Verse. 3503 (AR)

٣١ - لُقْمَان

31 - Luqman (AR)

اِنَّ اللہَ عِنْدَہٗ عِلْمُ السَّاعَۃِ۝۰ۚ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ۝۰ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْاَرْحَام۝۰ِۭ وَمَا تَدْرِيْ نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا۝۰ۭ وَمَا تَدْرِيْ نَفْسٌۢ بِاَيِّ اَرْضٍ تَمُوْتُ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ۝۳۴ۧ
Inna Allaha AAindahu AAilmu alssaAAati wayunazzilu alghaytha wayaAAlamu ma fee alarhami wama tadree nafsun matha taksibu ghadan wama tadree nafsun biayyi ardin tamootu inna Allaha AAaleemun khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(إن الله عنده علم الساعة) متى تقوم (وينزل) بالتخفيف والتشديد (الغيث) بوقت يعلمه (ويعلم ما في الأرحام) أذكر أم أنثى، ولا يعلم واحدا من الثلاثة غير الله تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) من خير أو شر ويعلمه الله تعالى (وما تدري نفس بأي أرض تموت) ويعلمه الله تعالى (إن الله عليم) بكل شيء (خبير) بباطنه كظاهره، روى البخاري عن ابن عمر حديث: "مفاتيح الغيب خمسة إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة".

34

Tafseer

الرازي

تفسير : يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله: {ٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } وذكر أنه كائن بقوله: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } كأن قائلاً قال فمتى يكون هذا اليوم فأجيب بأن هذا العلم ما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن، ثم ذكر الدليلين الذين ذكرناهما مراراً على البعث أحدهما: إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى: { أية : وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَلْبَهُ لَمُبْلِسِينَ * فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الروم: 49، 50] وقال تعالى: { أية : وَيُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } تفسير : [الروم: 19] وقال ههنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } تفسير : [الشورى: 28] وقال: { أية : ويحيي الأرض } تفسير : [الروم: 19] وثانيهما: الخلق ابتداء كما قال: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [الروم: 27] وقال تعالى: { أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَخِرَةَ } تفسير : [العنكبوت: 20] إلى غير ذلك فقال ههنا {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ } إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها، وكما هو قادر على الخلق في الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام، ثم قال لذلك الطالب علمه: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها، فلك أشياء أهم منها لا تعلمها، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك، ولا تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون، فالله ما أعلمك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه أغراضاً تهيىء أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكي تكون في وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً على الله ولا أعلمك الأرض التي تموت فيها كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه، وهي الساعة، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون، وقد أعلمك الله على لسان أنبيائه. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ } لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة، بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } ذكر أن علمه غير مختص بها، بل هو عليم مطلقاً بكل شيء، وليس علمه علماً بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير علمه واصل إلى بواطن الأشياء، والله أعلم بالصواب.

القرطبي

تفسير : زعم الفراء أن هذا معنى النفي؛ أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى. قال أبو جعفر النحاس: وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك؛حديث : لأنه صلى الله عليه وسلم قال: في قول الله عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59] «إنها هذه»تفسير : قلت: قد ذكرنا في سورة «الأنعام» حديث ابن عمر في هذا، خرجه البخاري. وحديث : في حديث جبريل عليه السلام قال: «أخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً» قال: «صدقت»تفسير : . لفظ أبي داود الطيالسيّ. وقال عبد الله بن مسعود: كل شيء أوتي نبيّكم صلى الله عليه وسلم غير خمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}، الآية إلى آخرها. وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملَك مقرّب ولا نبيّ مرسل؛ فمن ادّعى أنه يعلم شيئاً من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيراً من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء وقد يعرف بطول التجارِب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك؛ حسبما تقدّم ذكره في الأنعام. وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده. وروي أن يهودياً كان يحسب حساب النجوم، فقال لابن عباس: إن شئت نبّأتك نجم ابنك، وأنه يموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول عليّ الحول حتى أموت. قال: فأين موتك يا يهوديّ؟ فقال: لا أدري. فقال ابن عباس: صدق الله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموماً، ومات بعد عشرة أيام. ومات اليهوديّ قبل الحول، ومات ابن عباس أعمى. قال عليّ بن الحسين راوي هذا الحديث: هذا أعجب الأحاديث. وقال مقاتل: إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمتُ متى وُلدت فأخبرني متى أموت، وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غداً، وأخبرني متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ ذكره القُشَيْرِي والماوَرْدِيّ. وروى أبو المَلِيح عن أبي عَزّة الهُذلِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يَقْدَمَها ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ـ إلى قوله ـ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}« تفسير : ذكره الماورديّ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بمعناه. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة) مستوفًى. وقراءة العامة: «وَيُنَزِّلُ» مشدّداً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففاً. وقرأ أُبَيّ بن كَعْب: «بِأَيَّةِ أَرْضٍ» الباقون «بِأَيِّ أَرْضٍ». قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أيّ. وقيل: أراد بالأرض المكان فذكّر. قال الشاعر:شعر : فلا مُزْنة وَدَقَتْ ودْقَها ولا أرضَ أبقَل إبقالَها تفسير : وقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أيّ جارية، وأيّة جارية. وشبه سيبويه تأنيث «أيّ» بتأنيث كُلّ في قولهم: كُلَّتُهُنَّ. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} «خَبِيرٌ» نعت لـ«ـعليم» أو خبر بعد خبر. والله تعالى أعلم.

ابن كثير

تفسير : هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187] وكذلك إنزال الغيث، لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به، علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غداً في دنياها وأخراها، {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] الآية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، سمعت أبي بريدة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ}» تفسير : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه. (حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلاالله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في كتاب الاستسقاء في "صحيحه" عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان بن سعيد الثوري به. ورواه في التفسير من وجه آخر، فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: أن أباه حدثه: أن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مفاتيح الغيب خمس» تفسير : ثم قرأ: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ} انفرد به أيضاً. ورواه الإمام أحمد عن غندر عن شعبة عن عمر بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }».تفسير : (حديث ابن مسعود) رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} وكذا رواه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره. قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم، أكثر من خمسين مرة، ورواه أيضاً عن وكيع عن مسعر عن عمرو بن مرة به. وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه. (حديث أبي هريرة) قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق عن جرير عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً بارزاً للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «حديث : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر» تفسير : قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «حديث : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» تفسير : قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: «حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» تفسير : قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ}» تفسير : الآية، ثم انصرف الرجل، فقال: «حديث : ردوه علي»تفسير : ، فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئاً، فقال: «حديث : هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم» تفسير : ورواه البخاري أيضاً في كتاب الإيمان، ومسلم من طرق عن أبي حيان به. وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري، وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم. (حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فأتاه جبريل، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله حدثني ما الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل، وتشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله» تفسير : قال: فإذا فعلت ذلك، فقد أسلمت؟ قال «حديث : إذا فعلت ذلك، فقد أسلمت» تفسير : قال: يا رسول الله فحدثني ما الإيمان؟ قال: «حديث : الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر، والملائكه والكتاب والنبيين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله: خيره وشره» تفسير : قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنت؟ قال: «حديث : إذا فعلت ذلك فقد آمنت» تفسير : قال: يا رسول الله حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك» تفسير : قال: يا رسول الله فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي سبحان الله ــــ في خمس لا يعلمهن إلا هو: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك» تفسير : قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا رأيت الأمة ولدت ربتها ــــ أو ربها ــــ ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها» تفسير : قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء الحفاة الجياع العالة؟ قال: «حديث : العرب» تفسير : حديث غريب، ولم يخرجوه. (حديث رجل من بني عامر) روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمة: «حديث : اخرجي إليه، فإنه لا يحسن الاستئذان، فقولي له: فليقل: السلام عليكم، أأدخل؟» تفسير : قال: فسمعته يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن لي فدخلت، فقلت: بمَ أتيتنا به؟ قال: «حديث : لم آتكم إلا بخير، أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تَدَعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهراً، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم» تفسير : قال: فقال: فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: «حديث : قد علمني الله عز وجل خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل: الخمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ}» تفسير : الآية، وهذا إسناد صحيح. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} ــــ إلى قوله ــــ {عَلَيمٌ خَبِيرٌ} قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [الأنعام: 59] رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً}. وقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهنّ ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل أو نهار، {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلاً أو نهاراً {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ} فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو، {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت، لعلك الميت غداً، لعلك المصاب غداً، {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} أي ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر أو سهل أو جبل. وقد جاء في الحديث: «حديث : إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة» تفسير : فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في "معجمه الكبير" في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة».تفسير : وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن أبي إسحاق عن مطر بن عكاش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قضى الله ميتة عبد بأرض، جعل له إليها حاجة» تفسير : وهكذا رواه الترمذي في القدر من حديث سفيان الثوري به، ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث، وقد رواه أبو داود في المراسيل، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض، جعل له فيها ــــ أو قال ــــ بها حاجة» تفسير : وأبو عزة هذا هو يسار بن عبد الله، ويقال: ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، وقال: صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} ــــ إلى قوله ــــ {عَلَيمٌ خَبِيرٌ}. (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا: حدثنا عمر بن علي، حدثنا إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة» تفسير : ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان:شعر : فَما تَزَوَّدَ مِمَّا كانَ يَجْمَعُهُ سِوى حَنوطٍ غَداةَ البَيْنِ مَعْ خِرَقِ وغيرَ نَفْحَةِ أعوادٍ تُشَبُّ لَهُ وقلَّ ذلكَ منْ زادٍ لمُنْطَلِقِ لا تَأْسَيَنَّ عَلىٰ شيءٍ فَكُلُّ فَتًى إلى مَنِيَّتِهِ سَيّارُ في عَنَقِ وكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الموتَ يُخْطِئُهُ مُعَلَّلٌ بِأعاليل منَ الحَمَقِ بِأَيِّما بَلْدَةٍ تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ إلا يَسيرُ إليها طائِعاً يُبَقِ تفسير : أورده الحافظ ابن عساكر رحمه الله في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى همدان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضاً، وقد كان ممن طلب العلم والتفقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر، فعرف به. وقد روى ابن ماجه عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعاً: «حديث : إذا كان أجل أحدكم بأرض، أوثبته له إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله عز وجل، فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما أودعتني» تفسير : قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما جعل الله منية عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة»تفسير : . آخر تفسير سورة لقمان ولله الحمد والمنّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } متى تقوم {وَيُنَزِّلُ } بالتخفيف والتشديد {ٱلْغَيْثَ } بوقت يعلمه وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ أذكر أم أنثى ولا يعلم واحدا من الثلاثة غير الله تعالى {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من خير أو شر ويعلمه الله تعالى {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } ويعلمه الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بكل شيء {خَبِيرٌ } بباطنه كظاهره روى البخاري عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب خمسة أن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة.

الماوردي

تفسير : قوله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن قيامها مختص بعلمه. الثاني: أن قيامها موقوف على إرادته. {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} فيما يشاء من زمان ومكان. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} فيه وجهان: أحدهما: من ذكر وأنثى، سليمٍ وسقيم. الثاني: من مؤمن وكافر وشقي وسعيد. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} فيه وجهان: أحدهما: من خير أو شر. الثاني: من إيمان أو كفر. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فيه وجهان: أحدهما: على أي حكم تموت من سعادة أو شقاء، حكاه النقاش. الثاني: في أي أرض يكون موته ودفنه وهو أظهر. وقد روى أبو مليح عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْضَ رُوحٍ عَبْدٍ بَأَرْضٍ جَعَلَ إِلَيْهَا حَاجَةً فَلَمْ يَنْتهِ حَتَّى يُقَدِمَهَا"تفسير : ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} إلى قوله: {بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}. وقال هلال بن إساف: ما من مولود يولد إلا وفي سرته من تربة الأرض التي يدفن فيها. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: عليم بالغيب خبير بالنية. الثاني: عليم بالأعمال خبير بالجزاء. ويقال إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية يقال له الوارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى تقول الساعة؟ فنزلت هذه الآية، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِلْمُ السَّاعَةِ} وقت مجيئها. {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} يعلم نزوله في زمانه ومكانه، أو منزله فيما يشاء من زمان ومكان {مَا فِى الأَرْحَامِ} من ذكر وأنثى وصحيح وسقيم، أو مؤمن وكافر وشقي وسعيد {تَكْسِبُ غَداً} من خير وشر، أو إيمان وكفر. {بِأَىِّ أَرْضٍ} على أي حكم تموت من سعادة وشقاوة، أو في أي أرض تموت وتدفن. قيل نزلت في الوارث بن عمرو بدوي قال: للرسول صلى الله عليه وسلم إن امرأتي حُبلى فأخبرني ماذا تلد وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت "فأخبرني متى أموت وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني، ما أعمل غداً" وأخبرني متى تقوم الساعة.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي وقت قيامها {وَيُنَزّلُ } بالتشديد: شامي ومدني وعاصم، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل تقديره: إن الله يثبت عنده علم الساعة وينزل {ٱلْغَيْثَ } في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير {وَيَعْلَمُ مَا في وَأُوْلُو ٱلأرْحَامِ} أذكر أم أنثى وتام أم ناقص {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } برة أو فاجرة {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من خير أو شر وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً وعازمة على شر فعملت خيراً {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } أي أين تموت؟ وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها. روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه فقال الرجل: من هذا؟ فقال له: ملك الموت. قال: كأنه يريدني وسأل سليمان عليه السلام أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. وجعل العلم لله والدارية للعبيد لما في الدارية من معنى الختل والحيلة، والمعنى أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ماعداهما أبعد وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيباً على أنه مجرد الظن والظن غير العلم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مفاتح الغيب خمس»تفسير : وتلا هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب. ورأى المنصور في منامه صورة ملك الموت وسأله عن مدة عمره فأشار بأصابعه الخمس فعبرها المعبرون بخمس سنوات وبخمسة أشهر وبخمسة أيام فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو إشارة إلى هذه الآية، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بالغيوب {خَبِيرٌ } بما كان ويكون. وعن الزهريّ رضي الله تعالى عنه: أكثروا قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب والله أعلم .

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال ‏"‏جاء رجل من أهل البادية فقال‏:‏ إن امرأتي حبلى، فاخبرني ما تلد‏؟‏ وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث‏؟‏ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ‏"أن رجلاً يقال له‏:‏ الوراث‏.‏ من بني مازن بن حفصة بن قيس غيلان‏.‏ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد متى قيام الساعة‏؟‏ وقد أجدبت بلادنا، فمتى تخصب‏؟‏ وقد تركت امرأتي حبلى، فمتى تلد‏؟‏ وقد علمت ما كسبت اليوم، فماذا أكسب غداً‏؟‏ وقد علمت بأي أرض ولدت، فبأي أرض أموت، فنزلت هذه الآية‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله ‏ {إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ خمس من الغيب استأثر بهن الله فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً ‏ {‏إن الله عنده علم الساعة‏} ‏فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة ولا في أي شهر، أليلاً أم نهاراً ‏{‏وينزل الغيث‏} ‏ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، أليلاً أم نهاراً ‏{‏ويعلم ما في الأرحام‏} ‏ فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود ‏{‏وما تدري نفس ماذا تكسب غداً‏}‏ أخيراً أم شراً ‏ {‏وما تدري نفس بأي أرض تموت‏} ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، في سهل أم في جبل‏.‏ وأخرج الفريابي والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله‏.‏ لا يعلم ما في غد إلا الله‏.‏ ولا متى تقوم الساعة إلا الله‏.‏ ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله‏.‏ ولا متى ينزل الغيث إلا الله‏.‏ وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا‏ً قال "حديث : ‏يا رسول الله متى الساعة‏؟‏ قال‏:‏ ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها‏:‏ إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا ‏{‏إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى آخر الآية "‏‏.‏ تفسير : ‏وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏"‏حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله ‏{‏إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية "‏‏. تفسير : ‏وأخرج ابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه‏، مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه‏‏"حديث : أن أعرابياً وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال‏:‏ يا محمد ما في بطن ناقتي هذه‏؟‏ فقال‏:‏ له رجل من الأنصار‏:‏ دع عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي حتى أخبرك‏:‏ وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك‏؟‏ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ إن الله يحب كل حي كريم متكره، ويبغض كل لئيم متفحش، ثم أقبل على الأعرابي فقال‏: خمس لا يعلمهن إلا الله ‏{إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء إذ جاء رجل على فرس فقال‏:‏ من أنت‏؟‏ قال ‏"حديث : ‏أنا رسول الله قال‏:‏ متى الساعة‏؟‏ قال‏: غيب، وما يعلم الغيب إلا الله قال‏:‏ ما في بطن فرسي‏؟‏ قال‏: غيب، وما يعلم الغيب إلا الله قال:‏ فمتى تمطر‏؟‏ قال‏: غيب وما يعلم الغيب إلا الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس ‏{‏إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس ‏{إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ‏"‏لم يعم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية‏.‏ في آخر لقمان إلى آخر السورة‏"‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش رضي الله عنه قال‏:‏ حدثني رجل من بني عامر أنه قال‏:‏ يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه‏ فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏لقد علمني الله خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله‏.‏ الخمس ‏{‏إن الله عنده علم الساعة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ ‏"حديث : ‏دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان‏:‏ وفينا نبي يعلم ما في غد‏.‏ فقال‏:‏"أما هذا فلا تقولوه، لا يعلم ما في غد إلا الله"‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي غرة الهذلي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وما تدري نفس بأي أرض تموت‏} ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن مطر بن عكامس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك‏"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه، جاءه جبريل عليه السلام في غير صورته، فحسبه رجلاً من المسلمين، فسلم فرد عليه السلام، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له‏:‏ يا رسول الله ما الإِسلام‏؟‏ قال‏: ‏أن تسلم وجهك لله، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. قال‏:‏ ما الإِيمان‏؟‏ قال‏: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والموت، والحياة بعد الموت، والجنة والنار، والحساب والميزان، والقدر خيره وشره‏. قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال‏: نعم‏. ثم قال‏:‏ ما الإِحسان‏؟‏ قال‏:‏ أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فهو يراك قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت‏؟‏ قال‏: نعم‏. قال‏:‏ فمتى الساعة يا رسول الله‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ خمس لا يعلمها إلا الله ‏{‏إن الله عنده علم الساعة‏.‏ وينزل الغيث‏.‏ ويعلم ما في الأرحام‏.‏ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا‏ً.‏ وما تدري نفس بأي أرض تموت‏.‏ إن الله عليم خبير‏}‏ ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} علمُ وقتِ قيامِها لما رُوي أنَّ الحارثَ بنَ عمروٍ أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال مَتَى السَّاعةُ وإنيِّ قد ألقيتُ حَبَّاتي في الأرضِ فمتى السماءُ تُمطر؟ وحَمْلُ امرأتِي ذكرٌ أَمْ أُنثى وما أعملُ غداً، وأينَ أموتُ فنزلتْ. وعنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : مفاتحُ الغيبِ خمسٌ وتلا هذه الآية » تفسير : {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ} في إبَّانهِ الذي قدَّره وإلى محلِّهِ الذي عيَّنه في علمِه، وقُرىء يُنزل من الإنزالِ، {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} من ذكرٍ أو أنثى تامَ أو ناقصٍ {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ} من النُّفوسِ {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} من خيرٍ أو شرَ وربما تعزمُ على شيءٍ منهما فتفعلُ خلافَه {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ} كما لا تدرِي في أيِّ وقتٍ تموتُ. رُوي: « حديث : أنَّ ملكَ الموتِ مرَّ على سُليمانَ عليه السَّلامُ فجعلَ ينظرُ إلى رجلٍ من جلسائِه. يُديمُ النَّظرَ إليهِ فقال الرَّجُل مَن هذا قالَ مَلَكُ الموتِ فقال كأنه يُريدني فمرِ الرَّيحَ أن تحملَني وتلقيني ببلادِ الهندِ ففعلَ ثم قال المَلَكُ لسليمانَ عليهما السَّلامُ كان دوامُ نظري إليه تعجُّباً منه حيثُ كنت أُمرتُ بأنْ أقبضَ روحَهُ بالهندِ وهو عندَك ». تفسير : ونسبةُ العلمِ إلى الله تعالى والدراية إلى العبدِ للإيذانِ بأنَّه إنْ أعملَ حِيلَه وبذلَ في التَّعرفِ وسعَه لم يعرفْ ما هُو لاحقٌ به من كسبهِ وعاقبتِه فكيف بغيرِه مما لم ينُصبْ له دليلٌ عليه. وقُرىء بأيَّةِ أرضٍ. وشبَّه سيبويهِ تأنيثَها بتأنيثِ كلَ في كلتهنَّ. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلمِ فلا يعزبُ عن علمِه شيءٌ من الأشياءِ التي من جُملتِها ما ذُكر. {خَبِيرٌ} يعلمُ بواطنَها كما يعلمُ ظواهرَها. عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : منَ قرأَ سورةَ لقمانَ كان له لقمانُ رفيقاً يومَ القيامةِ وأُعطَي من الحسناتِ عشراً بعددِ من عملَ بالمعروفِ ونهى عن المُنكر«

التستري

تفسير : قوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً}[34] أي ما له وعليه في الغيب من المقدور فاحذروه بإقامة ذكره والصراخ إليه، حتى يكون هو المتولي لشأنهم، كما قال: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد:39]. قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}[34] قال: على أي حكم تموت من السعادة والشقاوة، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تغرنكم كثرة الأعمال فإن الأعمال بالخواتيم" تفسير : وكان يقول: "حديث : يا ولي الإسلام وأهله ثبتني بالإسلام حتى ألقاك به"تفسير : ، وقال: "حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك"تفسير : ، مع ما أمنه الله من عاقبته، وإنما قال ذلك تأديباً ليقتدوا به، ويظهروا فقرهم وفاقتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، ويتركوا السكون إلى الأمن من مكره، ولذلك قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم:35] وقال يوسف عليه السلام: {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [يوسف:101] فهذا كله تبرٍّ من الحول والقوة بالافتقار إليه، كما قال: {أية : لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ}تفسير : [الفرقان:77] أي تبريكم من كل شيء سواي قولاً، وقال: أنتم الفقراء إلى الله عزَّ وجلَّ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} [الآية: 34]. قال القاسم: من مؤمن وكافر ومطيع وعاصٍ وهذا دليل على أن الله تعالى يعلم الأشياء بالوسم لا بالرسم والوسم لا يتغير والرسم يتغير. قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} [الآية: 34]. قال سهل: ما له فى الغيب من المقدور وله وعليه. قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [الآية: 34]. قال سهل: على أى حكم تموت من السعادة والشقاوة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ}. يتفرّد بِعلم القيامة، ويعلم ما في الأرحام ذكورَهَا وإناثها، شقيها وسعيدها، حسنها وقبيحها ويعلم متى يُنزِّل الغيث، وكم قطرة يُنزله، وبأي بقعة يُمطرها. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ}. ما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً من خير وشر، ووفاق وشقاق، وما تدري نفس بأي أرض تموت؛ أتدرك مرادَها أم يفوت؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} لله علوم منها عام ومنها خاص ومنها خاص الخاص فالعلم العام علم الشريعة وعلم الخاص علم الحقيقة وعلم خاص الخاص علم السر وهو علم الغيب ومن علم الغيب من رسول ومنه ما استاثر لنفسه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا بنى مرسل بقوله عند مفاتيح الغيب لا يعلمها الا هو منه ايضا علم للسّاعة وهذه الأية برمتها اما الساعة خاصة سرها عن جميع الخلق حتى اوكد الامر بقوله اكاد اخفيها الا ان اماراتها بانت من لسان صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه ولا يخفى هذه والامارات الى وقوع السّاعة على بعض اولياء امته حتى قال يوسف بن الحسين رحمة الله عليه علمت متى ينزل عيسى عليه السّلام ومن اى قبيلة يتزوج واما قوله سبحانه {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} لا يعلم احد فى الا لحظة ينزل ولكن كثيرا اما سمعت من الاولياء يقول يمطر السماء غدا او ليلا فيمطر كما قال كما سمعنا ان يحيى بن معاذ كان على راس قبر ولىّ وقت دفنه وقال لعامة من حضروا ان هذا الرجل من اولياء الله الهى ان كنت صادقا فانزل علينا المطر قال الراوى فتطرت الى السّماء وما رايت فيها راحة سحاب فانشأ الله سبحانه سبحانه مثل ترس فمطرت فرجعنا مبتلين قوله تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} وسمعت ايضا من بعض اولياء الله انه اخبرها فى الرحم من ذكر او انثى ورايت يحمينى ما اخبر ولكن ان الله سبحانه يطلع على ما فى الرحم بل ماء الرجل والمرأة اى شئ يخلق منه حين نزل ولا يعلمه غيره وربما سمعت حديث واقعة العد منهم قبل المجئ وبما قالوا انى اصوت بموضع كذا ومنهم ابو الغريب الاصفهانى قدس الله روحه مرض فى شيراز فى زمان الشيخ ابى عبد الله بن حنيف قدس الله روحه وقال اذا من في شيراز فلا تدرفنونى الا فى مقابر اليهود فانى سالت الله ان اموت فى طرطوس فبرء ومشى الى طرطوس ومات بها رحمة الله عليه وقال القاسم فى قوله ويعلم ما فى الارحام من كافر ومومن ومطيع وعاص وهذا دليل على ان الله يعرف الاشياء بالوسم والرسم الرسم يتغير والوسم لا يتغير وقال سهل فى قوله وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ماله فى الغيب من المقدور له وعليه وقال فى قوله وما تدرى نفس باى ارض تموت اى على اى حكمة تموت من السعادة او الشقاوة والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله عنده علم الساعة} الساعة جزء من اجزاء الجديدين سميت بها القيامة لانها تقوم فى آخره ساعة من ساعات الدنيا اى عنده علم وقت قيام القيامة وما يتبعه من الاحوال والاهوال وهو متفرد بعلمه فلا يدرى احد من الناس فى أى سنة وفى اى شهر وفى أى ساعة من ساعات الليل والنهار تقوم القيامة ـ روى ـ ان الحارث بن عمرو من اهل البادية اتى النبى عليه السلام فسأله عن الساعة ووقتها وقال ان ارضنا اجدبت وانى القيت حباتى فى الارض فمتى ينزل المطر وتركت امرأتى حبلى فحملها ذكر ام انثى وانى اعلم ما عملت امس فما اعمل غدا وقد علمت اين ولدت فبأى ارض اموت فنزلت: يعنى [اين بنج علم درخزانه مشيت حضرت آفريدكاراست وكليد اطلاع بدان بدست اجتهاد هيج آدمى نداده اند] وانما اخفى الله وقت الساعة ليكون الناس على حذر واهبة كما حديث : روى ان اعرابيا قال للنبى عليه السلام متى الساعة فقال عليه السلام "وما اعددت لها" قال لا شئ الا انى احب الله ورسوله فقال "انت مع من احببت" شعر : لى حبيب عربى مدنى قرشى كه بود دردو غمش مايه سودا وخوشى ذره وارم بهوا درئ او رقص كنان تاشد او شهره آفاق بخورشيد وشى تفسير : {وينزل الغيث} عطف على ما يقتضى الظرف من الفعل تقديره ان الله يثبت عنده علم الساعة وينزل الغيث كما فى المدارك. وسمى المطر غيثا لانه غياث الخلق به رزقهم وعليه بقاؤهم فالغيث مخصوص بالمطر النافع اى وينزله فى زمانه الذى قدره من غير تقديم وتأخير الى محله الذى عينه فى علمه من غير خطأ وتبديل فهو متفرد بعلم زمانه ومكانه وعدد قطراته ـ روى ـ مرفوعا (ما من ساعة من ليل ولا نهار الا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء) وفى الحديث "حديث : ما سنة بامطر من اخرى ولكن اذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى والبحار" تفسير : فمن اراد استجلاب الرحمة فعليه بالتوبة والندامة والتضرع الى قاضى الحاجات باخلص المناجاة شعر : تو ازفشاندن تخم اميد دست مدار كه در كرم نكند ابر نوبهار امساك تفسير : {ويعلم ما فى الارحام} الرحم بيت منبت الولد ووعاؤه اى يعلم ذاته أذكر ام أنثى حى ام ميت وصفاته اتام أم ناقص حسن ام قبيح سعيد ام شقى شعر : براحوال نابوده علمش بصير براسرار ناكفته لطفش خبير قديمى نكو كار نيكو بسند بكلك قضا در رحم نقش بند زبر افكند قطره سوى يم زصلب آورد نطفه درشكم ازان قطره لؤلؤى لالا كند وزين صورتى سرو بالاكند تفسير : {وما تدرى نفس} من النفوس. والدراية المعرفة المدركة بضرب من الحيل ولذا لا يوصف الله بها ولا يقال الدارى واما قول الشاعر شعر : لا هم لا ادرى وانت تدرى تفسير : فمن تصرف اجلاف العرب او بطريق المشاكلة كما فى قوله تعالى {أية : تعلم ما فى نفسى ولا اعلم ما فى نفسك} تفسير : اى ذاتك {ماذا} اى أى شئ {تكسب غدا} الكسب ما يتحراه الانسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ مثل كسب المال وقد يستعمل فيما يظن الانسان ان يجلب به منفعة به مضرة والغد اليوم الذى يلى يومك الذى انت فيه كما ان امس اليوم الذى قبل يومك بليلة اى يفعل ويحصل من خير وشر ووفاق وشقاق وربما تعزم على خير فتفعل الشر وبالعكس واذا لم يكن للانسان طريق الى معرفة ما هو اخص به من كسبه وان اعمل حيله وانفذ فيها وسعه كان من معرفة ما عداه مما لم ينصب له دليل عليه ابعد وكذا اذا لم يعلم ما فى الغد مع قربه فما يكون بعده لا يعلمه بطريق الاولى شعر : نداند كسى جون شود امر او جه حاصل كند دربس عمر او بجز حق كه علمش محيط كلست برابر باو ماضى مستقبلست تفسير : {وما تدرى نفس} وان اعملت حيلها {بأى ارض} مكان {تموت} من بر وبحر وسهل وجبل كما لا تدرى فى أى وقت تموت وان كان يدرى انه يموت فى الارض فى وقت من الاوقات ـ روى ـ ان ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر الى رجل من جلسائه فقال الرجل من هذا قال ملك الموت فقال كأنه يريدنى فمر الريح ان تحملنى وتلقينى فى بلاد الهند ففعل فقال الملك كان دوام نظرى اليه تعجبا منه اذ امرت ان اقبض روحه بالهند وهو عندك. قال فى المقاصد الحسنة كان رجل يقول اللهم صلى على ملك الشمس فيكثر ذلك فاستأذن ملك الشمس ربه ان ينزل الى الارض فيزوره فنزل ثم اتى الرجل فقال انى سألت الله النزول من اجلك فما حاجتك فقال بلغنى ان ملك الموت صديقك فاسأله ان ينسئ فى اجلى ويخفف عنى الموت فحمله معه واقعده مقعده من الشمس واتى ملك الموت فاخبره فقال من هو فقال فلان ابن فلان فنظر ملك الموت فى اللوح معه فقال ان هذا لا يموت حتى يقعد مقعدك من الشمس قال فقد قعد مقعدى من الشمس فقال فقد توفته رسلنا وهم لا يفرّطون فرجع ملك الشمس الى الشمس فوجده قدمات. وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ببعض نواحى المدينة فاذا بقبر يحفر فاقبل حتى وقف عليه فقال لمن هذا قيل لرجل من الحبشة فقال (لا اله الا الله سيق من ارضه وسمائه حتى دفن فى الارض التى خلق منها تقول الارض يوم القيامة يا رب هذا ما استودعتنى) وانشدوا شعر : اذا ما حمام المرء كان ببلدة دعته اليها حاجة فيطير تفسير : وفائدة هذا تنبيه العبد على التيقظ للموت والاستعداد له بحسن الطاعة والخروج عن المظلمة وقضاء الدين واثبات الوصية بماله وعليه فى الحضر فضلا عن اوان الخروج عن وطنه الى سفر فانه لا يدرى اين كتبت منيته من بقاع الارض وانشد بعضهم شعر : مشينا فى خطى كتبت علنيا ومن كتبت عليه خطى مشاها وارزاق لنا متفرقات فمن لم تأته منا اتاها ومن كتبت منيته بارض فليس يموت فى ارض سواها تفسير : كما فى عقد الدرر {ان الله عليم} يعلم الاشياء كلها {خبير} يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها وعنه عليه السلام "حديث : مفاتيح الغيب خمس وتلا هذه الآية فمن ادعى علم شئ من هذه المغيبات الخمس فهو كافر بالله تعالى" تفسير : وانما عد هذه الخمس وكل المغيبات لا يعلمها الا الله لما ان السؤال ورد عنها كما سبق فى سبب النزول. وكان اهل الجاهلية يسألون المنجمين عنها زاعمين انهم يعلمونها وتصديق الكاهن بما يخبره عن الغيب كفر لقوله عليه السلام "حديث : من اتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما انزل الله على محمد" تفسير : والكاهن هو الذى يخبر عن الكوائن فى مستقبل الزمان ويدّعى معرفة الاسرار وكان فى العرب كهنة يدعون معرفة الامور فمنهم من يزعم انه له رئيا من الجن يلقى اليه الاخبار. قال ابو الحسن الآمدى فى مناقب الشافعى التى الفها سمعت الشافعى يقول من زعم من اهل العدالة انه يرى الجن ابطلنا شهادته لقوله تعالى {أية : انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تفسير : الا ان يكون الزاعم نبيا كذا فى حياة الحيوان. والمنجم اذا ادعى العلم بالحوادث الآتية فهو مثل الكاهن وفى الحديث "من سأل عرّافا لم تقبل له صلاة اربعين ليلة" والعرّاف من يخبر عن المسروق ومكان الضالة والمراد من سأله على وجه التصديق لخبره وتعظيم المسئول يعنى اذا اعتقد انه ملهم من الله او ان الجن يلقون اليه مما يسمعون من الملائكة فصدقه فهو حرام واذا اعتقد انه عالم بالغيب فهو كفر كما فى حديث الكاهن. واما اذا سأل ليمتحن حاله ويخبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهو جائز فعلم ان الغيب مختص بالله تعالى. وما روى عن الانبياء والاولياء من الاخبار عن الغيوب فبتعليم الله تعالى اما بطريق الوحى او بطريق الالهام والكشف فلا ينافى ذلك الاختصاص علم الغيب مما لا يطلع عليه الا الانبياء والاولياء والملائكة كما اشار اليه بقوله {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول} تفسير : ومنه ما استأثر لنفسه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل كما اشار اليه بقوله {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو} تفسير : ومنه علم الساعة فقد اخفى الله علم الساعة لكن اماراتها بانت من لسان صاحب الشرع كخروج الدجال ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها وغيرها مما يظهر فى آخر الزمان من غلبة البدع والهوى وكذا اخبر بعض الاولياء عن نزول المطر واخبر عما فى الرحم من ذكر وانثى فوقع كما اخبر لانه من قبيل الالهام الصحيح الذى لا يتخلف وكذا مرض او العزم الاصفهانى فى شيراز فقال ان مت فى شيراز فلا تدفنونى الا فى مقابر اليهود فانى سألت الله ان اموت فى طرطوس فبرئ ومضى الى طرطوس ومات فيها يعنى اخبر انه لا يموت فى شيراز فكان كذلك. يقول الفقير اخبر شيخى وسندى قدس سره فى بعض تحريراته عن وقت وفاته قبل عشرين سنة فوقع كما قال وذلك من امارات وراثته الصحيحة. فان قيل اذا امكن العلم بالغيب لخلص عباه تعالى بتعليمه اياهم فلم لم يعلم الله نبيه الغيوب المذكورة فى الآية. فالجواب ان الله تعالى انما فعل ذلك اشعارا بان المهم للعبد ان يشتغل بالطاعة ويستعد لسعادة الآخرة ولا يسأل عما لا يهم ولا يشتغل بما لا يعنيه فافهم جدا واعمل لتكون عاقبتك خيرا. تمت سورة لقمان يوم الاربعاء ثامن شعبان المبارك من شهور تسع ومائة والف

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ} لا غيره {عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} عن الصّادق (ع) هذه الخمسة اشياء لم يطّلع عليها ملكٌ مقرّب ولا نبىّ مرسل وهى من صفات الله تعالى، وفى نهج البلاغة فهذا هو علم الغيب الّذى لا يعلمه أحد الاّ الله، وقيل: انّ الحارث بن عمرو اتى رسول الله (ص) فقال: متى قيام السّاعة؟ وانّى قد القيت حبّاً فى الارض فمتى السّماء تمطر؟ وحمل امرأتى ذكرٌ ام انثى؟ وما اعمل غداً؟ واين اموت؟ فنزلت هذه الآية. اعلم، انّ فى الاخبار دلالة على انحصار علم هذه الاشياء الخمسة فى الله واستدلّوا على الانحصار بهذه الآية وقد بلغ الينا انّ الانبياء واوصياءهم (ع) وبعض اتباعهم كانوا يخبرون ببعض هذه الخمسة، وظاهر هذه الآية لا تدلّ على ثبوت العلم لله تعالى فى موت الانفس ومحلّ موتها فضلاً عن الدّلالة على حصر العلم به فيه تعالى فنقول: قد فسّرت السّاعة بساعة الموت والاحتضار، وهى القيامة الصّغرى، وبساعة ظهور القائم (ع) وبالقيامة الكبرى، وانّ السّاعة من السّوع بمعنى الضّياع والهلاك، وكلّ ذلك فيه معنى الضّياع لضياع التّعيّنات عند الموت وعند ظهور القائم (ع) وعند القيامة الكبرى، امّا ساعة الموت فقد كانوا يخبرون عنها بل الحذّاق من الاطبّاء كانوا يخبرون عنها، وامّا ظهور القائم (ع) فانّه ملازم للموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ لانّه من يمت يره ويظهر القائم (ع) ايضاً عند القيامة الكبرى، والقيامة الكبرى لا يعلمها النّبىّ والوصىّ والمؤمن من حيث نبوّته ووصايته وايمانه، ولكن لمّا كان للآلهة درجاتٌ والكاملون بعد الخروج من جهة خلقيّتهم يسيرون فى الجهة الحقّيّة ودرجات الآلهة حتّى يقفوا بعد الكمال على الاعراف، والاعراف مقام القيامة الكبرى، لم يكن استبعاد فى علمهم بساعة القيامة الكبرى للعباد من حيثيّة الآلهة لا من الحيثيّة الخلقيّة وتنزيل الغيث والعلم بوقت نزوله ومكانه وقدره قد يجيء من الانبياء واوصيائهم (ع) واتباعهم لكن لا من الحيثيّة الخلقيّة بل من حيثيّة الآلهة، وهكذا الحال فى البواقى، فالعلم بهذه الخمسة وبكلّ ما غاب عن المدارك البشريّة ليس الاّ لله سواء كان العلم بها فى المظاهر الالهيّة او فى مقام المشيّة او فى مقام الاحديّة، ونسب الى الائمّة انّهم قالوا: انّ هذه الاشياء الخمسة لا يعلمها على التّفصيل والتّحقيق الاّ الله، وامّا دلالة الآية على علمه تعالى وحصر العلم بها فيه تعالى فنقول: تقديم المسند اليه وتقديم الظّرف فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} يدلّ على الحصر، وعطف ينزّل الغيث على المسند يدلّ على حصر تنزيل الغيث، وتنزيل الغيث مستلزم للعلم به، والعدول عن علم تنزيل الغيث للاشارة الى حصر تنزيل الغيث مع الاشارة الى العلم به وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} مع قوله: ما تدرى نفسٌ يدلّ على حصر العلم بموت الانفس ومحلّ موتها فيه تعالى.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: مجيئها {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} أي: المطر {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} أي: من ذكر وأنثى وكيف صورته. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} أي: عليم بخلقه خبير بأعمالهم. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله، لم يشرك فيهن أحداً من خلقه، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مصطفى: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ عِندَهُ} لا عند غيره. {عِلْمُ السَّاعَةِ} علم وقت قيامها في اي سنة واي شهر واي يوم قيل وفي يوم او ليل. {وَيُنَزِّلُ} هو لا غيره. {الغَيْثَ} وقرأ غير نافع وابن عامر وعاصم بالتخفيف من الانزال وكذا في الشورى وكنا بكونه المنزل الغيث عن كونه لا يعلم سواه اين ينزل ولا متى ينزل. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} هو لا غيره أذكر ام انثى وابيض او اسود مثلا أتام ام ناقص وغير ذلك من الأحوال. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} الجملة صلة ذا وذا متبدأ خبره ما او بالعكس والجملة الاسمية مفعول تدري معلق عنها تدري او ماذا مفعول تكسب وجملة تكسب مفعول كذلك لا يعلم احد ما يفعله غدا من خير او شر وما كيفية فعله وما هو أقليل ام كثير الى غير ذلك من احواله ربما عزم على فعل ولم يفعل او على فعل خير فعمل شرا وبالعكس. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ} اي في اي متعلق بتموت وجملة تموت مفعول تدري معلق عنها تدري وقرىء (بأية) كما قال بعض العرب في كل كلتهن قاله سيبويه. {أَرْضٍ تَمُوتُ} يخرج روحها وقيل: المعنى تدفن والله يعلم ذلك كله كما قال جل وعلا. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ} بهذه الاشياء وغيرها. {خَبِيرٌ} بها يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها وقيل عليم بخلقه خبير بأعمالهم وانما جعل لنفسه والدراية للعبد لان فيها معنى الحيلة فالانسان يجتهد في الحيلة غاية الاجتهاد ولا يعرف ما هو اليق به من كسبه وعاقبته فكيف يغيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى فمن ادعى انه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لانه خالفه وكذا قال ابن عمر لكن لم يذكر اشراك من ادعا علم شيء منها وهو قائل بإشراكه لكن لم يصرح به وفي رواية عنه مفاتيح الغيب خمسة {أية : أن الله عنده }تفسير : الخ السورة وكم نفس تقول لا ابرح حتى اموت في هذه الأرض وترامت به الاقدار ومات في غيرها مما لم يخطر ببالها الموت فيه كما روي: ان ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر الى رجل من جلسائه يديم النظر اليه فقال الرجل من هذا؟ قال: ملك الموت فقال: كأنه يريدني وسأل سليمان ان يحمله على الريح الى الهند ففعل وقال ملك الموت أدمت اليه النظر تعجبا منه لأني أمرت بقبضه في الهند وهو عندك. وعن ابن عباس اياكم والكهانة فان الكهانة تدعو الى الشرك والشرك واهله في النار. وعن المنصور انه اهمه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالا اخرج يده من البحر واشار اليه بالاصابع الخمس فتأولها بعض العلماء له بخمس سنين وبعض بخمسة اشهر وبعض بغير ذلك وتأولها ابو حنيفة وهو اصوب هؤلاء بأن مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله وانما طلبت معرفته لا سبيل لك اليه اللهم ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {إنَّ اللهَ عنْده عِلْم السَّاعة} فى اى سنة، وفى اى شهر، وفى اى يوم او ليلة، وليس علمه باشراطها، وعلمه بقربها "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : علما بها قال عكرمة، قال الوارث بن عمرو: يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد اجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وتركت امراتى حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا اكسب غدا؟ وقد علمت بأى ارض ولدت فبأى ارض اموت؟ ونزل: {إنَّ الله عنده علم الساعة} الآية ولم يقل: ان علم الساعة عند الله، مع انه اقل لفظا اجلالا لاسم الله بالتقديم، ولافادة الحصر بتقديم عنده على مبتدئه، وتكرير الاسناد لان فيه اسنادا الى العلم، واسنادا الى الله سبحانه. {وينزل الغَيْث} عطف على عنده علم الساعة المخبر به عن لفظ الجلالة، والمراد ينزل الغيث فى وقته المؤقت له، بلا تقديم ولا تأخير على من شاء، بمقدار مخصوص، كل ذلك بحسب الحكمة، لا باهمال او مخالفة لها، ولهذه القيود المرادة فى الآية تطابق قول السائل: متى تخصب ارضنا. {ويعْلم ما في الأرحام} اذكر هو ام انثى ام خنثى، وقيل الخنثى المشكل احدهما عند الله أتام أم ناقص، وما لونه وما احواله، وجاء بالفعلتين للتجدد بخلاف علم الساعة، ولا تجدد فى علم ما فى الارحام، وعلم الله لا يتجدد، لكن يتجدد متعلقة، وهو ما فى الارحام، ولم يقل: ويعلم الغيث، لان المراد الرحمة بتنزيله مع مطابقة السؤال، وذكر تنزيل الغيث بعد ذكر الساعة، لان الارض تحيا به كما ان الموتى يحيون، ولما روى ان السماء تمطر ماء كالمنى، فيحيون، وذلك بقدرة الله لا باحتياج الى شئ، ويجوز عطف ينزل ويعلم على علم الساعة مأولين بالمصدر، فالمعطوف المصدر على تقدير ان المصدرية، اى وعنده علم الساعة، وتنزيل الغيث، وعلم ما فى الارحام. {وما تَدري نفْسٌ} ما بارة او فاجرة، عالمة او جاهلة {بأي أرض تمُوت} اصل الدراية العكم باحتيال، واصلها من درى الدرية. شعر : ولقد أرانى على الرماح درية تفسير : وهى ما ينصب ويتعلم الرمى لها، والناقة تنسيب ليأنس الوحش بها، ويستتر بها صاحبها فيرميه، ولذلك لا تسند الى الله سبحانه الا قليلا على معنى مطلق العلم، كما روى قومنا عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خمس لا يدريهن إلاَّ الله"تفسير : وهن ما فى هذه الآية، الرواية الاخرى: "حديث : لا يعلمهن إلاَّ الله" تفسير : وقيل: يجوز مع غيره كهذا الحديث، وللمشاكلة كقوله: شعر : لا هم لا أدرى وأنت الدارى تفسير : والعطف على ان الله عنده علم الساعة: ويروى لا يدريهن ملك مقرب، ولا نبى مصطفى، وقد رد ابو حنيفة بهذه الآية على من قال للمنصور: تعيش خمس سنوات وخمسة أشهر وخمسة أيام، حين راى صورة ملك الموت فى النوم، وسأله عن باقى عمره، فأشار اليه بأصابعه الخمس. وروى ان ملك الموت ادام النظر الى وجه رجل فى مجلس سليمان، وهو ظاهر فى صورة الانسان، فقال الرجل: من ذلك الرجل الذي أدام النظر الى؟ فقال سليمان: هو ملك الموت، فقال كأنه يريدنى، فمر الريح ان تحملنى الى هند، فقال ملك الموت: ادمت النظر اليه لان الله امرنى ان اقبض روحه فى هند، وهو عندك فقبض روحه فى هند، واراد بالارض ما يشمل البحر، فانه كالارض، وايضا اسفل الماء ارض {إنَّ الله عليمٌ} بكل شئ {خَبيرٌ} عليم ببواطن الامور، كظواهرها، والله اعلم.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } الخ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلاً يقال له الوارث بن عمرو جاء إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وقد تركت امرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غداً؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنلزت هذه الآية، وذكر نحوه محي السنة البغوي والواحدي والثعلبـي فهو نظراً إلى سبب النزول جواب لسؤال محقق ونظراً إلى ما قبلها من الآي جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً يقول: متى هذا اليوم الذي ذكر من شأنه ما ذكر؟ فقيل: إن الله، ولم يقل إن علم الساعة عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله سبحانه أحق بالتقديم ولأن تقديمه وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرره الطيبـي مع ما فيه من مزية تكرر الإسناد، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضاً بل لفظ عند كذلك لأنها تفيد حفظه بحيث لا يوصل إليه فيفيد الكلام من أوجه اختصاص علم وقت القيامة بالله عز وجل. وقوله تعالى: {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } أي في إبانه من غير تقديم ولا تأخير في بلد لا يتجاوزه به وبمقدار تقتضيه الحكمة، الظاهر أنه عطف على الجملة الظرفية المبنية على الاسم الجليل على عكس قوله تعالى: {أية : نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ }تفسير : [المؤمنون: 21] فيكون خبراً مبنياً على الاسم الجليل مثل المعطوف عليه فيفيد الكلام الاختصاص أيضاً والمقصود تقييدات التنزيل الراجعة إلى العلم لا محض القدرة على التنزيل إذ لا شبهة فيه فيرجع الاختصاص إلى العلم بزمانه ومكانه ومقداره كما يشير إلى ذلك كلام «الكشف»، وقال العلامة الطيبـي في «شرح الكشاف»: دلالة هذه الجملة على علم الغيب من حيث دلالة المقدور المحكم المتقن على العلم الشامل. وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ} أي أذكر أم أنثى أتام أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضاً نظير ما قبله، وخولف بين {عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } وبين هذا ليدل في الأول على مزيد الاختصاص اعتناء بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها، وفي هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص، ولم يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال: ويعلم الغيث مثلاً إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحاً عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم قال تعالى: {أية : وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ المَوْتَى} تفسير : [الروم: 49-50] وقال سبحانه: {أية : وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الروم: 19] إلى غير ذلك، وربما يقال: إن لتنزيل الغيب وإن لم يكن الغيث المعهود دخلاً في المبعث بناء على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة الأولى مطراً كمني الرجال، وقيل: الاختصاص راجع إلى التنزيل وما ترجع إليه تقييداته التي يقتضيها المقام من العلم، وفي ذلك رد على القائلين مطرنا بنوء كذا وللاعتناء برد ذلك لما فيه من الشرك في الربوبية عدل عن يعلم إلى {يُنَزّل} وهو كما ترى. وقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } أي كل نفس برة كانت أو فاجرة كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } أي في الزمان المستقبل من خير أو شر، وقوله / سبحانه: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } عطف على ما استظهره صاحب «الكشف» على قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } وأشار إلى أنه لما كان الكلام مسوقاً للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى فإنه غير منكر لزم من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصه به عز وجل على سبيل الكناية على الوجه الأبلغ، وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لما فيها من معنى الختل والحيلة لأن أصل دري رمي الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يتعلم عليه الطعن والناقة التي يسيبها الصائد ليأنس بها الصيد فيستتر من ورائها فيرميه وفي كل حيلة، ولكونها علماً بضرب من الختل والحيلة لا تنسب إليه عز وجل إلا إذا أولت بمطلق العلم كما في خبر "خمس لا يدريهن إلا الله تعالى" وقيل: قد يقال الممنوع نسبتها إليه سبحانه بانفراده تعالى أما مع غيره تبارك اسمه تغليباً فلا، ويفهم من كلام بعضهم صحة النسبة إليه جل وعلا على سبيل المشاكلة كما في قوله:شعر : لا هم لا أدري وأنت الداري تفسير : فلا حاجة إلى ما قيل: إنه كلام أعرابـي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على الله تعالى وما يمتنع فيكون المعنى لا تعرف كل نفس وإن أعملت حيلها ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد وأبعد، وقد روعي في هذا الأسلوب الإدماج المذكور ولذا لم يقل: ويعلم ماذا تكسب كل نفس ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت. وجوز أن يكون أصل {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } وأن ينزل الغيث فحذف إن وارتفع الفعل كما في قوله:شعر : أيهذا الزاجري أحضر الوغى تفسير : وكذا قوله سبحانه: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ } والعطف على {عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } فكأنه قيل: إن الله عنده علم الساعة وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام، ودلالة ذلك على اختصاص علم تنزيل الغيث به سبحانه ظاهر لظهور أن المراد بعنده تنزيل الغيث عنده علم تنزيله، وإذا عطف {يُنَزّل} على {ٱلسَّاعَةَ } كان الاختصاص أظهر لانسحاب علم المضاف إلى الساعة إلى الانزال حينئذ فكأنه قيل: إن الله عنده علم الساعة وعلم تنزيل الغيث، وهذا العطف لا يكاد يتسنى في {وَيَعْلَمَ } إذ يكون التقدير وعنده علم علم ما في الأرحام وليس ذاك بمراد أصلاً. وجعل الطيبـي {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } الخ معطوفاً على خبر {إن} من حيث المعنى بأن يجعل المنفي مثبتاً بأن يقال: ويعلم ماذا تكسب كل نفس غداً ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت وقال: إن مثل ذلك جائز في الكلام إذا روعي نكتة كما في قوله تعالى: {أية : أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }تفسير : [الأنعام: 151] فإن العطف فيه باعتبار رجوع التحريم إلى ضد الإحسان وهي الإساءة، وذكر في بيان نكتة العدول عن المثبت إلى المنفي نحو ما ذكرنا آنفاً. وتعقب ذلك صاحب «الكشف» بأن عنه مندوحة أي بما ذكر من عطفه على جملة {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ }. وقال الإمام: في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً }تفسير : [لقمان: 33] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلاً: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } [لقمان: 33] فكأن قائلاً يقول: فمتى هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين ذكرا مراراً على البعث: أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله تعالى: {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله سبحانه: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ } فكأنه قال عز وجل: يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى / الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له أن يعلم ذلك بقوله عز وجل {وما تدري} الخ فكأنه قال تعالى: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى، ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال: ويخلق ما في الأرحام كما قال سبحانه: {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء. وكون المراد اختصاص علم هذه الخمس به عز وجل الذي تدل عليه الأحاديث والآثار، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة من حديث طويل: «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل متى الساعة؟ فقال للسائل: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا النبـي صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } الآية»تفسير : أي إلى آخر السورة كما في بعض الروايات، وما وقع عند البخاري في التفسير من قوله: إلى {الأرحام} تقصير من بعض الرواة، وأخرجا أيضاً هما وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مفتاح ـ وفي رواية مفاتح ـ الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر»تفسير : . وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح عن بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية»تفسير : . وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن ما عدا هذه الخمس من المغيبات قد يعلمه غيره عز وجل وإليه ذهب من ذهب. أخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور فأنكر عليه فقال: إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم، وفي بعض الأخبار ما يدل على أن علم هذه الخمس لم يؤت للنبـي صلى الله عليه وسلم ويلزمه أنه لم يؤت لغيره عليه الصلاة والسلام من باب أولى. أخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } الآية تفسير : ، وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } الآية. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لم يغم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} إلى آخر السورة، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في «الأدب» عن ربعي بن حراش قال: حدثني رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لقد علمني الله تعالى خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تعالى الخمس {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الآية. وصرح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن، أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة أن قال في الآية: خمس من الغيب استأثر الله تعالى بهن فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً إن الله عنده علم الساعة / ولا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلاً أم نهاراً وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث أليلاً أم نهاراً ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكراً أم أنثى أحمر أو أسود ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً أخيراً أم شراً وما تدري بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر في سهل أم في جبل. والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيراً ما تشتاق النفوس إلى العلم بها، وقال القسطلاني: ذكر صلى الله عليه وسلم خمساً وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائداً عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها انتهى، وفي التعليل الأخير نظر لا يخفى وأنه يجوز أن يطلع الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس ويرزقه عز وجل العلم بذلك في الجملة وعلمها الخاص به جل وعلا ما كان على وجه الإحاطة والشمول لأحوال كل منها وتفصيله على الوجه الأتم، وفي «شرح المناوي الكبير للجامع الصغير» في الكلام على حديث بريدة السابق «خمس لا يعلمهن إلا الله» على وجه الاحاطة والشمول كلياً وجزئياً فلا ينافيه إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة انتهى، ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك وبين ما يدل على خلافه كبعض إخباراته عليه الصلاة والسلام بالمغيبات التي هي من هذا القبيل يعلم ذلك من راجع نحو «الشفاء» و«المواهب اللدنية» مما ذكر فيه معجزاته صلى الله عليه وسلم وأخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات، وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل، وكذا إذا أراد تبارك وتعالى خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى وكل بالرحم ملكاً يقول: يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه عز وجل»تفسير : وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني قال: على القاري في «شرح الشفا»: الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينياً وإلهامهم لا يفيد إلا أمراً ظنياً ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو نحو ذلك ولا أرى كفر من يدعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي، وقد نقل العسقلاني في «فتح الباري» عن القرطبـي أنه قال: «من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في دعواه وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم»، وعليه فقول القسطلاني من ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه. وبعد هذا كله إن أمر الساعة أخفى الأمور المذكورة وإن ما أطلع الله تعالى عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من وقت قيامها في غاية الإجمال وإن كان أتم من علم غيره من البشر صلى الله عليه وسلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين»تفسير : لا يدل على أكثر من العلم الإجمالي بوقتها ولا أظن أن خواص / الملائكة عليهم السلام أعلم منه صلى الله عليه وسلم بذلك، ويؤيد ظني ما رواه الحميدي في «نوادره» بالسند عن الشعبـي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عليهما السلام عن الساعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول بأعلم من السائل، والمراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها على الوجه الأكمل ويرشد إلى العلم الإجمالي بها ذكر أشراطها كما لا يخفى، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام على وقت قيامها على وجه كامل لكن لا على وجه يحاكي علمه تعالى به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلى الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام، وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك. هذا وخص سبحانه المكان في قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } ليعرف الزمان من باب أولى فإن الأول في وسع النفس في الجملة بخلاف الثاني، وأخرج أحمد وجماعة عن أبـي غرة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أراد الله تعالى قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ عليه الصلاة والسلام {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ}» تفسير : وأخرج ابن أبـي شيبة في «المصنف» عن خيثمة أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت فقال: كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. و {تَدْرِى } في الموضعين معلقة فالجملة من قوله تعالى: {مَّاذَا تَكْسِبُ } في موضع المفعول، ويجوز أن تكون {مَاذَا } كلها موصولاً منصوب المحل بتدري كأنه قيل: وما تدري نفس الشيء الذي تكسبه غداً و {بِأَىّ } متعلق بتموت والباء ظرفية، والجملة في موضع نصب بتدري. وقرأ غير واحد من السبعة {يُنَزّلٍ } من الإنزال، وقرأ موسى الإسواري. وابن أبـي عبلة {بِـأيَةٍ أَرْضَ } بتاء التأنيث لإضافتها إلى المؤنث وهي لغة قليلة فيها كما أن كلاً إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث نادراً فيقال: كلتهن فعلن ذلك فليعلم والله عز وجل أعلم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } مبالغ في العلم فلا يعزب عن علمه سبحانه شيء من الأشياء {خَبِيرٌ } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها فالجمع بين الوصفين للإشارة إلى التسوية بين علم الظاهر والباطن عنده عز وجل والجملة على ما قيل في موضع التعليل لعلمه سبحانه بما ذكر، وقيل: جواب سؤال نشأ من نفي دراية الأنفس ماذا تكسب غداً وبأي أرض تموت كأنه قيل: فمن يعلم ذلك فقيل: إن الله عليم خبير وهو جواب بأن الله تعالى يعلم ذلك وزيادة، ولا يخفى أنه إذا كانت هذه الجملة من تتمة الجملتين اللتين قبلها كانت دلالة الكلام على انحصار العلم بالأمرين اللذين نفي العلم بهما عن كل نفس ظاهرة جداً فتأمل ذاك والله عز وجل يتولى هداك. ومن باب الإشارة في السورة الكريمة: {أية : الۤـمۤ} تفسير : [لقمان: 1] إشارة إلى آلائه تعالى ولطفه جل شأنه ومجده عز وجل {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ } بحضور القلب والإعراض عن السوى وهي صلاة خواص الخواص، وأما صلاة الخواص فبنفي الخطرات الردية والإرادات الدنيوية ولا يضر فيها طلب الجنة ونحوه، وأما صلاة العوام فما يفعله أكثر الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {أية : وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـٰوةَ }تفسير : [لقمان: 4] ببذل الوجود للملك المعبود لنيل المقصود وهي زكاة الأخص، وزكاة الخاصة ببذل المال كله لتصفية قلوبهم عن صدإ محبة الدنيا، وزكاة العامة ببذل القدر المعروف من المال المعلوم على الوجه المشروع المشهور لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } تفسير : [لقمان: 6] هو ما يشغل عن الله تعالى ذكره ويحجب عنه عز وجل استماعه، وأما الغناء فهو عند كثير منهم أقسام منها ما هو من لهو الحديث، ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه قال: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم، وعن أبـي بكر الكناني سماع العوام على متابعة الطبع وسماع المريدين رغبة ورهبة وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم وسماع العارفين على المشاهدة وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل من هؤلاء مصدر ومقام، وذكروا أن من القوم من يسمع في الله ولله وبالله ومن الله جل وعلا ولا يسمع بالسمع الإنساني بل يسمع بالسمع الرباني كما في الحديث القدسي «حديث : كنت سمعه الذي يسمع به»تفسير : وقالوا: إنما حرم اللهو لكونه لهواً فمن لا يكون لهواً بالنسبة إليه لا يحرم عليه إذ علة الحرمة في حقه منتفية والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، ويلزمهم القول بحل شرب المسكر لمن لا يسكره لا سيما لمن يزيده نشاطاً للعبادة مع ذلك، ومن زنادقة القلندرية من يقول بحل الخمر والحشيشة ونحوها من المسكرات المحرمة بلا خلاف زاعمين أن استعمال ذلك يفتح عليهم أبواب الكشوف، وبعض الجهلة الذين لعب بهم الشيطان يطلبون منهم المدد في ذلك الحال قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ }تفسير : [لقمان: 12] قيل: هي إدراك خطاب الحق بوصف الإلهام، وذكروا أن الحكمة موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء عليهم السلام فكل ليس بكسبـي إلا أن للكسب مدخلاً ما في الحكمة، فقد ورد «من أخلص لله تعالى أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه» والحكمة التي يزعم الفلاسفة أنها حكمة ليست بحكمة إذ هي من نتائج الفكر ويؤتاها المؤمن والكافر وقلما تسلم من شوائب آفات الوهم، ولهذا وقع الاختلاف العظيم بين أهلها وعدها بعض الصوفية من لهو الحديث ولم يبعد في ذلك عن الصواب، وأشارت قصة لقمان إلى التوحيد ومقام جمع الجمع وعين الجمع واتباع سبيل الكاملين والإعراض عن السوى وتكميل الغير والصبر على الشدائد والتواضع للناس وحسن المماشاة والمعاملة والسيرة وترك التماوت في المشي وترك رفع الصوت، وقيل الحمير في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تفسير : [لقمان: 19] هم الصوفية الذين يتكلمون بلسان المعرفة قبل أن يؤذن لهم، وطبق بعضهم جميع ما في القصة على ما في الأنفس {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } قال الجنيد: النعم الظاهرة حسن الأخلاق والنعم الباطنة أنواع المعارف، وقيل: على قراءة الافراد النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العلم والباطنة طلب الحقيقة في الاتباع، وقيل: النعمة الظاهر نفس بلا زلة والباطنة قلب بلا غفلة. {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ }تفسير : [لقمان: 20] يشير إلى أهل الجدل من الفلاسفة فإنهم يجادلون في ذات الله تعالى وصفاته عز وجل كذلك عند التحقيق لأنهم لا يعتبرون كلام الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا الكتب المنزلة من السماء وأكثر علومهم مشوب بآفة الوهم ومع هذا فشؤون الله جل وعلا طور ما وراء طور العقل:شعر : هيهات أن تصطاد عنقاء البقا بلعابهن عناكب الأفكار تفسير : وأبعد من محدب الفلك التاسع حصول علم بالله عز وجل وبصفاته جل شأنه يعتد به بدون نور إلهي يستضىء العقل به وعقولهم في ظلمات بعضها فوق بعض، وقد سدت أبواب الوصول إلا على متبع للرسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم مخاطباً لحضرة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام:شعر : وأنت باب الله أي امرىء أتاه من غيرك لا يدخل تفسير : / {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } إلى قوله سبحانه: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [لقمان: 30] فيه إشارة إلى أنه سبحانه تمام وفوق التمام، والمراد بالأول من حصل له كل ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى: {هُوَ ٱلْحَقُّ } والمراد بالثاني من حصل له ذلك وحصل لما عداه ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى: {هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } ووراء هذين الشيئين ناقص وهو ما ليس له ما ينبغي كالصبـي والمريض والأعمى ومكتف وهو من أعطى ما تندفع به حاجته في وقته كالإنسان الذي له من الآلات ما تندفع به حاجته في وقته لكنها في معرض التحلل والزوال {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} [لقمان: 34] الآية ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة لإطلاع الله تعالى إياهم على ما عدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام في ذلك، وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم أنه كان يبيع المطر فيمطر على أرض من يشتري منه متى شاء، ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه الحكاية، وكم للقصاص أمثالها من رواية نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من اعتقاد خرافات لا أصل لها وهو سبحانه ولي العصمة والتوفيق.

ابن عاشور

تفسير : كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين وقته أمارةً على أنه غير واقع. قال تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يونس: 48] وقال: {أية : وما يُدْرِيك لعلّ السَّاعة قريبٌ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} تفسير : [الشورى: 17، 18]، فلما جرى في الآيات قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله. فجملة {إن الله عنده علم الساعة} مستأنفة استئنافاً بيانياً لوقوعها جواباً عن سؤال مقدَّر في نفوس الناس. والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع نظائرها تعليماً للأمة. وقال الواحدي والبغوي: إن رجلاً من محارب خصفة من أهل البادية سماه في «الكشاف» الحارث بن عمرو ووقع في «تفسير القرطبي» وفي «أسباب النزول» للواحدي تسميته الوارث بن عمرو بن حارثة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وتركتُ امرأتي حبلى فما تلد؟ وماذا أكسب غداً؟ وبأي أرض أموت؟، فنزلت هذه الآية، ولا يُدرى سند هذا. ونُسب إلى عكرمة ومقاتل، ولو صح لم يكن منافياً لاعتبار هذه الجملة استئنافاً بيانياً فإنه مقتضى السياق. وقد أفاد التأكيد بحرف {إن} تحقيق علم الله تعالى بوقت الساعة، وذلك يتضمن تأكيد وقوعها. وفي كلمة {عنده} إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك العلم لأن العندية شأنها الاستئثار. وتقديم {عند} وهو ظرف مسند على المسند إليه يُفيد التخصيص بالقرينة الدالة على أنه ليس مراد به مجرد التقوي. وجملة {وينزل الغيث} عطف على جملة الخبر. والتقدير: وإن الله ينزل الغيث، فيفيد التخصيص بتنزيل الغيث. والمقصود أيضاً عنده علم وقت نزول الغيث وليس المقصود مجرد الإخبار بأنه ينزل الغيث لأن ذلك ليس مما ينكرونه ولكن نُظمت الجملة بأسلوب الفعل المضارع ليحصل مع الدلالة على الاستئثار بالعلم به الامتنان بذلك المعلوم الذي هو نعمة. وفي اختيار الفعل المضارع إفادة أنه يجدد إنزال الغيث المرة بعد المرة عند احتياج الأرض. ولا التفاتَ إلى من قدروا: {ينزل الغيث}، بتقدير (أنْ)}المصدرية على طريقة قول طرفة:شعر : ألا أيهذا الزاجري احضُر الوغى تفسير : للبون بين المقامين وتفاوت الدرجتين في البلاغة. وإذ قد جاء هذا نسقاً في عداد الحصر كان الإتيان بالمسند فعلاً خبراً عن مسند إليه مقدم مفيداً للاختصاص بالقرينة؛ فالمعنى: وينفرد بعلم وقت نزول الغيث من قرب وبعد وضبط وقت. وعطف عليه {ويعلم ما في الأرحام} أي: ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة وعلقة ومضغة ثم من كونه ذكراً أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق. وجيء بالمضارع لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار والأحوال. والمعنى: ينفرد بعلم جميع تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد منه الحصر فكان المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيداً للاختصاص بالقرينة كما قلنا في قوله تعالى: {والله يقدّر الليل والنهار}. وأما قوله {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت} فقد نسج على منوال آخر من النظم فجعل سَداه نفي علم أيَّة نفس بأخص أحوالها وهو حال اكتسابها القريب منها في اليوم الموالي يوم تأملها ونظرها، وكذلك مكانُ انقضاء حياتها للنداء عليهم بقلة علمهم؛ فإذا كانوا بهذه المثابة في قلة العلم فكيف يتطلعون إلى علم أعظم حوادث هذا العالم وهو حادث فنائه وانقراضه واعتياضه بعالم الخلود. وهذا النفي للدراية بهذين الأمرين عن كل نفس فيه كناية عن إثبات العلم بما تكسب كل نفس والعلمُ بأي أرض تموت فيها كل نفس إلى الله تعالى، فحصلت إفادة اختصاص الله تعالى بهذين العِلْمين فكانا في ضميمة ما انتظم معهما مما تقدمهما. وعبر في جانب نفي معرفة الناس بفعل الدراية لأن الدراية علم فيه معالجة للاطلاع على المعلوم ولذلك لا يعبر بالدراية عن علم الله تعالى فلا يقال: الله يدري كذا، فيفيد: انتفاء علم الناس بعد الحرص على علمه. والمعنى: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى بقرينة مقابلتهما بقوله {وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام}. وقد علق فعل الدراية عن العمل في مفعولين بوقوع الاستفهامين بعدهما، أي ما تدري هذا السؤال، أي جوابه. وقد حصل إفادة اختصاص الله تعالى بعلم هذه الأمور الخمسة بأفانين بديعة من أفانين الإيجاز البالغ حد الإعجاز. ولقبت هذه الخمسة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتح الغيب وفسر بها قوله تعالى: {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}تفسير : [الأنعام: 59]. ففي «صحيح البخاري» من حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مَفاتح الغيب خمس» تفسير : ثم قرأ: {إن الله عنده علم السَّاعة} الآية، ومن حديث أبي هريرة: «... في خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة جواباً عن سؤال جبريل: متى الساعة؟....» ومعنى حصر مفاتح الغيب في هذه الخمسة: أنها هي الأمور المغيّبة المتعلقة بأحوال الناس في هذا العالم وأن التعبير عنها بالمفاتح أنها تكون مجهولة للناس فإذا وقعت فكأنَّ وقوعها فَتح لما كان مغلقاً وأما بقية أحوال الناس فخفاؤها عنهم متفاوت ويمكن لبعضهم تعيينها مثل تعيين يوم كذا للزفاف ويوم كذا للغزو وهكذا مواقيت العبادات والأعياد، وكذلك مقارنات الأزمنة مثل: يوم كذا مدخل الربيع؛ فلا تجد مغيبات لا قِبَل لأحد بمعرفة وقوعها من أحوال الناس في هذا العالم غير هذه الخمسة فأما في العَوالم الأخرى وفي الحياة الآخرة فالمغيبات عن علم الناس كثيرة وليست لها مفاتح عِلم في هذا العالم. وجملة {إن الله عليم خبير} مستأنفة ابتدائية واقعة موقع النتيجة لما تضمنه الكلام السابق من إبطال شبهة المشركين بقوله تعالى: {أية : إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا}تفسير : [لقمان: 33] كموقع قوله في قصة [لقمان: 16]: {أية : إن الله لطيف خبير} تفسير : عقب قوله: {أية : إنها إنْ تك مثقال حبة من خردل} تفسير : الآية [لقمان: 16]. والمعنى: أن الله عليمٌ بمدى وعده خبيرٌ بأحوالكم مما جمعه قوله {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} الخ. ولذا جمع بين الصفتين: صفة {عليم} وصفة {خبير} لأن الثانية أخص.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا في سورة الأنعام أن هذه الخمسة المذكورة في خاتمة سورة لقمان: أنها هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح ذلك بالسنة الصحيحة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 34- إن الله يثبت عنده علم الساعة فلا يعلمها أحد سواه، وينزل المطر فى موعده الذى ضربه له، ويعلم ما فى الأرحام، أى يعلم مصير هذا الخارج من الأرحام إلى الدنيا بين الشقاء والسعادة، وبين التوفيق والخذلان، وبين مقدار إقامته فى الدنيا وخروجه منها. وما تعلم نفس بارة أو فاجرة ما تكسبه فى غدها من خير أو شر، وما تعلم نفس ببقعة الأرض التى فيها ينقضى أجلها، لأن الله تام العلم والخبرة لكل شئ، ولا يظهر على غيبه أحداً.

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالى خَمسَةَ أَشياءٍ اخْتَصَّ نَفْسَهُ الكَريمَةَ بِعِلْمِهَا، فَلا يَعْلَمُها أَحَدٌ سِواهُ وهيَ: - علمُ السَّاعةِ - فَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَوعِدَ قِيامِ السَّاعَةِ. - إِنْزالُ الغَيْثِ - فَهُوَ تَعَالى يُنْزِلُ الغَيْثَ في وَقْتِهِ المُقَدَّرِ، وَمَكَانِهِ المُعَيَّن، وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيئاً مِنْ ذَلِكَ. - عِلْمُ مَا فِي الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرِ أَوْ أُنْثَى وَمِنْ جَنينٍ تَامِّ الخَلْقِ أَوْ نَاقِصِهِ... وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ذَلِكَ، فِي بَدْءِ تَخَلُّقِ الجَنينِ. - مَا تَكسِبُهُ النَّفْسُ فِي غَدِهَا مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، فَلاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غيرُ اللهِ. - مَكَانُ الوَفَاةِ وَزَمَانُها - فَلَيسَ لأَِحدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ يَمُوتُ وَمَتَى يَمُوتُ. والذِي يَعْلَمُ ذلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لاَ إِله إِلاّ هُوَ العَليمُ الخَبِيرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن حذرنا ربنا - تبارك وتعالى - من الغرور في الحياة الدنيا يُذكِّرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وقيامة وساعة {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ..} [لقمان: 34] والساعة لا تعني القيامة فحسب، إنما لكل منا ساعته، لأنه مَنْ مات فقد قامت قيامته. لماذا؟ لأنه انقطع عمله، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح، فكأن قيامته قامت بموته. وقلنا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها، وإنْ كان عمر الدنيا على الحقيقة من لَدُن آدم - عليه السلام - إلى قيام الساعة، لكن ماذا استفدتَ أنت من عمر غيرك؟ إذن: لا ينبغي أن تقول: إن الدنيا طويلة؛ لأن عمرك فيها قصير، ثم إنك لا تعلمه، ولا تستطيع أنْ تتحكم فيه، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل؛ لأن في إبهامه أنفع البيان، فلما أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة، فكل لحظة تمر عليك يمكن أن يأتيك فيها الموت. وهكذا أشاع الموت في كل الزمن، وما دام الأمر كذلك فلا بُدَّ أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية، فالإبهام هنا هو عَيْن البيان. وقلنا: إن الذين ماتوا من لَدُن آدم عليه السلام يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة، فإذا ما قامت القيامة {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46] لماذا؟ قالوا: لأن قياس الزمن إنما يتأتى بالأحداث، فحيث لا توجد أحداث لا يوجد زمن. ومثَّلْنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضاً {أية : كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [الكهف: 19]. لماذا؟ لأن النوم يخلو من الأحداث، فلا يشعر النائم فيه بالزمن، كما أنهم لما رأى بعضهم بعضاً بعد هذه الفترة رآه على حالته التي نام عليها لم يتأثر بمرور هذه المدة، ولم تتغير هيئته، فأقصى ما يمكن تصوُّره أن يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم. وكذلك الحال في قصة العُزير الذي قال الله عنه: {أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [البقرة: 259]؛ لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن ينامها الإنسان. ثم أخبره ربه {أية : بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ..} تفسير : [البقرة: 259] ويريد الحق سبحانه أن يُدلِّل على صدق الرجل في قوله يوماً أو بعض يوم، وعلى صدقه تعالى في قوله مائة عام، فيقول سبحانه: {أية : فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ..} تفسير : [البقرة: 259] أي: لم يتغير. وهذا دليل على صِدْقه في يوم أو بعض يوم {أية : وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ ..} تفسير : [البقرة: 259]. وهذا دليل على صدق الحق - تبارك وتعالى - في قوله {أية : مائَةَ عَامٍ ..} تفسير : [البقرة: 259] فكلا القولين صادق؛ لأن الله تعالى هو القابض الباسط، يقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق آخرين. وهذه الآية جمعتْ خمسة أمور استأثر الله تعالى بعلمها: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} [لقمان: 34]. فهل هذه هي كل الغيبيات في الكون؟ نقول: في الكون غيبيات كثيرة لا نعرفها، فلا بُدَّ أن هذه الخمس هي المسئول عنها، وجاء الجواب على قدر السؤال، بالله لو هَبَّتْ الريح، وحملتْ معها بعض الرمال، أنعرف أين ذهبت هذه الذرات؟ وفي أي ناحية، أنعرف ورق الشجر كم تساقط منها؟ هذه كلها غيبيات لا يعلمها أيضاً إلا الله، أما نحن فلا نعلم حتى عدد النِّعَم التي أنعم الله بها علينا {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 34]. إذن: فهذه نماذج لما استأثر الله بعلمه؛ لأن الله تعالى قال: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [لقمان: 27]. فلله تعالى في كونه أسرار لا تُحصى، أجَّل الله ميلادها؛ لنعلم أننا في كل يوم نجهل ما عند الله، وكل يوم يطلع علينا العلماء والباحثون بجديد من أسرار الكون - هذا ونحن لا نزال في الدنيا، فما بالنا في الآخرة، وفي الجنة إن شاء الله؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: "حديث : فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : والإنسان يكتسب المعلومات، إما برؤية العين، أو بسماع الأذن، ومعلوم أن رقعة السمع أوسع من البصر؛ لأنك لا ترى إلا ما تراه عيناك، لكن تسمع لمرائي الآخرين، ثم أنت تسمع وترى موجوداً، لكن هناك ما لا يخطر على قلب بشر يعني: أشياء غيبية لم تطرأ على بال أحد، وفي ذلك يقول سبحانه: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 17]. وقد ورد في أسباب نزول مفاتح الغيب هذه، أن رجلاً من محارب، اسمه الحارث بن عمرو بن حارثة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أريد أنْ أعرف متى الساعة، وقد بذرْت بذري، وأنتظر المطر فمتى ينزل؟ وامرأتي حامل، وأريد أن تلد ذكراً، وقد أعددت لليوم عُدَّته، فماذا أُعِد لغد؟ وقد عرفت موقع حياتي، فكيف أعرف موقع مماتي؟ هذه خمس مسائل مخصوصة جاء بها الجواب من عند الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} [لقمان: 34]. وعجيب أنْ نرى من خَلْق الله مَنْ يحاول أن يستدرك على مقولة الله في هذه الغيبيات الخمس، كالذين حاولوا أنْ يتنبأوا بموعد قيام الساعة، وقد كذبوا جميعاً، ولو قُدِّر لهم الإيمان بالله، والعلم بما قاله الله في قيام الساعة ما تجرأ منهم أحد على هذه المسألة. وقلنا: إن الحق سبحانه أخفى موعد الساعة لكي نستشعرها دائماً، وفي كل وقت، حتى الذين لا يؤمنون بها ويشكُّون فيها، وإذا ما استشعرها الناس عملوا لها، واستعدوا لأهوالها، كما أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ومكان أجله، وجعل الموت يدور على العباد على غير قاعدة. فمنهم مَنْ يموت بعد دقائق من مولده، ومنهم مَنْ يعمر مئات السنين، كما أنه سبحانه لم يجعل للموت مقدمات من مرض أو غيره، فكم من مريض يُعافى، وصحيح يموت، كما يقولون: كيف مريضكم؟ قال: سليمنا مات، وصدق القائل: شعر : فلا تَحْسَب السُّقْم كأْسَ الممات وإنْ كَان سُقْماً شَديد الأثَر فرُبَّ عليل تَرَاهُ اسْتفَاق ورُبّ سِلَيم تَرَاه اسْتتر تفسير : كذلك الموت لا يرتبط بالسِّن: شعر : كم بُودرت غادة كعَابٌ وغُودِرَتْ أمُّها العَجُوزُ يجوُزُ أنْ تبطئ المنَايَا والخُلْدُ في الدَّهْر لا يَجُوزُ تفسير : إذن: أخفى الله القيامة وأخفى الموت؛ لنظل على ذُكْر له نتوقعه في كل لحظة، فنعمل له، ولنتوقع دائماً أننا سنلقى الله، فنعد للأمر عُدته؛ لأن مَنْ مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انقطع عمله، ففي إبهام موعد القيامة وساعة الموت عَيْن البيان لكل منهما، فالإبهام أشاعه في كل وقت. وقوله: {وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ ..} [لقمان: 34] وهذا أيضاً، ومع تقدُّم العلوم حاول البعض التنبؤ به بناء على حسابات دقيقة لسرعة الرياح ودرجة الحرارة .. إلخ، وربما صَحَّتْ حساباتهم، لكن فاتهم أن الله أقداراً في الكون تحدث ولا تدخل في حساباتهم، فكثيراً ما نُفَاجأ بتغيُّر درجة الحرارة أو اتجاه الريح، فتنقلب كل حساباتنا. لذلك من عجائب الخَلْق أنك كلما اقتربتَ من الشمس وهي مصدر الحرارة تقِلُّ درجة الحرارة، وكلما ابتعدت عنها زادت درجة الحرارة، إذن: المسألة ليست روتينية، إنما هي قدرة لله سبحانه، والله يجمع لك الأسباب ليثبت لك طلاقة قدرته التي تقول للشيء: كُنْ فيكون. ألسنا نُؤمر في الحج بأن نُقبِّل حجراً ونرمي آخر، وكل منهما إيمان وطاعة، هذا يُباس وهذا يُداس، هذا يُقبَّل وهذا يقنبل، لماذا؟ لأن الله تعالى يريد منا الالتزام بأمره، وانصياع النفس المؤمنة للرب الذي أحيا، والرب الذي كلَّف. وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ..} [لقمان: 34] هذه أيضاً من مفاتح الغيب، وستظل كذلك مهما تقدمت العلوم، ومها ادَّعى الخَلْق أنهم يعلمون ما في الأرحام، والذي أحدث إشكالاً في هذه المسألة الآن الأجهزة الحديثة التي استطاعوا بها رؤية الجنين، وتحديد نوعه أذكر أم أنثى، فهذه الخطوة العلمية أحدثتْ بلبلة عند بعض الناس، فتوهموا أن الأطباء يعلمون ما في الأرحام، وبناءً عليه ظنوا أن هذه المسألة لم تَعُدْ من مفاتح الغيب التي استأثر الله بها. ونقول: أنتم بسلطان العلم علمتم ما في الأرحام بعد أن تكوَّن ووضحتْ معالمه، واكتملتْ خِلْقته، أما الخالق - عز وجل - فيعلم ما في الأرحام قبل أنْ تحمل الأم به، ألم يُبشِّر الله تعالى نبيه زكريا عليه السلام بولده يحيى قبل أن تحمل فيه أمه؟ ونحن لا نعلم هذا الغيب بذواتنا، إنما بما علّمنا الله، فالطبيب الذي يُخبرك بنوع الجنين لا يعلم الغيب، إنما مُعلَّم غيب. والله - تبارك وتعالى - يكشف لبعض الخلق بعض الغيبيات، ومن ذلك ما كان من الصِّدِّيق أبي بكر - رضي الله عنه - حين أوصى ابنته عائشة - رضي الله عنها - قبل أن يموت وقال لها: يا عائشة إنما هما أخواك وأختاك، فتعجبت عائشة حيث لم يكن لها من الإخوة سوى محمد وعبد الرحمن، ومن الأخوات أسماء، لكن كان الصِّديق في هذا الوقت متزوجاً من بنت خارجة، وكانت حاملاً وبعد موته ولدتْ له بنتاً، فهل تقول: إن الصِّدِّيق كان يعلم الغيب؟ لا، إنما أُعِلم من الله. إذن: الممنوع هنا العلم الذاتي أن تعلم بذاتك. ثم إن الطبيب يعلم الآن نوع الجنين، إما من صورة الأشعة أو التحاليل الي يُجريها على عينة من الجنين، وهذا لا يُعتبر علماً للغيب، و (الشطارة) أن تجلس المرأة الحامل أمامك وتقول لها: أنت إنْ شاء الله ستلدين كذا أو كذا، وهذا لا يحدث أبداً. ثم يقول سبحانه: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ..} [لقمان: 34] الإنسان يعمل، إما لدنياه، وإما لأُخْراه، فالمعنى إما تكسب من الخير المادي لذاتك لتعيش، وإن كان من مسألة التكليف، فالنفس إما تعمل الخير أو الشر، الحسنة أو السيئة، والإنسان في حياته عُرضَة للتغيُّر. لذلك يقال في الأثر: "حديث : يا ابن آدم، لا تسألني عن رزق غدٍ، كما لم أطالبك بعمل غد ". تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} [لقمان: 34] وهذه المسألة حدث فيها إشكال؛ حديث : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأنصار أنه سيموت بالمدينة حينما وزع الغنائم على الناس جميعاً ما عدا الأنصار؛ لذلك غضبوا ووجدوا في أنفسهم شيئاً؛ لأن رسول الله حرمهم، لكن سيدنا رسول الله جمعهم وتلطَّف معهم في الحديث واعترف لهم بالفضل فقال: والله لو قلتم أني جئت مطروداً فآويتموني فأنتم صادقون، وفقيراً فأغنيتموني فأنتم صادقون.. لكن الأ تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله"تفسير : ، وقال في مناسبة أخرى "حديث : المحيا محياكم، والممات مماتكم ". تفسير : إذن: نُبِّئَ رسول الله أنه سيموت بالمدينة، والله يقول: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} [لقمان: 34] نقول: الأرض منها عام ومنها خاصّ، فأرض المدينة شيء عام، نعم سيموت بالمدينة، لكن في أيِّ بقعة منها، وفي أي حجرة من حجرات زوجاته، إذن: إذا علمتَ الأرض العامة، فإن الأرضَ الخاصة ما زالت مجهولة لا يعلمها أحد. يُرْوى أن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي كان يحب الحياة ويحرص عليها، ويخاف الموت، وكان يستشير في ذلك المنجِّمين والعرافين، فأراد الله أنْ يقطع عليه هذه المسألة، فأراه في المنام أن يداً تخرج من البحر وتمتد إليه، وهي مُفرَّجة الأصابع هكذا، فأمر بإحضار مَنْ يُعبِّر له هذه الرؤيا، فكان المتفائل منهم، أو الذي يبغى نفاقه يقول له: هي خمس سنوات وآخرون قالوا: خمسة أشهر، أو خمسة أيام أو دقائق. إلى أن انتهى الأمر عند أبي حنيفة رضي الله عنه فقال له: إنما يريد الله أن يقول لك: هي خمسة لا يعلمها إلا الله، وهي: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} [لقمان: 34]. وما دامت هذه المسائل كلها مجهولة لا يعلمها أحد، فمن المناسب أن يكون ختام الآية {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34]. إذن: الحق سبحانه يريد أنْ يُريح خَلْقه من الفكر في هذه المسائل الخمس، وكل ما يجب أن نعلمه أن المقادير تجري بأمر الله لحكمة أرادها الله، وأنها إلى أجل مسمى، وأن العلم بها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، بالله ماذا يحدث لو علمت ميعاد موتك؟ لا شيء أكثر من أنك ستعيش نَكِداً حزيناً طوال الوقت لا تجد للحياة لذة. لذلك أخفى الله عنَّّا هذه المسألة لنُقبِل على الله بثقتنا في مجريات قدر الله فينا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قد تقرر أن اللّه تعالى أحاط علمه بالغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، وقد يطلع اللّه عباده على كثير من الأمور الغيبية، وهذه [الأمور] الخمسة، من الأمور التي طوى علمها عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فضلا عن غيرهما، فقال: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: يعلم متى مرساها، كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً } تفسير : الآية. { وَيُنزلُ الْغَيْثَ } أي: هو المنفرد بإنزاله، وعلم وقت نزوله. { وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ } فهو الذي أنشأ ما فيها، وعلم ما هو، هل هو ذكر أم أنثى، ولهذا يسأل الملك الموكل بالأرحام ربه: هل هو ذكر أم أنثى؟ فيقضي اللّه ما يشاء. { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا } من كسب دينها ودنياها، { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } بل اللّه تعالى، هو المختص بعلم ذلك جميعه. ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال: { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك. تم تفسير سورة لقمان بفضل اللّه وعونه، والحمد للّه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 5770 : 5 : 3 - سفين عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديث : مفاتيح الغيب خمس. لا يعلمهن إلا الله عز وجل. لا يعلم متى الساعة، ولا يعلم ما تغيض الارحام، ولا يعلم ما في غد، ولا يعلم نفسا بأي أرض تموت إلا الله. ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث إلا اللهتفسير : . [الآية 34].

همام الصنعاني

تفسير : 2297- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قا ل: "حديث : مفتاح الغيب خمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ}:تفسير : [الآية: 34].