٣١ - لُقْمَان
31 - Luqman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتُهُ } لما ذكر آية سماوية بقوله: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } تفسير : [لقمان: 29] وأشار إلى السبب والمسبب ذكر آية أرضية، وأشار إلى السبب والمسبب فقوله: {ٱلْفُلْكَ تَجْرِى } إشارة إلى المسبب وقوله: {بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ } إشارة إلى السبب أي إلى الريح التي هي بأمر الله {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ } يعنى يريكم بإجرائها بنعمته {مّنْ ءايَـٰتِهِ } أي بعض آياته، ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } صبار في الشدة شكور في الرخاء، وذلك لأن المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء عند النعم والآلاء فيصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أتته نعمة وورد في كلام النبـي صلى الله عليه وسلم « حديث : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر » تفسير : إشارة إلى أن التكاليف أفعال وتروك والتروك صبر عن المألوف كما قال عليه الصلاة والسلام « حديث : الصوم صبر والأفعال شكر على المعروف ».
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ} أي السفن {تَجْرِي} في موضع الخبر. {فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} أي بلطفه بكم وبرحمته لكم في خلاصكم منه. وقرأ ابن هُرمُز: «بنعمات الله» جمع نعمة وهو جمع السلامة، وكان الأصل تحريك العين فأسكنت. {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} «مِنْ» للتبعيض، أي ليريكم جري السفن؛ قاله يحيـى بن سلام. وقال ابن شجرة: «مِنْ آيَاتِهِ» ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه. النقاش: ما يرزقهم الله منه. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدّعاء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي صبّار لقضائه شكور على نعمائه. وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة؛ لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان. والآية: العلامة، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشّعْبِيّ: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله؛ ألم تر إلى قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وقوله: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 20] وقال عليه السلام: «حديث : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر».
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ } بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر قدرته وكمال حكمه وشمول إنعامه والباء للصلة أو الحال، وقرىء {ٱلْفُلْكِ} بالتثقيل و «بنعمات الله» بسكون العين، وقد جوز في مثله الكسر والفتح والسكون. {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ} دلائله. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ} على المشاق فيتعب نفسه بالتفكر في الأفاق والأنفس. {شَكُورٍ} يعرف النعم ويتعرف مانحها، أو للمؤمنين فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر. {وَإِذَا غَشِيَهُمْ} علاهم وغطاهم. {مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ } كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما، وقرىء كالظلال جمع ظلة كقلة وقلال. د{دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد. {فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} مقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد، أو متوسط في الكفر لانزجاره بعض الانزجار. {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} غدار فإنه نقض للعهد الفطري، أو لما كان في البحر والختر أشد الغدر. {كَفُورٌ } للنعم. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } لاَ يقضي عنه، وقرىء «لا يجزىء» من أجزأ إذا أغنى والراجع إلى الموصوف محذوف أي لا يجزى فيه. {وَلاَ مَوْلُودٌ } عطف على {وَالِدٌ } أو مبتدأ خبره. {هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالثواب والعقاب. {حَقّ } لا يمكن خلفه. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } الشيطان بأن يرجيكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصي. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } علم وقت قيامها. لما روي أن الحرث بن عمرو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: متى قيام الساعة؟ وإني قد ألقيت حباتي في الأرض فمتى السماء تمطر؟ وحمل امرأتي أذكر أم أنثى؟ وما أعمل غداً وأين أموت؟ فنزلت. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : مفاتح الغيب خمس»تفسير : وتلا هذه الآية. {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ} في إبانه المقدر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد. {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ} أذكر أم أنثى أتام أم ناقص. {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من خير أو شر وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه. {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } كما لا تدري في أي وقت تموت. روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظم إليه، فقال الرجل من هذا؟ قال: ملك الموت فقال كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك»، وإنما جعل العلم لله تعالى والدراية للعبد لأن فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين، ويدل على أنه إن أعمل حيلة وأنفذ فيها وسعه لم يعرف ما هو الحق به من كسبه وعاقبته فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه، وقرىء «بأية أرض» وشبه سيبويه تأنيثها بتأنيث كل في {كُلُّهُنَّ }. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } يعلم الأشياء كلها. {خَبِيرٌ } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشراً عشراً بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لو لا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: {بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ ءَايَٰتِهِ} أي: من قدرته، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء، ثم قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} أي: كالجبال والغمام، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65] الآية. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} قال مجاهد: أي: كافر؛ كأنه فسر المقتصد ههنا بالجاحد، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [فاطر: 32] الآية، فالمقتصد ههنا هو المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مراداً هنا أيضاً، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك، كان مقصراً والحالة هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِـآيَـٰتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} فالختار هو الغدار، قاله مجاهد والحسن وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر أتم الغدر وأبلغه. قال عمرو بن معديكرب.شعر : وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبا عُمَيْرٍ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ تفسير : وقوله: {كَفُورٍ} أي: جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ } السفن {تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ } يا مخاطبين بذلك {مِّنْ ءَايَٰتِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَٰتٍ } عبراً {لّكُلِّ صَبَّارٍ } عن معاصي الله {شَكُورٍ } لنعمته.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: برحمة الله لكم في خلاصكم منه. الثاني: بنعمة الله عليكم في فائدتكم منه. {لِيُرِيَكُم مِّنَ ءَايَاتِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جري السفن فيه، قاله يحيى بن سلام، وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. الثاني: ما تشاهدونه من قدرة الله فيه، قاله ابن شجرة. الثالث: ما يرزقكم الله منه، قاله النقاش. {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} فيه وجهان: أحدهما: صبَّار على البلوى شكور على النعماء. الثاني: صبَّار على الطاعة شكور على الجزاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، ألم تر إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وإلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُوقِنِينَ}. قوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ} فيه وجهان: أحدهما: كالسحاب، قاله قتادة. الثاني: كالجبال، قاله الحسن ويحيى بن سلام. وفي تشبيهه بالظل وجهان: أحدهما: لسواده، قاله أبو عبيدة. الثاني: لعظمه. {دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يعني موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه. {فَلَمَّا نَجَّاهُم إِلَى الْبَرِّ} يعني من البحر. {فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه عَدل في العهد، يفي في البر بما عاهَد الله عليه في البحر، قاله النقاش. الثاني: أنه المؤمن المتمسك بالتوحيد والطاعة، قاله الحسن. الثالث: أنه المقتصد في قوله وهو كافر، قاله مجاهد. {وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الجاحد، قاله عطية. الثاني: وهو قول الجمهور أنه الغدار، قال عمرو بن معدي كرب: شعر : فإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدرٍ وختر تفسير : وجحد الآيات إنكار أعيانها والجحد بالآيات دلائلها.
ابن عطية
تفسير : الرؤية في قوله {ألم تر} رؤية العين يتركب عليها النظر والاعتبار، والمخاطب محمد صلى الله عليه وسلم والمراد الناس أجمع، و {الفلك} جمع وواحد بلفظ واحد، وقرأ موسى بن الزبير "الفلُك" بضم اللام، وقوله {بنعمة الله} يحتمل أن يريد ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات، فالباء للأرزاق، ويحتمل أن يريد الريح وتسخير الله البحر ونحو هذا، فالباء باء السبب، وقرأ الجمهور "بنعمة"، وقرأ الأعرج ويحيى بن يعمر "بنعمات" على الجمع، وقرأ ابن أبي عبلة "بنَعِمات" بفتح النون وكسر العين، وذكر تعالى من صفة المؤمن "الصبار" و "الشكور" لأنهما عظم أخلاقه الصبر على الطاعات وعلى النوائب وعلى الشهوات، والشكر على الضراء والسراء، وقال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه الآخر، واليقين الإيمان كله. و"غشي" غطى، أو قارب، و"الظلل" السحاب، وقرأ محمد بن الحنفية "الظلال" ومنه قول النابغة الجعدي يصف البحر: [الوافر] شعر : يماشيهن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان تفسير : ووصف تعالى في هذه الآية حالة البشر الذين لا يعتبرون حق العبرة، والقصد بالآية تبيين آية تشهد العقول بأن الأوثان والأصنام لا شرك لها فيه ولا مدخل وقوله تعالى: {فمنهم مقتصد} قال الحسن منهم مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعم. وقال مجاهد: يريد {فمنهم مقتصد} على كفره أي منهم من يسلم الله ويفهم نحو هذا من القدرة وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها بسيرته ونشأته، والختّار القبيح الغدر وذلك أن نعم الله تعالى على العباد كأنها عهود ومنن يلزم عنها أداء شكرها فمن كفر ذلك وجحد به فكأنه ختر وخان، ومن "الختر" قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر] شعر : وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر تفسير : وقال الحسن: "الختار" هو الغدار، و {كفور} بناء مبالغة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّنْ ءَايَاتِهِ} يجري السفن فيه، أو ما تشاهدون من قدرة الله فيه، أو ما يرزقكم الله ـ تعالى ـ منه. {صَبَّارٍ} على البلوى {شَكُورٍ} على النعماء، أو صبار على الطاعة شكور على الجزاء.
النسفي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ } وقريء {ٱلْفُلْكِ } وكل فُعْل يجوز فيه فعل كما يجوز في كل فُعُل فُعْل {تَجْرِى في البحر بنعمت الله} بإحسانه ورحمته أو بالريح لأن الريح من نعم الله {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ } عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ } على بلائه {شَكُورٍ } لنعمائه، وهما صفتا المؤمن فالإيمان نصفان: نصفه شكر ونصفه صبر فكأنه قال: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن. {وَإِذَا غَشِيَهُمْ } أي الكفار {مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ } الموج يرتفع فيعود مثل الظلل والظلة كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } أي باقٍ على الإيمان والإخلاص الذي كان منه ولم يعد إلى الكفر، أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط والمقتصد قليل نادر {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا } أي بحقيقتها {إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ } غدار والختر أقبح الغدر {كَفُورٌ } لربه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } لا يقضي عنه شيئاً والمعنى لا يجزيء فيه فحذف {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه لأن الجملة الاسمية آكد من الجملة الفعلية وقد انضم إلى ذلك قوله {هو} وقوله {مولود} والسبب في ذلك أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر فأريد حسم أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بالشفاعة في الآخرة. ومعنى التأكيد لفظ المولود أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لأجداده إذ الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك كذا في الكشاف {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث والحساب والجزاء {حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } بزينتها فإن نعمتها دانية ولذتها فانية {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } الشيطان أو الدنيا أو الأمل.
البقاعي
تفسير : ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء، أتبعها دليلها، فقال منبهاً على أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك، خاصاً بالخطاب أعلى الناس، تنبيهاً على أن هذه لكثرة الألف لها أعرض عن تأملها، فهو في الحقيقة حث على تدبرها، ويؤيده الإقبال على الكل عند تعليلها: {ألم تر أن الفلك} أي السفن كباراً وصغاراً {تجري} أي بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر، وعبر بالظرفية إشارة إلى أنه ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال: {في البحر} أي على وجه الماء، وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال: {بنعمت الله} أي برحمة الملك الأعلى المحيط علماً وقدرة وإحسانه، مجدداً ذلك على مدى الزمان عليكم في تعليمكم صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح العبد الشكور عليه السلام {ليريكم من آياته} أي عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها، وهي مساوية لغيرها في أن الكل من التراب، فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله بالاختيار. ولما كان هذا أمراً إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفاً بهر العقول وحير الفهوم، أشار إليه بقوله مؤكداً تنبيهاً مما هم فيه من الغفلة عنه، لافتاً الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيهاً على دقة الأمر وأنه - وإن كان يظن أنه ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم: {إن في ذلك} أي الأمر الهائل البديع الرفيع {لآيات} أي دلالات واضحات على ما له من صفات الكمال في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد الشاسعة، والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهاباً وإياباً تارة بريحين، وأخرى بريح واحدة، وفي إنجاء أبيكم نوح عليه السلام ومن أراد الله من خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه، وأموره وفنونه، ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد صار مألوفاً لكم فجهلتم أنه من خوارق العادات، ونواقض المطردات، وعلم من ختام التي قبلها أن المراد - بقوله جامعاً لجميع الإيمان الذي هو نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، وذلك تمام صفة المؤمن مظهراً موضع لك أو لكم - ما أفاد الحكم بكل من شاركه صلى الله عليه وسلم في الوصفين المذكورين: {لكل صبار} إدامة الفكر في هذه النعم واستحضارها في الشدة والرخاء، وأنها من عند الله، وأنه لا يقدر عليها سواه، والإذعان له في جميع ذلك، حفظاً لما دل عليه العقل من أخذ الميثاق بالشكر، وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله، فيلزم عليه الإساءة إلى المحسن {شكور *} عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ العهد وترك النقض جرياً مع ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة، وقليل ما هم، وقال الرازي في اللوامع: وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية، والشكر رؤية النعمة من المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابّه. ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية، وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة، التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم، أعرض عنهم وجه الخطاب لأنهم لم يرجعوا بعد الوضوح إيذاناً باستحقاق شديد الغضب والعذاب، فقال معجباً عاطفاً على ما تقديره: وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من الآيات في حال رخائهم: {وإذا غشيهم} أي علاهم وهم فيها حتى صار كالمغطى لهم، لأنه منعهم من أن تمتد أبصارهم كما كانت {موج} أي هذا الجنس، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئاً في أثر شيء متتابعاً بركب بعضه كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام {كالظلل} أي حتى كان كأطراف الجبال المظلمة لمن يكون إلى جانبها، وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الأسم الأعظم فقال: {دعوا الله} أي مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه {مخلصين له الدين} لا يدعون شيئاً سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال، وقسرهم عليه من العظمة والكمال، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب. ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم: إنهم أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف السبة بذلك والعار حتى قال من قال: لولا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعاً من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت. بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع، فقال دالاً بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم: {فلما نجّاهم} أي خلصهم رافعاً لهم، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من تلك الأهوال {إلى البر} نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين، وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين {فمنهم} أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم {مقتصد} متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار، وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك، وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض، وما يقتصد إلا كل صبار شكور، إما حالاً وإما مالاً {وما يجحد} وخوّف الجاحد بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام، فقال صارفاً القول إليه: {بآياتنا} أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها {إلا كل ختار} أي شديد الغدر عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف {كفور *} أي عظيم الكفر لإحسان من هو متقلب في نعمه، في سره وعلنه، وحركاته وسكناته، ولا نعمة إلا وهي منه، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين، وعلم أنهما طباق ومقابلة لختام التي قبلها، وأن الآية من الاحتباك: دل ذكر المقتصد أولاً على "ومنهم جاحد" ثانياً، وحصر الجحود في الكفور ثانياً على حصر الاقتصاد في الشكور أولاً، قال البغوي: قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي الله عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني: فقال الركاب على عادتهم: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئاً - فقال عكرمة رضي الله عنه: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح، فرجع عكرمة رضي الله عنه إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، وقال الكلبي: مقتصد في القول أي من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولاً وأعلى في الافتراء من بعض.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} بإحسانِه في تهيئةِ أسبابِه وهو استشهادٌ آخرُ على باهرِ قُدرتِه وغايةِ حكمتِه وشمولِ إنعامِه. والباءُ إمَّا متعلقةٌ بتجرِي أو بمقدَّرٍ هو حالٌ من فاعلِه أي ملتبسةٌ بنعمتِه تعالى. وقُرىء الفُلُك بضمِّ اللامِ وبنعماتِ الله وعينُ فَعَلات يجوزُ فيه الكسرُ والفتحُ والسكونُ {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ} أي بعضَ دلائلِ وحدتِه وعلمهِ وقدُرتِه. وقولُه تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} تعليلٌ لما قبله أيْ إنَّ فيما ذُكر لآياتٍ عظيمةً في ذاتِها كثيرةً في عددِها لكلِّ مَن يُبالغ في الصَّبرِ على المشاقِّ فيتعبُ نفسَه في التفكرِ في الأنفسِ والآفاقِ ويبالغُ في الشُّكرِ على نعمائِه وهما صِفتا المُؤمنِ فكأنَّه قيلَ لكلَّ مؤمنٍ {وَإِذَا غَشِيَهُمْ} أي علاهُم وأحاطَ بهم {مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} كما يظل من جبلٍ أو سحابٍ أو غيرِهما. وقُرىء كالظِّلالِ جمْعِ ظُّلةٍ كقُلَّةٍ وقِلالٍ. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} لزوالِ ما ينازعُ الفطرةَ من الهَوَى والتَّقليدِ بما دهاهم من الدَّواهي والشَّدائدِ {فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي مقيمٌ على القصدِ السويِّ الذي هو التَّوحيدُ أو متوسطٌ في الكُفر لانزجارِه في الجُملةِ {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} غدَّارٍ فإنَّه نقصٌ للعهدِ الفطريَّ أو رفضٌ لما كان في البحرِ. والخترُ أشدُّ الغدرِ وأقبحُه. {كَفُورٍ} مبالغٌ في كفرانِ نعمِ الله تعالى. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} أي لا يقضي عنه وقُرىء لا يُجزى من أجزأَ إذا أغنَى والعائدُ إلى الموصوفِ محذوفٌ أي لا يجزى فيهِ {وَلاَ مَوْلُودٌ} عطفٌ على والدٌ، أو هُو مبتدأٌ خبرُه {هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} وتغيـيرُ النَّظمِ للدِّلالةِ على أنَّ المولودَ أولى بأن لا يجزِي وقطعِ طَمَعِ مِنَ توقَّع من المؤمنينَ أنْ ينفع أباهُ الكافرَ في الأخرة. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالثَّوابِ والعقابِ {حَقّ} لا يمكن إخلافُه أصلاً {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشَّيطانُ المبالغُ في الغرورِ بأنْ يحملَكم على المعاصِي بتزيـينها لكمُ ويرجِّيكُم التوبةَ والمغفرةَ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [الآية: 31]. قال أبو بكر: الصبار الذى لا يغيره تواتر النعم والبلايا عليه ولا يورثه ذلك جزعًا ولا شكوى. وقال أبو عثمان: الصبار الذى عوّد نفسه النجوم على المكاره. قال بعضهم: الصبار الشكور هم الفقراء الصادقون لأن ظاهرهم ظاهر الصبر وهم فى الباطن مع الحق فى مقام الشكر. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: الشكور الذى يكون شكره على البلاء كشكر غيره على النعماء.
القشيري
تفسير : في الظاهر سلامتُهم في السفينة، وفي الباطن سلامتُهم من حدثان الكون، ونجاتهم في سفائن العصمة في بحار القدرة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} وَقُوفٍ لا ينهزم من البلايا، شَكُورٍ على ما يصيبه من تصاريف التقدير من جنسي البلايا والعطايا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الصبار من اتصف بصفة صبره والشكور من اتصف بصفة شكره لان بصفات صبره وشكره يحتمل بلاؤه ويشكر نعمة والصبار من كان الصبر له مقاما وكذلك الشكور لا ان يكون حماله خطرات بل يكونان له وطنات قال ابو حفص الصبار الذى لا يغيره تواتر المحن والبلايا عليه ولا يورثه ذلك جزعا ولا شكوى وقال ابو عثمان الصبار الذى عود نفسه للهجوم على المكاره وقال ابن عطا الشكور الذى يكون شكره على البلاء كشكره على النعماء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} رؤية عيانية ايها الذى من شأنه الرؤية والمشاهدة {ان الفلك} بالفارسية [كشتى] {تجري} [مى رود]. قال فى المفردات الجرى المر السريع واصله لمر الماء ولما يجرى بجريه {فى البحر} [دردريا] {بنعمة الله} الباء للصلة اى متعلقة بتجرى او للحال اى متعلقة بمقدر هو حال من فاعله اى ملتبسة بنعمته تعالى واحسانه فى تهيئة اسبابه. وقال الكاشفى [بمنت واحسان او آنرا برروى آب نكه ميدارد بادرا براى رفتن او ميفرستد]. وفى الاسئلة المفخمة برحمة الله حيث جعل الماء مركبا لكم لتقريب المزار {ليريكم} [تابنمايد شمارا] {من آياته} اى بعض دلائل وحدته وعلمه وقدرته وبعض عجائبه وهو فى الظاهر سلامتهم فى السفينة كما قيل لتاجر ما اعجب ما رأيته من عجائب البحر قال سلامتى منه وفى الحقيقة سلامة السالكين فى سفينة الشريعة بملاحية الطريقة فى بحر الحقيقة {ان فى ذلك} المذكور من امر الفلك والبحر {لآيات} عظيمة فى ذاتها كثيرة فى عددها {لكل صبار} مبالغ فى الصبر على المشاق فيتعب نفسه فى التفكر فى الانفس والآفاق {شكور} مبالغ فى الشكر على نعمائه وهما صفتا المؤمن فكأنه قيل لكل مؤمن وانه وصفه بهما لان احسن خصاله الصبر والشكر والايمان نصفان نصف للصبر ونصف للشكر. واعلم ان الصبر تحمل المشاق بقدر القوة البدنية وذلك فى الفعل كالمشى ورفع الحجر كما يحصل للجسوم الخشنة وفى الانفعال كالصبر على المرض واحتمال الضرب والقطع وكل ذلك ليس بفضيلة تامة بل الفضيلة فى الصبر عن تناول مشتهى لاصلاح الطبيعة والصبر على الطاعات لاصلاح النفس فالصبر كالدواء المر وفيه نفع شعر : طبيب شربت تلخ ازبراى فائده ساخت تفسير : والشكر تصور النعمة بالقلب والثناء على المنعم باللسان والخدمة بالاركان وجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى يدل على كون الشكر افضل من الصبر فان من صبر فقد ترك اظهار الجزع ومن شكر فقد تجاوز الى اظهار السرور بما جزع له الصابر فكم من فرق بين حبس النفس على مقاساة البلاء وهو الصبر وبين عدم الالتفات الى البلاء بل يراه من النعماء وهو الشكر وفى وصف الاولياء شعر : خوشا وقت شوريد كان غمش اكر زخم بينند اكر مرهمش دمادم شراب الم در كشند وكر تلخ بينند دم در كشند نه تلخ است صبرى كه برياداوست كه تلخى شكر باشد ازدست دوست
الطوسي
تفسير : خمس آيات بصرى وشامي واربع فيما عداهما عدوا {مخلصين له الدين} ولم يعده الباقون. يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين منبهاً لهم على جهات نعمه التي انعم بها عليهم وما يدلهم على انه يستحق العبادة خالصاً، فقال {ألم تر} ومعناه الم تعلم {أن الفلك} وهي السفن تجري في البحر بنعمة الله عليكم {ليريكم من آياته} اي ليريكم بعض ادلته الدالة على وحدانيته، ووجه الدلالة في ذلك ان الله تعالى يجري الفلك بالرياح التي يرسلها في الوجوه التي تريدون المسير فيها، ولو اجتمع جميع الخلق ليجروا الفلك في بعض الجهات مخالفاً لجهة الرياح لما قدروا على ذلك. وفي ذلك اعظم دلالة على ان المجري لها بالرياح هو القادر الذى لا يعجزه شيء، وذلك بعض الأدلة التي تدل على وحدانيته، فلذلك قال {من آياته} ثم قال {إن في ذلك لآيات} يعني في تسخير الفلك وإجرائها في البحر على ما بيناه لدلالات {لكل صبار} يعني الصبار على مشاق التكليف. وعلى الم المصائب، وأذى الكفار {شكور} لنعم الله عليهم واضاف الآيات اليهم لما كانوا هم المنتفعين بها، وانما ذكر {كل صبار شكور} لأن الصبر عليه بأمر الله، والشكر لنعم الله من افضل ما في المؤمن. وقال الشعبي: الصبر نصف الايمان، والشكر نصف الايمان فكأنه قال: لكل مؤمن. ثم قال تعالى {وإذا غشيهم موج} يعني إذا غشي اصحاب السفن الراكبي البحر موج، وهو هيجان البحر {كالظلل} اى الماء في ارتفاعه وتغطيته ما تحته كالظلل، قال النابغة الجعدي: يصف البحر: شعر : يغاشيهن اخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان تفسير : شبه الموج لأنه يجيء منه شيء بعد شيء بالسحاب الذي يركب بعضه فوق بعض، ويكون اسوداً بما فيه من الماء {دعوا الله مخلصين له الدين} أي طاعة العبادة، فالاخلاص إفراد المعنى من كل شائب كان من غيره، أى يخلصون الدعاء في هذه الحال لله تعالى دون الأصنام وجميع ما يعبدونه من دون الله {فلما نجاهم} أي خلصهم إلى البر وسلمهم من هول البحر {فمنهم مقتصد} قال قتادة: يعني منهم مقتصد في قوله مضمر لكفره. وقال الحسن: المقتصد المؤمن. وقيل: مقتصد على طريقة مستقيمة {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} فالختار الغدار بعهده أقبح الغدر، وهو صاحب ختل وختر أي غدر قال عمرو ابن معدي كرب: شعر : فانك لو رأيت أبا عمير ملات يديك من غدر وختر تفسير : وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: الختار الغدار، ثم خاطب تعالى جميع المكلفين من الناس فقال {يا أيها الناس اتقوا ربكم} امرهم باجتناب معاصيه خوفاً من عقابه {واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده...} يعني يوم القيامة الذي لا يغني فيه أحد عن احد، لا والد عن ولده ولا ولد عن والده، يقال: جزيت عنك أجزي إذا أغنيت عنك. وفيه لغة أخرى: أجزأ يجزئ من أجزأت بالهمزة. ثم قال {إن وعد الله حق} اي الذي وعدته من الثواب والعقاب حق لا خلف فيه {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} قال مجاهد وقتادة والضحاك: الغرور الشيطان. وقال سعيد بن جبير: هو يمنيك المغفرة في عمل المعصية. قال ابو عبيدة: الغرور كل شيء غرك حتى تعصي الله، وتترك ما أمرك به الله، شيطاناً كان أو غيره، فهو غرور. وهو أحسن، لأنه أعم. ثم قال تعالى {إن الله عنده علم الساعة} يعني وقت قيام القيامة يعلمه تعالى لا يعلمه سواه {وينزل الغيث} أي وهو الذي يعلم وقت نزول الغيث بعينه وهو الذي {يعلم ما في الأرحام} من ذكر او أنثى {وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت} يقال: بأي ارض وبأية ارض. من قال: بأي، فلأن تأنيث الأرض بالصيغة لا باللفظ. ومن قال: بأية ارض فلان الأرض مؤنثة. والمعنى انه لا يعلم موت الانسان في أي موضع من البلاد يكون سواه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله إن هذه الخمسة اشياء مما لا يعلمها غيره تعالى على التفصيل والتحقيق {إن الله عليم} بتفصيل ذلك {خبير} به لا يخفى عليه شيء من ذلك. وسأل البلخي نفسه، فقال: إذا قلتم: إن من اعتقد الشيء على ما هو به تقليداً أو تخميناً أو تنجيماً يكون عالماً، فلو أن إنساناً أعتقد ان امرأة تلد ذكراً او رجلا يموت في بلد بعينه او يكسب في الغد كذا، فوافق ذلك اعتقداده، فيجب ان يكون عالماً، ويبطل الاختصاص في الآية؟! وأجاب: إن ذلك وإن كان جائزاً، فانه لا يقع لظاهر الآية. وهذا غير صحيح، لان من المعلوم ضرورة أن الانسان يخبر شيئاً فيعتقده، فيكون على ما اعتقده من هذه الاشياء الخمسة. وانما لا يكون علماً، لانه لا تسكن نفسه إلى ذلك، فأما المنع من وقوعه فمعلوم خلافه.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل لعلوّه وكبره يعنى انّك يا محمّد (ص) ترى ببصيرتك انّ الفلك تجرى على الماء بتسبيبات رقيقةٍ كان الطّبيعيّون عمياناً منها وينسبون جريها الى الاسباب الطّبيعيّة غفلة عن الاسباب الآلهيّة، او الخطاب عامّ والمعنى ينبغى ان ترى يا من يمكن منه الرؤية {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على النّظر الى انعام الله والتّوجّه الى تسبيب الله فانّ غيره لا يدرك من آياتها شيئاً {شَكُورٍ} ناظر الى انعام الله وتعظيمه فى انعامه والمراد بالصّبّار الشّكور هو المؤمن الّذى ليس ساهياً عن صلٰوته فانّ فى الخبر: الايمان نصفان نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، وقيل: المراد راكب البحر فانّه بين خوفٍ ورجاءٍ وصبرٍ وشكرٍ.
الهواري
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ} أي: أنعم الله بها على خلقه {لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَاتِهِ} أي: جريُ السفن من آياته {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، وهو المؤمن. قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ} أي: كالجبال. وقال في آية أخرى: (أية : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) تفسير : [هود: 42]. وقال في آية أخرى: (أية : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) تفسير : [الأعراف: 171]. قال: {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يعني التوحيد] {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} وهذا المؤمن. وأما الكافر فعاد في غدره. قال: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} أي: غدّار {كَفُورٍ}. يقول: أخلص لله في البحر للمخافة من الغرق، ثم غدَر فأشرك. كقوله: (أية : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)تفسير : [العنكبوت: 65]. قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً} أي: واتقوا يوماً، يعني العقاب فيه {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} أي: لا يفديه من عذاب الله {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} أي: لا يفتديه من عذاب الله {إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} يعني البعث والحساب، والجنة والنار. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ} وهي تقرأ على وجهين: الغَرور والغُرور. فمن قرأها الغَرور فهو يريد الشيطان، ومن قرأها الغُرور فهو يريد غُرور الدنيا، [وهو أباطيلها]، كقوله: (أية : وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ) تفسير : [الحديد: 20].
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ} السفن وقرىء بضم اللام وكل فعل بضمتين يجوز فيه فعل بضم الفاء واسكان العين كما يجوز في فعل بضم فكسر فعل بضم فاسكان. {تَجْرِي فِي البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللهِ} عليكم اي باحسانه ورحمته والباء متعلقة بتجري أو بمحذوف حال وقيل بمحذوف خبر لمحذوف ومعناها من اي ذلك من نعمة الله وقرىء (بنعمات الله) بسكون العين وعين فعلات بكسر الفاء يجوز فيها الفتح والكسر والسكون كسدرات بكسر السين وفتح الدال وكسرها واسكانها هذا ويصح ان يكون المعنى تجيء وتذهب بطعام وارزاق واموال فذلك النعمة. {لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ} دلائل قدرته. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على البلاء والمشاق والطاعة وعن المعاصي فيتعب نفسه في التفكر في مخلوقات الله. {شَكُورٍ} على السراء والضراء يعرف النعم ويكتسب بها ازدياد المعرفة بمانحها. قال الشعبي: الصبر نصف الايمان والشكر نصفه الآخر واليقين الايمان كله والصبر على البلاء والشكر على النعماء من صفات الأولياء.
اطفيش
تفسير : {ألمْ تَرَ} يا من يصلح للرؤيةببصره، او الم تعلم يا محمد {أنَّ الفُلك تجري في البَحْر بنعْمة الله} باحسانه فى ايجاد اسباب الجرى من الريح، وتسخيرها، والباء للتعدية، او السببية او تجرى بما انعم الله به عليكم من طعام ومتاع وغيرهما، مما يحمل فى الفلك، فالباء للمصاحبة متعلق بحذوف حال من ضمير تجرى، والآية استشهاد على باهر قدرته {لِيُريكم من آياته} بعض آياته الدالة على كمال قدرته واختصاصه بالوحدانية والألوهية {إنَّ في ذلك لآياتٍ لِكلِّ صَّبارٍ} على المصائب والطاعات، وعن الشهوات {شَكُورٍ} لنعمه فى السراء والضراء، والصبر والشكر عمدة الايمان لان الايمان وما يتوقف عليه الايمان، اما ترك للمألوف غالبا، وهو بالصبر، او فعل لما يتقرب به، وهو شكر لانه يعم اللسان والجوارح والقلب. كما ورد نصف الايمان صبر، ونصف شكر، وراكب الفلك لا يخلو عنهما، ولذلك - والله أعلم - جئ بهما بع ذكر الفلك، ولا دليل لمن فسر الصبار بالصبار على التعب فى كسب الادلة من الانفس والآفاق، ولا يتبادر، وقدم صبار للفاصلة، ولانه فعال ابلغ من فعول لزيادة حروفه، ولان قليل الصبر لشدة مرارته كثير، ولذلك اختار منه فعال، ولو اخره، وقال صبور بالواو ولصحت الفاصلة، لكن يفوت ما ذكر من المناسبة.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ } استشهاد أخر على باهر قدرته جل وعلا وغاية حكمته عز وجل وشمول إنعامه تبارك وتعالى، والمراد بنعمة الله تعالى إحسانه سبحانه في تهيئة أسباب الجري من الريح وتسخيرها فالباء للتعدية كما في مررت بزيد أو سببية متعلقة بتجري. وجوز أن يراد بنعمته تعالى ما أنعم جل شأنه به مما تحمله الفلك من الطعام والمتاع ونحوه فالباء للملابسة والمصاحبة متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ضمير (الفلك) أي تجري مصحوبة بنعمته تعالى. وقرأ موسى بن الزبير {ٱلْفُلْكِ } بضم اللام ومثله معروف في فعل مضموم الفاء. حكي عن عيسى بن عمر أنه قال: ما سمع فعل بضم الفاء وسكون العين إلا وقد سمع فيه فعل بضم العين. وفي «الكشاف» كل فعل يجوز فيه فعل كما يجوز في كل فعل فعل، وجعل ضم العين للاتباع وإسكانها للتخفيف. وقرأ الأعرج والأعمش وابن يعمر {بنعمات ٱللَّهِ } بكسر النون وسكون العين جمعاً بالألف والتاء وهو جمع نعمة بكسر فسكون، ويجوز كما قال غير واحد في كل جمع مثله تسكين العين على الأصل وكسرها اتباعاً للفاء وفتحها تخفيفاً. وقرأ ابن أبـي عبلة {بنعمات ٱللَّهِ } بفتح النون وكسر العين جمعاً لنعمة بفتح النون وهي اسم للتنعم، وقيل: بمعنى النعمة بالكسر. {لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـٰتِهِ } أي بعض دلائل ألوهيته تعالى ووحدته سبحانه وقدرته جل شأنه وعلمه عز وجل، وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } تعليل لما قبله أي إن فيما ذكر لآيات عظيمة في ذاتها كثيرة في عددها لكل مبالغ في الصبر على بلائه سبحانه ومبالغ في الشكر على نعمائه جل شأنه. و {صَبَّارٍ شَكُورٍ } كناية عن المؤمن من باب حي مستوي القامة عريض الأظفار فإنه كناية عن الإنسان لأن هاتين الصفتين عمدتا الإيمان لأنه وجميع ما يتوقف عليه إما ترك للمألوف غالباً وهو بالصبر أو فعل لما يتقرب به وهو شكر لعمومه فعل القلب والجوارح واللسان، ولذا ورد (حديث : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر)تفسير : ، وذكر الوصفين بعد الفلك فيه أتم مناسبة لأن الراكب فيه لا يخلو عن الصبر والشكر، وقيل: المراد بالصبار كثير الصبر على التعب في كسب الأدلة من الأنفس والآفاق وإلا فلا اختصاص للآيات بمن تعب مطلقاً وكلا الوصفين بنيا بناء مبالغة، وفعال على ما في «البحر» أبلغ من فعول لزيادة حروفه، قيل: وإنما اختير زيادة المبالغة في الصبر إيماء إلى أن قليله لشدة مرارته وزيادة ثقله على النفس كثير.
ابن عاشور
تفسير : استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله {أية : ألم تروا أن الله سخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض} تفسير : [لقمان: 20] وقوله: {أية : ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار} تفسير : [لقمان: 29]، وجيء بها غير متعاطفة لئلا يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها، وجاء هذا الاستئناف الثالث دليلاً ثالثاً على عظيم حكمة الله في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع بما هيّأه الله لانتفاعهم به. فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع الله في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع الله بخلق البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام المجتمع البشري. وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر. فكان خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسراً للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل غناء فجعله قابلاً لحمل المراكب العظيمة، وألْهَم الإنسان لصنع تلك المراكب على كيفية تحفظها من الغرق في عباب البحر، وعصمهم من توالي الرياح والموج في أسفارهم، وهداهم إلى الحيلة في مصانعتها إذا طرأت حتى تنجلي، ولذلك وصف هذا الجري بملابسة نعمة الله فإن الناس كلما مَخرت بهم الفلك في البحر كانوا ملابسين لنعمة الله عليهم بالسلامة إلا في أحوال نادرة، وقد سميت هذه النعمة أمراً في قوله {أية : والفلك تجري في البحر بأمره} تفسير : في سورة الحج (65)، أي: بتقديره ونظام خلقه. وتقدم تفصيله في قوله {أية : فإذا ركبوا في الفلك} تفسير : في سورة العنكبوت (65)، وفي قوله: {أية : هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر} تفسير : الآيات من سورة يونس (22) وقوله: {أية : ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره} تفسير : في سورة الحج (65). ويتعلق {ليريكم} بــــ {تجري} أي: تجري في البحر جرياً، علةُ خَلْقه أن يريكم الله بعض آياته، أي: آياته لكم فلم يذكر متعلق الآيات لظهوره من قوله {ليريكم} وجريُ الفلك في البحر آية من آيات القدرة في بديع الصنع أن خلق ماء البحر بنظام، وخلق الخشب بنظام، وجعل لعقول الناس نظاماً فحصل من ذلك كله إمكان سير الفلك فوق عباب البحر. والمعنى: أن جري السفن فيه حِكم كثيرة مقصودة من تسخيره، منها أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته. وليس يلزم من لام التعليل انحصار الغرض من المعلَّل في مدخولها لأن العلل جزئيةٌ لا كلية. وجملة {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} لها موقع التعليل لجملة {ليريكم من ءاياته}. ولها موقع الاستئناف البياني إذ يخطر ببال السامع أن يسأل: كيف لم يهتد المشركون بهذه الآيات؟ فأفيد أن الذي ينتفع بدلالتها على مدلولها هو {كل صبّار شكور}، ثناء على هذا الفريق صريحاً، وتعريضاً بالذين لم ينتفعوا بدلالتها. واقتران الجملة بحرف {إنَّ} لأنه يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب. وجعل ذلك عدة آيات لأن في ذلك دلائل كثيرة، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان. والصبَّار: مبالغة في الموصوف بالصبر، والشَّكور كذلك، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان. وهذان وصفان للمؤمنين الموحِّدين في الصبر للضراء والشكر للسراء إذ يرجون بهما رضى الله تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر والزيادة من الخير. وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين والتحذير من ضديهما قال: {أية : والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} تفسير : [البقرة: 177]، وقال: {أية : لئن شكرتم لأزِيدَنَّكم} تفسير : [إبراهيم: 7] فهم بين رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن مَصِيرهم إلى الله الذي أمَر ونهى، فصارا لهم خلقاً تطبعوا عليه فلم يفارقاهم البتة أو إلا نادراً؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم أُسَراء العالم الحِسيّ فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بَطَروا، فهم أخلياء من الصبر والشكر، فلذلك كان قوله {لكل صبّار شكور} كنايةً رمزية عن المؤمنين وتعريضاً رمزياً بالمشركين. ووجه إيثار خلقي الصبر والشكر هنا للكناية بهما، من بين شعب الإيمان، أنهما أنسب بمقام السير في البحر إذ راكب البحر بين خطر وسلامة وهما مظهر الصبر والشكر، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : هو الذي يسيركم في البرّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك} تفسير : الآية في سورة يونس (22). وفي قوله {لكل صبّار شكور} حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله {وإذا غشيهم موج كالظُّلَل} الآية، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار، وغفلتهم عنها في حال السلامة، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت (65): {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} تفسير : وقوله في سورة يونس (22): {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرَيْنَ بهم بريح طيبة} تفسير : الآيات. والغشيان: مستعار للمجيء المفاجىء لأنه يشبه التغطية، وتقدم في قوله تعالى: {أية : يُغشي الليل النهار} تفسير : في سورة الأعراف (54). والظُّلَل: بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظُلّة بالضم وهي: ما أظلّ من سحاب. والفاء في قوله {فمنهم مقتصد} تدلّ على مقدر كأنه قيل: فلما نجاهم انقسموا فمنهم مقتصد ومنهم غيره كما سيأتي. وجعل ابن مالك الفاء داخلة على جواب {لمّا} أي رابطة للجواب ومخالفوه يمنعون اقتران جواب {لما} بالفاء كما في مغني اللبيب. والمقتصد: الفاعل للقصد وهو التوسط بين طرفين، والمقام دليل على أن المراد الاقتصاد في الكفر لوقوع تذييله بقوله {وما يجحد بآياتنا إلاّ كل خَتّار كفور}ولقوله في نظيره في سورة العنكبوت (65) {أية : فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون}، تفسير : وقد يطلق المقتصد على الذي يتوسط حالُه بين الصلاح وضده. كما قال تعالى: {أية : منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} تفسير : [المائدة: 66] والجاحد الكفور: هو المُفرط في الكفر والجَحد. والجُحود: الإنكار والنفي. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} تفسير : في سورة الأنعام (33). وعلم أن هنالك قسماً ثالثاً وهو الموقن بالآيات الشاكر للنعمة وأولئك هم المؤمنون. قال في سورة فاطر (32) {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}، تفسير : وهذا الاقتصار كقول جرير:شعر : كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها تفسير : أي: والثلث الآخر من أنفسهم. والخَتَّار: الشديد الختر، والختر: أشدّ الغدر. وجملة {وما يجحد} إلى آخرها تذييل لأنها تعم كل جاحد سواء من جحد آية سير الفلك وهول البحر ويجحد نعمة الله عليه بالنجاة ومن يجحد غير ذلك من آيات الله ونعمه. والمعنى: ومنهم جاحد بآياتنا. وفي الانتقال من الغيبة إلى التكلم في قوله {بآياتنا} التفات. والباء في {بآياتنا} لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل قوله {أية : وامسحوا برؤوسكم} تفسير : [المائدة: 6]، وقول النابغة:شعر : لك الخير إن وارت بك الأرض واحداً تفسير : وقوله تعالى: {أية : وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً}تفسير : [الإسراء: 59].
د. أسعد حومد
تفسير : {بِنِعْمَةِ} {آيَاتِهِ} {لآيَاتٍ} (31) - ألَمْ تُشَاهِدْ يَا أَيُّها الإِنسَانُ السُّفُنَ وَهي تَمْخُرُ عُبَابَ البَحْرِ، وَهِي تَحْمِلُ البَشَرَ والمَتَاعَ والأَنعَامَ والمُؤَنَ، مِنْ قُطْرٍ إِلى قُطْرٍ، لِيَنْتَفِعَ بِهَا النَّاسُ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ، وهذِهِ السُّفُنُ تَسيرُ بقُوَّةِ الرِّياحِ التي يُسَخِّرُها اللهُ، واللهُ تَعَالى هُوَ الذي يَحفَظُها مِنَ الغَرَقِ، والضَّياعِ في البَحرِ، وكُلُّ ذلِكَ من نِعَمةِ اللهِ عَلى البَشَر، وفِيهِ دَلاَلَةٌ على عَظَمَةِ اللهِ، وقدرَتِهِ، ولُطْفِهِ بِعِبَادِهِ، لِكُلِّ صَبَّارٍ عَلى الشَّدائِدِ والبَلاءِ، شَكُورٍ لرَبِّهِ عَلَى النَّعْمَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه بعض الآيات الكونية البعيدة عنا أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً آخر للآيات التي بيْن أيدينا في الأرض فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 31] ألم تر: يعني ألم تعلم {أَنَّ ٱلْفُلْكَ ..} [لقمان: 31] أي: السفن. وربما أن سيدنا رسول الله لم يَرَ هذه السفن في البحار، ولم تكن قد ظهرت السفن العملاقة التي نراها اليوم كالأعلام، كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24]. ومتى وُجِدت البوارج العالية التي تشبه الجبال والمكوَّنة من عدة أدوار. لم توجد إلا حديثاً، إذن: فهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33]. ومَنْ يبحث في القرآن يجد فيه الكثير من هذه الآيات التي تثبت صِدْق القرآن وصِدْق رسول الله في البلاغ عن الله. وذكرنا قصة المرأة التي أسلمت لما قرأت التاريخ الإسلامي، وقرأت في سيرة رسول الله أن المؤمنين به كانوا يجعلون عليه حراسة دائمة يتبادلونها حماية له من أعدائه، وفجأة صرف رسول الله هؤلاء الحرس من حوله وقال لهم لقد أنزل الله عليَّ {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [المائدة: 67] فوقفت المرأة عند هذه الآية وقالت: والله لو أن هذا الرجل كان يخدع الناس جميعاً ما خدع نفسه في حياته. وقلنا في معنى {أَلَمْ تَرَ ..} [لقمان: 31] أنها بمعنى ألم تعلم، لأن إعلام الله لك أوثق من رؤية عينيك. وكلمة {تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ ..} [لقمان: 31] الجري: حركة تودع فيها مكاناً إلى مكان آخر، هذا التوديع إما أن تمشي الهُوَيْنَا أو تجري. لكن ما هي نعمة الله في جريها؟ أولاً كانت أول سفينة من الخشب المربوط إلى بعضه بالحبال والدُّسُر، وكان الغاطس منها في الماء حوالي شبر واحد يزيح من الماء بحجم وزن السفينة، فإذا ما وضعت عليها ثقلاً فإنها تغطس بمقدار هذا الثقل، حتى إذا ما زاد وزن الماء المزاح عن وزن السفينة وحمولتها فإنها تغرق. وهذه الفكرة هي التي تُستخدم في الغواصات، فبالوزن يتم التحكم في حركة الغواصة تحت الماء. والآن نرى السفن العملاقة والتي تُصنع من الحديد، والعجيب أن هذا الحديد الصلب يحمله الماء السائل الليِّن ويجري به، ثم تأتي الريح فتدفع السفن إلى حيث تريد، حتى وإنْ كانت تسير عكس جريان الماء، ويتمكن ربان السفينة من التحكم في حركتها باستخدام بعض الآلات البسيطة وبتوجيه الشراع بطريقة معينة فتسير السفينة حسب ما أراد حتى لو كان اتجاهها عكس اتجاه الريح، ويسمون هذه الحركة (تسفيح). لذلك يقول سبحانه عن حركة السفن: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..} تفسير : [الشورى: 33]. وكأن الحق سبحانه يريد أن يُبيِّن لنا أن أقل الأشياء كثافة بقوة الحق له يحمل أكثر الأشياء كثافة، وانظر إنْ شئتَ إلى جرارات النقل الثقيل، هذه الجرارات العملاقة التي تحمل عدة أطنان من الحديد مثلاً على أي شيء تسير وتتحرك؟ إنها تسير وتتحرك على الهواء المضغوط في عجلاتها، والذي يأخذ قوته من هذا الضغط، بحيث إذا زدتَ في ضغط هذه العجلات تقوى على نفسها فتنفجر. وقوله تعالى: {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ ..} [لقمان: 31] أي: من عجائبه في كونه خاصة في البحار، ففي الماضي كنا لا نرى من المخلوقات في الأعماق إلا السمك الذي يصطاده الصيادون، أما الآن ومع تطور علوم البحار وطرق التصوير تحت الماء أصبحنا نرى في أعماق البحار عجائب أكثر مما نراه على اليابسة. ثم يقول تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان: 31] قوله تعالى: {لِّكُلِّ صَبَّارٍ ..} [لقمان: 31] توحي بأن آيات الله في كونه كثيرة، لكن على الإنسان أنْ يبذل جهداً في البحث عنها واكتشافها، وعليه أن يكون صبَّاراً على مشقة البحث والغوص تحت الماء، فإذا ما رأينا ما في أعماق البحار من عجائب مخلوقات الله فقد وجب علينا الشكر {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان: 31] والشكر لا يكون إلا عن نعمة جدَّت لم تكُنْ موجودة من قبل. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نستقبل آياته في الكون استقبالَ بحث وتأمل ونظر، لا استقبال غفلة وإعراض، كما قال سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. وتقديم صبَّار على شكور دليل على أن الصبر على مشقات العمل والبحث والاستنباط والاكتشاف يُؤتى نعمة كبيرة تدعو الإنسان إلى شكرها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ألم تر من آثار قدرته ورحمته، وعنايته بعباده، أن سخر البحر، تجري فيه الفلك، بأمره القدري [ولطفه وإحسانه، { لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ } ففيها الانتفاع والاعتبار]. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } فهم المنتفعون بالآيات، صبار على الضراء، شكور على السراء، صبار على طاعة اللّه وعن معصيته، وعلى أقداره، شكور للّه، على نعمه الدينية والدنيوية. وذكر تعالى حال الناس، عند ركوبهم البحر، وغشيان الأمواج كالظل فوقهم، أنهم يخلصون الدعاء [للّه] والعبادة: { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ } انقسموا فريقين: فرقة مقتصدة، أي: لم تقم بشكر اللّه على وجه الكمال، بل هم مذنبون ظالمون لأنفسهم. وفرقة كافرة بنعمة اللّه، جاحدة لها، ولهذا قال: { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ } أي غدار، ومن غدره، أنه عاهد ربه، لئن أنجيتنا من البحر وشدته، لنكونن من الشاكرين، فغدر ولم يف بذلك، { كَفُور } بنعم اللّه. فهل يليق بمن نجاهم اللّه من هذه الشدة، إلا القيام التام بشكر نعم اللّه؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):