظاهرة: توفيق الطاعات والنعم الباطنة قبولها منك. قال الجنيد رحمة الله عليه: النعم الظاهرة: الأخلاق والنعم الباطنة قبولها منك. وقال أيضًا: النعم الظاهرة: الأخلاق والنعم الباطنة المعرفة. وقال يحيى بن معاذ: قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} هو كما قال القائل: شعر : تفضل إحسانًا ووثق حرمته ووصل جبلاً من جبال الوثائق تفسير : قال يحيى: تفضل إحسانًا بالإسلام ووثق حرمته بالإيمان ووصل جبلاً من جبال الوثائق من جبال البر فى درجات الوسائل. وقال ابن عطاء: الظاهرة خدمته الظاهرة والباطنة نور المعرفة. وقال أبو الحسين الوراق: النعمة الظاهرة قبول الحق والنعمة الباطنة رضا الرب. قال الوراق: النعمة الظاهرة استواء الخلق والنعمة الباطنة حسن الخلق لذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم كما أحسنت خَلقى فحسن خُلقى ". تفسير : وقال بعضهم: الظاهرة صحبة الصالحين والباطنة سكون القلب مع الله. قال بعضهم: النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العمل والنعمة الباطنة طلب الحقيقة فى الاتباع. قال بعضهم: النعمة الظاهرة الإعراض عن الدنيا والنعمة الباطنة الرجوع إلى التوكل والثقة بالله. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يذكر عن ابن عطاء فى قوله: {ظَاهِرَةً} قال: ما يعلم الناس من حسناتك وباطنة ما لا يُعلمه الله من سيئاتك، والظاهر بنعيم الدنيا والباطن بنعيم الآخرة. سمعت عبد الله يقول فى قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} النعمة الظاهرة ما أنعم على الجوارح من مباشرة الطاعات والنعمة الباطنة ما أنعم على القلب من شتى الأحوال من المعرفة واليقين والرضا والتوكل وغير ذلك وهو يدلك أن العلم ظاهر وباطن وكما أن العلوم الظاهرة يرجع إلى أربابها كذلك علوم الباطن يرجع فيها إلى أربابها ونتائج علوم الباطن من قبول علم الظاهر واستعمال آدابها فيها. قال بعضهم: هو الخَلق والخُلق. وقال عطاء: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} فقال: هذه من مكنون علمى سألت عنها رسول صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أما الظاهرة فما سوى خلقك وأما الباطنة فما ستر من عيوبك ولو أبداها لقلاك أهلك ومن سواهم ".

القشيري

تفسير : أثبت في كل شيءٍ منها نَفْعاً لكم، فالسماء لتكونَ لكم سقفاً، والأرض لتكون لكم فِراشاً، والشمس لتكون لكم سراجاً، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب، والنجوم لتهتدوا بها. {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}: الإسباغُ ما يَفْضُلُ عن قدرة الحاجة ولا تحتاج معه إلى الزيادة. قوله: {نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}: تكلموا فيه فأكثروا. فالظاهرةُ وجودُ النعمة، والباطنةُ شهودُ المنعِم. والظاهرةُ الدنيويةُ، والباطنةُ الدينية. والظاهرة حُسْنُ الخَلْق، والباطنة حُسْنُ الخُلُق. الظاهرةُ نَفْس بلا زَلّة، والباطنةُ قلبٌ بلا غفلة. الظاهرةُ العطاء، والباطنة الرضاء. الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في الأحوال وصفائها. الظاهرةُ النعمةُ، والباطنةُ العصمةُ. الظاهرةُ توفيقُ الطاعات، والباطنةُ قبولُها. الظاهرة تسوية الخَلْقِ، والباطنة تصفية الخُلُق. الظاهرة صحبة الصالحين، والباطنة حِفْظُ حُرْمَتِهم. الظاهرةُ الزهدُ في الدنيا، والباطنةُ الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى. الظاهرة الزهد، والباطنةُ الوَجْدُ. الظاهرة توفيق المجاهدة والباطنة تحقيقْ المشاهدة. الظاهرة وظائف النَّفْس، والباطنة لطائف القلب. الظاهرةُ اشتغالُكَ بنَفْسِك عن الخَلْق، والباطنةُ اشتغالُك بربِّك عن نَفْسِك. الظاهرة طَلَبَهُ، الباطنةُ وجوده. الظاهرةُ أَنْ تَصِلٍ إليه، الباطنة أن تبقى معه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} النعمة الظاهرة الخلق الحسن والخلق الحسن والادب الحسن والظرف والهية اللطيفة ومتابعة السنة والاجتناب عن المعصية والتواضع فى اولياء الله والعبادة الصافية والعافية والصحة والسلامة وان نكون مكسى بشمل نور الروحانية والربانية والنعمة الباطنة الفطرة السليمة والاستعداد لقبول الغيب والعقل الكامل والفطنة والذكاء والحكمة والفهم وطمانينة النفس وصفاء الروح واتصال الذكر على الدوام والايمان والايقان والعرفان والاخلاص والتوحيد وثمرات هذه الاشياء الوجد والحال والمراقبة والانس والحياء والمحبة والشوق والعشق فاذا بلغ الرجل الى هذه المراتب ويهيى الله له بالظاهر مجالة الاولياء مع السماع بصوت طيب وموضع طيب فيه وجه حسن والاطيب والريحان بلا كذورة ولا فترة و لا صحبة الاضداد ويلقى فى قلبه بورق نيران الاشواق المهيجة له سره الى مواصلة الحق بنعت المحبة والانس فهو ممن اسبغ الله عليه نعمة الظاهرة والباطنة قال بعضهم والنعم الظاهرة العافية والا من والنعم الباطنة الرضا والغفران قال الجنيد النعم الظاهرة الاخلاق والنعم الباطنة المعرفة قال ابو بكر الوراق النعم الظاهرة استواء الخلق والنعم الباطنة حسن الخلق لذلك قال عليه الصلاة والسّلام اللّهم كما حسنت خلقى فحسن خلقى قال بعضهم النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العلم والنعمة الباطنة طلب الحقيقة فى الاتباع وقال الاستاذ النعمة الظاهرة نفسه بلا ذلة والباطنة قلب بلا غفلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تروا} ألم تعلموا با بنى آدم {ان الله سخر لكم} التسخير سياقة الشئ الى الغرض المختص به قهرا {ما فى السموات} من الكواكب السيارة مثل الشمس والقمر وغيرهما والملائكة المقربين بان جعلها اسبابا محصلة لمنافعكم ومراداتكم فتسخير الكواكب بان الله تعالى سيرها فى البروج على الافلاك التى دبر لكل واحد منها فلكا وقدر لها القرانات والاتصالات وجعلها مدبرات العالم السفلى من الزمانى مثل الشتاء والصيف والخريف والربيع ومن المكانى مثل المعدن والنبات والحيوان والانسان وظهور الاحوال المختلفة بحسب سير الكواكب على الدوام لمصالح الانسان ومنافعهم منها. قال الكاشفى [رام ساخت براى نفع شما آنجه در آسمانها ست از آفتاب وماه وستاره تااز روشنئ ايشان بهره مندشويد] شعر : زمشرق بمغرب مه وآفتاب روان كرد وكسترد كيتى بر آب تفسير : [واز ستار تابد ايشان راه بريد] كما قال تعالى {أية : وبالنجم هم يهتدون} تفسير : وتسخير الملائكة بان الله تعالى من كمال قدرته وحكمته جعل كل صنف من الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وعونالها كالملائكة الموكلين على الشمس والقمر والنجوم وافلاكها والموكلين على السحاب والمطر. وقد جاء فى الخبر ان على كل قطرة من المطر موكلا من الملائكة لينزلها حيث امرو الموكلين على البحور والفلوات والرياح والملائكة الكتاب للناس الموكلين عليهم ومنهم المعقبات من بين ايديهم ومن خلفهم يحفظونهم من امرالله حتى جعل على الارحام ملائكة فاذا وقعت نطفة الرجل فى الرحم يأخذها الملك بيده اليمنى واذا وقعت نطفة المرأة يأخذها الملك بيده اليسرى فاذا امر بمشجها يمشج النطفتين وذلك قوله تعالى {أية : انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج} تفسير : والملائكة الموكلين على الجنة والنار كلهم مسخرون لمنافع الانسان ومصالحهم حتى الجنة والنار مسخرتان لهم تطميعا وتخويفا لانهم يدعون ربهم خوفا وطمعا وكذا سخر ما فى سموات القلوب من الصدق والاخلاص والتوكل واليقين والصبر والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية والمواهب الربانية وتسخيرها بان يسر لمن يسر له العبور عليها بالسير والسلوك المتداركة بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها {وما فى الارض} من الجبال والصحارى والبحار والانهار والحيوانات والنباتات والمعادن بان مكنكم من الانتفاع بها بوسط او بغير وسط وكذا سخر ما فى ارض النفوس من الاوصاف الذميمة مثل الكبر والحسد والحقد والبخل والحرص والشره والشهوة وغيرها وتسخيرها بتبديلها بالاخلاق الحميدة والعبور عليها والتمتع بخواصها محترزا عن آفاتها {واسبغ عليكم} اتم واكمل {نعمه} جمع نعمة وهى فى الاصل الحالة الطيبة التى يستلذها الانسان فاطلقت للامور اللذيذة الملائمة للطبع المؤدية الى تلك الحالة الطيبة {ظاهرة} اى حال كون تلك النعم محسوسة مشاهدة مثل حسن الصورة وامتداد القامة وكمال الاعضاء شعر : دهد نطفه را صورتى جون برى كه كر دست بر آب صور تكرى تفسير : والحواس الظاهرة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والنطق وذكر اللسان والرزق والمال والجاه والخدم والاولاد والصحة والعافية والامن ووضع الوزر ورفع الذكر والادب الحسن ونفس بلا ذلة وقدم بلا ذلة والاقرار والاسلام من نطق الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج والقرآن وحفظه ومتابعة الرسول والتواضع لاولياء الله والاعراض عن الدنيا ويبين آياته للناس وانتم الاعلون يعنى النصرة والغلبة وغير ذلك مما يعرفه الانسان {وباطنة} ومعقولة غير مشاهدة بالحس كنفخ الروح فى البدن واشراقه بالعقل والفهم والفكر والمعرفة وتزكية النفس عن الرذائل وتحلية القلب بالفضائل ولذا قال عليه السلام "حديث : اللهم كما حسنت خلقى فحسن خلقى" تفسير : ومحبة الرسول وزينه فى قلوبكم والسعادة السابقة واولئك المقربون وشرح الصدر وشهود المنعم وامداد الملائكة فى الجهاد ونحوه وصحة الدين والبصيرة وصفاء الاحوال والولاية فانها باطنة بالنسبة الى النبوة والفطرة السليمة وطلب الحقيقة والاستعداد لقبول الفيض واتصال الذكر على الدوام والرضى والغفران وقلب بلا غفلة وتوجه بلا علة وفيض بلا قلة. حديث : وعن ابن عباس رضى الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة قال "اما الظاهرة فالاسلام وما حسن من خلقك وما افضل عليك من الرزق واما الباطنة فما ستر من سوء عملك ولم يفضحك به" شعر : بس برده بيند عملهاى بد هم او برده بوشد بآلاى خود تفسير : (يا ابن عباس يقول الله تعالى انى جعلت للمؤمن ثلث صلاة المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله اكفر به عنه خطاياه وجعلت له ثلث ماله ليكفر به عنه خطاياه وسترت عليه سوء عمله الذى لوقد اريته للناس لنبذه اهله فمن سواهم) {ومن الناس} اى وبعض الناس فهو مبتدأ خبره قوله {من يجادل} ويخاصم يقال جدلت الحبل اذا احكمت فتله ومنه الجدال فكأن المتجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه {فى الله} فى توحيده وصفاته ويميل الى الشرك حيث يزعم ان الملائكة بنات الله. وقال الكاشفى {فى الله} [در كتاب خداى يعنى نضر بن الحارث كه ميكفت افسانه بيشينيانست. ودر عين المعانى آورده كه يكى از يهود از حضرت رسالت بناه عليه السلام برسيدكه خداى تو ازتو جيزست فى الحال اورا صاعقه كرفت واين آيت آمدكه كسى بودكه مجادلة كند در ذات حق] {بغير علم} مستفاد من دليل {ولا هدى} من جهة الرسول {ولا كتاب} انزله الله تعالى {منير} مضيء له بالحجة بل يجادل بمجرد التقليد كما قال

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أَلَمْ تَرَوْا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض}، يعني: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والمطر، وغير ذلك، {وما في الأرض}، يعني: البحار والأنهار، والأشجار، والثمار، والدواب، والمعادن، وغير ذلك، {وأسْبَغَ}: أتم {عليكم نِعَمَه}، بالجمع، والإفراد؛ إرادة الجنس. والنعمة: ما يسر به الإنسان ويتلذذ به، حال كونها {ظاهرةً}؛ ما تدرك بالحس، {وباطنة}؛ ما تدرك بالعلم والوجدان. فقيل: الظاهرة. السمع، والبصر، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك. أو: الظاهرة: الصحة والعافية، والكفاية؛ والباطنة: الإيمان، واليقين، والعلم والمعرفة بالله، وسيأتي في الإشارة بقيتها. رُوي أن موسى عليه السلام قال: دُلني على أخفى نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم: النَّفسُ. هـ. قلت: إذ بمجاهدتها تحصل السعادة العظمى، ولا وصول إليه إلا بمجاهدتها والغيبة عنها. وفي هذا المعنى كان شيخ شيخنا يقول: جزاها الله عنا خيراً؛ ما ربحنا إلا منها. هـ. وقيل: الظاهرة: تحسين الخلْق، والباطنة: حُسْنُ الخلقُ. وقال ابن عباس: الظاهرة: ما سوى من خلقك، والباطنة: ما ستر من عيوبك. {ومن الناس من يُجادل في الله} بعد هذه النعم المتواترة، أي: في توحيده وصفاته ودينه، {بغير علم} مستفاد من دليل ولا برهان، {ولا هُدىً} اي: هداية رسول، {ولا كتاب منير} أنزله الله، بل بمجرد التقليد الردي. نزلت في النضر بن الحارث. وقد تقدمت في الحج. {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} على رسوله؛ من التوحيد، والشرائع، {قالوا بل نتبعُ ما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة الأصنام. وهو دليل منع التقليد في الأصول. قاله البيضاوي قلت: والمشهور أن إيمان المقلِّد صحيح. وأما من قلَّد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينظر، فهو مؤمن، اتفاقاً. قال تعالى: {أَوَ لَو}؛ أيتبعونهم، ولو {كان الشيطانُ يدعوهم إلى عذاب السعير}، يحتمل أن يكون الضمير لهم، أي: أيقلدونهم، ولو كان يدعوهم بذلك التقليد إلى العذاب، أو: لآبائهم، أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان في زمانهم يدعوهم إلى عذاب السعير. الإشارة: الأكوان كلها خُلِقَتْ لك أيها الإنسان، وأنت خُلِقْتَ للحضرة، فاعرف قَدْرَكَ، ولاتتعدَّ طَوْرَكَ، واشكر النعم لتي أسبغ عليك؛ ظاهرة وباطنة. الظاهرة: استقامة الظواهر في عمل الشرائع، والباطنة: تصفية البواطن؛ لتتهيأ لأنوار الحقائق، أو: الظاهرة: المنن، والباطنة: المحن. قال القشيري: قد تكلموا في الظاهرة والباطنة وأكثروا. فالظاهرةُ: وجودُ النعمة، والباطنةُ: شهودُ المنعِم، أو: الظاهرةُ: الدنيويةُ، والباطنة: الدينية. أو: الخلْق والخُلق، أو: نَفْس بلا زَلَّة، وقلبٌ بلا غفلة، أو: عطاء ورضى. أو: الظاهرة: في الأموال ونمائها، والباطنة: في الأحوال وصفائها، أو: الظاهرة: النعمةُ، والباطنة: العصمةُ، أو: الظاهرةُ: توفيقُ الطاعات، والباطنة: قبولُها، أو: الظاهرة: صحبة العارفين، والباطنةُ: حِفْظُ حُرْمَتِهم وتعظيمهم. أو: الظاهرة: الزهدُ في الدنيا، والباطنة: الاكتفاءُ بالله من الدنيا والعُقبى. أو: الظاهرة: الزهد، والباطنة: الوَجْدُ. أو: الظاهرة: توفيق المجاهدة، والباطنة: تحقيقُ المشاهدة، أو: الظاهرة: وظائف النَّفْس، والباطنة: لطائف القلب، أو: الظاهرة: اشتغالُك بنفسك عن الخلق، والباطنة: اشتغالك بربَّك عن نفسك، أو: الظاهرة: طَلَبَهُ، والباطنة: وجودُه، أو: الظاهرةُ: أنْ تَصِلَ إليه، والباطنة: أن تبقى معه. هـ. ببعض المعنى. ثم قال القشيري: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله...} الآية: لم يتخطوا أمثالَهم، ولم يهتدوا إلى تحوِّل أحوالهم. هـ. يعني: قلدوا أسلافكم في الإقامة مع الرسوم والأشكال، والانهماك في الحظوظ، فعاقبهم ذلك عن السير والوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأمّا من خالف امتثاله وأشكاله وانقاد بكليّته إلى مولاه فقد استمسك بالعروة الوثقى، كما قال تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ...}

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ناش من قوله {لَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} كأنّه قيل: لقد آتيت لقمان الحكمة فما لنا لم نؤت الحكمة؟- فقال تعالى: قد آتيناكم اسباب حصول الحكمة فيكم من مدارككم الظّاهرة ومدارككم الباطنة وتسخير جميع ما فى السّماوات وجميع ما فى الارض لكم بحيث يمكن لكم الاستدلال بها على مبدءٍ عليمٍ قديرٍ مريدٍ رحيمٍ رؤفٍ لطيفٍ فى علمه وعمله متقنٍ لصنعه، وعلى انّ الانسان اشرف الموجودات، وانّ الكلّ مخلوق لاجل بقائه وانتفاعه، وان ليس المقصود منه تعمير هذه الدّار الفانية والاّ كان مثل سائر المواليد موجوداً لاجل غيره، وانّه ينبغى له ان لا يتوقّف على تعيّش هذا العالم بل لا بدّ ان يجعل تعيّشه فى الدّنيا مقدّمة للآخرة، وانّ كلّ ما لم يكن مقدّمة للآخرة من جهات هذا العالم فهو فانٍ غير باقٍ لا ينبغى للعاقل ان يتوسّل به ويتوقّف عليه وليس الحكمة الاّ هذا فان لم تتفكّروا ولم تتّصفوا بها كان من قبلكم {أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الكواكب والملائكة الموكّلة بالسّماوات وكواكبها بحيث لم يتوانوا آناً ما من تحريك الاجسام الّتى بها وبتحريكها يتولّد المواليد وتبقى {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من الدّوابّ والنّبات والمعادن بحيث لا يتأبّى من تصرّفكم باىّ تصرّفٍ شئتم فما فى السّماوات مسخّر لله لاجل انتفاعكم وما فى الارض مسخّر لله ولكم لاجل انتفاعكم {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} النّعم الظّاهرة كلّ ملائمٍ لك له تعلّق بظاهرك المحسوس من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمركوب والمنكوح والعزّ والعرض والحشمة والصّيت والمدارك الظّاهرة والاعضاء وغير ذلك، وأشرف الكلّ ما له تعلّق بظاهرك ومع ذلك يكون جالباً للنّعم الباقية الاخرويّة من الرّسول ورسالته وقبول رسالته بالبيعة العامّة والدّعوة الظّاهرة واحكام رسالته والعمل بها، والنّعم الباطنة ما له تعلّق بباطنك من المدارك الباطنة والادراكات الدّقيقة بالتّفكّرات الدّقيقة والنّفس والقلب والعقل والاستعداد للخروج من هذه الدّار، واشرف الكلّ الولىّ (ع) وولايته وقبول ولايته بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة واحكام الولاية، وقد اشير الى ذلك فى الاخبار فعن الباقر (ع) وولايته وقبول ولايته بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة واحكام الولاية، وقد اشير الى ذلك فى الاخبار فعن الباقر (ع) امّا النّعمة الظّاهرة فالنّبىّ (ص) وما جاء به من معرفة الله وتوحيده وامّا النّعمة الباطنة فولايتنا اهل البيت (ع) وعقد مودّتنا، وعن الكاظم (ع): النّعمة الظّاهرة الامام الظّاهر والباطنة الامام الغائب، وكأنّه كان اشارة الى الفكر المصطلح للصّوفيّة من ظهور ملكوت ولّى الامرعلى صدر السّالك {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} قد مضى الآية بتمام اجزائها فى سورة الحجّ.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَٰوَاتِ} من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها وقيل الذي في السماء الشمس والقمر والنجوم والماء وجبال البرد وما في الأرض من ثمار وانهار ودواب ومعادن من سهل وجبل. {وَأَسْبَغَ} أوسع وأتم وقرىء (واصنع) بالصاد وهكذا يجوز ابدال السين صادا اذا كانت مع الغين المعجمة أو كانت مع الخاء المعجمة كسلخ وصلخ او مع القاف كقسر وصقر. {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} هذه قراءة نافع وابي عمرو وحفص وقرأ الباقون (نعمته) بالافراد وقرىء (نعمه) بكسر النون وفتحها مع سكون العين والنعمة كل نفع قصد به الاحسان والله سبحانه خلق العالم نعمة فغير الحيوان نعمة للحيوان وغير العاقل منه نعمة للعاقل وايجاد الحيوان هو نفس النعمة على الحيوان اذ يخلقه يمكن له الانتفاع دنيا مطلقا وآخرة للعاقل المؤمن ولو لم يخلق لم يكن ذلك فلولا ان خلقه نفع لكان عبثا تعالى عنه والنفع راجع اليهم والله الغني. {ظَاهِرَةً} حال. {وَبَاطِنَةً} قال الشيخ هود رحمه الله: الظاهر الاسلام والباطنة ستر العيوب والذنوب وهو قول ابن عباس والحسن. وقال المحاسبي: الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة. وقال الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتدادها وتسوية الاعضاء وغير ذلك والباطنة المعرفة وغيرها. وقيل الظاهرة الرزق والباطنة حسن الخلق وقيل الظاهرة الشريعة والباطنة الشفاعة. وقال مجاهد: الظاهرة ظهور الاسلام والنصر على الاعداء والباطنة الامداد بالملائكة وقيل الظاهرة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والباطنة صحبته وقيل الظاهرة ما يعلم بالمشاهدة والباطنة مالا يعلم بها بل بدليل ومالا يعلم اصلا وقيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة والباطنة العقل والقلب والفهم ونحو ذلك مما يتولد من ذلك وفي دعاء موسى: الهي دلني على اخفى نعمتك على عبادك قال: أخفاها عليهم النفس ويروى: أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس وقيل الظاهرة صحبة الصالحين والباطنة سكون القلب الى الله. {وَمِنَ النَّاسِ} من اهل مكة. {مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} مستفاد من دليل نزلت في النظر بن الحارث قاله الكلبي وقال غيره فيه وفي ابي بن خلف وامية بن خلف ونحوهم وكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله سبحانه وصفاته والنظر المذكور هو من بني عبدالدار. {وَلا هُدىً} من رسول. {وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} مضيء يزيل ظلمة الجهل أنزله الله بل بالتقليد كما قال الله سبحانه.

اطفيش

تفسير : {ألم تَروْا أن الله سخَّر لَكم ما في السَّماوات وما في الأرض} رجوع الى خطاب المشركين على اصرارهم بعد ذكر وعظ لقمان، والتسخير التسهيل، والادلال لشئ الى المطلوب سواء كان الشئ حيا يمكن امتناعه ام لا كالحيوانات والملائكة النافعين بسوق المطر مثلا والمعادن، والشمس والقمر والنجوم، والرياح والليل والقمر {وأسْبغ} اوسع {عليكم} لكم او أكثر نعمه حتى صارت كالشئ المستعلى فوقنا بعد التجلل من جوانبنا {نِعَمه} ما أنعم عليكم به، والمفرد نعمة، واصله المعنى المصدرى، وهو التلذذ، واطلق اسم المسبب على المسبب، فان ما انعم به علينا سبب للتلذذ والنعمة، بمعنى ما انعم به هى شئ ينتفع به، ويستلذ ولم اقل امر ينتفع به، ليشمل الشئ ما هو جسم، والامر لا يشمله الامجازا، ولم ارد تحمد عاقبته كما زاده بعض، لان ما ينتفع به نعمة، سواء حمدت عاقبته بان شكرت مثلا ولم تضر او لم تحمد بان كانت تضر بعد، او كفرت فالماء او اللبن المستلذ نعمة، ولو كان يتضرر به بدن شاربه. والنعمة التى لم تشكر يعاقب عليها، ولا يخرجها العقاب عن كونها نعمة، وانما ذلك امر شرعى فالكفار منعم عليهم كما هو نصوص القرآن ومن اشترط ان تكون العاقبة محمودة قال: هم غير منعم عليهم، وهو خطأ، وقال بعض: النعمة المنفعة المفعولة على جهة الاحسان الى الغير وقال بعض: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الاحسان الى الغير، قال بعض المحققين: الاولى اسقاط لفظ الحسنة، لجواز ان يستحق الشكر بالاحسان، وان كان فعله محظورا لان جهة الشكر كونه احسانا، وجهله الذم والعقاب الحظر، فالفاسق يستحق الشكر لاحسانه، والذم لمعصية الله تعالى. {ظاهِرةً} محسوسة معروفة كقوة البدن، وكالأموال والأولاد، وظهور الاسلام، والنصر على الاعداء، وحسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الاعضاء، والسمع والبصر، وغير ذلك من نعم الدنيا {وباطِنةً} كالامداد من الملائكة، ومعرفة الله تعالى، والقلب والعقل والفهم، ونعم الآخرة، وقيل: الظاهرة ارسال الرسل وانزال الكتب، والتوفيق للاسلام، والثبات عليه، والباطنة ما اصاب الارواح فى عالم الذر من النور، وعن على: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : الظاهرة ما سوى من خلقك، والباطنة ما ستر من عورتك ". تفسير : والمراد التمثيل، كما يدل له ما فى البيهقى، عن ابن عباس، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : الظاهرة الاسلام وما سوى من خلقك ورزقه، والباطنة ما ستر من مساوئ عملك" تفسير : والمراد أيضا التمثيل، ومعنى قوله: ما ستر من مساوئ عملك ستر ما ستر من مساوئه، او ما مصدرية اى ستره من مساوئه، اى الواقع منها، ويدل لهذا ما فيه من طريق مقاتل الظاهرة الاسلام، والباطنة ستر المعاصى، وفى رواية: اما ما بطن فستر مساوئ عملك، وفى دعاء موسى عليه السلام: الهى دلنى على اخفى نعمك، فقال تعالى: اخفاها النفس، وقيل: اخفاها تخفيف الشرائع، واكثار الثواب، وصرف البلاء، وقبول الخلق، ورضا الرب. {ومن النَّاس مَن يُجادل في الله} فى شأن الله عز وجل من وحدانية وقدرة على البعث وغيره، ينكرون ذلك على الرسول عليه الصلاة والسلام، كالنضر بن الحارث، وأبى بن خلف، والجدال الكلام على طريق المغالبة من معنى الجدال الذى هو المطارحة على الجدالة، وهى الارض، وإذا غلبه بالكلام فكأنه طرحه على الارض، او من معنى الجدال الذي هو المغالبة فى احكم حبله بالفتل، فكل منهما يريد ان يكون اشد احكاما لحبله، وكل من المتغالين بالكلام يريد ان يكون كلامه اثبت من كلام الاخر، واظهر لفظ الجلالة مع تقدمه وتقدم الاضمار له، تهويلا لامر الجدال فيه تعالى. {بغْير علمٍ} بدليل عقلى {ولا هُدىً} ولا دليل شرعى من رسول {ولا كتاب منيرٍ} واضح الدلالة، منقذ من ظلمة الجهل، بل يجادلون بمجرد ما يشتهون، وبمجرد التقليد.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد، والتسخير على ما قال الراغب سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً، وفي «إرشاد العقل السليم» المراد به إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقاداً له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سبباً لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشاً أو معاداً، وأما جعله منقاداً للأمر مذللاً على أن معنى {لَكُمْ } لأجلكم فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخراً له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله عز وجل. {وَأَسْبَغَ } أي أتم وأوسع {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ } جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقاً للمسبب على السبب، وفي معنى ذلك قولهم: هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمل عاقبته، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة، ونقل الطيبـي عن الإمام أنه قال: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا: وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر، والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة الشكر كونه إحساناً وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر فأي امتناع في اجتماعهما، ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز أن يكون الأمر هٰهنا كذلك، أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة، وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها اهـ، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته. {ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة، وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام، وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقيل: الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم، وقيل: الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة، وقيل: الظاهرة نحو إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور.شعر : وأول الغيث قطر ثم ينسكب تفسير : ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال: الظاهرة النبـي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده والباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا، والتعميم الذي أشرنا إليه أولاً أولى، لكن أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن عطاء قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } قال: هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم. وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه والديلمي والبيهقي وابن النجار عن ابن عباس أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ } الخ قال: أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ستر من مساوىء عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال: الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص وإلا لتعارض الخبران. ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوىء العمل نعمة ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت / نعم الله تعالى عليه فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوىء العمل ولم يقل كذلك اعتماداً على وضوح الأمر، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك، أخرج ابن أبـي حاتم والبيهقي عن مقاتل أنه قال في الآية: {ظَـٰهِرَةً } الإسلام {وَبَاطِنَةً } ستره تعالى عليكم المعاصي، بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني «وأما ما بطن فستر مساوىء عملك». وجوز أن يكون {مَا } في ما ستر في الخبرين مصدرية و(من) صلة ستر لا بيان لما. وقرأ يحيـى بن عمارة وأصبغ بالصاد وهي لغة بني كلب يبدلون من السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صاداً فيقولون في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سائغ صائغ ولا فرق في ذلك بين أن يفصل بينهما فاصل وأن لا يفصل، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضاً بين أن تتقدم السين على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر، واشترط آخر تقدم السين، وذكر الخفاجي أنه إبدال مطرد. وقرأ بعض السبعة. وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {نِعْمَة} بالإفراد. وقرىء {نِعْمَتَهُ } بالأفراد والإضافة، ووجه الإفراد بإرادة الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }تفسير : [إبراهيم: 34] وقال الزجاج من قرأ. {نِعْمَةَ} فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد ومن قرأ (نعمه) بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم والأول أولى، ونصب {ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة التنكير على الوصفية. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ } من الجدال وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كأن المتجادلين يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه. وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة وكأن الجملة في موضع الحال من ضميره تعالى فيما قبل أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل والحال من الناس من ينازع ويخاصم كالنضر بن الحرث وأبـي ابن خلف كانا يجادلان النبـي صلى الله عليه وسلم {فِى ٱللَّهِ } أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث ولم يقل فيه بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ } تهويلاً لأمر الجدال {بِغَيْرِ عِلْمٍ } مستفاد من دليل عقلي {وَلاَ هُدًى } راجع إلى رسول مأخوذ منه، وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة وفيه بعد {وَلاَ كِتَـٰبٍ } أنزله الله تعالى {مُّنِيرٍ } أي ذي نور، والمراد به واضح الدلالة على المقصود، وقيل: منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما قال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ...}.

سيد قطب

تفسير : تبدأ الجولة الثالثة بنسق جديد. تبدأ بعرض الدليل الكوني مرتبطاً بالناس، متلبساً بمصالحهم وحياتهم ومعاشهم، متعلقاً بنعم الله عليهم، نعمه الظاهرة ونعمه الباطنة، تلك التي يستمتعون بها، ولا يستحيون معها أن يجادلوا في الله المنعم المتفضل الوهاب.. ثم تسير على هذا النسق في تقرير القضية الأولى التي عالجتها الجولتان الأولى والثانية.. {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة؟ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟}.. وهذه اللفتة المكررة في القرآن بشتى الأساليب تبدو جديدة في كل مرة، لأن هذا الكون لا يزال يتجدد في الحس كلما نظر إليه القلب، وتدبر أسراره، وتأمل عجائبه التي لا تنفد؛ ولا يبلغ الإنسان في عمره المحدود أن يتقصاها؛ وهي تبدو في كل نظرة بلون جديد، وإيقاع جديد. والسياق يعرضها هنا من زاوية التناسق بين حاجات الإنسان على الأرض وتركيب هذا الكون! مما يقطع بأن هذا التناسق لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة؛ وأنه لا مفر من التسليم بالإرادة الواحدة المدبرة، التي تنسق بين تركيب هذا الكون الهائل وحاجات البشر على هذا الكوكب الصغير الضئيل.. الأرض..! إن الأرض كلها لا تبلغ أن تكون ذرة صغيرة في بناء الكون. والإنسان في هذه الأرض خليقة صغيرة هزيلة ضعيفة بالقياس إلى حجم هذه الأرض، وبالقياس إلى ما فيها من قوى ومن خلائق حية وغير حية، لا يعد الإنسان من ناحية حجمه ووزنه وقدرته المادية شيئاً إلى جوارها. ولكن فضل الله على هذا الإنسان ونفخته فيه من روحه، وتكريمه له على كثير من خلقه.. هذا الفضل وحده قد اقتضى أن يكون لهذا المخلوق وزن في نظام الكون وحساب. وأن يهيء الله له القدرة على استخدام الكثير من طاقات هذا الكون وقواه، ومن ذخائره وخيراته. وهذا هو التسخير المشار إليه في الآية، في معرض نعم الله الظاهرة والباطنة، وهي أعم من تسخير ما في السماوات وما في الأرض. فوجود الإنسان ابتداء نعمة من الله وفضل؛ وتزويده بطاقاته واستعداداته ومواهبه هذه نعمة من الله وفضل؛ وإرسال رسله وتنزيل كتبه فضل أكبر ونعمة أجل؛ ووصله بروح الله من قبل هذا كله نعمة من الله وفضل؛ وكل نفس يتنفسه، وكل خفقة يخفقها قلبه، وكل منظر تلتقطه عينه، وكل صوت تلتقطه أذنه، وكل خاطر يهجس في ضميره، وكل فكرة يتدبرها عقله.. إن هي إلا نعمة ما كان لينالها لولا فضل الله. وقد سخر الله لهذا المخلوق الإنساني ما في السماوات، فجعل في مقدوره الانتفاع بشعاع الشمس ونور القمر وهدي النجوم، وبالمطر والهواء والطير السابح فيه. وسخر له ما في الأرض. وهذا أظهر وأيسر ملاحظة وتدبراً. فقد أقامه خليفة في هذا الملك الطويل العريض، ومكنه من كل ما تذخر به الأرض من كنوز. ومنه ما هو ظاهر ومنه ما هو مستتر. ومنه ما يعرفه الإنسان ومنه ما لا يدرك إلا آثاره؛ ومنه ما لم يعرفه أصلاً من أسرار القوى التي ينتفع بها دون أن يدري. وإنه لمغمور في كل لحظة من لحظات الليل والنهار بنعمة الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها، ولا يحصي أنماطها.. ومع هذا كله فإن فريقاً من الناس لا يشكرون ولا يذكرون ولا يتدبرون ما حولهم، ولا يوقنون بالمنعم المتفضل الكريم. {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}.. وتبدو هذه المجادلة مستغربة مستنكرة في ظل ذلك البرهان الكوني، وفي جوار هذه النعمة السابغة. ويبدو الجحود والإنكار بشعاً شنيعاً قبيحاً، تنفر منه الفطرة، ويقشعر منه الضمير. ويبدو هذا الفريق من الناس الذي يجادل في حقيقة الله، وعلاقة الخلق بهذه الحقيقة. يبدو منحرف الفطرة ولا يستجيب لداعي الكون كله من حوله؛ جاحداً النعمة لا يستحيي أن يجادل في المنعم بكل هذه النعم السابغة. ويزيد موقفه بشاعة أنه لا يرتكن في هذا الجدال إلى علم؛ ولا يهتدي بهدى، ولا يستند إلى كتاب ينير له القضية ويقدم له الدليل. {وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا}.. فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه؛ وأن يطلق عقولهم لتتدبر؛ ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف، ويتمسكوا بالأغلال والقيود. إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة في الشعور، وتطلع إلى النور، ومنهج جديد للحياة طليق من إسار التقليد والجمود. ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس، ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. ومن ثم يسخر منهم ويتهكم عليهم، ويشير من طرف خفي إلى عاقبة هذا الموقف المريب: {أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟}.. فهذا الموقف إنما هو دعوة من الشيطان لهم، لينتهي بهم إلى عذاب السعير. فهل هم مصرون عليه ولو قادهم إلى ذلك المصير؟... لمسة موقظة ومؤثر مخيف، بعد ذلك الدليل الكوني العظيم اللطيف. وبمناسبة ذلك الجدال المتعنت الذي لا يستند إلى علم، ولا يهتدي بهدى، ولا يستمد من كتاب. يشير إلى السلوك الواجب تجاه الدليل الكوني والنعمة السابغة: {ومن يسلم وجهه إلى الله ـ وهو محسن ـ فقد استمسك بالعروة الوثقى، وإلى الله عاقبة الأمور}.. إنه الاستسلام المطلق لله ـ مع إحسان العمل والسلوك ـ الاستسلام بكامل معناه، والطمأنينة لقدر الله. والانصياع لأوامر الله وتكاليفه وتوجيهاته مع الشعور بالثقة والاطمئنان للرحمة، والاسترواح للرعاية، والرضى الوجداني، رضى السكون والارتياح.. كل أولئك يرمز له بإسلام الوجه إلى الله. والوجه أكرم وأعلى ما في الإنسان.. {ومن يسلم وجهه إلى الله ـ وهو محسن ـ فقد استمسك بالعروة الوثقى}.. العروة التي لا تنقطع ولا تهن ولا تخون ممسكاً بها في سراء أو ضراء، ولا يضل من يشد عليها في الطريق الوعر والليلة المظلمة، بين العواصف والأنواء! هذه العروة الوثقى هي الصلة الوثيقة الثابتة المطمئنة بين قلب المؤمن المستسلم وربه. هي الطمأنينة إلى كل ما يأتي به قدر الله في رضى وفي ثقة وفي قبول، طمأنينة تحفظ للنفس هدوءها وسكينتها ورباطة جأشها في مواجهة الأحداث، وفي الاستعلاء على السراء فلا تبطر، وعلى الضراء فلا تصغر؛ وعلى المفاجآت فلا تذهل؛ وعلى اللأواء في طريق الإيمان، والعقبات تتناثر فيه من هنا ومن هناك. إن الرحلة طويلة وشاقة وحافلة بالأخطار. وخطر المتاع فيها والوجدان ليس أصغر ولا أقل من خطر الحرمان فيها والشقاء. وخطر السراء فيها ليس أهون ولا أيسر من خطر الضراء. والحاجة إلى السند الذي لا يهن، والحبل الذي لا ينقطع، حاجة ماسة دائمة. والعروة الوثقى هي عروة الإسلام لله والاستسلام والإحسان. {وإلى الله عاقبة الأمور}.. وإليه المرجع والمصير. فخير أن يسلم الإنسان وجهه إليه منذ البداية؛ وأن يسلك إليه الطريق على ثقة وهدى ونور.. {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم، فننبئهم بما عملوا، إن الله عليم بذات الصدور. نمتعهم قليلاً، ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}.. تلك نهاية من يسلم وجهه إلى الله وهو محسن. وهذه نهاية من يكفر ويخدعه متاع الحياة. نهايته في الدنيا تهوين شأنه على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المؤمنين. {ومن كفر فلا يحزنك كفره}.. فشأنه أهون من أن يحزنك، وأصغر من أن يهمك.. ونهايته في الأخرى التهوين من شأنه كذلك. وهو في قبضة الله لا يفلت وهو مأخوذ بعمله، والله أعلم بما عمل وبما يخفيه في صدره من نوايا: {إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا. إن الله عليم بذات الصدور}.. ومتاع الحياة الذي يخدعه قليل، قصير الأجل، زهيد القيمة.. {نمتعهم قليلاً}.. والعاقبة بعد ذلك مروعة فظيعة وهو مدفوع إليها دفعاً لا يملك لها رداً: {ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}.. ووصف العذاب بالغلظ يجسمه ـ على طريقة القرآن ـ والتعبير بالاضطرار يلقي ظل الهول الذي يحاول الكافر ألا يواجهه، مع العجز عن دفعه، أو التلكؤ دونه! فأين هذا ممن يسلم وجهه إلى الله ويستمسك بالعروة الوثقى، ويصير إلى ربه في النهاية هادئ النفس مطمئن الضمير؟ ثم يقفهم أمام منطق فطرتهم، حين تواجه الكون، فلا تجد مناصاً من الاعتراف بالحقيقة الكامنة فيها وفي فطرة الكون على السواء؛ ولكنهم يزيغون عنها وينحرفون، ويغفلون منطقها القويم: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن: الله. قل: الحمد لله. بل أكثرهم لا يعلمون. لله ما في السماوات والأرض. إن الله هو الغني الحميد}.. وما يملك الإنسان حين يستفتي فطرته ويعود إلى ضميره أن ينكر هذه الحقيقة الواضحة الناطقة. فهذه السماوات والأرض قائمة. مقدرة أوضاعها وأحجامها وحركاتها وأبعادها، وخواصها وصفاتها. مقدرة تقديراً يبدو فيه القصد، كما يبدو فيه التناسق. وهي قبل ذلك خلائق لا يدعي أحد أنه خلقها؛ ولا يدعي أحد أن خالقاً آخر غير الله شارك فيها؛ ولا يمكن أن توجد هكذا بذاتها. ثم لا يمكن أن تنتظم وتتسق وتقوم وتتناسق بدون تدبير، وبدون مدبر. والقول بأنها وجدت وقامت تلقائياً أو فلتة أو مصادفة لا يستحق احترام المناقشة. فضلاً على أن الفطرة من أعماقها تنكره وترده. وأولئك الذين كانوا يواجهون عقيدة التوحيد بالشرك؛ ويقابلون دعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجدال العنيف؛ لم يكونوا يستطيعون أن يزيفوا منطق فطرتهم حين تواجه بالدليل الكوني الممثل في وجود السماوات والأرض، وقيامهما أمام العين، لا تحتاجان إلى أكثر من النظر! ومن ثم لم يكونوا يتلجلجون في الجواب: لو سئلوا: {من خلق السماوات والأرض؟} وجوابهم {الله}.. لذلك يوجه الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعقب على جوابهم هذا بحمد الله: {قل: الحمد لله}.. الحمد لله على وضوح الحق في الفطرة، والحمد لله على هذا الإقرار القهري أمام الدليل الكوني. والحمد لله على كل حال. ثم يضرب عن الجدل والتعقيب بتعقيب آخر: {بل أكثرهم لا يعلمون}.. ومن ثم يجادلون ويجهلون منطق الفطرة، ودلالة هذا الكون على خالقه العظيم. وبمناسبة إقرار فطرتهم بخلق الله للسماوات والأرض يقرر كذلك ملكية الله المطلقة لكل ما في السماوات والأرض. ما سخره للإنسان وما لم يسخره. وهو مع ذلك الغني عن كل ما في السماوات والأرض، المحمود بذاته ولو لم يتوجه إليه الناس بالحمد: {لله ما في السماوات والأرض. إن الله هو الغني الحميد}.. والآن تختم هذه الجولة بمشهد كوني يرمز إلى غنى الله الذي لا ينفد، وعلمه الذي لا يحد، وقدرته على الخلق والتكوين المتجددين بغير ما نهاية، ومشيئته المطلقة التي لا نهاية لما تريد: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله. إن الله عزيز حكيم. ما خلْقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. إن الله سميع بصير}.. إنه مشهد منتزع من معلومات البشر ومشاهداتهم المحدودة، ليقرب إلى تصورهم معنى تجدد المشيئة الذي ليس له حدود؛ والذي لا يكاد تصورهم البشري يدركه بغير هذا التجسيم والتمثيل. إن البشر يكتبون علمهم، ويسجلون قولهم، ويمضون أوامرهم، عن طريق كتابتها بأقلام ـ كانت تتخذ من الغاب والبوص ـ يمدونها بمداد من الحبر ونحوه. لا يزيد هذا الحبر على ملء دواة أو ملء زجاجة! فها هو ذا يمثل لهم أن جميع ما في الأرض من شجر تحول أقلاماً. وجميع ما في الأرض من بحر تحول مداداً. بل إن هذا البحر أمدته سبعة أبحر كذلك.. وجلس الكتاب يسجلون كلمات الله المتجددة، الدالة على علمه، المعبرة عن مشيئته.. فماذا؟ لقد نفدت الأقلام ونفد المداد. نفدت الأشجار ونفدت البحار.. وكلمات الله باقية لم تنفد، ولم تأت لها نهاية.. إنه المحدود يواجه غير المحدود. ومهما يبلغ المحدود فسينتهي؛ ويبقى غير المحدود لم ينقص شيئاً على الإطلاق.. إن كلمات الله لا تنفد، لأن علمه لا يحد، ولأن إرادته لا تكف، ولأن مشيئته ـ سبحانه ـ ماضية ليس لها حدود ولا قيود. وتتوارى الأشجار والبحار، وتنزوي الأحياء والأشياء؛ وتتوارى الأشكال والأحوال. ويقف القلب البشري خاشعاً أمام جلال الخالق الباقي الذي لا يتحول ولا يتبدل ولا يغيب؛ وأمام قدرة الخالق القوي المدبر الحكيم: {إن الله عزيز حكيم}.. وأمام هذا المشهد الخاشع يلقي بالإيقاع الأخير في هذه الجولة؛ متخذاً من ذلك المشهد دليلاً كونياً على يسر الخلق وسهولة البعث: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. إن الله سميع بصير}.. والإرادة التي تخلق بمجرد توجه المشيئة إلى الخلق، يستوي عندها الواحد والكثير؛ فهي لا تبذل جهداً محدوداً في خلق كل فرد، ولا تكرر الجهد مع كل فرد. وعندئذ يستوي خلق الواحد وخلق الملايين. وبعث النفس الواحدة وبعث الملايين. إنما هي الكلمة. هي المشيئة: {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون }.. تفسير : ومع القدرة العلم والخبرة مصاحبين للخلق والبعث وما وراءهما من حساب وجزاء دقيق: {إن الله سميع بصير}.. وتأتي الجولة الأخيرة تعالج القضية التي عالجتها الجولات الثلاث من قبل. فتقرر أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل. وتقرر إخلاص العبادة لله وحده. وتقرر قضية اليوم الآخر الذي لا يجزى فيه والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً.. وتستصحب مع هذه القضايا مؤثرات منوعة جديدة. وتعرضها في المجال الكوني الفسيح.. {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؟ وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى؟ وأن الله بما تعملون خبير؟ ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير}.. ومشهد دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، وتناقصهما وامتدادهما عند اختلاف الفصول، مشهد عجيب حقاً، ولكن طول الألفة والتكرار يفقد أكثر الناس الحساسية تجاهه فلا يلحظون هذه العجيبة، التي تتكرر بانتظام دقيق، لا يتخلف مرة ولا يضطرب؛ ولا تنحرف تلك الدورة الدائبة التي لا تكل ولا تحيد.. والله وحده هو القادر على إنشاء هذا النظام وحفظه؛ ولا يحتاج إدراك هذه الحقيقة إلى أكثر من رؤية تلك الدورة الدائبة التي لا تكل ولا تحيد. وعلاقة تلك الدورة بالشمس والقمر وجريانهما المنتظم علاقة واضحة. وتسخير الشمس والقمر عجيبة أضخم من عجيبة الليل والنهار ونقصهما وزيادتهما. وما يقدر على هذا التسخير إلا الله القدير الخبير. وهو الذي يقدر ويعلم أمد جريانهما إلى الوقت المعلوم. ومع حقيقة إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل؛ وحقيقة تسخير الشمس والقمر ـ وهما حقيقتان كونيتان بارزتان ـ حقيقة أخرى مثلهما يقررها معهما في آية واحدة: {وأن الله بما تعملون خبير}.. وهكذا تبرز هذه الحقيقة الغيبية، إلى جانب الحقائق الكونية. حقيقة مثلها، ذات ارتباط بها وثيق. ثم يعقب على هذه الحقائق الثلاث بالحقيقة الكبرى التي تقوم عليها الحقائق جميعاً. الحقيقة الأولى التي تنبثق منها الحقائق جميعاً. وهي الحقيقة التي تعالجها الجولة؛ وتقدم لها بهذا الدليل: {ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير}.. ذلك.. ذلك النظام الكوني الثابت الدائم المنسق الدقيق.. ذلك النظام قائم بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل. قائم بهذه الحقيقة الكبرى التي تعتمد عليها كل حقيقة، والتي يقوم بها هذا الوجود. فكون الله هو الحق. سبحانه. هو الذي يقيم هذا الكون، وهو الذي يحفظه، وهو الذي يدبره، وهو الذي يضمن له الثبات والاستقرار والتماسك والتناسق، ما شاء الله له أن يكون.. {ذلك بأن الله هو الحق}.. كل شيء غيره يتبدل. وكل شيء غيره يتحول. وكل شيء غيره تلحقه الزيادة والنقصان، وتتعاوره القوة والضعف، والازدهار والذبول، والإقبال والإدبار. وكل شيء غيره يوجد بعد أن لم يكن، ويزول بعد أن يكون. وهو وحده ـ سبحانه ـ الدائم الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يحول ولا يزول.. ثم تبقى في النفس بقية من قوله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق}.. بقية لا تنقلها الألفاظ ولا يستقل بها التعبير البشري الذي أملك. بقية يتمثلها القلب ويستشعرها الضمير؛ ويحسها الكيان الإنساني كله ويقصر عنها التعبير!.. وكذلك: {وأن الله هو العلي الكبير}.. الذي ليس غيره "عليّ" ولا "كبير"!!! ترى قلت شيئاً يفصح عما يخالج كياني كله أمام التعبير القرآني العجيب؟ أحس أن كل تعبير بشري عن مثل هذه الحقائق العليا ينقص منها ولا يزيد؛ وأن التعبير القرآني ـ كما هو ـ هو وحده التعبير الموحي الفريد!!! ويعقب السياق على ذلك المشهد الكوني، وهذه اللمسة الوجدانية، بمشهد آخر من مألوف حياة البشر. مشهد الفلك تجري في البحر بفضل الله. ويقفهم في هذا المشهد أمام منطق الفطرة حين تواجه هول البحر وخطره، مجردة من القوة والبأس والبطر والغرور: {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته؟ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد، وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}.. والفلك تجري في البحر وفق النواميس التي أودعها الله البحر والفلك والريح والأرض والسماء. فخلقة هذه الخلائق بخواصها هذه هي التي جعلت الفلك تجري في البحر ولا تغطس أو تقف. ولو اختلت تلك الخواص أي اختلال ما جرت الفلك في البحر. لو اختلت كثافة الماء أو كثافة مادة الفلك. لو اختلت نسبة ضغط الهواء على سطح البحر. لو اختلت التيارات المائية والهوائية. لو اختلت درجة الحرارة عن الحد الذي يبقي الماء ماء، ويبقي تيارات الماء والهواء في الحدود المناسبة.. لو اختلت نسبة واحدة أي اختلال ما جرت الفلك في الماء، وبعد ذلك كله يبقى أن الله هو حارس الفلك وحاميها فوق ثبج الأمواج وسط العواصف والأنواء، حيث لا عاصم لها إلا الله. فهي تجري بنعمة الله وفضله على كل حال. ثم هي تجري حاملة نعمة الله وفضله كذلك. والتعبير يشمل هذا المعنى وذاك: {ليريكم من آياته}.. وهي معروضة للرؤية، يراها من يريد أن يرى؛ وليس بها من غموض ولا خفاء.. {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}.. صبار في الضراء، شكور في السراء؛ وهما الحالتان اللتان تتعاوران الإنسان. ولكن الناس لا يصبرون، ولا يشكرون، إنما يصيبهم الضر فيجأرون، وينجيهم الله من الضر فلا يشكر منهم إلا القليل: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين}.. فأمام مثل هذا الخطر، والموج يغشاهم كالظلل والفلك كالريشة الحائرة في الخضم الهائل.. تتعرى النفوس من القوة الخادعة، وتتجرد من القدرة الموهومة، التي تحجب عنها في ساعات الرضاء حقيقة فطرتها، وتقطع ما بين هذه الفطرة وخالقها. حتى إذا سقطت هذه الحوائل، وتعرت الفطرة من كل ستار، استقامت إلى ربها، واتجهت إلى بارئها، وأخلصت له الدين، ونفت كل شريك، ونبذت كل دخيل. و دعوا الله مخلصين له الدين. {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد}.. لا يجرفه الأمن والرخاء إلى النسيان والاستهتار؛ إنما يظل ذاكراً شاكراً، وإن لم يوف حق الله في الذكر والشكر؛ فأقصى ما يبلغه ذاكر شاكر أن يكون مقتصداً في الأداء. ومنهم من يجحد وينكر آيات الله بمجرد زوال الخطر وعودة الرخاء: {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}.. والختار الشديد الغدر، والكفور الشديد الكفر؛ وهذه المبالغة الوصفية تليق هنا بمن يجحد آيات الله بعد هذه المشاهد الكونية، ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين. وبمناسبة هول البحر وخطره الذي يعري النفوس من غرور القوة والعلم والقدرة، ويسقط عنها هذه الحواجز الباطلة، ويقفها وجهاً لوجه أمام منطق الفطرة.. بمناسبة هذا الهول يذكرهم بالهول الأكبر، الذي يبدو هول البحر في ظله صغيراً هزيلاً. هول اليوم الذي يقطع أواصر الرحم والنسب، ويشغل الوالد عن الولد، ويحول بين المولود والوالد، وتقف كل نفس فيه وحيدة فريدة، مجردة من كل عون ومن كل سند، موحشة من كل قربى ومن كل وشيجة: {يا أيها الناس اتقوا ربكم، واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً. إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور}.. إن الهول هنا هول نفسي، يقاس بمداه في المشاعر والقلوب. وما تنقطع أواصر القربى والدم؛ ووشائج الرحم والنسب بين الوالد ومن ولد، وبين المولود والوالد. وما يستقل كل بشأنه، فلا يجزى أحد عن أحد، ولا ينفع أحداً إلا عمله وكسبه. ما يكون هذا كله إلا لهول لا نظير له في مألوف الناس.. فالدعوة هنا إلى تقوى الله تجيء في موضعها الذي فيه تستجاب؛ وقضية الآخرة تعرض في ظلال هذا الهول الغامر فتسمع لها القلوب. {إن وعد الله حق}.. فلا يخلف ولا يتخلف؛ ولا مفر من مواجهة هذا الهول العصيب. ولا مفر من الحساب الدقيق والجزاء العادل، الذي لا يغني فيه والد عن ولد ولا مولود عن والد. {فلا تغرنكم الحياة الدنيا}.. وما فيها من متاع ولهو ومشغلة؛ فهي مهلة محدودة وهي ابتلاء واستحقاق للجزاء. {ولا يغرنكم بالله الغرور}.. من متاع يُلهي، أو شغل يُنسي، أو شيطان يوسوس في الصدور. والشياطين كثير. الغرور بالمال شيطان. والغرور بالعلم شيطان. والغرور بالعمر شيطان. والغرور بالقوة شيطان. والغرور بالسلطان شيطان. ودفعة الهوى شيطان. ونزوة الشهوة شيطان. وتقوى الله وتصور الآخرة هما العاصم من كل غرور! وفي ختام الجولة الرابعة وختام السورة، وفي ظل هذا المشهد المرهوب يجيء الإيقاع الأخير في السورة قوياً عميقاً مرهوباً، يصور علم الله الشامل وقصور الإنسان المحجوب عن الغيوب. ويقرر القضية التي تعالجها السورة بكل أجزائها، ويخرج هذا كله في مشهد من مشاهد التصوير القرآني العجيب. {إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير}.. والله ـ سبحانه ـ قد جعل الساعة غيباً لا يعلمه سواه؛ ليبقى الناس على حذر دائم، وتوقع دائم، ومحاولة دائمة أن يقدموا لها، وهم لا يعلمون متى تأتي، فقد تأتيهم بغتة في أية لحظة، ولا مجال للتأجيل في اتخاذ الزاد. وكنز الرصيد. والله ينزل الغيث وفق حكمته، بالقدر الذي يريده؛ وقد يعرف الناس بالتجارب والمقاييس قرب نزوله؛ ولكنهم لا يقدرون على خلق الأسباب التي تنشئه. والنص يقرر أن الله هو الذي ينزل الغيث، لأنه سبحانه هو المنشئ للأسباب الكونية التي تكونه والتي تنظمه. فاختصاص الله في الغيث هو اختصاص القدرة. كما هو ظاهر من النص. وقد وهم الذين عدوه في الغيبيات المختصة بعلم الله. وإن كان علم الله وحده هو العلم في كل أمر وشأن. فهو وحده العلم الصحيح الكامل الشامل الدائم الذي لا يلحق به زيادة ولا نقصان. {ويعلم ما في الأرحام}.. اختصاص بالعلم كالاختصاص في أمر "الساعة" فهو سبحانه الذي يعلم وحده. علم يقين. ماذا في الأرحام في كل لحظة وفي كل طور. من فيض وغيض. ومن حمل حتى حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم. ونوع هذا الحمل ذكراً أم أنثى، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئاً في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية والبويضة. وملامح الجنين وخواصه وحالته واستعداداته.. فكل أولئك مما يختص به علم الله تعالى. {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً}.. ماذا تكسب من خير وشر، ومن نفع وضر، ومن يسر وعسر، ومن صحة ومرض، ومن طاعة ومعصية. فالكسب أعم من الربح المالي وما في معناه؛ وهو كل ما تصيبه النفس في الغداة. وهو غيب مغلق، عليه الأستار. والنفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب، لا تملك أن ترى شيئاً مما وراء الستار. وكذلك: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار. وإن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود، وعجزها الواضح، ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة. وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً؛ وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس. ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يدرون ماذا يكون غداً! بل ماذا يكون اللحظة التالية. وعندئذ تطامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع لله. والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة.. رقعة فسيحة في الزمان والمكان، وفي الحاضر الواقع، والمستقبل المنظور، والغيب السحيق. وفي خواطر النفس، ووثبات الخيال: ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي عن العيان. والكسب في الغد، وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول.. وموضع الموت والدفن، وهو مبعد في الظنون. إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء. ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول؛ ونقف بها جميعاً أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، ولانكشف القاصي منها والدان.. ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان، لأنها فوق مقدور الإنسان، ووراء علم الإنسان. تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار. {إن الله عليم خبير} وليس غيره بالعليم ولا بالخبير.. وهكذا تنتهي السورة، كما لو كانت رحلة هائلة بعيدة الآماد والآفاق والأغوار والأبعاد. ويؤوب القلب من هذه الرحلة المديدة البعيدة، الشاملة الشاسعة، وئيد الخطى لكثرة ما طوّف، ولجسامة ما يحمل، ولطول ما تدبر وما تفكر، في تلك العوالم والمشاهد والحيوات! وهي بعد سورة لا تتجاوز الأربع والثلاثين آية. فتبارك الله خالق القلوب، ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين...

ابن عاشور

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً} رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى: {أية : خَلَق السَّماوات بِغَير عمد}تفسير : [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض. وقد مضى الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى {أية : الله الذي خلق السماوات والأرض} تفسير : الآيات من سورة إبراهيم (32)، وكذلك في سورة النحل (3). ومعنى {سخر لكم} لأجلكم لأن من جملة ذلك التسخير ما هو منافع لنا من الأمطار والرياح ونور الشمس والقمر ومواقيت البروج والمنازل والاتجاه بها. والخطاب في {ألم تروا} يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه امتنان، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال. والاستفهام في {ألم تروا} تقرير أو إنكار لِعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية. والرؤية بصرية. ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله. ويجوز أن تكون الرؤية علمية كذلك، والخطاب للمشركين كما في قوله {خلق السماوات بغير عَمد ترونها}. وإسباغ النِعم: إكثارها. وأصل الإسباغ: جعل ما يلبس سابغاً، أي وافياً في الستر. ومنه قولهم: درع سابغة. ثم استعير للإكثار لأن الشيء السابغ كثير فيه ما يتخذ منه من سَرْد أو شُقَق أثواب، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فقيل: سوابغ النعم. والنعمة: المنفعة التي يقصد بها فاعلُها الإحسان إلى غيره. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر {نِعَمهُ} بصيغة جمع نعمة مضاف إلى ضمير الجلالة، وفي الإضافة إلى ضمير الله تنويه بهذه النِعم. وقرأ الباقون {نِعْمَةً} بصيغة المفرد، ولما كان المراد الجنس استوى فيه الواحد والجمع. والتنكير فيها للتعظيم فاستوى القراءتان في إفادة التنويه بما أسبغ الله عليهم. وانتصب {ظاهرة وباطنة} على الحال على قراءة نافع ومن معه، وعلى الصفة على قراءة البقية. والظاهرة: الواضحة. والباطنة: الخفية وما لا يعلم إلا بدليل أو لا يعلم أصلاً. وأصل الباطنة المستقرة في باطن الشيء أي داخله، قال تعالى: {أية : باطنه فيه الرحمة}تفسير : [الحديد: 13] فكم في بدن الإنسان وأحواله من نِعم يعلمها الناس أو لا يعلمها بعضُهم، أو لا يعلمها إلا العلماء، أو لا يعلمها أهل عصر ثم تنكشف لمن بعدهم، وكلا النوعين أصناف دينية ودنيوية [من آية: 20 إلى آية: 21]. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } الواو في قوله {ومن الناس من يجادل} واو الحال. والمعنى: قد رأيتم أن الله سخّر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعماً ضافية في حال أن بعضكم يجادل في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته. وجملة الحال هنا خبر مستعمل في التعجيب من حال هذا الفريق. ولك أن تجعل الواو اعتراضيَّة والجملة معترضة بين جملة {ألم تروا أن الله سخر لكم}وبين جملة {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض}تفسير : [لقمان: 25]. وقوله {ومِنَ النَّاس} من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل: ومنكم، و{مِن}تبعيضية. والمراد بهذا الفريق: هم المتصدون لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم والتمويه على قومهم مثل النضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وعبد الله بن الزِّبْعَرى. وشمل قوله {بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} مراتبَ اكتساب العلم وهي إما: الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة. وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحج (8). وجملة {وإذا قيل لهم} الخ عطف على صلة {مَن،} أي: مَن حالهم هذا وذاك، وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة (170). والضمير المنصوب في قوله {يدعوهم} عائد إلى الآباء، أي أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يَدعو الآباء إلى العذاب فهم يتبعونهم إلى العذاب ولا يهتدون. و{لو} وصلية، والواو معها للحال. والاستفهام تعجيبي من فظاعة ضلالهم وعماهم بحيث يتبعون من يدعوهم إلى النار، وهذا ذم لهم. وهو وزان قوله في آية البقرة (170): {أية : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً}.تفسير : والدعاء إلى عذاب السعير: الدعاء إلى أسبابه. والسعير تقدم في قوله تعالى: {أية : كلما خَبَتْ زِدْنَاهم سعيراً} تفسير : في سورة الإسراء (97).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ}. قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الحج.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات ألم تروا: أي ألم تعلموا أيُّها الناس. سخر لكم ما في السماوات: أي من شمس وقمر وكواكب ورياح وأمطار لمنافعكم. وما في الأرض: أي من أشجار وأنهار وجبال وبحار وغيرها. وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة: أي أوسع وأتمّ عليكم نعمه ظاهرة وهي الصحة وكمال الخلق وتسوية الأعضاء. وباطنة: أي المعرفة والعقل. من يجادل في الله: أي يخاصم في توحيد الله منكراً له مكذباً به. بغير علم: أي بدون علم عنده من وحي ولا هو مستفاد من دليل عقلي. ولا هدى ولا كتاب منير: أي سنة من سنن الرسل، ولا كتاب إلهي منير واضح بيّن. أو لو كان الشيطان: أي ايتبعونهم ولو كان الشيطان يدعو آباءهم إلى موجب عذاب السعير من الشرك والمعاصي. معنى الآيات عاد السياق بعد نهاية قصة لقمان إلى خطاب المشركين لهدايتهم فقال تعالى {أَلَمْ تَرَوْاْ} أيها الناس الكافرون بالله وقدرته ورحمته أي ألم تعلموا بمشاهدتكم {أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ} أي من أجلكم {مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من شمس وقمر وكواكب ومطر، وسخر لكم ما في الأرض من أشجار وأنهار وجبال ووهاد وبحار وشتَّى الحيوانات ومختلف المعادن كل ذلك لمنافعكم في مطاعمكم ومشاربكم وكل شؤون حياتكم، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} أي أوسعها وأتمها نعم الإِيجاز ونعم الإِمداد حال كونها ظاهرة كحسن الصورة وتناسب الأعضاء وكمال الخلق، وباطنة كالعقل والإِدراك والعلم والمعرفة وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، ومع هذا البيان والإِنعام والاستدلال على الخالق بالخلق وعلى المنعم بالنعم فإِن ناساً يجادلون في توحيد الله وأسمائه وصفاته ووجوب طاعته وطاعة رسوله بغير علم من وحي ولا استدلال من عقل، ولا كتاب منير واضح بين يحتجون به ويجادلون بأدلته. وقوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ} أي لأولئك المجادلين في الله بالجهل والباطل {ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من هدىً، قالوا لا، بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وثنيّة وتقاليد جاهلية، قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ} أي أيتَّبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعو آباءهم {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي النار المستعرة الملتهبة والجواب لا، ولكن اتبعوهم فسوف يردون معهم النار وبئس الورد المورود. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تعيين الاستدلال بالخلق على الخالق وبالنعمة على المنعم. 2) وجوب ذكر النعم وشكرها لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. 3) حرمة الجدال بالجهل ودون علم. 4) حرمة التقليد في الباطل والشر والفساد كتقليد بعض المسلمين اليوم للكفار في عاداتهم وأخلاقهم ومظاهر حياتهم.

القطان

تفسير : أسبغ: أتم، وسع. السعير: النار المتأججة. يُسْلم وجهه: يفوض أمره ويخلِص. محسن: مطيع لله. العروة الوثقى: اوثق الاسباب وامتنها. والعروة في اللغة مقبض الكوز، والدلو. الوثقى: المتينة الشديدة. بذاتِ الصدور: القلوب وما يهجس فيها. نضطرهم: نُلزمهم. غليظ: شديد ثقيل. ألم تروا ان الله سخرّ لكم جميع ما في السماوات والأرض، ووسّع عليكم نعمه وأتمّها على أحسن ما يكون، ومع ذلك ففي الناس من يجادل في توحيد الله ووجوده بغير علمٍ يستند إليه ولا هدى، ولا كتاب يستأنس به. قراءات: قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر: ولا تصعِّر بتشديد العين. والباقون: ولا تصاعر بألف من: صاعر يصاعر. وقرأ نافع: مثقالُ حبة برفع مثقال. والباقون: بالفتح. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وحفص "نِعَمَه" بالجمع والباقون نعمةً بالافراد. واذا قيل لهؤلاء المجادِلين الجاحدين: اتّبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع، لم يجدوا ردّاً لذلك الا قولهم: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا}. ثم وبّخهم الله على تلك المقالة فقال: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ!}. اما كان لهم عقلٌ يفكرون به ويتدبرون حتى يعلموا الحقَّ من الباطل!! يفضّلون اتّباع الشيطان الذي يقودهم الى النار! ومن أخلصَ لله وهو محسن في جميع ما يقول ويعمل فقد تمسَّكَ من حَبْلِ الله بأوثقِ عراه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} اليه المصير والمرجع. ثم سلّى رسول الله على ما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم فقال: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ومن كفر يا محمد فلا تحزن عليه، إلينا مصيرهم فنخبرهم بما عملوا. إن الله يعلم ما يدور في صدورهم فضلاً عن علمه بظاهرهم. {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} نحنُ نمتّع الكافرين في هذه الدنيا مدةً قصيرة ثم نوردهم جهنم ليذوقوا العذاب الشديد. ومن أعجبِ الأمور أنك ايها الرسول ان سألتَهم من خَلَقَ السماواتِ والأرض - ليقولُنّ خَلَقَها الله، فقل الحمد لله على إلزامهم الحجة، بل اكثرُ المشركين لا يعلمون، وهم في جهلهم يعمهون. {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. لله ما في السماوات والأرض، فلا يصحّ ان يُعبد فيهما غيره، وهو الغني عن الناس المستحق للحمد. {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ.... } يبين الله تعالى ان نِعم الله وهذه المخلوقات لا حصر لها، ولا يعلمها الا خالقها، وان حكم الله وآياته وكلماته لا تنفد ولا تُحصر ولا تعدّ كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [ابراهيم:34]. لو تحولت كل اشجار الأرض اقلاما، وصارت مياه البحار الكثيرة مداداً تُكتب به كلماتُ الله - لَفَنِيت الاقلامُ ونفد المداد قبل ان تنفد كلمات الله. قراءات: قرأ ابو عمرو ويعقوب: والبحرَ يمده بنصب البحر، والباقون: والبحرُ بالرفع. ثم بين ان كل هذه الأمور هينة عليه سهلة لا تكلفه شيئا فقال: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ما خلقكم ايها الناس من العدم، ولا بعثكم من قبوركم، في قدرة الله، الا كخلْق نفس واحدة وبعثها، انه سميع لأقوال عباده بصير بأفعالهم فيجازيهم عليها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ظَاهِرَةً} {يُجَادِلُ} {كِتَابٍ} (20) - أَلَمْ تَرَوْا يَا أَيُّها النَّاسُ أَنّ اللهَ تَعَالى سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ، وَكَوَاكِبَ تَسْتَضِيئُونَ بِهَا لَيلاً ونَهَاراً، وتَهْتَدُونَ بهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحْرِ، ومنْ سَحَابٍ ينزِلُ منهُ المَطََرُ لِتَنبُتَ الأَرْضُ بالخُضْرَةِ وَالثِّمَارِ، وليَشْرَبَ منهُ الإِنسانُ والأَنعَامُ والمَخْلُوقَاتُ، وسَخَّرَ لَكُمْ ما في الأرضِ مِنْ نَباتٍ وحَيوانٍ وجَمَادٍ ومَعَادِنَ، لتَنتَفِعُوا بهِ، وأسْبَغَ عليكُمْ نِعَمَه، مَا ظهرَ مِنها لَكُم عِياناً، وما بَطَن مِنها، مِمّا يستُرُهُ اللهُ عَلى عبدِهِ من سَيِّئِ عَمَلِهِ، ومِمَّا يَسْتَشْعِرُونَهُ في أَنْفُسِهِمْ مِنْ حُسْنِ الإِيمَانِ وَحُسْنِ اليَقينِ. وَمَعَ أَنَّ هذِهِ النِّعَمَ تدُلُّ بوُضُوحٍ عَلى وُجُودِ الخَالِقِ ووحْدَانِيَّتِهِ، فإِنَّ هُناكَ أناساً يُجَادِلُونَ فِي وُجُودِ اللهِ وَوَحدَانِيَّتِهِ (كَالنَّضْرِ بِنْ الحَارِثِ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ..) بِدُونِ عِلْمٍ، وَلاَ مَعْرِفَةٍ فيمَا يَقُولُونَ، وَبِدُونِ أَنْ يَسْتَنِدوا إِلى كِتابٍ مَأثُورٍ، أَوْ حُجَّةٍ صَحِيحةٍ. سَخَّرَ لَكُمْ - لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحِكُمْ. أَسْبَغَ أَتَمَّ وَأَوْسَعَ وَأَكْمَلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التسخير: هو الانقياد للخالق الأعلى بمهمة يؤديها بلا اختيار في التنقُّل منها، كما سخر الله الشمس والقمر .. إلخ، فعلى الرغم من أن كثيراً من الناس منصرفون عن الله وعن منهج الله لم تتأبَّ الشمس في يوم من الأيام أنْ تشرق عليهم، ولا امتنع عنهم الهواء، ولا ضنَّتْ عليهم الأرض بخيراتها ولا السماء بمائها، لماذا؟ لأنها مُسخَّرة لا اختيارَ لها. ولا نفهم من ذلك أن الله سخَّر هذه المخلوقات رغماً عنها، فهذا فهم سطحي لهذه المسألة، حيث يرى البعض أن الإنسان فقط هو الذي خُيِّر، إنما الحقيقة أن الكون كله خُيِّر، وهذا واضح في قول الله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. إذن: فالجميع خُيِّر، خُيِّرت السماوات والأرض والجبال فاختارت أن تكون مُسخَّرة لا إرادةَ لها، وخُيِّر الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً؛ لأن له عقلاً يفكر به ويقارن بين البدائل. ومعنى التسخير أنك لا تستطيع أن تخضع ما ينفعك من الأشياء في الكون بعقلك ولا بإرادتك ولا بالمنهج، والدليل على ذلك أنك إذا صِدْتَ طيراً وحبسته في قفص ومنعته من أنْ يطير في السماء وتريد أن تعرف: أهو مُسخَّر لك أم غير مسخر وحبسه حلال أم حرام؟ فافتح له باب القفص، فإنْ ظلَّ في صحبتك فهو مُسخَّر لك، راضٍ عن بقائه معك باللقمة التي يأكلها أو المكان الذي أعددتَهُ له، وإنْ خرج وترك صحبتك فاعلم أنه غير مُسخَّر لك، ولا يحقُّ لك أن تستأنسه رغماً عنه. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما مَرَّ بغلام صغير يلعب بعصفور أراد أنْ يُعلِّمه درساً وهو ما يزال (عجينة) طيِّعة، فأقنعه أنْ يبيعه العصفور، فلما اشتراه عمر وصار في حوزته أطلقه، فقال الغلام: فو الله ما قَصَرْتُ بعدها حيواناً على الأنس به. وسبق أنْ تكلمنا عن مسألة التسخير، وكيف أن الله سخر الجمل الضخم بحيث يسوقه الصبي الصغير ولم يُسخِّر لك مثلاً البرغوث فلو لم يُذلِّل الله لك هذه المخلوقات ويجعلها في خدمتك ما استطعت أنت تسخيرها بقوتك. وقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} [لقمان: 20] أسبغ: أتمّ وأكمل، ومنها قوله تعالى عن سيدنا داود: {أية : أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ..} تفسير : [سبأ: 11] أي: دروعاً ساترة محكمة تقي لابسها من ضربات السيوف وطعنات الرماح، والدروع تُجعل على الأعضاء الهامة من الجسم كالقلب والرئتين، وقد علَّم الله تعالى داود أن يصنع الدروع على هيئة الضلوع، ليست ملساء، إنما فيها نتوءات تتحطم عليها قوة الضربة، ولا تتزحلق فتصيب مكاناً آخر. ورُوِي أن لقمان رأى داود - عليه السلام - يعجن الحديد بين يديه فتعجب، لكنه لم يبادره بالسؤال عما يرى وأمهله إلى أن انتهى من صنعته للدرع، فأخذه ولبسه وقال: نِعْمَ لَبُوس الحرب أنت، فقال لقمان: الصمت حُكْمٌ وقليل فاعله فظلت حكمة تتردد إلى آخر الزمان. فمعنى أسبغ علينا النعمة: أتمها إتماماً يستوعب كل حركة حياتكم، ويمدكم دائماً بمقوِّمات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء، لا في استبقاء الحياة، ولا في استبقاء النوع؛ لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق. أما إذا رأيتَ قصوراً في ناحية، فالقصور من ناحية الخَلْق في أنهم لم يستنبطوا من معطيات الكون، أو استنبطوا خيرات الكون، لكن بخلوا بها وضنُّوا على غيرهم، وهذه هي آفة العالم في العصر الحديث، حيث تجد قوماً قعدوا وتكاسلوا عن البحث وعن الاستنباط، وآخرين جدُّوا، لكنهم بخلوا بثمرات جدهم، وربما فاضتْ عندهم الخيرات حتى ألقَوْها في البحر، وأتلفوها في الوقت الذي يموت فيه آخرون جوعاً وفقراً. إذن: فآفة العالم ليس في أنه لا يجد، إنما في أنه لا يحسن استغلال ما يجد من خيرات، ومن مُقوِّمات لله تعالى في كونه. فقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} [لقمان: 20] هذه حقيقة لا ينكرها أحد، فهل تنكرون أنه خلقكم، وخلق لكم من أنفسكم أزواجاً منها تتناسلون؟ هل تنكرون أنه خلق السماوات بما فيها من الكواكب والمجرَّات، وخلق الليل فيه منامكم، والنهار وفيه سعيكم على معايشكم؟ ثم في أنفسكم وما خلقه فيكم من الحواس الظاهرة وغير الظاهرة، وجعل لكل منها مجالاً ومهمة تؤديها دون أنْ تشعر أنت بما أودعه الله في جسمك من الآيات والمعجزات، وكل يوم يطلع علينا العلم بجديد من نِعَم الله علينا في أنفسنا وفي الكون من حولنا. فمعنى {ظَاهِرَةً ..} [لقمان: 20] أي: التي ظهرتْ لنا: {وَبَاطِنَةً ..} [لقمان: 20] لم نصل إليها بعد، ومن نِعَم الله علينا ما ندركه، ومنها ما لا ندركه. تأمل في نفسك مثلاً الكليتين وكيف تعمل بداخلك وتصفي الدم من البولينا، فتنقيه وأنت لا تشعر بها، وأول ما فكر العلماء في عمل بديل لها حال فشلها صمموا جهازاً يملأ حجرة كبيرة، كانت نصف هذا المسجد من المعدات لتعمل عمل الكليتين، ثم تبين لهم أن الكُلْية عبارة عن مليون خلية لا يعمل منها إلا مائة بالتناوب. وقالوا: إن الفشل الكُلَوي عبارة عن عدم تنبه المائة خلية المناط بها العمل في الوقت المناسب يعني المائة الأولى أدَّتْ مهمتها وتوقفت دون أنْ تتنبه المائة الأخرى، ومن هندسة الجسم البشري أن خلق الله للإنسان كليتين، حتى إذا تعطلت إحداهما قامت الأخرى بدورها. أما النعم الباطنة فمنه ما يُكتشف في مستقبل الأيام من آيات ونِعَم، فمنذ عدة سنوات أو عدة قرون لم نكُنْ نعرف شيئاً عن الكهرباء مثلاً، ولا عن السيارات وآلات النقل وعصر العجلة والبخار .. إلخ. كلها نِعَم ظاهرة لنا الآن، وكانت مستورة قبل ذلك أظهرها النشاط العلمي والبحث والاستنباط من معطيات الكون، وحين تحسب ما أظهره العلم من نِعَم الله تجده حوالي 3% ونسبة 97% عرفها الإنسان بالصدفة. وقلنا: إن أسرار الله ونعمه في كونه لا تتناهى، وليس لأحد أن يقول: إن ما وضعه الله في الأرض من آيات وأسرار أدى مهمته؛ لأنه باقٍ ببقاء الحياة الدنيا، ولا يتوقف إلا إذا تحقَّق قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ..} تفسير : [يونس: 24]. وفي الآخرة سنرى من آيات الله ومن عجائب مخلوقاته شيئاً آخر، وكأن الحق تعالى يقول لنا: لقد رأيتُم آياتي في الدنيا واستوعبتموها، فتعالوا لأُريكم الآيات الكبرى التي أعددتها لكم في الآخرة. ففي الآخرة سأنشئكم نشأة أخرى، بحيث تأكلون ولا تتغوَّطون ولا تتألمون، وتمر عليكم الأعوام ولا تشيبون، ولا تمرضون، ولا تموتون، لقد كنتم في الدنيا تعيشون بأسبابي، أما في الآخرة فأنتم معي مع المسبِّب سبحانه، فلا حاجة لكم للأسباب، لا لشمس ولا لقمر ولا .. إلخ. لذلك نقول: من أدب العلماء أنْ يقولوا اكتشفنا لا اخترعنا؛ لأن آيات الله ونِعَمه مطمورة في كونه تحتاج لمن يُنقِّب عنها ويستنتجها مما جعله الله في كونه من معطيات ومقدمات. وسبق أنْ قلنا: إن كل سرٍّ من أسرار الله في كونه له ميلاد كميلاد الإنسان، فإذا حان وقته أظهره الله، إما ببحث العلماء وإلا جاء مصادفة تكرُّماً من الله تعالى على خَلْقه الذين قَصُرَت جهودهم عن الوصول إلى أسراره تعالى في كونه. وفي هذا إشارة مقدمة لنْ نؤمن بالغيب الذي أخبرنا الله به، فما دُمْنا قد رأينا نِعَمه التي كانت مطمورة في كونه فينبغي علينا أنْ نؤمنَ بما يخبرنا به من الغيب، وأنْ نأخذَ من المُشاهَد دليلاً على ما غاب. واقرأ في هذه المسألة قول الله تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} تفسير : [البقرة: 255] أي: شاء سبحانه أنْ يوجد هذا الغيب، وأن يظهر للناس بعد أنْ كان مطموراً، فإنْ صادف بحثاً جاء مع البحث، وإنْ لم يصادف جاء مصادفة وبلا أسباب، بدليل أنه نسب إحاطة العلم لهم. أما الغيب الذي ليس له مُقدِّمات توصل إليه، ولا يطلع عليه إلا الله فهو المعنيّ بقوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..} تفسير : [الجن: 26-27]. وقال سبحانه: {ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} [لقمان: 20] لأن الظاهرة تلفتنا إلى الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، والباطنة يدخرها الله لمن يأتي بعد، ثم يدخر ادخاراً آخر، بحيث لا يظهر إلا حين نكون مع الله في جنة الله. وقد حاول العلماء أن يُعدِّدوا النعم والآيات الظاهرة والباطنة، فالظاهرة ما يعطيه لنا في الدنيا ظاهراً، والباطنة ما أخبرنا الله بها، فمثلاً حين تريد الجهاد في سبيل الله تُعِدُّ لذلك عُدَّته من سلاح وجنود .. الخ وتأخذ بالأسباب، فيؤيدك الله بجنود من عنده لم ترَوْها، كما قال سبحانه: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 12]. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا ببعض هذه النعم الباطنة، فيقول: "حديث : للمؤمن ثلاثة هي له وليست له - يعني ليست من عمله - أما الأولى: أن المؤمنين يصلون عليه، وأما الثانية فجعل الله له ثلث ماله يوصي به - يعني: لا يتركه للورثة إنما يتصرف هو فيه، وكان المنطق أن تستفيد بما لك وأنت حيٌّ، فإذا ما انتهيت فليس لك منه شيء وينتقل إلى الورثة يوزعه الله تعالى بينهم بالميراث الذي شرعه، فمن النعم أن يباح لك التصرف في ثلث ما لك توصي به لتُكفّر به عن سيئاتك وتُطَهر به ذنوبك - أما الثالثة: أن الله تعالى ستر مساويك عن خَلْقه، ولو فضحك بها لنبذك أهلك وأحبابك وأقرباؤك ". تفسير : إن من أعظم النعم علينا أن يحجب الله الغيب عن خَلْق الله، ولو خيَّرتَ أيَّ إنسان: أتحب أن تعرف غَيْب الناس ويعرفوا غيبك؟ فلا شكَّ في أنه لن يرضى بذلك أبداً. والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح هذه المسألة في قوله: "حديث : لو تكاشفتم ما تدافنتم" تفسير : يعني: لو ظهر المستور من غيب الإنسان، واطلع الناس على ما في قلبه لتركوه إنْ مات لا يدفنونه، ولقالوا دَعُوه للكلاب تأكله، جزاءً له على ما فعل. لكن لما ستر الله غيوب الناس وجدنا حتى عدو الإنسان يُسرع بحمله ودفنه، كما قال القائل: محا الموت أسباب العداوة بيننا. لكن من غباء الإنسان أن ينبشَ عن عيوب الآخرين، وأنْ يتتبعَ عوراتهم، فهل ترضى أنْ يعاملك الناس بالمثل، فيتتبعون عوراتك، ويبحثون عن عيوبك؟ ثم إن سيئة واحدة يعرفها الناس عنك كفيلة بأن تُزهِّدهم في كل حسناتك، والله تعالى يريد أنْ ينتفع الناس بعضهم ببعض ليثرى حركة الحياة. ثم يقول تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20]. المجادلة: الحوار في أمر، لكل طرف فيه جنود، وكل منهم لا يؤمن برأي الآخر، والجدل لا يكون إلا في سبيل الوصول إلى الحقيقة، ويسمونه الجدل الحتمي، وهذا يكون موضوعياً لا لَددَ فيه، ويعتمد على العلم والهدى والكتاب المنير، وفيه نقابل الرأي بالرأي ليثمر الجدال. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [العنكبوت: 46] أما الجدل الذي يريد فيه كل طرف أنْ يُعلي رأيه ولو بالباطل فهو مماراة وسفسطة لا توصل إلى شيء. والجدل مأخوذ من الجَدْل أي الفَتْل، والشيء حين يُفتل على مثله يقويه، كذلك الرأي في الجدل يُقوِّي الرأي الآخر، فإذا ما انتهيا إلى الصواب تكاتفا على إظهاره وتقويته، فالجدل المراد به تقوية الحق وإظهاره. فإنْ كان الجدل غير ذلك فهو مماراة يحرص فيها كل طرف على أن يعلي رأيه ولو بالباطل. والحق سبحانه يبين لنا أن من الناس من أَلِفَ الجدل في الله على غير علم ولا هُدىً ولا كتاب منير، فيقولون مثلاً في جدالهم: أللكون إله موجود؟ وإنْ كان موجوداً، أهو واحد أم متعدد؟ وإنْ كان موجوداً أيعلم الجزئيات أم الكليات؟ أيزاول مُلْكه كل وقت؟ أم أنه خلق القوانين، ثم تركها تعمل في الكون وتُسيِّره؟ كأن الله تعالى زاول سلطانه في الملْك مرة واحدة. ومعلوم أن الله تعالى قيُّوم أي: قائم على أمر الخَلْق كله في كل وقت، والدليل على ذلك هذه المعجزات التي خرقتْ النواميس لتدلّ على صِدْق الرسل في البلاغ عن الله، كما عرفنا في قصة إحراق إبراهيم - عليه السلام - فلو أن المسألة إنجاء إبراهيم من النار لما مكّنهم الله منه، أو مكَنهم منه ومن إلقائه في النار، ثم أرسل على النار سحابة تُطفِئها. لكن أراد سبحانه أن يشعلوا النار، وأنْ يُلقوا بإبراهيم فيها، ومع ذلك يخرج منها سالماً ليروْا بأعينهم هذه المعجزة الخارقة لقانون النار ليكبتهم الله، ولا يعطيهم الفرصة ليخدعوا الناس، ولو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم لوجدوا هذه الفرصة ولقالوا: لو أمسكنا به لفعلنا به كذا وكذا. ومعنى {بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [لقمان: 20] العلم أن تعرف قضية وتجزم بها، وهي واقعة وتستطيع أنْ تُدلِّل عليها، فإنْ كانت القضية التي تؤمن بها غير واقعة، فهذا هو الجهل، فالجاهل لا يوضع في مقابل العالم؛ لأن الجاهل لديه علم بقضية لكنها باطلة، وهذا يتعبك في الإقناع؛ لأنه ليس خالي الذهن، فيحتاج أولاً لأنْ تُخرج من ذِهنْه القضية الباطلة وتُحلِ محلها القضية الصحيحة، أما الأُميّ فهو خالي الذِّهن من أي قضيةَ. فإنْ كانت القضية التي تجزم بها واقعة لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها، كالولد الصغير الذي علمناه أن (الله أحد) واستقرتْ في ذهنه هذه المسألة؛ لأن أباه أو معلمه لقَّنه هذه القضية حتى أصبحتْ عقيدة عنده، فالذي يُدلِّل عليها مَنْ لقنّها له إلى أنْ يكبر، ويستطيع هو أن يُدلِّل عليها. والعلم أنواع، منها وأولها: العلم البدهي الذي نصل إليه بالبديهة دون بحث، فمثلاً حين نرى الإنسان يتنفس نعلم أنه حيٌّ بالبديهة، ونعلم أن الواحد نصف الاثنين، وأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا .. الخ. وإذا نظرتَ إلى معلومات الأرض كلها تجد أن أم هذه المعلومات البديهة. فعلم الهندسة مثلاً يقوم على نظريات تستخدم الأولى منها مقدمة لإثبات الثانية، والثانية مقدمة لإثبات الثالثة وهكذا. فحين تعيد تسلسل النظريات الهندسية فإنك لا بُدَّ عائد إلى النظرية الأولى وهي بديهة تقول: إذا التقى مستقيم بآخر نتج عن هذا الالتقاء زاويتان قائمتان. إذن: فأعقد النظريات لا بُدَّ أن تعود إلى أمر بدهي منثور في كون الله، المهم مَنْ يلتفت إليه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. فقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ..} [لقمان: 20] أي: وجوداً وصفاتاً {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20] يعني: أن الجدل يصحّ إنْ كان بعلم وهدى وكتاب منير، فإنْ كان بغير ذلك فلا يُعَدُّ جدلاً إنما مراء لا طائلَ من ورائه. ومعنى الهدى: أي الاستدلال بشيء على آخر، كالعربي الذي ضَلَّ في الصحراء، فلما رأى على الرمال بَعْراً وأثراً لأقدام استأنس بها، وعلم أنه على طريق مطروق ولا بُدَّ أن يمرَّ به أحد، فلما عرضتْ له قضية الإيمان استدل عليها بما رأى فقال: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، نجوم تزهر، وبحار تزخر .. أَلاَ يدل ذلك على اللطيف الخبير. فالإنسان حين ينظر في الكون وفي آياته لا بُدَّ أنْ يصل من خلالها إلى الخالق عز وجل، فما كان لها أنْ تتأتى وحدها، ثم إنه لم يدَّعِها أحدٌ لنفسه ممَّنْ ينكرون وجود الله، وقلنا: إن أتفه الأشياء التي نراها لا يمكن ان توجد هكذا بدون صانع، فمثلاً الكوب الذي نشرب فيه، هل رأينا مثلاً شجرة تطرح لنا أكواباً؟ إذن: لا بُدَّ أن لها صانعاً فكر في الحاجة إليها، فصنعها بعد أنْ كان الإنسان يشرب الماء عباً، أو نزحاً بالكف، وما توصلنا إلى هذا الكوب الرقيق النظيف إلا بعد بحث العلماء في عناصر الوجود، أيها يمكن أنْ يعطيني هذه الزجاجة الشفافة، فوجدوا أنها تُصنَع من الرمل بعد صَهْره تحت درجة حرارة عالية، فهذا الكوب الذي يمكن أنْ نستغني عنه أخذ منا خبرة وقدرة وعلماً .. إلخ. فما بالك بالشمس التي تنير الكون كله منذ خلق الله هذا الكون دون أنْ تكلّ أو تملَّ أو تتخلف يوماً واحداً، وهي لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار، أليست جديرة بأن نسأل عمَّنْ خلقها وأبدعها على هذه الصورة، خاصة وأنها فوق قدرتنا ولا تنالها إمكاناتنا. هذه هي الآيات التي نأخذها بالأدلة، لكن هذه الأدلة لا تُوصِّلنا إلا إلى أن لهذا الكون بآياته العجيبة خالقاً مبدعاً، لكن العقل لا يصل بي إلى هذا الخالق: مَنْ هو، وما اسمه، إذن: لا بُدَّ من بلاغ عن الله على يد رسول يبلغنا مَنْ هذا الخالق وما اسمه وما مطلوباته، وماذا أعدّ لمن أطاعه، وماذا أعدَّ لمن عصاه. وفَرْق بين التعقُّل والتصوُّر، والذي أتعب الفلاسفة أنهم خلطوا بينهما، فالتعقل أن أنظر في آيات الكون، وأرى أن لها موجداً، أمّا التصور فبأنْ أتصور هذا الموجِد: شكله، اسمه، صفاته .. إلخ وهذه لا تتأتى بالعقل، إنما بالرسول الذي يأتي من قِبَل الإله الموجد. وسبق أن ضربنا مثلاً - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: لو أننا نجلس في مكان مغلق، وطرق الباب طارق، فكلنا يتفق على أن طارقاً بالباب لا خلاف في هذه، لكن نختلف في تصوُّره، فواحد يتصور انه رجل، وآخر يقول: طفل، وآخر يتصوَّره امرأة، وواحد يتصوره بشيراً، وآخر يتصوره نذيراً .. إلخ. إذن: اتفقنا في التعقُّل، واختلفنا في التصور، ولكي نعرف مَن الطارق فعلينا أن نقول: من الطارق؟ ليعلن هو عن نفسه ويخبرنا مَنْ هو؟ ولماذا جاء؟ ويُنهي لنا هذا الخلاف. كذلك الحق - تبارك وتعالى - هو الذي يخبرنا عن نفسه، لكن كيف يتم ذلك؟ من خلال رسول من البشر يستطيع أنْ يتجلى الله عليه بالخطاب، بأن يكون مُعدّاً لتلقِّي هذا الخطاب، لا أنْ يخاطب كل الناس. وقد مثَّلْنا لذلك أيضاً (بلمبة) الكهرباء الصغيرة أو (الراديو) الذي لا يتحمل التيار المباشر، يل يحتاج إلى (ترانس) أو منظم يعطيه الكهرباء على قَدْره وإلا حُرق، فحتى في الماديات لا بد من قوي يستقبل ليعطي الضعيف. والحق سبحانه يُعد من خَلْقه مَنْ يتلقى عنه، ويُبلِّغ الناس، فيكلم الله الملائكة، والملائكة تكلم الرسل من البشر؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً ..} تفسير : [الشورى: 51]. وإلا لو كلَّم الله جميع البشر، فما الحاجة للرسل؟ لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفتَ ربك بمحمد، أم عرفتَ محمداً بربك؟ فقال: لو عرفتُ ربي بمحمد لكان محمد أوثقَ عندي من ربي، ولو عرفتُ محمداً بربي، فما الحاجة إذن للرسل، لكن عرفتُ ربي بربي، وجاء محمد، فبلَّغني مراد ربي منى. إذن: لا بُدَّ من هذه الواسطة. والحق سبحانه يعطينا في القرآن مثالاً يوضح هذه المسألة في قوله تعالى عن سيدنا موسى: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..} تفسير : [الأعراف: 143] فبماذا أجابه ربه؟ {أية : قَالَ لَن تَرَانِي ..} تفسير : [الأعراف: 143] ولم يقل سبحانه: أنا لا أُرىَ، والمعنى: لو أعددتُكَ الإعدادَ المناسب لهذه الرؤية لرأيتَ بدليل أننا سنُعَدُّ في الآخرة على هيئة نرى فيها الله عز وجل: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. وفي المقابل يقول عن الكفار الذين سيُحرمون هذه الرؤية {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15]. ثم لما تجلى الحق سبحانه للجبل، وهو الجنس الأقوى من موسى مادةً وصلابة أندكَّ الجبل، ونظر موسى إلى الجبل المتجلَّي عليه فخرَّ صَعقاً، فما بالك لو نظر إلى المتجلِّي سبحانه؟ إذن: الحق سبحانه حينما يريد أنْ يخاطب أحداً من خَلْقه، أو يتجلى عليه يُعِدُّه لذلك، ويُربِّيه على عينه، كما قال عن موسى {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39] وقال في موضع آخر: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] ثم يقوم هذا المربي الذي رباه الله بتربية الخَلْق. وقد ربى محمد صلى الله عليه وسلم أمته في ثلاث وعشرين سنة، ولو أن الله تعالى خاطب كل إنسان بالمنهج لاستغرقتْ تربية الناس وقتاً طويلاً؛ لذلك يصطفي الله الرسل، ويعطيهم من الخصائص ما يُمكِّنهم من تربية الأمم بعد أنْ ربَّاهم الله، واصطنعهم على عينه. إذن: كان ولا بُدَّ من إرسال الرسل للبلاغ عن الله: مَنْ هو، ما اسمه، ما صفاته؟ ما مطلوباته؟ ماذا أعدَّ لمن اطاعه؟ وماذا أعد لمن عصاه .. إلخ. لذلك فأول دليل على بطلان الشرك أنْ تقول للذي يشرك الشمس أو القمر أو الأصنام مع الله في العبادة: وماذا قالت لك هذه الأشياء؟ ما مطلوباتها؟ ما مرادها منك؟ وإلا، فلماذا تعبدها والعبادة في أوضح معانيها: طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه؟ فإنْ قُلْتَ: إذن لماذا قَبِلَتْ عقول هؤلاء القوم أنْ يعبدوا هذه الأشياء؟ نقول: لأن التديُّنَ طبيعة في النفس البشرية ومركوز في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وسبق أنْ أوضحنا أن كلاً منا فيه ذرة حية من أبيه - عليه السلام - لم يطرأ عليها الفناء، وإلا لما وُجِد الإنسان، وهذه الذرة في كل منا هي التي شهدتْ الفطرة، وشهدتْ الخلقَ، وشهدتْ العهد الذي أخذه الله علينا جميعاً {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. فإنْ حافظتَ على إشراقية هذه الذرة فيك، ولم تُعرِّضها لما يطمس نورها - ولا يكون ذلك إلا بالسير على منهج خالقك وبناء لبنات جسمه مما أحل الله - إنْ فعلتَ ذلك أنار الله وجهك وبصيرتك. لذلك جاء في الحديث أن العبد يشكو: يقول "حديث : دعوتُ فلم يُستجب لي، لكن أنَّى يستجاب له، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه من حرام؟" تفسير : كيف وقد طمس الذرة النورانية فيه، وغفل عن قانون صيانتها؟ واقرأ قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 123-124]. فالمعيشة الضنك والعياذ بالله تأتي حين تنطمس النورانية الإيمانية، وحين لا تحافظ على إشراقية هذه الذرة التي شهدتْ خَلْق الله، وشهدتْ له بالربوبية، ولو حافظت عليها لظلّتْ كل التعاليم واضحة أمامك، وما غفلت عن منهج ربك هذه الغفلة التي جرَّتْ عليك المعيشة الضنك، واقرأ قول الله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..} تفسير : [الأنفال: 29] أي: نوراً يهديكم وتُفرِّقون به بين الحق والباطل. والحق سبحانه يوضح لنا ما يطمس الفطرة الإيمانية، وهما أمران: الغفلة والتي قال الله عنها: {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172] والقدوة التي قال الله عنها: {أية : إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 173]. فالذي يطمس الفطرة الإيمانية الغفلة عن المنهج، هذه الغفلة تُوجِد جيلاً لا يتمسك بمنهج الحق، وبذلك تكون العقبة في الجيل الأول الغفلة، لكن في الأجيال اللاحقة الغفلة والقدوة السيئة، وهكذا كلما تنقضي الأجيال تزداد الغفلة، وتزداد القدوة السيئة؛ لذلك يوالي الحق سبحانه إرسال الرسل ليزيح عن الخَلْق هذه الغفلة، وليوجد لهم من جديد قدوةً حسنة، ليقارنوا بين منهج الحق ومنهج الخَلْق. فمَنْ أراد أنْ يجادل في الله فليجادل بعلم وبهدى وبكتاب منير مُنزَّلٍ من عند الله، ووَصْف الكتاب بأنه منير يدلُّنا على أن الكتاب المنسوب إلى الله تعالى لا بُدَّ أن يكون منيراً؛ لكنه قد يفقد هذا النور بما يطرأ عليه من تحريف وتبديل ونسيان وكتمان .. إلخ. وقد أوضح الله تعالى هذه المراحل في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 44]. ثم: {أية : يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 159]. وإن كان الإنسان يُعذَر في النسيان، فلا يُعذَر في الكتمان، ثم الذي نجا من النسيان ومن الكتمان وقع في التحريف {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ..} تفسير : [المائدة: 13] ولَيْتهم اقتصروا على ذلك، إنما اختلفوا من عند أنفسهم كلاماً، ثم نسبوه إلى الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 79] فأنواع الطمس هذه أربعة ظهرت كلها في اليهود. إذن: فالكتب التي بأيديهم لا تصلح للجدل في الله؛ لأنها تفقد العلم والحجة والهدى، ولا تُعَدُّ من الكتاب المنير المشرق الذي يخلو من التضبيبات والفجوات، فجوات النسيان والكتمان، والتحريف والاختلاق. فمَنْ يريد أنْ يجادل في الله فليجادل بناء على علم بدهىٍّ أو هدى استدلالي، أو كتاب منير. والكتب المنزلَّة كثيرة، منها صحف إبراهيم وموسى، ومنها زُبُر الأولين، والزبور نزل على سيدنا داود، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى - عليهم جميعاً السلام - وهذه كلها كتب من عند الله، لكن هل طرأ عليها حالة عدم الإنارة؟ نقول: نعم، لأنها انطمست بشهوات البشر فيها وبأهوائهم التي شوَّهتها وأخرجتها عن الإشراقية والنورانية التي كانت لها، وهذا نتيجة السلطة الزمنية وهي أقسى شيء في تغيير المناهج. هذه السلطة الزمنية هي التي منعتْ اليهود أن يؤمنوا برسول الله، وهم يعلمون بعثته في بلاد العرب، ويعلمون موعده وأوصافه، وأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل؛ لذلك يقول القرآن عنهم: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ..} تفسير : [الأنعام: 20]. ويقول عنهم: {أية : وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 146] لذلك، سيدنا عبد الله بن سلام يقول عن سيدنا رسول الله: والله لقد عرفتُه حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد. ويحكي القرآن عن أهل الكتاب أنهم كانوا يستفتحون برسول الله على الكفار فيقولون لهم: لقد أظل زمان نبي جديد نسبقكم إليه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. لماذا؟ لأنهم يعلمون أنه سيسلبهم المكانة التي كانت لهم، والريادة التي أخذوها في العلم والاقتصاد والحرب .. إلخ، لقد كانوا يُعِدُّون واحداً منهم ليُنصِّبوه ملِكاً عليهم في المدينة ليلة هاجر إليها رسول الله، فلما دخلها رسول الله لم تَعُد لأحد مكانة الريادة بعد رسول الله، فرفض هذا الملك الجديد. إذن: فكل الكتب السماوية لحقها التحريف والتغيير، فلم يضمن لها الحق سبحانه الصيانات التي تحميها كما حمى القرآن، وما ذاك إلا ليظهر شرف النبي الخاتم، فالكتب السابقة للقرآن جاءت كتبَ أحكام، ولم تكن معجزة في ذاتها، فالرسل السابقون كانت لهم معجزات منفصلة عن الكتب وعن المنهج، فموسى عليه السلام معجزته: العصا واليد .. إلخ وكتابه ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام معجزته أنْ يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله وكتابه ومنهجه الإنجيل. أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته وكتابه ومنهجه هو القرآن، فهو منهج ومعجزة ستصاحب الزمان إلى أنْ تقوم الساعة؛ لأن رسالته هي الرسالة الخاتمة، فلا بُدَّ أن يكون كتابه ومعجزته كذلك فنقول: هذا محمد وهذه معجزته. أما الرسالات السابقة فكانت المعجزة وقتية لمن رآها وعاصرها، ولولا أن الله أخبرنا بها ما عرفنا عنها شيئاً، وما صدَّقنا بها، وسبق أنْ شبَّهناها بعود الكبريت الذي يشعل مرة واحدة رآه مَنْ رآه، ثم يصبح خبراً؛ لذلك لا نستطيع أن نقول مثلاً: هذا موسى عليه السلام وهذه معجزته؛ لأننا لم نَرَ هذه المعجزة. ولما كانت الكتب السابقة كتباً تحمل المنهج، وليست معجزة في ذاتها ترك الله تعالى حفظها لأهلها الذين آمنوا بها، وهذا أمر تكليفي عُرْضة لأنْ يُطاع، ولأنْ يُعصَى، فكان منهم أنْ عصوا هذا الأمر فحدث تضبيب في هذه الكتب. يقول تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المائدة: 44]. وساعة تسمع الهمزة والسين والتاء، فاعلم أنها للطلب: استحفظتُك كذا يعني: طلبتُ منك حِفْظه، مثل: استفهمتُ يعني طلبت الفهم، واستخرجت، واستوضحت .. إلخ. فلما جُرِّب الخَلْق في حفظ كلام الخالق فلم يؤدوا، ولم يحفظوا، تكفَّل الله سبحانه بذاته بحفظ القرآن، وقال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. لذلك ظلَّ القرآن كما نزل لم تَنَلْه يد التحريف أو الزيادة أو النقصان، وصدق الله تعالى حين قال في أول سوره {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} تفسير : [البقرة: 2] لا الآن، ولا بعد، ولا إلى قيام الساعة، حتى أن أعداء القرآن أنفسهم قالوا: لا يوجد كتاب مُوثَّق في التاريخ إلا القرآن. والعجيب في مسألة حِفْظ القرآن أن الذي يحفظ شيئاً يحفظه ليكون حجة له، لا حجة عليه، كما تحفظ أنت الكمبيالة التي لك على خصمك، أما الحق - سبحانه وتعالى - فقد ضمن حِفْظ القرآن، والقرآن ينبئ بأشياء ستوجد فيما بعد، والحق سبحانه لا يحفظ هذا ويُسجِّله على نفسه، إلا إذا ضمن صِدْق وتحقُّق ما أخبر به وإلا لما حفظه، إذن: فحِفْظ الحق سبحانه للقرآن دليل على أنه لا يطرأ شيء في الكون أبداً يناقض كلام الله في القرآن: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]. وسبق أنْ قُلنا: إن القرآن حكم في أشياء مستقبلية للخلق فيها اختيار، فيأتي اختيار الخَلْق وفق ما حكم، مع أنهم كافرون بالقرآن، مكذبون له، ومع ذلك لم يحدث منهم إلا ما أخبر الله به، وكان بإمكانهم أنْ يمتنعوا، لكن هيهات فلا يتم في كون الله إلا ما أراد. لكن، ماذا نفعل فيمَنْ يجادل في الله بغير علم ولا هُدىً ولا كتاب منير؟ نلفته إلى العلم، وإلى الهدى، وإلى الكتاب المنير. ندعوهم إلى النظر في الآيات الكونية، وفي البدهيات التي تثبت وجود الخالق عز وجل، ندعوهم إلى الهدى، والاستدلال وإلى النظر في المعجزة التي جاء بها رسول الله، ألم يخبر وهو في شدة الحصار الذي ضربه عليه وعلى آله كفار مكة حتى اضطروهم إلى أكل الميتة وأوراق الشجر .. إلخ. ألم يُخبر القرآن في هذه الأثناء بقوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] حتى أن سيدنا عمر ليتعجب: أيُّ جمع هذا؟ ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما جاء يوم بدر ورأى بعينه ما حاق بالكفار قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. ألم يقل القرآن عن الوليد بن المغيرة {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16] وفعلاً، لم يعرفوا الوليد يوم بدر بين القتلى إلا بضربة على خرطومه. ألم يُشِرْ رسول الله قبل المعركة إلى مصارع القوم، فيقول وهو يشير إلى مكان بعينه: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، ثم تأتي المعركة ويُقتل هؤلاء في نفس الأماكن التي أشار إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه أعطانا في القرآن أشياء تدل على أنه كتاب يُنوِّر لنا الماضي، ويُنوِّر لنا الحاضر والمستقبل. وسبق أنْ قُلْنا: إن الغيب دونه حجب الزمان، أو حجب المكان، فما سبقك من أحداث يحجبها عنك حجاب الزمان الماضي، وما سيحدث في المستقبل يحجبه عنك حجاب الزمان المستقبل، أما الحاضر الذي تعيشه فيحجبه عنك المكان، بل وقد تكون في نفس المكان وتجلس معي، لكنك لا تعرف ما في صدري مثلاً. وكل هذه الحجب خرقها الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً في غزوة مؤتة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إليها، وبقي هو في المدينة قال: حين وزَّع القيادة: يحمل الراية فلان، فإذا قُتِل يحملها فلان، فإذا قُتِل يحملها فلان وسمَّى هؤلاء الثلاثة، ثم قال: فإذا قُتِل الثالث فاختاروا من بينكم مَنْ يحملها. وجلس النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في المدينة، وأخذ يصف لهم المعركة وصفاً تفصيلياً، فلما عاد الجيش من مؤتة وجدوا واقع المعركة وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة. وقد نبهتنا هذه المسألة إلى السر في تسمية مؤتة (غزوة) وكانوا لا يقولون غزوة إلا للتي شهدها رسول الله بنفسه، أما التي لا يخرج فيها فتسمّى (سرية) فلما أخبر صلى الله عليه وسلم بما يدور في المعركة مع بُعد المسافات اعتبرها المسلمون غزوة. بل وأبلغ من ذلك، فالحق سبحانه كسف لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يدور في نفوس قومه: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. هذه كلها من آيات الإنارة في القرآن التي استوعبتْ الماضي والحاضر والمستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حذَّر تعالى من الشرك، وأكده بوصايا لقمان الحكيم في الإِيمان ومكارم الأخلاق، ذكر هنا الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانيته تعالى، ونبّه بالصنعة على الصانع، وما له من نعمٍ لا تُحصى من تسخير السماوات بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، وتسخير الأرض وما فيها من الحيوان، والنبات، والمعادن، والبحار، وغير ذلك من الأدلة الشاهدة بوحدانيته، وختم السورة الكريمة ببيان "المغيبات الخمس". اللغَة: {أَسْبَغَ} أتم وأكمل يقال: سبغت النعمة سبوغاً إِذا تمت {ٱسْتَمْسَكَ} تمسك وتعلق واعتصم {نَفِدَتْ} فنيت وفرغت {يُولِجُ} يدخل والإِيلاج: الإِدخال ومنه {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40] {ٱلْفُلْكَ} السفن {كَٱلظُّلَلِ} الظلل: جمع ظلَّة وهي كل ما أظلَّك من جبل أو سحاب {خَتَّارٍ} الختَّار: الغدار، والختر: أسوء الغدر قال الشاعر: شعر : فإِنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر تفسير : {ٱلْغَرُورُ} ما يغرُّ ويخدع من شيطان وغيره، وغرَّه الأمل: خدعه. التفسِير: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ألم تعلموا أيها الناس أن الله العظيم الجليل سخر لكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم لتنتفعوا بها، وسخَّر لكم ما في الأرض من جبالٍ وأشجار وثمارٍ وأنهار وغير ذلك مما لا تُحصى {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} أي وأتمَّ عليكم أيها الناس نعمه العديدة، الظاهرة المرئية كنعمة السمع والبصر والصحة والإِسلام، والباطنة الخفية كالقلب والعقل والفهم والمعرفة وما أشبه ذلك قال البيضاوي: أي أسبغ عليكم نعمه المحسوسة والمعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي ومن الناس فريق جاحدون يخاصمون ويجادلون في توحيد الله وصفاته بغير علم ولا فهم، ولا حجة ولا برهان، ولا كتاب منزل من عند الله قال القرطبي: نزلت في يهودي جاء إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: أخبرني عن ربك من أيّ شيء هو؟ فجاءت صاعقةٌ فأخذته، والمنيرُ: الواضح البيّن المنقذ من ظلمة الجهل والضلال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي وإِذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، وصدّقوا به فإِنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} أي قالوا نسير على طريقة آبائنا ونقتدي بهم في عبادة الأوثان والأصنام {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أيتبعونهم ولو كانوا ضالين، حتى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار المستعرة ذات العذاب الشديد؟ {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي ومن يقبل على طاعة الله وينقاد لأوامره، ويخلص قصده وعبادته لله {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي وهو مؤمن موحد قال القرطبي: لأن العبادة من غير احسانٍ ولا معرفة القلب لا تنفع، ونظير الآية {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [طه: 112] فلا بدَّ من الإِيمان والإِحسان {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي تمسك بحبلٍ لا انقطاع له، وتعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب قال صاحب الكشاف: هاذ من باب التمثيل، مثلت حال المتوكل بحال من تدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة، من حبلٍ متين مأمونٍ انقطاعه وقال الرازي: أوثق العرى جانب الله، لأن كل ما عداه هالك منقطع، وهو باقٍ لا انقطاع له {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي إِلى الله وحده - لا إِلى أحدٍ سواه - مرجع ومصير الأمور كلها فيجازي العامل عليها أحسن الجزاء {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أي لا يهمنك يا محمد كفر من كفر، ولا ضلال من ضلَّ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإِنا سننتقم منهم إِن عاجلاً أو آجلاً {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي إِلينا رجوعهم، فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عليم بما في قلوبهم من المكر والكفر والتكذيب فيجازيهم عليها {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي ثم نلجئهم في الآخرة إِلى عذاب شديد هو عذاب النار، الفظيع الشاق على النفس، ثم لما بيَّن تعالى استحقاقهم للعذاب، بيَّن تناقضهم في الدنيا وهو اعترافهم بأن الله خالق السماوات والأرض، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها ملك له وأنها مخلوقاته فقال {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من كفار مكة من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن - لغاية وضوح الأمر - الله خلقهن فقد اضطروا إِلى الاعتراف به {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي قل لهم: الحمد لله على ظهور الحجة عليكم، وعلى أن دلائل الإِيمان ظاهرة للعيان {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي بل أكثر هؤلاء المشركين لا يفكّرون ولا يتدبرون فلذلك لا يعلمون، ثم قال تعالى {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له جلَّ وعلا ما في الكائنات ملكاً وخلقاً وتدبيراً {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي المستغني عن خلقه وعن عبادتهم، المحمود في صنعه وآلائه {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} أي ولو أنَّ جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} أي وجعل البحر بسعته حبراً ومداداً وأمده سبعة أبحر معه فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} أي لانتهت وفنيت تلك الأقلام والبحار وما انتهت كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية قال القرطبي: لما ذكر تعالى أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأنه أسبغ النعم، نبّه على أن الأشجار لو كانت أقلاماً، والبحار لو كانت مداداً، فكتب بها عجائب صنع الله، الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب وقال ابن الجوزي: وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله، لتكسرت الأقلام ونفدت البحور ولم تنفد كلمات الله أي لم تنقطع {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب لا يعجزه شيء، حكيم لا يخرج عن علمه وحكمته أمر {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي ما خلقكم أيها الناس ابتداءً، ولا بعثكم بعد الموت انتهاءً إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها، لأنه إِذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، قال الصاوي: المعنى أن الله لا يصعب عليه شيء، بل خلق العالم وبعثه برُمته كخلق نفسٍ واحدةٍ وبعثها {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي سميع لأقوال العباد، بصير بأعمالهم، ثم أشار تعالى إلى دلائل قدرته في الآفاق فقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي ألم تعلم أيها المخاطب علماً قوياً جارياً مجرى الرؤية، أن الله العظيم الجليل يدخل ظلمة الليل على ضوء النهار، ويدخل ضوء النهار على ظلمة الليل، ويزيد في هذا ويُنقص من هذا حسب الحكمة الأزلية {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ذلّلهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال، وإِتماماً للمنافع، كلٌ منهما يسير في فلكه إِلى غاية محدودة هي يوم القيامة {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي وأنه تعالى عالم بأحوالكم وأعمالكم لا تخفى عليه خافية، فإِن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه جل وعلا محيطاً بكل أعماله {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي ذلك الذي شاهدتموه من عجائب الصنع وباهر القدرة، لتتأكدوا أن الله هو الإِله الحق الذي يجب أن يعبد وحده {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} أي وأن كل ما يعبدون من دون الله من الأوثان والأصنام باطل لا حقيقة له كما قال لبيد "ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل" فالجميع خلقه وعبيده، ولا يملك أحدٌ منهم تحريك ذرةٍ إِلا بإِذنه {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} أي وأنه تعالى هو العليُّ في صفاته، الكبير في ذاته {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} تذكيرٌ بنعمة أُخرى أي ألم تر أيها العاقل أن السفن العظيمة تسير في البحر بقدرة الله، وبتسخيره ولطفه بالناس وإِحسانه إِليهم، لتهيئة أسباب الحياة قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه هو الذي سخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره أي بلطفه وتسخيره، فإِنه لولا ما جعل في الماء من قوةٍ يحمل بها السفن ما جرت، ولهذا قال بعده {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} أي ليريكم عجائب صنعه، ودلائل قدرته ووحدانيته {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي إِن في تسخير هذه السفن وما تحمله من الطعام والأرزاق والتجارات، لآيات باهرة، وعبراً جليلة لكل عبد منيب، صبَّار في الضراء، شكور في الرخاء. ولفظة "صبَّار" و "شكور" مبالغة في الصبر والشكر {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} أي وإِذا علا المشركين وغطّاهم وهم في البحر موج كثيف كالجبال {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي أخلصوا دعاءهم لله حين علموا أنه لا منجي لهم غيره فلا يدعون لخلاصهم سواه {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ} أي فلما أنقذهم من شدائد البحر، وأخرجهم إِلى شاطئ النجاة في البر {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} في الآية حذف تقديره فمنهم مقتصد، ومنهم جاحد، ودلَّ عليه قوله {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ} والمقتصد: المتوسط في العمل قال ابن كثير: وهذا من باب الإِنكار على من شاهد تلك الأهوال، والأمور العظام، ورأى الآيات الباهرة في البحر، ثم بعدما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والمبادرة إِلى الخيرات، والدؤوب في العبادات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصراً {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} أي وما يكذب بآياتنا إِلا كل غدَّار، مبالغ في كفران نعم الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي اتقوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} أي وخافوا يوماً رهيباً عصيباً لا ينفع والد فيه ولده، ولا يدفع عنه مضرةً، أو يقضي عنه شيئاَ مما تحمَّله {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} أي ولا ولدٌ يغني أو يدفع عن والده شيئاً، أو يقضي عنه شيئاً من جنايته ومظالمه قال الطبري: المعنى لا يغني ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي وعده بالثواب والعقاب، والبعث والجزاء حقٌ لا يتخلف {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي لا تخدعكم الحياة الدنيا بمفاتنها ولذاتها فتركنوا إِليها {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي ولا يخدعنكم الشيطان الماكر الذي يغر الخلق ويمنيهم بأباطيله ويلهيهم عن الآخرة {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} هذه هي مفاتح الغيب التي اختص الله بعلمها وهي خمس كما جاء في الحديث الصحيح "حديث : مفاتح الغيب خمسٌ لا يعلمهن إِلا الله وتلا الآية" تفسير : أي عنده تعالى معرفة وقت قيام الساعة التي تقوم فيها القيامة {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} أي وعنده معرفة وقت نزول المطر ومحل نزوله {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} أي من ذكرٍ أو أنثى، شقي أو سعيد {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} أي ما يدري أحد ماذا يحدث له في غد، وماذا يفعل من خير أو شر {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} أي كما لا يدري أحدٌ أين يموت، ولا في أي مكانٍ يُقبر {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} أي مبالغ في العلم، يعلم كل الأمور، خبير بظواهر الأشياء وبواطنها. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين قوله {ظَاهِرَةً.. وَبَاطِنَةً} وكذلك بين لفظ {ٱلْحَقُّ.. وٱلْبَاطِلُ}. 2- الإِنكار والتوبيخ مع الحذف {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ} أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ. 3- المجاز المرسل {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ} أطلق الجزء وأراد الكل ففيه مجاز مرسل. 4- التشبيه التمثيلي {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إِلى شاهق جبل فتمسك بأوثق جبل، وحذف أداة التشبيه للمبالغة. 5- المقابلة بين {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} وبين {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} الآية. 6- الاستعارة {عَذَابٍ غَلِيظٍ} استعار الغلظ للشدة لأنه إِنما يكون للاجرام فاستعير للمعنى. 7- تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي إليه لا إلى أحدٍ غيره. 8- صيغ المبالغة في التالي {صَبَّارٍ شَكُورٍ} و {خَتَّارٍ كَفُورٍ} و {عَلَيمٌ خَبِيرٌ} و {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} كما أنَّ فيها توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} معناه قَولُ لاَ إِلهَ إلاّ الله ظاهرةٌ باللسانِ باطنةٌ فِي القَلبِ.

الأندلسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ} تنبيه على الصفة الدالة على الصانع. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تقدم الكلام عليه. {وَمَن يُسْلِمْ} تقدم أيضاً ولما ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم وأخبر بأن منتهى الأمور صائر إليه تعالى. {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ} قالت اليهود ان الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام وخلفها فينا ومعنا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى فنزلت هذه الآية ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للحشر إلا كنفس واحدة أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها. و{مِن شَجَرَةٍ} تبيين لما الموصولة له. و{أَقْلاَمٌ} خبر لأن وقرىء والبحر بالنصب على الاشتغال أو عطفاً على ما وبالرفع على الإِبتداء والجملة الحالية ما نفرت جواب لو. {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نفاد ما فيه. {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} لا يراد به الإِقتصار على هذا العدد بل جيء به للكثرة كقوله: المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء لا يراد به العدد بل ذلك إشارة إلى القلة والكثرة ولما كان لفظ سبعة ليس موضوعاً في الأصل للتكثير وإن كان مراداً به هنا التكثير جاء مميزاً بلفظ القلة وهو أبحر ولم يقل بحور وإن كان لا يراد به أيضاً إلا التكثير ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في سبعة واستعمل للتكثير كذلك تجوز في أبحر واستعمل للتكثير وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى تقديره وكتب بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفذت ونفذ الاقلام والمداد الذي في البحر وما يمده كما قال الله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}تفسير : [الكهف: 109] الآية. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} جاء هنا إلى أجل ويدل على الانتهاء أي يبلغه وينتهي إليه وفي الزمر لأجل ويدل على الإِختصاص فجعل الجزي مختصاً بإِدراك أجل مسمى وجري الشمس مختص باجزاء السنة وجري القمر بأجزاء الشهر فكلا المعنيين مناسب لجريهما فلذلك عدى بهما. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ} تقدم الكلام عليه وصبار شكور بنيتا مبالغة وفعال أبلغ لزيادة حروفه. {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعم وختم هنا ببنيتي مبالغة وهما ختار وكفور فالصبار الشكور معترف بآيات الله تعالى والختار الكفور يجحد بها وتوازنت هذه الكلمات لفظاً ومعنىً أما لفظاً فظاهر وأما معنى فالختار هو الشديد الغدر والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر لأن الصابر يفوض أمره إلى الله تعالى وأما الغدار فيعهد ويغدر فلا يصبر على العهد وأما الكفور فمقابلة معنى الشكور واضحة ولما ذكر تعالى الدلائل على وحدانيته والحشر من أول السورة أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بهذا اليوم العظيم. {لاَّ يَجْزِي} لا يقضي ومنه قيل للمتقاضي المتجازى ولما كان الوالد أكثر شفقة على الولد من الولد على أبيه بدأ به أولاً وأتى في الإِسناد إلى الواو بالفعل المقتضى للتجدد لأن شفقته متحددة على الولد في كل حال وأتى في الإِسناد إلى الولد باسم الفاعل لأنه يدل على الثبوت والثبوت يصدق بالمرة الواحدة والجملة من لا يجزي صفة ليوم والضمير محذوف أي فيه فإِما أن يحذف برمته وإما على التدريج حذف حرف الجر فتعدى الفعل إلى الضمير وهو منصوب فحذف. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} روي أن الحارث بن عمارة المحاربي قال: يا رسول الله أخبرني عن الساعة متى قيامها وإني قد ألقيت حباتي في الأرض وقد أبطأت عني السماء فمتى تمطر وأخبرني عن امرأتي فقد اشتملت على ما في بطنها أذكر أم أنثى وعلمت ما عملت أمس فما أعمل غداً وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت فنزلت وفي الحديث حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله تفسير : وتلا هذه الآية وعلم مصدر أضيف إلى الساعة والمعنى علم تعيين وقتها وينزل الغيث في إبانه من غير تقدم ولا تأخير * ما في الأرحام من ذكر أم أنثى أم ناقص. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ} برة أو فاجرة. {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} من خير أو شر وربما عزمت على أحدهما فعملت بضده. {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ربما أقامت بمكان ناوية أن لا تفارقه إلى أن تدفن به ثم تدفن بمكان لم يخطر لها ببال قط وأسند العلم لله تعالى والدراية للنفس من معنى الختل والحيلة ولذلك وصف الله تعالى بالعالم ولا يوصف بالداري وبأي متعلق بتموت والباء ظرفية أي من أي أرض فالجملة في موضع نصب بتدري ووقع الاخبار بأن الله تعالى استأثر بعلم هذه الخمس لأنها جواب لسائل سأل وهو سبحانه وتعالى مستأثر بعلم أشياء لا يحصيها إلا هو تعالى وتقدس.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَوْاْ} ولمت تعلموا أيها المجبولون على الدربة والدارية {أَنَّ ٱللَّهَ} الحكيم المتقن في عموم أفعاله {سَخَّرَ لَكُمْ} وسهَّل عليكم تتميماً لفضلكم وكرامتكم جميع {مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات التي هي علل وأسباب، وإن كانت معلولات في أنفسها {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات؛ أي: هي مسببات عن العلويات وقوابل لما يفيض عنها بطريق جري العادة؛ ليحصل من امتزاجها ما تعيشون بها، مترفهين متنعمين من أنواع الفواضل والنعم. {وَ} بالجملة: {أَسْبَغَ} أي: أكثر وأوفر سبحانه {عَلَيْكُمْ} أيها المجبولون على الكرامة الفطرية، والكمال الجبلي {نِعَمَهُ ظَاهِرَةً} تدركون بها ظواهر الآفاق من المبصرات والمسموعات الملموسات، والمشمومات والمذوقات {وَبَاطِنَةً} تدركون بها سرائر المعلومات والمعنويات، وتنكشفون بها إلى المعارف والحقائق الفائضة على قلوبكم التي أودعها الله العليم الحكيم في بواطنك؛ ليسع فيها وينزل عليها سلطان وحدته الذاتية السارية في ظواهر الأكوان وبواطنها الكائنة أزلاً وأبداً، مع أنه سبحانه لا يسعه في سعة السماوات والأرض وإن فرض لها أضعاف وآلاف، لكنه يسع في قلب عبده العارف المؤمن الموقن، المنكشف بتوحيده وبظهور وحدته الذاتية المتجلية على صفائح ما ظهر وبطن، ومع ظهور وحدته سبحانه في ذاته واستقلاله في إظهار المظاهر الكائنة أزلاًَ وأبداً. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الجدال والنسيان، المنهمكين في بحر العناد والطغيان {مَن يُجَادِلُ فِي} توحيد {ٱللَّهِ} المتوحد المتفرد بالألوهية والربوبية، المستقل بالتصرف في ملكه وملكوته إرادةً واختياراً، ويثبت له شريكاً سواه ويعبده كعبادته، مع أن جداله ما يستند إلى سندٍ يصلح للاستناد، بل {بِغَيْرِ عِلْمٍ} دليل عقلي يمكن التوصل به إلى إثبات ما ادعاه بطريق النظر والاستدلال {وَلاَ هُدًى} أي: كشف صريح لدني نبع من قلبه بلا افتقار إلى المقدمات والوسائل العادية التي يستنتج منها المطالب {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20] أي: دليل نقلي ينور خلده، ويعده لفيضان المعارف والحقائق من المبدأ الفياض، بل إنما نشأ ما ادعاه من محض التقليد والتخمين الحاصل من متابعة الوهم والخيال. {وَ} لذلك {إِذَا قِيلَ لَهُمُ} على سبيل العظة والتذكير إمحاضاً للنصح: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المصلح لأحوالكم من الدين والكتاب المشتمل على أنواع الرشد والهداية، والنبي المؤيَّد من عنده، المبعوث إليكم؛ لهدايتكم وإصلاحكم {قَالُواْ} في الجواب: ما نتبع بمفترياتكم المستحدثة التي ابتدعتموها من تلقاء أنفسكم، ونسبتموها إلى الله تغريراً وترويجاً {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} إذ هو مستمر قديم، فنحن بأثرهم متبعونن، وبدينهم راضون متخذون. قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {أَ} يتبعون آبائهم أولئك الضالين {وَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ} المغوي المضل إياهم {يَدْعُوهُمْ} وآباءهم أيضاً إلى الباطل؛ ليصرفهم عن الحق، ويوصلهم {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [لقمان: 21] الذي أُعد لمتابعيه، ومن يقتفي أثره ويقبل دعوته. ثمَّ قال سبحانه: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ} الذي يلي الحق {إِلَى ٱللَّهِ} ويخلص في توجهه نحوه {وَ} الحال أنه {هُوَ مُحْسِنٌ} ناظر إلى الله بنوره سبحانه، مطالع بوجهه الكريم {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ} وتمسك {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} التي لا انفصام لها، وهي حبل الله الممدود من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات، ومن تمسك بها فقد فاز بكنف حفظه وجواره، وأمن من شر الشيطان وغوائله وتضليلاته عن طريق الحق وصراطه المستقيم {وَ} كيف لا {إِلَىٰ ٱللَّهِ} المستجمع لجميع الأسماء والصفات المترتبة لما في الكائنات لا إلى غيره من الوسائل والأظلال العادية {عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} [لقمان: 22] ومصيرها؟! ومن تشبث بحبل الله مخلصاً، فقد لحق بخلَّص أوليائه الذين {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها; وعدم الغفلة عنها فقال: { أَلَمْ تَرَوْا } أي: تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، { أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ } من الشمس والقمر والنجوم، كلها مسخرات لنفع العباد. { وَمَا فِي الأرْضِ } من الحيوانات والأشجار والزروع، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى: {أية : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا }. تفسير : { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } أي: عمّكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها; والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين، حصول المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم; بمحبة المنعم والخضوع له; وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته. { و } لكن مع توالي هذه النعم; { مِنَ النَّاسِ مَنْ } لم يشكرها; بل كفرها; وكفر بمن أنعم بها; وجحد الحق الذي أنزل به كتبه; وأرسل به رسله، فجعل { يُجَادِلُ فِي اللَّهِ } أي: يجادل عن الباطل; ليدحض به الحق; ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة اللّه وحده، وهذا المجادل على غير بصيرة، فليس جداله عن علم، فيترك وشأنه، ويسمح له في الكلام { وَلا هُدًى } يقتدي به بالمهتدين { وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين] وإنما جداله في اللّه مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين. ولهذا قال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ } على أيدي رسله، فإنه الحق، وبينت لهم أدلته الظاهرة { قَالُوا } معارضين ذلك: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فلا نترك ما وجدنا عليه آباءنا لقول أحد كائنا من كان. قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم: { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } فاستجاب له آباؤهم، ومشوا خلفه، وصاروا من تلاميذ الشيطان، واستولت عليهم الحيرة. فهل هذا موجب لاتباعهم لهم ومشيهم على طريقتهم، أم ذلك يرهبهم من سلوك سبيلهم، وينادي على ضلالهم، وضلال من اتبعهم. وليس دعوة الشيطان لآبائهم ولهم، محبة لهم ومودة، وإنما ذلك عداوة لهم ومكر بهم، وبالحقيقة أتباعه من أعدائه، الذين تمكن منهم وظفر بهم، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب السعير، بقبول دعوته.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 769 : 4 : 1 - سفين عن حُميد الأعرج عن مجاهد في قوله {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} قال، لا إله إلا الله. [الآية 20].