٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : لما قال تعالى: {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وكان ذلك موهماً لتناهي ملكه لانحصار ما في السموات وما في الأرض فيهما، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال: {وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } ويكتب بها والأبحر مداد لا تفنى عجائب صنع الله، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز. يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك، ويقال للدواء في حق المريض هذا شفاؤك، ودليل صحة هذا هو أن الله تعالى سمى المسيح كلمة لأنه كان أمراً عجيباً وصنعاً غريباً لوجوده من غير أب، فإن قال قائل الآية واردة في اليهود حيث قالوا الله ذكر كل شيء في التوراة ولم يبق شيء لم يذكره، فقال الذي في التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية، وقيل أيضاً إنها نزلت في واحد قال للنبـي عليه السلام إنك تقول: { أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] وتقول: { أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] فنزلت الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى العباد، وبالنسبة إلى الله وعلومه قليل، وقيل أيضاً إنها نزلت رداً على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده محمد سينفد، فقال إنه كلام الله وهو لا ينفد. وما ذكر من أسباب النزول ينافي ما ذكرتم من التفسير، لأنها تدل على أن المراد الكلام، فنقول ما ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا، لأنه إذا صلح جواباً لهذه الأشياء التي ذكرتموها وهي متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافي هذا، لأن كلام الله عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله، وإذا قلنا بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه، لا يقال إنك جعلت الكلام مخلوقاً، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب، وأما الكلمات فهي من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذي هو مكتوب، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله، فإنه بأمر الرسول كتب كذلك، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذي فيه، ثم إن الآية فيها لطائف الأولى: قال: {وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير، يعني ولو أن بعدد كل شجرة أقلاماً، الثانية: قوله {والبحر يمده} تعريف البحر باللام لاستغراق الجنس وكل بحر مداد، ثم قوله: {يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } إشارة إلى بحار غير موجودة، يعني لو مدت البحار الموجودة بسبعة أبحر أخر وقوله: {سَبْعَةُ } ليس لانحصارها في سبعة، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد، لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، والذي يدل عليه وجوه الأول: هو أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان، لأن المكان فيه الأجسام والزمان فيه الأفعال، لكن المكان منحصر في سبعة أقاليم والزمان في سبعة أيام، ولأن الكواكب السيارة سبعة، وكان المنجمون ينسبون إليها أموراً، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير الثاني: هو أن الآحاد إلى العشرة وهي العقد الأول وما بعده يبتدىء من الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر، ثم المئات من العشرات والألوف من المئات، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلتئم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط، ولهذا يقال أقل ما يكون الاسم والفعل منه هو ثلاثة أحرف، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة التي هو العدد الأصلي تبقى السبعة القسم الأكثر، فإذا أريد بيان الكثرة ذكرت السبعة، ولهذا فإن المعدودات في العبادات من التسبيحات في الانتقالات في الصلوات ثلاثة، والمرار في الوضوء ثلاثة تيسيراً للأمر على المكلف اكتفاءً بالقسم الأول، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام: « حديث : المؤمن يأكل في معى والكافر يأكل في سبعة أمعاء » تفسير : إشارة إلى قلة الأكل وكثرته من غير إرادة السبعة بخصوصها، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير، ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فإن فيها الحسنى وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها، والذي يدل على ما ذكرنا في السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واواً، يقول الفراء إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم في العرف، ثم بالثامن استئناف جديد اللطيفة الثالثة: لم يقل في الأقلام المدد لوجهين أحدهما: هو أن قوله: {وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله في البحر: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني: هو أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لما ذكر أن ملكوته كثيراً أشار إلى ما يحقق ذلك فقال: {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مداداً لما نفد ما في علمه وقدرته. ثم قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للمعشر وقال: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتى كونوا فيكونوا. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } سميع لما يقولون بصير بما يعملون فإذاً كونه قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال يوجب ذلك الاجتناب التام والاحتراز الكامل.
القرطبي
تفسير : لما احتجّ على المشركين بما احتجّ بيّن أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القَفّال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبّه على أن الأشجار لو كانت أقلاماً، والبحار مداداً فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القُشَيْرِيّ: فردّ معنى تلك الكلمات إلى المقدورات، وحملُ الآية على الكلام القديم أوْلى؛ والمخلوق لا بدّ له من نهاية، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدّر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعدّه فلا بدّ من تناهيه، والقديمُ لا نهاية له على التحقيق. وقد مضى الكلام في معنى «كَلِمَاتُ اللَّهِ» في آخر «الكهف». وقال أبو عليّ: المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود. وهذا نحو مما قاله القَفّال، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرّب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة؛ لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور. ومعنى نزول الآية: يدلّ على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس: إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عُنينا بهذا القول {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التوراة قليل من كثير»تفسير : ونزلت هذه الآية، والآية مدنية. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبيّن أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء؛ لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذرّ؛ وعلم الأجناس كلّها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطّعم واللون؛ فلو سَمّى كل دابة وحدها، وسَمَى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحوّلت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، وبيّن كلّ شجرة وحدها وما تفرّعت إليه، وقدّر ما ييبس من ذلك في كل زمان، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مداداً لذلك البيان الذي بيّن الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمدّه من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر. قلت: هذا معنى قول القفال، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. وقال قوم: إن قريشاً قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر؛ فنزلت. وقال السديّ: قالت قريش ما أكثر كلام محمد! فنزلت. قوله تعالى: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ} قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء، وخبره في الجملة التي بعدها، والجملة في موضع الحال؛ كأنه قال: والبحر هذه حاله؛ كذا قدّرها سيبويه. وقال بعض النحويين: هو عطف على «أنّ» لأنها في موضع رفع بالابتداء. وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق: «وَالْبَحْرَ» بالنصب على العطف على «ما» وهي اسم «أنّ». وقيل: أي ولو أن البحر يمدّه أي يزيد فيه. وقرأ ابن هُرْمُز والحسن: «يمدّه»؛ من أمدّ. قالت فرقة: هما بمعنًى واحد. وقالت فرقة: مدّ الشيء بعضه بعضاً؛ كما تقول: مدّ النيل الخليج؛ أي زاد فيه. وأمدّ الشيء ما ليس منه. وقد مضى هذا في «البقرة. وآل عمران». وقرأ جعفر بن محمد: «والبحر مداده». {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تقدم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تقدم أيضاً. وقال أبو عبيدة: البحر هاهنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها؛ كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: «حديث : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» تفسير : فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً، وجعل البحر مداداً، وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدداً، وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم؛ كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تفسير : [الكهف: 109] فليس المراد بقوله: {بِمِثْلِهِ} آخر فقط، بل بمثله، ثم بمثله، ثم بمثله، ثم هلم جراً، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته. قال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاماً، وجعل البحر مداداً، وقال الله إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر، وتكسرت الأقلام. وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} أي: لو كان شجر الأرض أقلاماَ، ومع البحر، سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله في ذلك {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} الآية، يقول: لو كان البحر مداداً لكلمات الله، والأشجار كلها أقلاماً، لا نكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة، لا يفنيها شيء؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول. وقد روي أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جيبر أو عكرمة عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلاكما» تفسير : قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم» تفسير : وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} الآية، وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن يسار، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز قد عز كل شيء، وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد، ولا مخالف، ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه. وقوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته، إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هين عليه، {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده؛ {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 13 ــــ 14] وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي: كما هو سميع لأقوالهم، بصير بأفعالكم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم؛ كقدرته على نفس واحدة، ولهذا قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ * مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ } عطف على اسم أن {يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مداداً {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِ } المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولو بأكثر من ذلك لأن معلوماته تعالى غير متناهية {إنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يعجزه شيء {حَكِيمٌ } لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
ابن عطية
تفسير : روي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن اليهود قالت يا محمد كيف عنينا بهذا القول {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله تعالى وأحكامه وعندك أنها تبيان كل شيء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : التوراة قليل من كثير" تفسير : ونزلت هذه الآية، وهذا هو القول الصحيح، والآية مدنية وقال قوم: سبب الآية أن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينجسر فنزلت هذه الآية، وقال السدي: قالت قريش ما أكثر كلام محمد فنزلت. قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضاً فإن الآية إنما تضمنت أن {كلمات الله} لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه "الأقلام" والبحور، قال أبو علي: المراد بـ"الكلمات" والله أعلم ما في المقدور دون ما أخرج منه إلى الوجود، وذهبت فرقة إلى أن "الكلمات" هنا إشارة إلى المعلومات. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ينحو إلى الاعتزال من حيث يرون في الكلام أنه مخلوق وهذه الآية بحر نظر، نور الله تعالى قلوبنا بهداه، وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة وابن أبي إسحاق وعيسى "والبحرَ" بالنصب عطفاً على "ما" التي هي اسم "أن"، وقرأ جمهور الناس و"البحرُ" بالرفع على أنه ابتداء وخبره في الجملة التي بعده لأن تقديرها هذه، حاله كذا، قدرها سيبويه وقال بعض النحويين هو عطف على "أن" لأنها في موضع رفع بالابتداء، وقرأ جمهور الناس "يَمده" من مد وقرأ الحسن بن أبي الحسن "يُمده" من أمد، وقالت فرقة هما بمعنى واحد، وقالت فرقة مد الشيء بعضه بعضاً وأمد الشيء ما ليس منه، فكأن "الأبحر السبعة" المتوهمة ليست من {البحر} الموجود، وقرأ جعفر بن محمد "والبحر مداده" وهو مصدر، وقرأ ابن مسعود "وبحر يمده"، وقرأ الحسن "ما نفد كلام الله"، ثم ذكر تعالى أمر الخلق والبعث أنه في الجميع وفي شخص واحد بالسواء لأنه كله بكن فيكون قاله مجاهد. وحكى النقاش أن هذه الآية في أبي بن خلف وأبي الأسود ونبيه ومنبه ابني الحجاج وذلك أنهم قالوا يا محمد إنا نرى الطفل يخلق بتدرج وأنت تقول الله يعيدنا دفعة واحدة فنزلت الآية بسببهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأَرْضِ} نزلت لما قال المشركون إنما القرآن كلام يوشك أن ينفد، أو نزلت لما قال اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] إيانا تريد أم قومك فقال: كل لم يؤت من العلم إلا قليلاً أنتم وهم. قالوا: فإنك تتلو ما جاءك من الله أَنَّا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء. فقال: إنها في علم الله تعالى قليلة. والمعنى لو أن الأشجار أقلام والبحار مداد لتكسرت الأقلام، ونفدت مياه البحار قبل أن تنفد عجائب ربي وعلمه وحكمته. {يَمُدُّهُ} يزيد فيه شيئاً بعد شيء يقال في الزيادة مدَدته وفي المعونة أمددته {كَلِمَاتُ اللَّهِ} نعمه على أهل الجنة، أو على أصناف الخلق، أو جميع ما قضاه في اللوح المحفوظ من أمور خلقه، أو عبّر بالكلمات عن العلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ...} الآية. روي عن ابن عباس: أن سببَ نزولها أن اليهودَ قالت: يا محمد؛ كيف عَنَيْتَنَا: هذا القول، {أية : وَمَا أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء:85]. ونحن قد أُوتينا التوراةَ تِبْيَاناً لكل شيء؟ فنزلت الآية، وقيل غير هذا. قال * ع *: وهذه الآية بَحْرُ نظرٍ وفكرةٍ، نَوَّرَ اللّه قلوبَنَا بهداه. وقوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ} أي: لأنه كله بـ «كن» فيكون، قاله مجاهد. وقوله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} يريد: القيامة. وقوله: {بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ اللّه البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ. وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ؛ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ. وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ، والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان كله. و«غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ. وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}. قال الحسن: منهم مؤمن يعرف حق اللّه في هذه النعم، والختَّار القبيحُ الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن اللّه على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك، وجحد به، فكأنه ختر، وخان، قال الحسن: الختارُ هو الغدار. و {كَفُورٍ}: بناء مبالغة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ...} الآية. لما قال: لله ما في السماوات والأرض أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السموات والأرض فيهما وحكم العَقْلِ الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائبَ لا نهاية لها فقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} يكتب بها والأبحر مداد لا تغني عجائب صنع الله، قال المفسرون نزل بمكة قوله تَعَالَى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإسراء: 85]، إلى قوله: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الأسراء: 85] فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : أتاه أحبار اليهود فقالوا يا محمد: بلغنا أنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، أفَعَنَيْتَنَا أَمْ قَوْمَكَ؟ فقال - عليه السلام -: كلا قد عنيت. قالوا: ألست تتلو فيما جاءك إنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هي في علم الله قليلٌ، وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم قالوا يا محمد: كيف تزعم هذا وأنت تقول: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} فكيف يجمع هذا علم قليل وخير كثيرتفسير : ؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفدَ فينقطع فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ}. ووحَّد الشجرة، وجمعَ الأقلام ولم يقل: ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولم يقل من شجرة قَلَم إشارةً إلى التكثير يعني لو أن بعدد كُلِّ شجرة أقلاماً, قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: من شجرة بالتوحيد؟ قلت: أريد تفصيل الشجرة وتَقَصِّيها شجرةً شجرةً حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بريت أقلاماً. قال أبو حيان: وهو من وقوع المفرد موقع الجمع والنكرة موضع المعرفة كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا}تفسير : [البقرة: 106] قال شهاب الدين: وهذا يذهب بالمعنى الذي أبداه الزمخشري. قوله: "والبَحْرُ" قرأ أبو عمرو بالنصب، والباقون بالرفع، فالنصب من وجهين: أحدهما: العطف على اسم "أنَّ" أي ولو أنَّ البحرَ، و "يَمُدُّهُ" الخبر. والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره "يمده". والواو حينئذ للحال، والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير: ولو أَنَّ الَّذي في الأرض حَالَ كونِ البحر ممدوداً بكذا. وأما الرفع، فمن وجهين: أحدهما: العطف على "أن" وما في حيّزها، وقد تقدم في "أَنَّ" الواقعة بعد "لو" مذهبان مذهب سيبويه الرفع على الابتداء، ومذهب المبرد على الفاعلية بفعل مقدر وهما عائدان هنا. فعلى مذهب سيبويه يكون تقدير العطف ولو أَنَّ البحرَ، إلا أن أبا حيان قال: إنه لا يلي المبتدأ اسماً صريحاً إلا في ضرورة كقوله: شعر : 4053 - لَوْ بِغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ............................... تفسير : وهذا القول يؤدي إلى ذلك، ثم أجاب بأنه يغتفر في المعطوف عليه كقولهم: "رُبَّ رَجُلٍ وَأَخِيهِ يَقُولاَنِ ذَلِكَ" وعلى مذهب المبرد يكون تقديره ولو ثبتَ البحرُ، وعلى التقديرين يكون "يمُدُّهُ" جملة حالية من البحر. والثاني: أن "البحر" مبتدأ (ويمده) الخبر والجملة حالية كما تقدم في جملة الاشتغال، والرابط الواو، وقد جعله الزمخشري سؤالاً وجواباً وأنشد: شعر : 4054 - وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِهَا ............................. تفسير : و "مِنْ شَجَرَةٍ" حال، إما من الموصول، أو من الضمير المستتر في الجار الواقع صلة، و "أَقْلاَم" خبر "أَنَّ"، قال أبو حيان: وفيه دليل على من يقول كالزمخشري ومن تعصب له من العجم على أن خَبَر أنَّ الواقعة بعد "لو" لا يكون اسماً البتة لا جامداً ولا مشتقاً بل يتعين أن يكون فعلاً وهو باطل وأنشد: شعر : 4055 - ولَوْ َنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتُهَا مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْداً وَأَزْنَمَا تفسير : وقال: شعر : 4056 - ما أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أنَّ الفَتَى حَجَرٌ تَنْبُو الحَوَادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ تفسير : وقال: شعر : 4057 - وَلَوْ أَنَّ حَيّاً فَائِتُ المُوْتِ فَإِنَّهُ أَخُو الحَرْبِ فَوْقَ القَارِحِ العُدْوَان تفسير : قال: وهو كثير في كلامهم، قال شهاب الدين: وقد تقدم أن هذه الآية ونحوهَا يبطل ظاهر قول المتقدمين في "لو" أنها حرف امتناع لامتناع إذ يلزم محذور عظيم وهو أن ما بعدها إذا كان مُثْبَتاً لفظاً فهو مُثْبَتٌ معنى وبالعكس، وقوله: مَا نَفِدت منفي لفظاً فلو كان مثبتاً معنى فسد المعنى، فعليك بالالتفات إلى أول البقرة. وقرأ عبدُ الله: "وبَحْرٌ" بالتنكير وفيه وجهان معروفان، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها بعد واو الحال وهو معدود من مسوغات الابتداء بالنكرة، وأنشدوا: شعر : 4058 - سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا مُحْيَّاكَ أخْفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شَارِقِ تفسير : وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن في هذه القراءة يتعين (القول بالعطف على "أن" كأنه يوهم أنه ليس ثَمَّ مُسَوِّغ، وقرأ عبد الله وأبيّ "تَمُدُّهُ" بالتأنيث لأجل "سبعةٍ" والحَسَنُ، وابن هُرْمُز، وابن مِصْرِفٍ "يُمِدُّهُ" بالياء من تحت مضمومة وكسر الميم من أَمَدَّهُ وقد تقدم اللغتان في آخر الأعراف وأوائل البقرة، والألف واللام في البحر لاستغراق الجنس أي (وكل) بحرٍ مدادٍ. فصل المعنى والبحر يمده، أي يَزيدُه، وينصب فيه من بعده أي من بعد خلقه سبعةُ أَبْحُر، وهذا إشارة إلى بحارٍ غير موجودة يعني لو مدت البحار الموجودة سبعة أبحر أخرى، وقوله: "سبعة" ليس لانحصارها في سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة، ولو بألفِ بحْر، وإنما خُصّت السبعةُ بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدود في العادة، ويدل على ذلك وجوه: الأول: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام، ولأن الكواكب السيارة سبعة، والمنجمون ينسبون إليها مراراً فصارت السبعة كالعدد الحصر للمُكْثراتِ الواقعة في العادة فاستعملت في كُلِّ كَثِيرٍ. الثاني: أن في السبعة معنّى يخصها ولذلك كانت السماواتُ سبعاً، والأرضينَ سبعاً، (وأبواب جهنم سبعاً)، وأبواب الجنة ثمانية لأنها الحسنى وزيادة فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واواً، يقول الفراء: إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف؛ لأن العدد تم بالسبعة. واعلم أن في الكلام اختصاراً تقديره: ولَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يَمُدُّه مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبحُرٍ يكتب بها كلام الله ما نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ. قوله: "كلمات الله" قال الزمخشري: فإن قلتَ: الكلماتُ جمعُ قلَّةٍ، والموضع موضع تكثير فهلا قِيلَ: كَلِمٌ؟ قلتُ: معناه أن كلماته لا يقع بكتبها البحار يكفي بِكَلِمِهِ، يعني أنه من باب التنبيه بطريق الأولى. ورده أبو حيان بأن جمع السلامة متى عرف "بأل" (غير العهدية، أو أضيف عَمَّ). قال شهاب الدين: للناس خلاف في "أل" هل تعم أو لا؟ وقد يكون الزمخشري مِمَّنْ لا يرى العموم ولم يزل الناس يشكون في بَيْت حَسَّانَ - رضي الله عنه -: شعر : 4059 - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى .............................. تفسير : ويقولون: كيف أتى بجمع القلة في مقام المدح ولم لم يقل "الجفان" وهو تقرير لما قاله الزمخشري، واعتراف بأن "أل" لا تؤثر في جمع القلة تكثيراً. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته "حَكِيمٌ" كامل العلم لا نهاية لمعلوماته، وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية. قوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم لحشر فقال: {خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، فقوله: "إِلا كَنَفْسٍ" خبر "مَا خَلْقُكُمْ" والتقدير: إِلا كَخَلْقِ نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} "سميع" لما يقولون "بصير" بما يعملون فإذا كان قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال وجب الاحتراز الكامل، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} في النظم وجهان: الأول: أن الله تعالى لما قال: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [لقمان: 20] على وجه العموم ذكر منها بعض ما فيها على الوجه المخصوص بقوله: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} إشارة إلى ما في السموات. الثاني: أن الله تعالى لما ذكر البعث فكان من الناس من يقوله: {أية : وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ}تفسير : [الجاثية: 24] والدهر هو بالليالي والأيام فقال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي يَنْسُبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله فقال: ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ثم قال: إن ذلك باختلاف مسير الشمس فتارة تكون القَوْس التي هي فوق الأرض أكبر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطور وتارة (يكون) العكس (فيكون بالعكس)، وتارة يتساويان (فيتساويان) فقال (تعالى): {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يعني إن كنتم لا تعرفون بأن هذه الأشياء كلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسْرِهَا عائدة إلى الله فالآجال إن كانت بالمدّدِ والمدد يسيِّر الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته. فصل قال: "يُولج" بصيغة الفعل المستقبل وقال في الشمس والقمر "وسخَّر" بصيغة الماضي؛ لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ}تفسير : [يس: 39] وقال ههنا: "إلى أَجَلٍ" وفي الزمر "لأَجِلٍ"؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقَعَ. قال الأكثرون: هذا خطاب للنبي - عليه السلام - والمؤمنين، وقيل: عام، ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي لما كان الليلُ والنهارُ محلَّ الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله، وقرأ أبو عمرو في رواية - {وأنَّ اللَّهَ بِمَا يَعملون} - بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب. قوله: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} أي ذلك الذي ذكرت، لتعلموا أن الله هو الحق {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} أي الزائل يقال: بطل ظله، إذا زال {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ} أي في ذاته. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} لما قال ألم تر أن الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبِّب ذكر بعده آية أرضية وأشار إلى السبب والمسبب بقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} وقوله: "بِنِعْمَتِ اللَّهِ" أي الريح التي هي بأمر الله {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} يعني يريكم بإجرائها "بِنِعْمَةِ اللَّهِ" بعض آياته وعجائبه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على أمر الله "شَكُور"على نعمه. قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} لما قال: إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكلّ صَبَّارٍ ذكر أن الكُلَّ معترف به غير أن البصير يدركه أولاً ومن في بصيرته ضعف لا يُدْرِكُه أولاً فإذا غَشِيَه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل للَّه ودعاه مخلصاً. وقوله: "كالظلل" قال مقاتل: كالجبال، وقال الكلبي: كالسحاب. والظلل جمع الظُّلَةِ شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج وهو واحد كالظُّلَلِ وهو جمع لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء وقوله: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي يتركون كل من دعوهم {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ} أي نجاهم من تلك الشدة فمنهم من يبقى على تلك الحالة ووصفهم بقوله: "فَمنْهُمْ مُقْتَصِدٌ" أي عدل موف في البر بما عاهَدَ اللَّهَ عليه في البحر من التوحيد له يعني على إيمانه. قيل: نزلت في عكرمةَ بْنِ أبي جهل هَرَبَ عام الفتح في البحر فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمةُ: لئن أنجاني الله من هذا الأمر لأرجعن إلى محمد ولأضع يَدِي في يده. فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال مجاهد: مقتصد في القول أي من الكفار لأن منهم من كان أشد قولاً من بعض. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في العنكبوت: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 65] وقال ههنا: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}؟!. فالجواب: لما ذكر ههنا امراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار، ومقتصد في الإخلاص فيبقى معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معانيه مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر. قوله: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ} في مقابلة قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} يعني يعترف بها الصبار والشكور، ويجحدها الختَّارُ الكفور فالصّبَّار في موازنة الختار لفظاً ومعنى، والكفور في موازنة الشكور أمَّا لفظاً فظاهر، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر، أو شديد الغدر مثال مبالغة من الخَتْر وهو أشد الغدر (قال الأعشى): شعر : 4060 - بِأَبْلَقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزِلَهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتَّارِ تفسير : وقال عمرو بن معديكرب: شعر : 4061 - فَإِنَّكَ لَوْ رأَيْتَ أَبَا عَمرٍو مَلأتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ تفسير : وقالوا: "إنْ مَدَدَتْ لَنَا يَداً مِنْ غَدْرٍ مَدَدْنَا لَكَ بَاعاً منْ خَتر" والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر لأن الصبور إن لم يعقدْ مع أحد لا يُعْهَدُ منه الإضرار فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله، وأما الغدار فيعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى ظاهر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ايانا تريد أم قومك؟ فقال: كلا... فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال: إنها في علم الله قليل. فأنزل الله في ذلك {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام...} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حديث : اجتمعت اليهود في بيت فارسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ائتنا. فجاء فدخل عليهم فسألوه عن الرجم فقال: أخبروني بأعلمكم. فأشاروا إلى ابن صوريا الأعور قال: أنت أعلمهم قال: إنهم يزعمون ذاك قال: فنشدتك بالمواثيق التي أخذت عليكم، وبالتوراة التي أنزلت على موسى. ما تجدون في التوراة؟ قال: لولا أنك نشدتني بما نشدتني به ما أخبرتك، أجد فيها الرجم قال: فقضى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صدقت يا محمد عندنا التوراة فيها حكم الله، فكانوا قبل ذلك لا يظفرون من النبي صلى الله عليه وسلم بشيء قال: فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85]. فاجتمعوا في ذلك البيت فقال رئيسهم: يا معشر اليهود لقد ظفرتم بمحمد فأرسلوا إليه. فجاء فدخل عليهم فقالوا: يا محمد ألست أنت أخبرتنا أنه أنزل عليك {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} ثم تخبرنا أنه أنزل عليك {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} فهذا مختلف. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم قليلاً ولا كثيراً قال: ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} وجميع خلق الله كتاب، وهذا البحر يمد فيه سبعة أبحر مثله، فمات هؤلاء الكتاب كلهم، وكسرت هذه الأقلام كلها، ويبست هذه البحور الثمانية، وكلام الله كما هو لا ينقص، ولكنكم أوتيتم التوراة فيها شيء من حكم الله، وذلك في حكم الله قليل. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فقرأ عليهم هذه الآية قال: "فرجعوا مخصومين بشر" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول. فقال رجل: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة، وأوتيت القرآن، وأوتينا التوراة، فأنزل الله {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} وفيه يقول: علم الله أكثر من ذلك {وما أوتيتم من العلم} فهو كثير لكم لقولكم قليل عندي ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح. فأنزل الله {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة: وهي الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} فنزلت {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو نصر السجزي في الابانة عن قتادة رضي الله عنه قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً، ومع البحر سبعة أبحر مداد لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحور، قبل أن تنفد عجائب ربي، وحكمته وعلمه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: قال حيي بن أخطب: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} وتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، فكيف يجتمع هاتان؟ فنزلت هذه الآية {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} ونزلت التي في الكهف {قل لو كان البحر مداداًَ لكلمات ربي...}. وأخرج عبد الرزاق وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} يقول: لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً، والبحار مداداً، لنفد الماء، وتكسرت الأقلام، قبل أن تنفد كلمات ربي. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ "والبحر يمده" رفع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ...} [الآية: 27]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: فى قوله: {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} قال: علم كتابه وعجائب حكمته. قال أبو سعيد الخراز: كلام الحكماء لا ينقطع من عيون الحكمة كما أن ماء العيون لا ينقطع عن عينه لأن حكمة الحكيم تلقين من رب العالمين ومن خزائنه وخزائنه لا تنفد، ألا تراه يقول: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}. وقال الجنيد رحمة الله عليه: كيف لا تحب سيدك وما انفككت من تواتر نعمه قط ولا تنفك ألا تراه يقول: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}. هى الكلمات التى اختارك بها فى الأزل وأيّدك ودعاك فى الوقت ويوصلك بها الى السعادة فى الأجل.
القشيري
تفسير : لو أنَّ ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ والبحارُ كانت مداداً، وبمقدار ما يقابله تُنْفَقُ القراطيسُ، ويتكلَّفُ الكُتَّابُ حتى تتكسر الأقلامُ، وتفنى البحارُ، وتستوفي القراطيسُ، وتفنى أعمارُ الكُتَّاب.. ما نَفِدَت معاني ما لنا مَعَكَ من الكلام، والذي نُسْمِعُك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبَدَ الأبد، والأبديُّ من الوصف لا يتناهى. ويقال إن كان لك معكم كلامٌ كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باقٍ: شعر : صحائفُ عندي للعتابِ طَوَيْتُها ستُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطول
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} يا فهم كيف نفد كلمات الحق وكلماته الازلية السرمدية والمعارف بكل نفس منه عن الحق سبحانه بالمثل الف خطاب ولا ينقطع عنه خطابه ابدا ولكل خطاب له وجد وله كشف وعيان وبيان وبرهان ولسان وعلم وحكمة وعمل واخلاص وعجزى ادراك وقال ابن عطا كلماته علم كتابه وعجايب حكمته وقال ابو سعيد الحراز كلام الحكماء لا ينقطع عن عيون الحكمة كما ان ماء العين لا ينقطع عن عينه لان حكم الحكيم تلقين من رب العالمين من خزاينه وخزاينه لا تنفد الا تاره يقول اوان ما فى الارض من شجرة اقلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو ان ما فى الارض من شجرة اقلام} جواب لليهود حين سألوا الحصين رسول الله صلىالله عليه وسلم او امروا وفد قريش ان يسألوه عن قوله {أية : وما اوتيتم من العلم الا قليلا} تفسير : وقد انزل التوراة وفيها علم كل شئ يعنى ان علم التوراة وسائر ما اوتى الانسان من الحكمة والمعرفة وان كان كثيرا بالنسبة اليهم لكنه قطرة من بحر علم الله. وقال قتادة قال المشركون ان القرآن يوشك ان ينفد وينقطع فنزلت. وقوله من شجرة حال من الموصول وهى ماله ساق وتوحيدها لما ان المراد تفصيل الاحاد يعنى ان كل فرد من جنس الشجر بحيث لا يبقى منه شئ لو برى قلما واصل القلم القص من الشئ الصلب كالظفر وخص ذلك بما يكتب به. وفى كشف الاسرار سمى قلما لانه قط رأسه والاقليم القطعة من الارض وتقليم الاظفار قطعها. والفرق بين القط والقدّ ان القط القطع عرضا والقدّ القطع طولا والقطع فصل الجسم بنفوذ جسم آخر فيه. والمعنى لو ثبت ان الاشجار اقلام {والبحر} اى والحال ان البحر المحيط بسعته وهو البحر الاعظم الذى منه مادة جميع البحار المتصلة والمنقطعة وهو بحر لا يعرف له ساحل ولا يعلم عمقه الا الله تعالى والبحار التى على وجه الارض خلجان منه وفى هذا البحر عرش ابليس لعنه الله وفيه مدائن تطفو على وجه الماء واهلها من الجن فى مقابلة الربع الخراب من الارض وفى هذا البحر ينبت شجر المرجان كسائر الاشجار فى الارض وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه الا الله تعالى وهو اى البحر مبتدأ خبره قوله {يمده} اى يزيده وينصب فيه من مد الدواة جعلها ذات مداد وزاده فيها فلذا اغنى عن ذكر المداد {من بعده} اى من بعد نفاده وفنائه {سبعة ابحر} نحو بحر الصين وبحر تبت كسكر على ما فى القاموس وبحر الهند وبحر السند وبحر فارس وبحر الشرق وبحر الغرب والله اعلم. قال فى اسئلة الحكم ان الله زين الدنيا بسبعة ابحر وسبعة اقاليم انتهى ولم يتعرضوا لتعداد الابحر فيما رأينا وقد استخرجناها من موضعها بطريق التقريب واجرينا القلم فيها ويحتمل ان يكون المراد الانهار السبعة من الفرات ودجلة وسيحان وسيحون وجيحان وجيحون والنيل لان البحر عند العرب هو الماء الكثير. وقال الكاشفى {سبعة ابحر} [هفت درياى ديكر مانند او] انتهى فيكون ذكر العدد للتكثير كما لا يخفى. وفى الارشاد اسناد المد الى الابحر السبعة دون البحر المحيط مع كونه اعظم منها واطم لانها هى المجاورة للجبال ومنابع المياه الجارية واليها تنصب الانهار العظام اولا ومنها تنصب الى البحر المحيط ثانيا. والمعنى يمده الابحر السبعة مدا لا ينقطع ابدا وكتبت بتلك الاقلام وبذلك المداد كلمات الله {ما نفدت كلمات الله} اى ما فنيت متعلقات علمه وحكمته ونفدت تلك الاقلام والمداد وقد سبق تحقيقه فى اواخر سورة الكهف عند قوله تعالى {أية : قل لو كان البحر مدادا} تفسير : الآية وايثار جمع القلة فى الكلمات للايذان بان ما ذكر لا يفى بالقليل منها فكيف بالكثير. وفى التأويلات النجمية اى لوان ما فى الارض من الاشجار اقلام والبحر يصير مدادا وبمقدار ما يقابله ينفق القرطاس ويتكلف الكتاب حتى تنكسر الاقلام وتفنى البحار وتستوفى القراطيس ويفنى عمر الكتاب ما نفدت معانى كلام الله تعالى لان هذه الاشياء وان كثرت فهى متناهية ومعانى كلامه لا تتناهى لانها قديمة والمحصور لا يفى بما لا حصر له انتهى وقد قصر من جعل الارض قرطاسا. وفى الاية اشارة ظاهرة الى قدم القرآن فان عدم التناهى من خاصية القديم. وجاء فى حق القرآن (ولا تنقضى عجائبه) اى لا ينتهى احد الى كنه معانيه العجيبة وفوائده الكثيرة. وفى الآية اشارة ايضا الى ان كلمات الحكماء الالهية وعلومهم لا تنقطع ابدا لانها من عيون الحكمة كما ان ماء العين لا ينقطع عن عينه وكيف ينقطع وحكمة الحكيم تلقين من رب العالمين وفيض من خزائنه وخزائنه لا تنفد كما دلت عليه الآية ولبعض العارفين تجلى برقّى يعطى فى مقدار طرفة عين من العلوم مالا نهاية له واذا كان حاله هذا فى جزء يسير من الزمان فما ظنك بحاله فى مدة عمره {ان الله عزيز} لا يعجزه شئ {حكيم} لا يخرج عن علمه وحكمته امر فلا تنفد كلماته المؤسسة عليهما. وخاصية الاسم العزيز وجود الغنى والعز صورة ومعنى فمن ذكره اربعين يوما فى كل يوم اربعين مرة اغناه الله واعزه فلم يحوجه الى احد من خلقه والتقرب بهذا الاسم فى التمسك بمعناه وذلك برفع الهمة عن الخلائق وهو عزيز جدا. وخاصية الاسم الحكيم دفع الدواهى وفتح باب الحكمة من اكثر ذكره صرف عنه ما يخشاه من الدواهى وفتح له باب من الحكمة والتقرب بهذا الاسم تعلقا ان تراعى حكمته فى الامور مقدما ما جاء شرعا ثم عادة فتسلم من معارض شرعى وتخلقا ان تكون حكيما والحكمة فى حقنا الاصابة فى القول والعمل وقد سبق فى اول قصة لقمان. واعلم ان فى خلق البحار والانهار والجزائر ونحوها حكما ومصالح تدل على عظم ملكه تعالى وسعة سلطانه وليس من بر ولا بحر الا وفيه خلق من الخلائق يعبد الله تعالى على ان الاسكندر وصل الى جزيرة الحكماء وهى جزيرة عظيمة فرأى بها قوما لباسهم ورق الشجر وبيوتهم كهوف فى الصخر والحجر فسألهم مسائل فى الحكمة فاجابوا باحسن جواب وألطف خطاب لما انهم من مظاهر الاسم الحكيم فقال لهم سلوا حوائجكم لتقضى فقالوا له نسألك الخلد فى الدنيا فقال وانى به لنفسى ومن لا يقدر على نفس من انفاسه كيف يبلغكم الخلد فقال كبيرهم نسألك صحة فى ابداننا ما بقينا فقال وهذا ايضا لا اقدر عليه قالوا فعرفنا بقية اعمارنا فقال لا اعرف ذلك لروحى فكيف بكم فقالوا له فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك واعظم من ذلك وجعل الناس ينظرون الى كثرة الجنود اى جنود الاسكندر وعظمة موكبه وبينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه فقال الاسكندر مالك لا تنظر الى ما ينظر اليه الناس قال الشيخ ما اعجبنى الملك الذى رأيت قبلك حتى انظر اليك والى ملكك فقال الاسكندر وماذاك قال الشيخ كان عندنا ملك وآخر صعلوك فماتا فى يوم واحد فغبت عنهما مدة ثم جئت اليهما واجتهدت ان اعرف الملك من المسكين فلم اعرفه فتركهم وانصرف: قال الشيخ العطار قدس سره شعر : جه ملكت اين وتوجه بادشاهى كه باشير اجل بر مى نيايى اكر تو فى المثل بهرام زورى بروزوا بسين بهرام كورى جو ملك اين جهان ملكى رونده است بملك آن جهان شد هركه زنده است اكر آن ملك خواهى اين فداكن كه بابراهيم ادهم اقتداكن رباط كهنه دنيا در انداخت جهاندارى بدرويشى فروباخت اكرجه ملك دنيا بادشا ييست ولى جون بنكرى اصلش كدا ييست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ولو أنما في الأرض): مذهب الكوفيين وجماعة: أن ما بَعد "لو": فاعل بفعل محذوف، أي: ولو ثبت كون ما في الأرض.. إلخ. ومذهب سيبويه: أنه مبتدأ، أي: ولو كون ما في الأرض واقع، و(البحر): مبتدأ، و(يمده): خبره، أي: يمد ما ذكر من الأقلام. و(من بعده سبعةُ أبحر): مبتدأ وخبر. وحذف التمييز، أي: (مداداً)، يدل عليه (يمده)، أو (سبعة): فاعل (يمده)، أي: يصب فيه سبعةُ أبحر، والجملة: حال، أي: ولو أن الأشجار أقلام، في حال كون البحر ممدوداً، ما نفدت... إلخ. وجملة (يمده): خبر (البحر). ومن قرأ بالنصب فعطف على اسم "إن"، وهو (ما). يقول الحق جل جلاله: {ولو أنّ ما في الأرض من شجرة} من الأشجار {أقلام}، والبحر يمد تلك الأقلام، يصب في ذلك البحر {سبعةُ أبحر}، وتلك الأقلام كلها تكتب كلمات الله الدالة على عظمته وكمالاته، {ما نَفِدَتْ} كلماته، ونفدت الأقلام، وجفت تلك الأبحر، وهذا كقوله: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 109] مع زيادة المبالغة بذكر السبعة أبحر، يقال: مد الدواة وأمدها: جعل فيها مداداً، فجعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة مدادها، وفروع الأشجار كلها أقلام تكتب كلماته تعالى، فلو قدر ذلك لتكسرت الأقلام وجفت الأبحر، قبل ان تنفد كلماته تعالى؛ لأنها تابعة لعلمه، وعلمه لا نهاية له. وإنما وحدَّ الشجرة؛ لأن المراد تفصيل الشجر وتقَصِيها؛ شجرة شجرة، حتى ما يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بُريت أقلاماً. وأوتر الكلمات، وهي من حيز جمع القلة، على الكَلِم، الذي هو جمع الكثرة؛ لأن المعنى: أن كلماته لا يفي بها الأقلام؛ فكيف بكلامه الكَثير؟. {إن الله عزيزٌ} لا يُعجزه شيء، {حكيم} لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، فلا تنفد كلماته وحكمته. والآية جواب اليهود، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: الآية مدنية، أو: أَمروا وَفد قريش أن يسألوه عن قوله: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء:85]، فقالوا: هل عنيتنا أمْ قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلاّ قد عنيت" تفسير : فقالوا: أليس فيما قد أوتيت أنَّا قد أُوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي في علم الله قليل"تفسير : ، فأنزل الله: {ولو أنما...} إلخ. ولما ذكر شأن كلامه وعلمه؛ ذكر شأن قدرته، فقال: {ما خلْقُكُمْ ولا بعثُكُم إلا كنَفْسٍ واحدةٍ}، أي: إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة. فحُذف، للعلم به، أي: القليل والكثير في قدرة الله تعالى سواء، فلا يشغله شأن عن شأن، وقدرته عامة التعلق، تَنْفُذُ أسرع من لمح البصر. قال الغزالي في الإحياء: ومن غريب حِكَم الآخرة أن الرجل يُدعى به إلى الله تعالى، فيُحاسب ويُوبخ، وتُوزن له حسناته وسيئاته، وهو في ذلك كله يظن أن الله لم يحاسب إلا هو، ولعل آلاف آلاف ألف مثله في لحظة واحدة. وكل منهم يظن ظنه، لا يرى بعضهم بعضاً، ولا يسمعه، وهو قوله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}. هـ. {إن الله سميع} لقول من يُنكر البعث من المشركين، {بصيرٌ} بأعمالهم، فيجازيهم. الإشارة: أوصاف الباري سبحانه كلها كاملة، غير محصورة ولا متناهية؛ من علم، وقدرةٍ، وإرادة، وكلام، وغيرها. وأوصاف العبد كلها قصيرة متناهية، وقد يمد الحقُّ عبده بصفة من صفاته التي لا تتناهى، فإذا أمده بصفة الكلام تكلم بكلام تعجز عنه العقول، لا يقدر على إمساكه، فلو بقي يتكلم عمرَه كله ما نفد كلامه، حتى يُسكته الحق تعالى. وقد كان بعض السادات يقول لأصحابه، حين يتكلم عليهم: إني لأستفيد من نفسي كما تستفيدون أنتم مني، وذلك حين الفيض الإلهي. وإذا أمده بصفة القدرة، قدر على كل شيء، وإذا أمده صفة السمع؛ سمع كل شيء، وإذا أمده بصفة البصر، أبصر كل موجود... وهكذا. وهذه الأوصاف كامنة في العبد من حيث معناه، احتجبت بظهور أضدادها؛ صوناً لسِّر الربوبية. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال أوصافه، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ} جملة حاليّة او معطوفة لتأكيد هذا المعنى {مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} قد مضى بيان هذه الآية فى آخر سورة الكهف فلا نعيده {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} فى مقام التّعليل يعنى انّه عزيز وعزّته مانعة من ان تعدّ مقاماته او تُنفد كلماته جملةُ مراتب الاعداد وجملة السّائلات الّتى يصحّ ان تكون مداداً، والنّباتات الّتى يصحّ ان تكون اقلاماً فانّه لو غلب شيء على مقاماته او كلماته كانت متناهيةً وكلّما كان متناهياً كان فانياً غير غالبٍ {حَكِيمٌ} لا يخرج تلك الكلمات الغير المتناهية الاّ بقدر استعداد موادّها واستحقاق اعيانها الثّابتة.
اطفيش
تفسير : {وَلَو أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرةٍ} متعلق بمحذوف حال من اسم ما والمصدر من خبر ان فاعل لثبت محذوفا او مبتدأ بلا خبر وبسطت مثل ذلك في النجوم وانما قال من شجرة ولم يقل من اشجار او من شجر ليدل اللفظ على تفصيل الشجر شجرة شجرة حتى لا تبقى واحدة الا بريت اقلاما. {أقَلامٌ وَالبَحْرُ} مبتدأ. {يَمُدُّهُ} خبر والواو للحال اي والبحر المحيط يسعفه مدادا اي يكون له مددا وهاء يمده عائدة الى ما قيل او البحر معطوف على محل اسم ان وقيل على محل ان واسمها قلت يجوز عطفه على المصدر المقدر من خبر ان الذي هو فاعل لثبت المقدر بعد لو اي ولو ثبت كون ما في الأرض من شجرة اقلاما والبحر وعلى الأوجه فجملة يمده حال من البحر وقرأ ابن مسعود (وبحر يمده) وفي تلك الوجوه كلها وزعم بعضهم انه لا يجوز فيه كون الواو للحال وبحر مبتدأ وليس بشيء وليس المعنى عندي في القرائتين على الاستئناف فضلا من ان تجعل الجملة مستأنفة ولو اجاز القاضي هذا وقرأ ابو عمر بنصب البحر عطفا على اسم ان ويمد عطف على خبرها كقولك ان زيدا قام وعمرا قعد او النصب على الاشتغال كذا قال القاضي وهو غلط بل النصب عطف على إسم ان وممن قرأ بالنصب يعقوب ثم ظهر لي توجيه كلام القاضي بأنه اذا نصب على الاشتغال ففاعل يمده سبعة ولا ضمير حينئذ في يمده واما على العطف على اسم ان ففيه ضمير البحر ومن بعده سبعة ابحر خبر ومبتدأ ويجوز ايضا على الرفع كون سبعية فاعل يمد وتنبهت لذلك بقراءة بعضهم (تمده) بالفوقية المثناة. {مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} اي زيادة عليه بأن يكون البحر المحيط دواة والابحر السبعة مملوءة مدادا تصب فيه مدادها ابدا صبا لا ينقطع يقال مد الدواة وأمدها اي جعل فيها مدادا او زاده فيها او زاده فيها ماء على المداد الذي فيها وهذه السبعة في هذه الأرض. وقال ابن عمر: تحت بحركم هذا بحر نار وتحته بحر ماء وتحته بحر نار الى سبعة ابحر ماء وانها المراد في الآية ان عدي. {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ} اي ما انقضت معلوماته بكتابتها بتلك الاقلام من ذلك المداد وتنقضي الاشجار والبحور ولا تنقضي معلوماته وانما قال كلمات الله ولم يقل كلم الله مع ان كلمات جمع قلة على ما قال سيبويه: ان جمع المؤنث السالم جمع قلة، والموضع موضع تكثير لان المراد بالكلمات هنا جمع الكثرة او اختير لفظ الكلمات اشعارا بأن ذلك لا يفي بكلماته فكيف بكلمه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما سبب نزول الآية ان اليهود قالت: يا محمد كيف عنينا بهذا القول وما أوتيتم من العلم الا قليلا ونحن قد أوتينا التوراة تبيانا لكل شيء. وقيل سببها أن المشركين قالوا ان الوحي سوف ينقطع وينقضي فأعلمهم الله ان كلماته لا تنتهي ينزل ويبقى مالا ينتهي فعلى الاول الآية مدنية وعلى الثاني مكية وقيل مكية على الاول ايضا بأن امر اليهود المشركين اذ وفدوا عليهم ان يقولوا اليس مما نزل عليك ان اليهود قد اوتوا التوراة وفيها علم كل شي قال الجمهور لما نزل بمكة {أية : ويسألونك عن الروح }تفسير : الآية وهاجر "حديث : اتاه أحبار اليهود وقالوا يا محمد: بلغنا انك تقول {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أفعنيتنا أم قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كلا قد عنيت فقالوا: الست تتلوا فيما جاءك أَنا قد أوتينا التوراة فيها علم كل شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليل وقد أتاكم الله ما ان علمتم به ان انتفعتم. قالوا يا محمد: كيف تزعم هذا وانت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، كيف يكون الشيء الواحد قليلا وكثيرا؟ فنزلت الآية مبينة انها قليل بالنسبة الى علم الله."تفسير : {إِنَّ اللهَ عَزيزٌ} لا يعجزه شيء. {حَكِيمٌ} لا يفعل شيئا عبثا ولا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
اطفيش
تفسير : {ولو أنَّمَا في الأرض من شَجَرة أقلام} المصدر فاعل لثبت محذوفا وهو مصدر من خارج، اذ ليس فى خبر ان، بل يجاء بالكون او بالنسب المفيد معنى الكون من خبرها، اى لو ثبت كون ما فى الارض اقلاما، وأقلاما خبر الكون فى التأويل، وخبر ان قبل التأويل، او لو ثبتت قلمية ما فى الارض، وذلك انه لا بد للمؤمن فعل، ولا بد من التأويل بالمصدر مع ان المفتوحة، وقال سيبويه: لا يقدر الفعل المصدر مبتدأ بلا خبر: او وجود المسند اليه قبل التأويل، وقدر بعضهم خبره قبله، وبعض بعده، وفى الآية مجئ خبر ان بعد لو اسما كقوله: شعر : ولو انها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيدا وأزنما تفسير : وقوله: شعر : ما أطيب العيش لو ان الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم تفسير : لا كما قال الزمخشرى: من منع ذلك غفلة منه اذ لم يقل: انما يكون الخبر بعدها اسما جاهدا، او فعلا لا اسما مشتقا فلا يجاب عنه بانه اراد لا يكون فعلا اذا لم يكن اسما مشتقا، ثم انه اذا لم فعلا فهب انه اسم جامد او مشتق، ومن معلق بمحذوف حال من المستتر فى قوله: فى الارض، وشجرة نكرة عامة فى الاثبات، كقوله تعالى: "أية : علمت نفس"تفسير : [التكوير: 14، الإنفطار: 15] ومن الجائز تقدير مضاف عام فى ذلك ونحوه، اى علمت كل نفس، ومن كل شجرة واسم الشرط يعم: مع انه نكرة فى الاثبات لشبهه بالنفى، وهنا قوى جانب العموم بلو، لانها حرف شرط، وحكمة افراد شجرة وتنكيرها دفع ما يتوهم لو جمعت من التوزيع، بان كل شجرة على حدة قلم، ليس ذلك مرادا، بل المراد ان كل عود من كل شجرة ولو دق قلم، والعود الغليظ او الطويل تكون منه اقلام متعددة، كاقلام التى عهدناها مع انها يقدر لها البرى الى حد ما يمكن ايضا. {والبَحْر} المحيط، وأل للعهد لانه المتبادر، والفرد الكامل، واجيز ارادة الجنس او الاستغراق والعهد، او الاستغراق اولى من الجنس، وذلك ان اريد الجنس جاز ان يراد غير المحيط والمقام للمبالغة {يمدُّه} يصير مدادا لما فى الدنيا من الاشجار الواقع كل عود منها قلما على حد ما ذكرت آنفا، والمد الزيادة اى تضم الى الاقلام، ومد الدواة زاد فيها ما يكتب به من المداد الاسود او الاحمر او الاخضر او غير ذلك، وجملة البحر يمده حال من المستتر فى قوله: {في الأرض} ولو فصل بينهما {من بَعْده سَبْعة أبْحر} حال من المستتر فى يمد، والمراد بسبعة أبحر: مفروضة كل واحد كالمحيط، او كل واحد كالبحور الموجودة كلها، على جعل أل للاستغراق. روى الطبرانى، وابن المنذر، عن ابن عباس: انه خلق الله تعالى من وراء هذه الارض بحرا محيطا بها، ومن وراء ذلك جبلا محيطا بها يقال له قاف، وخلق من وراء ذلك الجبل ارضا مثل تلك الارض سبع مرات، خلق من وراء بحرا محيطا بها، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء مترفرفة عليه، حتى عد سبع ارضين، وسبعة ابحر، وسبعة اجبل، وذلك قوله تعالى: {والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} والله اعلم بصحة ذلك، والله تعالى قادر على ما لا يحصى من ذلك، وهب انه ذكره كعب الاحبار رضى الله عنه، لكن لعله اخذه من كتب الاسرائليين، وهو فى نفسه ثقة، ويبحث بانه اذا كان ثقة لم يرو الا ما صح، فيجاب بانه رواه ظانا انه صحيح، مع انه ليس مما يقطع فيه العذر. والمراد بالسبعة تكثير العدد ولو آلاف بحر من بعده، وخصت لانها عدد تام كما ذكرته فى سورة البقرة، وشرح القلصادى وكثير من المعدودات التى لها شأن، سبع كسبع سموات، وسبع ارضين، والكواكب السيارة، والاقاليم والايام، ومقتضى الظاهر، والبحر مداد بنصب البحر كما قال: {أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام} لكن قال: {والبحر يمده} لان يمده يغنى عن ذكر المداد ويزيد عليه بالاستمرار التجددى تصريحا، كما هو المراد بصيغة المضارع، اى لا يزال يصب فيه، وليس هذا فى لفظ مداد. {ما نَفِدَت} انقضت {كلمات الله} معلوماته ان كتبت بتلك الاقلام وتلك البحور، وحذف هذا الشرط، وان شئت فقدر من بعده سبعة أبحر، وكتب بتلك الاقلام، وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلمات الله او علمه، قالت اليهود بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، على ان الآية مدنية او امروا قريشا بالقول: تزعم يا محمد انا لم لم نؤت من العلم إلا قليلاً "أية : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً" تفسير : [الإسراء: 85] وقد اوتينا التوراة وهى الحكمة "أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" تفسير : [البقرة: 269] فنزل: {ولو أنما في الأرض من شجرة} الخ، فكثيركم قليل بالنسبة الى سعة علمه تعالى. وروى انهم قالوا: من عنيت بقولك: "أية : وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً"تفسير : [الإسراء: 85] إيانا او قومك؟ فقال: {كلاَّ عنيت} فقالوا: ألست تتلوا انا اوتينا التوراة وفيها علم كل شئ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي في علم الله قليل"تفسير : فقالوا: ألست تعلو: "أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً"تفسير : [البقرة: 269]؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا علم قليل وخير كثير" تفسير : فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولو أن ما في الأرض}الخ، وروى ان المشركين قالوا: ان هذا كلام يوشك ان ينفد، فأنزل الله: (ولو أن ما الأرض) وقيل: كلماته مقدوراته من اطلاق اسم السبب على المسبب، إذ يقول لشئ: كن فيكون، واختار كلمات وهو جمع قلة على كلم الله، وهو جمع كثرة تلويحا بان كلماته لا تفى بها البحار والشجر فكيف بكلمة {إنَّ الله عزيزٌ حَكيمٌ ما خلقكم ولا بعْثَكُم إلاَّ كنَفس واحدة} وكذا الخلق كله فى السهولة لكمال قدرته، وعدم احتياجه الى آلة او كسب {إنَّ الله سَميعٌ} عليم بكل صوت {بَصيرٌ} عليم بكل شئ من المبصرات، او بكل شئ، وقد علم قريش ذلك، وانما كانوا يقولون اذا أرادو الطعن فى الدين: اسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد حمقا وعنادا، وفيه نزل: "أية : وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور" تفسير : [الملك: 13] وقيل: نزلت الآية فى أبى بن خلف ونبيه ومنبه ابنى الحجاج وغيرهم من قريش اذ قالوا: ان الله خلقنا نطفا وعلقا ومضغا، فكيف يبعثنا خلقا جديدا فى ساعة واحدة.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما ـ فأن ـ وما بعدها فاعل ثبت مقدر بقرينة كون {أن} دالة على الثبوت والتحقق وإلى هذا ذهب المبرد، وقال سيبويه: إن ذلك مبتدأ مستغن عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده، وقيل: مبتدأ خبره مقدر قبله، وقال ابن عصفور: بعده، و {مَّا فِى ٱلأَرْضِ } اسم أن و {مِن شَجَرَةٍ } بيان ـ لما ـ أو للضمير العائد إليها في الظرف فهو في موضع الحال منها أو منه أي ولو ثبت أن الذي استقر في الأرض كائناً من شجرة، و {أَقْلاَمٌ } خبر أن قال أبو حيان: وفيه دليل دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله: إن خبر أن الجائية بعد ـ لو ـ لا يكون اسماً جامداً ولا اسماً مشتقاً بل يجب أن يكون فعلاً وهو باطل ولسان العرب طافح بخلافه، قال الشاعر:شعر : ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيداً وأزنماً تفسير : وقال آخر:شعر : ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم تفسير : إلى غير ذلك، وتعقب بأن اشتراط كون خبرها فعلاً إنما هو إذا كان مشتقاً فلا يرد {أَقْلاَمٌ } هنا ولا ما ذكر في البيتين، وأما قوله تعالى: {أية : لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ }تفسير : [الأحزاب: 20] فلو فيه للتمني والكلام في خبر أن الواقعة بعد لو الشرطية، والمراد بشجرة كل شجرة والنكرة قد تعم في الإثبات إذا اقتضى المقام ذلك كما في قوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ }تفسير : [التكوير: 14] وقول ابن عباس رضي الله عنهما لبعض أهل الشام وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها؟ تمرة خير من جرادة على ما اختاره جمع ولا نسلم المنافاة بين هذا العموم وهذا التاء فكأنه قيل: ولو أن كل شجرة في الأرض أقلام الخ، وكون كل شجرة أقلاماً باعتبار الأجزاء أو الأغصان فيؤل المعنى إلى لو أن أجزاء أو أغصان كل شجرة في الأرض أقلاماً الخ، ويحسن إرادة العموم في نحو ما نحن فيه كون الكلام الذي وقعت فيه النكرة شرطاً بلو وللشرط مطلقاً قرب ما من النفي فما ظنك به إذا كان شرطاً بها وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس بل هي دالة على ثبوت الجواب أو حرف شرط في المستقبل على ما فصل في "المغني". واختيار {شَجَرَةٍ } على أشجار أو شجر لأن الكلام عليه أبعد عن اعتبار التوزيع بأن تكون كل شجرة من الأشجار أو الشجر قلماً المخل بمقتضى المقام من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه: وفي «البحر» أن هذا مما وقع فيه المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة، ونظيره {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ }تفسير : [البقرة: 106] {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ }تفسير : [فاطر: 2] {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ ومَا فِى ٱلأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ }تفسير : [النحل: 49] وقول العرب: هذا أول فارس وهذا أفضل عالم يراد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب وأول الفرسان وأفضل العلماء ذكر المفرد النكرة وأريد به معنى الجمع المعرف باللام وهو مهيع في كلام العرب معروف وكذلك يقدر هنا من الشجرات أو من الأشجار اهـ فلا تغفل. وقال الزمخشري: إنه قال سبحانه {شَجَرَةٍ} على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر لأنه أريد تفصيل / الشجر شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً. وتعقب بأن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار غير معهود والمعهود إفادته ذلك بالتكرير نحو جاؤوني رجلاً رجلاً فتأمل، واختيار جمع القلة في {أَقْلاَمٌ } مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد للقلم جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله. {وَٱلْبَحْرِ} أي المحيط فأل للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد للكامل إذ قد يطلق على شعبه وعلى الأنهار العظام كدجلة والفرات، وجوز إرادة الجنس ولعل الأول أبلع {يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نفاده وقيل من ورائه {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مفروضة كل منها مثله في السعة والإحاطة وكثرة الماء، والمراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلاً لا خصوص العدد المعروف كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» تفسير : واختيرت لها لأنها عدد تام كما عرفت عند الكلام في قوله تعالى: {أية : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }تفسير : [البقرة: 196] وكثير من المعدودات التي لها شأن كالسماوات والكواكب السيارة والأقاليم الحقيقة وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصر في سبع فلعل في ذكرها هنا دون سبعين المتجوز به عن الكثرة أيضاً رمزاً إلى شأن كون تلك الأبحر عظيمة ذات شأن ولما لم تكن موضوعة في الأصل لذلك بل للعدد المعروف القليل جاء تمييزها أبحر بلفظ القلة دون بحور وإن كان لا يراد به إلا الكثرة ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في السبعة واستعملت للتكثير تجوز في أبحر واستعمل فيه أيضاً، وكان الظاهر بعد جعل ما في الأرض من شجرة أقلام أن يقال: والبحر مداد لكن جيء بما في النظم الجليل لأن {يمده} يغني عن ذكر المداد لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها أي جعلها ذات مداد وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة وهو تصوير الإمداد المستمر حالاً بعد حال كما تؤذن به صيغة المضارع فأفاد النظم الجليل جعل البحر المحيط بمنزلة الدواة وجعل أبحر سبعة مثله مملوءة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صبا لا ينقطع. ورفع {ٱلْبَحْرِ } على ما استظهره أبو حيان فيه على الابتداء وجملة {يمده} خبره والواو للحال والجملة حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً في حال كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر، ولا يضر خلو الجملة عن ضمير ذي الحال فإن الواو يحصل بها من الربط ما لا يتقاعد عن الضمير لدلالتها على المقارنة، وأشار الزمخشري إلى أن هذه الجملة وما أشبهها كقوله:شعر : وقد اغتدى والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل تفسير : وجئت والجيش مصطف من الأحوال التي حكمها حكم الظروف لأنها في معناها إذ معنى جئت والجيش مصطف مثلاً ومعنى جئت وقد اصطفاف الجيش واحد وحيث إن الظرف يربطه بما قبله تعلقه به وإن لم يكن فيه ضمير وهو إذا وقع حالاً استقر فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر، ولا يرد عليه اعتراض أبـي حيان بأن الظرف إذا وقع حالاً ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف، والجملة الإسمية إذا كانت حالاً بالواو فليس فيها ضمير منتقل فكيف يقال إنها في حكم الظرف. نعم الحق أن الربط بالواو كاف عن الضمير ولا يحتاج معه إلى تكلف هذه المؤنة، وجوز أن تكون الجملة حالاً من (الأرض) والعامل فيه معنى الاستقرار والرابط ما سمعت أو أل التي في {ٱلْبَحْرِ } بناء على رأي الكوفيين من جواز كون أل عوضاً عن الضمير كما في قوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ }تفسير : [ص: 50] أي ولو ثبت كون الذي استقر في الأرض من شجرة أقلاماً حال كون بحرها ممدوداً بسبعة أبحر / قال في «الكشف»: ولا بد أن يجعل {مِن شَجَرَةٍ } بياناً للضمير العائد إلى {مَا } لئلا يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بالأجنبـي. و {ٱلْبَحْرِ } على تقدير جعل أل فيه عوضاً عن المضاف إليه العائد إلى الأرض يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره، وقال الطيبـي: إن البحر على ذلك يعم جميع الأبحر لقرينة الإضافة ويفيد أن السبعة خارجة عن بحر الأرض وعلى ما سواه يحتمل الحصة المعهودة المعلومة عند المخاطب. ورد بأن لا فرق بينهما بل كون بحرها للعهد أظهر لأن العهد أصل الإضافة ولا ينافيه كون الأرض شاملة لجميع الأقطار لأن المعهود البحر المحيط وهو محيط بها كلها، وجوز الزمخشري كون رفعه بالعطف على محل أن ومعمولها، وجملة {يَمُدُّهُ } حال على تقدير لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر، وتعقب بأن الدال على الفعل المحذوف هو أن وخبره على ما قرر في بابه فإذن لا يمكن إفضاء المحذوف إلى المعطوف دون ملاحظة دال وفي هذا العطف إخراج عن الملاحظة، وأجيب بأنه يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع، ثم لا يخفى أن العطف على هذا من عطف المفرد على المفرد لا المفرد على الجملة كما قيل إذ الظاهر أن المعطوف عليه إنما هو المصدر الواقع فاعلاً لثبت وهو مفرد لا جملة، وجوز أن يكون العطف على ذلك أيضاً بناء على رأي من يجعله مبتدأ، وتعقب بأنه يلزم أن يلي لو الاسم الصريح الواقع مبتدأ إذ يصير التقدير ولو البحر وذلك على ما قال أبو حيان لا يجوز إلا في ضرورة شعر نحو قوله:شعر : لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري تفسير : وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل وأخيه يقولان ذلك، وقال بعضهم: إنه يلزم على العطف السابق أن يلي لو الاسم الصريح وهو أيضاً مخصوص بالضرورة وأجاب بما أجيب وفيه عندي تأمل، وجوز كون الرفع على الابتداء، وجملة {يَمُدُّهُ } خبر المبتدأ والواو واو المعية وجملة المبتدأ وخبره في موضع المفعول معه بناء على أنه يكون جملة كما نقل عن ابن عشام ولا يخفى بعده، وجوز كون الواو على ذلك للاستئناف وهو استئناف بياني كأنه قيل: ما المداد حينئذ فقيل: والبحر الخ، وتعقب بأن اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود، وما قيل: إنه يقترن بها إذا كان جواباً للسؤال على وجه المناقشة لا للاستعلام مما لا يعتمد عليه، ومن هنا قيل: الظاهر على إرادة الاستئناف أن يكون نحوياً، وجوز في هذا التركيب غير ما ذكر من أوجه الإعراب أيضاً. وقرأ البصريان {وَٱلْبَحْرِ } بالنصب على أنه معطوف على اسم أن و {يمده} خبر له أي ولو أن البحر ممدود بسبعة أبحر. قال ابن الحاجب في «أماليه»: ولا يستقيم أن يكون {يَمُدُّهُ } حالاً لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال ولا يجوز لأنها لبيان الفاعل أو المفعول والمبتدأ ليس كذلك ويؤدي أيضاً إلى كون المبتدأ لا خبر له ولا يستقيم أن يكون {أَقْلاَمٌ } خبراً له لأنه خبر الأول اهـ، ولم يذكر احتمال تقدير الخبر لظهور أنه خلاف الظاهر. وجوز أن يكون منصوباً على شرطية التفسير عطفاً على الفعل المحذوف أعني ثبت ودخول لو على المضارع جائز، وجملة {يَمُدُّهُ } الخ حينئذ لا محل لها من الإعراب. وقرأ عبد الله {وبحر} بالتنكير والرفع وخرج ذلك ابن جنى على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي هناك بحر يمده الخ، والواو واو الحال لا محالة، ولا يجوز أن يعطف على {أَقْلاَمٌ } لأن البحر وما فيه ليس من حديث الشجر / والأقلام وإنما هو من حديث المداد. وفي «البحر» أن الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدم، وإذا كانت للحال كان {بَحْر } مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة تقدم تلك الواو فقد عد من مسوغات الابتداء بالنكرة كما في قوله:شعر : سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا محياك أخفى ضوءه كل شارق تفسير : اهـ ولا يخفى أنه إذا عطف على فاعل ثبت فجملة {يَمُدُّهُ } في موضع الصفة له لا حال منه؛ وجوز ذلك من جوز مجيء الحال من النكرة، والظاهر على تقدير كونه مبتدأ جعل الجملة خبره ولا حاجة إلى جعل خبره محذوفاً كما فعل ابن جني. وقرأ ابن مسعود. وأبـي {تمده} بتاء التأنيث من مد كالذي في قراءة الجمهور. وقرأ ابن مسعود أيضاً والحسن وابن مصرف وابن هرمز {يمده} بضم الياء التحتية من الإمداد. قال ابن الشيخ: يمد بفتح فضم ويمد بضم فكسر لغتان بمعنى. وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما {وَٱلْبَحْرِ مداده} أي ما يكتب به من الحبر، وقال ابن عطية: هو مصدر. {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ} جواب {لَوْ } وفي الكلام اختصار يسمى حذف إيجاز ويدل على المحذوف السياق والتقدير ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله تعالى ما نفدت لعدم تناهيها ونفد تلك الأقلام والمداد لتناهيها، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قوله تعالى: {أية : أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ }تفسير : [البقرة: 196] أي فحلق رأسه لدفع ما به من الأذى ففدية، والمراد بكلماته تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فأنزل سبحانه {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }تفسير : [الإسراء: 85] فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فنزلت {وَلَوْ أَنَّ } الخ. وظاهر هذا أن اليهود قالوا: ذلك له عليه الصلاة والسلام مشافهة وهو ظاهر في أن الآية مدنية، وقيل: إنهم أمروا وفد قريش أن يقولوا له صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا القائل يقول: إنها مكية، وحاصل الجواب أنه وإن كان ما أوتيتموه خيراً كثيراً لكونه حكمة إلا أنه قليل بالنسبة إلى حكمته عز وجل. وفي رواية أنه نزل بمكة قوله تعالى: {وَيَسْـئَلُونَكَ } الخ «حديث : فلما هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبار اليهود فقالوا بلغنا أنك تقول: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا عنيت» فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك إنَّا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال عليه الصلاة والتحية: «هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به نجوتم» قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] فكيف يجتمع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا علم قليل وخير كثير»»تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذا نص في أن الآية مدنية، وقيل: المراد بها مقدوراته جل وعلا وعجائبه عز وجل التي إذا أراد سبحانه شيئاً منها قال تبارك وتعالى له: {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [البقرة: 117] ومن ذلك قوله تعالى في عيسى: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ }تفسير : [النساء: 171] وإطلاق الكلمات على ما ذكر من اطلاق السبب على المسبب، وعلى هذا وجه ربط الآية بما قبلها أظهر على ما قيل وهو أنه سبحانه لما قال: {أية : للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [لقمان: 26] وكان موهماً لتناهي ملكه جل جلاله أردف سبحانه ذلك بما هو ظاهر بعدم التناهي وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى إلا أن في انطباقه على سبب النزول خفاء، وعن أبـي مسلم المراد بها ما وعد سبحانه به أهل طاعته من الثواب وما أوعد جل شأنه به أهل معصيته من العقاب، وكأن الآية عليه بيان لأكثرية ما لم يظهر بعد من ملكه تعالى بعد بيان كثرة ما ظهر، وقيل: المراد بها ما هو المتبادر منها بناء على ما أخرج عبد الرزاق. وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن قتادة قال: قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية، وفي وجه ربط الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها خفاء جداً إلا أنه لا يقتضي كونها مدنية، وإيثار الجمع المؤنث السالم بناء على أنه كجمع المذكر جمع قلة لإشعاره وإن اقترن بما قد يفيد معه الاستغراق والعموم من أل أو الإضافة نظراً لأصل وضعه وهو القلة بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير. وقرأ الحسن. {مَّا نَفِدَ} بغير تاء {كَلاَمَ ٱللَّهِ } بدل {كلمات الله} {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يعجزه جل شأنه شيء {حَكِيمٌ} لا يخرج عن علمه تعالى وحكمته سبحانه شيء، والجملة تعليل لعدم نفاد كلماته تبارك وتعالى.
ابن عاشور
تفسير : تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً فقال فيما حكى من وصية لقمان: {أية : إنها إن تكُ مثقالُ حبة من خردل} تفسير : [لقمان: 16] إلى قوله {أية : لطيف خبير} تفسير : [لقمان: 16]، وقال بعد ذلك {أية : فنُنبئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور} تفسير : [لقمان: 23] فعقب ذلك بإثبات أن لعلم الله تعالى مظاهرَ يبلّغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مِما تقتضي الحكمة إبلاغه، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه، وأنه لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول. وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل؛ وقد كان ما قُصَّ من أخبار الماضين موطئاً لهذا فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في سورة الكهف (109) فعقبتا بقوله في آخر السورة: {أية : قل لو كان البحر مِدَاداً لكلمات ربي لَنَفِد البحر قبل أن تَنْفَد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مَدَداً} تفسير : وهي مشابهة للآية التي في سورة لقمان. فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات المتفرقة. ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموْقع. فقيل: سبب نزولها ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن يسار بروايات متقاربة: أن اليهود سألوا رسول الله أو أغَروا قريشاً بسؤاله لمَّا سمعوا قول الله تعالى في شأنهم: {أية : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 85] فقالوا: كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سألوه: هي في علم الله قليل، ثم أنزل الله {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} الآيتين أو الآيات الثلاثَ. وعن السدّي قالت قريش: ما أكثر كلامَ محمدٍ فنزلت: {ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. وعن قتادة قالت قريش: سيتِمّ هذا الكلام لمحمد وينحسِر ــــ أي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقول بعده كلاماً ــــ. وفي رواية: سينفَدُ هذا الكلام. وهذه يرجع بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفاً، وبعضها يرجع إلى أنها مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات التي نزلت قبلها. و{كلمات} جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائلها} تفسير : [المؤمنون: 100] أي: الكلام المنبىء عن مراد الله من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرَهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها: كن فتكون، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم أي لو فُرض إرادة الله أن يكتب كلامَه كله صُحفاً ففُرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاماً، وفرض أن يكون البحر مداداً فكُتب بتلك الأقلام وذلك المدادِ لنفِد البحر ونفِدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر. وأما قوله تعالى: {أية : وتَمَّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً} تفسير : [الأنعام: 115] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ، وتقدم قوله تعالى: {أية : ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} تفسير : في سورة الأنفال (7). وقد نُظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتُدئت بحرف {لو} فعلم أن مضمونها أمر مفروض، وأن لــــ {لو} استعمالات كما حققه في «مغنى اللبيب» عن عبارة سيبويه. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : ولو أسمعهم لتولَّوا وهم معرضون} تفسير : في سورة الأنفال (23). و{من شجرة} بيان لــــ {ما} الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد، ولذلك لم يقل: من أشجار. والأقلام: جمع قلَم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به، أي: لو تصير كل شجرة أقلاماً بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك. والأقلام هو الجمع الشائع لقلَم فيرَد للكثرة والقلة. و{يَمّده} بفتح الياء التحتية وضم الميم، أي: يزيده مِداداً. والمداد ــــ بكسر الميم ــــ الحِبر الذي يُكتب به. يقال: مَد الدَّوَاةَ يمدُها. فكان قوله {يمده}متضمناً فرض أن يكون البحر مداداً ثم يُزاد فيه إذا نشف مدادُه سبعةُ أبحر، ولو قيل: يُمده، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز. والسبعة: تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيراً كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والكافر يأكل في سبعة أمعاء» تفسير : فليس لهذا العدد مفهوم، أي والبحر يمده أبحر كثيرة. ومعنى {ما نفدت كلمات الله} ما انتهت، أي: فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن، فيكون المَثل على هذا الوجه الآخر وارداً مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين، فتكون {كلمات الله}هي القرآن، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها. وجملة {إن الله عزيز حكيم} تذييل، فهو لعزته لا يَغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها. وقرأ الجمهور برفع {والبحرُ} على أن الجملة الاسمية في موضع الحال والواو واو الحال وهي حال مِن {ما في الأرض من شجرة،} أي: تلك الأشجار كائنة في حال كون البحر مداداً لها، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن الضمير لدلالتها على المقارنة. وقرأ أبو عمرو ويعقوب {والبحرَ} ــــ بالنصب ــــ عطفاً على اسم (إنّ).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّه}. قد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 109] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولو أن ما في الأرض: أي من شجرة. أقلام: أي يكتب بها. والبحر: أي المحيط. يمده سبعة أبحر: أي تمده. ما نفدت كلمات الله: أي ما انتهت ولا نقصت. إن الله عزيز حكيم: أي عزيز في انتقامه غالب على ما أراده حكيم في تدبير خلقه. ما خلقكم ولا بعثكم: أي ما خلقكم ابتداء ولا بعثكم من قبوركم إعادة لكم إلا كخلق وبعث نفس واحدة. معنى الآيتين قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} أي لو أن شجر الأرض كله قطعت أغصانه شجرة شجرة حتى لم تبق شجرة وبُريت أقلاماً، والبحر المحيط صار مداداً ومن ورائه سبعة أبحر أخرى تحولت إلى مداد وتُمد البحر الأول وكُتب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله لنفد البحر والأقلام ولم تنفد كلمات الله، وذلك لأن الأقلام والبحر متناهية، وكلمات الله غير متناهية فعلم الله وكلامه كذاته وصفاته لا تتناهى بحال، نزلت هذه الاية رداً على اليهود لما قيل لهم {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] قالوا وكيف هذا وقد أُوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء. كما نزل رداً على أُبي بن خلف قوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم كيف يخلقنا الله خلقا جديدا في يوم واحد ليحاسبنا ويجزينا، ونحن خلقنا أطواراً وفي قرون عديدة فأنزل تعالى قوله {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ} إلا كخلق وبعث نفس واحدة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} فكما يسمع المخلوقات ولا يشغله صوت عن صوت، ويُبصرهم ولا تحجبه ذات كذلك هو يبعثهم في وقت واحد ولو أراد خلقهم جملة واحدة لخلقهم لأنه يقول للشيء كن فيكون. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1) بيان سعة علم الله تعالى وأنه تعالى متكلم وكلماته لا تنفد بحال من الأحوال. 2) بيان أن ما أوتيه الإِنسان من علوم ومعارف ما هو بشيء إلى علم الله تعالى. 3) بيان قدرة الله تعالى وأنها لا تحد ولا يعجزها شيء. 4) إثبات صفات الله كالعزة والحكمة والسمع والبصر.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنَّمَا} {أَقْلاَمٌ} {كَلِمَاتُ} (27) - وَلَوْ أَنَّ جَميعَ أَغْصَانِ الشَّجَرِ المَوْجُودَةِ في الأَرْضِ جُعِلَتْ أَقَلاَماً لِتُكْتَبَ بِهَا كَلِمَاتُ اللهِ، وَلَوْ أَنَّ مَاءَ البَحْرِ جُعِلَ حِبْراً (مِدَاداً)، ثُمَّ أَمَدَّتْهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِنْ بَعْدِهِ، فإِنَّ جَمِيعَ الأَقْلامِ تَتَحَطَّمُ، وَجَمِيعَ البِحَارِ تَجفُّ مِيَاهُها قَبلَ أَنْ تَنْتَهِيَ كِتَابَةُ كَلِمَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ، والمُعَبِّرَةِ عَمَّا خَلَقَ، وَعَنْ خَصَائِصِ مَا خَلَقَ.. فَاللهُ تَعَالى عَزِيزٌ لا يُضَامُ، حَكِيمٌ في خَلْقِهِ وَشَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. مَا نَفِدَتْ - مَا فَرَغَتْ وَمَا فَنِيَتْ. يَمُدُّهُ - يَزِيدُهُ وَيَنْصَبُّ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {مِن شَجَرَةٍ ..} [لقمان: 27] مِنْ: هنا تفيد العموم أي: من بداية ما يُقال له شجرة، وفرق بين أنْ تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال، فالأولى لا تمنع أن يكون عندك القليل من المال الذي لا يُعتدُّ به، أمّا (من مال) فقد نفيت جنس المال قليله وكثيره. وتقول: ما في الدار أحد. وربما يكون فيها طفل مثلاً أو امرأة، أمّا لو قلْتَ: ما في الدار من أحد، فهذا يعني خُلوها من كل ما يُقال له أحد. والشجرة: هي النبات الذي له ساق، وقد تشابكتْ أغصانها، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 65]. أما النبات الذي ليس له ساق فهو العُشْب أو النجم الذي ينتشر على سطح الأرض، خاصة بعد سقوط الأمطار، وهذا لا تُؤخذ منه الأقلام، إنما من الشجرة ذات الغصون والفروع. وقد ذكر القرآن الكريم هذين النوعين في كلام معجز، فقال سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 5-6] فالشمس والقمر {أية : بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] أي: حساب دقيق محكم؛ لأن بهما حساب الزمن، {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6] أي: في خضوع لله تعالى. وكلمة النجم هنا يصح أنْ تُضاف إلى الشمس والقمر، ويصح أنْ تضاف للشجر، فهو لفظ يستخدم في معنى، ويؤدي معنى آخر بضميمة ضميره. وقد تنبه الشاعر إلى هذه المسألة، فقال: شعر : أُرَاعِي النجْمَ في سَيْرِى إليكُمُ ويرعَاهُ مِنَ البَيْدا جَوادِي تفسير : فهو ينظر إلى نجم السماء ليهتدي به في سيره، ويرعى جواده نَجْم الأرض، ومن ذلك أيضاً كلمة العين، فتأتي بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس، وبمعنى عين الماء، وبمعنى العين المبصرة. ومعنى: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ..} [لقمان: 27] أي: يُعينه ويساعده إنْ نفد ماؤه. ولك هنا أن تسأل: لماذا جعل الإمداد للماء، ولم يجعله للشجر؟ قالوا: لأن القلم الواحد يكتب بحبر كثير لا حَصْر له، فالحبر مظنة الانتهاء، كما أن الشجر ينمو ويتجدد، أما ماء البحر فثابت لا يزيد. واقرأ أيضاً في هذه المسألة: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تفسير : [الكهف: 109]. والعدد سبعة هنا {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ..} [لقمان: 27] لا يُراد به العدد، إنما يراد به الكثرة كما في قوله تعالى: {أية : سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ..} تفسير : [الطلاق: 12] فهذه في مجرتنا الشمسية، فما بالك بالسماوات في المجرات الأخرى، وقد علمنا أن السماء هي كل ما علاك فأظلك. إذن: يرد العدد سبعة على سبيل الكثرة، والعرب كانوا يعتبرون هذا العدد نهاية للعدد؛ لأن العدد معناه الأرقام التي تبين المعدود، فهناك فرق بين العدد والمعدود، ولما تبينّا هذا الفرق استطعنا أنْ نرد على المستشرقين في مسألة تعدد الزوجان، فالعدد يعني 1، 2، 3، 4، 5 أما المعدود، فما يميز هذه الأعداد. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يُنهي التعدد المطلق للزوجات لما أنزل الله عليه أنْ يأمر الناس أن مَنْ معه أكثر من أربع زوجات أنْ يُمسك أربعاً منهن ويفارق الباقيات. وكان عند رسول الله في هذا الوقت تسع زوجات لم يشملهُنَّ هذا الحكم، فقالوا: لماذا استثنى الله محمداً من هذا الحكم؟ وكيف يكون عنده تسع، وعند امته أربع؟ ولم يفطنوا إلى مسألة العدد والمعدود: هل استثنى الله تعالى رسوله في العدد، أم في المعدود؟ نقول: استثناه في المعدود؛ لأنه تعالى خاطب نبيه في آية أخرى: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 52] ففرض على رسول الله أنْ يقتصر على هؤلاء، لا يزيد عليهن، ولا يتزوج بعدهن حتى لو مُتْنَ جميعاً. إذن: لم يستثنه في العدد، وإلا لكان من حقِّه إذا ماتت واحدة من زوجاته أنْ يتزوج بأخرى، وإنْ مُتْن جميعاً يأتي بغيرهن. ولك أن تقول: ولماذا جعل الله الاستثناء في المعدود لا في العدد؟ قالوا: لأن زوجات غير النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلَّقها زوجها لها أن تتزوج بغيره، لكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين ومحرمات عليهم، فإنْ طلَّق رسول الله إحدى زوجاته بقيت بلا زواج. لذلك أُمِر رسول الله أنْ يمسك زوجاته التسع، شريطة ألاَّ يزيد عليهن، في حين يُباح لغيره أن يتزوج بأكثر من تسع، بشرط ألاَّ يبقى معه أكثر من أربع، وعليه، فهذا الحكم ضيَّق على رسول الله في هذه المسألة في حين وسَّع على أمته. ونعلم أنَّ معظم زوجات النبي كُنَّ كبيرات في السِّن، وبعضهن كُنَّ لا إرْبة لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن على شرف الانتساب لرسول الله، وعلى شرف كَوْنهن أمهات المؤمنين؛ لذلك كانت الواحدة منهن تتنازل عن قَسمْها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا الشرف. إذن: التفريق بين العدد والمعدود خلَّصنا من إفك المستشرقين، ومن تحاملهم على رسول الله واتهامهم له بتعدد الزوجات، وأنه صلى الله عليه وسلم وسَّع على نفسه وضيَّق على أمته. ومسألة العدد والمعدود هذه مسألة واسعة حيّرت حتى الدارسين للنحو، فلا إشكالَ في العدد واحد والعدد اثنان؛ لأننا نقول في المفرد المذكر: واحد والمؤنث: واحدة. وللمثنى المذكر: اثنان، وللمؤنث: اثنتان. فالعدد يوافق المعدود تذكيراً وتأنيثاً، لكن الخلاف يبدأ من العدد ثلاثة، حيث يذكَّر العدد مع المعدود المؤنث، ويُؤنَّث مع المعدود المذكَّر، فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ قالوا: لاحظ أن التذكير هو الأصل؛ ولذلك احتاج التأنيث إلى علامة، أما المذكَّر وهو الأصل فلا يحتاج إلى علامة، تقول: قلم. وتقول: دواة. فاحتاجت إلى علامة للتأنيث فهي الفرع والمذكر هو الأصل. وتعالَ إلى الأعداد من ثلاثة إلى عشرة، تقول: ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة ... إلخ فالعدد نفسه مبنيٌّ على التاء، وليست هي تاء التأنيث، لأنها أعداد مجردة بلا معدود، فإذا أردنا تأنيث هذا العدد وبه تاء لا نضيف إليه تاءً أخرى، إنما نحذف التاء فيكون الحذف هو علامة التأنيث ويبقى العدد مع المذكر على الأصل بالتاء. فما حكاية العدد سبعة بالذات؟ قالوا: إن العدد واحد هو الأصل في الأعداد؛ لأن العدَّ ينشأ من ضم واحد إلى آخر، فواحد هو الخامة التي تتكون منها الأعداد فتضم واحداً إلى واحد وتقول: اثنان وتضم إلى الاثنين واحداً، فيصير العدد ثلاثة .. وهكذا. ومعلوم أن أقلَّ الجمع ثلاثة، والعدد إما شفع وإما وتر، الشفع هو الذي يقبل القسمة على الاثنين، والوتر لا يقبل القسمة على الاثنين، والله تعالى يقول: {أية : وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} تفسير : [الفجر: 3] فبدأ بالشفع وأوله الاثنان ثم الثلاثة، وهي أول الوتر، أما الواحد فقد تركناه لأنه كما قلنا الخامة التي يتكون منها جميع الأعداد. وما دام الله تعالى قال: {أية : وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} تفسير : [الفجر: 3] فالاثنان أول الشفع، والثلاثة أول الوتر، وأربعة ثاني الشفع، وخمسة ثاني الوتر، وستة ثالث الشفع، وسبعة ثالث الوتر. وقلنا: إن الجمع أقلُّه ثلاثة، فاعتبرت العرب العدد سبعة أقصى الجمع وتراً وزوجاً، وانتهت عند هذا العدد، فإذا أرادوا العدَّ أكثر من ذلك أتوْا بواو يسمونها واو الثمانية، وقد سار القرآن الكريم في أحكام العدد هذه على ما سارت عليه العرب. واقرأ إنْ شئت هذه الآيات: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} تفسير : [الزمر: 71]. أما في الجنة فيقول سبحانه: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} تفسير : [الزمر: 73]. فما الفرق بين الآيتين؟ ولماذا جاءت الواو في الثانية، ولم تُذْكر في الأولى؟ قالوا: لأن {أية : فُتِحَتْ ..} تفسير : [الزمر: 71] في الأولى جواب شرط، وهذا الجواب كانوا يُكذِّبونه وينكرونه. والشرط تأسيس {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا ..} تفسير : [الزمر: 71] ماذا حدث؟ {أية : فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} تفسير : [الزمر: 71] إنما هل كان المؤمنون المتقون الذين يذهبون إلى الجنة يُكذِّبون بهذا اليوم؟ إذن فـ: {أية : فُتِحَتْ ..} تفسير : [الزمر: 71] هنا لا تكون جواباً؛ لأنهم يعلمون يقيناً أنها ستفتح، أما الجواب فسيأتي في: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} تفسير : [الزمر: 73-74]. ولما كانت أبواب النار سبعة لم يذكر الواو، أما في الجنة فذكر الواو، لأن أبوابها ثمانية. كذلك اقرأ قول الله تعالى ولاحظ متى تستخدم الواو: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5]. تجد الواو قبل الثمانية، ذلك لأن العرب تعتبر السبعة منتهى العدد بما فيه من زوج وفرد. وقوله تعالى: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ ..} [لقمان: 27] أي: يُجعل مِداداً لكلمات الله {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 27] كلمات الله هي السبب في إيجاد المقدورات العجيبة؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فكل مراد من شيء سببه كن. وهنا عجيبة ينبغي أنْ نتأملها: فالله تعالى يقول للشيء وهو لم يُخْلق بعد (كن)، كأن كل الأشياء موجودة في الأزل ومكتوبة، تنتظر هذا الأمر (كن)، فتبرز إلى الوجود، كما يقول أهل المعرفة: أمور يبديها ولا يبتديها. إذن: {كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 27] هي كن وكل مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا حين تقوم الساعة. ألم يَقُلْ في العجيب من أمر عيسى عليه السلام {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ..} تفسير : [النساء: 171] والمعنى أنه لم يُخلق بالطريق الطبيعي في خَلْق البشر من أب وأم، إنما خَلِق بهذه الكلمة (كن). لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أنْ يثبت لنفسه طلاقة القدرة في الإيجادات وأنه سبحانه يخلق كما يشاء، فمرة يخلق بلا أب وبلا أم، كما خلق آدم عليه السلام، ومرة يخلق بأم دون أب كما خلق عيسى عليه السلام، ومرة يخلق بأب وأم، ويخلق بأب دون أم كما خلق حواء. إذن: القسمة العقلية موجودة بكل وجوهها. إذن: مع طلاقة القدرة لا اعتبارَ للأسباب، فأنت إنْ أردتَ أنْ تكوِّن مثلاً قطرة الماء، فعليك أن تأتي بالأكسوجين والأيدروجين بطريقة معينة ليخرج لك الماء وإلا فلا، أما الخالق - عز وجل - فيخلق بالأشياء وبدون شيء، لأن الأشياء بالنسبة لله تعالى ليست فاعلة بذاتها، وإنما هي فاعلة بمراد الله فيها. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27] والعزيز هو الذي يَغلب ولا يُغلب ويَقْهر ولا يُقهر، ولا يستدرك أحد على فعله حتى لو كان مخالفاً لعقله هو، وتأمل معنى العزة، وكيف وردت في هذا الموقف من قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام. {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116] إلى أن يقول: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]. والمنطق العقلي يقتضي أن نقول في عرف البشر: فإنك أنت الغفور الرحيم، فالمقام مقام مغفرة، لكن عيسى عليه السلام يأتي بها، لا من ناحية الغفران والرحمة، وإنما من ناحية طلاقة القدرة والعزة التي لا يستدرك عليها أحد. {أية : فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118] والمعنى: لو قال الناس لماذا غفرتَ لهم مع أنهم قالوا كذا وكذا؟ فالإجابة أنني أنا العزيز الذي أغلب ولا أُغلب، ولا يستدرك أحد على حكمي، إذن: ذيَّل الآية بالعزة لعزة الله تعالى في خَلْقه. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} معناه أمرُ الله قال: الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: يقولُ لو كانَ البَحرُ وسَبعةُ أَبحرٍ فيها مدادٌ، لأَملى الله عليهم مَن خَلقهِ حتَّى تَفنى الأَقلامُ وتَيبسُ البُحورُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} [لقمان: 27] أي: لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار يصير مداداً، وبمقدار ما يقبله ينفق القرطاس ويتكلف الكتاب حتى تنكسر الأقلام وتفنى البحار وتستوفى القراطيس ويفنى عمر الكتاب ما نفدت معاني كلام الله؛ لأن هذه الأشياء وإن كثرت فهي متناهية ومعاني كلامه لا تتناهى لأنها قديمة والمحصور لا يبقى بما لا حصر له. والإشارة فيه أن الله سبحانه إذا تجلى عبد بصفة المتكلم ينفتح الباب على قلبه من عالم غير متناه فيشار إليه: ما نفدت معاني ما لنا معك من الكلام، والذي يسمعك مما يخاطبك به بحسب الوقت ومقتضى الحال، وما بيننا من المعاتبات والمعاشقات سرّاً بسر وإضماراً بإضمار لا يطويه الزمان ولا يحويه الزمان ولا يحويه المكان، فإنه منطق المحبة من الحبيب الأزلي إلى الحبيب الأبدي فما لنا معك أزلي أبدي غير متناه وما لك معنا فهو أبدي بغير أزلي {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96] إن الله عزيز لعزته لا يتكلم إلا مع الأعزة حكيم لحكمته. وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ} [لقمان: 29] شمس الروح {وَٱلْقَمَرَ} [لقمان: 29] قمر القلب {كُلٌّ يَجْرِيۤ} بتسخير الحق تعالى {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [لقمان: 29] للوصال والوصول وللفراق والقطيعة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ} [لقمان: 29] من الدواعي الروحانية والقلبية {خَبِيرٌ} [لقمان: 29] أنه يصلح لأسباب الوصال ولأسباب الفراق ذلك الإشارات لتعلموا {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} [لقمان: 30] وبالطلب أحق فتبادروا في طلبه قبل فوات الفرصة {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ} [لقمان: 30] يطلبون {مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} [لقمان: 30] فتتركوه بالاختيار قبل فواته بالاضطرار {وَأَنَّ ٱللَّهَ} [لقمان: 30] أي: ولتعلموا أن الله {هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} [لقمان: 30] أعلى رتبة وأكبر مطلوباً ومحبوباً مما سواه. ثم أخبر عن أحكام الملك بإجراء الفلك بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} [لقمان: 31] في الظاهر سلامتهم في السفينة وفي الباطن سلامتهم في حدثان الكون ونجاتهم في سفن العصمة في بحار القدرة وفي الحقيقة سلامة السالكين في سفينة الشريعة بملاحية الطريقة في بحر الحقيقة وإراءتهم آيات شواهد الحق. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} [لقمان: 31] ثابت القدم على صراط مستقيم الطلب لا ينهزم من صورة البلايا ولا يفر من مقاساة الشدائد ولا يزل قدمه عن صراط الطلب عند ملاقاة التعب والنصب {شَكُورٍ} [لقمان: 31] على ما يصيبه من تصاريف التقدير من البلايا والعطايا نعمة يجب عليها الشكر.
همام الصنعاني
تفسير : 2294- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنَّ المشركين قالوا في القرآن: هذا كلام يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}: [الآية: 27].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):