Verse. 3490 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَ اِذَا قِيْلَ لَہُمُ اتَّبِعُوْا مَاۗ اَنْزَلَ اللہُ قَالُوْا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْہِ اٰبَاۗءَنَا۝۰ۭ اَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطٰنُ يَدْعُوْہُمْ اِلٰى عَذَابِ السَّعِيْرِ۝۲۱
Waitha qeela lahumu ittabiAAoo ma anzala Allahu qaloo bal nattabiAAu ma wajadna AAalayhi abaana awalaw kana alshshaytanu yadAAoohum ila AAathabi alssaAAeeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أَنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» قال تعالى: «أ» يتبعونه «ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير» أي موجباته؟ لا.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن النبـي عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن ههنا شيئاً آخر وهو أنهم قالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزاً، ويحتمل أن يكون حراماً، وهم تعاطوه، ويحتمل أن يكون واجباً في اعتقادهم والقول بين الدلالة، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله، لكان الواجب الأخذ بالقول، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال، ثم قال تعالى: {أَوْ لَّوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } استفهاماً على سبيل التعجب في الإنكار يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب، وهم مع هذا يتبعون الشيطان. ثم قال تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ } لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } إشارة إلى الإيمان وقوله: {وَهُوَ مُحْسِنٌ } إشارة إلى العمل الصالح فتكون الآية في معنى قوله تعالى: { أية : مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } تفسير : [الكهف:88] وقوله: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ههنا: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} وقال في سورة البقرة (112): { أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } تفسير : } فعدى ههنا بإلى وهناك باللام، قال الزمخشري معنى قوله: {أَسْلَمَ وجههُ لِلَّهِ } أي جعل نفسه لله سالماً أي خالصاً والوجه بمعنى النفس والذات، ومعنى قوله: {يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } يسلم نفسه إلى الله كما يسلم واحد متاعاً إلى غيره ولم يزد على هذا، ويمكن أن يزاد عليه ويقال من أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله، لأن إلى للغاية واللام للاختصاص، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك وينبـىء هذا عن عدم الوصول لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول وقوله أسلمت وجهي لك يفيد الاختصاص ولا ينبـىء عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها للوصول، إذا علم هذا فنقول في البقرة قالت اليهود والنصارى: { أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : فقال الله رداً عليهم: { أية : تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 111] ثم بين فساد قولهم بقوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } تفسير : [البقرة:112] أي أنتم مع أنكم تتركون الله للدنيا وتولون عنه للباطل وتشترون بآياته ثمناً قليلاً تدخلون (النار) ومن كان بكليته لله لا يدخلها، هذا كلام باطل فأورد عليهم من أسلم لله ولا شك أن النقض بالصورة التي هي ألزم أولى فأورد عليهم المخلص الذي ليس له أمر إلا الله وقال: أنتم تدخلون الجنة وهذا لا يدخلها، ثم بين كذبهم وقال: بلى وبين أن له فوق الجنة درجة وهي العندية بقوله: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ } وأما ههنا أراد وعد المحسن بالثواب والوصول إلى الدرجة العالية فوعد من هو دونه ليدخل فيه من هو فوقه بالطريق الأولى ويعم الوعد وهذا من الفوائد الجليلة. ثم قال تعالى: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } أوثق العرى جانب الله لأن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، ثم قال تعالى: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ } يعني استمسك بعروة توصله إلى الله وكل شيء عاقبته إليه فإذا حصل في الحال ما إليه عاقبته في عاقبته في غاية الحسن وذلك لأن من يعلم أن عاقبة الأمور إلى واحد ثم يقدم إليه الهدايا قبل الوصول إليه يجد فائدته عند القدوم عليه، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله: { أية : وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 110].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا } قال تعالى:{أَ} يتبعونه {وَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } أي موجباته؟ لا.

النسفي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } عدِّي هنا بـــــ «إلى»، وفي {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } تفسير : [البقرة:112] باللام فمعناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله أي خالصاً له، ومعناه مع «إلى» أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه والمراد التوكل عليه والتفويض إليه {وَهُوَ مُحْسِنٌ } فيما يعمل {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ } تمسك وتعلق {بِٱلْعُرْوَةِ } هي ما يعلق به الشيء {ٱلْوُثْقَىٰ } تأنيث الأوثق مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ } أي هي صائرة إليه فيجازي عليها {وَمَن كَفَرَ } ولم يسلم وجهه لله {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } من حزن، {يُحزِنك} نافع من أحزن أي لا يهمنك كفر من كفر {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } فنعاقبهم على أعمالهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه

الخازن

تفسير : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا} قال الله تعالى {أولو كان الشيطان يدعوهم} معناه أفيتبعونهم وإن كان الشيطان يدعوهم {إلى عذاب السعير} قوله عز وجل {ومن يسلم وجهه إلى الله} أي يخلص لله دينه ويفوض إليه أمره {وهو محسن} أي في عمله {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخلف عهده ولا يخاف انقطاعه ويرتقي بسببه إلى أعلى المراتب والغايات {وإلى الله عاقبة الأمور} أي مصير جميع الأشياء إليه {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور} أي لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم. قوله تعالى {نمتعهم قليلاً} أي نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا إلى انقضاء آجالهم {ثم نضطرهم} أي نلجئهم ونردهم {إلى عذاب غليظ} إلى النار في الآخرة {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد الله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغني الحميد} تقدم تفسيره. قوله تعالى {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} قال المفسرون لما نزلت بمكة {أية : ويسألونك عن الروح} تفسير : [الإِسراء: 85] الآية و حديث : هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود وقالوا "يا محمد بلغنا أنك تقول {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أتعنينا أم قومك فقال عليه الصلاة والسلام كلا قد عنيت قالوا ألست تتلو فيما جاءك أنا أوتينا التوراة فيها علم كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي في علم الله قليل وقد أتاكم الله بما إن علمتم به انتفعتم به قالوا كيف تزعم هذا وأنت تقول {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} فكيف يجتمع علم قليل مع خير كثير" تفسير : فأنزل الله هذه الآية فعلى هذا تكون هذه الآية مدنية وقيل إن اليهود أمروا وفد قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بمكة وقيل إن المشركين قالوا إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فأنزل الله تعالى {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} أي بريت أقلاماً وقيل بعدد كل شجرة قلم {والبحر يمده} أي يزيده وينصب إليه {من بعده سبعة أبحر} أي مداداً والخلائق يكتبون به كلام الله {ما نفدت كلمات الله} لأنها لا نهاية لها {إن الله عزيز حكيم}. قوله تعالى {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء {إن الله سميع} أي لأقوالكم {بصير} بأعمالكم {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق} يعني ذلك الذي هو قادر على هذه الأشياء التي ذكرت هو الحق المستحق للعبادة {وأن ما يدعون من دونه الباطل} يعني لا يستحق العبادة {وأن الله هو العلي} يعني في صفاته له الصفات العليا والأسماء الحسنى {الكبير} في ذاته أنه أكبر من كل كبير. قوله تعالى {ألم تر أن الفلك} يعني السفن والمراكب {تجري في البحر بنعمة الله} يعني ذلك من نعمة الله عليكم {فيريكم من آياته} يعني من عجائب صنائعه {إن في ذلك لآيات لكل صبار} يعين على ما أمر الله {شكور} لإنعامه {وإذا غشيهم موج كالضلل} يعني كالجبال وقيل كالسحاب شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها {دعوا الله مخلصين له الدين} معناه أن الإنسان إذا وقع في شدة ابتهل إلى الله بالدعاء وترك كل من عداه ونسي جميع ما سواه فإذا نجا من تلك الشدة فمنهم من يبقى على تلك الحالة وهو المقتصد وهو قوله تعالى {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} يعني عدل موفٍ في البر بما عاهد عليه الله في البحر من التوحيد والثبوت على الإيمان وقيل نزلت في عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه هرب عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه سلم ولأضعن يده في يدي فسكت الريح ورجع عكرمة إلى مكة وأسلم وحسن إسلامه ومنهم من لم يوف بما عاهد وهو المراد بقوله {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار} يعني غدار {كفور} يعني جحود لأنعمنا عليه.

البقاعي

تفسير : ولما كان المجادل بغير واحد من هذه الثلاثة تابعاً هواه مقلداً مثله قطعاً، وكان حال المجادلين هذا لظهور أدلة الوحدانية عجباً، عجب منهم تعجيباً آخر بإقامتهم على الضلال مع إيضاح الادلة فقال: {وإذا قيل} أي من أيّ قائل كان. ولما كان ضلال الجمع أعجب من ضلال الواحد، وكان التعجيب من جدال الواحد تعجيباً من جدال الاثنين فأكثر من باب الأولى، أفرد أولاً وجمع هنا فقال: {لهم} أي للمجادلين هذا الجدال: {اتبعوا ما} أي ابذلوا جهدكم في تبع الذي، وأظهر لزيادة التشنيع أيضاً فقال: {أنزل الله} الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين، وهو الذي لا عظيم إلا هو {قالوا} جموداً: لا نفعل {بل نتبع} وإن جاهدنا بالأنفس والأموال {ما وجدنا عليه آباءنا} لأنهم أثبت منا عقولاً، وأقوم قيلاً، وأهدى سبيلاً. ولما كانوا لا يسلكون طريقاً حسياً بغير دليل، كان التقدير: أتتبعونهم لو كان الهوى يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك، لكونه بغير دليل، فعطف عليه قوله: {أو لو كان الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة، وهو أعدى اعدائهم، دليللهم فهو {يدعوهم} إلى الضلال فيوقعهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم ذلك {إلى عذاب السعير*} وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم في ضلالهم وأنه مستمر، وأطلق العذاب على سببه. ولما كان التقدير: فمن جادل في الله فلا متمسك له، عطف عليه قوله في شرح حال أضدادهم: {ومن يسلم} أي في الحال أو الاستقبال {وجهه} أي قصده وتوجهه وذاته كلها. ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة، عدى الفعل بـ "إلى" تنبيهاً على إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن الاسترشاد في ذلك، فقال معلقاً بما تقديره: ساتراً وواصلاً {إلى الله} الذي له صفات الكمال، فلم يبق لنفسه أمر أصلاً، فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه {وهو} أي والحال أنه {محسن} أي مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره, فهو دائماً في حال الشهود {فقد استمسك} أي أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في بادئه الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج الروح على أيدي المسلكين الذين اختارهم لدينه، العارفين بأخطار السير وعوائق الطريق {بالعروة الوثقى} التي هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له أصلاً، فليسررك شكره فإن ربه يعليه إلى كل مراد ما دام متمسكاً بها تمثيلاً لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر، أو أراد أن يرقى جبلاً، فادعى له صاحبه حبلاً ذا عرى فأخذ بأوثقها، فهو يعلو به إذا جره صديقه. وهو قادر على جره لا محالة من غير انفصام، لأن متمسكه في غاية الإحكام. ولما كان الكل صائرين إليه، رافدين عليه: من استمسك بالأوثق، ومن استمسك بالأوهى، ومن لم يتمسك بشيء، إلا أن الأول صائر مع السلامة، وغيره مع العطب، قال مظهراً تعظيماً للأمر ولئلا يقيد بحيثية عاطفاً على ما تقديره: فيصير إلى الله سالماً، فإلى الله عاقبته لا محال: {وإلى الله} أي الملك الأعظم وحده تصير {عاقبة الأمور *} أي كما أنه كانت منه بادئتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة. ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: {ومن كفر} أي ستر ما أداه إليه عقله من أن الله لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم يسلم وجهه إليه، فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم، اتباعاً لما قاده إليه الهوى. بأن جعل لنفسه اختياراً وعملاً فعل القوي القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه لم يتمسك شيء {فلا يحزنك} أي يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال: {كفره} كائناً من كان فإنه لم يَفُتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك بسببه، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين، وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجاً عنه، فالآية من الاحتباك: ذكر الحزن ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، وذكر الاستسماك أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً. ولما كان الحزن بمعنى الهم، حسن التعليل بقوله التفاتاً إلى مظهر العظمة التي هذا من أخفى مواضعها، وجمع لأن الإحاطة بالجمع أدل على العظمة: {إلينا} أي خاصة بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال {مرجعهم} أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا وحساً يوم الحساب، لا إلى غيرنا، ولما بين أنهم في قبضته، وأنه لا بد من بعثهم، بين أن السبب في ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال: {فننبئهم} بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم {بما عملوا} أي ونجازيهم عليه إن أردنا. ولما كان معنى التضعيف: نفعل معهم فعل منقب عن الأمور مفتش على جليها وخفيها، جليلها ودقيقها، فلا نذر شيئاً منها، علله بقوله معبراً بالاسم الأعظم المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم، لفتاً للكلام عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم، مؤكداً لإنكارهم شمول علمه {إن الله عليم} أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات الصدور*} أي بالأعمال التي هي صاحبتها، ومضمرة ومودعة فيها، فناشئة عنها ومن قبل أن تبرز إلى الوجود، فكيف بذلك بعد عملها.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي لمن يجادلُ، والجمعُ باعتبار المعنى {ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} يُريدون به عبادةَ الأصنامِ {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ} أي آباءَهم لا أنفسَهم كما قيل: فإنَّ مدارَ إنكارِ الاتباعِ واستبعادِه كونُ المتبوعينَ تابعينَ للشَّيطانِ لا كونُ أنفسِهم كذلك، أي أيتبعونَهم ولو كان الشَّيطانُ يدعُوهم فيما هم عليه من الشِّرك {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} فهُم متوجهون إليه حسبَ دعوتِه، والجملةُ في حيِّز النَّصبِ على الحاليَّةِ وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى: { أية : أَوْ لَّوْ كَانَ آبَاؤُهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 170] بما لا مزيدَ عليهِ {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} بأنْ فوَّض إليه مجامعَ أمورِه وأقبلَ عليه بكلّيته، وحيثُ عُدِّي باللامِ قصد معنى الاختصاصِ. وقُرىء بالتَّشديدِ. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي في أعمالِه آتٍ بها جامعةً بـين الحُسنِ الذاتِيِّ والوصفيِّ وقد مرَّ في آخرِ سورةِ النَّحلِ {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي تعلَّق بأوثقِ ما يتعلَّق به من الأسبابِ وهو تمثيلٌ لحالِ المتوكلِ المشتغلِ بالطَّاعةِ بحالِ من أراد أنْ يترقَّى إلى شاهقِ جبلٍ فتمسَّك بأوثقِ عُرى الحبلِ المُتدلِّي منه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ} لا إلى أحدٍ غيرِه {عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ} فيجازيه أحسنَ الجزاء. {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} فإنَّه لا يضُّرك في الدُّنيا ولا في الآخرةِ. وقُرىء فلا يُحزِنك من أحزَن المنقولِ من حَزِن بكسرِ الزَّاي وليس بمستفيضٍ {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} لا إلى غيرِنا {فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ} في الدُّنيا من الكفرِ والمَعَاصي بالعذابِ والعقابِ. والجمعُ في الضَّمائرِ الثَّلاثةِ باعتبارِ معنى مَن كما أنَّ الإفرادَ في الأولِ باعتبارِ لفظِها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تعليلٌ للتنبئةِ المعبَّرِ بها عن التَّعذيبِ {نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً} تمتيعاً أو زماناً قليلاً فإنَّ ما يزول وإنْ كانَ بعد أمدٍ طويلٍ بالنسبةِ إلى ما يدومُ قليلٌ {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} يثقُل عليهم ثقلَ الأجرامِ الغلاظِ أو يضمُّ إلى الإحراقِ الضَّغطَ والتضيـيق.

القشيري

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}. لم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم، ولم يهتدوا إلى مُحَوِّل أحوالهم، فأَمَّا منْ سَمَتْ نَفْسُه، وخلص في الله قَصْدُه فقد استمسك بالعروة الوثقى، وسَلَكَ المحجَّةَ المُثْلَى:- قوله جلّ ذكره: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ}. وعلى العكس:- {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. إلينا إيابُهم، ومِنَّا عذابُهم، وعلينا حسابُهم. ولئن سألتَهم عن خالقهم لأَقِرُّوا، ولكن إذا عادوا إلى غيِّهم نقضوا وأصروا.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} اى لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى {اتبعوا ما انزل الله} على نبيه من القرآن الواضح والنور البين فآمنوا به {قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} الماضين يريدون به عبادة الاصنام يقول الله تعالى فى جوابهم {أولو كان الشيطان يدعوهم} الاستفهام للانكار والتعجب من التعلق بشبهة هى فى غاية البعد من مقتضى العقل والضمير عائد الى الآباء والجملة فى حيز النصب على الحالية. والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم بما هم عليه من الشرك {الى عذاب السعير} فهم مجيبون اليه حسبما يدعوهم والسعر التهاب النار وعذاب السعير اى الحميم كما فى المفردات. وفى الآية منع صريح من التقليد فى الاصول اى التوحيد والصفات والتقليد لغة وضع الشئ فى العنق محيطا به ومنه القلادة ثم استعمل فى تفويض الامر الى الغير كأنه ربطه بعنقه واصطلاحا قبول قول الغير بلا حجة فيخرج الاخذ بقوله عليه السلام لانه حجة فى نفسه. وفى التعريفات التقليد عبارة عن اتباع الانسان غيره فيما يقول او يفعل معتقداً للحقية فيه من غير نظر وتأمل فى الدليل كأن هذا المتبع جعل قول الغير او فعله قلادة فى عنقه انتهى. فالتقليد جائز فى الفروع والعمليات ولا يجوز فى اصول الدين والاعتقادات بل لا بد من النظر والاستدلال لكن ايمان المقلد ظاهر عند الحنفية والظاهرية وهو الذى اعتقد جميع ما يجب عليه من حدوث العالم ووجود الصانع وصفاته وارسال الرسل وما جاؤوا به حقا من غير دليل لان النبى عليه السلام قبل ايمان الاعراب والصبيان والنسوان والعبيد والاماء من غير تعليم الدليل ولكنه يأثم بترك النظر والاستدلال لوجوب عليه. قال فى فصل الخطاب من نشأ فى بلاد المسلمين وسبح الله عند رؤية صنائعه فهو خارج عن حد التقليد يعنى ان مثل هذا المقلد لو ترك الاستدلال لا يأثم كمن فى شاهق جبل فان تسبيحه عند رؤية المصنوعات عين الاستدلال فكأنه يقول الله خالق هذا النمط البديع ولا يقدر احد غيره على خلق مثل هذا فهو استدلال بالاثر على المؤثر واثبات للقدرة والارادة وغير ذلك فالاستدلال هو الانتقال من المصنوع الى الصانع لا ملاحظة الصغرى والكبرى وترتيب المقدمات للانتاج على قاعدة المعقول وعلى هذا فالمقلد فى هذا الزمان نادر. وفى الآية اشارة الى ان من سلك طريق المعرفة بالعقل القاصر فهو مقلد لا يصح الاقتداء به شعر : خواهى بصوب كعبة تحقيق ره برى بى بربى مقلد كم كرده ره مرو تفسير : فلا بد من الاقتداء بصاحب ولاية عالم ربانى واقف على اسرار الطريقة عارف بمنازل عالم الحقيقة مكاشف عن حقائق القرآن مطلع على معانى الفرقان فانه يخرج باذن الله تعالى من الظلمات الانسانية الى النور الربانى ويخلص من عذاب النفس الامارة ويشرف بنعيم القلب فان كان مطلبك ايها السالك هو المطلب الحقيقى فان طريقه بعيد وبرازخ منازله كثيرة لا يقدر اهل الجدل وارباب العقول المشوبة بالوهم والخيال والشبهات على دلالة تلك الطريق فأين الثريا من يد المتطاول فهم انما يصيدون الريح لا العنقاء اذ العنقاء فى قاف الوجود وحقائق الوجود لا يعرفها الا اهل المعرفة والشهود نسأل الله سبحانه ان يجعلنا واياكم من العاملين باحكام القرآن العظيم والمتأدبين بآداب الكلام القديم والواصلين الى انواره والمصاحبين بمن يتحقق باسراره

الطوسي

تفسير : حكى الله سبحانه عن الكفار وسوء اختيارهم أنه {إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} من القرآن والاحكام واعملوا بموجبه واقتدوا به {قالوا} في الجواب عن ذلك {بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة الأصنام، ولا نتبع ذلك، فقال الله تعالى منكراً عليهم {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} ومعناه إنكم تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، ولو كان ذلك يدعوكم إلى عذاب جهنم!. وادخل على واو العطف ألف الاستفهام على وجه الانكار. ثم قال {ومن يسلم وجهه إلى الله} أي يوجه طاعته إلى الله ويقصد وجهه بها دون الرياء والسمعة {وهو محسن} اي لا يخلط طاعاته بالمعاصي {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أى من فعل ما وصفه فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انتقاضها، والتوثق امتناع سبب الانتقاض، لأن البناء الموثق قد جعل على امتناع سبب الانتقاض، وما ليس بموثق على سبب الانتقاض. ثم قال {وإلى الله عاقبة الأمور} أى اليه ترجع أواخر الأمور على وجه لا يكون لأحد التصرف فيها، ولا الأمر والنهي. ثم قال لنبيه {ومن كفر} يا محمد من هؤلاء الناس {فلا يحزنك كفره} اى لا يغمك ذلك {إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} اى نعلمهم باعمالهم ونجازيهم على معاصيهم بالعقاب، {إن الله عليم بذات الصدور} أى بما تضمره الصدور، لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال {نمتعهم قليلاً} اى نتركهم يتمتعون في هذه الدنيا مدة قليلة {ثم نضطرهم} أى نصيرهم مكرهين {إلى عذاب غليظ} يغلظ عليهم ويصعب وهو عذاب النار. ثم قال {ولئن سألتهم} يعني هؤلاء الذين كفروا بآيات الله {من خلق السماوات والأرض}؟ ليقولن في جواب ذلك: الله خلق ذلك، لانهم لا يمكنهم أن يقولوا خلق ذلك الاصنام والاوثان، لأنهم يقرون بالنشاة الأولى، ولأنهم لو قالوا ذلك لعلم ضرورة بطلان قولهم، فقل عند ذلك يا محمد {الحمد لله} على هدايته وتوفيقه لنا بالمعرفة له {بل أكثرهم لا يعلمون} انكم وفقكم الله لمعرفته.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} اعرضوا و {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} كما كان عليه اهل كلّ زمانٍ فانّه اذا قيل لهم: اتّبعوا ولّى امركم وعالم وقتكم يقولون: نحن على ما كان عليه اسلافنا {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} يعنى لا ينبغى التّقليد لمن لم يكن حاله معلوماً لك بل ينبغى ان يكون الانسان مقلّداً لعالمٍ حىٍّ قد ميّز حاله وعلم انّه مجاز من المعصوم بواسطةٍ او بلا واسطةٍ ولا اقلّ من العلم بانّه يفعل ما يقول ويقول ما يفعل، ولا يكون كالمدّعين الّذين يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} يعنون عبادة الأوثان. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: أيتّبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ أي: قد فعلوا ذلك. ودعاؤه إياهم إلى عذاب السعير دعاؤه إياهم إلى عبادة الأوثان بالوسوسة. قوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ} يعني وجهته في الدين {إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: وهو مؤمن {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} وهي الإِيمان بالله، وهي لا إله إلا الله والتوجه إلى الله بكل ما تعبّدهم به من قول وعمل. قال: {وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} أي: مصيرها في الآخرة. قوله: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} كقوله: (أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)تفسير : [النحل: 127] {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي: يوم القيامة {فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} أي: في الدنيا {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: ما يسرّون في صدورهم. قال: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي: في الدنيا إلى موتهم {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} يعني جهنم. قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: أنهم مبعوثون. قوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ} أي: عن خلقه {الحَمِيدُ} أي: المستحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه. قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ} يقول: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ليكتب بها علم الله، أي: علمه بما خلق، والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر يستمد منه للأقلام ليكتب بها علم ذلك، ما نفدت كلمات الله، لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحار، ولمات الكُتَّاب وما نفدت كلمات الله، أي: علمه بما خلق. ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن تحت بحركم هذا بحراً من نار، وتحته بحر من ماء، وتحته بحر من نار، وتحته بحر من ماء، حتى عدّ سبعة أبحر من ماء، وسبعة أبحر من نار. قال: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا} من عبادة الاوثان قال سبحانه تقبيحا لقولهم. {أَوَلَوْ كَانَ} اي ايتبعون ما وجدوا عليه آباءهم. {الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} والواو للحال والاستفهام للانكار والتوبيخ والتعجيب ومعنى الانكار هنا انكار صحة ما يذهبون اليه وهو داخل على محذوف ويجوز كون الهمزة مما بعد الواو فتكون الواو للاستئناف ويقدر جواب للو أي لا تتبعوه اي الشيطان او لا تتبعوهم وهاء يدعوهم للكفرة المقول لهم او لآبائهم والآية تتضمن منع التقليد في الأصول بل هي صريح في المنع ومعنى دعاء الشيطان لهم الى عذاب السعير انه يدعوهم الى موجبات عذاب السعير وهي الكفر والمعاصي فأطلق السبب وأراد المسبب.

اطفيش

تفسير : {وإذا قيل لَهُم} اى لمن يجادل مراعاة لمعناه، وهو الجمع كما افرد لمراعاة لفظه {اتَّبعوا ما أنزل الله قالُوا بل نتَّبع ما وَجَدنا عليْه آباءنا} من الكلام والاعتقاد، والمعاصى، وعبادة غير الله عز وجل، والتقليد فى الاصول جائز ومجز اذا كان مصدقا لمن افتى له، واطمأن اليه قلبه اذا وافق الحق ولو امراة، ولا يخلو عن ذلك عامة الموحدين، حتى قال بعض قومنا: ان النظر فيها حرام وهو باطل، والصواب جوازه، بل وجوبه لمن قدر، وقيل: لا يجوز التقليد فى الاصول، ومن قلد واصاب أجزأه توحيده، وعصى بعدم النظر. {ولو كان الشيطانُ يدعُوهم} بما يأمرهم به من الضلال {إلى عذاب السَّعير} أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، ولو كان الشيطان يدعو آباءهم الى عذاب السعير، وبخهم على اتباع آبائهم مع ان ما عليه آباؤهم قد اخذه آباؤهم من الشيطان الداعى الى العذاب الدائم، الذى هو عذاب النار، والسعير المسعورة كالمرأة الكحيل بمعنى المكحولة، فالها، عائدة الى الآباء لا الى القائلين، بل نتبع كما قال عز وجل: "أية : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون"تفسير : [البقرة: 170] بعد قوله: "أية : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"تفسير : [البقرة: 170] نعم يمكن رجوعها الى القائلين، وآباءهم، ولا جواب للو كإن الوصلية، وقيل: لهما جواب يقدر، والواو حالية، وقيل: عاطفة على محذوف، اى يتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم، ولو كان يدعوهم، فلو وان الوصليتان خارجتان عن الشرط، وبخروجهما تمكن الحالية.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى {ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل، وهذا ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز وربما قال بعضهم: إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام، وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثماً بترك النظر على الأول؛ وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين، والتحقيق أنه / إن كان التقليد أخذاً لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعاً لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن كان لكن جزماً فيكفي عند الأشعري وغيره خلافاً لأبـي هاشم في قوله لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر، وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق، وظاهر ذم المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه الدليل العقلي. {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ } أي يدعو آباءهم لا أنفسهم كما قيل: فإن مدار إنكار الاستتباع كون المتبوعين تابعين للشياطين وينادي عليه قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170] بعد قوله سبحانه: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } تفسير : [البقرة: 170] ويعلم منه حال رجوع الضمير إلى المجموع أي أولئك المجادلين وآباءهم {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي إلى ما يؤول إليه أو يتسبب منه من الإشراك وإنكار شمول قدرته عز وجل للبعث ونحو ذلك من الضلالات، وجوز بقاء {عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } على حقيقته والاستفهام للإنكار ويفهم التعجيب من السياق أو للتعجيب ويفهم الإنكار من السياق والواو حالية والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب، وجوز كون الواو عاطفة على مقدر أي أيتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه، وهما قولان مشهوران في الواو الداخلة على {لَوْ } الوصلية ونحوها، وكذا في احتياجها إلى الجواب قولان قول بالاحتياج وقول بعدمه لانسلاخها عن معنى الشرط، ومن ذهب إلى الأول قدره هنا لا يتبعوهم وهو مما لا غبار عليه على تقدير كون الواو عاطفة، وأما على تقدير كونها حالية فزعم بعضهم أنه لا يتسنى وفيه نظر، وقد مر الكلام على نحو هذه الآية الكريمة فتذكر.

الشنقيطي

تفسير : وكذلك قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}. قدمنا الآيات الموضحة له أيضاً في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 4].

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَآءَنَا} {ٱلشَّيْطَانُ} (21) - وهؤلاءِ الذينَ يُجَادِلُونَ في اللهِ بغَيرِ عِلْمٍ، وَلاَ كِتابٍ، لا مَطْمَعَ فِي هِدَايَتِهم، فإِنَّهُمْ إِذا دُعُوا إِلى اتِّبَاعِ مَا أَنزَلَ اللهُ على رَسُولِهِ مِنْ شَرْعٍ وهُدى قَالُوا : إِنّهُم يُفَضِّلُونَ اتِّبَاعَ مَا وَجَدُوا عَليهِ آباءَهُمْ مِنْ دِينٍ، لأنَّ آباءَهُمْ، وَأَسْلاَفَهُمْ لاَ يَقَعُونَ جَميعاً فِي الخَطَأِ. ويَرُدُّ اللهُ تَعَالى عليهم قَائِلاً: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وأَسْلاَفَهُمْ حَتَّى وَلَوْ كَانُوا عَلَى خَطَأٍ وَضَلاَلٍ فيما يَعْبُدُونَ؟ وَحَتَّى وَلَوْ كَانُوا يَتَّبِعُونَ ما زَيَّنَتْ لَهُمْ الشَّياطِينُ؟ وَمَنِ اتَّبَعَ الشَّيطَانَ أَوْصَلَهُ إِلى نَارِ جَهَنَّمَ وَسَعِيرِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ..} [لقمان: 21] عامة تشمل كل الكتب المنزَّلة، وأقرب شيء في معناها أن نقول: اتبعوا ما أنزل الله على رسلكم الذين آمنتم بهم، ولو فعلتم ذلك لَسلَّمتم بصدق رسول الله وأقررتم برسالته. أو: يكون المعنى {ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ..} [لقمان: 21] أي: تصحيحاً للأوضاع، واعرضوه على عقولكم وتأملوه. لكن يأتي ردهم: (بَلْ) وبل تفيد إضرابهم عما أنزل الله {نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا ..} [لقمان: 21] وفي آية أخرى {أية : قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ..} تفسير : [البقرة: 170]. فما الفرق بين (وجدنا) و (ألفينا) وهما بمعنى واحد؟ قالوا: لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صُحْبة آبائهم والتأثر بهم، فبعضهم عاش مع آبائه يُقلِّدهم فترة قصيرة، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى أَلف ما هم عليه وعشقه؛ لذلك قال القرآن مرة (أَلْفيْنَا) ومرة (وَجَدْنَا). والاختلاف الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين، فمرة يقول: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170] ومرة أخرى يقول: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المائدة: 104]. فما الفرق بين: يعقلون ويعلمون؟ الذي يعقل هو الذي يستطيع بعقله أنْ يستنبط الأشياء، فإذا لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف المسألة ممَّنْ يستنبطها، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل؛ لأن العقل يعلم ما عقله، أما العلم فيعلم ما عقله هو وما عقله غيره، فقوله (يَعْلَمُونَ) تشمل أيضاً (يَعْقِلوُن). إذن: إذا نُفي العقل لا يُنفى العلم؛ لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلاً ويستفيد به ويتجول بين قنواته، وهو لا يعرف شيئاً عن طبيعة عمل هذا الجهاز الذي بين يديه، إنما تعلَّمه من الذي يعلمه، فالإنسان يعلم ما يعقله بذاته، ويعلم ما يعقله غيره، ويؤديه إليه؛ لذلك فنَفْي العلم دليل على الجهل المطبق الذي لا أملَ معه في إصلاح الحال. ونلحظ أيضاً أن القرآن يقول هنا: {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا ..} [لقمان: 21]، وفي موضع آخر يقول: {أية : قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ..} تفسير : [المائدة: 104] فقولهم: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فيه دلالة على إمكانية اتباعهم الحق، فالإنكار هنا بسيط، أما الذين قالوا {أية : حَسْبُنَا ..} تفسير : [المائدة: 104] يعني: يكفينا ولا نريد غيره، فهو دلالة على شدة الإنكار؛ لذلك في الأولى نفى عنهم العقل، أما في الأخرى فنفى عنهم العلم، فعَجُز الآيات يأتي مناسباً لصدرها. وهنا يقول تعالى في تذييل هذه الآية {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [لقمان: 21] لأن آباءهم ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام والكفر بالله إلا بوسوسة الشيطان، فالشيطان قَدْر مشترك بينهم وبين آبائهم. وهذا يدلنا على أن منافذ الإغواء مرة تأتي من النفس، ومرة تأتي من الشيطان، وبهما يُطمس نور الإيمان ونور المنهج في نفس المؤمن. وسبق أنْ بيَّنا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية التي تأتيك من قِبَل الشيطان، والتي تأتيك من قِبَل نفسك، فالشيطان يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه، فإذا تأبيْتَ عليه في ناحية نقلك إلى ناحية أخرى. أما النفس فتريد معصية بعينها تقف عندها لا تتحول عنها، فالنفس تميل إلى شيء بعينه، ويصعب عليها أنْ تتوبَ منه، ولكل نفس نقطة ضعف أو شهوة تفضلها؛ لذلك بعض الناس لديهم كما قلنا (طفاشات) للنفوس؛ لأنهم بالممارسة والتجربة يعرفون نقطة الضعف في الإنسان ويصلون إليه من خلالها، فهذا مدخله كذا، وهذا مدخله كذا. لكن نرى الكثيرين ممن يقعون في المعصية يُلْقون بالتبعة على الشيطان، فيقول الواحد منهم: لقد أغواني الشيطان، ولا يتهم نفسه، وهذا يكذّبه الحديث النبوي في رمضان: "حديث : إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين ". تفسير : فلو أن المعاصي كلها من قِبَل الشيطان ما رأينا معصية في رمضان، ولا ارتكبت فيه جريمة، أما وتقع فيه المعاصي وتُرتكب الجرائم، فلا بُدَّ أن لها سبباً آخر غير الشيطان؛ لأن الشياطين مُصفَّدة فيه مقيدة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ ...}.