Verse. 3491 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَمَنْ يُّسْلِمْ وَجْہَہٗۗ اِلَى اللہِ وَہُوَمُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَۃِ الْوُثْقٰى۝۰ۭ وَاِلَى اللہِ عَاقِبَۃُ الْاُمُوْرِ۝۲۲
Waman yuslim wajhahu ila Allahi wahuwa muhsinun faqadi istamsaka bialAAurwati alwuthqa waila Allahi AAaqibatu alomoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يُسلم وجهه إلى الله» أي يقبل على طاعته «وهو محسن» موحد «فقد استمسك بالعروة الوثقى» بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه «وإلى الله عاقبة الأمور» مرجعها.

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع؛ نظيره: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [طه: 112]. حديث : وفي حديث جبريل قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : . {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} قال ابن عباس: لا إلٰه إلا الله؛ وقد مضى في «البقرة». وقد قرأ عليّ ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والسُّلَمِي وعبد الله بن مسلم بن يسار: «وَمَنْ يُسَلِّم». النحاس: و«يسلّم» في هذا أعرف؛ كما قال عز وجل: {أية : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} تفسير : [آل عمران: 20] ومعنى: «أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» قصدت بعبادتي إلى الله عز وجل؛ ويكون «يسلّم» على التكثير؛ إلا أن المستعمل في سلّمت أنه بمعنى دفعت؛ يقال سلمت في الحنطة، وقد يقال أسلمت. الزمخشريّ: قرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «وَمَنْ يُسَلّم» بالتشديد؛ يقال: أسلم أمرك وسلّم أمرك إلى الله تعالى؛ فإن قلت: ما له عُدّي بإلى، وقد عدّي باللام في قوله عز وجل: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 112]؟ قلت: معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله؛ أي خالصاً له. ومعناه مع إلى راجع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل عليه والتفويض إليه. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي مصيرها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عمن أسلم وجهه لله، أي: أخلص له العمل، وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي: فقد أخذ موثقاً من الله متيناً لا يعذبه، {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِوَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} أي: لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله، وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم، فينبئهم بما عملوا، أي: فيجزيهم عليه، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي: في الدنيا، {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} أي: نلجئهم {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي: فظيع صعب مشق على النفوس؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } تفسير : [يونس: 69 ــــ 70].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } أي يُقْبل على طاعته {وَهُوَ مُحْسِنٌ } موحِّد {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلأَمُورِ } مرجعها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلّى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه يخلص لله، قاله السدي. الثاني: يقصد بوجهه طاعة الله. الثالث: يسلم نفسه مستسلماً إلى الله وهو محسن يعني في عمله. {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} فيها أربعة تأويلات: أحدها: قول لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: القرآن، قاله أنس بن مالك. الثالث: الإسلام، قاله السدي. الرابع: الحب في الله والبغض في الله، قاله سالم بن أبي الجعد. وفي تسميتها بالعروة الوثقى وجهان: أحدهما: أنه قد استوثق لنفسه فيما تمسك به كما يستوثق من الشيء بإمساك عروته. الثاني: تشبيهاً بالبناء الوثيق لأنه لا ينحل. {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبةُ الأُمُورِ} قال مجاهد: وعند الله ثواب ما صنعواْ.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر تعالى حال الكفرة أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين ليبين الفرق وتتحرك النفوس إلى طلب الأفضل، وقرأت عامة القراء "يسْلم" بسكون السين وتخفيف اللام. وقرأ عبد الله بن مسلم وأبو عبد الرحمن "يسَلّم" بفتح السين وشد اللام ومعناه يخلص ويوجه ويستسلم به، و"الوجه" هنا الجارحة استعير للمقصود لأن القاصد للشيء فهو مستقبله بوجهه فاستعير ذلك للمقاص، و"المحسن" الذي جمع القول والعمل، وهو الذي شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإحسان، و {العروة الوثقى} استعارة للأمر المنجي الذي لا يخاف عليه استحالة ولا إخلال والعرى موضع التعليق فكأن المؤمن متعلق بأمر الله فشبه ذلك {بالعروة}، و {الأمور} جمع أمر وليس بالمضاد للنهي، ثم سلى عز وجل نبيه عن موجدته لكفر قومه وإعراضهم فأمره أن لا يحزن لذلك بل يعمد لما كلفه من التبليغ ويرجع الكل إلى الله تعالى، وقرأت فرقة "يُحزنك" من الرباعي، وقرأت فرقة "يَحزنك" من الثلاثي، و"ذات الصدور" ما فيها والقصد من ذلك إلى المعتقدات والآراء، ومن ذلك قولهم "الذئب مغبوط بذي بطنه"، ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه "ذو بطن بنت خارجة"، والمتاع القليل هو العمر في الدنيا، و"العذاب الغليظ" معناه المغلظ المؤلم، ثم أقام عليهم الحجة في أمر الأصنام بأنهم يقرون بأن الله تعالى خالق المخلوقات ويدعون مع ذلك إلهاً غيره، والمعنى {قل الحمد لله} على ظهور الحجة عليكم، وقوله تعالى: {بل أكثرهم} إضراب عن مقدر تقديره ليس دعواهم بحق ونحو هذا، وقوله {أكثرهم} على أصله لأن منهم من شذ فعلهم كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس، وورقة بن نوفل، ويحتمل أن تكون الإشارة أيضاً إلى من هو معد أن يسلم، ثم أخبر على جهة الحكم وفصل القضية بأن الله له ملك السماوات والأرض وما فيها، أي وأقوال هؤلاء لا معنى لها ولا حقيقة و {الغني} الذي لا حاجة به في وجوده وكماله إلى شيء ولا نقص بجهة من الجهات، و {الحميد} المحمود أي كذلك هو بذاته وصفاته.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُسْلِمْ وَجْهَهُ} يخلص دينه، أو يقصد بوجهه طاعة الله تعالى {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله {بِالْعُرْوَةِ} قول لا إله إلا الله، أو القرآن، أو الإسلام، أو الحب في الله تعالى والبغض فيه {الْوثْقَى} للاستيثاق بالتمسك بها كما يتوثق من الشيء بإمساك عراه أو تشبيهاً بالبناء الوثيق لأنه لا ينحل {عَاقِبَةُ الأُمُورِ} ثواب ما صنعوا.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} معناه يُخْلِصُ ويُوَجِّهْ ويستسلمْ به والوجْه هنا: الجارحة، اسْتُعِيْرَ للمقصِد؛ لأَنَّ القاصدَ إلى شيء فهو مستقبله بوجهه، فاستعيرَ ذلك للمعاني، والمحسنُ: الذي جَمَعَ القولَ والعمل، وهو الذي شَرَحه صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل ـــ عليه السلام ـــ عن الإحسان. والمتاعُ القليلُ هنا هو العمر في الدنيا. ـــ وقوله: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي: على ظهور الحجة.

التستري

تفسير : قوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}[22] قال: من يخلص دينه لله عزَّ وجلَّ ويحسن أدب الإخلاص، {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ}[22] وهي السنة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [الآية: 22]. قال سهل: من يخلص دينه لله ولحسن أدب الإخلاص. وقال: {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} هى السنة. قال أبو عثمان: العروة الوثقى: محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} اى من بذل وجوده لوجد ان وجود الحق سبحانه وهو يعرفه ويكون معرفته مستفادة من مشاهدته لا بتقليد العلم والادلالة العقلية فقد استمسك بعروة المحبة الازلية لا يتكدر بعلل الحدثان والاحسان مشاهدة الربوبية فى العبودية والعروة الوثقى المحبة المتصلة بالالوهية قال سهل من يخلص دينه لله ويحسن أداب الاخلاص وقال العروة الوثقى هى السنة وقال ابو عثمان العروة محمده على الله عليه وسلم وقال ايضا هى كتاب الله وسنة رسوله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يسلم وجهه الى الله} من شرطية معناها بالفارسية [هركه ما] واسلم اذا عدى بالى يكون بمعنى سلم واذا عدى باللام تضمن معنى الاخلاص والوجه بمعنى الذات. والمعنى ومن يسلم نفسه الى الله تسليم المتاع للعامل بان فوض امره اليه واقبل بكليته عليه {وهو محسن} والحال انه محسن فى عمله آت به على الوجه اللائق الذى هو حسنه الوصفى المستلزم لحسنه الذاتى ولا يحصل ذلك غالبا الا عن مشاهدة ولذا فسر النبى عليه السلام الاحسان بان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك {فقد استمسك بالعروة الوثقى}. قال فى المفردات امساك الشئ التعلق به وحفظه واستمسكت بالشئ اذا تحريت بالامساك انتهى. والاستمساك بالفارسية [جنك درزدن] كما فى تاج المصادر. والعروة بالضم ما يعلق به الشئ من عروته بالكسر اى ناحيته والمراد مقبض نحو الدلو والكوز. والوثقى الموثقة المحكمة تأنيث الاوثق كالصغرى تأنيث الاصغر والشئ الوثيق ما يأمن صاحبه من السقوط. والمعنى فقد تعلق باوثق ما يتعلق به من الاسباب واقواه: وبالفارسية [دست درزد استوارتر كوشه وبدست آويز محكم] وهو تمثيل لحال المتوكل المشتغل بالطاعة بحال من اراد ان يترقى الى شاهق جبل فتمسك باوثق عرى الحبل المتدلى منه بحيث لا يخاف انقطاعه {والى الله} لا الى احد غيره {عاقبة الامور} عاقبة امر المتوكل وامر غيره فيجازيه احسن الجزاء: وبالفارسية [وبالله كردد سر انجام همه كار وجنان بود كه او خواهد]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال في الحاشية: لّمَّا ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم، وعدّاه هنا بإلى، وفي قوله: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِِ} تفسير : [البقرة: 112]، باللام؛ لأنه لَمَّا كان المجادل غير مُعين، ولم يخص له واحداً بعينه، عقَّبه بحال من حصل منه مطلق الاستسلام، ومَدْحُهُ يتناول مَدْحَ مَنِ اتصف بأخص الاستسلام. أو: في الآية الأخرى أتى به خاصاً، لما رتب عليه من الثواب الجزيل بقوله: {فله أجره...} إلخ، الذي لم يذكر هنا إلا بعضه، فإن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء، و"إلى": لا تقتضي ذلك. انظر ابن عرفة. وقال النسفي: عدّاه هنا بإلى وهناك باللام؛ لأن معناه، مع اللام: أنه جعل وجهه - وهو ذاته ونفسه - سالماً لله، أي: خالصاً له، ومعناه، مع "إلى": أنه سلّم نفسه كما يُسلم المتاع إلى الرجل، إذا دفع إليه. والمراد: التوكل عليه والتفويض إليه. هـ. أي: فهو أبلغ من اللام، ومثله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: {ومن يُسْلِمْ وَجْهَه إلى الله} أي: ينقد إليه بكليته، وينقطع إليه بجميع شراشره، بأن فوض أمره إليه، وأقبل بكُلِّيَّتِهِ عليه، {وهو محسن} في أعماله. قال القشيري: من أَسْلَمَ نَفْسُه، وأخلص في الله قَصْدَهُ، فقد استمسك بالعروة الوثقى. هـ. فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص، فلذلك قال: {وهو محسن}. قاله المحشي. وقلت: وفيه نظر؛ فإن الحق تعالى إنما عبَّر بالإسلام لا بالاستسلام، وإنما المعنى: أسلم وجهه في الباطن، وهو محسن بالعمل في الظاهر، {فقد استمسك بالعُرْوَةِ الوُثْقَى}، أي: تعلق بأوثق ما يتعلق به؛ فالعروة: ما يستمسك به. والوثقى: تأنيث الأوثق. مثّلَ حال المسلم المتوكل بحال من أراد أن يَتَدَلَّى من شاهق جبل، فاحتاط لنفسه، بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمونٍ انقطاعُهُ. قال الهروي: أي: تمسك بالعقد الوثيق. وقال الأزهري: أصله: من عروة الكلأ، وهو: ماله أصل ثابت في الأرض، من الشيح وغيره من الشجر المستأصل في الأرض. ضُربَتْ مثلاً لكل ما يُعْتَصَمُ به ويُلْجأُ إليه. هـ. وهو إشارة لكون التوحيد سبباً وأصلاً، والآخِذُ به، مُّتصلاً بالله، لا يخشى انقطاعاً ولا هلاكاً، بخلاف الشرك، فإنه على الضد، كما يرشد إليه قوله تعالى: {أية : وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ...}تفسير : [إبراهيم: 26] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الحج: 31] الآية. {وإلى الله عاقبة الامور} أي: صائرة إليه فيُجازى عليها. {ومن كَفَرَ}؛ ولم يسلم وجهه لله، {فلا يَحْزُنك كُفْرُه}؛ فلا يهمك شأنه، فَسَيَقْدِمُ علينا ونجازيه، {إلينا مرجعُهم فننبئهم بما عملوا}، أي: فنعاقبهم على أعمالهم، {إن الله عليم بذات الصور}، أي: عالم بحقائق الصدور، وما فيها، فيجازى على حسبها، فضلاً عما في الظواهر، {نُمتعهم قليلاً}، أي: نمتعهم زماناً قليلاً بدنياهم، {ثم نضطرهم}، نلجئهم {إلى عذابٍ غليظٍ} شديد. شبَّه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إليه، باضطرار المضطر إلى الشيء. والغِلظ: مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة والثَّقَلُ على المُعَذِّبِ. عائذاً بالله من موجبات غضبه. الإشارة: ومن يَنْقَدْ بكليته إلى مولاه، وغاب عن كل ما سواه، وهو من أهل مقام الإحسان، بأن أشرقت عليه شمس العيان، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أبداً. ومن أمارات الانقياد: ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار، وترك الشكوى بأحكام الواحد القهار. {وإلى الله عاقبة الأمور}؛ فيوصل من يشاء برحمته، ويقطع من يشاء بعدله. ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه؛ فلا يحزنك، أيها العارف، فعله، إلينا إيابهم، وعلينا حسابهم، فَسَنُمَتَّعهُمْ بحظوظهم، والوقوف مع عوائدهم، زماناً قليلاً، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب. والعياذ بالله. ثم برهن على توحيد من يجب الاستسلام له، فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} قد مضى اوّل الآية فى سورة النّساء مع تفصيلٍ وتحقيقٍ فى بيانها وآخرها فى سورة البقرة {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} يعنى عاقبة جملة الامور ينتهى الى الله بمعنى انّ ايجاد الاملاك والافلاك والعناصر ليس الاّ لايجاد المواليد، وجميع الحركات الاراديّة والطّبيعيّة وسكناتها وجميع المواليد ليست الاّ لايجاد الانسان وقد خلقه الله لاجل نفسه، او المعنى كلّ امرٍ ينتهى عاقبته الى الله بمعنى انّ كلّ فعل غايته ينتهى الى امرٍ ليس هو مقصوداً بذاته بل هو مقصود لاجل الغير الى ان ينتهى الى غاية الغايات ونهاية النّهايات، او المعنى ينتهى عاقبة كلّ الامور الى الله فى النّظر واللّحاظ بمعنى انّ النّاظر اذا نظر الى امر وجده صادراً عن فاعل، واذا نظر الى ذلك الفاعل وجده مسخّراً لغيره فى ذلك الفعل، وهكذا الى ان ينتهى الى المسخّر الحقيقىّ الّذى هو الله فيكون فاعل كلّ امر هو الله لكنّه يكون فى هذا اللّحاظ عاقبة جملة الفواعل.

الأعقم

تفسير : {ومن يسلم وجهه إلى الله} مخلص دينه لله ويفوض أمره إليه وإسلام الوجه هو الانقياد له في أوامره ونواهيه {وهو محسن} يفعل الإِحسان وهو الطاعات {فقد استمسك بالعروة الوثقى} من باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من جبل متين مأمون انقطاعه، قيل: هو طاعة الله فيما أمر ونهى {وإلى الله عاقبة الأمور} {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم} إلى حكمنا مصيرهم {فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور} {نمتعهم قليلاً} أي نعمرهم ثم نمهلهم ونعطيهم من ملاذ الدنيا ونعيمها ما ينعمون به مدة قليلة {ثم نضطرهم} قيل: نلجئهم {إلى عذاب غليظ} كقوله: {أية : زدناهم عذاباً فوق العذاب} تفسير : [النحل: 88] {ولئن سألتهم} يعني كفار مكة {من خلق السماوات والأرض ليقولن} هو {الله} وحده {بل أكثرهم لا يعلمون} أن ذلك يلزمهم {لله ما في السماوات والأرض} ملكاً وخلقاً {إن الله هو الغني الحميد} الغني عن حمد الحامدين المستحق للحمد {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده} الآية عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود لما قالوا قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلامٌ والبحر ممدودٌ {سبعة أبحر} وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد ما نفدت كلماته، وقيل: لو صار جميع أشجار العالم أقلاماً والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد يمد الأقلام {ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} قادر على جميع ذلك، كلمات قيل: كلامه، وقيل: معلوماته {ما خلقكم ولا بعثكم إلاَّ كنفس واحدة} يعني القليل والكثير والابتداء والإِعادة في مقدوره سواء لا يصعب عليه شيء من ذلك {إن الله سميع} لأقوالكم {بصير} بضمائركم، قوله تعالى: {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} قيل: المراد به إدخال أحدهما على الآخر وينقص من أحدهما ويزيد في الآخر {وسخّر الشمس والقمر} بأن أجراهما لمنافع الخلق {كل يجري لأجل مسمى} قيل: هو يوم القيامة {وأن الله بما تعملون خبير} عليم بأعمالكم {ذلك بأن الله هو الحق} وأن ما تدعونه هي الأصنام هو الباطل {وأن الله هو العلي الكبير} القادر القاهر {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله} أي برحمته {ليريكم من آياته} من حججه {إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور} لنعمائه {وإذا غشيهم موج كالظلل} في ارتفاعه وتغطية ما فيه، وقيل: كالجبال، وقيل: كالسحاب، وهو جمع ظلة وكل شيء أظلّك فهو قلة {دعوا الله مخلصين له الدين} أي دعوه لينجيهم من العذاب {فلما نجّاهم إلى البرّ} أي أجاب دعوتهم ونجاهم من تلك المخاطر {فمنهم مقتصد} مؤمن، وقيل: على طريقة مستقيمة وصلاح في الآخرة {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}، قيل: ختار كفور غدار جحود.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يُسْلِمْ} وقرأ علي بفتح السين وتشديد اللام. {وَجْهَهُ إِلَى اللهِ} بأن فوّض أمره إلى الله واقبل بكله على طاعته وأسلمت المتاع الى الرجل وسلمته بمعنى دفعته اليه فأرسلته اليه وحيث عدى باللام مثل قوله جل وعلا {بلى من أسلم وجهه لله} فلتضمنه معنى الاخلاص. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} موحدا ومحسن في عمله وقيل جمع القول والعمل والجملة حال مؤكدة. {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} تعلق تعلقا شديدا. {بِالعُرْوَةِ} بالطرف. {الوُثْقَى} التي لا يخاف انقطاعها مثل حال المتوكل بحال من تدلى من موضع عال واستمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه فهو ناج او بحال من تمسك بأوثق عروة ليرتفع الى غاية نفيسة. {وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} مصير الأمور اليه في الآخرة لا الى غيره.

اطفيش

تفسير : {ومن يُسْلم وجْهَه إلى الله وهُو مُحسنٌ} فى اعماله، يخلص قلبه وجسده، ويحسن عمله، او قل باطنه وظاهره بالتفويض اليه فى اموره، كما هو انسب بقوله: {فَقَد اسْتَمْسك بالعُروة الوثْقى} الاولى ان التفويض لا يذكر هنا، وقد تضمنه الكلام، والمعنى من أقبل على الله اقبالا تاما، وجد الله ملجأ له، والعروة الوثقى استعارة، شبه الاقبال عليه بها، وأولى من ذلك ان تجعل الاستعارة مركبة مركبة تمثيلية، فعندهم اذا امكنت بلا ضعف لم يعدل عنها الى المفردة فنقول: شبه الاقبال عليه بالكلية، والاحسان فى العمل بالترقى الى عال، والتمسك فى ترقية بما يأمن اختلاله له. {وإلى الله} لا الى آلهتهم، ولا الى غيرها {عاقبة الأمور} كلها، ومنها البعث، واثابة مسلم الوجه الى الله تعالى بأحسن الجزاء، ومعاقبة المجادل فى الله عز وجل بالسعير، وكون الاستغراق كما رايت اولى من ان تكون للعهد بالجدال، واتباع ما ما وجدوا عليه آباءهم، ومنها اسلام الوجه الى الله، وعاقبة الامور آخرها وهو الجزاء، او الامور العاقبة، فيكون من اضافة الصفة للموصوف.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } بأن فوض إليه تعالى جميع أموره وأقبل عليه سبحانه بقلبه وقالبه، فالإسلام كالتسليم التفويض، والوجه الذات، والكلام كناية عما أشرنا إليه من تسليم الأمور جميعها إليه تعالى والإقبال التام عليه عز وجل وقد يعدى الإسلام باللام قصداً لمعنى الإخلاص. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار {يُسْلِمْ } بتشديد اللام من التسليم وهو أشهر في معنى التفويض من الإسلام {وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي في أعماله والجملة في موضع الحال. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } تعلق أتم تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب وهذا تشبيه تمثيلي مركب حيث شبه حال المتوكل على الله عز وجل المفوض إليه أموره كلها المحسن في أعماله بمن ترقى في جبل شاهق أو تدلى منه فتمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، وجوز أن يكون هناك استعارة في المفرد وهو العروة الوثقى بأن يشبه التوكل النافع المحمود عاقبته بها فتستعار له. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ} أي هي صائرة إليه عز وجل لا إلى غيره جل جلاله فلا يكون لأحد سواه جل وعلا تصرف فيها بأمر ونهي وثواب وعقاب فيجازي سبحانه هذا المتوكل أحسن الجزاء، وقيل: فيجازي كلاً من هذا المتوكل وذاك المجادل بما يليق به بمقتضى الحكمة، وأل في الأمور للاستغراق، وقيل: تحتمل العهد على أن المراد الأمور المذكورة من المجادلة وما بعدها، وتقديم {إِلَى ٱللَّهِ } للحصر رداً على الكفرة في زعمهم مرجعية آلهتهم لبعض الأمور. / واختار بعضهم كونه إجلالاً للجلالة ورعاية للفاصلة ظناً منه أن الاستغراق مغن عن الحصر وهو ليس كذلك.

ابن عاشور

تفسير : هذا مقابل قوله {أية : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم}تفسير : [لقمان: 20] إلى قوله: {أية : يدعوهم إلى عذاب السعير}تفسير : [لقمان: 21]، فأولئك الذين اتبعوا ما وجدوا ءاباءهم عليه من الشرك على غير بصيرة فوقعوا في العذاب، وهؤلاء الذين لم يتمسكوا بدين آبائهم وأسلموا لله لما دعاهم إلى الإسلام فلم يصدّهم عن اتباع الحق إلف ولا تقديس آباء؛ فأولئك تعلقوا بالأوهام واستمسكوا بها لإرضاء أهوائهم، وهؤلاء استمسكوا بالحق إرضاء للدليل وأولئك أرضوا الشيطان وهؤلاء اتّبعوا رضى الله. وإسلام الوجه إلى الله تمثيل لإفراده تعالى بالعبادة كأنه لا يقبل بوجهه على غير الله، وقد تقدم في قوله تعالى {أية : بَلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن} تفسير : في سورة البقرة (112)، وقوله {أية : فَقُل أسلَمْتُ وجهيَ لله} تفسير : في سورة آل عمران (20). وتعدية فعل {يُسْلم} بحرف {إلى} هنا دون اللام كما في آيتي سورة البقرة (112) وسورة آل عمران (20) عند الزمخشري مجاز في الفعل بتشبيه نفس الإنسان بالمتاع الذي يدفعه صاحبه إلى آخر ويَكِلُه إليه. وحقيقته أن يعدى باللام، أي وجهه وهو ذاته سالماً لله، أي خالصاً له كما في قوله تعالى {أية : فإن حاجُّوك فقل أسلمتُ وجهيَ لله} تفسير : في سورة آل عمران (20). والإحسان: العمل الصالح والإخلاص في العبادة. وفي الحديث:حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراكتفسير : . والمعنى: ومن يسلم إسلاماً لا نفاق فيه ولا شك فقد أخذ بما يعتصم به من الهُوِيّ أو التزلزل. وقوله {فقد استمسك بالعروة الوثقى} مضى الكلام على نظيره عند قوله تعالى {أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} تفسير : في سورة البقرة (256)، وهو ثناء على المسلمين. وتذييل هذا بقوله {وإلى الله عاقبة الأمور} إيماء إلى وعدهم بلقاء الكرامة عند الله في آخر أمرهم وهو الحياة الآخرة. والتعريف في {الأمور} للاستغراق، وهو تعميم يراد به أن أمور المسلمين التي هي من مشمولات عموم الأمور صائرة إلى الله وموكولة إليه فجزاؤهم بالخير مناسب لعظمة الله. والعاقبة: الحالة الخاتمة والنهاية. و{الأمور}: جمع أمر وهو الشأن. وتقديم {إلى الله} للاهتمام والتنبيه إلى أن الراجع إليه يلاقي جزاءه وافياً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن يسلم وجهه إلى الله: أي أقبل على طاعته مخلصاً له العبادة لا يلتفت إلى غيره من سائر خلقه. وهو محسن: أي والحال أنه محسن في طاعته إخلاصاً واتباعاً. فقد استمسك بالعروة الوثقى: أي تعلّق بأوثق ما يتعلق به فلا يخاف انقطاعه بحال. وإلى الله عاقبة الأمور: أي مرجع كل الأمور إلى الله سبحانه وتعالى. نمتعهم قليلاً: أي متاعاً في هذه الدنيا قليلا إي إلى نهاية آجالهم. ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ: أي ثم نُلجئهم في الآخرة إلى عذاب النار والغليظ: الثقيل. قل الحمد لله: أي إحمد الله على ظهور الحجة بأن تقول الحمد لله. لا يعلمون: أي من يستحق الحمد والشكر ومن لا يستحق لجهلهم. معنى الآيات بعد إقامة الحجة على المشركين في عبادتهم غير الله وتقليدهم لآبائهم في الشرك والشر والفساد قال تعالى مرغباً في النجاة داعياً إلى الإِصلاح: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي يقبل بوجهه وقلبه على ربه يعبده مُتذللاً له خاضعاً لأمره ونهيه. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي والحال أنه محسن في عبادته إخلاصا فيها لله، واتباعا في أدائها لرسول الله {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي قد أخذ بالطرف الأوثق فلا يخاف انقطاعاً أبداً وقوله تعالى: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} يخبر تعالى أن مَردَّ الأمور كلها لله تعالى يقضي فيها بما يشاء فليفوِّض العبد أموره كلها لله إذ هي عائدة إليه فيتخذ بذلك له يداً عند ربه، وقوله لرسوله: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} أي أسلم وجهك لربك وفوض أمرك إليه متوكلا عليه ومن كفر من الناس فلا يحزنك كفره أي فلا تكترث به ولا تحزن عليه {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي فإِن مردهم إلينا بعد موتهم ونشورهم {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} في هذا الدار من سوء وشر ونجزيهم به. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي بما تكنه وتخفيه من اعتقادات ونيّات وبذلك يكون الحساب دقيقاً والجزاء عاجلاً. وقوله تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي نمهل هؤلاء المشركين فلا نعاجلهم بالعقوبة فيتمتعون مدة آجالهم وهو متاع قليل {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} بعد موتهم ونشرهم {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي نلجئهم إلجاءً إلى عذاب غليظ ثقيل لا يحتمل ولا يطاق وهو عذاب النار. نعوذ بالله منها ومن كل عمل يؤدي إليها وقوله تعالى في الآية [25] {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين قائلا لهم: من خلق السماوات والأرض لبادروك بالجواب قائلين الله إذاً قل الحمد لله على إقامة الحجة عليكم باعترافكم، وما دام الله هو الخالق الرازق كيف يعبد غيره أو يعبد معه سواه أين عقول القوم؟ وقوله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون موجب الحمد ولا مقتضاه، ولا من يستحق الحمد ومن لا يستحقه لأنهم جهلة لا يعلمون شيئاً. وقوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خلقا وملكا وعبيدا ولذا فهو غني عن المشركين وعبادتهم فلا تحزن عليهم ولا تبال بهم عبدوا أو لم يعبدوا {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} عن كل ما سواه {ٱلْحَمِيدُ} أي المحمود بعظيم فعله وجميل صنعه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان نجاة أهل لا إله إلا الله وهم الذين عبدوا الله وحده بما شرع لهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. 2) تقرير عقيدة البعث والجزاء. 3) بيان أن المشركين من العرب موحدون في الربوبيّة مشركون في العبادة كما هي حال كثير من الناس اليوم يعتقدون أن الله ربّ كل شيء ولا ربَّ سواه ويذبحون وينذرون ويحلفون بغيره، ويخافون غيره ويرهبون سواه. والعياذ بالله.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} (22) - وَمَنْ يُخْلِصِ العَمَلَ للهِ، وَيَخْضَعْ لأَِمْرِهِ، وَيَتّبعْ شَرْعَهُ، وَهُوَ مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ باتِّبَاعِ مَا أَمَرَ اللهُ بهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِأَوْثَقِ الأَسْبَابِ التي تُوصِلُ إِلى رِضْوَانِ اللهِ، وَحُسْن جَزَائِهِ، والنَّاسُ رَاجِعُونَ جَميعاً إِلى اللهِ، وأَعْمَالُهُم وأُمُورُهُمْ صَائِرَةٌ إليهِ فيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ. يُسْلِمْ وَجْهَهُ للهِ - يُفَوِّضْ أَمْرَهُ كُلَّهُ للهِ. اسْتَمْسَكَ - تَمَسَّكَ واعْتَصَمَ وَتَعَلَّقَ. العُرْوةِ الوُثْقَى - بِالعَهْدِ الأَوْثَقِ الذِي لاَ نَقْضَ لَهُ.

الثعلبي

تفسير : قوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي يخلص دينه لله ويفوّض أمره إليه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (يُسلِّمْ) بالتشديد، وقراءة العامّة بالتخفيف من الإسلام وهو الاختيار لقوله: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 112] وأشباه ذلك. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي: اعتصم بالطريق الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. وقال ابن عبّاس: هي: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الصافات: 35]. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} يعني مرجعها. {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ} نعمّرهم ونمهلهم {قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} نُلجئهم، ونردّهم {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ}. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} الآية. قال المفسِّرون: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرّوح فأنزل الله بمكّة: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإسراء: 85] الآية، حديث : فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود، فقالوا: يا محمّد بلغنا عنك أنّك تقول: وما أُوتيتم من العلم إلاّ قليلاً، أفعنيتنا أم قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كلاًّ قد عنيت. قالوا: ألستَ تتلوا فيما جاءَك: إنّا قد أُوتينا التّوراة وفيها علم كلّ شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليلٌ وقد آتاكم الله ما إنْ عملتم به انتفعتم. قالوا: يا محمّد كيف تزعم هذا وأنت تقول: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} فكيف يجتمع هذا قليل وخير كثير؟ فأنزلَ الله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : أي بريت أقلاماً {وَٱلْبَحْرُ} بالنصب ابن أبي إسحاق وأبو عمرو ويعقوب. غيرهم بالرّفع، وحجّتهم: قراءة عبدالله وبحر {يَمُدُّهُ} أي يزيده وينصب عليه {مِن بَعْدِهِ} من خلفه {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} وفي هذه الآية اختصار تقديرها: ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدُّهُ من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله، وهذه الآية تقتضي أنّ كلامه غير مخلوق؛ لأنّه لا نهاية له ولما يتعلّق به من معناه فهو غير مخلوق. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} هذه الآية على قول عطاء بن يسار: مدنيّة، قال: نزلت بعد الهجرة كما حكينا. وعلى قول غيره: مكّيّة، قالوا: إنّما أمرَ اليهود وفد قريش أنْ يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكّة، والله أعلم. قوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني إلاّ كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء وهذا كقوله: {أية : تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [الأحزاب: 19] أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِك} الذي ذكرتُ لتعلموا: {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} برحمة الله، {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على أمر الله {شَكُورٍ} على نِعَمِهِ. قال أهل المعاني: أراد لكلّ مؤمن، لأنّ الصّبر والشكر من أفضل خصال المؤمنين. {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب (وٱلظُّلَلِ) جمع ظلّه شَبَّهَ الموجَ بها في كثرتها وارتفاعها كقول النّابغة في صفة بحر: شعر : يماشيهن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان . تفسير : وإنّما شبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع، لاِنَّ الموج يأتي شيء بعد شيء ويركب بعضه بعضاً كالظلل. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنّما لم يجمع لأنّه مصدر، وأصله من الحركة والازدحام. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} قال ابن عبّاس: موف بما عاهد الله عليه في البحر. ابن كيسان: مؤمن. مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر. الكلبي: مقتصد في القول من الكفّار لأنَّ بعضهم أشدّ قولاً وأغلى في الافتراء من بعض. ابن زيد: المقتصد الذي على صلاح من الأمر. {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} غدّار {كَفُورٍ} جحود، والختر أسوأ الغدر. وقال عمرو بن معدي كرب: شعر : وإنّك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي} لا يقضي ولا يُغني ولا يكفّر {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}. قراءة العامّة: بفتح الغين هاهنا وفي سورة الملائكة والحديد وقالوا: هو الشيطان. وقال سعيد بن جبير: هو أن يعمل بالمعصية ويتمنّى المغفرة. وقرأ سماك بن حرب: بضم الغين ومعناه لا تغتروا {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الآية. نزلت في الوارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن خصفة من أهل البادية، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إنّ أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركتُ امرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمتُ أين وُلدتْ فبأيّ أرض تموت؟ فأنزل الله هذه الآية. أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبي عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : مفاتيحُ الغيب خمسة {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الآية ". تفسير : وروى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله هل من العلم علم لم تؤته؟ فقال: لقد أُوتيتُ علماً كثيراً أو علماً حسناً (أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ تلا رسول الله هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} إلى قوله: {خَبِيرٌ} فقال: هؤلاء خمسة لا يعلمهنّ إلاّ الله تبارك وتعالى. وأخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن حمدون بن عمارة الأعمش، عن علي بن حشرم، عن الفضل بن موسى، عن رجل سمّاه قال: بلغ ابن عبّاس أنَّ يهودياً خرج من المدينة يحسب حساب النجوم فأتاه فسأله. فقال: إنْ شئت أنبأتك عن نفسك وعن ولدك. فقال: إنّك ترجع إلى منزلك وتلقى لك بابن محموم، ولا تمكث عشرة أيّام حتّى يموت الصبي، وأنت لا تخرج من الدُّنيا حتى تعمى، فقال ابن عبّاس: وأنت يا يهودي؟ قال: لا يحول عليَّ الحول حتى أموت، قال: فأين موتك؟ قال: لا أدري. قال ابن عبّاس: صدق الله {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}. قال: فرجع ابن عبّاس فتلقّى بابن محموم فما بلغَ عشراً حتّى مات الصبي، وسأل عن اليهودي قبل الحول فقالوا: مات، وما خرجَ ابن عبّاس من الدنيا حتّى ذهب بصره. قال علي: هذا أعجب حديث. قوله: {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} كان حقه بأيّة أرض، وبه قرأ أُبيّ بن كعب، إلاّ أنّ مَن ذَكَّر قال: لاِنّ الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء. وقيل: أراد بالأرض المكان فلذلك ذَكَّر، وأحتجُ بقول الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا الأرض ابقل ابقالها

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: مَنْ أراد أن يُخلِّص نفسه من الجدل بغير علم، وبغير هدى، وبغير كتاب منير، فعليه أنْ يُسلم وجهه إلى الله؛ لأن الله تعالى قال في آية أخرى: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] ثم استثنى منهم{أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40]. وقال سبحانه: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..} تفسير : [الإسراء: 65]. ومعنى {يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ..} [لقمان: 22] أخلص وجهه في عبادته لله وحده، وبذلك يكون في معية الله، ومَنْ كان في معية ربه فلا يجرؤ الشيطان على غوايته، ولا يُضيع وقته معه، إنما ينصرف عنه إلى غافل يستطيع الدخول إليه، فالذي ينجيك من الشيطان أنْ تُسلِم وجهك لله. وقد ضربنا لذلك مثلاً بالولد الصغير حينما يسير في صحبة أبيه فلا يجرؤ أحد من الصبيان أن يعتدي عليه، أما إنْ سار بمفرده فهو عُرْضة لذلك، لا يَسْلم منه بحال، كذلك العبد إنِ انفلتَ من يد الله ومعيته. وهذا المعنى ورد أيضاً في قوله سبحانه: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 112] وهنا قال {إِلَى ٱللَّهِ ..} [لقمان: 22] فما الفرق بين حرفي الجر: إلى، اللام؟ استعمال (إلى) تدل على أن الله تعالى هو الغاية، والغاية لا بُدَّ لها من طريق للهداية يُوصِّل إليها. أمَّا (اللام) فتعني الوَصْل لله مباشرة دون قطع طريق، وهذا الوصول المباشر لا يكون إلا بدرجة عالية من الإخلاص لله. فقوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ..} [لقمان: 22] يعني: أنك على الطريق الموصِّل إلى الله تعالى، وأنك تؤدي ما افترضته عليك. ومن إسلام الوجه لله قَوْل ملكة سبأ: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44] الكلام هنا كلام ملكة، فلم تقل: أسلمتُ لسليمان، لكن مع سليمان لله، فلا غضاضة إذن. وإسلام الوجه لله، أو إخلاص العمل لله تعالى عملية دقيقة تحتاج من العبد إلى قدر كبير من المجاهدة؛ لأن النفس لا تخلو من هفوة، وكثيراً ما يبدأ الإنسان العمل مخلصاً لله، لكن سرعان ما تتدخل النفس بما لها من حب الصِّيت والسمعة، فيخالط العملَ شيء من الرياء ولو كان يسيراً. لذلك؛ فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمل عنا هذه المسألة ويطمئن المسلم على عمله، فيقول في دعائه: "حديث : اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك، فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : والنبي صلى الله عليه وسلم ليس مظنة ذلك، لكن الحق سبحانه علَّمه أن يتحمل عن أمته كما تحمَّل الله عنه في قوله تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ..} تفسير : [الأنعام: 33] أي: أنك أسمى عندهم من أن تكون كاذباً. {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. وقوله تعالى: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ..} [لقمان: 22] كلمة استمسك تدلُّ على القوة في الفعل والتشبُّث بالشيء؛ كما نقول (تبِّت فيه)، وهي تعني: طلب أنْ يمسك؛ لذلك لم يَقُل مسكَ إنما (استمسك). وأول مظاهر الاستمساك أنك لا تطمئن إلى ضعف نفسك، فيكون تمسك بالعروة الوثقى أشدّ، كما لو أنك ستنزل من مكان عالٍ على حبل مثلاً فتتشبت به بشدة؛ لأنك إنْ تهاونت في الاستمساك به سقطت، وهذا دليل على ثقتك بضعف نفسك، وأنه لا ينُجيك من الهلاك، ولا واقي لك إلا أنْ تستمسك بهذا الحبل. كذلك الذي يُسْلِم وجهه لله ويُمسِك بالعروة الوثقى، فليس له إلا هذه مُنْجية وواقية. وكلمة {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ..} [لقمان: 22] العروة: هي اليد التي نمسك بها الكوز أو الكوب أو الإبريق، وهي التي تفرق بين الكوب والكأس، فالكأس لا عروة لها، إلا إذا شُرب فيها الشراب الساخن، فيجعلون لها يداً. ومعنى {ٱلْوُثْقَىٰ ..} [لقمان: 22] أي: المحكمة، وهي تأنيث أوثق، نقول: هذا أوثق، وهذه وُثْقى، مثل أصغر وصُغْرى، وهي تعني الشيء المرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصله، فإنْ كان دَلْواً فهي وُثْقى بالدلو، وإنْ كان كوباً فهي وُثْقى بالكوب، فهي الموثقة التي لا تنقطع، ولا تنفصل عن أصلها. والعُرْوة تختلف باختلاف الموثِّق، فإنْ صنع العروة صانع غاشٌّ، جاءت ضعيفة هشَّة، بمجرد أنْ تمسك بها وتنخلع في يدك، وهذا ما نسميه "الغش التجاري" وهو احتيال لتكون السلعة رخيصة يقبل عليها المشتري، ثم يكون المعوِّض في ارتفاع قطع الغيار، كما نرى في السيارات مثلاً، فترى السيارة رخيصة وتنظر إلى ثمن قطع الغيار تجده مرتفعاً. إذن: إرادة عدم التوثيق لها مقصد عند المنتفع، فإذا كان الموثِّق هو الله تعالى فليس أوثق من عُرْوته. وفي موضع آخر يقول الحق عنها {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ..} تفسير : [آل عمران: 103] فالعروة الوُثْقى هي حبل الله المتين الذي يجمعنا فلا نتفرق؛ لذلك في الاصطلاح نسمي الفتحة في الثوب والتي يدخل فيها الأزرار (عروة) لماذا؟ لأنها هي التي تجمع الثوب، فلا يتفرق. وفي آية أخرى وصفَ العروة الوثقى بقوله سبحانه: {أية : لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا ..} تفسير : [البقرة: 256]. ثم يقول سبحانه: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} [لقمان: 22] أي: مرجعها، فلا نظن أن الله تعالى خلقنا عبثاً، أو أنه سبحانه يتركنا سُدًى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115]. ولو تركنا الله تعالى بلا حساب لكان المنحرف الذي أعطى لنفسه شهواتها في الدنيا أوفر حظاً من المستقيم، وما كان الله تعالى ليغشَّ عبده الذي آمن به، وسار على منهجه، أو يسلمه للظلمة والمنحرفين. وإذا كانت لله تعالى عاقبة الأمور أي: في الآخرة، فإنه سبحانه يترك لنا شيئاً من ذلك في الدنيا نصنعه بذواتنا لتستقيم بنا مسيرة الحياة وتثمر حركتها، ومن ذلك مثلاً ما نجريه من الامتحانات للطلاب آخر العام لنميز المجدّ من الخامل، وإلا تساوى الجميع ولم يذاكر أحد، ولم يتفوق أحد؛ لذلك لا بُدَّ من مبدأ الثواب والعقاب لتستقيم حركة الحياة، فإذا كنا نُجري هذا المبدأ في دنيانا، فلماذا نستنكره في الآخرة؟ فهل يليق بهذا العالَم الذي خلقه الله على هذه الدقة؛ وكوَّنه بهذه الحكمة أن يتركه هكذا هَملاً يستشري فيه الفساد، ويرتع فيه المفسدون، ثم لا يُحاسبون؟ إن كانت هذه هي العاقبة، فيا خسارة كل مؤمن، وكل مستقيم في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أهل الحق وطالبيه بالصدق بقوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [لقمان: 22]، يشير إلى أن من يسلم نفسه ويخلص في ذلك قصده ويعرض عما سوى الله ويقبل وجهه على الله وهو محسن، يعني: من نعت المحسن أن يعبد الله كأنه يراه، فينبغي ألا يرى في الوجود مع الله شيئاً ومن هذا حاله، {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [لقمان: 22]، وسلك المحبة المثلى {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي: عاقبة أمر التوجه يكون إلى الله بالوصول {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} [لقمان: 23] وإعراضه فإنه بالإعراض عن الله من يدعي الطلب {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [لقمان: 23] بلا اختيارهم {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} [لقمان: 23] أي: بحسب أعمالهم يخبرهم عما عملوا من الحسنات والسيئات. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [لقمان: 23] أي: عليم بما حوته الصدور من الصفات النفسانية والأخلاق الروحانية وما يتولد منها من الأعمال والأحوال قبل تولده منها، فمن كانت همته مصروفة على التمتعات الدنيوية الفانية تمتعهم من متاع الدنيا قليلاً أيام حياته القليلة. {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} [لقمان: 24] لفساد استعدادهم بالتمتعات الذميمة من شهوات النفس {إِلَىٰ عَذَابٍ} [لقمان: 24] أي: معاملات موجبة للعذاب {غَلِيظٍ} [لقمان: 24] وغلظة العذاب عبارة عن دوامه إلى الأبد {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} [لقمان: 25] يعني كافر النفس وصفاتها {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} [لقمان: 25] للاحتياج به ولبقية آثار الإيمان الفطري معها. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} [لقمان: 25] على ما أبقى على النفوس أثر التوحيد {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25] قدر بقاء أثر التوحيد بل أكثرهم لا يعلمون {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الظاهرة والباطنة فإنها خزائنه كما قال: {أية : وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [المنافقون: 7] {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} بذاته وصفاته قبل خلق السماوات والأرض وبعده وكلمة هو تكون للحصر أي: هو الغني وحده وليس معه غني آخر، ودليله قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}تفسير : [محمد: 38] {ٱلْحَمِيدُ} في ذاته وصفاته وإن لم يكن له حامد فهو الحامد لنفسه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ } أي: يخضع له وينقاد له بفعل الشرائع مخلصا له دينه. { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في ذلك الإسلام بأن كان عمله مشروعا، قد اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. أو: ومن يسلم وجهه إلى اللّه، بفعل جميع العبادات، وهو محسن فيها، بأن يعبد اللّه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه. أو ومن يسلم وجهه إلى اللّه، بالقيام بحقوقه، وهو محسن إلى عباد اللّه، قائم بحقوقهم. والمعاني متلازمة، لا فرق بينها إلا من جهة [اختلاف] مورد اللفظتين، وإلا فكلها متفقة على القيام بجميع شرائع الدين، على وجه تقبل به وتكمل، فمن فعل ذلك فقد أسلم و { اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } أي: بالعروة التي من تمسك بها، توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير. ومن لم يسلم وجهه للّه، أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى، وإذا لم يستمسك بالعروة الوثقى لم يكن ثَمَّ إلا الهلاك والبوار. { وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } أي: رجوعها وموئلها ومنتهاها، فيحكم في عباده، ويجازيهم بما آلت إليه أعمالهم، ووصلت إليه عواقبهم، فليستعدوا لذلك الأمر. { وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ } لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك على اللّه، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه، لأنه لو كان فيه خير، لهداه اللّه. ولا تحزن أيضا، على كونهم تجرأوا عليك بالعداوة، ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم، بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب. فإن { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا } من كفرهم وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء نور اللّه وأذى رسله. { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } التي ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر، وكان شهادة؟!! { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا } في الدنيا، ليزداد إثمهم، ويتوفر عذابهم، { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } أي: [نلجئهم] { إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي: انتهى في عظمه وكبره، وفظاعته، وألمه، وشدته.