Verse. 3492 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُہٗ۝۰ۭ اِلَيْنَا مَرْجِعُہُمْ فَنُنَبِّئُہُمْ بِمَا عَمِلُوْا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۲۳
Waman kafara fala yahzunka kufruhu ilayna marjiAAuhum fanunabbiohum bima AAamiloo inna Allaha AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن كفر فلا يَحزُنْك» يا محمد «كفره» لا تهتم بكفره «إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور» أي بما فيها كغيره فمجاز عليه.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ } أي لا تحزن إذا كفر كافر فإن من يكذب وهو قاطع بأن صدقه يتبين عن قريب لا يحزن، بل قد يؤنب المكذب على الزيادة في التكذيب إذا لم يكن من الهداة ويكون المكذب من العداة ليخجله غاية التخجيل، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه يتألم من التكذيب، فقال فلا يحزنك كفره، فإن المرجع إلي فأنبئهم بما عملوا فيخجلون وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم فينبئهم بما أضمرته صدورهم، وذات الصدور هي المهلك، ثم إن الله تعالى فصل ما ذكرنا وقال: {نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً } أي بقاؤهم مدة قليلة ثم بين لهم وبال تكذيبهم وكفرهم بقوله: {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } أي نسلط عليهم أغلظ عذاب حتى يدخلوا بأنفسهم عذاباً غليظاً فيضطرون إلى عذاب النار فراراً من الملائكة الغلاظ الشداد الذين يعذبونهم بمقامع من نار، وفيه وجه آخر لطيف وهو أنهم لما كذبوا الرسل ثم تبين لهم الأمر وقع عليهم من الخجالة ما يدخلون النار ولا يختارون الوقوف بين يدي ربهم بمحضر الأنبياء، وهو يتحقق بقوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي نجازيهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي نبقيهم في الدنيا مدّة قليلة يتمتعون بها. {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} أي نلجئهم ونسوقهم. {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهو عذاب جهنم. ولفظ «مَن» يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: «كُفْرُهُ» ثم قال: «مَرْجِعُهُمْ» وما بعده على المعنى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ } يا محمد {كُفْرُهُ } لا تهتم بكفره {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما فيها كغيره فمجاز عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن كفر} [وهركه نكردد جنك در عروه وثقى نزند] {فلا يحزنك كفره} فانه لا يضرك فى الدنيا والآخرة يقال احزنه من المزيد ويحزنه من الثلاثى واما حزن الثلاثى ويحزن المزيد فليس بشائع فى الاستعمال {الينا} لا الى غيرنا {مرجعهم} رجوعهم ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الى حيث لا حاكم ولا مالك سواه {فننبئهم بما عملوا} فى الدنيا من الكفر والمعاصى بالعذاب والعقاب وجمع الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الموضعين باعتبار لفظه {ان الله عليم بذات الصدور} اى الضمائر والنيات المصاحبة بالصدر فيجازى عليها كما يجازى على الاعمال الظاهرة

الجنابذي

تفسير : {وَمَن كَفَرَ} يعنى بالولاية فانّ اسلام الوجه لله ليس الاّ بالولاية فالكفر المقابل لاسلام الوجه لله لا يكون الاّ بالكفر بالولاية بترك البيعة مع ولىّ الامر او انكاره يعنى من كفر بعلىّ (ع) {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} فانّه لا يضرّك ولا يضرّ عليّاً (ع) ولا يفوتنا لانّه {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} لانّا عالمون بدقائق اعمالهم وخفاياها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} اى المكمونات الّتى فى الصّدور من القصود والنّيّات او من الاستعدادات الّتى لا شعور لصاحبيها بها فكيف بأعمالهم ودقائق اعمالهم وخفاياها.

اطفيش

تفسير : {وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ} يا محمد من أحزنه والمشهور حزنه يحزنه كنصره بنصره وبالأول قرأ نافع قيل فهو مشهور أيضا. {كُفْرُهُ} لا تهتم بكفره وكيده للاسلام فان الله سبحانه وتعالى دافع كيده في نحره. {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} في الدارين. {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا} نجازيهم بالاهلاك والتعذيب. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بمعتقداتهم صاحبات الصدور اي الكائنة في قلوبهم لا يخفى عليه سرهم ولا علانتيهم فيجازيهم على الكل والجهر والسر عند الله سواء لان علمه ذاتي ولكن الله سبحانه نبه الخلق بعلمه بذات الصدور على علمه بما ظهر على ما يقتضي العقل نظرا لأنفسهم ان معرفة الجهر اسهل ومن عرف السر فبالأولى ان يعرف الجهر.

اطفيش

تفسير : {ومَنَ كفر فلا يَحْزنك كُفْره} لانه لا يضرك كفره فى الدنيا ولا فى الاخرة، لانك لم تقصر فى التبليغ {إلينا} لا الى غيرنا {مَرجعُهم} رجوعهم بالبعث والجملة تعليل ان لم نقدر التعليل المذكور، وان قدرناه فهذا مستأنف، ويجوز انه تعليل اخر لجواز تعدده اذا كان بالجملة، ولو بلا تبعية نحو: اكرم زيدا لانه بر انه متق الله، او اكرمه هو ابنى هو متق لله تعالى هو مستعد للبعث {فَنُنبئهم بما عَملُوا} بما عملوه او بعلمهم، وقد ينكر تهويلا، اى باشياء عظام عملوها، وتنبئتهم بما عملوا كناية عن عقابهم به، وقيل: الينا مرجعهم فى الدارين نهلكهم فى الدنيا، ونعذبهم فى الاخرة، وهو غير متبادر هنا، ولا فى مثله، ولا يناسب فننبئهم بما عملوا، لان هذه التنبئة فى الاخرة فقط {إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدور} تعليل لقوله: (ننبئهم) اى لانه لا يخفى عليه ما فى الصدور، كما لا يخفى عليه ما فى الخارج على حد سواء.

الالوسي

تفسير : {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } أي فلا يهمنك ذلك {إِلَيْنَا } لا إلى غيرنا {مَرْجِعُهُمْ } رجوعهم بالبعث يوم القيامة {فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } أي بعملهم أو بالذي عملوه في الدنيا من الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب، وقيل: إلينا مرجعهم في الدارين فنجازيهم بالإهلاك والتعذيب والأول أظهر وأياً ما كان فالجملة في موضع التعليل كأنه قيل: لا يهمنك كفر من كفر لأنا ننتقم منه ونعاقبه على عمله أو الذي عمله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الأول باعتبار لفظها، وقرىء في السبع {ولا يحزنك} مضارع أحزن مزيد حزم اللام؛ وقدر اللزوم ليكون للنقل فائدة وحزن وأحزن لغتان، قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما، وذكر الزمخشري أن المستفيض في الاستعمال ماضي الأفعال ومضارع الثلاثي والعهدة في ذلك عليه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تعليل للتنبئة المعبر بها عن المجازاة أي يجازيهم سبحانه لأنه عز وجل عليم بالضمائر فما ظنك بغيرها.

ابن عاشور

تفسير : لما خلا ذَمّ الذين كفروا عن الوعيد وانتقل منه إلى مدح المسلمين ووعدهم عطف عِنان الكلام إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بتهوين كفرهم عليه تسلية له وتعريضاً بقلة العِبْءِ بهم لأن مرجعهم إلى الله فيريهم الجزاء المناسب لكفرهم، فهو تعريض لهم بالوعيد. وأُسند النهي إلى كفرهم عن أن يكون محزناً للرسول صلى الله عليه وسلم مجازاً عقلياً في نهي الرسول عليه الصلاة والسلام عن مداومة الفكر بالحزن لأجل كفرهم لأنه إذا قلع ذلك من نفسه انتفى إحزان كفرهم إياه. وقرأ نافع {يُحْزِنك}ــــ بضم التحتية وكسر الزاي ــــ مضارع أحزنه إذا جعله حزيناً. وقرأ البقية {يَحْزُنك}ــــ بفتح التحتية وضم الزاي ــــ مضارع حَزَنه بذلك المعنى، وهما لغتان: الأولى لغة تميم، والثانية لغة قريش، والأولى أقيس وكلتاهما فُصحى ولغة تميم من اللغات التي نزل بها القرآن وهي لغة عُلْيا تميم وهم بنو دارم كما تقدم في المقدمة السادسة. وزعم أبو زيد والزمخشري: أن المستفيض أحْزَن في الماضي ويُحْزن في المستقبل، يريدان الشائع على ألسنة الناس، والقراءة رواية وسنة. وتقدم في سورة يوسف (13) {أية : إنّي لَيُحزنني } تفسير : وفي سورة الأنعام (33) {أية : قد نعلم إنه ليُحزنك الذي يقولون}.تفسير : وجملة {إلينا مرجعهم} واقعة موقع التعليل للنهي، وهي أيضاً تمهيد لوعد الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله يتولى الانتقام منهم المدلول عليه بقوله {فنُنبئهم} مفرعاً على جملة {إلينا مرجعهم} كناية عن المجازاة؛ استعمل الإنباء وأريد لازمه وهو الإظهار كما تقدم آنفاً. وجملة {إن الله عليم بذات الصدور} تعليل لجملة {فننبئهم بما عملوا}، فموقع حرف {إنّ} هنا مغنٍ عن فاء التسبب كما في قول بشار:شعر : إن ذاك النجاح في التبكير تفسير : و{ذات الصدور}: هي النوايا وأعراض النفس من نحو الحِقد وتدبير المكر والكفر. ومناسبته هنا أن كفر المشركين بعضُه إعلان وبعضه إسرار قال تعالى: {أية : وأسِرُّوا قولكم أو اجهَروا به إنه عليم بذات الصدور}تفسير : [الملك: 13]، وتقدم في قوله تعالى: {أية : إنه عليم بذات الصدور} تفسير : في سورة الأنفال (43).

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- ومن لم يجعل ذاته ونفسه خالصة لله فلا يحزنك جحوده وإعراضه، إلينا - وحدنا - مرجع هؤلاء يوم القيامة، فنعرض عليهم أعمالهم. لأننا نحيط علماً بدخائل النفوس فكيف بظواهر الأعمال؟. 24- نمتعهم زمناً قليلا فى دنياهم، ثم نلجئهم إلى عذاب شديد لا يحتمل. 25- وأقسم لك - أيها النبى - إن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن: هو الله، قل: الحمد لله الذى أوجد من دلائل وحدانيته ما يهدم ما هم عليه من إشراك غيره معه فى العبادة. ولكن أكثرهم لا يعلمون أنهم بإقرارهم هذا قد أقاموا الحُجة على أنفسهم بفساد عقيدتهم. 26- لله ما فى السموات والأرض خلقاً واقتداراً وتدبيراً، فكيف يتركون عبادته؟ وإن الله - سبحانه - هو الغنى عن خلقه وعن عبادتهم له. المحمود بذاته. الجدير بالثناء عليه من عباده. 27- ولو تحولت كل أشجار الأرض أقلاماً وصارت مياه البحر الكثيرة مِداداً تكتب به كلمات الله لفنيت الأقلام ونفد المداد قبل أن تنفد كلمات الله. لأن الله عزيز لا يعجزه شئ. حكيم لا يخرج من علمه وحكمته شئ، فلا تنفد كلماته وحكمته. 28- ما خلقكم ابتداء ولا بعثكم بعد الموت أمام قدرة الله إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها. إن الله سميع لقول المشركين: لا بعث. بصير بأعمالهم فيجازيهم عليها.

د. أسعد حومد

تفسير : (23) - وَيُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ لَهُ: أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِمَا جِئْتَهُ بِهِ، فَلاَ تَحزَنْ عَلَيهِ، فإِنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ بِقَدَرِ اللهِ، وَسَيَرْجِعُ النَّاسُ إلى اللهِ يَومَ القِيَامَةِ فَيَعْرِضُ اللهُ تَعَالى عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيجْزِيهِمْ بِهَا، وَلا تَخْفَى عليهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيةٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يُكِنُّونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ نَوايا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بيَّن الحق سبحانه أن إليه مرجع كل شيء ونهاية الأمور كلها، أراد أن يُسلِّى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَن كَفَرَ ..} [لقمان: 23] أي: بعدما قلناه من الجدل بالعلم وبالهدى وبالكتاب المنير، وبعدما بيناه من ضرورة إسلام الوجه لله، مَنْ يكفر بعد ذلك {فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ..} [لقمان: 23]. وهذا القول من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم يدل على أن الله علم أن رسوله يحب أن تكون أمته كلها مؤمنة، وأنه يحزن لكفر من كفر منهم ويؤلمه ذلك، وقد كرر القرآن هذا المعنى في عدة مواضع، منها قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] ويقول: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. فالله تعالى يريد أنْ يقول لرسوله: أنا أرسلتُك للبلاغ فحسب، فإذا بلَّغْت فلا عليك بعد ذلك، وكثيراً ما تجد في القرآن عتاباً لرسول الله في هذه المسألة، وهو عتاب لصالحه لا عليه، كما تعاتب ولدك الذي أجهد نفسه في المذاكرة خوفاً عليه. ومن ذلك قوله تعالى معاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس: 1-3]. والعتاب هنا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الرجل المؤمن الذي جاءه يستفهم عن أمور دينه، وذهب يدعو الكفار والمكذِّبين به، فكأنه اختار الصعب الشاق وترك السهل اليسير، إذن: فالعتاب هنا عتاب لصالح الرسول لا ضده، كما يظن البعض في فهمهم لهذه الآيات. كذلك الأمر في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ..} تفسير : [التحريم: 1] فالله يعاتب رسوله لأنه ضيَّق على نفسه، فحرَّم عليها ما أحله الله لها. ثم يقول سبحانه: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ..} [لقمان: 23] يعني: إذا لم تَرَ فيهم عاقبة كفرهم، وما ينزل بهم في الدنيا، فسوف يرجعون إلينا ونحاسبهم في الآخرة، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ ..} تفسير : [غافر: 77] أي: ترى بعينك ما ينزل بهم من العقاب {أية : أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. إذن: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ..} [لقمان: 23] هذه هي الغاية النهائية، وهذه لا تمنع أن نُريَك فيهم أشياء تُظهِر عزتك وانتصارك عليهم، وانكسارهم وذِلَّتهم أمامك، وهذا ما حدث يوم الفتح يوم أنْ دخل النبي مكة منصراً ومتواضعاً يطأطئ رأسه بأدب وتواضع؛ لأنه يعلم أن النصر من الله، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لأهل مكة: لقد كنتم تريدون الملْك لتتكبروا به، وأنا أريده لأتواضع به، وهذا هو الفرق بين عزَّة المؤمن وعِزّة الكافر. لذلك لما تمكن رسول الله من رقابهم - بعد أنْ فعلوا به ما فعلوا - جمعهم وقال قولته المشهورة: "حديث : يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ". تفسير : ولك أنْ تلحظ تحوُّل الأسلوب من صيغة الإفراد في {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ ..} [لقمان: 23] إلى صيغة الجمع في {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ..} [لقمان: 23] ولم يقل: إليَّ مرجعه؛ لأن مَنْ في اللغة تقوم مقام الأسماء الموصولة كلها، فإنْ أردتَ لفظها فأفردها، وإن أردتَ معناها فاجمعه. وقوله تعالى: {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ..} [لقمان: 23] لأننا نُسجِّله عليهم ونحصيه، كما قال سبحانه: {أية : أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ..} تفسير : [المجادلة: 6] {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [لقمان: 23] أي: بنات الصدر ومكنوناته يعلمها الله، حتى قبل أنْ تُترجم إلى نزوع سلوكي عملي أو قَوْلي، فالله يعلم ما يختلج في صدورهم من حقد أو غلٍّ أو حسد أو تآمر. و {أية : عَلِيمٌ ..} تفسير : [آل عمران: 119] صيغة مبالغة من العلم، وفَرْق بين عالم وعليم: عالم: ذاتٌ ثبت لها العلم، أما عليم فذات عِلْمها ذاتي؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76]. ثم يقول الحق سبحانه: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَمَن كَفَرَ} وأعرض عن التشبث بحبل توفيقه، وانصرف عن الاستمساك بدلائل توحيده وشواهد استقلاله في آثاره {فَلاَ يَحْزُنكَ} يا أكمل الرسل {كُفْرُهُ} وإعراضه عنا، وعن مقتضى ألوهيتنا وربوبيتنا؛ إذ {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} ومصيرهم، كما أن منا مبدأهم ومشأهم {فَنُنَبِّئُهُم} ونخبرهم، ونفصل عليهم {بِمَا عَمِلُوۤاْ} بعدما رجعوا إلينا، ونجازيهم على مقتضاها بلا فوت شيء مما صدر عنهم، وكيف لا يجازون بأعمالهم، ولا يحاسبون عليها {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على جميع ما ظهر وبطن من ذرائر الأكوان {عَلِيمٌ} محيط حضرة علمه {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [لقمان: 23] وخفيات الأمور وإن دق ولطف، ولا يعزب عنه حيطة علمه شيء؟!. قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: لا يغتروا بإمهالنا وتمتعينا إياهم، وعدم التفاتنا نحوهم، وعدم انتقامنا عنهم؛ إذ {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي: زماناً قليلاً تسجيلاً للعذاب عليهم، وتغريراً {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} بعد بطشنا إياهم {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24] لا عذاب أغلظ منه وأشد؛ لغلظ غشاوتهم وقساوتهم. {وَ} كيف لا نأخذ أولئك المكابرين المعاندين {لَئِن سَأَلْتَهُمْ} سؤال اختبار وإلزام: {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وأوجد العلويات، وما فيها من الكواكب والبروج وأنواع الفجاج {وَٱلأَرْضَ} ومن عليها، وما عليها مما لا يُعد ولا يُحصى؟ {لَيَقُولُنَّ} في الجواب مضطرين حاصرين: {ٱللَّهُ} إذ لا يسع لهم إسناد خلقهما وإيجادهما إلى غيره سبحانه؛ لظهور الدلائل والشواهد المانعة من الاستناد إلى غيره سبحانه { قُلِ} يا أكمل الرسل بعدما اعترفوا بأن الموجد للعلويات والسلفيات هو الله سبحانه بالأصالة والاستقلال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} حيث اعترفتم بتوحيد الله مع أنكم اعتقدتم خلافه، فيلزمهم لقولهم هذا التوحيد الحق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25] لزومه، ولا يفهمون استلزامه؛ لذلك ينكرون له، ويشركون معه غيره عناداً واستكباراً، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وكيف لا يعلمون ويفهمون مع أنه {لِلَّهِ} الواحد الأحد، المستحق للألوهية والربوبية، وفي قبضة قدرته وتحت تصرفه جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسلفيات، والممتزجات سواء علموا وحدته واستقلاقه في ملكه او لم يعلموا، أو اعتقدوا بتوحيده أو لم يعتقدوا؛ إذ لا يرجع له سبحانه نفع من اعتقادهم، وضر من عدمه، بل نفع اعتقادهم وإيمانهم إنما يرجع إليهم، وضر كفرهم وشركهم أيضاً كذلك؛ إذ هو سبحانه منزه عنهما جميعاً {إِنَّ ٱللَّهَ} المستغني عن جميع ما ظهر وبطن {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} المقصور على الغنى الذاتي {ٱلْحَمِيدُ} [لقمان: 26] بمقتضى أوصافه الذاتية، وأسمئه الحسنى التي بها ظهر ما ظهر وما بطن سواء نطقت بحمده ألسنة مظاهره وأظلاله أو لم تنطق؛ إذ هو في ذاته متعالٍ عن النقص والاستكمال، واستجلاب النفع والإجلال مطلقاً. ثمَّ لمَّا أمر اليهود وفد قريش بأن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] كيف قال سبحانه هذا مع أنَّا قد أُنزل إلينا التوراة، وفيها علم كل شيء ظاهراً وباطناً؟! ردَّ الله عليهم حصرهم علم الحق بالتوراة، بل بجميع الكتب والصحف المنزلة على عموم الرسل وقاطبة الأنبياء؛ إذ كل ما دخل في حيطة الإنزال والإتيان متناهٍ، وحضرة علمه سبحانه في نفسه غير متناهٍ، ولا نسبة بين المتناه وغير المتناه، بل علمه سبحانه بالنسبة إلى معلوم ومقدور واحد باعتبار شئونه وتطوراته غير متناه، فكيف بعموم المعلوما والمقدروات؟!. فقال سبحانه على مقتضى استعداد من على الأرض وقابليتهم وقدر عقولهم، مبيناً عن عدم نهاية حضرة علمه منها لها: {وَلَوْ أَنَّ} جميع {مَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ} أي: كل ما لها ساق من هذا الجنس {أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ} أي: المحيط الذي هو كرة الماء الكائن حول الأرض {يَمُدُّهُ} أي: يصير مداداً لها وحبراً لثبتها ومدها، بل يفرض أيضاً {مِن بَعْدِهِ} أي: بعد نفاذ البحر المحيط {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} مثلاً محيطات كذلك تشيعه وتمد مده، فكتب بهذه الأقلام والمداد على الدوام كلمات الله العلي العلام {مَّا نَفِدَتْ} وتمت {كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} وتنفد المدد والأقلام المذكورة، بل إن فرض أمثالها وأضعافها وآلافها؛ إذ الأمور الغير متناهية لا تقدر بمقدار المتناه، ولا يكال بمكيال مقدر، وكيف يكال ويقدر علمه {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {عَزِيزٌ} غالب قادر على كل ما جرى في حضرة علمه، مع أنه لا نهاية لمعلوماته {حَكِيمٌ} [لقمان: 27] لا ينتهي حكمته وقدرته بالنسبة إلى مقدور دون مقدور، بل له التصرف في كل واحدة من مقدوراته ومراداته إلى ما لايتناهى أزلاً وأبداً؛ إذ لا يكتنه طور علمه وخبرته، وحكمته وقدرته مطلقاً؟!. ومن جملة مقدوراته الصادرة منه سبحانه على مقضتى حكمته إرادة واختياراً: خلقكم وإيجادكم أولاً على سبيل الإبداع بمقتضى اللطف والجمال، وإعدامكم ثانياً على مقتضى القهر والجلال، وإعادتكم وبعثكم ثالثاً إظهاراً للحكم المودعة فيه هوياتكم وأشباحكم، والمصلحة المندرجة في إيجادكم وإظهاركم. والمحجوبون المقيدون بسلاسل الأزمان والساعات يتوهمون بين الأطوار الثلاثة والنشأة المتعاقبة أمداً بعيداً وأزمنة متطاولة، وهي عند الله بعدما تعلق إرادته ونفذ قضاؤه، وصدر عنه الأمر بقوله: كن، فيكون الكل بلا تراخٍ ومهلةٍ في أقصر مدة وآن؛ إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولا يقدر أفعاله زمان ومكان؛ لذلك قال سبحانه: {مَّا خَلْقُكُمْ} وإظهاركم في فضاء الوجود في النشأة الأولى {وَلاَ بَعْثُكُمْ} وحشركم في النشأة الأخرى بعدما انقرضتم عن الأولى {إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني: إيجادكم جملة أولاً، وبعثكم ثانياً كذلك في جنب قدرتنا وإرادتنا كإيجاد نفس واحدة بلا تفاوت؛ إذ متى صدر عنا قولنا: كن، إشارةً منَّا إلى خلقكم وبعثكم جملة، فيكون الكل في الحال ككون نفس واحدة {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائر ما ظهر وبطن {سَمِيعٌ} لعموم ما صدر عن ألسنة استعداداتهم وقابلياتهم {بَصِيرٌ} [لقمان: 28] بما لاح عليهم من إشراق نور الوجود.