Verse. 3495 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ ہُوَالْغَنِيُّ الْحَمِيْدُ۝۲۶
Lillahi ma fee alssamawati waalardi inna Allaha huwa alghaniyyu alhameedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لله ما في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا فلا يستحق العبادة فيهما غيره «إن الله هو الغني» عن خلقه «الحميد» المحمود في صنعه.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : ذكر بما يلزم منه، وهو أنه يكون له ما فيهما والأمر كذلك عقلاً وشرعاً، أما عقلاً فلأن ما في السموات المخلوقة مخلوق وإضافة خلقه إلى من منه خلق السموات والأرض لازم عقلاً لأنها ممكنة، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنة أو بواسطة كما يقوله غيرهم، وكيفما فرض فكله من الله لأن سبب السبب سبب، وأما شرعاً فلأن من يملك أرضاً وحصل منها شيء ما يكون ذلك لمالك الأرض فكذلك كل ما في السموات والأرض حاصل فيهما ومنهما فهو لمالك السموات والأرض وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله. ثم قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } فيه معان لطيفة أحدها: أن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وفيها منافع فهي لكم خلقها فهو غني لعدم حاجته حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها وثانيها: أن بعد ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون فريقين مؤمن وكافر، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده فقال إنه غني عن حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين، وحميد في نفسه فيتبين به إصابة المؤمنين وتكمل بحمده الحامدون وثالثها: هو أن السموات وما فيها والأرض وما فيها إذا كانت لله ومخلوقة له فالكل محتاجون فلا غني إلا الله فهو الغني المطلق وكل محتاج فهو حامد، لاحتياجه إلى من يدفع حاجته فلا يكون الحميد المطلق إلا الغني المطلق فهو الحميد، وعلى هذا (يكون) الحميد بمعنى المحمود، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا الواصف، أي وصف نفسه أو عباده بأوصاف حميدة، والعبد إذا قيل له حامد يحتمل ذلك المعنى، ويحتمل كونه عابداً شاكراً له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً وخلقاً وعبيداً فلا يستحق العبادة فيهما غيره {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن خلقه {ٱلْحَمِيدُ } المحمود في صنعه.

القشيري

تفسير : لله ما في السماوات والأرضِ مِلْكاً، ويُجْرِي فيهم حـُكْمَه حَقَّا، وإليه مَرْجِعُهم حتماً.

اسماعيل حقي

تفسير : {لله ما فى السموات والارض} فلا يستحق العبادة فيهما غيره {ان الله هو الغنى} بذاته وصفاته قبل خلق السموات والارض وبعده لا حاجة به فى وجوده وكماله الذاتى الى شئ اصلا وكلمة هو للحصر اى هو الغنى وحده وليس معه غنى آخر دليله قوله {والله الغنى وانتم الفقراء} {الحميد} المحمود فى ذاته وصفاته وان لم يكن حامد فهو الحامد لنفسه شعر : اى غنى درذات خود ازما سواى خويشتن خود توميكويى بحمد خود ثناى خويشتن تفسير : وفى الاربعين الادريسية يا حميد الفعال ذا المنّ على جميع خلقه بلطفه. قال السهروردى رحمه الله من داوم على هذا الذكر يحصل له من الاموال ما لا يمكن ضبطه. وفى الآيات امور. منها ان التفويض والتوكل واخلاص القصد والاعراض عما سوى الله والاقبال على الله بالتوحيد والطاعة من موجبات حسن العاقبة وهى الجنة والقربة والوصلة كما ان الكفر والشرك والرياء والسمعة من اسباب سوء العاقبة وهى النار والعذاب الغليظ والفرقة والقطيعة: قال الشيخ العطار قد سره شعر : زر وسيم وقبول كار وبارت نيايد دردم آخر بكارت اكر اخلاص باشد آن زمانت بكار آيد وكرنه واى جانت تفسير : وفى البستان شعر : شنيدم كه نا بالغى روزه داشت بصد محنت آورد روزى بجاشت بدر ديده بوسيد وما درسرش فشاندند بادام وزر برسرش جو بروى كذر كرديك نيم روز فتاد اندر روز آتش معده سوز بدل كفت اكر لقمه جندى خورم جه داند بدر غيب يا مادرم جو روى بسر دربدر بود وقوم نهان خورد وبيدا بسر برد صوم بس اين بير ازان طفل ناد انترست كه ازبهر مردم بطاعت درست تفسير : فالتمسك باحكام الدين هى العروة الوثقى لاهل اليقين فانها لا تنفصم بخلاف سائر العرى. ومنها ان ليس لعمر الدنيا بقاء بل هى ساعة من الساعات. فعلى العاقل ان لا يغتر بالتمتع القليل بل يتأهب لليوم الطويل شعر : دريغا كه بكذشت عمر عزيز بخواهد كذشت اين دمى جندنيز كنون وقت تخمست اكر برورى كر اميد دارى كه خرمن برى تفسير : ومنها ان الله تعالى قدر المقادير ودبر الامور فالكل يجرى فى الافعال والاحوال على قضائه وقدره وليس على الناصح الا التبليغ دون الجبر والحزن على عدم القبول فان الحجر لا يصير مرآة بالصيقل شعر : توان باك كردن ززنك آينه وليكن نيايد زسنك آينه تفسير : ومنها ان عدم الجريان بموجب العلم من الجهل فى الحقيقة شعر : كر همه علم عالمت باشد بى عمل مدعى وكذابى تفسير : ومنها ان الله تعالى خلق الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم فمنفعة الطاعات والعبادات راجعة الى العباد لا الى الله تعالى اذهو غنى عن العالمين لا ينتفع بطاعاتهم ولا يتضرر بمعاصيهم فهو يمنّ عليهم ان هداهم للايمان والطاعات وليس لهم ان يمنوا عليه باسلامهم جعلنا الله واياكم من عباد المخلصين وحفظنا فى حصنه الحصين من عونه وتوفيقه الرصين

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو ويعقوب وابن شاهي {والبحر يمده} نصباً. الباقون رفعاً. من نصبه عطفه على {ما} في قوله {أن ما} لأن موضعها نصب بـ {أن} لأن الكلام لم يتم عند قوله {أقلام} فاشبه المعطوف قبل الخبر. قال ابن خالويه: وهذا من حذق ابي عمرو، وجودة تمييزه. وإنما لم يتم الكلام مع الاتيان بالخبر لأن (لو) يحتاج إلى جواب. ومن رفع استأنف الكلام. اخبر الله تعالى أن له جميع ما في السموات والأرض ملك له يتصرف فيه بحسب إرادته لا يجوز لأحد الاعتراض عليه. ثم اخبر انه تعالى {هو الغني} الذي لا يحتاج إلى شيء من جميع المخلوقات كما يحتاج غيره من الاحياء المخلوقين وأنه {الحميد} مع ذات، يعني المستحق للحمد العظيم، ونقيضه الذميم ويقال (محمود) بمعنى حميد. ومعناه أنه اهل الحمد. ثم قال تعالى {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} وفيه حذف، لأن المعنى يكتب به كلام الله {ما نفدت كلمات الله} والآية تقتضي انه ليس لكلمات الله نهاية بالحكم، لانه يقدر منها على ما لا نهاية له. وقال قوم: المعنى ان وجه الحكمة وعجيب الصنعة وإتقانها لا ينفد، وليس المراد به الكلام. وقال ابو عبيدة: المراد بالبحر - ها هنا - العذب، لأن المالح لا ينبت الاقلام. وقال ابن عباس: نزلت الآية جواباً لليهود، لما قالوا قد أوتينا التوراة، وفيها كل الحكمة، فبين الله تعالى أن ما يقدر عليه من الكلمات لا حصر له ولا نهاية. والشجر جمع شجرة مثل تمرة وتمر، وهو كل نبات يقوم على ساق ويورق الاغصان. ومنه اشتقت المشاجرة بين الناس في الأمر. ومنه قوله {في ما شجر بينهم} وشجر تشجيراً وتشاجروا تشاجراً، ومد البحر إذا جرى غيره اليه حالا بعد حال. ومنه المد والجزر. ومد النهر ومده نهر آخر يمده مداً. وقال الفراء: يقولون: أمددتك الفاً فمددت. {إن الله عزيز حكيم} معناه عزيز في انتقامه من اعدائه {حكيم} في أفعاله. ثم قال {ما خلقكم} معشر الخلق {ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي إلا كبعث نفس واحدة أي لا يشق عليه ابتداء جميع الخلق ولا إعادتهم بعد إفنائهم، وأن جميع ذلك من سعة قدرة الله كالنفس الواحدة. إذ المراد أن خلقها لا يشق عليه. وقوله {إن الله سميع} أي يسمع ما يقول القائلون في ذلك {بصير} بما يضمرونه في قوله {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} وفي ذلك تهديد على المخالفة فيه. ثم قال {ألم تر} يا محمد، والمراد به جميع المكلفين {أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} قال قتادة: معناه ينقص من الليل في النهار، ومن النهار في الليل. وقال غيره: معناه إن كل واحد منهما يتعقب الآخر {وسخر الشمس والقمر كل يجري} لأنهما يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان بحسب ما سخرهما له، كل ذلك يجري {إلى أجل مسمى} قدره الله ان يفنيه فيه. وقال الحسن: الأجل المسمى القيامة {وإن الله} عطف على {ألم تر} فلذلك نصبه، وتقديره: وتعلم {أن الله بما تعملون خبير} من قرأ بالياء - وهو عياش عن أبي عمرو - أراد الاخبار. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب. وهو الأظهر. والمعنى {أن الله بما تعملون} معشر المكلفين {خبير} أي عالم، فيجازيكم بحسب ذلك ليطابق قوله {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار} ثم قال {ذلك بأن الله هو الحق} الذي يجب توجيه العبادة اليه {وأن ما تدعون من دونه الباطل}. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء على وجه الخطاب. يقول الله تعالى: ألم تعلم ان ما يدعون هؤلاء الكفار من الاصنام هو الباطل. ومن قرأ بالياء فعلى: قل لهم يا محمد {وأن الله هو العلي الكبير} فالعلي هو الذي علا على الأشياء واقتدر عليها، والكبير معناه العظيم في صفاته لا يستحق صفاته غيره تعالى. وذكر ابو عبيدة - في كتاب المجاز - ان البحر المذكور في الآية البحر العذب، لأن المالح لا ينبت الاقلام.

الجنابذي

تفسير : {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هذا حال السّماوات والارض فما حال ما فى السّموات والارض؟ {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} استيناف فى مقام التّعليل او جواب لسؤالٍ آخر عن حاله كأنّه قيل: اله حاجة اليها؟ فخلقها لحاجته؟- فقال: انّ الله هو الغنىّ لا غنىً سواه فلا يكون له جهة حاجةٍ {ٱلْحَمِيدُ} الّذى لا حميد سواه بمعنى انّ كلّ ما يتصوّر ان يكون له من صفات الكمال كان حاصلاً له وكلّما ما يتصوّر ان يكون متّصفاً به من سلوب النّقائص كان متّصفاً به فلا يتصوّر جهة حاجة لمثل هذا.

اطفيش

تفسير : {للهِ مَا فِي السَّمَٰوَاتِ والأرْضِ} خلقا وملكا وعبيدا فلا اهل للعبادة سواه. {إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ} عن خلقه وطاعتهم وحمدهم. {الحَمِيدُ} الذي هو في ذاته محمود وان لم يعلموا ذلك واهل للحمد وان لم يحمدوا الواجب حمده وان لم يعلموا وجوبه.

اطفيش

تفسير : {لله ما في السَّماوات والأرض} هو الذى خلق ما فيهن واياهن، فكل ذلك ملك له يتصرف فيه بما يشاء، فكيف يستحق الملوك ما هو للمالك، فلا يستحق العبادة غيره، ولا يشاركه فيها {إنَّ الله هُو الغنَي} عمن سواه {الحَميدُ} مستحق الحمد بالذات، ولو لم يحمده احد، لكن قد حمده المؤمون والملائكة، والحيوانات او المحمود بالفعل حمده كل شئ حتى أبدان المشركين تحمده كحمد الجبال والشجر، وإنما التألم بالنار للقلب، وكذا يتألم القلب فى الدنيا، فلو سكر احد لم يتألم بما فعل فيه، والله مستغن عن عبادة المؤمنين والملائكة وغيرهم، وانه غنى، عمن سواه، وانه المحمود على المنافع، لانه الخالق لها.

الالوسي

تفسير : {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتصرفاً ليس لأحد سواه عز وجل استقلالاً ولا شركة فلا يستحق العبادة فيهما غيره سبحانه وتعالى بوجه من الوجوه، وهذا إبطال لمعتقدهم من وجه آخر لأن المملوك لا يكون شريكاً لمالكه فكيف يستحق ما هو حقه من العبادة وغيرها {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن كل شيء {ٱلْحَمِيدِ } المستحق للحمد وإن لم يحمده جل وعلا أحد أو المحمود بالفعل يحمده كل مخلوق بلسان الحال، وكأن الجملة جواب عما يوشك أن يخطر ببعض الأذهان السقيمة من أنه هل اختصاص ما في السماوات / والأرض به عز وجل لحاجته سبحانه إليه، وهو جواب بنفي الحاجة على أبلغ وجه فقد كان يكفي في الجواب إن الله غني إلا أنه جىء بالجملة متضمنة للحصر للمبالغة وجىء بالحميد أيضاً تأكيداً لما تفيده من نفي الحاجة بالإشارة إلى أنه تعالى منهم على من سواه سبحانه أو متصف بسائر صفات الكمال فتأمل جداً، وقال الطيبـي: إن قوله تعالى: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تهاون بهم وإبداء أنه تعالى مستغن عنهم وعن حمدهم وعبادتهم ولذلك علل بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } أي عن حمد الحامدين {ٱلْحَمِيدِ } أي المستحق للحمد وإن لم يحمدوه عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الجملة من التي قبلها موقع النتيجة من الدليل في قوله: {لله ما في السماوات} فلذلك فصلت ولم تعطف لأنها بمنزلة بدل الاشتمال من التي قبلها، كما تقدم آنفاً في قوله {أية : يأت بها الله إن الله لطيف خبير}تفسير : [لقمان: 16]؛ فإنه لما تقرر إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض لزمهم إنتاج أن ما في السموات والأرض ملك لله ومن جملة ذلك أصنامهم. والتصريح بهذه النتيجة لقصد التهاون بهم في كفرهم بأن الله يملكهم ويملك ما في السماوات والأرض، فهو غني عن عبادتهم محمود من غيرهم. وضمير {هو}ضمير فصل مُفاده اختصاص الغِنى والحمْد بالله تعالى، وهو قصر قلب، أي ليس لآلهتهم المزعومة غنى ولا تستحق حمداً. وتقدم الكلام على الغني الحميد عند قوله {أية : فإن الله غني حميد} تفسير : في أول السورة لقمان (12).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (26) - وَللهِ جَميعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الأَرْضِ، مُلْكاً وَخَلْقاً وَتَصَرُّفاً، وَليسَ لأحدٍ سِواهُ شيءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ فيهِما غَيْرُهُ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَةِ الخَلْقِ لَهُ، وَعَنْ عَوْنِهِمْ، وَكُلُّ شيءٍ فَقِيرٌ إليهِ، وَلَهُ الحَمْدُ في جَميعِ الأُمُورِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن سجَّل الله تعالى عليهم اعترافهم وشهادتهم بأنه سبحانه خالق السماوات والأرض، أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لنا أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما، وفيهما أشياء كثيرة، منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه، والمظروف دائماً أغلى من المظروف فيه، فما في (المحفظة) من نقود عادة أغلى من المحفظة ذاتها، وما في الخزانة من جواهر وأموال أو أوراق هامة أنفَسُ من الخزانة وأهمّ. لذلك قلنا: إياك أنْ تجعل كتاب الله حافظة لشيء هام عندك؛ لأنه أغلى من أيِّ شيء فينبغي أنْ نحفظه، لا أنْ نحفظ فيه. وكأن في الآية إشارة إلى أنهم كما أقرُّوا لله تعالى بخَلْق السماوات والأرض ينبغي أنْ يُقروا كذلك بأن له سبحانه ما فيهما، وهذه مسألة عقلية يهتدي إليها كل ذي فكر سليم، فما دامت السماوات والأرض لله، فله ما فيهما، وهَبْ أن لك قطعة أرض تمتلكها، ثم عثرتَ فيها على شيء ثمين، إنه في هذه الحالة يكون مِلكك شرعاً وعقلاً. وينبغي للعاقل أنْ يتأمل هذه المسألة: لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض، ومن هذه الأشياء الإنسان الذي كرَّمه الله، وجعله سيداً لجميع المخلوقات وأعلى منها، بدليل أنها مُسخَّرة لخدمته: الحيوان والنبات والجماد، فهل يصح أن يكون الخادم أعظم من سيده أو أطول عمراً منه؟ فعلى العاقل أن يتأمل هذه المسألة، وأن يستعرض أجناس الكون ويتساءل: أيكون الجماد الذي يخدمني أطول عمراً مني؟ إذن: لا بد أن لي حياة أخرى تكون أطول من حياة الشمس والقمر وسائر الجمادات التي تخدمني، وهذا لا يكون إلا في الآخرة حيث تنكدر الشمس، وتتلاشى كل هذه المخلوقات ويبقى الإنسان. إذن: أنت محتاج لما في الأرض ولما في السماء من مخلوقات الله، وبه وحده سبحانه قوامها مع أنه سبحانه غنيٌّ عنها لا يستفيد منها بشيء، فالله سبحانه خلق ما هو غنيٌّ عنه؛ لذلك يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [لقمان: 26] لأنه سبحانه بصفات الكمال خلق، فلم يزِدْه الخلق صفة كمال لم تكُنْ له، فهو مُحْيٍ قبل أنْ يوجد مَنْ يُحييه، مُعِزٌّ قبل أنْ يوجد من يعزه. وقلنا: إنك لا تقول فلان شاعر لأنك رأيته يقول قصيده؛ بل لأنه شاعر قبل أن يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال. فمعنى {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ..} [لقمان: 26] أي: الغني المطلق؛ لأن له سبحانه كل هذه الملْك في السماوات والأرض، بل جاء في الحديث القدسي أن السماء والأرض بالنسبة لملْك الله تعالى كحلقة ألقاها مُلْقٍ في فلاة، فلا تظن أن مُلْك الله هو مجرد هذه المخلوقات التي نعلمها، رغم ما توصَّل إليه العلم من الهندسة وحساب المسافات الضوئية. فالله سبحانه هو الغنيُّ الغِنَى المطلق؛ لأنه خلق هذا الخَلْق وهو غني عنه، ثم أعطاه لعبيده وجعله في خدمتهم، فكان من الواجب لهذا الخالق أن يكون محموداً {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [لقمان: 26] وحميد فعيل بمعنى محمود، وهو أيضاً حامد كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 158] لكن، شاكر لمن؟ قالوا: إذا كان العبد يشكر ربه، وقد علَّمه الله: أن الذي يحيِّيك بتحية ينبغي عليك أنْ تُحيِّيَه بأحسن منها، فربُّك يعاملك هذه المعاملة، فإنْ شكرْتَهُ يزدك، فهذه الزيادة شُكْر لك على شُكْرك لربك. أي: مكافأة لك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ ...}.