Verse. 3502 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِيْ وَالِدٌ عَنْ وَّلَدِہٖ۝۰ۡوَلَا مَوْلُوْدٌ ہُوَجَازٍ عَنْ وَّالِدِہٖ شَـيْـــــًٔا۝۰ۭ اِنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰوۃُ الدُّنْيَا۝۰۪ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللہِ الْغَرُوْرُ۝۳۳
Ya ayyuha alnnasu ittaqoo rabbakum waikhshaw yawman la yajzee walidun AAan waladihi wala mawloodun huwa jazin AAan walidihi shayan inna waAAda Allahi haqqun fala taghurrannakumu alhayatu alddunya wala yaghurrannakum biAllahi algharooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «اتقوا ربكم واخشوْا يوما لا يجزي» يغني «والد عن ولده» فيه شيئا «ولا مولود عن هو جاز عن والده» فيه «شيئا إن وعد الله حقٌ» بالبعث «فلا تغرنكم الحياة الدنيا» عن الإسلام «ولا يغرنكم بالله» في حلمه وإمهاله «الغرور» الشيطان.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحداً أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير، ثم أكد الخوف بذكر اليوم الذي يحكم الله فيه بين العباد، وذلك لأن الملك إذا كان واحداً ويعهد منه أنه لا يعلم شيئاً ولا يستعرض عباده، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف، ثم أكده بقوله: {لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج عليه، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى، وذكر الولد والوالد جميعاً فيه لطيفة، وهي أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على الإبن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله: {لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } في دفع الآلام {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } في دفع الاهانة، وفي قوله: {لاَّ يَجْزِى } وقوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ } (لطيفة أخرى) وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئاً يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط، وكذلك من يحيك شيئاً ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك، إذا علمت هذا فنقول الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد لا يجزي وقال في الولد {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ }. ثم قال تعالى: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } وهو يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون تحقيقاً لليوم يعني اخشوا يوماً هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق والثاني: أن يكون تحقيقاً لعدم الجزاء يعني: {لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } لأن الله وعد بألا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق، فلا يجزي والأول أحسن وأظهر. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } يعني إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع (ذلك) اليوم المذكور بالوعد الحق. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } يعني الدنيا لا ينبغي أن تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا (بها) وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثاً، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} يعني الكافر والمؤمن؛ أي خافوه ووحّدوه. {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} تقدّم معنى «يَجْزِي» في البقرة وغيرها. فإن قيل: فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث لم تَمَسَّه النار إلا تحِلّة القسم»تفسير : . وقال: «حديث : من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهنّ كنّ له حجاباً من النار»تفسير : . قيل له: المعنيّ بهذه الآية أنه لا يحمل والدٌ ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنيُّ بالأخبار أن ثواب الصبر على الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقاً له إلى الجنة. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي البعث {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ} أي تخدعنكم {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} بزينتها وما تدعو إليه فتّتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قراءة العامة هنا وفي سورة الملائكة والحديد بفتح الغين، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره، وهو الذي يغرّ الخلق ويمنّيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة؛ وفي سورة «النساء»: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ}تفسير : [النساء: 120]. وقرأ سِماك بن حرب وأبو حيوة وابن السَّمَيْقَع بضم الغين؛ أي لا تغترّوا. كأنه مصدر غرّ يغر غُروراً. قال سعيد بن جُبير: هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منذراً للناس يوم المعاد، وآمراً لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة حيث {لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} أي: لو أراد أن يفديه بنفسه، لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه، لم يقبل منه، ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة، {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة، فإنه يغر ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء، بل كان ما قاله تعالى: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120] قال وهب بن منبه: قال عزير عليه السلام: لما رأيت بلاء قومي، اشتد حزني، وكثر همي، وأرق نومي، فضرعت إلى ربي، وصليت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع أبكي، إذ أتاني الملك، فقلت له: خبرني هل تشفع أرواح الصديقين للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء، وملك ظاهر ليس فيه رخصة، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد به غيره، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يهمه همه، ويبكي عوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره، رواه ابن أبي حاتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى } يغني {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } فيه شيئاً {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ } فيه {شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } بالبعث {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } عن الإِسلام {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ } في حلمه وإمهاله {ٱلْغَرُورُ } الشيطان.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم وَاخْشُوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لا يغني والد عن ولده يقال جزيت عنك بمعنى أغنيت عنك، قاله ابن عيسى. عيسى. الثاني: لا يقضي والد عن ولده، قاله المفضل وابن كامل. الثالث: لا يحمل والد عن ولده، قال الراعي: شعر : وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ليجزي إلا كاملٌ وابن كامل تفسير : أي حملت. {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حقٌّ} يعني البعث والجزاء. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يغرنكم الإمهال عن الانتقام. الثاني: لا يغرنكم المال عن الإسلام. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} وهي تقرأ على وجهين: أحدهما: بالضم. الثاني: بالفتح وهي قراءة الجمهور. ففي تأويلها بالضم وجهان: أحدهما: أن الغُرور الشيطان، قاله مجاهد. الثاني: الأمل وهو تمني المغفرة في عمل المعصية، قاله ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: أن تخفي على الله ما أسررت من المعاصي.

ابن عطية

تفسير : {يجزي} معناه يقضي، والمعنى لا ينفعه بشيء ولا يدفع عنه، و {هو جاز} جملة في موضع الصفة، أي ولا يجزي مولود قد كان في الدنيا يجزي، و {الغرور} التطميع بما لا يتحصل، و {الغرور} الشيطان، بذلك فسر مجاهد والضحاك وقال هو الأمل والتسويف، وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة "الغُرور" بضم العين، وقال سعيد بن جبير: معنى الآية أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، وقرأ الجمهور "يَجزي" بفتح الياء من جزا، وقرأ عكرمة "يُجزي" بضم الياء على ما لم يسم فاعله، وحكى ابن مجاهد قراءة "لا يُجزىء" بضم الياء والهمز وفي رفع "مولودٌ" اضطراب من النحاة قال المهدوي: ولا يكون مبتدأ لأنه نكرة وما بعده صفة له فيبقى بغير خبر. وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب "ولا يغرنكم" خفيفة النون، وقوله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} ذكرالنقاش أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الخمس وروي أنه سأل عن بعضها عن جنين وعما يكسب ونحو هذا فنزلت الآية حاصرة لمفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى ولن تجد من المغيبات شيئاً إلا هذه أو ما يعيده النظر، والتأويل إليها، و{علم الساعة} مصدر مضاف إلى المفعول، أي كل ما شأنه أن يعلم من أمر الساعة ولكن الذي استأثر الله تعالى به هو علم الوقت وغير ذلك قد أعلم ببعض منه، وكذلك نزول الغيث أمر قد استأثر الله تعالى بتفصيله وعلم وقته الخاص به، وأمر الأجنة كذلك، وأفعال البشر وجميع كسبهم كذلك وموضع موت كل بشر كذلك إلا الأصقاع والموضع الخاص بالجسد، وقرأ ابن أبي عبلة "بأيَّة أرض" فتح الياء وزيادة تاء تأنيث، و {عليم خبير} صفتان متشابهتان لمعنى الآية، وقال ابن مسعود: كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الخمس ثم تلا الآية، وقرأ "وينزِل" خفيفة أهل الكوفة وأبو عمرو وعيسى، وقرأ "وينزِّل" بالتثقيل نافع وأبو جعفر وعاصم وشيبة، وذكر أبو حاتم في ترجيح التثقيل رؤيا (انتهى).

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَجْزِى} لا يغني، أو لا يقضي، أو لا يحمل {الْغَرُورُ} الشيطان، أو الأمل.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} يعني خافوا ربكم {وأخشوا} يعني وخافوا {يوماً لا يجزي} يعني لا يقضي ولا يغني {والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} قيل معنى الآية أن الله ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد فنبه بالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه والولد يجزي عن والده لما له من حق التربية وغيرها فإذا كان يوم القيامة فكل إنسان يقول نفسي ولا يهتم بقريب ولا بعيد كما قال ابن عباس كل امرىء تهمه نفسه {إن وعد الله حق} قيل إنه تحقيق اليوم معناه اخشوا يوماً هذا شأنه وهو كائن بوعد الله به ووعده حق وقيل الآية تحقيق بعدم الجزاء يعني لا يجزي والد عن ولده في ذلك اليوم والقول الأول أحسن وأظهر {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} يعني لأنها فانية {ولا يغرنكم بالله الغرور} يعني الشيطان: قال سعيد بن جبير يعمل بالمعاصي ويتمنى المغفرة. قوله تعالى {إن الله عنده علم الساعة الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن حفصة من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال إن أرضنا أجدبت فقل لي متى ينزل الغيث وتركت امرأتي حبلى فمتى تلد ولقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت فأنزل الله هذه الآية (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتيح الغيب خمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير"تفسير : ومعنى الآية إن الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة أو أي شهر أو أي يوم ليلاً أو نهاراً {وينزل الغيث} فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلاً أو نهاراً إلا الله {ويعلم ما في الأرحام} أذكر أم أنثى أحمر أم أسود تام الخلقة أم ناقص {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} من خير أو شر {وما تدري نفس بأي أرض تموت} يعني ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض في بر أو بحر في سهل أو جبل {إن الله عليم} يعني بهذه الأشياء وبغيرها {خبير} أي ببواطن الأشياء كلها ليس علمه محيطاً بالظاهر فقط بل علمه محيط بالظاهر والباطن قال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى فمن ادعى أنه يعلم شيئاً من هذه الأمور فإنه كفر بالقرآن لأنه خالفه والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ...} الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور»: ـــ بفتح الغَيْنِ ـــ وهو الشيطانُ؛ قاله مجاهد وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني؛ بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته؛ ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللّهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه كما قاله الإمام العارفُ باللّه ابن عطاء اللّه. وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل؛ من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها سكناً؛ بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللّهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها. دائماً تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى. وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أُمَامَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ؛ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً؛ فَصَبَرَ عَلَىٰ ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ؛ قَلَّ تراثه»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ لاَ، يَا رَبِّ، وَلَـٰكِنِ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هَـٰذَا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ»تفسير : . قال أبو عيسَىٰ: هذا حَديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى. والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ. وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة، وفي الحديثِ الصحيح: عَنْهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَىٰ؛ وتلا الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ...} إلى آخرها»تفسير : . قال أبو حيَّان {بِأَيِ أَرْضٍ}: ـــ الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نَصْبٍ ـــ بـ {تَدْرِي}. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي} لا يقضي، ولا يغني {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً}. قال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه، واعلم أنه تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة والحنان والحُنُوِّ وهو الوالد والولد، فاستدل بالأولى على الأعلى فذكر الوالد والولد جميعاً لأن من الأمور ما يبادر الأب إلى تحمُّلِهِ عن الولد كدَفْع المال، وتَحَمُّل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد (مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد)، ومنها ما يبادر الولد إليه كالإهانة فإن من يريد (إحضار) والد آخر عند والٍ أو قاضٍ يهُونُ على الابن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله وإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الألم عن ابنه ويتحمله هو بنفسه. فقوله: {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} في دفع الآلام {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} في دفع الإهانة ثم قال: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي إن هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن لأن الله وعد به ووعده حق، وقيل: وعد الله حق بأنه لا يجزي والدٌ عن ولده لأنه وعد بأن لا تَزر وازرةٌ وزر أخرى ووعد الله حق {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي لا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} يعني الشيطان يزين في عينه الدنيا ويؤمله يقول: إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فَتجْتَمِع لك الدنيا والآخرة فنهاهم عن الأمرين. قوله: "وَلاَ مَوْلُودٌ" جوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه مبتدأ، وما بعده الخبر. والثاني: أنه معطوف على "وَالدٌ" وتكون الجملة صفة له. وفيه إشكال وهو أنه نفى عنه أن يَجْزِي ثم وصفه بأنه جازٍ، وقد يجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة، (فالحالان) باعتبار زمنين. وقد منع المَهْدَوِيُّ أن يكون مبتدأ، قال لأن الجملةَ بعده صفة له فيبقى بلا خبر، ولا مسوغ غير الوصف، وهو سهو لأن النكرة متى اعتمدت على نفي سَاغَ الابتداء بها، وهذا من أشهر مسوغاته، وقال الزمخشري: فإن قلت: (قوله) {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} هو وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه قلتُ: الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: "هُو" وقوله: "مَوْلُودٌ" قال: ومعنى التوكيد في لفظِ المولود أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه لم يقبل منه، فضلاً أن يشفع لمن فوقه مِنَ أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه الذي ولد منك قال: والسبب في مجيئه على هذا السَّنَنِ أن الخطابَ للمؤمنين وعلْيتهِمْ قبض آباؤهم في الكفر فأريد حسم أَطْمَاعِهِمْ وأطماع الناس فيهم. والجملة من قوله "لاَ يَجْزِي" صفة (ليوم)، والعائد محذوف أي (فِيهِ) فحذف برُمَّته أو على التدريج، وقرأ عكرمة "لاَ يُجْزَى" مبنياً للمفعول، وأَبُوا السَّمَّالِ، وأبو السّوّار لا يُجْزىء بالهمز من "أجْزَأَ عَنْهُ" أي أغنى، وقوله "شيئاً" منصوب على المصدر وهو من الإعمال، لأن "يَجْزِي" و "جَازٍ" يَطْلُبَانِهِ، والعامل "جَازٍ" على ما هو المختار للحذف من الأول. قوله: "فَلاَ تَغُرَّنَكُمْ" العامة على تشديد النون، وابنُ أبي إسْحَاق وابنُ أبي عَبْلَةَ ويعقوبُ بالتخفيف وسَمَّاك بنُ حَرْبٍ "الغُرُور" - بالضم - وهو مصدر، والعامة بالفتح صفة مبالغة كَشَكُورٍ صفة مبالغة كَشَكُورٍ وفسر بالشيطان على أنه يجوز أن يكون المضموم مصدراً واقعاً وصفاً للشيطان. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ...} الآية، نزلت في الوارثِ بن حارثَة محارب بن خصفة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - من البادية فسأله عن الساعة ووقتها، وقال إن أرضنا أَجْدَبَتْ فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حُبْلَى فمتى تلد؟ وقد علمت أَيْنَ ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ علمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"تفسير : . قال ابن الخطيب: قال بعض المفسِّرينَ: إن الله تعالى نفى (علم) أمور خمسة عن غيره بهذه الآية وهو كذلك لكن المقصودَ ليس ذلك لأن اللَّهَ يعلمُ الجوهر الفرد والطوفان وتقلب الريح من المشرِق إلى المغرب كَمْ مرةً ويعلم أين هُوَ ولا يعلمه غيره ويعلم أنه (ذَرَّهُ) في بَريَّة لا يسلكها أحد ولا يعلمها غيره فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنَّ الحق فيه أن نقول لما قال: اخْشَوا يوماً لا يجْزي والد عن ولده وذكر أنه كائن بقوله: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} كأن قائلاً قال: فمَتَى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لَمْ يَحْصُل لغير الله ولكن هو كائن. قوله: "مَاذَا تَكْسبُ" يجوز أن تكون "ما" استفهامية فتعلق الدراية، وأن تكونَ موصولة فينتصب بها، وقد تقدم حكم "مَاذَا" أول الكتاب وتكرر في غَضونِهِ. قوله: {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} "بأَيِّ أَرْضٍ" متعلق "بتَمُوتُ" وهو متعلق للدراية فهو في محل نَصْبٍ، وقرأ أُبَيُّ بن كعب وموسى الأهوازيّ "بأية أرض" على تأنيثها، وهي لغة ضعيفة كتأنيث "كُلّ" حيث قالوا: كُلُّهُنَّ (فَعَلْنَ ذَلِكَ) والمشهور بأيِّ أرض؛ لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء، وقيل: أراد بالأرض المكان. نقله البغوي والباطن فيه بمعنى في أي (في) أرضٍ نحو: زَيْدٌ بِمَكَّةَ أي فيها، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} لما خصص أولاً علمه بالأشياء المذكورة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} ذكر أن علمه غير مختصّ بل هو عليم مطلقاً بكل شيء وليس علمه بظاهر الأشياء فقط بل هو خبير بظواهر الأشياء وبواطنها. روى الثعلبي عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرََأ سُورَةُ لُقْمَان كان له لقمانُ رفيقاً يوم القيامة وأعْطِيَ من الحسنات عشراً بعدد من عَمِلَ بالمعروف ونَهَى عن المنكر ".

البقاعي

تفسير : ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة، وانتشرت في الخافقين ألوية العظمة ونفوذ الكلمة، وأعربت ألسن القدرة عن دلائل الوحدانية، فلم تدع شيئاً من العجمة، فظهر كالشمس أنه لا بد من الصيرورة إلى يوم الفصل وختم بالمكذب، أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ومطيعهم بالإقبال عليه، وخوّفهم ما هم صائرون إليه، منادياً لهم بأدنى أوصافهم لما لهم من الذبذبة كما عرف به الحال الذي شرح آنفاً فقال: {يأ أيها الناس} أي عامة، ولفت الكلام إلى الوصف المذكر بالإحسان ترغيباً وترهيباً فقال: {اتقوا ربكم} أي والذي لا إله لكم غيره، لأنه لا محسن إليكم غيره، اتقاء يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه، لا كما فعلتم عند ما رأيتم من أهوال البحر. ولما كانت وحدة الأله الملك توجب الخوف منه، لأنه لا مكافئ له، وكان أن عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا علم منه أن يستعرضهم قال: {واخشوا يوماً} لا يشبه الأيام، ولا يعد هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئاً بوجه. ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه، وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى المحاماة والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما، فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: {لا يجزي} أي يغني فيه، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائماً إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسباباً ستر قدرته بها، فصار الجاهل يحيل الأمر ويسنده إليها، وأما هناك فتزول الأسباب، وينجلي غمام الارتياب، ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب. ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: {والد} كائناً من كان {عن ولده} أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن الولد منه، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد عنده العطف والرقة، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد، وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: {ولا مولود} أي مولود كان {هو جاز عن والده} وإن علم أنه بعضه {شيئاً} من الجزاء، وفي التعبير بـ "هو" إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدناً لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط، ولا يصح "خياط" لأن ذلك ليس من صنعته، ولا من شأنه. ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن حقاً؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكداً لمكان إنكارهم، لأفتاً القول إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له: {إن وعد الله} الذي له جميع معاقد العز والجلال {حق} يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله، وعظيم قدرته وكماله، فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلاً عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم - أيها العرب كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار، وعانى فيه الشدائد الكبار، فلما ثبت أمره، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك اليوم، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات، تسبب عنه قوله: {فلا تغرنكم} مؤكداً لعظم الخطب {الحياة الدنيا} أي بزخرفها، ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم من الألف بالحاضر مُعم لهم عما فيه من الزور، والخداع الظاهر والغرور، فقال مظهراً غير مضمر لأجل زيادةً التنبيه والتحذير: {ولا يغرنكم بالله} الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته لكم {الغرور *} أي الكثير الغرور المبالغ فيه، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه، لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها، ويلهيكم به من تعظيم قدرها، وينسيكموه من كيدها وغدرها، وتعبها وشرها، وأذاها وضرها، فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم، فلا تعدونه معاداً، فلا تتخذون له زاداً، لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم يسأل عن وقته كما مضى في غير آية، ويأتي في آخر التي بعدها، إنا تعنتاً واستهزاء وإما حقيقة، أجاب عن ذلك ضاماً إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، لما في ذلك من الحكمة التي سقيت لها السورة، مرتباً لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق، فقال مؤكداً لما يعتقدون في كهانهم مظهراً الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له: {إن الله} أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي خاصة، ولو قيل له مثلاً ما أفاد الحضور، ولو قيل "لديه" لأوهم التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جداً، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن "لدى" أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها {علم الساعة} أي وقت قيامها، لا علم لغيره بذلك أصلاً. ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنوناً في قربها، وكشف بعض أمرها، عبر تعالى بالعلم، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها، وكانت أبعد الخمس عن علم الخلق، وكانت شيئاً واحداً لا يتجزى {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة}تفسير : [النازعات: 13] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت على طريق الحصر، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها، ماثلة على مذاقها بجميع أركانها، وأشكالها وألوانها، وسائر شأنها، وطيران الأرواح بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم، وتغاير صورهم وأطوالهم، وتباين ألسنتهم وأعمالهم، إلى غير ذلك من الأمور، وعجائب المقدور، ثم سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين، هذا إلى موجهم من شدة الزحام، والكروب العظام بعضاً في بعض. يطلبون من يشفع لهم في الحساب حتى يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون إلى انتقاض السماوات، وانكدار ما فيها من النيرات، ونزول الملائكة بعد قيامهم من منامهم، وهم من لا يحصى أهل سماء منهم، كثرة، كيف وقد أطت السماء وحق لها أن تئط, ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي, هذا إلى تبدل الأراضي وزوال الجبال، ونسف الأبنية والروابي والتلال، وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه. (المفتاح الثاني): آية الله في خلقه على قيام الساعة، وأدل الأدلة عليه وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب الذي كان نباتاً ثم إعادته نبتاً كما كان من قبل على اختلاف ألوانه، ومقاديره وأشكاله، وأغصانه وأفنانه، وروائحه وطعومه، ومنافعه وطبائعه - إلى غير ذلك من شؤونه، وأحواله وفنونه، التي لا يحيط بها علماً إلا خالقها ومبدعها وصانعها. ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ليفيد الامتنان، وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال: {وينزل الغيث} بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير بـ "كل" وقد أفاد ذلك الاختصاص بالعلم بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه، فإن من فعل شيئاً حقيقة لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله. (المفتاح الثالث): علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على البعث الكاشف عن تخطيطها وتصويرها، وتشكيلها وتقديرها، على وصفي الذكورة والأنوثة، مع الوضوح أو الإشكال، والوحدة أو الكثرة، والتمام أو النقص - إلى ما هناك من اختلاف المقادير والطبائع، والأخلاق والشمائل، والأكساب والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن - وغير ذلك من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم، ومحيي الرمم. ولما كانت للخلق في ذلك لكثرة الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولاً، ثم في كونه ذكراً أو أنثى ثانياً، ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات الناشئة عن طول التجارب، وكثرة الممارسة، عبر العلم فقال: {ويعلم ما في الأرحام} من ذكر أو أنثى حي أو ميت وغير ذلك، وصيغة المضارع لتجدد الأجنحة شيئاً فشيئاً وقتاً بعد وقت، والكلام في اللام والاختصاص بالعلم كالذي قبله سواء. (المفتاح الرابع): الكسب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة وآفات الشقاوة والمسفر عن حقائق الضمائر في صدقها عند البلاء وكذبها، وعن مقادير العزائم ورتب الغرائز، وعن أحوال الناس عند ذلك في الصداقة والعداوة والذكاء والغباوة والصفاء والكدر والسلامة والحيل، وغير ذلك من الصحة والعلل، في اختلاف الأمور، وعجائب المقدور، في الخيور والشرور، مما لا يحيط به إلا مبدعه، وغارزه في عباده وودعه، ولكون الإنسان - مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة يوسف عليه السلام - أن مادة "درى" تدور على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: {وما تدري نفس} أي من الأنفس البشرية وغيرها {ما} وأكد المعنى بـ "ذا" وتجريد الفعل فقال: {ذا تكسب غداً} أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على طريق الحصر، وعلم أيضاً أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقاً له لعلمه قطعاً، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضاً. (المفتاح الخامس): مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه. ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ما يمكله لكي يعلمه، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكداً بإعادة النافي والمسند: {وما تدري} وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال: {نفس} أي من البشر وغيره {بأيّ أرض تموت} ولم يقل: بأي وقت، لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضوع موته إذ علم به لبعد عنه ولم يقرب منه، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ {إن الله عنده علم الساعة} الآية"تفسير : ، وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: "حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب}" تفسير : - إلى آخر السورة، فقد دل الحديث قطعاً على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إتيانه بها تارة في جملة اسمية وتارة في فعلية، وتارة ليس فيها ذكر للعلم، وأخرى يذكر فيها، ويسند إليه سبحانه، ولكن لا على وجه الحصر، وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير إسناد للفعل إليه، وعلم سر قوله "بأيّ أرض" دون أيّ وقت، كما في بعض طرق الحديث. ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء، أثبت بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمناً فيصير مخبراً بعلمه لها مرتين، فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به، وذلك يستلزم إنكارهم لبعض علمه: {إنّ الله} أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة والكبرياء والجلال {عليم} أي شامل العلم للأمور كلها، كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس تارة نصاً وأخرى بطريق الأولى أو باللازم، فانطبق الدليل على الدعوى - والله الموفق. ولما أثبت العلم على هذا الوجه، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله: {خبير} أي يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها، كل عنده على حد سواء، فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم، باختلاف هذا النظام، على ما فيه من الإحكام، فقد انطبق آخر السورة - بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآخرة، كان حكيماً خبيراً عليماً مهذباً مهدياً مقرباً علياً، فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [الآية: 33]. قال بعضهم: من اعتمد على غيره فهو فى غرور لأن الغرور ما لا يدوم ولا يدوم شىء سواه وهو الدائم لم يزل ولا يزال وعطاؤه وفضله دائمان فلا تعتمد إلاَّ من يدوم عليك منه الفضل والعطاء فى كل نفس وحين وأوان وزمان.

القشيري

تفسير : يخوِّفهم مرةً بأفعاله فيقول: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً}تفسير : [البقرة: 48]، ومرةً بصفاته فيقول: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ}تفسير : [العلق: 14] ومرةً بذاته فيقول: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28].

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الناس} نداء عام لكافة المكلفين واصله لكفار مكة {اتقوا ربكم} [ببرهيزيد ازعذاب وخشم خداوند خويش] وذلك بالاجتناب عن الكفر والمعاصى وما سوى الله تعالى. قال بعض العارفين مرة يخوّفهم بافعاله فيقول {أية : اتقوا فتنة} تفسير : ومرة بصفاته فيقول {أية : ألم يعلم بان الله يرى} تفسير : ومرة بذاته فيقول {أية : يحذركم الله نفسه} تفسير : {واخشوا} الخشية خوف يشوبه تعظيم واكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى عليه {يوما}. قال فى التيسير يجوز ان يكون على ظاهره لان يوم القيامة مخوف {لا يجزى} فيه {والد عن ولده} اى لا يقضى عنه شيئا من الحقوق ولا يحمل من سيآته ولا يعطيه من طاعاته يقال جزاءه دينه اذا قضاه. وفى المفردات الجزاء الغناء والكفاية كقوله تعالى {أية : لا تجزى نفس عن نفس شيئا} تفسير : وبالفارسية [وبترسيد از روزى كه دفع نكند عذاب را وباز ندارد بدر از بسر خويش] والولد ولو كان يقع على القريب والبعيد اى ولد الولد لكن الاضافة تشير الى الصلبى القريب فاذا لم يدفع عما هو الصق به لم يقدر ان يدفع عن غيره بالطريق الاولى. ففيه قطع لاطماع اهل الغرور المفتخرين بالآباء والاجداد المعتمدين على شفاعتهم من غير ان يكون بينهم جهة جامعة من الايمان والعمل الصالح {ولا مولود} [ونه فرزندى] عطف على والد وهو مبتدأ خبره قوله {هو جاز} قاد ومؤدّ {عن والده شيئا} ما من الحقوق وخص الولد والوالد بالذكر تنبيها على غيرهما والمولود خاص بالصلبى الاقرب فاذا لم يقبل شفاعته للاب الاول الذى ولدمنه لم يقبل لمن فوقه من الاجداد وتغيير النظم للدلالة على ان المولود اولى بان لا يجزى ولقطع طمع من توقع من المؤمنين ان ينفع اباه الكافر فى الآخرة ولذا قالوا ان هذا الخبر خاص بالكفار فان اولاد المؤمنين وآباءهم ينفع بعضهم بعضا قال تعالى {أية : ألحقنا بهم ذريتهم} تفسير : اى بشرط الايمان {ان وعد الله} بالحشر والجنة والنار والثواب والعقاب والوعد يكون فى الخير والشر يقال وعدته بنفع وضر وعدا وميعادا والوعيد فى الشر خاصة {حق} كائن لا خلف فيه {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} يقال غره خدعه واطعمه بالباطل فاغتر هو كما فى القاموس والمراد بالحياة الدنيا زينتها وزخارفها وآمالها: يعنى [بمتاعهاى دلفريب او فريفته مشويد]. وفى التأويلات النجمية اى بسلامتكم فى الحال وعن قريب ستندمون فى المآل انتهى {ولا يغرنكم بالله الغرور}. قال فى المفردات الغرور كل ما يغر الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان اذ هو اخبث الغارين اى ولا يخدعنكم الشيطان المبالغ فى الغرور والخدعة بان يرجيكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصى وينسيكم الرجوع الى القبور ويحملكم على الغفلة عن احوال القيامة واهوالها شعر : وعذر فردارا عمر فردا بايد كار امروز بفردا نكذارى زنهار روز جون بافته كاركن وعذر ميار تفسير : قال فى كشف الاسرار الغرة بالله حسن الظن به مع سوء العمل وفى الخبر (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة) ونعم ما قيل شعر : ان السفينة لا تجرى على اليبس تفسير : فلا بد من الاعمال الصالحة فان بها النجاة وبها يلتحق الاواخر بالاوائل. ففى الآية حسم لمادة الطمع فى الانتفاع بالغير مع اهمال الاسلام او الطاعات اعتمادا على صلاح الغير فان يوم القيامة يوم عظيم لا ينفع فيه من له اتصال الولادة فما ظنك بما سواها ويشتغل كل احد بنفسه الا من رحمه الله تعالى. وعن كعب الاحبار تقول امرأة من هذه الامة لولدها يوم القيامة يا ولدى أما كان لك بطنى وعاء وحجرى وطاء وثديى سقاء كما قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نه طفلى زبان بسته بودى زلاف همى روزى آمد بجوفت زناف جونافت بريدند روزى كسست به بستان مادر در آويخت دست كنار وبرمادر دلبذير بهشت است وبستان ازو جوى شير تفسير : فاحمل عنى واحدا فقد اثقلنى ذنوبى فيقول هيهات يا اماه كل نفس بما كسبت رهينة فاذا حملت عنك فمن يحمل عنى شعر : من وتو دو محتاج يك مائده نه ازمن نه از تو بمن فائده حديث : وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "انه ليكون للوالدين على ولدهما دين فاذا كان يوم القيامة يتعلقان به فيقول ان ولد كما فيوّد ان لو كان اكثر من ذلك" تفسير : فلا يليق للمؤمن الاهمال فى العبادة والتوبة والندم اغترارا واعتمادا على مجرد الكرم ـ ذكر فى الاسرائيليات ـ ان الكليم عليه السلام مرض فذكر له دواء المرض فابى وقال يعافينى بغير دواء فطالت علته فاوحى الله تعالى اليه وقال وعزتى وجلالى لا ابرئك حتى تتداوى أتريد ان تبطل حكمتى. فاتضح بهذا ان الاعمال اسباب ووسائل للجنات والدرجات وان لم تكن عللا موجبة فكما ان اهل الدنيا يباشرون الاسباب فى تحصيل مرامهم فكذلك ينبغى لاهل الآخرة ان يباشروا الاعمال الصالحة فى تحصيل الدرجات العالية والمطالب الاخروية. ومن هذا المقام ما حكى عن ابراهيم بن ادهم قدس سره انه لما منع من دخول الحمام بلا اجرة تأوّه وقال اذا منع من دخول بيت الشيطان بلا شئ فأنى يدخل بيت الرحمن بلا شئ. قال بعض الكبار لا ينبغى للمؤمن ان يتطير ويعد نفسه من الاشقياء فيتكاسل فى العمل بل ينبغى ان يحسن الظن بالله تعالى ويجاهد فى طريقه فان للاعتقاد تأثيرا بليغا وقد وعد الله ووعد الشيطان ووعد الله تعالى صدق محض لانه هو الولى ووعد الشيطان كذب محض لانه هو العدو فالاصغاء لكلام الولى خير من استماع كلام العدو فلا تغتر بتغرير الشيطان والنفس ولا بالحياة الدنيا فان دولتها ذاهبة وزينتها زائلة وليس لها لاحد وفاء شعر : برمرد هشيار دنيا خس است كه هر مدتى جاى ديكر كسست منه برجهان دل كه بيكانه ايست جومطرب كه هرروز درخانه ايست نه لائق بود عشق بادلبرى كه هربا مدادش بود شوهرى مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعد از توهم همه تخت وملكى بذيرد زوال بجز ملك فرمانده لايزال وغم وشادمانى نماند وليك جزاى عمل ماند ونام نيك عروسى بود نوبت ماتمت كرت نيك روزى بود خاتمت خدايا بحق بنى فاطمه كه برقول ايمان كنم خاتمه تفسير : نسأل الله سبحانه ان يختمنا على افضل الاعمال الذى هو التوحيد وذكر رب العرش المجيد ويجعلنا فى جنات تحرى من تحتها الانهار ويشرفنا برؤية جماله المنير فى الليل والنهار آمين بجاه النبى الامين

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (بأي أرض)؛ قال في المصباح: الأفصح: استعمال "أي" في الشرط والاستفهام بلفظ واحد، للمذكر والمؤنث، وعليه قوله تعالى: {أية : فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} تفسير : [غافر: 81]، وقد تطابق في التذكير والتأنيث، نحو أَيُّ رَجُلٍ، وأي وأية امرأة. وفي الشاذ: بأية أرض تموت. هـ. يقول الحق جل جلاله: {أيها الناس اتقوا ربكم}؛ اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بطاعته وترك معصيته. {واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده} شيئاً، لا يقضى عنه شيئاً، ولا يدفع عنه شيئاً. والأصل: لا يجزى فيه، فحذف. {ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً}، وتغيير النظم في حق الولد، بأن أكده بالجملة الاسمية, وبزيادة لفظ (هو)، وبالتعبير بالمولود؛ للدلالة على حَسْمِ أطماعهم في أن ينفعوا آبائهم الذين ماتوا على الكفر؛ بالشفاعة في الآخرة. ومعنى التأكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل منه، فضلاً عن أن يشفع لأجداده، لأن الولد يقع على الولد وولد الولد، بخلاف المولود؛ لأنه لِمَا وُلِدَ منك. كذا في الكشاف. قلت: وهذا في حق الكفار، وأما المؤمنون؛ فينفع الولد والده، والوالد ولده بالشفاعة، كما ورد في قارئ القرآن والعالمِ، وكل من له جاه عند الله، كما تقدم في سورة مريم. ثم قال تعالى: {إِنَّ وعدَ الله} بالبعث والحساب والجزاء، {حقٌّ} لا يمكن خلفه، {فلا تغرنكم الحياةُ الدنيا}؛ بزخارفها الغرارة؛ فإِنَّ نعمها دانية، ولذاتها فانية، فلا تشغلكم عن التأهب للقاء، بالزهد فيها، والتفرغ لِمَا يرضي الله، من توحيده وطاعته، {ولا يغُرُّنَّكم بالله}، أي: لا يعرضنكم لخطر الغرة بالله وبحلمه، أو: لا يوقعنكم في الجهل بالله والغرة به، {الغرورُ} أي: الشيطان، أو: الدنيا، أو: الأمل. وفي الحديث: "حديث : الكيسَ من دَانَ نَفسَهُ وعَمِلَ لَمَا بَعْدَ المَوْتِ، والأحمقُ من أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنَّى عَلَى الله الأمَاني"تفسير : . وفي الحديث أيضاً: "حديث : كَفَى بخشية الله علماً، وبالاغترار به جهلاً ". تفسير : {إن الله عنده علمُ الساعة} أي: وقت قيامها، فلا يعلمه غيره، فتأهبوا لها، قبل أن تأتيكم بغتة. {ويُنزل الغيث}: عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل، أي: إن الله يُثبت عنده علم الساعة، ويُنزل الغيث في وقته، من غير تقديم ولا تأخير، وفي محله، على ما سبق في التقدير، ويعلم كم قطرة ينزلها، وفي أي بقعة يمطرها. {ويعلم ما في الأرحام}؛ أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وشقي أو سعيد، وحسن أو قبيح. {وما تدري نفس ماذا تكْسِبُ غداً} من خير أو شر، ووفاق وشقاق، فربما كان عازمة على الخير فعملت شراً، أو على شر فعملت خيراً. {وما تدري نفس بأي أرضٍ تموتُ} أي: أين تموت، فربما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحُها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت بمكان لم يخطر ببالها. رُوي أن ملك الموت مرَّ على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، فقال الرجل: مَن هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: كأنه يُريدني، فسأل سليمانَ أن يحمله الريح ويلقيه ببلاد لهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجباً منه، لأني أُمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك. هـ. وجعل العلم لله والدرايةَ للعبد، لِمَا في الدراية من معنى التكسب والحيلة، فهذه الأمور الخمسة قد اختص الله بعلمها. وأما المنجم الذي يُخبر بوقت الغيث والموت؛ فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع، وما يُدرَك بالدليل لا يكون غيباً، على أنه مجرد الظن، والظن غير العلم. وعن ابن عباس: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب. وجاءه يهودي منجم، فقال: إن شئت أنبأتك أنه يحم ابنك ويموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول عليّ الحول حتى أموت. قال له: أين موتك؟ قال: لا أدري، فقال ابن عباس: صدق الله: {وما تدري نفس بأي أرض تموت}. ورأى المنصورُ في منامه ملك الموت، وسأله عن مدة عمره، فأشار بأصابعه الخمس، فعبرها المعبرون بخمس سنين، وبخمسة أشهر, وبخمسة أيام. فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو إشارة إلى هذه الآية، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله. هـ. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: قيل: إن الله تعالى يعلم الأشياء بالوَسم والرسم، والرسم يتغير، والوسم لا يتغير، فقد أخفى الله تعالى الساعة، ولم يخف أمارتها، كما جاء عن صاحب الشرع. وكذا قد يطلع أولياءه على بعض غيبه، ولكن لا من كل وجوهه، فقد يعلم نزول المطر من غير تعين وقته واللحظة التي ينزل فيها ومقداره، وبالجملة فعلمُ ما يكون من الخواص، جُملة لا تفصيلي، وجزئي لا كُلي، ومقيد لا مطلق، وعرضي لا ذاتي، بخلاف علمه تعالى. هـ. قال المحلي: روى البخاري؛ عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب الخمس: {إن الله عنده علم الساعة...} إلى آخر السورة.. ونقل ابن حجر عن ابن أبي جمرة، بعد كلام، ما نصه: والحكمة في جعلها خمسة: الإشارة إلى حصر العوالم فيها، ففي قوله: {ما تغيض الأرحام}: الإشارة إلى ما يزيد في الإنسان وما ينقص. وخص الرحم بالذكر، لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يعرفها أحد بحقيقتها، فغيرها بطريق الأولى. وفي قوله: لا يعلم متى يأتي المطر: إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسباباً قد تدل على وقوعه، لكنه من غير تحقيق. وفي قوله: "لا تدري نفس بأي أرض تموت": إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده، ولكن ليس ذلك حقيقة، وإن مات ببلده لا يعلم بأي بقعة يُدفن فيها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، بل قبر أعده هو له. وفي قوله: "ولا يعلم ما في غد إلا الله": إشارة إلى أنواع الزمان، وما فيها من الحوادث، وعبَّر بلفظ (غدٍ)؛ لكون حقيقته أقربَ الأزمنة إليه، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة، فما بعدُ عنه أولى. وفي قوله: "متى تقوم الساعة إلا الله"؛ إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا انتفى علم الأقرب انتقى علم ما بعدُ، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة. وقد بيّن في قوله تعالى، في الآية الأخرى، وهي قوله: {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الجن:26، 27] الآية، أن الإطلاع على شيء من هذه الأمور لا يكون إلا بتوقيف. هـ ملخصاً. والحاصل: أن العوالم التي اختص الله بها خمسة: عالم القيامة وما يقع فيه، والعالم العلوي وما ينشأ منه، وعالم الأرض وما يقع فيه، وعالم الإنسان وما يجري عليه، وعالم الزمان وما يقع فيه. {إن الله عليم خبير} عليم بالغيوب، خبير بما كان وبما يكون. وعن الزهري: أَكْثِرُوا من قراءة سورة لقمان؛ فإن فيها أعاجيب هـ. الإشارة: يا أيها الناس المتوجهون إلى الله، إنَّ وَعْدَ الله بالفتح، لمن أنهض همته إليه، حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا بأشغالها، عن النهوض إليها، ولا يغرنكم بكرم الله الشيطانُ الغرور، فيغركم بكرم الله، ويصرفكم عن المجاهدة والمكابدة؛ إذ لا طريق إلى الوصول إلا منهما، إن الله عنده علم الساعة التي يفتح عليها العبد فيها، وينزل غيث المواهب والواردات، ويعلم ما في أرحام الإرادة، من تربية المعرفة واليقين، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً من زيادة الإيمان ونقصانه، وما تلقاه من المقادير الغيبية، فيجب عليها التفويض والاستسلام، وانتظار ما يفعل الله بها في كل غد، وما تدري نفس بأي أرض من العبودية تموت فيها، إن الله عليم خبير. قال القشيري: في قوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم}: خوّفهم، تارةً، بأفعاله، فيقول: {أية : اتقوا الله}تفسير : [البقرة: 48 وغيرها]، وتارة بصفاته، فيقول: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ}تفسير : [العلق: 14]، وتارة بذاته، فيقول: {أية : وَيُحِذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمرآن: 28]. هـ. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} قرئ يجزى من الثّلاثىّ المجرّد بمعنى لا يقضى، ومن باب الافعال بمعنى لا يكفى {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ} اى مولود شأنه ان يكون جازياً عن ابيه وعن اقربائه {عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} باتيان القيامة ونشر الكتاب والحساب والمجازاة فيها {حَقٌّ} لا شوب كذبٍ فيه {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} عن آخرتكم واليوم الموعود لكم حتّى تغفلوا عنه وعن العمل له {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} اى الشّيطان بأن طوّل آمالكم وارجاكم التّوبة عند الموت واجرأكم على معاصى الله وجمع الدّنيا من الحلّ والحرام.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} أي اتقوا عذابه {واخشوا يوماً} أي يوم القيامة {لا يجزي والد عن ولده} أي لا يكفي عنه {ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} يعني لا يغني أحد عن أحد {إن وعد الله حق} في القيامة والجزاء لا يخلف فيه {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي لا تغتروا بكثرة السلام وكثرة النعم فإنها تزول عن قرب فلا تغرنكم {ولا يغرنكم بالله الغرور}، قيل: الشيطان، وقيل: الغرور ما يدعو لمعصية مثل الرؤساء والملوك وعلماء السوء {إن الله عنده علم الساعة} روي أن رجلا من محارث وهو الحارث بن عمرو بن حارثة أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وقد أبطت عنا السماء فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي فقد استملت ما في بطنها ذكر أم أنثى؟ وإني قد علمت ما عملت أمس فما أعمل غداً؟ وهذا مولدي فقد عرفته فأين أموت؟ فنزلت، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : مفاتح الغيب خمس..." تفسير : وتلا هذه، وعن ابن عباس: من ادّعى علم هذه الخمس فكذبوه إياكم والكهانة فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك وأهله في النار، وعن المنصور أنه أهمه معرفة مدة عمره، فرأى في منامه أن خيالاً كأنه أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس، فاستفتى العلماء في ذلك فأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وغير ذلك، حتى قال أبو حنيفة: ان مفاتح الغيب خمس ويعلمها الله فقط {إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام} أذكر أم أنثى؟ أتامّ أم ناقص؟ {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} برّة أم فاجرة ما تكسب من خير وشر {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أي تموت وقد تكون في مكان لم يخطر ببالها، وروي أن مالك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ قال: مالك الموت، قال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل، فقال مالك الموت لسليمان (عليه السلام): كان دوام نظري اليه تعجباً منه لأني أُمِرْتُ أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم وَاخْشَوْا يَوْماً} الخطاب للناس مطلقا وقيل: المراد اهل مكة وقيل المؤمنين والمراد اخشوا عقاب يوم: {لا يَجْزِي} لا يقضي وقرىء (لا يجزي) بضم الياء وبعد الزاء همزة من أجزأ عنه بمعنى عفى عنه. {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} اي لا يقضي عنه شيئا ولا يغني عنه شيئا والجملة نعت يوما والرابط محذوف اي لا يجزي فيه. {وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} فاذا كان الوالد لا يجزي عن ولده والولد لا يجزي عن والده مع كمال الشفقة والنفع بينهما في الدنيا فكيف غيرهما كل انسان حتى الأنبياء يقول نفسي نفسي ولا يهمه غيره الا هذا النبي الكريم على الله فانه يهمة أمر أمته، وجاز كقاض هو اسم فاعل على القراءة الأولى واما على الثانية فالفعل من اجزاء بمعنى اغنى وهو مهموز والوصف من جزى بالالف بمعنى قضى أو من جزى بالألف بمعنى أجزى وكذا يصح في يجزي في القراءة الأولى ان يكون بمعنى يجزي الذي هو من اجزاء وانما كذا الحكم في الجملة الثانية بجعلها اسمية ويذكر هو لان الخطاب للمؤمنين فيما قيل وقد قبض آبائهم على الكفر فحسم طمعهم ان ينتفعوا لهم في الآخرة فاذا لم تقبل شفاعة المولود في الوالد الأدنى فكيف في الجد او غيره والوالد يطلق على الأب والجد وان علا والمولود لا يطلق الا على من ولدت الأم والظاهر ان الخطاب للناس مطلقا وان التأكيد بالجملة الاسمية والضمير قطع لما قد يتوهم المؤمن والكتابي من ان ينفع أباه في الآخرة ولما يقوله المشرك من انه ان صح البعث شفع لي ولدي وكذا الولد يقول ان صح البعث شفع لي والدي واشعار بأن المولود اولى بأن لا يجزي عن والده وشيئا مفعول به لقوله (جاز) ويقدر مثله ليجزي وكذا ان جعلناه مفعولا مطلقا ولك جعله من التنازع اذا كان مفعولا به واجاز بعضهم التنازع في المفعول المطلق وهو الصحيح فيجوز كونه مفعولا مطلقا متنازعا فيه فيقدر ضميره مفعولا مطلقا للمهمل ولا يخفى ما في التعبير بشيء في سياق النفي اي لا يجزي احدهما عن الآخر في اقل قليل من هول اليوم او عذابه بأن يدفعه عنه ومولود مبتدأ خبره هو جاز وزعم بعضهم انه يجوز عطفه على والد وهو غير لأنه حينئذ يتعطل قوله (هو جاز). {إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} اي ان وعده بالبعث حق لا يمكن خلفه او ان وعده بالثواب والعقاب او ان وعده بذلك اليوم او ان وعده بالثواب والعقاب او ان وعده بعدم قضاء والد عن ولد ومولود عن والد والثلاثة الأولى اولى وهي متقاربة. {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَٰوةٌ الدُّنْيَا} عن الاسلام والد وام عليه وهي فانية وثوابه باق. {وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ} في حلمه وامهاله. {الغَرُورُ} هو الشيطان لعنه الله وقيل الدنيا والتذكر لكونه فعولا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول او قيل تمني المغفرة مع البقاء على المعصية والتمادي عليها وهو قول سعيد بن جبير وذلك ان الشيطان يرجي الناس المغفرة ويجرهم على المعصية وقرىء بضم العين فيكون مصدرا اسند اليه الغرور مبالغة كقولك جد جده بضم الدال الثانية او يكون مصدرا مراد به زينة الدنيا لانها غرور عن ابي امامة. عن رسول الله صلى لله عليه وسلم: "حديث : إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الظهر ذو حفظ من الصلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان خفيا في الناس لا يشار إِليه بالأَصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ثم نفض بيده فقال عجلت منيته "تفسير : قلت: نوائحه قل تراثه. وقال ايضا عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت يا ربي ولكني اشبع يوما واجوع يوما "تفسير : او قال: ثلاثا او نحو هذا (فإذا جعت تضرعت اليك واذا شبعت شكرتك وحمدتك). وروي ان الحارث بن عمرو بن حارثة بن خصفة من قبيلة تسمى محارب اتى من البادية الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله اخبرني عن الساعة متى قيامها واني قد القيت حياتي في الأرض وقد ابطأت عنا السماء فمتى تقطر وقيل قال: أن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث واخبرني عن ما في بطن امرأتي أذكر أم انثى؟ وقيل قال: متى تلد وعملت ما عملت امس فما اعمل غدا؟ وقد علمت اين ولدت فأين أموت؟ فنزل قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللهَ...}

اطفيش

تفسير : {يا أيها النَّاس اتقوا ربكم} احذورا عقابه على الاشراك، فاتركوا الاشراك {واخْشوَا يَوماً} خافوا هوله، واستعدوا له بالتوحيد والعمل الصالح {لا يَجْزي وَالدٌ} انسان والد ذكرا او انثى، كما فى مولود ووالد بعد، وفى قوله: {عَنْ ولده} الجملة نعت ليوما، والرابط محذوف: اى لا يجزى فيه، وقبل حذف فى وانتصب محل الهاء على نزع الجار، فصار لا يجزيه فيه، وصار كرابط الموصول المنصوب بالمتعدى على المفعولية، وحذفه مقيس، فصار هذا كالمقيس، والاول اولى لان هذا تكلف ما اوصل إلا الى الشبه. {ولا مَولودٌ} مبتدأ {هُو جازٍ عن والده شيئاً} خبر، والجملة معطوفة على الاولى، والرابط محذوف، اى ولا مولود هو جاز فيه، ولا يحسن تقديرة مرة واحدة، يتنازع فيه يجزى، وجاز وشيئا مفعول به لجاز، ويقدر ضميره ليجزى ولا يثبت، لانه فضله عمل فيه الاول، وكذا ان جعلنا شئيا بمعنى جزاء مفعولا مطلقا يتنازعاه، والجزاء فى الموضعين القضاء، ولا يدفع احدهما عن الاخر تباعة او عذابا، او مولود معطوف على والد، وجملة هو جاز الخ نعت مولود مثبتة لا منفية، كما نفيت فى الاعراب الاول، فيكون الجزاء المثبت فى هذا النعت وهو قوله: {هو جاز} واقعا فى الدنيا، او معناه ان من شأنه الجزاء لوالده لعظم حق الوالد، والجزاء المنفى، بقوله: {ولا مولود} الجزاء فى الاخرة. ويجوز ان يكون لا يجزى بمعنى لا يقبل، واكد فى قوله: {ولا مولود هو} الخ ما لم يؤكد قبله دفعا لما يتوهم الناس، او الوالد الذة يدخر الولد للنفع ان الولد يجزى عن والده شيئا يوم القيامة، كما يكفى عنه السوء فى الدنيا وجوبا وتفقها لعظم حقه عليه، اوأكد فيه ما يتوهم ان المسلم يشفع لابيه الكافر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: او بعده {ويا أيها الناس}خطاب لمن فى عهده صلى الله عليه وسلم، ولمن بعده الى يوم القيامة، وهكذا فى غير الموضع مما لا مانع فيه، فذلك تبليغ من مبلغ بعد مبلغ، ولا تتبع قول من قال خطاب لمن فى عهده فقط، واما غيره فبالاعلام، او اكد الكلام ايضا بلفظ مولود، لانه ولد الصلب، بخلاف الولد فانه يشمل ولد الولد، فاذا كان ولد الصلب لا يجزى، فأولى ان لا يجزى ولد الولد. وقال بعض ايضا: الولد حقيقة فى ولد الصلب، والمولود فى الاية الكبير، فانا الذى يتوهم منه النفع والقدرة على النفع، او يراد الصغير فانه مع عدم اشتغاله بنفسه عن ابيه فى الدنيا، لا يدفع عنه فى الاخرة، فاولى ان لا يدفع عنه الكبير المشتغل بنفسه، وجاء ان الصبى يشفع لابيه المؤمن، وليس بجزاء، فلا ينافى الاية، وان قلنا: انه جزاء فلا بأس ايضا لتوقفه على القبول، والمنفى فى الاية على اطلاقه دون توقف على قبول. {إنَّ وعْد الله} بالثواب والعقاب، والخير، ويوم لا يجزى والد عن ولده، والوعيد يخص العذاب والسوء {حَقٌ} ثابت لا يختلف الثواب ولا العقاب، ولا الخير الموعود به مطلقا، ولا اليوم الموعود بانه لا يجزى فيه والد عن ولده {فَلا تغرنكم الحياةُ الدُّنيا} بلذاتها والرغبة فى صحبة الاشرار وموافقتهم {ولا يغرنكم بالله} عن الله يعدى بعن، لانه بمعنى لا يلهكم، فالباء بمعنى عن، او هى للبدل {الغَروُرُ} الشيطان بان يحملكم على الكفر والاصرار، وسائر المعاصى، وتسويق التوبة، وترجية المغفرة للتوحيد، ولو بلا وفاء وبلا يأس او للآلة او السبيبة، اى بذكر شئ من شأنه يجسركم عن المعصية، او الاصرار، وقيل: الغرور كل ما غرك حتى عصيت الله سبحانه، كمال وجاه وشيطان الجن او الانس، وقيل: الدنيا.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بيوم عظيم بعد ذكر دلائل الوحدانية، ويجزي من جزى بمعنى قضى ومنه قيل للمتقاضي المتجازي أي لا يقضي والد عن ولده شيئاً. وقرأ أبو السمال وعامر بن عبد الله وأبو السوار {لا يجزيء} بضم الياء وكسر الزاي مهموزاً ومعناه لا يغني والد عن ولده ولا يفيده شيئاً من أجزأت عنك مجزأ فلان أي أغنيت. وقرأ عكرمة {لاَّ يَجْزِى} بضم الياء وفتح الزاي مبنياً للمفعول، والجملة على القراءات صفة يوماً والراجع إلى الموصوف محذوف أي فيه فإما أن يحذف برمته وإما على التدريج بأن يحذف حرف الجر فيعدى الفعل إلى الضمير ثم يحذف منصوباً. وقوله تعالى: {وَلاَ مَوْلُودٌ } إما عطف على {وَالِدٌ } فهو فاعل {يَجْزِى } وقوله تعالى: {هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } في موضع الصفة له والمنفي عنه هو الجزاء في الآخرة والمثبت له الجزاء في الدنيا أو معنى هو جاز أي من شأنه الجزاء لعظيم حق الوالد أو المراد بلا يجزي لا يقبل منه ما هوجاز به، وأما مبتدأ والمسوغ للابتداء به مع أنه نكرة تقدم النفي، وذهل المهدوي عن ذلك فمنع صحة كونه مبتدأ وجملة {هُوَ جَازٍ } خبره و {شَيْئاً } مفعول به أو منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف، وعلى الوجهين قيل تنازعه يجزي وجاز واختيار ما لا يفيد التأكيد في الجملة الأولى وما يفيده في الجملة الثانية لأن أكثر المسلمين وأجلتهم حين الخطاب كان آباؤهم قد ماتوا على الكفر وعلى الدين الجاهلي فلما كان غناء الكافر عن المسلم بعيداً لم يحتج نفيه إلى التأكيد، ولما كان غناء المسلم عن الكافر مما يقع في الأوهام أكد نفيه قاله الزمخشري. وتعقبه ابن المنير بأنه يتوقف صحته على أن هذا الخطاب كان خاصاً بالموجودين حينئذ والصحيح أنه عام لهم ولكل من ينطلق عليه اسم الناس، ورده في «الكشف» بأن المتقدمتين فاسدتان، أما الثانية فلما تقرر في أصول الفقه أن {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يتناول الموجودين، وأما لغيرهم فبالإعلام أو بطريقه والمالكية موافقة، وأما الأولى فعلى تقدير التسليم لا شك أن أجلة المؤمنين وأكابرهم إلى انقراض الدنيا هم النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ومعلوم أن أكثرهم قبض آباؤهم على الكفر فمن أين التوقيف؟ اهـ. واختار ابن المنير في وجه ذلك «أن الله تعالى لما أكد الوصية بالآباء وقرن وجوب شكرهم بوجوب شكره عز وجل وأوجب على الولد أن يكفي والده ما يسوءه بحسب نهاية إمكانه قطع سبحانه هٰهنا وهم الوالد في أن يكون الولد في القيامة مجزيه حقه عليه ويكفيه ما يلقاه من أهوال يوم القيامة كما أوجب الله تعالى عليه في الدنيا ذلك في حقه فلما كان إجزاء الولد عن الوالد مظنون الوقوع لأنه سبحانه حض عليه في الدنيا كان جديراً بتأكيد النفي لإزالة هذا الوهم ولا كذلك العكس» وقريب منه ما قاله الإمام: إن الولد من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والولد يجزي لما فيه من النفقة وليس ذلك بواجب عليه فلذا قال سبحانه في الوالد: {لاَّ يَجْزِى } وفي الولد {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ } ألا ترى أنه يقال لمن يحيك وليست الحياكة صنعته هو يحيك ولمن يحيك وهي صنعته هو حائك، وقيل إن التأكيد في الجملة الثانية الدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزى لأنه دون الوالد في الحنو والشفقة فلما كان أولى بهذا الحكم استحق التأكيد / وفي القلب منه شيء. وقد يقال: إن العرب كانوا يدخرون الأولاد لنفعهم ودفع الأذى عنهم وكفاية ما يهمهم ولعل أكثر الناس اليوم كذلك فأريد حسم توهم نفعهم ودفعهم الأذى وكفاية المهم في حق آبائهم يوم القيامة فأكدت الجملة المفيدة لنفي ذلك عنهم وعد من جملة المؤكدات التعبير بالمولود لأنه من ولد بغير واسطة بخلاف الولد فإنه عام يشمل ولد الولد فإذا أفادت الجملة أن الولد الأدنى لا يجزي عن والده علم أن من عداه من ولد الولد لا يجزي عن جده من باب أولى. واعترض بأن هذه التفرقة بين الولد والمولود لم يثبتها أهل اللغة، ورد بأن الزمخشري والمطرزي ذكرا ذلك وكفى بهما حجة، ثم إن في عموم الولد لولد الولد أيضاً مقالاً فقد ذهب جمع أنه خاص بالولد الصلبـي حقيقة. وقال صاحب «المغرب» يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولوداً أيضاً لقرب عهده من الولادة كما يقال لبن حليب ورطب جني للطري منهما، ووجه أمر التأكيد عليه بأنه إذا كان الصغير لا يجزي حينئذ مع عدم اشتغاله بنفسه لعدم تكليفه في الدنيا فالكبير المشغول بنفسه من باب أولى وهو كما ترى، وخصص بعضهم العموم بغير صبيان المسلمين لثبوت الأحاديث بشفاعتهم لوالديهم. وتعقب بأن الشفاعة ليست بقضاء ولو سلم فلتوقفها على القبول يكون القضاء منه عز وجل حقيقة فتدبر. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } قيل بالثواب والعقاب على تغليب الوعد على الوعيد أو هو بمعناه اللغوي {حَقّ } ثابت متحقق لا يخلف وعدم إخلاف الوعد بالثواب مما لا كلام فيه وأما عدم إخلاف الوعد بالعقاب ففيه كلام والحق أنه لا يخلف أيضاً، وعدم تعذيب من يغفر له من العصاة المتوعدين فليس من إخلاف الوعيد في شيء لما أن الوعيد في حقهم كان معلقاً بشرط لم يذكر ترهيباً وتخويفاً، والجملة على هذا تعليل لنفي الجزاء، وقيل: المراد إن وعد الله بذلك اليوم حق، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه لما قيل: يا أيها الناس اتقوا يوماً الخ سأل سائل أن يكون ذلك اليوم؟ فقيل: إن وعد الله حق أي نعم يكون لا محالة لمكان الوعد به فهو جواب على أبلغ وجه، وإليه يشير كلام الإمام. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } بأن تلهيكم بلذاتها عن الطاعات {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } أي الشيطان كما روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد والضحاك بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم ويرجيكم التوبة والمغفرة منه تعالى أو يذكر لكم أنها لا تضر من سبق في علم الله تعالى موته على الإيمان وأن تركها لا ينفع من سبق في العلم موته على الكفر، وعن أبـي عبيدة كل شيء غرك حتى تعصي الله تعالى وتترك ما أمرك سبحانه به فهو غرور شيطاناً أو غيره، وإلى ذلك ذهب الراغب قال: الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان. وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغر وتضر وتمر، وأصل الغرور من غر فلاناً إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد والمراد به الخداع، والظاهر أن {بِٱللَّهِ } صلة {يَغُرَّنَّكُم } أي لا يخدعنكم بذكر شيء من شؤونه تعالى يجسركم على معاصيه سبحانه. وجوز أن يكون قسماً وفيه بعد. وقرأ ابن أبـي إسحاق وابن أبـي عبلة ويعقوب {تَغُرَّنَّكُمُ } بالنون الخفيفة. / وقرأ سمال بن حرب وأبو حيوة {ٱلْغُرُورِ } بضم الغين وهو مصدر والكلام من باب جد جده، ويمكن تفسيره بالشيطان بجعله نفس الغرور مبالغة.

ابن عاشور

تفسير : إن لم يكن {يا أيها الناس} خطاباً خاصاً بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بُعد السائرين عنها، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقَّب بما يصلح لِكِلا الفريقين، وإن كان الخطاب خاصاً بالمشركين جرْياً على ما روي عن ابن عباس أن {يا أيها الناس} خطاب لأهل مكة، فالمراد بالتقوى: الإقلاع عن الشرك. وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخُطبة بعد مقدماتها إذ كانت المقدمات الماضية قد هيّأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر بالموعظة الحسنة، وإن لاصطياد الحكماء فُرصاً يحرصون على عدم إضاعتها، وأحسن مُثُلها قول الحريري في «المقامة الحادية عشرة»: «فلما ألحدوا الميْت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رُباوة، متخصر بهراوة، فقال: لِمثْل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا يأْيها الغافلون، وشمروا أيها المقصرون» الخ... فأما القلوب القاسية، والنفوس المتعاصية، فلن تأسُوَها آسية. ولاعتبار هذا الموقع جعلت الجملة استئنافاً لأنها بمنزلة الفذلكة والنتيجة. والتقوى تبتدىء من الاعتراف بوجود الخالق ووحدانيته وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتنتهي إلى اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات في الظاهر والباطن في سائر الأحوال. وتقدم تفصيلها عند قوله تعالى {أية : هدىً للمتقين} تفسير : في سورة البقرة (2) وتقدم نظير هذا في سورة الحج (32). وخشية اليوم: الخوف من أهوال ما يقع فيه إذ الزمان لا يخشى لذاته، فانتصب {يوماً} على المفعول به. والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم قال تعالى {أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا}تفسير : [الفرقان: 21]. وجملة {لا يَجْزِي والدٌ عن ولده}الخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور بــــ(في) توسعاً بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله {أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} تفسير : في سورة البقرة (48). وجَزى إذا عدي بـ {عن} فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه، ولذلك يقال للمتقاضي: المتجازي. وجملة {ولا مولود} الخ عطف على الصفة و{مولود} مبتدأ. و{هو} ضمير فصل. و{جاز} خبر المبتدأ. وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما أولى بهذا النفي، قال تعالى: {أية : يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه} تفسير : الآية [عبس: 34 35]. وابتدىء بـ {الوالد} لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصاً من سوء إلا فعله. ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله تعالى: {أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً} تفسير : في سورة البقرة (123)، أن هذه الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين، وربما كان الأب مسلماً والولد كافراً وربما كان العكس، وقد يتوهم بعضُ الكافرين حين تُداخلهم الظنون في مصيرهم بعد الموت أنه إذا ظهر صدق وعيد القرآن إياهم فإن من له أب مسلم أو ابن مسلم يدفع عنه هنالك بما يُدلّ به على رَبّ هذا الدين، وقد كان قاراً في نفوس العرب التعويل على المولَى والنصير تعويلاً على أن الحَمية والأنفة تدفعهم إلى الدفاع عنهم في ذلك الجمع وإن كانوا من قبل مختلفين لهم لضيق عطن أفهامهم يقيسون الأمور على معتادهم. وهذا أيضاً وجه الجمع بين نفي جزاء الوالد عن ولده وبين نفي جزاء الولَد عن والده ليشمل الفريقين في الحالتين فلا يتوهم أن أحد الفريقين أرجى في المقصود. ثم أوثرت جملة {ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} بطرق من التوكيد لم تشتمل على مثلها جملة {لا يجزي والد عن ولده} فإنها نظمت جملة اسمية، ووُسِّط فيها ضمير الفصل، وجعل النفي فيها منصبّاً إلى الجنس. ونكتة هذا الإيثار مبالغة تحقيق عدم جَزْءِ هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظمُ المؤمنين من الأبناء والشبابِ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي قحافة والد أبي بكر، وأبي طالب والد علي، وأم سعد بن أبي وقاص، وأم أسماء بنت أبي بكر، فأُريد حسم أطماع آبائهم وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة بشيء. وعبر فيها بــــ {مولود} دون (ولد) لإشعار {مولود} بالمعنى الاشتقاقي دون (ولد) الذي هو اسم بمنزلة الجوامد لقصد التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخول صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك في الآخرة وفاء له بما تُومىء إليه الموْلُودية من تجشّم المشقة من تربيته، فلعله يتجشم الإلحاح في الجزاء عنه في الآخرة حسماً لطمعه في الجزاء عنه، فهذا تعكيس للترقيق الدنيوي في قوله تعالى {أية : وقل ربّ ارحمهما كما رَبَّيَاني صغيراً} تفسير : [الإسراء: 24] وقوله: {أية : وصاحبْهما في الدنيا معروفاً} تفسير : [لقمان: 15]. وجملة {إن وعد الله حق} علة لجملتي {اتقوا ربّكم واخْشَوْا يوماً}. ووعدُ الله: هو البعث، قال تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخِرون عنه ساعةً ولا تستقدمون} تفسير : [سبأ: 29 ــــ 30]. وأكد الخبر بــــ {إنّ} مُراعاة لمنكري البعث، وإذ قد كانت شبهتهم في إنكاره مشاهدة الناس يموتون ويخلفهم أجيال آخرون ولم يرجع أحد ممن مات منهم {أية : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} تفسير : [الجاثية: 24] وقالوا: {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}تفسير : [الأنعام: 29]. فُرع على هذا التأكيد إبطال شبهتهم بقوله: {فلا تَغرنَّكم الحياة الدنيا}، أي لا تغرنّكم حالة الحياة الدنيا بأن تتوهموا الباطل حقاً والضرّ نفعاً، فإسناد التغرير إلى الحياة الدنيا مجاز عقلي لأن الدنيا ظرف الغرور أو شُبْهَتِه، وفاعل التغرير حقيقة هم الذين يُضِلّونهم بالأقيسة الباطلة فيشبهون عليهم إبطاء الشيء باستحالته فذُكرت هنا وسيلة التغرير وشبهته ثم ذكر بعده الفاعل الحقيقي للتغرير وهو الغَرور. والغَرور بفتح الغين: من يكثر منه التغرير، والمراد به الشيطان بوسوسته وما يليه في نفوس دعاة الضلالة من شبه التمويه للباطل في صورة وما يلقيه في نفوس أتباعهم من قبول تغريرهم. وعطف {ولا يغرنكم بالله الغرور} لأنه أدخل في تحذيرهم ممن يلقون إليهم الشبه أو من أوهام أنفسهم التي تخيل لهم الباطل حقاً ليهموا آراءهم. وإذا أريد بالغَرور الشيطان أو ما يشمله فذلك أشد في التحذير لما تقرر من عداوة الشيطان للإنسان، كما قال تعالى: {أية : يا بني آدم لا يَفْتِننَّكم الشيطان كما أخرج أبوَيْكم من الجَنة}تفسير : [الأعراف: 27] وقال: {أية : إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذُوه عدواً}تفسير : [فاطر: 6]، ففي التحذير شوب من التنفير. والباء في قوله {ولا يغرنكم بالله}هي كالباء في قوله تعالى {أية : يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم}تفسير : [الانفطار: 6]. وقرر في «الكشاف» في سورة الانفطار معنى الباء بما يقتضي أنها للسببية، وبالضرورة يكون السبب شأناً من شؤون الله يناسب المقام لا ذاتَ الله تعالى. والذي يناسب هنا أن يكون النهي عن الاغترار بما يسوِّله الغَرور للمشركين كتوهم أن الأصنام شفعاء لهم عند الله في الدنيا واقتناعهم بأنه إذا ثبت البعث على احتمال مرجوح عندهم شفعت لهم يومئذ أصنامهم، أو يغرُّهم بأن الله لو أراد البعث كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعث آباءهم وهم ينظرون، أو أن يغرهم بأن الله لو أراد بعث الناس لعجّل لهم ذلك وهو ما حكى الله عنهم: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} تفسير : [يونس: 48] فذلك كله غرور لهم مُسبب بشؤون الله تعالى. ففي هذا ما يوضح معنى الباء في قوله تعالى: {ولا يغرنكم بالله الغرور} وقد جاء مثله في سورة الحديد (14). وهذا الاستعمال في تعدية فعل الغرور بالباء قريب من تعديته بــــ(من) الابتدائية في قول امرىء القيس:شعر : أغرّكِ مني أن حبَّك قَاتِلي تفسير : أي: لا يغرنَّك مِن معاملتي معك أن حبك قاتلي.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات اتقوا ربكم: أي خافوا فآمنوا به واعبدوه وحده تنجوا من عذابه. واخشوا يوما: أي خافوا يوم الحساب وما يجري فيه. لا يجزي والد عن ولده: أي لا يغني والد فيه عن ولده شيئا. إن وعد الله حق: أي وعد الله بالحساب والجزاء حق ثابت لا محالة هو كائن. لا تغرنكم الحياة الدنيا: أي فلا تغتروا بالحياة الدنيا فإِنها زائلة فأسلموا تسلموا. ولا يغرنكم بالله الغرور: أي الشيطان يغتنم حلم الله عليكم وإِمهاله لكم فيجسركم على المعاصي ويسوفكم في التوبة. وينزل الغيث: أي المطر. ويعلم ما في الأرحام: أي من ذكر أو أنثى ولا يعلم ذلك سواه. ماذا تكسب غدا: أي من خير أو شر والله يعلمه. معنى الآيتين الكريمتين هذا نداء عام لكل البشر يدعوهم فيه ربهم تعالى ناصحاً لهم بأن يتقوه بالإِيمان به وبعبادته وحده لا شريك له وأن يخشوا يوماً عظيما فيه من الأهوال والعظائم ما لا يقادر قدره بحيث لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إذ كل واحد لا يريد إلا نجاة نفسه فيقول نفسي نفسي وهذا لشدة الهول يوم لا يغني أحد عن أحد شيئا ولو كان أقرب قريب، وهو يوم آت لا محالة حيث وعد الله به الناس ووعد الله حق والله لا يخلف الميعاد، ويقول لهم بناءً على ذلك {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} بملاذها وزخارفها وطول العمر فيها، {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ} ذي الحلم والكرم {ٱلْغَرُورُ} أي الشيطان من الإِنس أو الجن يحملكم على تأخير التوبة ومزاولة أنواع المعاصي بتزيينها لكم وترغيبكم فيها فانتبهوا فإِن الموت لا بُد منه وقد يأتي فجأة فالتوبة التوبة يا عباد الله هذه نصيحة الرّب تبارك وتعالى لعباده فهل من مستجيب؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى [33]. أما الآية الثانية [34] فالله جل جلاله يخبر عباده بأنه استقل بعلم الساعة متى تأتي والقيامة متى تقوم وليس لأحد أن يعلم ذلك كائناً من كان وهذه حال تتطلب من العبد أن يعجل التوبة ولا يؤخرها، كما استقل تعالى بعلم وقت نزول المطر في يوم أو ليلة أوساعة من ليل أو نهار، ويعلم ما في الأرحام أرحام الإناث من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أحمر أو أسود ومن طول وقصر ومن إيمان أو كفر ولا يعلم ذلك سواه ويعلم ما يكسب كل إنسان في غده من خير أو شر أو غنى أو فقر، ويعلم أين تموت كل نفس من بقاع الأرض وديارها ولا يعلم ذلك إلا الله ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مفاتح الغيب خمسة وقرأ: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} تفسير : "في الصحيح". وقوله إن الله عليم أي بكل شيء وليس بهؤلاء الخمسة فقط خبير بكل شيء من دقيق أو جليل من ذوات وصفات وأحوال وببواطن الأمور كظواهرها وبهذا وجب أن يُعبد وحده بما شرع من أنواع العبادات التي هي سُلم النجاح ومرقى الكمال والإِسعاد في الدارين. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1) وجوب تقوى الله عز وجل بالإِيمان به وتوحيده في عبادته. 2) تقرير عقيدة البعث والجزاء. 3) التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا، والتحذير من الشيطان أي من اتباعه والاغترار بما يُزينه ويحسنه من المعاصي. 4) بيان مفاتح الغيب الخمسة واختصاص الربّ تعالى بمعرفتها. 5) كل مدع لمعرفة الغيب من الجن والإِنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته. 6) ما ادّعى اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في قوله تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال هو كذا وذلك لوجود أشعة عاكسة أمّا المنفيّ عن كل حد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكراً أو أنثى ولا يقربُ منها ولا يجرّبها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأيّة محاولة.

القطان

تفسير : اتقوا ربكم: خافوا عقابه. لا يجزي: لا يغني ولا ينفع. الغرور: بفتْح الغَين، ما غرَّ الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان. الساعة: يوم القيامة. الغيث: المطر. ما في الارحام: ما في بطون الحبالى من مواليد. يختم الله هذه السورة الكريمة بآيتين عظيمتين، الأولى فيها يذكّر الناسَ بالتقوى والعمل الصالح، وان هناك هولاً أكبر من هول البحر، وذلك هو يوم القيامة بحيث لا ينفع والد ولدَه، ولا ولد والده. والثانية قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فقرر أن ثلاثة من هذه الخمسة لا يعلمها الا هو، وهي وقت قيام الساعة وعدم علمِ أي انسان ماذا يكسب غداً، ولا في أي ارضٍ يموت. وقال: {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} فلم يحصر هذين الأمرين بعلمه. وذلك لسابق علمه أن الانسان بإعمال عقله يمكنه ان يكتشف اموراً كثيرة. وقد استطاع الانسان باستعمال عقله والعلم وتوفيق الله ان ينزل المطر في بعض المناطق وان كل على نطاق ضيق، ونفقات عالية. واستطاع بوساطة الآلات الحديثة ان يعلم نوع الجنين في الأرحام ولا يزال يجهل كثيراً من الأمور. {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.... }تفسير : [الاسراء:85] وهكذا تختم هذه السورة بهذا الستار المسدول والعلم العجيب. فتبارك الله خالق القلوب ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للعالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {يٰأَيُّهَا} (33) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعالَى النَّاسَ مِنْ أَهوالِ يومِ القِيَامَةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِتَقْوَاهُ لِيُنقِذُوا أَنفُسَهُمْ مِنْ أَهْوَالِهِ، فَهُوَ يومٌ لاَ يستَطِيعُ فِيهِ أحدٌ نَفْعَ أحدٍ، فَلا الوَالِدُ يستَطيعُ أنْ يَفْدِيَ ابنَهُ، وَلا المَولُودُ يَستَطيعُ أَنْ يَفْدِيَ وَالِدَهُ، أَوْ أَنْ يَنْفَعَهُ بشيءٍ، أَوْ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ ذُنُوبِهِ شَيْئاً، وَلاَ يَنْفَعُ الإِنسانَ فِي ذَلِكَ اليومِ إِلا إِيمَانُهُ برَبِّهِ، وإِخلاصُهُ العِبَادَة لَهُ، وَعَمَلُهُ الصَّالِحُ. ثُمَّ يأمرُ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بِأَلاَّ تُلْهِيَهُمُ الحَيَاةُ الدُّنيا بِزُخْرُفِها، وَزِينَتِهَا، وَمَتَاعِهَا، عَنِ العَمَلِ النَّافِعِ لِيَومِ القِيَامَةِ، وَيومُ القِيَامةِ هوَ وعدٌ حَقٌّ مِنَ اللهِ، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً. كَمَا يَأْمُرُهُمْ بأَلاّ يَغُرَّهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَحْمِلَهُمْ على المَعَاصي بِتَزْيِينِها لَهُمْ. يَوْماً لا يَجْزِي - لاَ يَقْضِي فِيهِ شَيْئاً. فَلاَ تَغُرَّّنّكُمْ - فَلاَ تَخْدَعَنَّكُمْ وَتُلْهِينَّكُمْ بِلَذَّاتِها. الغَرُورُ - الشّيطَانُ وَكُلُّ مَا يَغُرُّ وَيَخْدَعُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : خطاب الحق سبحانه لعباده بيأيها الناس يدل على أنه تعالى يريد أنْ يُسعدهم جميعاً في الآخرة، وسبق أنْ ذكرنا الحديث القدسي الذي تقول فيه الأرض: يا رب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، وقالت البحار: نغرقه ... إلخ، فكان الرد من الخالق عز وجل "حديث : دعوني وخلقي، فلو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : وقوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ..} [لقمان: 33] التقوى أنْ تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية تقيك وتحميك؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [آل عمران: 131] وهما بمعنى واحد؛ لأن معنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات جلال ربكم وانتقامه وجبروته وقاية، وكذلك في: اتقوا النار. فالخطاب هنا عام للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن يُدخلهم جميعاً حيِّز الإيمان والطاعة، ويريد أنْ يعطيهم ويمنّ عليهم ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نِعَم الدنيا فحسب، إنما أريد أنْ أعطيكم أيضاً نعيم الآخرة. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كان رحيماً حتى بالكافرين والمعاندين له، كما ذكرنا في قصة اليهودي الذي اتهموه ظلماً بسرقة درع أحد المسلمين، وقد عزَّ على المسلمين أنْ يُرمى واحد منهم بالسرقة، فجعلوها عند اليهودي، وعرضوا الأمر على سيدنا رسول الله، فأداره في رأسه: كيف يتصرف فيه؟ فأسعفه الله، وأنزل عليه: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [النساء: 105] لا بين المؤمنين فحسب {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] أي: لا تخاصم لصالح الخائن، وإنْ كان مسلماً، فالناس جميعاً سواء أمام مسئولية الإيمان. وفَرْق بين: اتقوا ربكم واتقوا الله؛ لأن عطاء الربوبية غير عطاء الألوهية، عطاء الربوبية إيجاد من عَدَم، وإمداد من عُدْم، وتربية للمؤمن وللكافر، أما عطاء الألوهية فطاعة وعبادة وتنفيذ للأوامر، فاختار هنا الرب الذي خلق وربَّى، وكأنه سبحانه يقول للناس جميعاً: من الواجب عليكم أن تجعلوا تقوى الله شكراً لنعمته عليكم، وإنْ كنتم قد كفرتُم بها. ولا تنتهي المسألة عند تقوى الرب في الدنيا، إنما {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ..} [لقمان: 33] أي: خافوا يوماً تُرجعون فيه إلى ربكم، وكلمة (يوم) تأتي ظرفاً، وتأتي اسماً مُتصرِّفاً، فهي ظرف إذا كان هناك حدث سيحدث في هذا اليوم كما تقول: خِفْت شدة الملاحظة يوم الامتحان، فالخوف من الحدث، لا من اليوم نفسه، أمَّا لو قلت خفت يوم الامتحان، فالخوف من كل شيء في هذا اليوم، أي من اليوم نفسه. فالمعنى هنا {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً ..} [لقمان: 33] لأن اليوم نفسه مخيف بصرف النظر عن الجزاء فيه، وفي هذا اليوم {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ..} [لقمان: 33] خصَّ هنا الوالد والولد؛ لأنه سبحانه نصح الجميع، ثم خصَّ الوالدين في الوصية المعروفة {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} تفسير : [لقمان: 14]. ثم ذكر حيثيات هذه الوصية وقال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ..} تفسير : [لقمان: 14] فجعل لهما فضلاً ومَيْزة ومنزلة عند الله، حتى أصبحا مظنة النفع حتى يوم القيامة، فأراد سبحانه أنْ يُبيِّن لنا أن نفع الوالد لولده ينقطع في الآخرة، فكلٌّ منهما مشغول بنفسه، فلا ينفع الإنسان حتى أقرب الناس إليه. وفي سورة البقرة: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ..} تفسير : [البقرة: 48] أي: مطلق النفس، لا مجرد الوالد والولد، إنما عامة الناس لا ينفع أحد منهم أحداً أيّاً كان. والآية بهذا اللفظ وردت في موضعين: اتفقا في الصدر، واختلفا في العَجُز، وهي تتحدث عن نَفْسين: الأولى هي النفس الجازية أي: التي تتحمل الجزاء، والأخرى هي النفس المجزيَّة التي تستحق العقوبة. فالآية التي نظرت إلى النفس المجزيِّ عنها، جاء عَجُزها {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ..} تفسير : [البقرة: 123]. ومعنى: عَدْل أي فدية، فالنفس المجزيّ عنها أول مرحلة عندها لتدفع عن نفسها العذاب أن تعرض الفدية، فلا يقبل منها فدية، لكنها لا تيأس، بل تبحث عَمَّنْ يشفع لها من أصحاب الجاه والمنزلة يتوسط لها عند الله، وهذه أيضاً لا تنفع. أما النفس الجازية، فأول ما تعرض تعرض الشفاعة، فإنْ لم تُقبل عرضت العدل والفدية؛ لذلك جاء عَجُز الآية الأخرى الذي اعتبر النفس الجازية بتقديم الشفاعة على العدل. إذن: ذَيْل الآية الأولى عائد على النفس المجزيِّ عنها، وذيل الآية الثانية يعود على النفس الجازية. وهنا {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ..} [لقمان: 33] لأن الوالد مظنّة الحنان على الولد، وحين يرى الوالد ولده يُعذَّب يريد أنْ يفديه، فقدَّم هنا (الوالد) ثم قال: {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..} [لقمان: 33] فقدم المولود، وكان مقتضى الكلام أنْ نقول: ولا يجزي ولد عن والده، فلماذا عدل عن ولد إلى مولود؟ الكلام هنا كلام رب، وفرْق كبير بين ولد ومولود؛ لأن المسلمين الأوائل كان لهم آباء ماتوا على الكفر، فظنوا أن وصية الله بالوالدين تبيح لهم أنْ يجزوا عنهم يوم القيامة، فأنزل الله هذه الآية تبين لهؤلاء ألاَّ يطمعوا في أنْ يدفعوا شيئاً عن آبائهم الذين ماتوا على الكفر. لذلك لم يقل هنا ولد، إنما مولود، لأن المولود هو المباشر للوالد، والولد يقال للجد وإنْ علا فهو ولده، والجد وإنْ علا والده، فإذا كانت الشفاعة لا تُقبل من المولود لوالده المباشر له، فهي من باب أَوْلَى لا تُقبل للجدِّ؛ لذلك عَدل عن ولد إلى مولود، فالمسألة كلام رب حكيم، لا مجرد رَصْف كلام. لكن، متى يجزي الوالد عن الولد، والمولود عن والده؟ قالوا: الولد ضعيف بالنسبة لوالده يحتاج منه العطف والرعاية، فإذا رأى الوالد ولده يتألم سارع إلى أنْ يشفع له ويدفع عنه الألم، أما الولد فلا يدفع عن أبيه الألم لأنه كبير، إنما يدفع عنه الإهانة، فالوالد يشفع في الإيلام، والولد يشفع في الإهانة، فكل منهما مقام. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [لقمان: 33] عرفنا أن الوعد: إخبار بشيء يسر لم يَأْت وقته، وضده الوعيد، وهو إخبار بشيء يؤذي لم يأْتِ وقته بعد، لكن ما فائدة كل منهما؟ فائدة الوعد أنْ تستعدَّ له، وتأخذ في أسبابه، فهو يشجعك على العمل والسعي الذي يُحقِّق لك هذا الوعد كأنْ تَعِد ولدك مثلاً بجائزة إنْ نجح في الامتحان، وعلى العكس من ذلك الوعيد؛ لأنه يُخوِّفك من عاقبته فتحترس، وتأخذ بأسباب النجاة منه. إذن: الوعد حق، وكذلك الوعيد حق، لكنه خصَّ الوعد لأنه يجلب للنفس ما تحب، أمّا الوعيد فقد يمنعها من شهوة تحبها، ووضحنا هذه المسألة بأن الحق - سبحانه وتعالى - يتكلم في النعم أن منها نِعَم إيجاب، ونِعَم سلب. واقرأ في ذلك قول ربك: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36]. فإذا كانت الجنة وما فيها نعماً تستحق الشكر، ويمتنّ الله بها علينا، فأيُّ نعمة في الشواظ والنار والعذاب؟ قالوا: هي نعمة من حيث هي تحذير وتخويف من العذاب لتبتعد عن أسبابه، وتنجو منه قبل أنْ تقع فيه، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غِرَّة، ونبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه. ووَعْد الله حقٌّ؛ لأنه وعد ممَّنْ يملك الوفاء بما وعد، وإنفاذ ما وعد به، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء، فوعده لا يُوصَف بأنه حق؛ لذلك قال سبحانه في سورة الكهف: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. فأنت وإنْ كنتَ صادقاً فيما وعدتَ به إلا أنك لا تضمن البقاء إلى أنْ تفي بما وعدتَ، فإنْ بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك وبين الوفاء، وأنت لا تملك سبباً واحداً من هذه الأسباب. إذن: تأدب ودَع الأمر لمَنْ يملك كل أسباب إنفاذ الوعد، وقُلْ سأفعل كذا إن شاء الله، حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول: أردتُ لكن الله لم يشأ. وكأن ربنا - عز وجل - يريد أنْ يداري كذبنا ويستره علينا، يريد ألاَّ يفضحنا به، وأخرجنا من هذه المسئولية بترك المشيئة له سبحانه، وكأن قدر الله في الأشياء صيانة لعبيده من عبيده. لذلك كثيراً ما نقول حينما لا نستطيع الوفاء: هذا قدر الله، وماذا أفعل أنا، والأمر لا يُقضى في الأرض حتى يُقضى في السماء. وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه، فلا تغضب مني إنْ لم أفِ لك وأنت كذلك، والعاقل يعلم تماماً حين يقضي أمراً لأحد أن قضاء الأمر جاء معه لا به، فالقدر قضاء، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر، فكأن الله كرَّمه بأنْ يقضي الأمر على يديه، لذلك قلنا: إن الطبيب المؤمن يقول: جاء الشفاء معي لا بي، وأن الطبيب يعالج والله يشفي، إذن: لا يُوصَف الوعد بأنه حقٌّ إلا وعد الله عز وجل. وما دام وعد الله حقاً فعليك أنْ تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما توعَّدك عليه بشرٍّ، وألاَّ تغرك الحياة {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ..} [لقمان: 33] أي: بزينتها وزُخْرفها، فهي سراب خادع ليس وراءه شيء، واقرأ قول الله تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115]. والحق سبحانه يضرب لنا مثلاً للدنيا، لا ليُنفِّرنا منها، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها، وإلا فحبُّ الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها. يقول تعالى في هذا المثل: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [الكهف: 45] فسماها دنيا، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا {أية : كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ ..} تفسير : [الكهف: 45] نعم، كذلك الدنيا تزدهي، لكن سرعان ما تزول، تبدأ ابتداءً مقنعاً مغْرياً، وتنتهي انتهاءً مؤسفاً. وقوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [لقمان: 33] والغَرور بالفتح الذي يغرُّك في شيء ما، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول: شعر : أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التدَلُّل وإنْ كنت قَدْ أَزْمعتِ صَرْمي فأَجْمِلِي أغرَّك مني أنَ حبَّكِ قَاتِلي وأَنَّكِ مَهْما تأْمُري القَلْبَ يفعَلِ تفسير : فمعنى غرَّك: أدخل فيك الغرور، بحيث تُقبل على الأشياء، وتتصرف فيها في كنف هذا الغرور وعلى ضوئه. والغَرُور بالفتح هو الشيطان، وله في غروره طرق وألوان، فغرور للطائعين وغرور للعاصين، فلكل منهما مدخل خاص، فيغرّ العاصي بالمعصية، ويوسوس له بأن الله غفور رحيم، وقد عصا أبوه فغفر الله له. لذلك أحد الصالحين سمع قول الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ * ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} تفسير : [الانفطار: 6-7] فأجاب هو: غرَّني كرمه، لأنه خلقني وسوَّاني في أحسن صورة، وعاملني بكرم ودلَّّلني، حتى أصابني الغرور بذلك، ولو أنه عز وجل قسا علينا ما اغتررنا. وكان لأحدهم دَيْن خمسة صاغ فضة عند آخر، فردَّها إليه، فلما نظر فيها الدائن وجدها ممسوحة فأعادها إليه، فقال المدين: والله لو كنت كريماً لقبلتها دون أنْ تنظر فيها. فأخذ الواعظ هذه الواقعة وأراد أنْ يعظ بها الدائن، وكان يصلي صلاةً لا خشوعَ فيها، فقال له: إن صلاتك هذه لا تعجبني، فهي نَقْر لا خشوع فيها، أرأيت لو أن لك دَيْنا فأعطاك صاحب الدين نقوداً ممسوحة قديمة أكنت تقبلها؟ فقال الرجل: والله لو كنتُ كريماً أقبلها ولا أردها. ثم يقول الحق سبحانه مختتماً سورة لقمان: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ} يعني لا يُغْنِي. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} معناه الشَّيطانُ.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على الكفران والنسيان، المشغولون عن البغي والعدوان {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} الذي أظهركم من كتم العدم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، واحذروا عن بطشه وانتقامه، فإن بطشه شديد، وعذابه لعصاة عباده أليم مزيد {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً} وأي يوماً {لاَّ يَجْزِي} أي: لا يقضي ولا يسقط ولا يحمل {وَالِدٌ} مع كمال عطفه ورأفته {عَن} وزر {وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} بل كل نفس حينئذٍ رهينة ما كسبت، ضمينة ما اكتسبت بمقتضى ما وعد الله لها وككتب، وبالجملة: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي وعده لعباده {حَقٌّ} لا ريب في إنجامه، ولا خلف في وقوعه {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ} أيها المجبولون على الغفلة والغرور {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} يتغريرها وتلبيساتها من مالها وجاهها، ولذاتها الفانية الغير القارة {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ} عفوه وغفرانه، وسعة رحمته وجوده {ٱلْغَرُورُ} [لقمان: 33] أي: الشيطان المبالغ في الغرور والتغرير بأن يجبركم على المعاصي اتكالاً على عفو الله وغفرانه. ثمَّ لمَّا أتى الحرث بن عمرو رسول الله صلى للعلهي وسلم فقال: متى تقوم الساعة، وأني قد ألقيت بذراً على الأرض فمتى تمطر السماء، وامرأتي ذات حمل حملها ذكر أم أنثى، وما أعمل غداً، وأين أموت؟ فنزلت {إِنَّ ٱللَّهَ} المستقل باطلاع الغيوب {عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} وقت قيامها، ولم يطلع أحداً عليها سوى أنه سبحانه أخبر بوقوعها وقيامها في جميع الكتب المنزلة من عنده على رسله {وَ} أيضاً هو {يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} ولم يُطلع أحداً بوقت نزوله {وَيَعْلَمُ} أيضاً سبحانه {مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} ولم يُطلع أحداً عليه {وَ} أيضاً {مَا تَدْرِي} وتعلم {نَفْسٌ} من النفوس {مَّاذَا تَكْسِبُ} وتعمل {غَداً} وإن تدبرت وتدربت، وبذلت جهدها وسعيها لا تفوز إلى دراية أحوال غدها، بل هو أيضاً من جملة المغيبات التي أحاط بها علمه سبحانه بلا اطلاع أحد عليها {وَمَا تَدْرِي} وتعلم {نَفْسٌ} أيضاً، وإن بالغت في السعي وبذل الجهد والطاقة {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} بل هو أيضاً من جملة الغيوب التي استأثر الله بها، بالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المستقل بالألوهية والربوبية، المستجمع لجميع أوصاف الكمال {عَلَيمٌ} لا يعزب عن حيطة حضرة علمه ذرة {خَبِيرٌ} [لقمان: 34] لا يخرج عن حيطة خبرته طرفة، وإن كان لا يكتنه علمه وخبرته، والله أعلم بحقائق أسمائه وصفاته، ودقائق معلومات، ورقائق آثاره ومصنوعاته المترتبتة عليها. ربنا ذرنا بفضلك وجودك علماً تنجينا عن الجهل بك وبأسمائك وأوصافك، إنك على ما تشاء قدير. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المتحقق بمقام التوحيد، والمتمكن في مقعد الصدق، خالياً عن إمارة التخمين والتقليد ألاَّ تتأمل ولا تتمنى في نفسك حصول ما لا يسع في وسعك وطاقتك من الأمور التي ليست في استعدادك وقابليتك حصولها وانكشافها دونك؛ إذ الإنسان وإن سعى، بذل جهده في طريق العرفان بعدما وفقه الحق وجذبه نحوه لا يبلغ إلاَّ التخلق بأخلاقه الله والفناء في ذاته، منخلعاً عن لوازم ناسوته بقدر ما يتمكن له، ويسع فيب قابليته واستعداده. وأمَّا الاطلاع على جميع معلوماته سبحانه، والانكشاف بالمغيبات التي استأثر الله به في غيب ذاته فأمر لا يحوم حوله إدراك أحد من الأنبياء والرسل، والكمَّل من أرباب الولاء والمحبة الخالصة، بل لا يتفوه به أحد من خلَّص عباده أصلاً؛ إذ هو خارج عن استعداداتهم مطلقاً، وما المعجزات والكرامات الخارقة للعادة الصادرة عن خواص عباد الله من الأنبياء والأولياء، فما صدرت أيضاً منهم هذه الأمور إلا بإطلاع اليه إياهم، وتوفيقهم عليها، وهم مجبورون مضطرون في ظهور أمثال تلك الكرامات عنهم، مع أن بعض أرباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة جمال الله وجلاله تحزنوا، وتغمموا عند ظهور أمثال هذه الخوارق منهم؛ لمنافاتها بصرافة استغراقهم، كما تشاهد من بعض بدلاء الزمان، أدام الله بركته على معارف أهل الإيمان والعرفان. وبالجملة: لا بدَّ أن يكون الموحد متمسكاً بحبل الرضا والتسليم بما جرى عليه من صلوجان القضاء بلا تطلب منه وترقب له. جعلنا الله ممن تمكن بمقام الرضا، ورضي بجميع ما أثبت له الحق في لوح القضاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [لقمان: 33] مرة يخوفكم بأفعاله فيقول: اتقوا فتنة، ومرة بصفاته فيقول: {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ}تفسير : [العلق: 14] ومرة بذاته يقول: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28] {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [لقمان: 33] بالحشر والنشر والجنة والنار والثواب والعقاب والقربة والرؤية حق {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [لقمان: 33] بسلامتكم في الحال فعن قريب ستندمون في المآل {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ} الشيطان {ٱلْغَرُورُ} [لقمان: 33] ولا ينسينكم الرجوع إلى القبول ولا تغفلوا عن أحوال القيامة وأهوالها {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} [لقمان: 34] وأحوالها وأهوالها وهو منفرد بعلمها. {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} [لقمان: 34] ذكورها وإناثها وسعيدها وشقيها وحسنها وقبيحها، ويعلم متى ينزل الغيث وكم قطرة ينزلها وبأي بقعة يمطرها {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} [لقمان: 34] من خير وشر ووفاق {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] أيدرك مراده أم يفوت أن الله عليم بحالات الخلائق أجمعين خبير بمكافأتهم بحسب معاملاتهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى الناس بتقواه، التي هي امتثال أوامره، وترك زواجره، ويستلفتهم لخشية يوم القيامة، اليوم الشديد، الذي فيه كل أحد لا يهمه إلا نفسه فـ { لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } لا يزيد في حسناته ولا ينقص من سيئاته، قد تم على كل عبد عمله، وتحقق عليه جزاؤه. فلفت النظر في هذا لهذا اليوم المهيل، مما يقوي العبد ويسهِّل عليه تقوى اللّه، وهذا من رحمة اللّه بالعباد، يأمرهم بتقواه التي فيها سعادتهم، ويعدهم عليها الثواب، ويحذرهم من العقاب، ويزعجهم إليه بالمواعظ والمخوفات، فلك الحمد يا رب العالمين. { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } فلا تمتروا فيه، ولا تعملوا عمل غير المصدق، فلهذا قال: { فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخارفها وما فيها من الفتن والمحن. { وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } الذي هو الشيطان، الذي ما زال يخدع الإنسان ولا يغفل عنه في جميع الأوقات، فإن للّه على عباده حقا، وقد وعدهم موعدا يجازيهم فيه بأعمالهم، وهل وفوا حقه أم قصروا فيه. وهذا أمر يجب الاهتمام به، وأن يجعله العبد نصب عينيه، ورأس مال تجارته، التي يسعى إليها. ومن أعظم العوائق عنه والقواطع دونه، الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس الْمُسَوِّل، فنهى تعالى عباده، أن تغرهم الدنيا، أو يغرهم باللّه الغرور {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا }.