Verse. 3499 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

ذٰلِكَ بِاَنَّ اللہَ ہُوَالْحَقُّ وَاَنَّ مَا يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِہِ الْبَاطِلُ۝۰ۙ وَاَنَّ اللہَ ہُوَالْعَلِيُّ الْكَبِيْرُ۝۳۰ۧ
Thalika bianna Allaha huwa alhaqqu waanna ma yadAAoona min doonihi albatilu waanna Allaha huwa alAAaliyyu alkabeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» المذكور «بأن الله هو الحق» الثابت «وأن ما يدعون» بالياء والتاء يعبدون «من دونه الباطل» الزائل «وأن الله هو العليُّ» على خلقه بالقهر «الكبيرُ» العظيم.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : ولما ذكر تعالى أوصاف الكمال بقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } تفسير : [لقمان: 26] وقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [لقمان:27] وقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تفسير : [لقمان:28] وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله: { أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27] وبقوله: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } [لقمان:29] وعلى الجملة فقوله: {هُوَ ٱلْغَنِىُّ } إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنياً لا يكون عرضاً محتاجاً إلى الجوهر في القوام، ولا جسماً محتاجاً إلى الحيز في الدوام، ولا شيئاً من الممكنات المحتاجة إلى الموجد، وذكر بعده جميع الأوصاف الثبوتية صريحاً وتضمناً، فإن الحياة في ضمن العلم والقدرة قال ذلك بأن الله هو الحق أي ذلك الاتصاف بأنه هو الحق والحق هو الثبوت والثابت الله وهو الثابت المطلق الذي لا زوال له وهو الثبوت، فإن المذهب الصحيح أن وجوده غير حقيقته فكل ما عداه فله زوال نظراً إليه والله له الثبوت والوجود نظراً إليه فهو الحق وما عداه الباطل لأن الباطل هو الزائل يقال بطل ظله إذا زال وإذا كان له الثبوت من كل وجه يكون تاماً لا نقص فيه. ثم اعلم أن الحكماء قالوا الله تام وفوق التمام وجعلوا الأشياء على أربعة أقسام ناقص ومكتف وتام وفوق التمام (فالناقص) ما ليس له ما ينبغي أن يكون له كالصبـي والمريض والأعمى (والمكتفي) وهو الذي أعطى ما يدفع به حاجته في وقته كالإنسان والحيوان الذي له من الآلات ما يدفع به حاجته في وقتها لكنها في التحلل والزوال (والتام) ما حصل له كل ما جاز له، وإن لم يحتج إليه كالملائكة المقربين لهم درجات لا تزداد ولا ينقص الله منها لهم شيئاً كما قال جبريل عليه السلام « حديث : لو دنوت أنملة لاحترقت » تفسير : لقوله تعالى: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] (وفوق التمام) هو الذي حصل له ما جاز له وحصل لما عداه ما جاز له أو احتاج إليه لكن الله تعالى حاصل له كل ما يجوز له من صفات الكمال ونعوت الجلال، فهو تام وحصل لغيره كل ما جاز له أو احتاج إليه فهو فوق التمام إذا ثبت هذا فنقول قوله: {هُوَ ٱلْحَقُّ } إشارة إلى التمام وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } أي فوق التمام وقوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } أي في صفاته وقوله: {ٱلْكَبِيرُ } أي في ذاته وذلك ينافي أن يكون جسماً في مكان لأنه يكون حينئذ جسداً مقدراً بمقدار فيمكن فرض ما هو أكبر منه فيكون صغيراً بالنسبة إلى المفروض لكنه كبير من مطلقاً أكبر من كل ما يتصور.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } الثابت {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } بالياء والتاء يعبدون {مِن دُونِهِ ٱلْبَٰطِلُ } الزائل {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ } على خلقه بالقهر {ٱلْكَبِيرُ } العظيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُوَ الْحَقُّ} لا إله غيره، أو الحق اسم من أسمائه، أو القاضي بالحق. {مَا يَدْعُونَ} الشيطان، أو الأصنام. {الْعَلِىُّ} في أحكامه {الْكَبِيرُ} في سلطانه.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما تُلي من الآياتِ الكريمةِ، وما فيهِ من مَعْنى البعدِ للإيذانِ ببُعد منزلتِها في الفضلِ وهُو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي بسببِ بـيانِ أنَّه تعالى هو الحقُّ إلهيَّته فقط ولأجلِه لكونِها ناطقةً بحقيةِ التَّوحيدِ {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ} أي ولأجلِ بـيانِ بطلانِ آلهيّةِ ما يدعونَه من دونِه تعالى لكونِه شاهدةً بذلك شهادةً بـينةً لا ريبَ فيها. وقُرىء بالتَّاءِ والتَّصريحُ بذلك مع أنَّ الدِّلالةَ على اختصاصِ حقَّيةِ الإلهيةِ به تعالى مستتبعةٌ للدِّلالةِ على بُطلانِ إلهيّةٍ ما عداهُ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ التَّوحيدِ وللإيذانِ بأنَّ الدِّلالةَ على بُطلانِ ما ذُكر ليستْ بطريقِ الاستتباعِ فقط بلْ بطريقِ الاستقلالِ أيضاً. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} أي وبـيانُ أنَّه تعالى هو المترفعُ عن كلِّ شيءٍ المتسلطُ عليه فإنَّ ما في تضاعيفِ الآياتِ الكريمةِ مبـيِّنٌ لاختصاصِ العلوِّ والكبرياءِ به تعالى أيّ بـيانٍ. هذا وقيل: ذلك أيْ ما ذُكر من سَعةِ العلمِ وشمولِ القُدرةِ وعجائبِ الصُّنعِ تعالى واختصاصِ البارِي تعالى بِه بسببِ أنَّه الثَّابتُ في ذاتِه الواجبُ من جميَعِ جهاتِه أَو الثابتُ إلهيّتُه، وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ حقَّيته تعالى وعلوَّه وكبرياءَهُ وإنْ كانتْ صالحةً لمناطيةِ ما ذُكر من الأحكامِ المعدودةِ لكنّ بطلانَ إلهية الأصنامِ لا دخلَ له في المناطيَّةِ قطعاً فلا مساغَ لنظمِه في سلكِ الأسبابِ بل هو تعكيسٌ للأمرِ ضرورةَ أنَّ الأحكامَ المذكورةَ هي المقتضيةُ لبطلانِها لا أنَّ بطلانَها يقتضيها.

القشيري

تفسير : {ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}: الكائنُ الموجودُ، مُحِقُّ الحقِّ، و{مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ}: من العَدَمِ ظَهَرَ ومعه جوازُ العَدَم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} المذكور من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص البارى بها {بان الله} اى بسبب ان الله تعالى {هو الحق} الهيته فقط {وان ما يدعون} يعبدون {من دونه} تعالى من الاصنام {الباطل} الهيته لا يقدر على شئ من ذلك فليس فى عبادته نفع اصلا والتصريح بذلك مع ان الدلالة على اختصاص حقية الهيته به تعالى مستتبعة للدلالة على بطلان الهية ما عداه لا براز كمال الاعتناء بامر التوحيد {وان الله هو العلى} المرتفع عن كل شئ {الكبير} المتسلط عليه يحتقر كل فى جنب كبريائه. قال فى شرح ضرب البحر من علم انه العلى الذى ارتفع فوق كل شئ علوه مكانة وجلالا يرفع همته اليه ولا يختار سواه ويحب معالى الامور ويكره سفسافها. وعن على رضى الله عنه علو الهمة من الايمان: قال الحافظ شعر : همايى جون توعالى قدر وحرص استخوان حيفست دريغا سايه همت كه برنا اهل افكندى تفسير : ومن عرف كبرياءه ونسى كبرياء نفسه تعلق بعروة التواضع والانصاف ولزم حفظ الحرمة. وفى الاربعين الادريسية يا كبير انت الذى لا تهتدى العقول لوصف عظمته. قال السهروردى اذا اكثر منه المديان ادى دينه واتسع رزقه وان ذكره معزول عن رتبة سبعة ايام كل يوم الفا وهو صائم فانه يرجع الى مرتبته ولو كان ملكا ثم فى قوله {وان ما يدعون من دونه الباطل} اشارة الى ان كل ما يطلب من دونه تعالى هو الباطل فلا بد من تركه بالاختيار قبل الفوت بالاضطرار ومن المبادرة الى طلب العلى الكبير قبل فوات الفرصة شعر : مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزاست والوقت سيف نكه دار فرصت كه عالم دميست دمى بيش دانا به از عالميست تفسير : نسأل الله التدارك

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكَ} العلم بكلّ شيءٍ وايلاج اللّيل فى النّهار والنّهار فى اللّيل وتسخير الكواكب {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} بحقيقة الحقّيّة فانّ الحقّ بحقيقة الحقّيّة كما يقتضى الوجوب الذّاتىّ يقتضى الاحاطة بجميع الاشياء والعلم بالكلّ على السّواء وعدم ممانعة شأنٍ من شأنٍ وعلم من علم {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} من الشّركاء من الاصنام والكواكب وغيرها او من شركاء علىّ (ع) فى الولاية هو {ٱلْبَاطِلُ} فانّه لو كان شوب حقّيّةٍ فيها لزاحمته تعالى فى شؤنه وفى علومه، او ذلك المذكور من الجدال بغير علمٍ الى قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الحشر: 18] بانّ الله هو الحقّ وانّ ما يدعون من دونه الباطل {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} كعلوّ النّفس بالنّسبة الى قواها واعضائها وككبرها كذلك فلذلك يكون خبرته بالكلّ على السّواء وتصرّفه فى الكلّ سواء.

اطفيش

تفسير : {ذلكَ} المذكور فى هؤلاء الآيات {بأن الله هُو الحق} الواجب الوجود، ثابت بسبب ان الله هو الحق تعالى شأنه، لان كونه تعالى وحده واجب الوجود، يوجب انه الموجد لغيره، وانه كامل العلم، {وأن ما تَدعُون من دونه} تسمونه إلها او تعبدونه {الباطل} غير المعتبر، لانه ممكن لا يوجد الا بموجد، اى وبسبب بطلان ما يدعونه، لان امكانه قد شاركه فيه غيره مما لم يدعوه، فانحصر وجوب الوجود لله تعالى، فلزم ان لا خالق سواه، وانه وحده لا اله {وأن الله هُو العَليُّ} ما سواه {الكَبِيرُ} المتنزه عن الشركة وصفات الخلق.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تضمنته الآيات وأشارت إليه من سعة العلم وكمال القدرة واختصاص الباري تعالى شأنه بها {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } أي بسبب أنه سبحانه وحده الثابت المتحقق في ذاته أي الواجب الوجود. {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } إلهاً {ٱلْبَـٰطِلُ} المعدوم في حد ذاته وهو الممكن الذي لا يوجد إلا بغيره وهو الواجب تعالى شأنه {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ } على الأشياء {ٱلْكَبِيرُ } عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف جل وعلا بنقص لا بشيء أعلى منه تعالى شأنه شأناً وأكبر سلطاناً، ووجه سببية الأول لما ذكر أن كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته يستلزم أن يكون هو سبحانه وحده الموجد لسائر المصنوعات البديعة الشأن فيدل على كمال قدرته عز وجل وحده والإيجاب قد أبطل في الأصول ومن صدرت عنه جميع هاتيك المصنوعات لا بد من أن يكون كامل العلم على ما بين في الكلام، ووجه سببية الثالث لذلك أن كونه تعالى وحده علياً على جميع الأشياء متسلطاً عليها متنزهاً عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف بنقص عز وجل يستلزم / كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته وقد سمعت الكلام فيه، وأما وجه سببية كون ما يدعونه من دونه إلهاً باطلاً ممكناً في ذاته لذلك فهو أن إمكانه على علو شأنه عندهم على ما عداه مما لم يعتقدوا إلهيته يستلزم إمكان غيره مما سوى الله عز وجل لأن ما فيه مما يدل على إمكانه موجود في ذلك حذو القذة بالقذة ومتى كان ما يدعونه إلهاً من دونه تعالى وغيره مما سوى الله سبحانه وتعالى ممكناً انحصر وجوب الوجود في الله تعالى فيكون جل وعلا وحده واجب الوجود في ذاته وقد علمت إفادته للمطلوب وكأنه إنما قيل إن ما يدعون من دونه الباطل دون إن ما سواه الباطل مثلا نظير قول لبيد:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : تنصيصاً على فظاعة ما هم عليه واستلزام ذلك إمكان ما سوى الله تعالى من الموجودات من باب أولى بناء على ما يزعم المشركون في آلهتهم من علو الشأن ولم يكتف في بيان السبب بقوله سبحانه: {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } بل عطف عليه ما عطف مع أنه مما يعود إليه وتشعر تلك الجملة به إظهاراً لكمال العناية بالمطلوب وبما يفيده منطوق المعطوف من بطلان الشريك وكونه تعالى هو العلي الكبير. وقيل: أي ذلك الاتصاف بما تضمنته الآيات من عجائب القدرة والحكمة بسبب أن الله تعالى هو الإله الثابت إلهيته وأن من دونه سبحانه باطل الإلهية وإن الله تعالى هو العلي الشأن الكبير السلطان ومدار أمر السببية على كونه سبحانه هو الثابت الإلهية وبين ذلك الطيبـي بأنه قد تقرر أن من كان إلهاً كان قادراً خالقاً عالماً إلى غير ذلك من صفات الكمال ثم قال إن قوله تعالى ذلك {بأن الله هو الحق} كالفذلكة لما تقدم من قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ }تفسير : [لقمان: 20] إلى هذا المقام وقوله تعالى: { وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } كالفذلكة لتلك الفواصل المذكورة هنالك كلها. ولعل ما قدمنا أولى بالاعتبار. وقال العلامة أبو السعود في الاعتراض على ذلك: أنت خبير بأن حقيته تعالى وعلوه وكبرياءه وإن كانت صالحة لمناطية ما ذكر من الصفات لكن بطلان إلهية الأصنام لا دخل له في المناطية قطعاً فلا مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل هو تعكيس للأمر ضرورة أن الصفات المذكورة هي المقتضية لبطلانها لا أن بطلانها يقتضيها انتهى، وفيه تأمل والعجب منه أنه ذكر مثل ما اعترض عليه في نظير هذه الآية في سورة الحج ولم يتعقبه بشيء. وجوز أن يكون المعنى: ذلك أي ما تلى من الآيات الكريمة بسبب بيان أن الله هو الحق إلهيته فقط ولأجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد ولأجل بيان بطلان إلهية ما يدعون من دونه لكونها شاهدة شهادة بينة لا ريب فيها ولأجل بيان أنه تعالى هو المرتفع على كل شيء المتسلط عليه فإن ما في تضاعيف تلك الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به أي بيان وهو وجه لا تكلف فيه سوى اعتبار حذف مضاف كما لا يخفى وكأنه إنما قيل هنا: وأن ما يدعون من دونه الباطل بدون ضمير الفصل، وفي سورة الحج [62] {أية : وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ}تفسير : بتوسيط ضمير الفصل لما أن الحط على المشركين وآلهتهم في هذه السورة دون الحط عليهم في تلك السورة. وقال النيسابوري في ذلك: إن آية الحج وقعت بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين فناسب ذلك توسيط الضمير بخلاف ما هنا ويمكن أن يقال تقدم في تلك السورة ذكر الشيطان مرات فلهذا ذكرت تلك المؤكدات بخلاف هذه السورة فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان فيها نحو ذكره هناك، وقرأ نافع وابن كثير / وابن عامر وأبو بكر {تَدْعُونَ } بتاء الخطاب.

ابن عاشور

تفسير : كاف الخطاب المتصلُ باسم الإشارة موجه إلى غير معين، والمقصود به المشركون بقرينة قوله {وأن ما تدعون من دونه الباطل} بتاء الخطاب في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم. والمشار إليه هو المذكور آنفاً وهو الإيلاج والتسخير. وموقع هذه الجملة موقع النتيجة من الدليل فلها حكم بدل الاشتمال ولذلك فصلت ولم تعطف فإنهم معترفون بأن الله هو فاعل ذلك فلزمهم الدليل ونتيجته. والمعنى: أن إيلاج الليل في النهار وعكسه وتسخير الشمس والقمر مُسبب عن انفراد الله تعالى بالإلهية، فالباء للسببية، وهو ظرف مستقر خبر عن اسم الإشارة. وضمير الفصل مفيد للاختصاص، أي: هو الحق لا أصنامكم ولا غيرها مما يُدّعى إلهية غيره تعالى. و{الحق}: هنا بمعنى الثابت، ويفهم أن المراد حقية ثبوت إلهيته بقرينة السياق ولمقابلته بقوله {وأن ما تدعون من دونه الباطل}، والمعنى: لما كان ذلك الصنع البديع مسبباً عن انفراد الله بالإلهية كان ذلك أيضاً دليلاً على انفراد الله بالإلهية للتلازم بين السبب والمسبب. والتعريف في {الحق} و{الباطل} تعريف الجنس. وإنما لم يؤت بضمير الفصل في الشق الثاني لأن ما يدعونه من دون الله من أصنامهم يشترك معها في أنه باطل. وذكر ضمير الفصل في نظيره من سورة الحج (73) لاقتضاء المقام ذلك كما تقدم. والظاهر أنا إذا جعلنا الباء في {بأن الله هو الحق} باء السببية أن يكون قوله {وأن ما تدعون من دونه الباطل} عطفاً على الخبر وهو مجموع {بأن الله}. فالتقدير: ذلك أن ما تدعون من دونه الباطل. ويقدر حرف جر مناسب للمعنى حُذف قبل {أنّ} وهو حرف (على) أي: ذلك دال. وهذا كما قدر حرف (عن) في قوله تعالى: {أية : وترغبون أن تنكِحوهن} تفسير : [النساء: 127] ولا يكون عطفاً على مدخول باء السببية إذ ليس لبطلان آلهتهم أثر في إيلاج الليل في النهار وتسخير الشمس والقمر، أو تقدر لام العلة، أي ذلك، لأن ما تدعونه باطل؛ فلذلك لم يكن لها حظ في إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر باعتراف المشركين. وقوله {وأن الله هو العلي الكبير} واقع موقع الفذلكة لما تقدم من دلالة إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر لأنه إذا استقر أنَّ ما ذُكر دال على أن الله هو الحق بالإلهية، ودال على أن ما يدعونه باطل، ثبت أنه العلي الكبير دون أصنامهم. وقد اجتلب ضمير الفصل هنا للدلالة على الاختصاص وسلب العلو والعظمة عن أصنامهم. والأحسن أن نجعل الباء للملابسة أو المصاحبة وهي ظرف مستقر خبر عن اسم الإشارة، فإن شأن الباء التي للملابسة أن تكون ظرفاً مستقراً بل قال الرضِيُّ: إنها لا تكون إلاّ كذلك، أي أنها لا تتعلق إلا بنحو الخبر أو الحال كما قال: شعر : وما لي بحمد الله لحم ولا دم تفسير : أي: حالة كوني ملابساً حمد الله، أي: غير ساخط من قضائه، ويقال: أنت بخير النظرين، أي: مستقر. فالتقدير: ذلك المذكور من الإيلاج والتسخير ملابس لحقيَّة إلهية الله تعالى، ويكون المعطوفان معطوفين على المجرور بالباء، أي ملابس لكون الله إلهاً حقاً، ولكون ما تدعون من دونه باطل الإلهية ولكون الله هو العلي الكبير. والملابسة المفادة بالباء هي ملابسة الدليل للمدلول وبذلك يستقيم النظم بدون تكلف، ويزداد وقوع جملة {ذلك بأن الله هو الحق} إلى آخرها في موقع النتيجة وضوحاً. وضمير الفصل في قوله {وأن الله هو العلي الكبير} للاختصاص كما تقدم في قوله: {أية : إن الله هو الغني الحميد} تفسير : [لقمان: 26]. و{العلي}: صفة مشتقة من العلوّ المعنويّ المجازي وهو القدسية والشرف. والكبير: وصف مشتق من الكِبَر المجازي وهو عظمة الشأن. وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحج (63) مع زيادة ضمير الفصل في قوله {وأن ما تدعون من دونه هو الباطل}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَاطِلُ} (30) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالى الكَائِنَاتِ، وَقَدَّرَهَا، وسَخَّرَها، وَجَعَلَ لَهَا أَجْلاً مُعَيَّناً.. لأَنَّهُ الإِلهُ الحَقُّ، وَلاَ حَقَّ سِوَاهُ، وَلاَ يَسْتَوجِبُ العِبَادَةَ غَيرُهُ، وَلَمْ يَخْلُقِ الخَلْقِ لِلعَبَثِ واللَّهْوِ والتَّسْلِيَةِ، وَإِنَّما خَلَقهُمْ لِحِكْمَةٍ يُقَدِّرُهَا هُوَ، وَهَوَ تَعَالى يُظْهِرُ لِلْخَلْقِ آياتِهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ الإِلهُ الحَقُّ، وَأَنَّ كُلَّ ما سِوَاهُ بَاطِلٌ. وَليَسْتَدِلُّوا عَلَى أنَّهُ تَعَالَى هُوَ الكَبيرُ المُتَعَالِي الذِي لاَ أَكبرَ مِنْهُ، وَلا أَعْلَى، وَأَنَّ الكُلَّ خَاضِعٌ إِليهِ وَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ ..} [لقمان: 30] إشارة إلى ما تقدم ذِكْره من دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، وتسخير الشمس والقمر، ذلك كله {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ..} [لقمان: 30] فكل ما تقدم نشأ عن صفة من صفات الله وهو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، فكأن ناموس الكون بكل أفلاكه وبكل المخلوقات فيه له نظام ثابت لا يتغير؛ لأن الذي خلقه وأبدعه حق {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ..} [لقمان: 30]. وما دام الله تعالى هو (الحق) فما يدَّعونه من الشركاء هم الباطل {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ..} [لقمان: 30]، فلا يوجد في الشيء الواحد حَقَّان، فإنْ كان أحدهما هو الحق فغيره هو الباطل، فالحق واحد ومقابله الباطل. وأيُّ باطل أفظع من عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة وشركاء مع الله عز وجل؟ كيف وهي حجارة صوَّروها بأيديهم وأقاموها ليعبدوها من دون الله، والحجارة جماد من جمادات الأرض، والجماد هو العبد الأول لكل المخلوقات، عبد للنبات، وعبد للحيوان، وعبد للإنسان؛ لأنه مُسخّر لخدمة هؤلاء جميعاً. فكيف بك وأنت الإنسان الذي كرَّمك ربك وجعل لك عقلاً مفكراً تتدنى بنفسك وترضى لها أنْ تعبد أدنى أجناس الوجود، وتتخذها شريكاً مع الله، وأنت ترى الريح إذا اشتدتْ أطاحتْ باللات أو بالعزى، وألقتْه على الأرض، وربما كُسرت ذراعه، فاحتاج لمن يصلح هذا الإله، إذن {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ..} [لقمان: 30]. لذلك؛ قلنا في الحروب التي تنشب بين الناس: إنها لا تنشب بين حقين؛ لأن الحقيقة لا يوجد فيها حقَّان، إنما هو حق واحد، والآخر لا بُدَّ أن يكون باطلاً، أو تنشأ بين باطلين، أما نشأتها بين حق وباطل فإنها في الغالب لا تطول؛ لأن الباطل زهوق. والعاقبة لا بُدَّ أنْ تكون للحق ولو بعد حين، أما الباطل فإنه زَهُوق، إنما تطول المعركة إنْ نشبت بين باطلين، فليس أحد الطرفين فيها أهلاً لنصرة الله، فتظل الحروب بينهما حتى يتهالكا، وتنتهي مكاسب طغيان كل منهما، ولا يردهما إلا مذلَّة اللجوء إلى التصالح بعد أنْ فقدا كل شيء. لذلك نرى هذه الظاهرة أيضاً في توزيع التركات والمواريث بين المستحقين لها، حيث ينشب بينهم الخلاف والطعن واللجوء إلى القضاء والمحامين حتى يستنفد هذا كله جزءاً كبيراً من هذه التركة، حتى إذا ما صَفَتْ مما كان بها من أموال جُمعتْ بالباطل ترى الأطراف يميلون إلى الاتفاق والتصالح وتقسيم ما بقي. واقرأ إنْ شئت حديث رسول الله صلى الله عليهم وسلم: "حديث : مَنْ أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر" تفسير : ومعنى: مهاوش يعني التهويش أو كما نقول (بيهبش) من هنا ومن هنا، وطبيعي أن يُذهِب الله هذا المال في الباطل وما لا فائدة منه. وسبق أن أعطينا مثلاً لمصارف المال الحرام بالأب يرجع إلى بيته، فيجد ابنه مريضاً حرارته مرتفعة، فيسرع به إلى الطبيب ويصيبه الرعب، ويتراءى له شبح المرض، فينفق على ابنه المئات، أما الذي يعيش على الكفاف ويعرق في كسب عيشه بالحلال فيكفيه في مثل هذه الحالة قرص أسبرين وكوب ليمون، فالأول أصاب ماله من مهاوش، والآخر أصابه من الحلال. فقول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ..} [لقمان: 30] يعني: أن الحق هو الظاهر وهو الغالب، فإنْ قلتَ كيف ونحن نرى الباطل قد يعلو على الحق ويظهر عليه؟ ونقول: نعم، قد يعلو الباطل لكن إلى حين، وهو في هذه الحالة يكون جندياً من جنود الحق، كيف؟ حينما يعلو الباطل وتكون له صَوْلَة لا بُدَّ أن يعض الناس ويؤذيهم ويذيقهم ويلاته، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه ويتشوقون إليه. إذن: لولا الباطل ما عرفنا ميزة الحق، ومثال ذلك الألم الذي يصيب النفس الإنسانية فينبهها إلى المرض، ويظهر لها علتها، فتطلب الدواء، فالألم جندي من جنود الشفاء، وقلنا سابقاً: إن الكفر جندي من جنود الإيمان. لذلك لا تحزن إنْ رأيتَ الباطل عالياً، فذلك في صالح الحق، واقرأ قول ربك عز وجل: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ..} تفسير : [الرعد: 17] يعني: يأخذ كل وادٍ على قدره وسِعَته من الماء {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ..} تفسير : [الرعد: 17] وهو القش والفتات الذي يحمله الماء {أية : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ ..} تفسير : [الرعد: 17] أي: مثلاً لكل منهما. {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ..} تفسير : [الرعد: 17] يعني: مطروداً مُبْعداً من الجفوة {أية : وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. وبعد أن بيَّن الحق سبحانه وتعالى أنه {ٱلْحَقُّ ..} [لقمان: 30] وأن غيره من آلهة المشركين هم الباطل ذكر لنفسه سبحانه صفتين أخريين {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} [لقمان: 30] العلي الكبير يقولها الله تعالى، ويقولها رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقولها نحن؛ لأن الله قالها؛ ولأن النبي الصادق أخبرنا بها، لكن المسألة أن يشهد بها مَنْ كفر بالله. لذلك يعلمنا ربنا - تبارك وتعالى - أن نحمد الله حينما يشهد الكافر لله رغم كفره به، كما ورد في الآيات السابقة: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [لقمان: 25]. فهذه الشهادة منهم تستحق من المؤمن أن يقول: الحمد لله؛ لأنها شهادة جاءت ممَّنْ كفر بالله وكذَّب رسوله وحاربه، وأيضاً تنظر إلى هذا الكافر الذي تأبَّى على منهج الله وكذَّب رسوله حين يصيبه مرض مثلاً، أيستطيع أنْ يتأبى على المرض كما تأبَّى على الله؟ هذا الذي أَلِف التمرد على الله: أيتمرد إنْ جاءه الموت. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 76] أي: لا يجدون أمامهم ساعة الكرب والهلاك إلا الله؛ لأن الإنسان في هذه الحالة لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، بالله أرأيتم إنساناً أحاطتْ به الأمواج، وأشرف على الهلاك يدعو يقول: يا هبل؟ إذن: الله هو العلي وهو الكبير، وغيره شرك وباطل. وسبق أن ضربنا مثلاً للإنسان، وأنه لا يغشُّ نفسه، ولا يخدعها خاصة إذا نزلتْ به ضائقة بالحلاق أو حكيم الصحة كما كانوا يطلقون عليه، فهو يداوي أهل القرية ويسخر من طبيب الوحدة الصحية، ويتهمه بعدم الخبره لكن حين مرض ولده وأحسَّ بالخطر أخذ الولد وتسلَّل به في ظلام الليل، وذهب إلى الطبيب. فلله وحده العلو، ولله وحده الكبرياء، بدليل أن الكافر حين تضطره أمور الحياة وتُلجئه إلى ضرورة لا مخرجَ منها لا يقول إلا: يالله يا رب. فالله هو العليُّ بشهادة مَنْ كفر به، ثم أردف صفة (العلي) بصفة (الكبير)؛ لأن العلي يجوز أنه علا بطغيان وعدم استحقاق للعلو، لكن الحق سبحانه هو العلي، وهو الكبير الذي يستحق هذا العلو. ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى آية أخرى من آياته في الكون: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ ...}.