٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال الضحاك: المعنى ما ابتداء خلقكم جميعاً إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. قال النحاس: وهكذا قدّره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة؛ مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82]. وقال مجاهد: لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون. ونزلت الآية في أبَيّ بن خلف وأبي الأسدين ومُنَبِّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد خلقنا أطواراً، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عِظاماً، ثم تقول إنا نُبعث خَلْقاً جديداً جميعاً في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلْقُه للعالم كخلقه لنفس واحدة. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقولون{بَصِيرٌ } بما يفعلون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } خلقاً وبعثاً لأنه بكلمة (كن) فيكون {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع كل مسموع {بَصِيرٌ } يبصر كل مُبْصَر لا يشغله شيء عن شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ} نزلت في أُبَي بن خلف وأبي الأشدين ونبيه ومنبه ابني الحجاج. قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلقنا أطواراً نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم تقول إنا نبعث جميعاً في ساعة فنزلت {مَّا خَلْقُكُمْ} أي لا يصعب على الله تعالى ما يصعب على الناس.
النسفي
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة فحذف للعلم به أي سواء في قدرته القليل والكثير فلا يشغله شأن عن شأن {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقول المشركين إنه لا بعث {بَصِيرٌ } بأعمالهم فيجازيهم. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } لمنافع العباد {كُلٌّ } أي كل واحد من الشمس والقمر {يَجْرِى } في فلكه ويقطعه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى يوم القيامة أو إلى وقت معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وبالياء: عياش. دل أيضاً بتعاقب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما على تقدير وحساب وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وكمال حكمته {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } بالياء: عراقي غير أبي بكر {مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } أي ذلك الوصف الذي وصف به من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله! إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية وأن من دونه باطل الإلهية وأنه هو العلي الشأن الكبير السلطان.
البقاعي
تفسير : ولما ختم بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء، ذكر بعض آثارهما في البعث الذي تقدم أول السورة وأثناءها ذكره إلى حذرهم به في قوله "إلينا مرجعهم" فقال: {ما خلقكم} أي كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصاًَ على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال: {ولا بعثكم} كلكم {إلا كنفس} أي كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقاً للمراد، وتأكيداً للسهولة فقال: {واحدة} فإن كلماته مع كونها غير نافدة نافذة، وقدرته مع كونها باقية بالغة، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله مؤكداً لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه ومسمع: {إن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة {سميع} أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره {بصير*} بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني، ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل القدرة تامها، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت، ويسمع كل ما يسمع من معانيه، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء، ويميز بعضها من بعض، ويودعها تلك المعاني، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر. ولما قرر هذه الآية الخارقة، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين، مع دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض، وإبطال قولهم:{أية : ما يهلكنا إلا الدهر} تفسير : [الجاثية: 24] بأنه، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك، خاصاً بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، أو عاماً كل عاقل، إشارة إلى أنه في دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال: {ألم تر} أي يا من يصلح لمثل هذا الخطاب، ويمكن أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم ذلك من المخلوقين حق علمه غيره. ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه، فكان إنكاره إنكارً لهذا، نبه على ذلك بالتأكيد فقال: {أن الله} أي بجلاله وعز كماله {يولج} أي يدخل إدخالاً لا مرية فيه {الليل في النهار} فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح {ويولج النهار} أي يدخله كذلك {في الليل} فيخفي حتى لا يبقى له أثر، فإذا الليل قد طبق الآفاق: مشارقها ومغاربها في مثل الظرف، فيميز سبحانه كلاً منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله، فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره، ولما كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة، عبر فيه بالمضارع. ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف، عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال: {وسخر الشمس} آية للنهار بدخول الليل فيه {والقمر} آية لليل كذلك! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال: {كل} أي منهما {يجري} أي في فلكه سائراً متمادياً وبالغاً ومنتهياً. ولما كان محط مقصود السورة الحكمة، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب والتطوير، والمد في الإبداع والتسيير، كان الموضع لحرف الغاية فقال: {إلى أجل مسمى} لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة، لا يقدر منهما أن يتعدى طوره، ولا أن ينقص دوره، ولا أن يغير سيره. ولما بان بهذا التدبير المحكم، في هذا الأعظم، شمول علمه وتمام قدرته، عطف على "أن الله" قوله مؤكداً لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها: {وأن الله} أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة، وعم الخطاب بياناً لما قبله وترغيباً وترهيباً فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت على سبيل التجدد {خبير *} لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه، لأنه الخالق له كله دقه وجله، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلاً، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور العباد، فكان ما قاله كما قاله، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله، فتمت كلماته، وصدقت إشاراته وعباراته، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائماً ما تعاقب الملوان، وبقي الزمان، لا يشغله شأن منه على شأن، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به. لما ذكر من دليله، ولما شاهدوا من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين، منهم البعيد جداً والمتوسط والقريب، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية بالخطاب صلى الله عليه وسلم، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة. ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله قال: {ذلك} أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة {بأن} أي بسبب أن {الله} أي الذي لا عظيم سواه {هو} وحده {الحق} أي الثابت بالحقيقة وثبوت غيره في الواقع عدم، لأنه مستفاد من الغير، وليس له الثبوت من ذاته، ومنه ما أشركوا به، ولذلك أفرده بالنص، فقال صارفاً للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذاناً بالغضب، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي {وأنَّ ما يدعون} أي هؤلاء المختوم على مداركهم، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله: {من دونه}. ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه، كقوله {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وأكثر هنا من إظهار الجلالة موضع الإضمار تنبيهاً على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: {الباطل} أي العدم حقاً، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات، فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له. ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق، قال: {وأن الله} أي الملك الأعظم وحده، ولما كان النيران مما عبد من دون الله، وكانا قد جمعاً علواً وكبراً، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلاً عن السفول والصغر، ختم بقوله: {هو العلي الكبير} أي عن أن يداينه في عليائه ضد، أو يباريه في كبريائه ند.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} قال: يقول له كن فيكون. القليل والكثير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها. وفي قوله {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار} قال: نقصان الليل زيادة النهار {ويولج النهار في الليل} نقصان النهار زيادة في الليل {كل يجري إلى أجل مسمى} لذلك كله وقت واحد معلوم، لا يعدوه ولا يقصر دونه. وفي قوله {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} قال: إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وفي قوله {وإذا غشيهم موج كالظلل} قال: كالسحاب وفي قوله {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} قال: غدار بذمته، كفور بربه. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فمنهم مقتصد} قال: في القول وهو كافر {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار} قال: غدار {كفور} قال: كافر. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ختار} قال: جحاد. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {كل ختار كفور} قال: الجبار. الغدار. الظلوم. الغشوم. {الكفور} الذي يغطي النعمة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: شعر : لقد علمت واستيقنت ذات نفسها بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {كل ختار} قال: الذي يغدر بعهده {كفور} قال: بربه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا يغرنكم بالله الغرور} قال: هو الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {ولا يغرنكم بالله الغرور} قال: الشيطان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {ولا يغرنكم بالله الغرور} قال: الشيطان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {ولا يغرنكم بالله الغرور} قال: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.
القشيري
تفسير : إيجادُ القليل أو الكثير عليه وعنده سيَّان؛ فلا من الكثير مشقة وعُسْر، ولا من القليل راحةٌ ويُسْر، إنما أَمْرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له: {أية : كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته، لا بمزاولة جهد، ولا باستفراغ وُسْعٍ، ولا بدعاءِ خاطرٍ، ولا بطُرُوءِ غَرَضٍ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} بين سبحانه ان وجوده الازلية لا يتغير بوجود الخلق وعدمهم وقدرته شاملة للايجاد والاعداء قال ابو سعيد الحراز ليس على الحق اثر من الكون من ايجادهم وعدمهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما خلقكم}. قال مقاتل وقتادة ان كفار قريش قالوا ان الله خلقنا اطوارا نطفة علقة مضغة لحما فكيف يبعثنا خلقا جديدا فى ساعة واحدة فانزل الله هذه الآية وقال ما خلقكم ايها الانسان مع كثرتكم. وقال الكاشفى [نيست آفريدن شما اى اهل مكة] {ولا بعثكم} احياؤكم واخراجكم من القبور: وبالفارسية [ونه برانكيختن شما بعد ازمرك] {الا كنفس واحدة} الا كخلقها وبعثها فى سهولة الحصول اذ لا يشغله شأن عن شأن لانه يكفى لوجود الكل تعلق ارادته وقدرته قلوا او كثروا ويقول كن فيكون. وقال الكاشفى: يعنى [حق سبحانه وتعالى در خلق اشيا بآلات وادوات احتياج ندارد بلكه اسرافيل را كويد بكوبر خيزنداز كورها بيك دعوت او همه خلائق از كور بابيرون آيند] ومثاله فى الدنيا ان السلطان يضرب النقارة عند الرحيل فيتهيأ الكل فى ساعة واحدة {ان الله سميع} يسمع كل مسموع فيدخل فيه ما قالوا فى امر الخلق والبعث مما يتعلق بالانكار والاستبعاد {بصير} يبصر كل مبصر لا يشغله علم بعضها عن بعض فكذلك الخلق والبعث. وقال بعضهم بصير باحوال الاحياء والاموات شعر : بس بقدرت جنين كس عجزراراه نيست قدرت بى عجز ندادى بكس قدرت بى عجز تودارى بس
الجنابذي
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان كانت الكلمات غير متناهيةٍ فكيف يحاسب الله تعالى كلّها فى يومٍ واحدٍ؟- فقال: ما خلقكم جميعاً {وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} اى كخلق نفسٍ واحدةٍ وبعثها، وقيل: بلغنا والله اعلم انّهم قالوا: يا محمّد (ص) خلقنا اطواراً نطفاً ثمّ علقاً ثمّ انشأنا خلقاً آخر كما تزعم وتزعم انّا نبعث فى ساعة واحدة: فقال الله: ما خلقكم ولا بعثكم الاّ كنفسٍ واحدةٍ انّما يقول له كن فيكون {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل يعنى انّه سميع لكلّ مسموع، بصير لكلّ مبصر؛ فانّ حذف المفعول ليس الاّ للتّعميم ومن كان كذلك كان لا يشغله شأن عن شأنٍ فلا يمنعه خلق نفسٍ ولا بعثها عن خلق اخرى وبعثها.
الهواري
تفسير : قوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، خلقنا الله أطواراً: نطفاً، ثم علقاً، ثم مضغاً، ثم عظاماً، ثم أنشأنا خلقاً آخر، كما تزعم، وتزعم أنا نبعث في ساعة واحدة. فأنزل الله جواباً لقولهم: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، أي: إنما نقول له: كن فيكون. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الّيْلِ} أي: يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. قال: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} دائبين، أي: يجريان {كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} لا يُقَصِّر دونه ولا يزيد عليه، أي: إلى الوقت الذي يكون فيه، فيذهب ضوءه. قال: {وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ} والحق اسم من أسماء الله {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ} يعني أوثانهم {وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ} أي: الأعلى ولا أعلى منه {الكَبِيرُ} أي: لا أكبر منه.
اطفيش
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} الا كخلق وبعث نفس واحدة اذا لا يشغله شأن عن شأن وفعل عن فعل لان أمره {أية : أن يقول لشيء كن فيكون }تفسير : بل معنى قوله (لشيء) كان تعلق ارادته بكونه على كيفية مخصوصة في زمان مخصوص وذلك ان المشركين قالوا يا محمد خلقنا الله اطوارا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ثم لحما ثم انشأنا خلقا آخر فكيف تزعم انا نبعث في ساعة واحدة؟ فنزلت.. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} يعلم كل مسموع. {بَصِيرٌ} يعلم كل مبصر.
الالوسي
تفسير : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } أي الا كخلقها وبعثها في سهولة التأتي بالنسبة إليه عز وجل إذ لا يشغله تعالى شأن عن شأن لأن مناط وجود الكل تعلق إرادته تعالى الواجبة أو قوله جل وعلا: كن مع قدرته سبحانه الذاتية وإمكان المتعلق ولا توقف لذلك على آلة ومباشرة تقتضي التعاقب ليختلف عنده تعالى الواحد والكثير كما يختلف ذلك عند العباد. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع كل مسموع {بَصِيرٌ } يبصر كل مبصر في حالة واحدة لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض فكذا الخلق والبعث وحاصله كما أنه تعالى شأنه ببصر واحد يدرك سبحانه المبصرات وبسمع واحد يسمع جل وعلا المسموعات ولا يشغله بعض ذلك عن بعض كذلك فيما يرجع إلى القدرة والفعل فهو استشهاد بما سلموه فشبه المقدورات فيما يراد منها بالمدركات فيما يدرك منها كذا في «الكشف» واستشكل كون ذلك مسلماً بأنه قد كان بعضهم إذا طعنوا في الدين يقول: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد صلى الله عليه وسلم فنزل: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الملك: 13]. وأجيب بأنه لا اعتداد بمثله من الحماقة بعد ما رد عليهم ما زعموا وأعلموا بما أسروا. وقيل: إن الجملة تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع وأن شيئاً من المقدورات لا يشغله سبحانه عن غيره لعلمه تعالى بتفاصيلها وجزئياتها فيتصرف فيها كما يشاء كما يقال: فلأن يجيد عمل كذا لمعرفته بدقائقه ومتمماته، والمقصود من إبراد الوصفين إثبات الحشر والنشر لأنهما عمدتان فيه ألا ترى كيف عقب ذلك بما يدل على عظيم القدرة وشمول العلم. وأياً ما كان يندفع توهم أن المناسب لما قبل أن يقال: إن الله قوي قدير أو نحو ذلك دون ما ذكر لأن الخلق والبعث ليسا من المسموعات والمبصرات، وعن مقاتل أن كفار قريش قالوا: إن الله تعالى خلقنا أطواراً نطفة علقة مضغة لحماً فكيف يبعثنا خلقاً جديداً في ساعة واحدة فنزلت وذكر النقاش أنها نزلت في أبـي بن خلف وأبـي الأسود ونبيه ومنبه ابني الحجاج وذكر في سبب نزولها فيهم نحو ما ذكر، وعلى كون سبب النزول ذلك قيل: المعنى أنه تعالى سميع بقولهم ذلك بصير بما يضمرونه وهو كما ترى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني متعلق بقوله {أية : إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا}تفسير : [لقمان: 23] لأنه كلما ذكر أمر البعث هجس في نفوس المشركين استحالة إعادة الأجسام بعد اضمحلالها فيكثر في القرآن تعقيب ذكر البعث بالإشارة إلى إمكانه وتقريبه. وكانوا أيضاً يقولون: إن الله خلقنا أطواراً نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحماً وعظماً فكيف يبعثنا خلقاً جديداً في ساعة واحدة وكيف يحيي جميع الأمم والأجيال التي تضمنتها الأرض في القرون الكثيرة، وكان أُبَيّ بنُ خلف وأبو الأسد ــــ أو أبو الأسدين ــــ ونُبَيْه، ومُنبِّه، ابنا الحجاج من بني سهم، يقولون ذلك وربما أسرّ به بعضهم. وضميرَا المخاطَبين مراد بهما جميع الخلق فهما بمنزلة الجنس، أي ما خلْقُ جميع الناس أول مرة ولا بَعْثُهم، أي خلقُهم ثاني مرة إلا كخلق نفس واحدة لأن خلق نفس واحدة هذا الخلق العجيب دال على تمام قدرة الخالق تعالى فإذا كان كامل القدرة استوى في جانب قدرته القليل والكثير والبدء والإعادة. وفي قوله {ما خلقكم ولا بعثكم} التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد مجابهتهم بالاستدلال المُفْحِم. وفي قوله {كنفس واحدة} حذف مضاف دل عليه {ما خلقكم ولا بعثكم.}والتقدير: إلا كخلق وبعث نفس واحدة. وذلك إيجاز كقول النابغة:شعر : وقد خِفت حتى ما تزيدُ مخافتي على وَعِل في ذي المَطارة عاقِل تفسير : التقدير: على مخافة وعل. والمقصود: إن الخلق الثاني كالخلق الأول في جانب القدرة. وجملة {إن الله سميع بصير}: إما واقعة موقع التعليل لكمال القدرة على ذلك الخلق العجيب استدلالاً بإحاطة علمه تعالى بالأشياء والأسباب وتفاصيلها وجزئياتها ومن شأن العالم أن يتصرف في المعلومات كما يشاء لأن العجز عن إيجاد بعض ما تتوجه إليه الإرادة إنما يتأتى من خفاء السبب الموصل إلى إيجاده، وإذ قد كان المشركون أو عقلاؤهم يسلمون أن الله يعلم كل شيء جعل تسليمهم ذلك وسيلة إلى إقناعهم بقدرته تعالى على كل شيء، وإما واقعة موقع الاستئناف البياني لما ينشأ عن الإخبار بأن بعثهم كنفس من تعجب فريق ممن أسروا إنكار البعث في نفوسهم الذين أومأ إليهم قوله آنفاً: {أية : إن الله عليم بذات الصدور}تفسير : [لقمان: 23]، ولأجل هذا لم يقل: إن الله عليم قدير.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}. قد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} تفسير : [البقرة: 73] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةٍ} (28) - وَليسَ خَلْقُ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ، وَلا بَعْثُهُمْ يَومَ القِيَامَةِ بالنِّسبَةِ إِلى قُدْرَةِ اللهِ إِلاَّ كَخَلْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فالجَمِيعُ هَيِّنٌ عَليهِ (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ)، واللهُ سَميعٌ لأَقوالِ العِبَادِ، بَصِيرٌ بِأَفْعَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يؤكد دائماً على قضية البعث والقيامة، ويريد سبحانه أنْ ينصب للناس في حركة حياتهم موازين الجزاء؛ لأن كل عمل لا توجد فيه موازين للجزاء يعتبر عملاً باطلاً، ولا يمكن أنْ يستغني عن الجزاء ثواباً وعقاباً إلا مَنْ كان معصوماً او مُسخَّراً، فالمعصوم قائم دائماً على فِعْل الخير، والمسخّر لا خيارَ له في أنْ يفعل أو لا يفعل. إذن: إذا لم يتوفر مبدأ الجزاء ثواباً وعقاباً في غير هذين لا بُدَّ أنْ يوجد فساد، إذا لم يُثب المختار على الفعل، ويعاقب على الترك اضطربت حركة الحياة، حتى في المجتمعات التي لا تؤمن بإله وضعت لنفسها هذا القانون، قانون الثواب والعقاب. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثالاً لهذا المبدأ في قوله تعالى من قصة ذي القرنين: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84-85]. أراد الحق سبحانه أن يبين أن الرجل الممكّن في الأرض له مهمة، هذه المهمة هي شكر الله على التمكين ولا يكون إلا بإقامة ميزان العدالة في الكون {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ ..} تفسير : [الكهف: 86] أي: في رأي العين، وإلا فهي لا تغرب أبداً، إنما تغرب عن جماعة في مكان، وتشرق على جماعة في مكان آخر. {أية : وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} تفسير : [الكهف: 86]. ولا يُفوَّض إنسان في أنْ يُعذِّب أو يتخذ الحسنى إلا إذا كانت لديه مقاييس وميزان العدالة، وقد قال الله عنه: {أية : وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84] أي: نعمة وميزاناً لتوزيع هذه النعمة، فلم تقتصر نعمة الله عليه في أنه صاحب سلطان وجبروت، إنما عنده المقوِّمات الحياتية، وعنده ميزان العدالة الذي يضبط استطراق النِّعَم في الكون كله. فالذي خُيِّر في أنْ يفعل أو لا يفعل أراد أنْ يبين منهجه في أنه لم يأخذ الاختيار وسيلة لتثبيت الأهواء؛ لذلك قال بعدها: {أية : قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 87] هذا هو العقاب {أية : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 88] أي: بعد أنْ ينال ثوابه، نعطيه فوق ذلك حوافز تشجعه، ونقيم له حفلة تكريم لنغري غيره بأن يسلك مسلكه. إذن: فقضية الثواب والعقاب أمر لازم، وإذا كان هذا في الأمور الحياتية الجزئية، فهو أَوْلى في أمور الدين والقيم التي تسيطر على كل موازين الحياة، لا بُدَّ من وقت للثواب وللعقاب، وإلا استشرى الظلم واغتال الناس، وقضى عليهم وأخذ منهم كل مُتع الحياة، فانتفع بذلك المفسد، وخاب كل مَن التزم بدين الله وقيم منهجه. لذلك تجد الحق - تبارك وتعالى - يؤكد دائماًَ على مسألة البعث والقيامة والحساب، وترى أعداء الدين يحاولون أنْ يُشككوا في هذه القضية، وأنْ يُزحزحوا الناس عن الإيمان بها بطرق شتى. فالفلاسفة لهم في ذلك دور، وللملاحدة دور، ولأهل الكتاب دور؛ لذلك تجد التوراة مثلاً تكاد تخلو من إشارة عن اليوم الآخر، وهذا أمر غريب لا يمكن تصوره في كتاب ودين سماوي ومنهج حياة. وما ذلك إلا لأن أهل التوراة أرادوا أنْ يُزحزحوا الناس عن أمور عدة ليثبتوا لأنفسهم سلطة زمنية مادية، حتى إنهم طمعوا في أنْ يرتقوا بهذه السلطة حتى يصلوا إلى الله تعالى، كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [البقرة: 55]. ولما أنزل الله عليهم المنَّ، وهو مادة حُلْوة كطعم القشدة جعلها تتساقط عليهم، وأنزل عليهم السلوى، وهي طيور مثل السمان تنزل عليهم جاهزة مُعدَّة للتناول رفضوا عطية الله لهم، وطعامه الذي أُعدَّ من أجلهم، وقالوا: بل نريد طعاماً نصنعه بأيدينا، وقالوا: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ..} تفسير : [البقرة: 61]، فقال لهم: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 61]. وما دام الأمر بالنسبة لهؤلاء مادياً فلا بُدَّ أنْ يزحزح نفسه عن الآخرة وعن القيامة والحساب، لذلك راحوا يُشكِّكون فيها، أما الفلاسفة فقالوا: حين يبعث الله إنساناً بعد الموت وقد تحللتْ أعضاؤه وصارت تراباً، ثم غرست في هذا المكان شجرة فتغذتْ من هذا التراب، وأكل إنسان آخر من ثمارها وانتقلتْ إليه بعض خلايا وجزئيات الأول، فإذا كان هناك بعث أتُبعت هذه الجزئيات مع الأول أم مع الآخر؟ فإنْ كانت مع الأول فهي نقص في الآخر والعكس. هذه هي شبهة الفلاسفة. وقد تخبَّط الفلاسفة هذا التخبُّط؛ لأنهم لم يفطنوا إلى شيء في الوجود يعطي قيماً للغيبيات، وقد أوضحنا هذه المسألة فقلنا لهم: لو أن إنساناً يزن مائة كيلو مثلاً أصيب بمرض أفقده أربعين كيلو من وزنه، فماذا يعني هذا النقص بالنسبة للشخص نفسه؟ هذه المسألة يتحكم فيها أمران: الغذاء والإخراج، ففي فترة النمو يكون الداخل للجسم أكثر من الخارج، أما في فترة الشيخوخة مثلاً فالخارج أكثر، فإنْ توازن الأمران كانت حالة من الثبات لا يزيد فيها الشخص ولا ينقص، وهي فترة الثبات. فالشخص الذي نقص من وزنه أربعون كيلو، ثم شفاه الله وعادت إليه عافيته حتى زاد وزنه وعاد إلى حالته الطبيعية، فهل تغيَّر الشخص حال نقصان وزنه؟ وهل تغيَّر حال عودته إلى طبيعته؟ أم ظلت الشخصية والذاتية هي هي؟ إذن: المسألة في تكوين الجسم ليست ذرات وجزيئات، إنما هي شخصية معنوية خاصة وإنْ تكوَّنت من جزيئات المادة وهي الستة عشر عنصراً التي تكوِّن جسم الإنسان، والتي تبدأ بالأكسوجين وتنتهي بالمنجنيز، وهي نفس العناصر المكوِّنة لتربة الأرض التي نأكل منها، وهذه العناصر بنسب تختلف من شخص لآخر. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4] يعني: نعرف ما نقص من كل إنسان: كذا في الحديد، وكذا من الأكسوجين، وكذا من الفسفور .. إلخ. إذن: حين يبعث الله الإنسان بعد الموت يبعث هذه الشخصية المعنوية بهذه الأجزاء المعروفة، فيأتي الشخص هو هو. ومن القضايا التي أثاروها في مسألة البعث ولالتباسات التي يحاولونها يقولون: الله تعالى يخلق الإنسان في مدة تسعة أشهر، أو ستة أشهر، يمر خلالها بعدة مراحل: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو هذه العظام لحماً، هذا للإنسان الواحد، فكم تستغرق إعادة خَلْق البشر من لَدُن آدم عليه السلام حتى قيام الساعة؟ ونقول: لقد ذكرتم كيفية خَلْق سلالة الإنسان والتي تستغرق تسعة أو ستة أشهر، لكن لم تذكروا خَلْق الأصل، وهو آدم عليه السلام، وقد خلقه الله على هيئته وصورته التي كان عليها، فلم يكُنْ صغيراً وكبر، إنما خُلِق كبيراً مستوياً كاملاً، ثم نُفِخت فيه الروح. ثم إن عناصر الفعل هي: الفعل، والفاعل، والمنفعل، يُضاف إليها الزمن الذي سيتم فيه الفعل، فأنا أريد أنْ أنقل هذه (الحملة) من هنا إلى هناك فنقلنا فعل، وأنا الفاعل، والحملة هي المنفعل ثم الزمن الذي يستغرقه الحدث، والزمن يعني توزيع جزئيات الحدث على جزئيات الزمن فإذا أردت أن تخيط ثوبا بطريقة يدوية فإنه يأخذ منك وقتاً طويلاً، فإن خِطَّه بالماكينة أخذ وقتاً أقلّ بكثير. إذن: فزمن الفعل يتناسب مع قوة الفاعل، وتذكرون أنه في الماضي كانت الشوارع تضاء بمصابيح الزيت، وكان لكل منطقة عامل يصعد إلى سلم إلى كل فانوس ليشعله، أما الآن فتستطيع أن تنير مدينة بأكملها بضغطة زر واحد. إذن: كلما زادتْ القوة قلَّ الزمن. فتعال إذن إلى مسألة البعث والإعادة بعد الموت: أهي بقوتك أنت لتحسبها بما يناسب قوتك وقدرتك؟ إنها بقوة الله عز وجل، والله لا يعالج الأمور كما نفعل ولا يزاولها، إنما يفعل سبحانه بكُنْ. إذن: فالفعل بالنسبة لله تعالى لا يحتاج إلى زمن تُوزَّع فيه جزئيات الفعل على جزئيات الزمن. ولمَ تستبعد هذا في حقَّ الله تعالى، وقد أعطاك ربك طرفاً منه رغم قدرتك المحدودة؟ ألستَ تجلس في مثل هذا المجلس فترانا جميعاً مرة واحدة في نظرة واحدة، كذلك تسمع الجميع دفعة واحدة؟ ألستَ تقوم بمجرد أن تريد أنْ تقوم، وتنفعل جوارحك لك بمجرد أنْ يخطر الفعل على بالك؟ أتفكر أنت في العضلات التي تحركتْ والإشارات التي تمتْ بداخلك لتقوم من مجلسك؟ وقد سبق أنْ أوضحنا هذه المسألة حين قارنَّا حركة الإنسان في سلاستها وطواعية الجوارح لمراد صاحبها بحركة الحفار مثلاً، فهو لا يؤدي حركة إلا بالضغط على زر خاص بها. فإذا كنت أنت أيها العبد تنفعل لك جوارحك وأعضاؤك بمرادك في الأشياء، فهل تستبعد في حق الله أنْ يفعل بكلمة كُنْ؟ كيف وأنت ذاتك تفعل بدون أنْ تقولها؟ مجرد الإرادة منك تفعل ما تريد. فإنْ قلتَ: كيف يفعل الحق سبحانه بكلمة كُنْ، وأنا أفعل بدون أنْ أقولها؟ نقول: نعم أنت تفعل بدون كُنْ؛ لأن الأشياء ليست منفعلة لك أنت، إنما هي مُسخَّرة بكُنْ الأولى حين قال الله لها كوني مُسخَّرة لإرادته، إذن: أنا أفعل بدون كُنْ؛ لأنها ليست في مقدوري أنا، فكأن كُنْ الأولى من الله تعالى هي كُنْ لنا جميعاً. وبهذا الفهم استطعنا تفسير حادثة الإسراء والمعراج، واستطعنا الرد على منكريها، فالله يقول: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ..} تفسير : [الإسراء: 1]. فلما سمع الكفار بالحادثة أنكروها وقالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ نعم أنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهراً؛ لأن فعلكم يحتاج إلى زمن ومزاولة نوزع فيها جزئيات الفعل على جزئيات الزمن، أمَّا محمد فلم يقُلْ سريتُ، فيكون في الفعل كأحدكم إنما قال: أُسرِي بي. إذن: فهو محمول على قدرة أخرى، فالفعل لا يُنسب إليه إنما إلى حامله إلى الله، وقلنا: كلما زادتْ القوة قلَّ الزمن، فإذا كانت القوة قوة الحق - تبارك وتعالى - فلا زمن؛ لذلك يقول سبحانه في مسألة الخلق والإعادة: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ..} [لقمان: 28]. فالأمر يسير على الله؛ لأن خَلْق النفس الواحدة وخَلْق جميع الأنفس يتم بكُنْ، فالمسألة لا تحتاج إلى تسعة أو ستة أشهر. وضربنا مثلاً لتوضيح هذه المسألة بصناعة الزبادي مثلاً، فأنت تأتي باللبن وتضع عليه المادة المعروفة وتتركه في درجة حرارة معينة فيتحول تلقائياً إلى الزبادي الذي تريده، فهل جلستَ أمام كل علبة تُحوِّلها بنفسك، أم أنك عملت العملية المعروفة في هذه الصناعة، ثم تركت هذه المواد تتفاعل بذاتها؟ كذلك شاء الله تعالى أنْ يوجد الإنسان جنيناً في بطن أمه، وأن تجري عليه أمور النمو بطبيعتها، إذن: خَلْق الإنسان لا يقاس بالنسبة لله تعالى بالزمن، وقد حَلَّ لنا الإمام علي كرم الله وجهه هذه القضية حينما سُئِل: كيف يحاسب الله الناس جميعاً من لَدُن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة في وقت واحد؟ فقال: يحاسبهم جميعاً في وقت واحد، كما أنه يرزقهم جميعاً في وقت واحد؛ لأنه سبحانه لا يشغله شأن عن شأن. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28] سميع وبصير صيغة مبالغة من السمع والبصر، وقلنا: إنك وأنت العبد المخلوق تستطيع أن ترى هذا الجمع مرة واحدة في نظرة واحدة، وكذلك تسمعه، فما بالك بسَمْع الله تعالى وبصره؟ ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):