٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : يحتمل أن يقال: إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [لقمان:20] على وجه العموم ذكر منها بعض ما هو فيهما على وجه الخصوص بقوله: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } إشارة إلى ما في السموات، وقوله بعد هذا: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان:31] إشارة إلى ما في الأرض. ويحتمل أن يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول: { أية : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } تفسير : [الجاثية: 24] والدهر هو الليالي والأيام، قال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي تنسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله تعالى فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } ثم إن قائلاً لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التي هي فوق الأرض أكثر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطول وتارة تكون بالعكس وتارة يتساويان فيتساويان فقال تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } يعني إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها في أوائلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى، فالآجال إن كانت بالمدد والمدد بسير الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إيلاج الليل في النهار يحتمل وجهين أحدهما: أن يقال المراد إيلاج الليل في زمان النهار أي يجعل في الزمان الذي كان فيه النهار الليل، وذلك لأن الليل إذا كان مثلاً اثنتي عشرة ساعة ثم يطول يصير الليل موجوداً في زمان كان فيه النهار وثانيهما: أن يقال المراد إيلاج زمان الليل في النهار أي يجعل زمان الليل في النهار وذلك لأن الليل إذا كان كما ذكرنا اثنتي عشرة ساعة إذا قصر صار زمان الليل موجوداً في النهار ولا يمكن غير هذا لأن إيلاج الليل في النهار محال الوجود فما ذكرنا من الإضمار لا بد منه لكن الأول أولى لأن الليل والنهار أفعال والأفعال في الأزمنة لأن الزمان ظرف فقولنا الليل في زمان النهار أقرب من قولنا زمان الليل في النهار لأن الثاني يجعل الظرف مظروفاً. إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } أي يوجده في وقت كان فيه النهار والله تعالى قدم إيجاد الليل على إيجاد النهار في كثير من المواضع كما في قوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ } تفسير : [الإسراء: 12] وقوله: { أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] وقوله: { أية : وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [الجاثية: 5] ومن جنسه قوله: { أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [الملك:2] وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهي أن الظلمة قد يظن بها أنها عدم النور والليل عدم النور والليل عدم النهار والحياة عدم الموت وليس كذلك إذ في الأزل لم يكن نهار ولا نور ولا حياة لممكن ولا يمكن أن يقال كان فيه موت أو ظلمة أو ليل فهذه الأمور كالأعمى والأصم فالعمى والصمم ليس مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ولا سمع ولا يقال لشيء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول ما يتحقق فيه العمى والصمم لا بد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما يكون فيه اقتضاء شيء، ويترتب عليه مقتضاه لا تطلب النفس له سبباً، لأن من يرى المتعيش في السوق، لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى تطلب النفس له سبباً، كمن يرى ملكاً في السوق يقول لم دخل، فإذن سبب العمى والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيراً، وإذا كان كذلك قدم الله تعالى ما تطلب النفس سببه وهو الليل الذي هو على وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالباً سببه ثم ذكر بعده الأمر الآخر. المسألة الثانية: قال: {يُولِجُ } بصيغة المستقبل وقال في الشمس والقمر سخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: { أية : حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } تفسير : [يۤس: 39]. المسألة الثالثة: قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار، وههنا كذلك، لأن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذي لا يكون عجيباً. المسألة الرابعة: ما تعلق قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } بما تقدم؟ نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الخطاب مع النبـي صلى الله عليه وسلم وعليه الأكثرون، وكأنه ترك الخطاب مع غيره، لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة للخطاب معهم لإصرارهم، ومن هو غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبـي عليه الصلاة والسلام ناظرون إليه الوجه الثاني: أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحداً فيقول لجمع عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك، فمن نصيرك، ولماذا تقصيرك. فقوله: {أَلَمْ تَرَ } يكون خطاباً من ذلك القبيل أي يا أيها الغافل ألم تر هذا الأمر الواضح.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدم في «الحج وآل عمران». {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال وإتماماً للمنافع. {كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال الحسن: إلى يوم القيامة. قتادة: إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يَعْدُوه ولا يَقْصُر عنه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي مَن قدر على هذه الأشياء فلا بدّ من أن يكون عالماً بها، والعالم بها عالم بأعمالكم. وقراءة العامة «تَعْمَلُونَ» بالتاء على الخطاب. وقرأ السُّلَمِيّ ونصر بن عاصم والدُّورِيّ عن أبي عمرو بالياء على الخبر. {ذَلِكَ} أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقرّوا {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} أي الشيطان؛ قاله مجاهد. وقيل: ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} العليّ في مكانته، الكبير في سلطانه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ} يعني: يأخذ منه في النهار، فيطول ذاك، ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف، يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء، {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قيل: إلى غاية محدودة، وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر رضي الله عنه الذي في "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر، إسناده صحيح. وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} كقوله: {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 70] ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] الآية. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ} أي: إنما يظهر لكم آياته؛ لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق الإله الحق، وأن كل ما سواه، باطل، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه؛ لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذباباً، لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} أي: العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل خاضع حقير بالنسبة إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم يا مخاطب {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ } يدخل {ٱلَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ} يدخله {وَلَهُ مَا } فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ } منهما {يَجْرِى } في فلكه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو يوم القيامة {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.
الشوكاني
تفسير : الخطاب بقوله: {أَلَمْ تَرَ } لكلّ أحد يصلح لذلك، أو للرسول صلى الله عليه وسلم {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْل} أي يدخل كل واحد منهما في الآخر، وقد تقدّم تفسيره في سورة الحج والأنعام {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } أي ذللهما وجعلهما منقادين بالطلوع والأفول تقديراً للآجال، وتتميما للمنافع، والجملة معطوفة على ما قبلهما مع اختلافهما {كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } اختلف في الأجل المسمى ماذا هو؟ فقيل: هو يوم القيامة. وقيل: وقت الطلوع ووقت الأفول، والأوّل أولى، وجملة: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } معطوفة على أن {الله يولج} أي خبير بما تعملونه من الأعمال؛ لا تخفى عليه منها خافية؛ لأن من قدر على مثل هذه الأمور العظيمة فقدرته على العلم بما تعملونه بالأولى. قرأ الجمهور: {تعملون} بالفوقية، وقرأ السلمي ونصر بن عامر والدوري عن أبي عمرو بالتحتية على الخبر. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره، والباء في {بِأَنَّ ٱللَّهَ } للسببية، أي ذلك بسبب أنه سبحانه {هُوَ ٱلْحَقُّ } وغيره الباطل، أو متعلقة بمحذوف، أي فعل ذلك ليعلموا أنه الحق {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ } قال مجاهد: الذي يدعون من دونه هو الشيطان. وقيل: ما أشركوا به من صنم، أو غيره، وهذا أولى {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } معطوفة على جملة: {أن الله هو الحق} والمعنى: أن ذلك الصنع البديع الذي وصفه في الآيات المتقدّمة للاستدلال به على حقية الله، وبطلان ما سواه، وعلوّه وكبريائه {هو العليّ} في مكانته، ذو الكبرياء في ربوبيته وسلطانه. ثم ذكر من عجيب صنعه وبديع قدرته نوعاً آخر فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ } أي بلطفه بكم ورحمته لكم، وذلك من أعظم نعمه عليكم: لأنها تخلصكم من الغرق عند أسفاركم في البحر لطلب الرزق، وقرأ ابن هرمز: "بنعمات الله" جمع نعمة {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءَايَـٰتِهِ } "من" للتبعيض، أي ليريكم بعض آياته. قال يحيـى بن سلام: وهو جري السفن في البحر بالريح. وقال ابن شجرة: المراد بقوله: {من آياته}: ما يشاهدونه من قدرة الله. وقال النقاش: ما يرزقهم الله في البحر {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي إن فيما ذكر لآيات عظيمة لكل من له صبر بليغ وشكر كثير، يصبر عن معاصي الله، ويشكر نعمه. {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ } شبه الموج لكبره بما يظلّ الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع، لأن الموت يأتي شيئاً بعد شيء، ويركب بعضه بعضاً. وقيل: إن الموج في معنى الجمع لأنه مصدر، وأصل الموج: الحركة والازدحام، ومنه يقال: ماج البحر وماج الناس. وقرأ محمد بن الحنفية: «موج كالظلال» جمع ظلّ: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي دعوا الله وحده لا يعوّلون على غيره في خلاصهم؛ لأنهم يعلمون أنه لا يضرّ ولا ينفع سواه، ولكنه تغلب على طبائعهم العادات وتقليد الأموات، فإذا وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله، وأخلصوا دينهم له؛ طلباً للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ } صاروا على قسمين: فقسم {مُّقْتَصِدٌ } أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له، باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر، وأخرجه إلى البرّ سالماً. قال الحسن: معنى {مقتصد} مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، والأولى ما ذكرناه، ويكون في الكلام حذف، والتقدير فمنهم مقتصد ومنهم كافر، ويدلّ على هذا المحذوف قوله: {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } الختر: أسوأ الغدر، وأقبحه، ومنه قول الأعشى:شعر : بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير ختار تفسير : قال الجوهري: الختر: الغدر، يقال: ختره فهو ختار. قال الماوردي: وهذا قول الجمهور. وقال ابن عطية: إنه الجاحد، وجحد الآيات: إنكارها، والكفور: عظيم الكفر بنعم الله سبحانه. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } أي: لا يغني الوالد عن ولده شيئاً، ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه. وقد تقدّم بيان معناه في البقرة {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } ذكر سبحانه فردين من القرابات وهو الوالد والولد، وهما الغاية في الحنوّ والشفقة على بعضهم البعض، فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى، فكيف بالأجانب؟ اللهمّ اجعلنا ممن لا يرجو سواك ولا يعوّل على غيرك {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لا يتخلف فما وعد به من الخير وأوعد به من الشرّ فهو كائن لا محالة {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } وزخارفها فإنها زائلة ذاهبة {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قرأ الجمهور: {الغرور} بفتح الغين المعجمة. والغرور هو: الشيطان؛ لأن من شأنه أن يغرّ الخلق ويمنيهم بالأماني الباطلة، ويلهيهم عن الآخرة، ويصدّهم عن طريق الحق. وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميفع بضم الغين مصدر غرّ يغرّ غروراً، ويجوز أن يكون مصدراً واقعاً وصفاً للشيطان على المبالغة. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي علم وقتها الذي تقوم فيه. قال الفراء: إن معنى هذا الكلام النفي، أي: ما يعلمه أحد إلا الله عزّ وجلّ. قال النحاس: وإنما صار فيه معنى: النفي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] "إنها هذه" {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } في الأوقات التي جعلها معينة لإنزاله، ولا يعلم ذلك غيره {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ } من الذكور والإناث والصلاح والفساد {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ } من النفوس كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من كسب دين أو كسب دنيا {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ } أي بأيّ مكان يقضي الله عليها بالموت. قرأ الجمهور: {وينزل الغيث} مشدّداً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففاً. وقرأ الجمهور: {بأيّ أرض}، وقرأ أبيّ بن كعب وموسى الأهوازي: "بأية" وجوّز ذلك الفراء وهي لغة ضعيفة. قال الأخفش: يجوز أن يقال: مررت بجارية أيّ جارية. قال الزجاج: من ادّعى أنه يعلم شيئاً من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {خَتَّارٍ } قال: جحاد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قال: هو الشيطان. وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية، فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } الآية. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه وزاد: وقد علمت ما كسبت اليوم، فماذا أكسب غداً؟ وزاد أيضاً أنه سأله عن قيام الساعة. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله»تفسير : . وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة في حديث سؤاله عن الساعة وجوابه بأشراطها، ثم قال: «حديث : في خمس لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا هذه الآية» تفسير : وفي الباب أحاديث.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِج النَّهارِ فِي اللَّيلِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف، قاله ابن مسعود ومجاهد. الثاني: ينقص من النهار ليجعله في الليل وينقص من الليل ليجعله في النهار، قاله الحسن وعكرمة وابن جبير وقتادة. الثالث: يسلك الظلمة مسالك الضياء ويسلك الضياء مسالك الظلمة فيصير كل واحد منهما مكان الآخر، قاله ابن شجرة. ويحتمل رابعاً: أنه يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل، ويدخل ضوء النهار في ظلمة الليل إذا أقبل، فيصير كل واحد منهما داخلاً في الآخر. {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال وإتماماً للمنافع. {كَلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى} فيه وجهان: أحدهما: يعني إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه، وهو معنى قول قتادة. الثاني: إلى يوم القيامة، قاله الحسن. {وَأَنَّ اللَّهَ بَمَا َعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يعني بما تعملون في الليل والنهار. قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو الله الذي لا إله غيره،قاله ابن كامل. الثاني: أن الحق اسم من أسماء الله، قاله أبو صالح. الثالث: أن الله هو القاضي بالحق. ويحتمل رابعاً: أن طاعة الله حق. {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ} فيه وجهان: أحدهما: الشيطان هو الباطل، قاله مجاهد. الثاني: ما أشركوا بالله تعالى من الأصنام والأوثان، قاله ابن كامل. {وأن الله هو العلي الكبير} أي العلي في مكانته الكبير في سلطانه.
ابن عطية
تفسير : هذا تنبيه خوطب به محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع العالم، وهذه عبرة تدل على الخالق المخترع أن يكون الليل بتدرج والنهار كذلك فما قصر من أحدهما زاد في الآخر ثم بالعكس ينقسم بحكمة بارىء العالم لا رب غيره، و {يولج} معناه يدخل، و"الأجل المسمى" القيامة التي تنتقض فيها هذه البنية وتكور الشمس، وقرأ جمهور القراء "بما تعملون" بالتاء من فوق، وقرأ عباس عن أبي عمرو "يعملون" بالياء، وقوله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق} الإشارة بـ {ذلك} إلى هذه العبرة وما جرى مجراها، ومعنى {هو الحق} أي صفة الألوهية له حق، فيحسن في القول تقدير ذو، وكذلك الباب متى أخبر بمصدر عن عين فالتقدير ذو كذا وحق مصدر منه قول الشاعر: شعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : وهذا كثير ومتى قلت كذا وكذا حق فإنما معناه اتصاف كذا بكذا حق، وقوله {وأن ما تدعون من دونه} يصح أن يريد الأصنام وتكون بمعنى الذي ويكون الإخبار عنها بـ {الباطل} على نحو ما قدمناه في {الحق}، ويصح أن تكون {ما} مصدرية كأنه قال وأن دعاءكم من دونه آلهة الباطل أي الفعل الذي لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة به، وقرأ الجمهور "تدعون" بالتاء من فوق، وقرأ "يدعون" بالياء ابن وثاب والأعمش وأهل مكة ورويت عن أبي عمرو، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُولِجُ الَّيْلَ} يأخذ الصيف من الشتاء والشتاء من الصيف. أو ما ينقص من النهار يجعله في الليل وما ينقص من الليل يجعله في النهار، أو يسلك الظلمة مسلك الضياء والضياء مسلك الظلمة فيصير كل واحد منهما مكان الآخر {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} ذللهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال وإتماماً للمنافع. {أَجَلٍ مُّسَمّىً} القيامة، أو وقت طلوعه وأفوله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} ألم تعلم يا من يصلح للخطاب علما قويا جاريا مجرى الرؤية {ان الله} بقدرته وحكمته {يولج الليل فى النهار} الولوج الدخول فى مضيق والايلاج الادخال اى يدخل الليل فى النهار ويضيفه اليه بان يزيد من ساعات الليل فى ساعات النهار صيفا بحسب مطالع الشمس ومغاربها: يعنى [ازوقت نزول آفتاب بنقطه شتوى تازمان حلول او بنقطه انقلاب صيفى ازا جزاى شب مى كاهد ودر اجزاى روز مى افزايد تاروزى كه دراول جدى اقصر ايام سنة دراول سرطان اطول ايام سنة ميشود] يعنى يصير النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات. حديث : قال عبد الله بن سلام اخبرنى يا محمد عن الليل لم سمى ليلا قال "لانه منال الرجال من النساء جعله الله الفة ومسكنا ولباسا" قال صدقت يا محمد ولم سمى النهار نهارا قال "لانه محل طلب الخلق لمعايشهم ووقت سعيهم واكتسابهم" قال صدقت تفسير : {ويولج النهار فى الليل} اى يدخله فيه ويضم بعض اجزائه اليه بان يزيد من ساعات النهار فى ساعات الليل شتاء بحسب المطالع والمغارب: يعنى [درباقى سنة ازجزاى روز كم مى كند واجزاى شب را بدان زياده مى زاد تاشبى كه در آخر جوزا اقصر ليالى بود در آخر قوس اطول ليالى ميشود]: يعنى يصير الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ووجدت مملكة فى خط الاستواء لها ربيعان وصيفان وخريفان وشتا آن فى سنة واحدة وفى بعضها ستة اشهر ليل وستة اشهر نهار وبعضها حر وبعضها برد وممالك الاقاليم السبعة التى ضبط عددها فى زمن المأمون ثلاثمائة وثلاث واربعون مملكة منها ثلاثة ايام وهى اضيقها وثلاثة اشهر وهى اوسعها والمملكة سلطان الملك وبقاعه التى يتملكها {وسخر الشمس والقمر} [رام كرد آفتاب وماه را كه سبب منافع الخلق اند]. حديث : قال عبد الله بن سلام اخبرنى يا محمد عن الشمس والقمر أهما مؤمنان ام كافران قال عليه السلام "مؤمنان طائعان مسخران تحت قهر المشيئة" قال صدقت قال فما بال الشمس والقمر لا يستويان فى الضوء والنور قال "لان الله تعالى محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة نعمة منه وفضلا ولولا ذلك لما عرف الليل من النهار" تفسير : والجملة عطف على يولج والاختلاف بينهما صيغة لما ان ايلاج احد الملوين فى الآخر امر متجدد فى كل حين واما تسخير النيرين فامر لا تعدد فيه ولا تجدد وانما التعدد والتجدد فى آثاره وقد اشير الى ذلك حيث قيل {كل} من الشمس والقمر {يجرى} بحسب حركته الخاصة القسرية على المدارات اليومية المتخالفة المتعددة حسب تعدد الايام جريا مستمرا {الى اجل مسمى} قدره الله تعالى لجريهما وهو يوم القيامة كما روى عن الحسن فانهما لا ينقطع جريهما الا حينئذ وذلك لانه تموت الملائكة الموكلون عليهما فيبقى كل منهما خاليا كبدن بلا روح ويطمس نورهما فيلقيان فى جهنم ليظهر لعبدة الشمس والقمر والنار انها ليست بآلهة ولو كانت آلهة لدفعت عن انفسها فالجملة اعتراض بين المعطوفين لبيان الواقع بطريق الاستطراد هذا وقد جعل جريانهما عبارة عن حركتها الخاصة بهما فى فلكهما والاجل المسمى عن منتهى دورتهما وجعل مدة الجريان للشمس سنه وللقمر شهر فالجملة حينئذ بيان لحكم تسخيرهما وتنبيه على كيفية ايلاج احد الملوين فى الآخر وكون ذلك بحسب انقلاب جريان الشمس والقمر على مداراتهما اليومية {وان الله بما تعملون خبير} عالم بكنهه عطف على ان الله يولج الخ داخل معه فى حيز الرؤية فان من شاهد ذلك الصنع الرائق والتدبير اللائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه محيطا بجلائل اعماله ودقائقها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَ أن الله يُولج الليلَ في النهارِ}؛ يُدخل ظلمة الليل في ضوء النهار، إذا أقبل الليل، {ويُولج النهارَ في الليل}؛ يُدخل ضوء النهار في ظلمة الليل، إذا أقبل النهار. أو: بإدخال جزء أحدهما في الآخر؛ بزيادة الليل أو النهار. {وسخَّر الشمسَ والقمرَ} لمنافع العباد، {كلٌّ}، أي: كل واحد من الشمس والقمر {يجري} في فلكه، ويقطعه، {إلى أجل مُسَمّى}؛ إلى يوم القيامة: أو: إلى وقت معلوم للشمس، وهو تمام السنة، والقمر إلى آخر الشهر. {وإن الله بما تعملون خبير}؛ عالم بكنهه، لا يخفى عليه شيء. فدل، بتعاقب الليل والنهار، أو بزيادتهما ونقصانهما، وَجَرْي النيرين في فلكهما، على تقدير وحساب معلوم، وبإحاطته جميع أعمال الخلق، على عظيم قدرته، وكمال علمه وحكمته. {ذلك} شاهد {بأن الله هو الحقُّ}، وما سواه باطل، {وأن ما تدعون من دونه الباطل}؛ المعدوم في حد ذاته، لا حقيقة لوجوده. أو: ذلك الذي وصف بما وصف به، من عجائب قدرته وباهر حكمته، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية، وأن مَن دونه باطل ألوهيته، {وأن الله هو العلي الكبير}، أي: العلي الشأن، الكبير السلطان. {ألم تَرَ أن الفلكَ}؛ السفن {تجري في البحر بنعمةِ الله} بإحسانه ورحمته، أو: بالريح، لأن الريح من نعم الله. أو: ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع، فالباء، حينئذٍ، للأرزاق، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه. {ليُريَكم من آياته}؛ من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه، {إن في ذلك لآياتٍ} دالة على وحدانيته وكمال صفاته؛ {لكل صبَّارٍ} في بلائه، {شكورٍ} لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصب صبر، فلا يَعْتَبِرُ بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. {وإِذا غَشِيَهُم}، أي: الكفار، أي: علاهم وغطاهم {موجٌ كالظُّلَلِ}، أي: كشيء يظل؛ من جبل، أو سحاب، أو غيرهما، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل؛ جمع ظُلة، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك؛ {دَعَوُاْ الله مخلصين له الدينَ}، لا يدعون معه غيره، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقْتَصِدٌ}؛ مقيم على الطريق القصد، باقٍ على الإيمان، الذي هو التوحيد، الذي كان منه في حال الشدة، لم يعد إلى الكفر، أو: متوسط في الظلم والكفر، انزجر بعض الانزجار. ولم يَغْلُ في الكفر والعدوان. أو مُقْتَصِدٌ في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني: أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط، إلا النادر، {وما يجحد بآياتنا} أي: بحقيقتها {إلا كل ختَّارٍ}؛ غدار. والختْر: أقبح الغدر، {كفورٍ} لنعم ربه. وهذه الكلمات متقابلة؛ لفظاً ومعنى، فَخَتَّارٌ: مقابل صبّار، وكفور: مقابل شكور؛ لأن من غدر لم يصبر، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألم تر أن الله يُولج ليل القبض في نهار البسط، ونهار البسط في ليل القبض، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار، فإذا تأدب مع كل واحد منهما؛ زاد بهما معاً، وإلا نقص بهما، أو بأحدهما. فآداب القبض: الصبر والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط: الحمد، والشكر، والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخَّر شمس العيان وقمر الإيمان، كلٌّ يجري إلى أجل مسمى؛ فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق، وما سواه باطل. فإذا جاء الحق، بطلوع شمس العيان، زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. وإنما أثبته الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت؟ إن في ذلك لآياتٍ لكل صبَّار على مجاهدة النفس، شكور على نعمة الظَّفَرِ بحضرة القُدُّوسِ. وإذا غشيهم،، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة، موج من أنوار ملكوته، فكادت تدهشهم، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة، حتى يتمكنوا فلما نجاهم إلى بر الشريعة، فمنهم مقتصد؛ معتدل بين جذب وسلوك، بين حقيقة وشريعة، ومنهم: غالبٌ عليه السكر والجذب، ومنهم: غالب عليه الصحو والسلوك. وكلهم أولياء الله، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختَّار جاحد. قال القشيري: {وإذا غشيهم موج كالظلل}؛ إذا تلاطمت عليهم أمواجُ بحارالتقدير، تمنوا أن تلفظهم تلك البحارُ إلى سواحل السلامة، فإذا جاء الحقُّ بتحقيق مُناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. شعر : فَكَمْ قدْ جَهِلْتُمْ، ثم عُدْنا بِحِلْمِنَا، أَحِبَّاءَنَا: كَمْ تَجْهَلُونَ وَنَحْلُمُ! تفسير : ثم ختم بالوعظ والتذكير، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ...}.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب عامّ او خاصّ بمحمّدٍ (ص) والجملة جوابٌ لسؤالٍ آخر مقدّرٍ فى مقام التّعليل للجملة الاولى او لقوله: انّ الله سميع بصير {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} قد مضى بيان ايلاج اللّيل والنّهار فى آل عمران {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ} جملة حاليّة او مستأنفة لبيان حالهما {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} يعنى كلّ يجرى دورة الفلك الى وقتٍ معيّنٍ مضبوطٍ بحيث يستخرج المستخرجون دوراتهما ومدّة دوراتهما سنين قبل وقوعها ولا يقع تخلّف فى استخراجهم، او المعنى كلّ يجرى الى اجلٍ مسمّى عند الله وهو وقت خراب الدّنيا وطىّ السّماء كطىّ السّجل للكتب {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وليس هذا الاّ لانّ الله لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ ولا وصفٌ عن وصفٍ ولا علمٌ عن علمٍ.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب لمن يصلح خطابه. {أَنَّ اللهَ يُولِجُ} يدخل. {الَّليْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} يزيد كلا منهما بما نص من الآخر. {وسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ} من الشمس والقمر. {يَجْرِى} في فلكه. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمىًّ} هو يوم القيامة والمسمى المحدود ولا ينقطع جريهما الى يوم القيامة وذلك قول الحسن وحينئذ ينقطع جريهما ويذهب ضوءهما. وقيل الأجل المسمى آخر السنة للشمس وآخر الشهر للقمر صرح بعض العلماء ان اللام في قوله {يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمىُّ} بمعنى (الى) بدليل هذه الآية ونحوها. وذكر جار الله أن هذه الطريقة لا يسلكها الى بليد الطبع ضيق الفطن وان المعنى مع الى ان كلا يبلغ الاجل وينتهي اليه ومع اللام انه يجري لادراك اجل مسمى يجعل الجري مختصا بادراك اجل مسمى فاللام للتعليل حقيقة او مجازا وافعال الله تعلل بالاغراض على ما ارجحه لكثرة ادلته وتأويل الكثير خلاف الظاهر. {وَأَن اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير ذَلِكَ} المذكور الذي تعجز عنه الاحياء القادرون العالمون وكيف الجماد التي يدعونها آلهة من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها. {بِأَنَّ اللهَ} اي لأن الله. {هُوَ الحَقُّ} الثابت الألوهية وغيره باطل. {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} من الأصنام وقرىء بالتحتية {يدعون}. {البَاطِلُ} الزائل الذي لا يستحق العبادة ولا الالوهية المعدوم في حد ذاته لولا ان الله أوجده. {وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} مرتفع الشأن على كل شيء ومتصرف في كل شيء له الصفات العليا والأسماء الحسنى.
اطفيش
تفسير : {ألم تَرَ} يا محمد او يا من يصلح للرؤية مطلقا هو اولى {أنَّ الله يُولج الليل في النهار ويوُلج النهار في الليل} يدخل كلا فى الآخر بالنقص منه، وزيادة ما نقص منه فى الاخر: ولم يقل يولج احد الملوين فى الآخر، مع انه انه اقل لفظا لصلوحه بحسب ظاهره، بان يكون يولج احدهما فى الاخر، ولا يولج الاخر فيه، ولم يقل: يولج كلا من الملوين فى الاخر ليصرح فى التفصيل بالدلالة على استقلال كل منهما فى الدلالة على كمال القدرة، وقدم الليل لتقدم الظلمة، إذ كان العالم مظلما، ثم خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم مضيئا، وخلق الشمس والقمر والنجوم. {وسخَّر الشَّمس والقَمَر} قدمها مع تقديم الليل الذى يكون فيه ضوء القمر على النهار الذي يكون فيه نور الشمس، لانها كالمبدأ للقمر، ولأنها اعظم، وتسخيرها مع عظمها اعظم من تسخير القمر، وأيضا تأثير الشمس فى العالم من الشجر والنبات وغيرهما اعظم من تأثير القمر فيه، ولان نور القمر بها: فانه اطلس، وما قابلها منه استضاء، وذكر الايلاج بالمضارع لتجدده والتسخير بالماضى، لانه امر لا تعدد فيه، وانما التعدد فى اثره، ومنه الجرى الى اجل مسمى فى قوله تعالى: {كلَ} كل واحد من الشمس والقمر {يَجْري} على استمرار {إلى أجل مسمّى} سماه الله وعينه، وهو يوم القيامة، يكفهما الله سبحانه عن الجرى، ويزيل نورهما فتقوم الساعة عقب ذلك، وحركتهما هى بواسطة حركة الفلك الاعظم، وبها حركة سائر الافلاك وكواكبها، وتسمى، حركة الكل، الحركة اليومية، والحركة السريعة، والحركة الاولى، والحركة على خلاف التوالى، والحركة الشرقية، وبعض يسميها الحركة الغربية، وقيل: ما يعم حركته وحركتها الخاصة بهما، وهى حركتهما بواسطة فلكيهما على التوالى من المغرب الى المشرق، هى للقمر اسرع منها للشمس، وقيل: جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما. والأجل المسمى لجرى الشمس اخر السنة المسماة بالسنة الشمسية، وهى زمان مفارقة الشمس، موضعا ما من فلك البروج الى عودها اليه بحركتها الخاصة، ولكن جعلوا ابتداءها من حين حلول الشمس رأس الحمل، وذلك ثلاثمائة وخمسة وستون يوما بليلته وربع يوم كذلك وقال بطليموس: ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وخمس ساعات، وست أو خمس وخمسون دقيقة، واثنتا عشرة ثانية، وعند بعض المتأخرين ثلاثمائة وخمس وستون يوما، وخمس ساعات، وست وأربعون دقيقة وأربع وعشرون ثانية. ولجرى القمر آخر الشهر القمرى، وهو زمان مفارقة القمر، اى وضع يعرض له من الشمس الى عودة، وذلك فى السنة الحقيقية، والشهر الحقيقى، واما السنة الاصطلاحية فاعتبرها بعض كالروم والاقدمين من الفرس ثلاثمائة وخمسة وستين يوما بليلته، وربع يوم كذلك، واخذ الكسر ربعا تاما، الا ان الروم يجعلون ثلاث سنين ثلاثمائة وخمسة وستين، ويكسبون فى الرابعة بيوم، والفرس يكسبون فى مائة وعشرين سنة بشهر، واما الشهر غير الحقيقى فالمعتبر فيه الهلال، ويختلف ما بين زمان الهلالين. {وأنَّ الله بما تعْمَلون خَبيرٌ} عطف على ان الله يولج الخ داخل فى حيز الرؤية فمن شاهد الايلاج وما بعده لا يغفل على ان الله احاط علمه بكل شئ.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } قيل: خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وقيل: عام لكل من يصلح للخطاب وهو الأوفق لما سبق وما لحق أي ألم تعلم. / {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي يدخل كل واحد منها في الآخر ويضيفه سبحانه إليه فيتفاوت بذلك حاله زيادة ونقصاناً، وعدل عن يولج أحد الملوين في الآخر مع أنه أخصر للدلالة على استقلال كل منهما في الدلالة على كمال القدرة، وقدم الليل على النهار لمناسبته لعالم الإمكان المظلم من حيث إمكانه الذاتي، وفي بعض الآثار «كان العالم في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من نوره»، وهذا الإيلاج إنما هو في هذا العالم ليس عند ربك صباح ولا مساء، وقدم الشمس على القمر في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } مع تقديم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لأنها كالمبدأ للقمر ولأن تسخيرها لغاية عظمها أعظم من تسخير القمر وأيضاً آثار ذلك التسخير أعظم من آثار تسخيره وقال الإمام في تعليل تقديم كل على ما قدم عليه: لأن الأنفس تطلب سبب المقدم أكثر مما تطلب سبب المؤخر وبين ذلك بما بين، ولعل ما ذكرناه أولى لا سيما إذا صح أن نور القمر مستفاد من ضياء الشمس. وعطف قوله سبحانه: {سَخَّرَ } على قوله تعالى: {يُولِجُ } والاختلاف بينهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل حين وأما التسخير فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد وإنما التعدد والتجدد في آثاره كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {كُلٌّ } أي كل واحد من الشمس والقمر {يَجْرِى } يسير سيراً سريعاً مستمراً {إِلَىٰ أَجَلٍ } أي منتهى للجري {مُّسَمًّى } سماه الله تعالى وقدره لذلك، وهو كما قال الحسن يوم القيامة فإنه لا ينقطع جري النيرين وتبطل حركتهما إلا في ذلك اليوم. والظاهر أن هذا الجري هو هذه الحركة التي يشاهدها كل ذي بصر من أهل المعمورة، وهي عند الفلاسفة بواسطة الفلك الأعظم فإن حركته كذلك وبها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب ويسمى حركة الكل والحركة اليومية والحركة السريعة والحركة الأولى والحركة على خلاف التوالي والحركة الشرقية، وبعضهم يسميها الحركة الغربية، وقيل: ما يعم هذه الحركة وحركتهما الخاصة بهما وهي حركتهما بواسطة فلكيهما على التوالي من المغرب إلى المشرق وهي للقمر أسرع منها للشمس، وليس في العقل الصريح والنقل الصحيح ما يأبـى إثبات هاتين الحركتين لكل من النيرين كما لا يخفى على المنصف العارف، ومنتهى هذا الجري العام لهاتين الحركتين يوم القيامة أيضاً. والجملة على تقدير عموم الخطاب اعتراض بين المعطوفين لبيان الواقع بطريق الاستطراد، وعلى تقدير اختصاصه به صلى الله عليه وسلم يجوز أن تكون حالاً من {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } فإن جريهما إلى يوم القيامة من جملة ما في حيز رؤيته عليه الصلاة والسلام، وقيل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما والأجل المسمى لجري الشمس آخر السنة المسماة بالسنة الشمسية الحقيقية وهي زمان مفارقة الشمس أية نقطة تفرض من فلك البروج إلى عودها إليها بحركتها الخاصة، وجعلوا ابتداءها من حين حلول الشمس رأس الحمل ومدتها عند بعض ثلثمائة وخمسة وستون يوماً بليلته وربع يوم كذلك وعند بطليموس ثلثمائة وخمسة وستون يوماً بليلته وخمس ساعات وخمس وخمسون دقيقة واثنتا عشرة ثانية، وعند بعض المتأخرين ثلثمائة وخمسة وستون يوما وخمس ساعات وست وأربعون دقيقة وأربع وعشرون ثانية، وعند الحكيم محيـي الدين الكسر الزائد خمس ساعات ودقيقة، وبالرصد الجديد الذي تولاه الطوسي بمراغة خمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة، ووجد برصد سمرقند أزيد من هذا بربع دقيقة، وأما الاصطلاحية فاعتبرها بعض كالروم والأقدمين من الفرس ثلثمائة وخمسة وستون يوماً بليلته وربع يوم كذلك وأخذ الكسر ربعاً تاماً إلا أن الروم يجعلون ثلاث سنين / ثلثمائة وخمسة وستين ويكبسون في الرابعة بيوم والفرس كانوا يكبسون في مائة وعشرين سنة بشهر، واعتبرها بعض آخر كالقبط والمستعملين لتاريخ الفرس من المحدثين وستين يوماً بليلته وأسقط الكسر رأساً ولجرى القمر آخر الشهر القمري الحقيقي وهو زمان مفارقة القمر أي وضع يعرض له من الشمس إلى عوده إليه، وجعلوا ابتداءه من اجتماع الشمس والقمر وزمان ما بين الاجتماعين المتتاليين (كط لا ن) من الأيام ودقائقها وثوانيها تقريباً. وأما الشهر الغير الحقيقي فالمعتبر فيه الهلال ويختلف زمان ما بين الهلالين كما هو معروف. قيل: وعلى هذا فالجملة بيان لحكم تسخيرهما أو تنبيه على كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر، وكون ذلك بحسب اختلاف جريان الشمس على مداراتها اليومية فكلما كان جريانها متوجهاً إلى سمت الرأس تزداد القوس التي فوق الأرض كبراً فيزداد النهار طولاً بانضمام بعض أجزاء الليل إليه إلى أن يبلغ المدار الذي هو أقرب المدارات إلى سمت الرأس وذلك عند بلوغها إلى رأس السرطان ثم ترجع متوجهة إلى التباعد عن سمت الرأس فلا تزال القسى التي فوق الأرض تزداد صغراً فيزداد النهار قصراً بانضمام بعض أجزائه إلى الليل إلى أن يبلغ المدار الذي هو أبعد المدارات اليومية عن سمت الرأس وذلك عند بلوغها رأس الجدي. وأنت تعلم أنه لا مدخل لجريان القمر في الإيلاج فالتعرض له في الآية الكريمة يبعد هذا الوجه، ولعل الأظهر على تقدير جعل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما أن يجعل الأجل المسمى عبارة عن يوم القيامة أو يجعل عبارة عن آخر السنة والشهر المعروفين عند العرب فتأمل. وجرى يتعدى بإلى تارة وباللام أخرى وتعديته بالأول باعتبار كون المجرور غاية وبالثاني باعتبار كونه غرضاً فتكون اللام لام تعليل أو عاقبة وجعلها الزمخشري للاختصاص ولكل وجه، ولم يظهر لي وجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، وقال النيسابوري: وجه ذلك أن هذه الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل وهو كما ترى فتدبر. وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عطف على قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ} الخ داخل معه في حيز الرؤية على تقديري خصوص الخطاب وعمومه فإن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق والتدبير اللائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز وجل محيطاً بجلائل أعماله ودقائقها. وقرأ عياش عن أبـي عمرو: {بِمَا يَعْمَلُونَ } بياء الغيبة.
ابن عاشور
تفسير : استدلال على ما تضمنته الآية قبلَها من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة الله تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالاً من الإنسان، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأُفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة تغييراً يشبه طُروّ الموت على الحياة في دخول الليل في النهار، وطروّ الحياة على الموت في دخول النهار على الليل، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره من سير الشمس والقمر. فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله {أية : إن الله سميع بصير}تفسير : [لقمان: 28] من إحاطة العلم الإلهي بالمعلومات المقتضي إحاطة قدرته بالممكنات لأنها جزئيات المعلومات وفرعٌ عنها. والخطاب لغير معين، والمقصود به المشركون بقرينة {وأن الله بما تعملون خبير}. والرؤية علْمية، والاستفهام لإنكار عدم الرؤية بتنزيل العالمين منزلة غير عالمين لعدم انتفاعهم بعلمهم. والإيلاج: الإدخال. وهو هنا تمثيل لتعاقب الظلمة والضياء بولوج أحدهما في الآخر كقوله {أية : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} تفسير : [يس: 37]. وتقدم الكلام على نظيره في قوله {أية : تُولج الليل في النهار} تفسير : أول سورة آل عمران (27)، وقوله {أية : ذلك بأن الله يولج الليل في النهار} تفسير : الآية في سورة الحج (61) مع اختلاف الغرضين. والابتداء بالليل لأن أمره أعجب كيف تغشَى ظُلمته تلك الأنوار النهارية، والجمع بين إيلاج الليل وإيلاج النهار لتشخيص تمام القدرة بحيث لا تُلازم عملاً متماثلاً. والكلام على تسخير الشمس والقمر مضى في سورة الأعراف. وتنوين {كلٌّ} هو المسمى تنوين العوض عن المضاف إليه، والتقدير: كلٌّ من الشمس والقمر يجري إلى أجل. والجري: المشي السريع؛ استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض، تشبيهاً بالمشي السريع لأجل شسوع المسافات التي تقطع في خلال ذلك. وزيادة قوله {إلى أجل مسمى} للإشارة إلى أن لهذا النظام الشمسي أمداً يعلمه الله فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض العالم؛ فهذا تذكير بوقت البعث. فيجوز أن يكون {إلى أجل} ظرفاً لغواً متعلقاً بفعل {يجري}، أي: ينتهي جريه، أي سيره عند أجل معيَّن عند الله لانتهاء سيرهما. ويجوز أن يكون {إلى أجل} متعلقاً بفعل {سَخَّر} أي: جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهياً عند أجل مقدّر. وحرف {إلى} على التقديرين للانتهاء. وليست {إلى} بمعنى اللام عند صاحب «الكشاف» هنا خلافاً لابن مالك وابن هشام، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى {أية : وسخّر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} تفسير : في سورة فاطر (13). {وأن الله بما تعملون خبير} عطف على {أن الله يولج الليل في النهار}، فهو داخل في الاستفهام الإنكاري بتنزيل العالم منزلة غيره لعدم جريه على موجَب العلم، فهم يعلمون أن الله خبير بما يعملون ولا يَجرون على ما يقتضيه هذا العلم في شيء من أحوالهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 29- ألم تنظر - أيها المكلف - نظر اعتبار أن الله ينقص من زمن الليل بقدر ما يزيد من النهار، وينقص من زمن النهار بقدر ما يزيد فى زمن الليل، وذَلَّل الشمس والقمر لمصالحكم، وأخضعهما لنظام بديع، فيجرى كل منهما فى فلك معين لا يحيد عنه، ويستمر كذلك إلى يوم القيامة، وأنه - سبحانه - خبير بكل ما تعملون ومجازيكم عليه. 30- ذلك المذكور من عجائب صنع الله وقدرته بسبب أن صانعه هو الإله الثابت الألوهية، الجدير - وحده - بالعبادة، وإن الآلهة التى تعبدونها من دونه باطلة الألوهية، وإن الله - وحده - هو العلى الشأن، الكبير السلطان. 31- ألم تنظر - أيها الإنسان - إلى الفلك تجرى فى البحر برحمة الله حاملة على ظهرها ما ينفعكم، ليظهر لكم بذلك بعض عجائب صنعه، ودلائل قدرته. إن فى ذلك لآيات لكل صبَّار على بلائه. شكور لنعمائه. 32- هؤلاء الجاحدون بالله إذا ركبوا فى السفن واضطرب بهم البحر وارتفعت أمواجه حتى بدت كأنها تظللهم، وظنوا أنهم غارقون - لا محالة - لجأوا إلى الله يدعونه فى إخلاص وخضوع أن ينجيهم، فلما نجَّاهم إلى البر كان منهم قليل تذكَّر عهده، واعتدل فى عمله، ومنهم كثير نسى فضل ربه، وظل على جحوده به، ولا ينكر فضل ربه عليه وإحسانه إليه إلا كل إنسان شديد الغدر، مسرف فى الكفر بربه. 33- يا أيها الناس: افعلوا ما أمركم ربكم به، واتركوا ما نهاكم عنه، واحذروا عذابه يوم القيامة، يوم لا يغنى والد فيه عن ولده شيئاً، ولا مولود هو مغن عن والده شيئاً، إن هذا اليوم وعد الله به، ووعده حق لا يتخلف، فلا تلهينكم زخارف الدنيا وزينتها عن الاستعداد له، ولا تخْدَعنَّكُم وساوس الشيطان، فتصرفكم عن الله وطاعته.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تعلم أيها المخاطب. أن الله يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً منه في النهار، ويدخل جزءاً من النهار في الليل بحسب الفصول. وسخر الشمس والقمر: يسبحان في فلكيهما الدهر كله لا تكلان إلى يوم القيامة وهو الأجل المسمى لهما. ذلك بأن الله هو الحق: أي ذلك المذكور من الإِيلاج والتسخير بسبب أن الله هو الإِله الحق. وأن ما يدعون من دونه الباطل: أي وأن ما يدعون من دونه من آلهة هي الباطل. بنعمت الله: أي بإِفضاله على العباد وإحسانه إليهم حيث هيأ أسباب جريها. لكل صبارٍ شكور: أي صبار عن المعاصي شكور للنّعم. وإذا غشيهم موج: أي علاهم وغطاهم من فوقهم. كالظلل: أي كالجبال التي تظلل من تحتها. فمنهم مقتصد: أي بين الكفر والإِيمان بمعنى معتدل في ذلك ما آمن ولا كفر. كل ختار كفور: أي غدار كفور لنعم الله تعالى. معنى الآيات ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال الشرك والكفر قال تعالى {أَلَمْ تَرَ} أي ألم تعلم أيها النبي أن الله ذا الألوهية على غيره {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} بإِدخال جزء منه في النهار {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} بإِدخال جزء منه في الليل وذلك بحسب الفصول السَّنوية {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يسبحان في فلكيهما لمنافع الناس إلى أجل مسمى أي إلى وقت محدد معين عنده سبحانه وتعالى وهو يوم القيامة، وأن الله تعالى بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم صالحها وفاسدها وسيجزيكم بها وقوله {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي ذلك الإِيلاج لليل في النهار والنهار في الليل وتسخير الشمس والقمر، وعلم الله تعالى بأعمال العباد ومجازاتهم عليها قاطع لكل شك بأن الله هو إله الحق، وأن ما يدعون من دونه من أوثان هو الباطل، وقاطع بأن الله تعالى ذا الألوهية الحقة هو العلي الكبير أي ذو العلو المطلق الكبير الذي ليس شيء أكبر منه إذ هو ربّ كل شيء ومالكه والقاهر له والمتحكم فيه لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ} يا محمد {أَنَّ ٱلْفُلْكَ} أي السفن {تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} تعالى على خلقه حيث يسَّر لها أسباب سيرها وجريها في البحر وهي تحمل السلع والبضائع والأقوات من إقليم إلى إقليم وهي نعم كثيرة. سخر ذلك لكم ليريكم من آياته الدالة على ربوبيته وألوهيته وهي كثيرة تتجلى في كل جزء من هذا الكون. وقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي علامات ودلائل على قدرة الله ورحمته وهي موجبات عبادته وتوحيده فيها، وقوله {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي فيها عِبَرٌ لكل عبد صبور على الطاعات صبور عن المعاصي صبور عما تجري به الأقدار شكور لنعم الله تعالى جليلها وصغيرها أما غير الصبور الشكور فإِنه لا يجد فيها عبرة ولا عظة. وقوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} أي إذا غشي المشركين موج وهم على ظهر السفينة فخافوا {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي دعوا الله وحده ولم يذكروا آلهتهم. فلما نجاهم بفضله {إِلَى ٱلْبَرِّ} فلم يغرقوا {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي في إيمانه وكفره لا يُغالي في كفره ولا يعلن عن إيمانه. وقوله {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ} القرآنية والكونية وهي مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لألوهيته {إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} أي غدار بالعهود {كَفُورٍ} للنعم لا خير فيه البتَّة والعياذ بالله تعالى من أهل الغدر والكفر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير التوحيد وإبطال الشرك بذكر الأدلة المستفادة من مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته. 2) فضيلة الصبر والشكر والجمع بينهما خير من افتراقهما. 3) بيان أن المشركين أيام نزول القرآن كانوا يوحدون في الشدة ويشركون في الرخاء. 4) شر الناس الختار أي الغدار الكفور. 5) ذم الختر وهو أسوأ الغدر وذم الكفر بالنعم الإِلهية.
القطان
تفسير : يولج: يُدخل، والمعنى: يضيف الليل الى النهار والعكس بالعكس. تجري: تسير سيرا سريعا. بنعمة الله: بما تحمله من خيرات للناس. غشيَهم: غطاهم. كالظلل: ما يظلل الناسَ من سحاب، يعني ان الموج يرتفع حتى يغطي السفينة. فمنهم مقتصد: سالك للطريق المستقيم. ختّار: غدار. نحن نرى دائماً تقلُّب الليل وتناقصَهما وزيادتهما عند اختلاف الفصول، لذلك ألِفْنا هذه الآيات، مع أنها حقاً من المعجزات. فهذا الكون وما فيه من آيات عجيبة واسعة تحير الألباب، واللهُ وحده القادرُ على انشاء هذا النظام الدقيق العجيب وحفظه. وكل ما نرى في هذا الكون متحرك {يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} ووقتٍ معلوم. ثم يعقّب الله على ما تقدم بأنه الحق، وان كل ما يدعونه من دونه الباطل {هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} سبحانه وتعالى عما يصفون. وبعد ان ذكر الآيات العلوية الدالة على وحدانيته أشار الى آيةٍ أرضية فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. ألم تشاهد ايها الرسول تلك السفن تمخر عباب البحر بنعم الله المحملة عليها للناس ليريكم من آياته ولدلائله، ان في ذلك لآيات لكل من راض نفسه على الصبر على المشاق، طلباً للنظر في نفسه وفي الآفاق، وعوّدها الشكر لمانح النعيم ومسديها لنا سبحانه وتعالى. ولكن الناس لا يصبرون، ولا يشكرون، فان اصابهم الضر جأروا وصاحوا واستجاروا، وعندما ينجيهم الله من الضر لا يشكر منهم الا القليل. {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}. وهذه طبيعة البشر عندما يحيط بهم الخطر يخلصون لله ويؤمنون، واذا نجوا فمنهم من يشكر وهم القليل، والكثير جاحد غدار كفور. وهذا المعنى جاء في سورة يونس الآيتان 22 و 23.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} (29) - أَلَمْ تَنْظُرْ يَا أَيُّها الإِنسَانُ نَظَرَ اعْتِبَارٍ وَتَأَمُّلٍ، أنَّ اللهَ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُتَدَاخِلَينِ، يَتْلُو أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَتَنَاوَبَانِ الطّولَ والقِصَرَ، وَسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَرَ لِمَصْلَحَةِ خَلْقِهِ، وَمَنْفَعَتِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَجرِي بأَمْرِ رَبِّهِ إِلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَلٍ مُعَيِّنٍ إِذا بَلَغَهُ انْتَهَى أَمْرُهُ؟ واللهُ خَبيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ مِنْ خَيرٍ وَشَرٍ. يُولِجُ - يُدْخِلُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه آيات كونية واضحة مرئية للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي، فالحق سبحانه يوزع لنا الوقت بين ليل ونهار، لكنه ليس توزيعاً متساوياً (ميكانيكياً)، بحيث يكون كل منهما أربعاً وعشرين ساعة ثابتة على التقدير الجبري كما يقولون؛ لذلك نرى اليوم ينقص مثلاً عن الأربع وعشرين ساعة عدة دقائق تُضاف إلى زمن الليل أو العكس. لذلك قالوا من أيام بطليموس: السنة 365 يوماً وخمس ساعات، وخمس وخمسون دقيقة، واثنتا عشرة ثانية بالدقة. بعدها انتهوا إلى أنَّ السنة 365 يوماً وربع يوم عن طريق الجبر، فكل ثلاث سنين نجبر الرابعة، ويقولون: سنة بسيطة، وسنة كبيسة أي: طويلة، فالتي تقبل القسمة على أربعة سنة كبيسة، لذلك نجد شهر فبراير في هذه السنة 29 يوماً، ذلك لنعوض اليوم. وكلمة يوم تعني الليل والنهار، لكن القسمة بينهما ليست متساوية، فالحق - تبارك وتعالى - بصنعته الحكيمة أراد أنْ يُوزع الحرارة والبرودة على كل مناطق المعمورة، ويعطي لكل منطقة ما تحتاجه لتنبت أرضها، وتعطينا نحن مقومات حياتنا، بدليل أن من النباتات ما لا ينمو إلا في الصيف، ومنها ما لا ينمو إلا في الشتاء، كذلك في الاعتدال الربيعي والاعتدال الخريفي. لذلك، عرفنا أخيراً أن الخالق سبحانه جعل لمحور الأرض ميلاً بمقدار 23.5 درجة عن مستوى مدارها فهي إذن غير مستوية، ففي فصل الشتاء يكون القسم الكبير منها مواجهاً لليل، والآخر مواجهاً للنهار، فتجد ليل الشتاء أطول من ليل الصيف وأبرد منه، ويبلغ ليل الشتاء أقصى ما يمكن من الطول وهو 12 ساعة فهي شهر كيهك، حتى أن الفلاحين يقولون في كيهك (كياك صباحك مساك قوم من نومك حضر عشاك). ومقابل ذلك في فصل الصيف، فكأن ميل محور الأرض سرٌّ من أسرار هندسة هذا الكون، ففي الحادي والعشرين من حزيران (يونيو) يبدأ الانقلاب الصيفي، وفي الثالث والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) يبدأ الانقلاب الشتوي، ثم الاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من آذار (مارس)، والاعتدال الخريفي في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر). وفي الاستواء الربيعي والاستواء الخريفي تجد أن الليل مساو للنهار، وجوّهما معتدل لا حر ولا برد. فقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ..} [لقمان: 29] يعني: لا تظن أن الليل والنهار قسمة متساوية؛ لأن الله تعالى بحكمته يُدخل جزءاً من الليل في النهار، أو جزءاً من النهار في الليل، فيزيد في أحدهما، وينقص من الآخر لحكمة أرادها سبحانه وتعالى لصالح الإنسان، وإمداداً له بمقوِّمات حياته، لتعلم أن ما يطرأ على الليل أو النهار من تغيير الأشياء لها مناط في الحكمة الإلهية العليا. وحين نُقسِّم اليوم إلى ليل ونهار - وهي قسمة كما قلنا ليست رتيبة ولا متساوية - فإن لليل مهمة في الحياة وللنهار مهمة، كما بيِّن لنا سبحانه: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً *وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 10-11]. معنى اللباس أن تسكن فيه وتكِنّ وتستر نفسك؛ لذلك عرفنا فيما بعد أن الضوء أثناء النوم أمر غيرَ صحي، وفهمنا قول رسول الله: "أطفئوا المصابيح إذا رقدتم". والحق سبحانه يوضح لنا هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-2] ويقول: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2] ليبين لك أن لكل منهما مهمة في حركة حياتك، فالنهار للحركة، والليل للسكون، وعليك ألا تخلط بين هاتين المهمتين دون داع، وقد استثنينا من هذه القاعدة مَنْ تحتم عليهم طبيعة عملهم أنْ يعملوا بالليل ويرتاحوا بالنهار. والخالق عز وجل جعل في حركة الليل والنهار أسراراً وعجائب ينبغي أن نتنبه إليها بمعطيات العلم، ومن حكمة الخالق سبحانه أنْ جعل لكل سر في الكون ميلاداً يولد فيه، ونثر أسرار كونه على خَلْقه ولم يُظهرها لجيل واحد، وإلا لو كشف القرآن كل أسراره للأمة الأمية التي عاصرتْ نزوله لانصرفتْ عن الدعوة الجديدة بتكذيب هذه القضايا التي لم تصدقها العقول حتى في العصر الحديث ورغم تقدم العلوم، فمثلاً لما قال العلماء بكروية الأرض ودورانها حول الشمس لم نصدق هذه الحقائق حتى جاءتنا الصور الفضائية التي تؤكد ذلك. وقلنا: إن ميلاد سِرٍّ من أسرار الكون قد يصادف بحثاً من البشر، فيأتي السر ويظهر على أنه نتيجة لهذا البحث، وإلا أظهره الله للناس بالمصادفة رحمة بهم وتفضُّلاً عليهم؛ لذلك نجد أن معظم الاكتشافات جاءت صدفة، لم يَسْعَ إليها البشر، ولم يذهبوا إليها بمقدمات. والقرآن الكريم حين يتحدث عن الليل والنهار يقول كلاماً عاماً يفهمه كل معاصر لمرحلة من مراحل التقدم العلمي: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ..} تفسير : [الإسراء: 12]. ويقول: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] ومعنى خلفة يعني: يخالف أحدهما الآخر ويأتي بعده، وهذا صحيح الآن، فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن كيف نتصور هذه المسألة في بَدْء الخَلْق؟ لو أن البداية كانت بخَلْق الأرض مواجهة للشمس، فالنهار إذن أولاً ليس خِلْفة لشيء قبله، ثم تغيب الشمس فينشأ الليل ليكون خِلْفة للنهار، وفي المقابل إن وجدت الأرض غير مقابلة للشمس، فالليل هو الأول ليس خِلْفة لشيء قبله. إذن: لا يحل لنا هذه المسألة إلا قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ..} تفسير : [الفرقان: 62] أي: من بداية الخَلْق وهما خِلْفة، وهذا لا يتأتى ولا يسوغ إلا إذا كانت الأرض مكوَّرة، بحيث يكون الجزء المقابل للشمس منها مكوِّناً للنهار، والجزء الآخر لليل في وقت واحد، فلما تحركت الأرض في دورانها صار كل منها خِلْفة للآخر، إذن: معطيات القرآن يهضمها العقل، ولا يعارضها أبداً. تذكرون في الثلاثينيات وبالتحديد عام 1928 فسروا السماوات السبع بأنها الكواكب السبعة السيارة التي تدور حول الشمس، ذلك ليقربوا العلم للناس، ويشاء الله - سبحانه وتعالى - أن يكتشفوا بعدها (نبتون) ثم (بلوتو) فصاروا تسعة كواكب، وأظهر الله لهم فساد هذا التأويل. وفي الكون عجائب كثيرة نعرفها حتى عن طريق الكفار، وكأن الله سخَّر حتى الكافر ليُثبت إيمان المؤمن، فإذا كنا قد عرفنا اليوم عندنا على الأرض، وأنه ليل ونهار يُكوِّنان أربعاً وعشرين ساعة، فماذا يعني اليوم بالنسبة للكواكب الأخرى؟ لما عرفوا أفلاك الكواكب الأخرى التي تدور حول الشمس وجدوا أقربها للشمس عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، ثم نبتون، ثم بلوتو، وهو أبعد الكواكب عن الشمس. ومن عجائب اليوم في هذه الكواكب أن يوم الزهرة مثلاً 244 يوماً بيومنا نحن، أما العام فيساوي 225 يوماً بيومنا، فكأن يوم الزهرة أطول من عامها، كيف؟ قالوا: لأن المدار مختلف عن مدار الأرض، فاليوم نتيجة دورة الكوكب حول نفسه، والعام نتيجة دورة الكوكب حول الشمس. وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ..} [لقمان: 29] ولك أن تلحظ دقة الأداء القرآني في الانتقال من الفعل المضارع {يُولِجُ ..} [لقمان: 29] إلى الماضي {سَخَّرَ ..} [لقمان: 29] ففي الكلام عن حركة الليل والنهار قال {يُولِجُ ..} [لقمان: 29] ولما تكلم عن الشمس والقمر قال: {سَخَّرَ ..} [لقمان: 29] لماذا؟ قالوا: لأن التسخير تم مرة واحدة، ثم استقر على ذلك، أما إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل فأمر مستمر يتكرر كل يوم، فناسبه المضارع الدالّ على التكرار. وقوله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [لقمان: 29] أي: إلى غاية محدودة؛ لذلك نسمي العمر النهائي: الأجل. والمراد بالأجل المسمى يوم القيامة، فكأن الخالق سبحانه ضمن لنا استمرار الشمس والقمر إلى قيام الساعة، فاطمئنوا. ثم أيُّ عظمة هذه في كوكب مضيء ينير العالم كله منذ خلقه الله وإلى قيام الساعة، دون صيانة ودون قطعة غيار؛ ذلك لأنه مبني على التسخير القهري الذي يمنع الاختيار، فليس للشمس أنْ تمتنع عن الشروق وكذلك القمر، ومن العظمة في الألوهية هذه الرحمانية الرحيمة التي تحتضن الجميع المؤمن بها والكافر. وفي هذه الآية ورد التعبير بلفظ {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [لقمان: 29] وفي مواضع أخرى ورد بلفظ {أية : لأَجَلٍ مُّسَمًّـى ..} تفسير : [الرعد: 2] باللام بدلاً من إلى، وكذلك في سورتي فاطر (13) والزمر (5)، ولكل من الحرفين معنى {إِلَىٰ أَجَلٍ ..} [لقمان: 29] تعطينا الصورة لمشية الشمس والقمر قبل وصولهما الأجل، إنما {أية : لأَجَلٍ مُّسَمًّى ..} تفسير : [فاطر: 13] أي: الوصول المباشر للأجل. وكما أن لليل مهمة وللنهار مهمة، كذلك للشمس مهمة، وللقمر مهمة بيَّنها الله في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ..} تفسير : [يونس: 5]. وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61] فالضياء للشمس فيه نور وحرارة، على خلاف نور القمر الذي يناسب حالماً لا حرارة فيه. ومن عجائب أمر القمر أننا كُنَّا نحسبه قطعة من اللؤلؤ مضيئة في السماء، حتى إن الشعراء درجوا على تشبيه المحبوبة بالقمر، ولو عرفوا حقيقة القمر التي عرفناها نحن اليوم ما صحَّ منهم هذا التشبيه، فقد أطلعنا العلم أن القمر ما هو إلا حجارة وجسم معتم لا يضيء بذاته، إنما يعكس فقط ضوء الشمس؛ لذلك لما شبَّه أحد الشعراء محبوبته بالقمر أنكرتْ عليه هذا الشبه: شعر : شبَّهْتُها بالبدْرِ فَاسْتضْحكتْ وقابَلَتْ قَوْلِي بالنُّكْر تفسير : أي: تكلفت الضحك. شعر : وَسفَّهَتْ قوْلي وقَالَتْ متَى سَمُجْتُ حتى صِرْتُ كالبدْرِ تفسير : ولك أن تسأل فمن أين عرفت سماجة البدر، وأنه حجارة لا جمالَ فيها؟ تجيب هي حين تقول: شعر : البَدْرُ لاَ يرنُو بعيْن كَما أَرْنُو ولاَ يَبْسِمُ عن ثَغْر ولاَ يُميط المرْطَ عن نَاهدٍ ولا يشدُّ العقد في نَحْر مَنْ قَاسَ بالبَدْر صَفائي فَلا زَالَ أَسِيراً في يَدِي هَجْري تفسير : إذن: فحقيقة القمر التي عرفناها أخيراً آية من آيات الله الظاهرة والباطنة في الكون أطلعنا الله عليها بسلطان العلم، فلما تيسَّر للبشر الصعود إلى سطحه عرفنا أنه جسم مُعْتم، وصخور لا تنير بذاتها، إنما تعكس أشعة الشمس، فتصل إلينا هادئة حالمة، وكأن القمر كما يقولون: (يصنع من الفسيخ شربات). ومن حكمة الخالق سبحانه في خَلْق الشمس والقمر أن تكون الشمس ميزاناً لمعرفة اليوم، والقمر لمعرفة الشهر، وهو الأصل في التكليفات، لأن له شكلاً مميزاً في أول الشهر على خلاف الشمس؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..} تفسير : [يونس: 5]. وتتجلى عظمة التكليف الإلهي وارتباطه بالقمر في فريضة الحج مثلاً، بحيث يتنقل موعد الحج على مدار العام كله، فمرة يأتي في الصيف، وأخرى في الشتاء .. إلخ مما يُيسِّر للحجاج ما يناسب كلاً منهم من الجو الملائم، ويقطع الأعذار في التخلف عن أداء هذه الفريضة. إذن: بالتوقيت القمري يأتي الحج في كل أوقات السنة؛ لذلك قال البعض: إن ليلة القدر دائرة في العام كله إذا ما قارنا التوقيت الشمسي بالتوقيت القمري، فإنِ اتفقنا على أن ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان، فإنها ستوافق أول يناير مثلاً، وفي العام التالي توافق الثاني، ثم الثالث وهكذا .. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده.. ثم يقول سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29] وما دام أنه سبحانه خبير بما تعملون، فهو الذي يهييء لكم صلاح العمل بخبرته وحكمته وقدرته وقيوميته؛ لذلك شرع لكم الأعمال التي تنظم حركة حياتكم وحركة عبادتكم؛ لذلك نجد رمضان مثلاً يدخل بالليل فنقول هذه الليلة من رمضان، أما يوم عرفة فيدخل بيومه لأنه يوم مجموع له الناس. وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29] معطوفة على {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ..} [لقمان: 29] فالتقدير: وألم تر أن الله بما تعملون خبير. ثم يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ...}.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا يطلع سبحانه لجميع الكوائن والفواسد {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المتأمل المتدبر {أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ} ويدخل {ٱلْلَّيْلَ} أي: أجزاء منه {فِي ٱلنَّهَارِ} ويطيله بها في الربيع تتميماً لتربيتكم وأرزاقكم وأقواتكم {وَيُولِجُ} أيضاً في الخريف {ٱلنَّهَارَ} أي: أجزاءه {فِي ٱلْلَّيْلِ} ويطيله بها تقويةً وتعميراً للأرض؛ لتربية ما حدث منها {وَ} بالجملة: {سَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} لمصلحة معاشكم وتربية نفوسكم إلى حيث {كُلٌّ يَجْرِيۤ} ويدور بأمره، ويتم دورته بحكمه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} عيَّنه الله سبحانه، وسمَّاه من عنده على مقتضى حكمته تربيةً لعباده، وتقويماً لأمزجتكم؛ ليشتغلوا على ما جُبلوا لأجله {وَ} اعلما أيها المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان {أَنَّ ٱللَّهَ} الرقيب عليكم في جميع حالاتكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: بجميع ما صدر عنكم من الإعمال والأفعال {خَبِيرٌ} [لقمان: 29] لا يعزب عن خبرته ذرة من ذرائر ما لمع عليه نور الوجود. وإنما ظهر منه سبحانه كل {ذَلِكَ} الذي سمعتم أيها المجبولون على فطرة الدراية والعرفان، والمترصد لانكشاف سرائر التوحيد والإيقان من بدائع القدرة والألوهية، وعدائب العلم والإرادة، وغرائب الشئون والأطوار اللامعة من لوائح لوامع شرقوق شمس الذات؛ ليدل {بِأَنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على عروش الأنفس والآفاق بالأصالة والاستحقاق الوجود {هُوَ ٱلْحَقُّ} الثابت المثبت أزلاً وأبداً، القيوم المطلق، الدائم الباقي وبلا انقضاء ولا انصرام. {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} ويدعون الوجود له من العكوس والأظلال الهالكة في شروق شمس الذات {ٱلْبَاطِلُ} المقصور، المنحصر على العدم والبطلان، المستهلك في مضيق الإمكان بأنواع الخذلان والحرمان {وَ} بالجملة: اعلموا أيها المتأملون في آثار الوجود الإلهي المتحقق بوحدة ذاته، وكثرة شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته {أَنَّ ٱللَّهَ} المستقل بالألوهية والربوبية، المستحق لأنواع التذلل والعبودية {هُوَ ٱلْعَلِيُّ} بذاته لا بالإضافة إلى غيره؛ إذ لا غير معه {ٱلْكَبِيرُ} [لقمان: 30] في شئونه وتطوراته حسب تجلياته الجمالية والجلالية، واللطفية والقهرية. وكيف لا يستقل سبحانه بتصرفات ملكه وملكوته؟! {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المستبصر {أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} حاملةً {بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ} المنعم المفضل عليكم بمقتضى لطفه وسعة جوده {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} الدالة على توحيده؛ لتتفطنوا منها إلى وحدة ذاته {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإجراء والإمداد بالرياح المعينة لجريها، والحفظ من الغرق والهلاك {لآيَاتٍ} دلائل قاطعة، وشواهد ساطعات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} صبر على متاعب ما جرى عليه من القضاء {شَكُورٍ} [لقمان: 31] لما وصل إليهم من الآلاء والنعماء. {وَ} من كمال صبرهم وشكرهم {إِذَا غَشِيَهُمْ} وغطاهم {مَّوْجٌ} عظيم، واستعلى مغلقاً عليهم {كَٱلظُّلَلِ} المغيظة إياهم من الجبال والسحب {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، المنجي لهم عن أمثاله {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} منحصرين التوجه والانقياد إليه بلا ميل منهم إلى الأسباب والوسائل العادية، متضرعين نحوه، داعين إليه بلا رؤية الوسائل في البين على ما هو مقتضى التوحيد {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ} سبحانه بفضله من أهوال البحر ومضيقه، وأوصلهم {إِلَى ٱلْبَرِّ} وسعة فضائه سالمين غانمين {فَمِنْهُمْ} حينئذٍ {مُّقْتَصِدٌ} أي: معتدل في قصده نحو الحق، غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، ومنهم مائل عن الاعتدال، منحرف عنه، ساعٍ إلى تحصيله {وَ} بالجملة: {مَا يَجْحَدُ} منهم، وينكر {بِآيَاتِنَآ} الدالة على وحدة ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا {إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} غدار ناقض للعهد الفطري، والميثاق الجبلي {كَفُورٍ} [لقمان: 32] للآلاء والنعماء المترادفة المتوالية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا فيه أيضا، انفراده بالتصرف والتدبير، وسعة تصرفه بإيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، أي: إدخال أحدهما على الآخر، فإذا دخل أحدهما، ذهب الآخر. وتسخيره للشمس والقمر، يجريان بتدبير ونظام، لم يختل منذ خلقهما، ليقيم بذلك من مصالح العباد ومنافعهم، في دينهم ودنياهم، ما به يعتبرون وينتفعون. و { كُلّ } منهما { يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إذا جاء ذلك الأجل، انقطع جريانهما، وتعطل سلطانهما، وذلك في يوم القيامة، حين تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنتهي دار الدنيا، وتبتدئ الدار الآخرة. { وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير وشر { خَبِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على تلك الأعمال، بالثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين. و { ذَلِكَ } الذي بين لكم من عظمته وصفاته، ما بيَّن { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } في ذاته وفي صفاته، ودينه حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، وعبادته هي الحق. { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ } في ذاته وصفاته، فلولا إيجاد اللّه له لما وجد، ولولا إمداده لَمَا بَقِيَ، فإذا كان باطلا كانت عبادته أبطل وأبطل. { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ } بذاته، فوق جميع مخلوقاته، الذي علت صفاته، أن يقاس بها صفات أحد من الخلق، وعلا على الخلق فقهرهم { الْكَبِيرُ } الذي له الكبرياء في ذاته وصفاته، وله الكبرياء في قلوب أهل السماء والأرض.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):