٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة في هذه السورة فقال: {الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } وقد علم ما في قوله: {الم } وفي قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } من سورة البقرة وغيرها غير أن ههنا قال: {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقال من قبل { أية : هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [لقمان: 3] وقال في البقرة (2): { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : وذلك لأن من يرى كتاباً عند غيره، فأول ما تصير النفس طالبة تطلب ما في الكتاب فيقول ما هذا الكتاب؟ فإذا قيل هذا فقه أو تفسير فيقول بعد ذلك تصنيف من هو؟ ولا يقال أولا: هذا الكتاب تصنيف من؟ ثم يقول فيماذا هو؟ إذا علم هذا فقال أولا هذا الكتاب هدى ورحمة، ثم قال ههنا هو كتاب الله تعالى وذكره بلفظ رب العالمين لأن كتاب من يكون رب العالمين يكون فيه عجائب العالمين فتدعو النفس إلى مطاعته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} الإجماع على رفع «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ» ولو كان منصوباً على المصدر لجاز؛ كما قرأ الكوفيون: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [يۤس: 3 ـ 5]. و«تَنْزِيلُ» رفع بالابتداء والخبر {لاَ رَيْبَ فِيهِ}. أو خبر على إضمار مبتدأ؛ أي هذا تنزيل، أو المتلوّ تنزيل، أو هذه الحروف تنزيل. ودلّت: {الۤـمۤ } على ذكر الحروف. ويجوز أن يكون «لاَ رَيْبَ فِيهِ» في موضع الحال من «الْكِتَابِ». و{مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الخبر. قال مكيّ: وهو أحسنها. ومعنى: «لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» لا شك فيه أنه من عند الله؛ فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأوّلين.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {الم} إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فمبتدأ خبره: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } على أن التنزيل بمعنى المنزل، وإن جعل تعديداً للحروف كان {تَنزِيلَ } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } فيكون. {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } حالاً من الضمير في {فِيهِ } لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً ولا {رَيْبَ فِيهِ } حال من {ٱلْكِتَـٰبِ }، أو اعتراض والضمير فيه لمضمون الجملة ويؤيده قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } فإنه إنكار لكونه من رب العالمين وقوله: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } فإنه تقرير له، ونظم الكلام على هذا أنه أشار أولاً إلى إعجازه، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكاراً له وتعجيباً منه، فإن {أَمْ} منقطعة ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله وبين المقصود من تنزيله فقال: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ} إذا كانوا أهل الفترة. {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} بإنذارك إياهم. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} مر بيانه في «الأعراف». {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ} {مَا لَكُمْ} إذا جاوزتم رضا الله أحد ينصركم ويشفع لكم، أو {مَا لَكُمْ} سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن نصركم على أن الشفيع متجوز به للناصر، فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ولا ناصر. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} بمواعظ الله تعالى. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها إلى الأرض. {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} ثم يصعد إليه ويثبت في علمه موجوداً. {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} في برهة من الزمان متطاولة يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع. وقيل يدبر الأمر بإظهاره في اللوح فينزل به الملك ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة، لأن مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة فإن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقيل يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل يدبر الأمر إلى قيام الساعة ثم يعرج إليه الأمر كله يوم القيامة. وقيل يدبر المأمور به من الطاعات منزلاً من السماء إلى الأرض بالوحي، ثم لا يعرج إليه خالصاً كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص، وقرىء «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ». {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} فيدبر أمرهما على وفق الحكمة. {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على أمره. {ٱلرَّحِيمِ} على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه سبحانه يراعي المصالح تفضلاً وإحساناً. {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ} خلقة موفراً عليه ما يستعد له ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، وخلقه بدل من كل بدل الاشتمال وقل علم كيف يخلقه من قولهم قيمة المرء ما يحسنه أي يحسن معرفته، و {خَلَقَهُ} مفعول ثان. وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل وعلى الثاني بمتصل. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ} يعني آدم. {مِن طِينٍ}. {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} ذريته سميت بذلك لأنها تنسل منه أي تنفصل. {مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} ممتهن. {ثُمَّ سَوَّاهُ} قَوَّمَّهُ بتصوير أعضائه على ما ينبغي. {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} إضافة إلى نفسه تشريفاً له وإشعاراً بأنه خلق عجيب، وأن له شأناً له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية ولأجله قيل من عرف نفسه فقد عرف ربه. {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ} خصوصاً لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تشكرون شكراً قليلاً. {وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ} أي صرنا تراباً مخلوط بتراب الأرض لا نتميز منه، أو غبنا فيها. وقرأ «ضَلَلْنَا» بالكسر من ضل يضل «وصللَنا} من صل اللحم إذا أنتن، وقرأ ابن عامر «إذا» على الخبر والعامل فيه ما دل عليه. {أَئِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو: نبعث أو يجدد خلقنا. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب «أنا» على الخبر، والقائل أبي بن خلف وإسناده إلى جميعهم لرضاهم به. {بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ} بالبعث أو بتلقي ملك الموت وما بعده. {كَـٰفِرُونَ} جاحدون.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، ولا مرية أنه منزل {مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ثم قال تعالى مخبراً عن المشركين: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} بل {يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي: اختلقه من تلقاء نفسه {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَـٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: يتبعون الحق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: { الۤـمۤ} قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من الإعراب في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور، وارتفاع {تَنزِيلَ } على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أنّ {الۤمۤ} في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو خبر لقوله: {الۤمۤ} على تقدير أنه اسم للسورة، و {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون ارتفاع {تنزيل} على أنه مبتدأ وخبره لا ريب فيه، و{من ربّ العالمين} في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون هذه كلها أخباراً للمبتدأ المقدر قبل {تنزيل}، أو لقوله: {الۤمۤ} على تقدير أنه مبتدأ لا على تقدير أنه حروف مسرودة على نمط التعديد. قال مكي: وأحسن الوجوه: أن تكون {لا ريب فيه} في موضع الحال، و {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الخبر، والمعنى على هذه الوجوه: أن تنزيل الكتاب المتلوّ لا ريب فيه ولا شك وأنه منزل من ربّ العالمين، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأوّلين. و «أم» في: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } هي المنقطعة التي بمعنى: بل، والهمزة، أي بل أيقولون هو مفترى؟ فأضرب عن الكلام الأوّل إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ، ومعنى {افتراه}: افتعله واختلقه، ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب، فقال: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء، ثم بيّن العلة التي كان التنزيل لأجلها، فقال: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } وهم العرب وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول. وقيل: قريش خاصة، والمفعول الثاني {لتنذر} محذوف، أي لتنذر قوماً العقاب، وجملة: {ما أتاهم من نذير} في محل نصب على الحال، و{من قبلك} صفة لنذير. وجوّز أبو حيان أن تكون ما موصولة، والتقدير: لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، وهو ضعيف جدّاً، فإن المراد: تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به. وقيل: المراد بالقوم: أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } رجاء أن يهتدوا، أو كي يهتدوا. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } قد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف، والمراد من ذكرها هنا: تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعه ليسمعوا القرآن ويتأملوه، ومعنى خلق: أوجد وأبدع. قال الحسن: الأيام هنا هي من أيام الدنيا. وقيل: مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا، قاله الضحاك. فعلى هذا المراد بالأيام هنا: هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا، وليست ثم للترتيب في قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }، وقد تقدّم تفسير هذا مستوفى {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } أي ليس لكم من دون الله أو من دون عذابه من ولى يواليكم ويردّ عنكم عذابه، ولا شفيع يشفع لكم عنده {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } تذكر تدبر وتفكر وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل حتى تنتفعوا بها. {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ } لما بيّن سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بيّن تدبيره لأمرهما، أي يحكم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض، والمعنى: ينزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال سبحانه: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 12] ومسافة ما بين سماء الدنيا والأرض التي تحتها نزولاً وطلوعاً ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: المراد بالأمور: المأمور به من الأعمال، أي ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض. وقيل: يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل. وقيل: العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل كما في قوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } تفسير : [الرعد: 2] وما دون السماوات موضع التصرّف. قال الله: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } تفسير : [الفرقان: 50]. ثم لما ذكر سبحانه تدبير الأمر قال: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } أي ثم يرجع ذلك الأمر، ويعود ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء والطلوع من الأرض كما قدّمنا. وقيل: إن المراد أنه يعرج إليه في يوم القيامة الذي مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا ويموت من فيها. وقيل: هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة، والمعنى: أنه يثبت ذلك عنده، ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في كلّ وقت من الأوقات إلى أن تبلغ مدة الدنيا آخرها. وقيل: معنى يعرج إليه: يثبت في علمه موجوداً بالفعل في برهة من الزمان هي مقدار ألف سنة، والمراد: طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان. وقيل: يدبر أمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم تعرج إليه في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: يقضي قضاء ألف سنة، فتنزل به الملائكة، ثم تعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل: المراد: أن الأعمال التي هي طاعات يدبرها الله سبحانه وينزل بها ملائكته ثم لا يعرج إليه منها إلا الخالص بعد مدّة متطاولة لقلة المخلصين من عباده. وقيل: الضمير في: {يعرج} يعود إلى الملك، وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم من السياق، وقد جاء صريحاً في قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَة وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ } تفسير : [المعارج: 4] والضمير في إليه يرجع إلى السماء على لغة من يذكرها، أو إلى مكان الملك الذي يرجع إليه وهو الذي أقرّه الله فيه. وقيل: المعنى: يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة، وقيل: المعنى: أن الملك يعرج إلى الله في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض إلى السماء ألف عام، وقد رجّح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير. وقيل: مسافة النزول ألف سنة ومسافة الطلوع ألف سنة روي ذلك عن الضحاك. وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم الذي هو مدّة النهار بين ليلتين، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال الشاعر:شعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأديب تفسير : فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين. وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم، قرأ الجمهور: {يعرج} على البناء للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة على البناء للمفعول، والأصل: يعرج به ثم حذف حرف الجار فاستتر الضمير. وقد استشكل جماعة الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج: 4] فقيل في الجواب: إن يوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، ولكنه باعتبار صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة، والعرب تصف كثيراً يوم المكروه بالطول، كما تصف يوم السرور بالقصر، كما قال الشاعر:شعر : ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاف المزاهر تفسير : وقول الآخر:شعر : ويوم كإبهام القطاة قطعته تفسير : وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام؛ فمنها ما مقداره ألف سنة، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل: هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر، فيعذب به خمسين ألف سنة. وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفاً كل موقف ألف سنة، فيكون معنى {يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ }: أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف. وحكى الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَة وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج: 4] المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، والمراد: أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } المسافة التي بين الأرض وبين سماء الدنيا هبوطاً وصعوداً فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر؛ وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } يعني: يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة. فكم يكون الشهر منه؟ وكم تكون السنة منه؟ وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة. وقيل: غير ذلك. وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين كما سيأتي في آخر البحث إن شاء الله. قرأ الجمهور: {مّمَّا تَعُدُّونَ } بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن والسلمي وابن وثاب والأعمش بالتحتية على الغيبة. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الله سبحانه باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف، وهو مبتدأ وخبره: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي العالم بما غاب عن الخلق وما حضرهم. وفي هذا معنى التهديد لأنه سبحانه إذا علم بما يغيب وما يحضر، فهو مجاز لكل عامل بعمله، أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته {ٱلْعَزِيزُ } القاهر الغالب {ٱلرَّحِيمِ } بعباده، وهذه أخبار لذلك المبتدأ، وكذلك قوله: {ٱلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ } هو خبر آخر. قرأ الجمهور: {خلقه} بفتح اللام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بإسكانها، فعلى القراءة الأولى هو فعل ماض نعتاً لشيء، فهو في محل جرّ. وقد اختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم، ويجوز أن تكون صفة للمضاف، فيكون في محل نصب. وأما على القراءة الثانية ففي نصبه أوجه: الأوّل: أن يكون بدلاً من كل شيء بدل اشتمال، والضمير عائد إلى كل شيء، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة. الثاني: أنه بدل كل من كل، والضمير راجع إلى الله سبحانه، ومعنى {أحسن}: حسن، لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة، فكل المخلوقات حسنة. الثالث: أن يكون {كل شيء} هو المفعول الأوّل، و{خلقه} هو المفعول الثاني على تضمين أحسن معنى: أعطى، والمعنى: أعطى كل شيء خلقه الذي خصّه به. وقيل: على تضمينه معنى: ألهم. قال الفراء: ألهم خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه. الرابع: أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة، أي خلقه خلقاً كقوله: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ } تفسير : [النمل: 88] وهذا قول سيبويه. والضمير يعود إلى الله سبحانه. والخامس: أنه منصوب بنزع الخافض، والمعنى: أحسن كل شيء في خلقه، ومعنى الآية: أنه أتقن، وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات وإن لم تكن حسنة في نفسها، فهي متقنة محكمة، فتكون هذه الآية معناها معنى {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } تفسير : [طه:50] أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، وخلق لا البهيمة على خلق الإنسان. وقيل: هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى، أي أحسن. خلق كل شيء حسن. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } يعني: آدم: خلقه من طين، فصار على صورة بديعة وشكل حسن {جَعَلَ نَسْلَهُ } أي ذريته {مِن سُلَـٰلَةٍ } سميت الذرية سلالة؛ لأنها تسلّ من الأصل، وتنفصل عنه، وقد تقدم تفسيرها في سورة "المؤمنون"؛ ومعنى {مّن مَّاء مَّهِينٍ }: من ماء ممتهن لا خطر له عند الناس وهو المنيّ. وقال الزجاج: من ماء ضعيف. {ثُمَّ سَوَّاهُ } أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، أو جميع النوع. والمراد: أنه عدل خلقه وسوّى شكله وناسب بين أعضائه {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } الإضافة للتشريف والتكريم، وهذه الإضافة تقوّي أن الكلام في آدم لا في ذريته، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع. ثم خاطب جميع النوع فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } أي خلق لكم هذه الأشياء تكميلاً لنعمته عليكم وتتميماً لتسويته لخلقكم حتى تجتمع لكم النعم، فتسمعون كل مسموع وتبصرون كل مبصر، وتتعقلون كل متعقل، وتفهمون كل ما يفهم. وأفرد السمع لكونه مصدراً يشمل القليل والكثير، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم ولهذا جمعا؛ لأن السمع قوّة واحدة ولها محل واحد، وهو الأذن ولا اختيار لها فيه، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على ردّه. ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض؛ بخلاف الأبصار، فمحلها العين وله فيه اختيار، فإنها تتحرّك إلى جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء؛ وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه، فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا دون هذا. قرأ الجمهور: {وبدأ} بالهمز، والزهري بألف خالصة بدون همز، وانتصاب {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } على أنه صفة مصدر محذوف، أي شكراً قليلاً، أو صفة زمان محذوف، أي زماناً قليلاً. وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله. وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال. {وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ } قد تقدم اختلاف القراء في هذه الهمزة وفي الهمزة التي بعدها. والضلال: الغيبوبة، يقال: ضلّ الميت في التراب: إذا غاب وبطل، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره حتى خفي أثره: قد ضلّ، ومنه قول الأخطل:شعر : كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتيّ بها فضلّ ضلالا تفسير : قال قطرب: معنى ضللنا في الأرض: غبنا في الأرض. قرأ الجمهور {ضللنا} بفتح ضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى: ذهبنا وضعنا وصرنا تراباً وغبنا عن الأعين، وقرأ يحيـى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء: "ضللنا" بكسر اللام، وهي لغة العالية من نجد. قال الجوهري: وأهل العالية يقولون: ضللت بالكسر. قال: وأضله، أي: أضاعه، وأهلكه، يقال: ضلّ الميت: إذا دفن. وقرأ عليّ بن أبي طالب والحسن والأعمش وأبان بن سعيد: "صللنا" بصاد مهملة ولام مفتوحة، أي أنتنا. قال النحاس: ولا يعرف في اللغة: صللنا، ولكن يقال: صلّ اللحم إذا أنتن. قال الجوهري: صلّ اللحم: يصلّ بالكسر صلولاً: إذا أنتن، مطبوخاً كان أو نيئاً، ومنه قول الحطيئة:شعر : ذاك فتى يبذل ذا قدرة لا يفسد اللحم لديه الصلول تفسير : {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي نبعث، ونصير أحياء، والاستفهام للاستنكار، وهذا قول منكري البعث من الكفار، فأضرب الله سبحانه من بيان كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ منه، وهو كفرهم بلقاء الله، فقال: {بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كَـٰفِرُونَ } أي جاحدون له مكابرة وعناداً، فإن اعترافهم بأنه المبتدىء للخلق يستلزم اعترافهم بأنه قادر على الإعادة. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يبيّن لهم الحق ويردّ عليهم ما زعموه من الباطل، فقال: {قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكّلَ بِكُمْ} يقال: توفاه الله واستوفى روحه إذا قبضه إليه، وملك الموت هو: عزرائيل، ومعنى {وكل بكم}: وكل بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } أي تصيرون إليه أحياء بالبعث والنشور لا إلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } الآية قال: هذا في الدنيا، تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال: دخلت على عبد الله بن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان، فقال له ابن فيروز: يا أبا عباس، قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب، فسأله عنهما إنسان فلم يخبره، ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ قال: بلى، فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيها، وهو أعلم مني. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال: لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ولو كان إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ } من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: أنه كان يقرأ {ٱلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ } قال: أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية أنه قال: أما إن است القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها، وقال: {خَلَقَهُ } صورته. وقال: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء } القبيح والحسن والعقارب والحيات وكلّ شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه، فقال: يا رسول الله، إني أحمش الساقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عمرو بن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كلّ شيء خلقه، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين»تفسير : . وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل إزاره، فقال: «حديث : ارفع إزارك»تفسير : ، فقال: يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال: «حديث : ارفع إزارك كلّ خلق الله حسن».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ} يعني القرآن. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه أنه تنزيل. {مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} والريب هو الشك الذي يميل إلى السوء والخوف، قال أبو ذؤيب: شعر : أسرين ثم سمعن حساً دونه سرف الحجاب وريب قرع يقرع تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} يعني كفار قريش يقولون إن محمداً افترى هذا القرآن ويكذبه. {بَلْ هَوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يعني القرآن حق نزل عليك من ربك. {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني قريشاً، قاله قتادة: كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن عطية
تفسير : {تنزيل} يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر {لا ريب} ويصح أن يرتفع على أنه خبر ابتداء، وهو إما الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب القول في الحروف وقوله تعالى: {لا ريب فيه} أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله {من رب العالمين} متعلق بـ {تنزيل}، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله {لا ريب} أي لا شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى، والريب الشك وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله {أية : ريب المنون} تفسير : [الطور: 30] وقوله {أم يقولون} إضراب، كأنه قال بل أيقولون، و {افتراه} اختلقه، ثم رد تعالى على مقالتهم هذه وأخبر أنه {الحق} من عند الله، واللام في قوله {لتنذر} يجوز أن تتعلق بما قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله {من ربك} ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره أنزله لتنذر فيوقف حينئذ على قوله {من ربك}، وقوله {ما أتاهم من نذير} أي لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله تعالى: {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} تفسير : [فاطر: 24] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ممن لم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى: {في ستة أيام} يقضي بأن يوماً من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدىء يوم الأحد، وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا مستقيم مع هذه الآية. ووقع في كتاب مسلم أن الخلق ابتدىء يوم السبت، فهذا يخالف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض، لأن آدم لم يكن حينئذ مما بينهما، وقد تقدم القول في قوله: {استوى على العرش} بما فيه كفاية، و {ثم} في هذا الموضع لترتيب الجمل لأن الاستواء كان بعد أن لم يكن، وهذا على المختار في معنى {استوى} ونفي "الشفاعة" محمول على أحد وجهين: إما عن الكفرة وإما نفي الشفعاء من ذاتهم على حد شفاعة الدنيا لأن شفاعة الآخرة إنما هي بعد إذن من الله تعالى.
النسفي
تفسير : مكية وهي ثلاثون آية مدني وكوفي، وتسع وعشرون آية بصري بسم الله الرحمن الرحيم {الم} على أنها اسم السورة مبتدأ وخبره {تنزيل الكتاب} وإن جعلتها تعديداً للحروف ارتفع {تنزيل} بأنه خبر مبتدأ محذوف أو هو مبتدأ خبره {لا ريب فيه} أو يرتفع بالابتداء وخبره {من رّبّ العالمين} و{لا ريب فيه} اعتراض لا محل له، والضمير في {فيه} راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل: لا ريب في ذلك أي في كونه منزلاً من رب العالمين لأنه معجز للبشر ومثله أبعد شيء من الريب. ثم أضرب عن ذلك إلى قوله {أم يقولون افتراه} أي اختلقه محمد لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة معناه بل أيقولون افتراه إنكاراً لقولهم وتعجيباً منهم لظهور أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه {بل هو الحقّ} ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق {من رّبّك} ولم يفتره محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوا تعنتاً وجهلاً {لتنذر قوماً} أي العرب {مّا أتاهم مّن نّذيرٍ مّن قبلك} «ما» للنفي والجملة صفة لـ {قوماً} {لعلّهم يهتدون} على الترجي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لعله يتذكر على الترجي من موسى وهارون. {الله الّذي خلق السّماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيّامٍ ثمّ استوى على العرش} استولى عليه بإحداثه {ما لكم مّن دونه} من دون الله {من وليّ ولا شفيعٍ} أي إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم ولياً أي ناصراً ينصركم ولا شفيعاً يشفع لكم {أفلا تتذكّرون} تتعظون بمواعظ الله {يدبّر الأمر} أي أمر الدنيا {من السّماء إلى الأرض} إلى أن تقوم الساعة {ثمّ يعرج إليه} ذلك الأمر كله أي يصير إليه ليحكم فيه {في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ} وهو يوم القيامة {مّمّا تعدّون} من أيام الدنيا ولا تمسّك للمشبهة بقوله {أية : إليه}تفسير : في إثبات الجهة لأن معناه إلى حيث يرضاه أو أمره كما لا تشبث لهم بقوله: {أية : إني ذاهب إلى ربي}تفسير : [الصافات: 99]. {أية : إني مهاجر إلى ربي} تفسير : [العنكبوت: 26]. {أية : ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله}تفسير : [النساء: 100]. {ذلك عالم الغيب والشّهادة} أي الموصوف بما مر عالم ما غاب عن الخلق وما شاهدوه {العزيز} الغالب أمره {الرّحيم} البالغ لطفه وتيسيره. وقيل: لا وقف عليه لأن {الّذي} صفته {أحسن كلّ شيءٍ} أي حسنه لأن كل شيء مرتب على ما اقتضته الحكمة {خلقه} كوفي ونافع وسهل على الوصف أي كل شيء خلقه فقد أحسن {خلقه} غيرهم على البدل أي أحسن خلق كل شيء {وبدأ خلق الإنسان} آدم {من طينٍ ثمّ جعل نسله} ذريته {من سلالةٍ} من نطفة {مّن مّاءٍ} أي مني وهو بدل من {سلالة} {مّهينٍ} ضعيف حقير {ثمّ سواه} قومه كقوله {أية : في أحسن تقويم}تفسير : [التين: 4] {ونفخ} أدخل {فيه من رّوحه} الإضافة للاختصاص كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه {وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة} لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا {قليلاً مّا تشكرون} أي تشكرون قليلاً. {وقالوا} القائل أبيّ بن خلف ولرضاهم بقوله أسند إليهم {أءذا ضللنا في الأرض} أي صرنا تراباً وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها. وقرأ عليٌّ {ضللنا} بكسر اللام يقال: ضل يضل وضل يضل. وانتصب الظرف في {أإذا ضللنا} بما يدل عليه {أءنّا لفي خلقٍ جديدٍ} وهو نبعث {بل هم بلقاء ربّهم كافرون} جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده {قل يتوفّاكم مّلك الموت الّذي وكّل بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون} أي يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم ثم ترجعون إلى ربكم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء وهذا معنى لقاء الله. والتوفي استيفاء النفس وهي الروح أي يقبض أرواحكم أجمعين من قولك «توفيت حقي من فلان» إذا أخذته وافياً كاملاً من غير نقصان. وعن مجاهد: حويت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها والله تعالى هو الآمر لذلك كله وهو الخالق لأفعال المخلوقات. وهذا وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله {أية : توفته رسلنا}تفسير : [الأنعام: 61] وقوله {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها}تفسير : [الزمر: 42]. {ولو ترى} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد و«لو» امتناعية والجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً {إذ المجرمون} هم الذين قالوا {أءذا ضللنا في الأرض} و«لو» و«إذ» للمضي وإنما جاز ذلك لأن المترقب من الله بمنزلة الموجود ولا يقدر لترى ما يتناوله كأنه قيل: ولو تكون منك الرؤية و«إذ» ظرف له {ناكسوا رؤوسهم} من الذل والحياء والندم {عند ربّهم} عند حساب ربهم ويوقف عليه لحق الحذف إذ التقدير ويقولون {ربّنا أبصرنا} صدق وعدك وعيدك {وسمعنا} منك تصديق رسلنا أو كنا عمياً وصماً فأبصرنا وسمعنا {فارجعنا} إلى الدنيا {نعمل صالحاً} أي الإيمان والطاعة {إنّا موقنون} بالبعث والحساب الآن {ولو شئنا لآتينا كلّ نفسٍ هداها} في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره، وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت وقد أعطاها لكنها لم تهتد، وهم أوّلوا الآية بمشيئة الجبر وهو تأويل فاسد لما عرف في تبصر الأدلة. {ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين} ولكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم وهو ما علم منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب. وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم. {فذوقوا} العذاب {بما نسيتم لقاء} بما تركتم من عمل لقاء {يومكم هذا} وهو الإيمان به {إنّا نسيناكم} تركناكم في العذاب كالمنسي {وذقوا عذاب الخلد} أي العذاب الدائم الذي لا انقطاع له {بما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصي. {إنّما يؤمن بآياتنا الّذين إذا ذكّروا بها} أي وعظوا بها {خرّوا سجّداً} سجدوا لله تواضعاً وخشوعاً وشكراً على ما رزقهم من الإسلام {وسبّحوا بحمد ربّهم} ونزهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له {وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له {تتجافى} ترتفع وتنتحي {جنوبهم عن المضاجع} عن الفرض ومضاجع النوم. قال سهل: وهب لقوم هبة وهو أن أذن لهم في مناجاته وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} {يدعون} داعين {ربّهم} عابدين له {خوفاً وطمعاً} مفعول له أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته وهم المتهجدون. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها قيام العبد من الليل. وعن ابن عطاء: أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة وطلبت بساط القربة يعني صلاة الليل. وعن أنس: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها. {وممّا رزقناهم ينفقنون} في طاعة الله تعالى {فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم} «ما» بمعنى «الذي» {أخفي} على حكاية النفس: حمزة ويعقوب {مّن قرّة أعينٍ} أي لا يعلم أحد ما أعد لهؤلاء من الكرامة {جزاءً} مصدر أي جوزوا جزاء {بما كانوا يعملون} عن الحسن رضي الله عنه: أخفى القوم أعمالاً فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقاً. ثم بين أن من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان بقوله:
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه} يعني لا شك في أنه { من رب العالمين أم يقولون} يعني بل يقولون يعني المشركين {افتراه} يعني اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه {بل هو الحق} يعني القرآن {من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} يعني العرب كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه سلم. فإن قلت إذا لم يأتهم رسول لم تقم عليهم حجة. قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا من جهة الرسل فلا وأما قيام الحجة بمعرفة الله وتوحيده فنعم لأن معهم أدلة العقل الموصلة إلى ذلك في كل زمان {لعلهم يهتدون} يعني تنذرهم راجياً اهتداءهم {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} تقدم تفسيره. قوله تعالى {يدبر الأمر} يعني يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر وقيل ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام {من السماء إلى الأرض ثم يعرج} يعني يصعد {إليه} جبريل بالأمر {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} يعني مسافة ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة فيكون مقدار نزوله إلى الأرض ثم صعوده إلى السماء في مقدار ألف سنة لو ساره أحد من بني آدم وجبريل ينزل ويصعد في مقدار يوم من أيام الدنيا وأقل من ذلك وكذلك الملائكة كلهم أجمعون وقيل معنى الآية أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج إليه أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدينا وانقطاع أمر الآمر وحكم الحاكم في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة. فإن قلت قال في موضع آخر: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فكيف الجمع بينهما. قلت أراد بقوله خمسين ألف سنة مدة المسافة بين الأرض وسدرة المنتهى التي هي مقام جبريل عليه السلام يقول يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وقيل كلها في القيامة فيكون على بعضهم مثل ألف سنة وعلى بعضهم خمسين ألف سنة وهذا في حال الكفار وأما على المؤمنين فدون ذلك كما جاء في الحديث: "حديث : إنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا"تفسير : . قال إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمنين إلا كما يكون ما بين الظهر والعصر وقيل يحتمل أن يكون هذا إخباراً عن شدته وهوله ومشقته وقال ابن أبي مليكة: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية وعن مقدار خمسين ألف سنة. فقال ابن عباس: رضي الله عنهما أيام سماها الله تعالى لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {خلقه} بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء. وعلى الأول يكون وصفاً له {أئذا} {أئنا} كما في "الرعد" {ما أخفي} بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة. الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول {لما صبروا} بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس. الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم {أولم نهد} بالنون: يزيد عن يعقوب. الوقوف: {الم} ه كوفي {العالمين} ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة {افتراه} ج لعطف الجملتين المختلفتين {يهتدون} ه {العرش} ط {شفيع} ه {تتذكرون} ه ط {تعدون} ه {الرحيم} ط {من طين} ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار {مهين} ه ج لذلك {والأفئدة} ط {تشكرون} ه {جديد} ه {كافرون} ه {ترجعون} ه {عند ربهم} ط لحق القول المحذوف {موقنون} ه {أجميعن} ه {هذا} ج للابتداء بان مع تكرار {وذوقوا} {تعملون} ه {لا يستكبرون} ه {وطمعاً} ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول {ينفقون} ه {أعين} ج لأن {جزاء} يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف {يعملون} ه {فاسقاً} ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار {لا يستوون} ه {المأوى} ز لمثل ما مر في {جزاء} {يعملون} ه {النار} ط {تكذبون} ه {يرجعون} ه {عنها} ط {منتقمون} ه {إسرائيل} ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية {صبروا} ط لمن شدد {يوقنون} ه {يختلفون} ه {مساكنهم} ط {لآيات} ط {يسمعون} ه {وأنفسهم} ط {يبصرون} ه {صادقين} ه {ينظرون} ه {منتظرون} ه. التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن. وإعرابه قريب من قوله {أية : الم ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 1 - 2] وميل جار الله إلى قوله {تنزيل الكتاب} مبتدأ خبره {من رب العالمين} ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في {فيه} راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده. ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم. فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير. سأل: إنه تصنيف اي شخص؟ ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته. ثم اضرب عما ذكر قائلاً {أم يقولون افتراه} وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر. ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. ومعنى {لتنذر قوماً} قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين}تفسير : [الشعراء: 214] وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال {الله} مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره. وقوله {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون} إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله سبحانه. ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال {يدبر الأمر} اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد {قليلاً ما تشكرون} أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ. ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً. أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي. ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا. وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج". وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور. وخصت السورة بقوله {ألف سنة} موافقة لما قبله وهو قوله {في ستة أيام} وتلك الأيام من جنس هذا اليوم. وخصت سورة المعارج بقوله {أية : خمسين ألف سنة}تفسير : [الآية: 4] لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها. وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل. وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه. ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال {ذلك عالم الغيب والشهادة} وفي قوله {العزيز الرحيم} إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر {الرحيم} مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله {الذي أحسن كل شيء خلقه} نظيره {أية : الذي أعطى كل شيء خلقه}تفسير : [طه: 50] وقد مر في "طه". وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله {ثم جعل نسله} أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله {من ماء} بدل من سلالة والمهين الحقير. ومعنى {سوَّاه} قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله {وجعل لكم} تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها. ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها. والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد {وقالوا أئذا} يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن. ومعنى {ضللنا في الأرض} غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها. والعامل في {أئذا} ما يدل عليه قوله {أئنا لفي خلق جديد} وهو نبعث أو يجدد خلقنا. ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة. ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده. ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله {ولو ترى} أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب {إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} خجلاً وندامة قائلين {ربنا أبصرنا} ما كنا شاكين في وقوعه {وسمعنا} منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم. ثم إنه سبحانه ألزمهم وألجمهم بقوله {ولو شئنا} الآية. وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود". ثم أكد إهانتهم بقوله {فذوقوا} وانتصب {هذا} على أنه مفعول {فذوقوا} وقوله {لقاء} مفعول {نسيت} أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون {هذا} صفة {يومكم} ومفعول {ذوقوا} محذوف وهو العذاب و {لقاء} مفعول {نسيتم} او هو مفعول {فذوقوا} على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون {نسيتم} متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة. وقوله {إنا نسيناكم} من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره {أية : نسوا الله فنسيهم}تفسير : [التوبة: 67] وقوله {عذاب الخلد} من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق. أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له {خوفاً} من اليم عقابه {وطمعاً} في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو التهجد. قال: "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس"تفسير : . عن علي رضي الله عنه: شعر : جنبي تجافى عن الوســــاد خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه لا بد للزرع من حصاد تفسير : عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها. و"ما" في قوله {ما أخفي} موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" تفسير : وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت. قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض. وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة. يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي. فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق. فأنزل الله تعالى فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة {افمن كان مؤمناً} إلى آخر ثلاث آيات أو أربع. ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله {لا يستوون} محمول على المعنى. ثم فصل عدم استوائهما بقوله {أما الذين آمنوا} {وأما الذين فسقوا} و {جنات المأوى} نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس. وقال بعضهم: هي عن يمين العرش. وفي لام التمليك في {لهم} مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار. فإنه يحمل على الإعارة وإنه تعالى قال لأبينا آدم {أية : اسكن أنت وزوجك الجنة}تفسير : [البقرة: 35] لأنه كان في علمه أنه يخرج منها. وإنما قيل ههنا {عذاب النار الذي كنتم به} وفي "سبأ" {أية : عذاب النار التي كنتم بها}تفسير : [الآية: 42] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار. وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه. ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة. وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر. وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد. ومعنى قوله {لعلهم يرجعون} والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله {إنا نسيناكم} أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله تعالى وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً. قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل. وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر. وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل. وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله {فارجعنا نعمل صالحاً} سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله {أية : إذا قمتم إلى الصلاة}تفسير : [المائدة: 6] ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم. ومعنى {ثم} أنه ذكر مرات ثم بالآخرة {أعرض عنها} والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق. وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول. قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله {أية : أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} تفسير : [فصلت: 53] كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله. والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله {أية : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه} تفسير : [الروم: 33] والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه. وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام. ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة. ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقال {ولقد آتينا موسى الكتاب} قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان. والضمير في {لقائه} للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله. واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله {أية : وإنك لتلقى القرآن} تفسير : [النمل: 6] وقيل: الضمير في {لقائه} لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول. والضمير في {جعلناه} للكتاب على أنه منزل على موسى. واستدل به على أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل. ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به. وفيه أن الله تعالى سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر. ومثله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"تفسير : ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله {وجعلنا منهم} كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال {إن ربك هو يفصل بينهم} الآية. وفيه إشارة إلى أنه سبحانه سيميز المحق في كل دين من المبطل. ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً {أولم يهد لهم} وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية {إن في ذلك لآيات} على الجمع ليناسب القرون والمساكن. وإنما قل {أفلا يسمعون} لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع. وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة. ومعنى {نسوق الماء} نسوق السحاب وفيه المطر {إلى الأرض الجرز} وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله {فنخرج به زرعاً} وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء. وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره. قال في "طه" {أية : كلوا وارعوا أنعامكم} تفسير : [الآية: 54] لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله {أفلا يبصرون} تأكيداً لقوله في أول الآية {أولم يروا} ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب. قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك. ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن. فإن قلت: كيف ينطلق قوله {قل يوم الفتح} الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟ فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا. ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله {أية : قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} تفسير : [الطور: 31]. التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري. اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي. الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي {تنزيل الكتاب} أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله {رب العالمين} لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا {افتراه}. خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك {ثم استوى على العرش} الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة {فلا تتذكرون} كيف خلقكم في أطوار مختلفة {يدبر الأمر} من سماء الروح إلى ارض النفس البدن {ثم يعرج إليه} النفس المخاطبة بخطاب {أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق {كان مقداره} في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" تفسير : {وبدأ خلق الإنسان من طين} وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة {ثم جعل نسله من سلالة} سلها من أجناس عالم الشهادة. {ثم سوَّاه} شخص إنسان جديد المرآة {ونفخ فيه من روحه} فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة {ضللنا} في أرض البشرية {يتوفاكم ملك الموت} وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة {أية : ارجعي}تفسير : [الفجر: 28] {ناكسوا رؤسهم} بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق. {تتجافى جنوب} همتهم عن مضاجع الدارين {جنات المأوى} التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله {كنتم به تكذبون} لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات {العذاب الأدنى} إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران {فلا تك في مرية من لقائه} أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في {لقائه} لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب {وجعلناهم أئمة} هم السر الخفي {إن ربك هو يفصل بينهم} الآية. لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها {فنخرج به زرعاً} من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة {متى هذا الفتح} أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم {فأعرض عنهم} أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
الثعالبي
تفسير : قال جابر: ما كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينام حتى يقرأ: {الۤـمۤ} السجدة، و {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}. و {تَنزِيلُ} يَصح أن يَرْتَفِعَ بالابتداء، والخبر: {لاَ رَيْبَ} ويَصحُّ أن يرتفعَ على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ، أي: ذلك تنزيل، والريبُ: الشك، وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله {أية : رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} تفسير : [الطور:30]. وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ} إضرابٌ؛ كأنَّه قال: بل أيقولون: ثم ردَّ على مقالتِهم وأخبَرَ أنّه الحقُّ من عند اللّه. وقوله سبحانه: {مَا ءَاتَـٰهُمُ} أي: لم يُبَاشِرْهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العربُ. وقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر:24] يعم من بُوشِر من النذُر ومَنْ سَمِع بهِ، فالعربُ مِن الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه، لأنها علمت بإبرَاهيم وبنيه، وبدعوتهم، ولم يأتهم نذيرٌ مباشرٌ لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى: لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}. في "تنزيل" خمسة أوجه: أحدها: أنه خبر {الۤـمۤ}، (لأن الۤـمۤ) يراد به السورة وبعض القرآن، و "تَنْزِيلُ" بمعنى منزل، والجملة من قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} حال من "الكِتَابِ". والعامل فيها "تَنْزِيلُ" لأنه مصدر. و "مِنْ رَبِّ" متعلق به أيضاً. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "فِيهِ"؛ لوقوعه خبراً، والعامل فيه الظرف، أو الاستقرار. الثاني: أن يكون "تَنْزِيلُ" مبتدأ و "لا ريب فيه" خبره. "وَمِنْ رَبِّ" حال من الضمير في "فيه" ولا يجوز حينئذ أن يتعلق بـ "تنزيل"؛ لأن المصدر قد أخبر عنه فلا يعمل. ومن يتسع في الجار لا يبالي بذلك. الثالث: أن يكون "تنزيل" مبتدأ أيضاً و "من رب" خبره، و "لا ريب" حال من مُعْتَرِض. الرابع: أن يكون "لا ريب" و "من رب العالمين" خبرين لـ "تَنْزِيلُ". الخامس: أن يكون "تَنْزيلُ" خبر مبتدأ (مضمر)، وكذلك "لا ريب"، وكذلك "من رب" فتكون كل جملة مستقلة برأسها. ويجوز أن يكون حالين من "تنزيل"، وأن يكون "من رب" هو الحال و "لا ريب" معترض وأول البقرة مرشد لهذا. وجوز ابن عطية أي يكون {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} متعلقاً بـ "تنزيل". قال: على التقديم والتأخير. ورده أبو حيان: بأنا إذا قلنا: {لاَ رَيْبَ فيه} اعتراض لم يكن تقديماً وتأخيراً بل لو تأخر لم يكن اعتراضاً. وجوز أيضاً أن يكون متعلقاً بلا ريب فيه من جهة رب العالمين وإن وقع شك الكفرة فذاك لا يراعى، قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين. قوله: "أَمْ يَقُولُونَ" هي المنقطعة، والإضراب للانتقال لا للإبطال، وقيل: الميم صلة أي أَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ. وقيل: فيه إضمار مجازه فهل يؤمنون أم يقولون افتراه. وقوله: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ} إضراب ثانٍ ولو قيل: بأنه إضرابُ إبطالٍ لنفس "افتراه" وحده لكان صواباً وعلى هذا يقال: كل ما في القرآن إضراب وهو انتقال إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالاً لأنه إبطال لقولهم، أي ليس هو كما قالوا مُفْتَرى بل هو الحق. وفي كلام الزَّمَخْشَرِي ما يرشد إلى هذا فإنه قال: والضمير في "فيه" راجعٌ إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريبَ في ذلك أي في كونه من رب العالمين ويشهد لواجهته: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}؛ لأن قولهم مفترىً إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} وما فيه من تقرير أنه من الله وهذا أسلوب صحيحٌ محكَمٌ. قوله: "مِنْ رَبِّكَ" حال من "الحَقِّ" والعامل فيه محذوف على القاعدة وهو العامل في "لِتُنْذِرَ" ويجوز أن يكون العامل في: "لتنذر" غيره أي أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ. قوله: {قَوْماً مَا أَتَاهُمْ} الظاهر أن المفعول الثاني للإنذار محذوف، و "قوماً" هو الأول، إذ التقدير: لتنذر قوماً العقابَ و "مَا أتَاهُمْ" جملة منفية في محل نصب صفة "لقوماً" يريد الذين في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ}تفسير : [يس: 6] فعلى هذا يكون "من نذير" هو فاعل "أَتَاهُمْ" و "من" مزيدة فيه و "مِنْ قَبْلِكَ" صفة "لِنَذير"، ويجوز أن يتعلق "مِنْ قَبْلِكَ" "بأَتَاهُمْ". وجوز أبو حيان أن تكون "ما" موصولة في الموضعين والتقدير: لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك و "مِنْ نَذِيرٍ" متعلق "بأَتَاهُمْ" أي أتاهم على لسان نذير من قبلك وكذلك {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} تفسير : [يس: 6] أي العقاب الذي أنذرَهُ آباؤُهُمْ، "فما" مفعولة في الموضعين، و "أنذر" يتعدى إلى اثنين قال الله تعالى: {أية : فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً}تفسير : [فصلت: 13] وهذا القول جارٍ على ظواهر القرآن قَالَ تَعَالَى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 24] {أية : أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}تفسير : [المائدة: 19] هذا الذي قال ظاهر، ويظهر أن في الآية الأخرى وجهاً آخر وهو أن تكون "ما" مصدرية تقديره لتنذر قوماً إنذَار آبائهم لأن الرسل كُلَّهُمْ متفقون على كلمة الحق. فصل المعنى بل هو يعني القرآن الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبْلِكَ. قال قتادة: كانوا أمةً لم يأتهم نذير قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - (قال ابن عباس ومقاتل: ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -) "لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ". قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} لما ذكر الرسالة، وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}، (واللَّهُ مبتدأ، وخبره "الَّذِي خَلَقَ" يعني الله هو الذي خلق السموات) ولم يخلقها إلا واحد فلا إله إلا واحدٌ. وقد تقدم الكلام في معنى قوله "ستة أيام". قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} اختلف العلماء في هذه الآية ونظائرها على قولين: أحدهما: ترك التعرض إلى بيان المراد. والثاني: التعرض إليه. والأول أسلم؛ لأن صفة الاستواء مما لا يجب العلم بها فمن لم يتعرض إليه لم يترك واجباً ومن تعرض إليه فقد يخطر فيعتقد خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثاني يكاد يقع في أن يكون جاهلاً وعدم العلم والجهل المركب كالسكوت والكذب ولا شك أن السكوتَ خيرٍ من الكذب وأيضاً فإنه أقرب إلى الحكمة لأن من يطالع كتاباً صنفه إنسانٌ وكتب له شرحاً والشارحُ دون المصنِّف فالظاهر أنه لا يأتي على جميع ما أتى عليه المصنف ولهذا كثيراً ما نرى أن الإنسان يورد الإشكالات على المصنَّف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلام المصنِّفِ ويقول: لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا، وإذا كان حال الكتب الحادثة التي تكتب من علم قاصر هكذا فما ظنك بالكتاب العظيم الذي فيه كل حكمة كيف يجوزُ أن يدعي جاهلٌ أني علمت كل سر في هذا الكتاب؟ فلو ادعى عالم أني علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليها الكتاب الفُلاَنِيّ يستقبح منه ذلك فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله؟ (وَلَيْسَ لقائلٍ أن يقول: بأن الله بين كل ما أنزله)؛ لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز. ولعل في القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غيرَ نبيه فبين له لا لغيره. وإذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم، وهذا أقرب إلى ذلك (الذي) لا يعلم للتشابه البالغ الذي فيه. قوله: {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}. لما ذكر أن الله خالق السموات والأرض قال بعضهم: نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو إله السموات والأرض وهذا الأصنام صور كواكب منها نصرتنا وقوتنا. وقال آخرون: هذه صورة ملائكة شفعاء لنا عند الله، فقال تعالى: لاَ إله غير الله، ولا نصرة من غير الله، ولا شفاعة إلا بإذْن الله فعبادتكم لهذه الأصنام باطلة ضائعة. ثم قال: "أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" ما علمتموه من أنه خالق السموات والأرض، وخالق لهذه الأجسام العِظَام، لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى ينصروكم وتكون لها شفاعة. قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} لما بين الخلق بين الأمر كما قال تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54] يحكم الأمر، وينزل القضاء، والقدر من السماء إلى الأرض. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل - عليه السلام - بالأمر. قوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} العامة على بنائه للفاعل. وابن أبي عبلة على بنائه للمفعول. والأصل يعْرُجُ بِهِ، ثم حذف الجار فارتفع الضمير واستتر. وهو شاذ يصلح لتوجيه مثلها، والمعنى: أن أمره ينزل من السماء على عباده ويعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر. قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} (أي في يوم واحد يعني نزول وعروج العمل في مسافة ألف سنة مِمَّا تَعُدُّونَ)، وهو بين السماء والأرض فإن مسافته خمْسُمِائَةِ سنةٍ (فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ويعرج في خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة) يقول لو سار أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة والملائكة يقطعونه في يوم واحد هذا في وصف عروج الملائكة من الأرض إلى السماء وأما قوله:{أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل - عليه السلام - يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرةَ خَمْسِين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد والضحاك، وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر وذلك لأن من نفذ أمره غَايَةَ النَّفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنينَ متطاولةٍ، فقوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة فكم يكون شهر منه (وكَمْ تكونُ سنة) منه وكم يكون دهر منه، وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله: {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} لأن ذلك (إذا كان إشارة إلى دوام إنفاذ الأمر، فسواء يُعَبَّر بألفِ سنةٍ أو بخمسينَ ألفَ سنةٍ) لا يتفاوت إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى. وقيل: ألفُ سنة وخمسونَ ألفَ سنةٍ كلها في القمة يكون على بعضهم أطول، وعلى بعضهم أقصر معناه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا وانقطاع أمر الأمراء أو حكم الحكماء في يوم مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة فأما قوله {خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فإنه أراد على الكافر يجعل ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا، وقال إبراهيم التيميّ (لا) يكون على المؤمن (إلا) كما بين الظُّهْر والعَصْر، ويجوز أن يكون هذا إخباراً عن شدته ومشقته وهوله، وقال ابْنُ أبي مليكَةِ: دخلت أنا وعبد الله بن فَيْرُوزَ علي ابن عباس فسألناه عن هذه الآية وعن قوله: {خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال ابن عباس: أيام سماها الله لا أدري ما هي أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قوله: "مِمَّا تَعُدّونَ" العاملة على الخطاب، والحَسَنُ، والسُّلميُّ، وابْنُ وَثَّابٍ والأعْمَشُ بالغيبة، وهذا الجار صفة "لأَلْفٍ" أو "لِسَنَةٍ". قوله: "ذَلِكَ عَالِمُ" العامة على رفع "عالم" و "العزيزُ" و "الرَّحِيمُ"، على أن يكون "ذلك" مبتدأ، و "عالم" خبره و "العَزِيزُ والرَّحِيمُ" خبران أو نعتان أو "العزيز الرحيم" مبتدأ وصفة. و "الَّذِي أَحْسَنَ" خبره، أو "العَزِيزُ الرَّحيم" خبر مبتدأ مضمر. وقرأ زيدُ (بن علي) بجر الثلاثة وتخريجها على إشكالها: أن يكون "ذَلِكَ" إشارة إلى الأمر المدبَّر، ويكون فاعلاً (ليَعْرُجُ)، والأوصاف الثلاثة بدل من الضمير في "إلَيْهِ" أيضاً. وتكون الجملة بينهما اعتراضاً. قوله: "الَّذِي أَحْسَن" يجوز أن يكون تابعاً لما قبله في قراءتي الرفع والخفض، وأن يكون خبراً آخر وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوباً على المدح. قوله: "خَلقَهُ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابنُ عامر: بسكون اللام، والباقون بفتحها فأما الأولى ففيها أوجه: أحدها: أن يكون "خَلْقَهُ" بدلاً من: "كُلَّ شَيْءٍ" بدل اشتمال والضمير عائد على "كل شيء" وهذا هو المشهور. الثاني: أنه بدل كل من كل. والضمير في "هذا" عائد على "الباري" تعالى، ومعنى "أحسن" حسن لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما يقتضيه الحكمة، فالمخلوقات كلها حسنة. الثالث: أن يكون "كُلَّ شَيْءٍ" مفعولاً أول، و "خَلْقَهُ" مفعولاً ثانياً، على أن يضمن "أحسن" معنى أعْطَى وَألْهَمَ. قال مجاهد: وأعطى كل جنس شَكْلَهُ، والمعنى خلق كل شيء على شكله الذي خص به. الرابع: أن يكون "كُلَّ شَيْءٍ" مفعولاً ثانياً قُدِّمَ و "خَلْقَهُ" مفعولاً أول أُخِّرَ على أن يضمن "أحْسَنَ" معنى ألْهَمَ وعَرَّفَ. قال الفراء: ألهم كل شيء خلقه فيما يحتاجون إليه فيكون أعلمهم ذلك. (وقال أبو البقاء: ضمن "أحْسَنَ" معنى "عَرَّف" وأعرف على نحو ما تقدم إلا أنه لا بُدَّ أن يجعل الضمير) لِلَّه تعالى، ويجعل الخلق بمعنى المخلوق أي عرف مخلوقاتهِ كُلَّ شيء يحتاجون إليه فيؤول المعنى إلى معنى قوله: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]. الخامس: أن تعود الهاء على "الله" تعالى وأن يكون "خَلْقَهُ" منصوباً على المصدر المؤكد لمضمون الجملة كقوله: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 88]، وهو مذهب سيبويه أي خَلَقَهُ خَلْقاً، ورُجِّحَ على بدل الاشتمال بأن فيه إضافة المَصْدَر إلى فاعله، وهو أكثر من إضافته إلى المفعول وبأنه أبلغ في الامتنان لأنه إذا قال: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} كان أبلغ من "أحسن خلق كل شيء"؛ لأنه قد يحسن الخلق وهو المحاولة ولا يكون الشيء في نفسه "حسناً" وإذا قال: {أحْسَنَ كُلَّ شَيْء} اقتضى أن كل (شيء) خلقه حسن بمعنى أنه وضع كل شيء في موضعه. وأما القراءة الثانية "فخَلَقَ" فيها فعل ماض، والجملة صفة للمضاف أو أو المضاف إليه فتكون منصوبة المحل أو مجرورته. قوله: "وَبَدَأ" العاملة على الهمز. وقرأ الزُّهْرِيُّ "بَدَأ" بألف خالصة وهو خارج عن قياس تخفيفها إذ قياسه بَيْنَ بَيْنَ على أنَّ الأخفش حَكَى قريباً. وجوز أبو حيان أن يكون من لغة الأنصار، يقولون في "بَدَا" بكسرها وبعدها ياء كقول عبد الله بن رواحة الأنصاري. شعر : 4062 - بِاسْمِ الإِلَهِ وَبِهِ بَدِينَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا تفسير : قال: وطيىء تقول في تُقَى تُقَاء، قال: فاحتمل أن تكون قراءة الزهري من هذه اللغة أصله "بَدِي" ثم صار "بَدَأ"، قال شهاب الدين: فتكون القراءة مركبة من لُغَتَيْنِ. فصل {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} يعني ذلك الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض عالم ما غاب عن الخلق وما حضر "العَزِيزُ الرَّحِيمُ" لما بين أنه عالم ذكر أنه "عزيز" قادر على الانتقام من الكفرة "رَحِيمٌ" واسع الرحمة على البررة {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} أي أحسن خَلْقَ كلِّ شيء. قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء من قولك: فلانُ يُحْسِنُ كذا، إذا كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض فكل حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح معاشه. واعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أتبعه بذكر الدليل الدال عليها من الأنفس فقال: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} يعني آدم، ويمكن أن يقال: الطين ماء وتراب مجتمعان، والأدمي أصله مَنِي، والمَنِي أصله غذاءٌ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية (والحيوانية ترجع إلى نباتية) والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو الطين {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ} أي جعل ذريته من نطفة سميت سلالة؛ لأنها تَنْسَلُّ من الإنسان، هذا على التفسير الأول؛ لأن آدم كان من طين، ونسله من سلالة {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي ضعيف وهو نطفة الرجل "ثُمَّ سَوَّاهُ" سوى خلقه {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} يعني آدم؛ لأن كلمة "ثُمَّ" للتراخي فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، ثم عاد إلى ذريته فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} (أي جعل لكم بعد أن كنتم نطفاً السمع والأبصار) والأفئدة {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} يعني لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه، فقوله {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ} هذه التفات من ضمير (غائب) مفرد في قوله: "نَسْلَهُ" إلى آخره إلى خطاب جماعة. وفي هذا الخطاب لطيفة وهي أن الخطاب يكون مع الحي فلما قال: {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} خاطبه من بعد وقال: "وَجَعَلَ لَكُمْ". فإن قيل: الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الروم: 20]. فالجواب: هناك لم يذكر الأمور المترتبة وهي كون الإنسان طيناً ثم ماء مَهِيناً، ثم خَلْقاً مسوى بأنواع القوى فخاطبه في بعض المراتب دون بعض. فإن قيل: ما الحكم في ذكر المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جَمَعَ الأبْصَارَ، والأفئدةَ ولم يجمع السمعَ؛ لأن المصدر لا يجمع؟ فالجواب: أن السمع قوةٌ واحدة ولها مَحِلٌّ واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دُونَ البعض، وأمَّا الإبصار فَمَحِلّهُ العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب المَرْئِيّ دون غيره، وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوعُ اختيار يلتف إلى ما يريد دون غيره، وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل في السمع تأثير، والقوة مستبدة فذكر القوة في العين والفؤاد؛ (لأن للمحل نوع اختيار، فذكر المحل لأن الفعل مسند إلى المختار ألا ترى أنك) تقول: سَمِعَ زَيْدٌ، ورأى عمرو، ولا تقول: "سَمِعَ أذنُ زَيْدٍ" ولا "رأى عَيْنُ عَمْرو" إلا نادراً لأن المختار هو الأصل وغيره آلته، فالسمع أصل دون محله لعدم له لاختيار له والعين كالأصل وقوة الإبصار آلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو مَحِلّ القوة ولأن السمع قوة واحدة لها محل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطها ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويُتْقِنُهُمَا. قوله تعالى: "أَئِذَا ضَلَلْنَا" تقدم خلاف القراء في الاستفهامين، والواو للعطف على ما سبق فإنهم قالوا محمد ليس برسول، والله ليس بواحد وقالوا: الحشر ليس بممكن، فالعامل في "إذا" محل تقديره "نُبْعَثُ أو نَخْرُجُ" لِدَلاَلَةِ: "خَلْقِ جَدِيدٍ" عليه ولا يعمل فيه "خَلْقٍ جَدِيدٍ"؛ لأن ما بعد "إنَّ" والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما، وجواب "إذاً" محذوف إذا جعلتها شرطية. وقرأ العامة "ضَلَلْنَا" بضاد معجمة، ولام مفتوحة بمعنى ذَهَبْنَا، وضِعْنَا من قولهم: ضَلَّ اللبنُ في الضرع وقيل: غُيِّبْنَا، قال النابغة: شعر : 4063 - فآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّة وَغُودِرَ بالجُولاَنِ حَزمٌ وَنَائِلُ تفسير : والمضارع من هذا: يَضِل بكسر العين وهو كثير، وقرأ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وابنُ مُحَيْصنٍ وأَبُو رَجَاءٍ: بكسر اللام وهي لغة العالية، والمضارع من هذا يَضَلُّ بالفتح، وقرأ علي وأبو حَيْـ(وَة) "ضُلِّلْنَا" بضم الضاد وكسر اللام المشددة من "ضَلَّلَهُ" بالتشديد، وقرأ عَلِيٌّ أيضاً وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد: "صَلَلْنَا" بصاد مهملة، ولام مفتوحة، وعن الحسن أيضاً صَلِلْنَا بكسر اللام. وهما لغتان، يقال: صَلَّ اللحمُ بفتح الصاد وكسرها لمجيء الماضي مَفْتُوحَ العين ومَكْسُورَها، ومعنى صَلَّ اللَّحْمُ أنْتَنَ وتَغيَّرتَ رَائِحَتُهُ ويقال أيضاً: أَصَلَّ بالألف قال: شعر : 4064 - تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فِيهَا أنِيضُ أَصَلَّتْ فَهيَ تَحْتَ الكَشْحِ دَاءُ تفسير : وقال النحاس: لا يعرف في اللغة "صَلَلْنَا" ولكن يقال: صَلَّ اللَّحْمُ وأَصَلَّ، وخَمَّ وأَخَمَّ وقد عَرَفَها غَيْرُ أَبِي جَعْفَر. فصل قال في تكذيبهم بالرسالة: "أَمْ يَقُولُونَ" بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم بالحشر: "وَقَالُوا" بلفظ الماضي؛ لأن تكذيبهم بالرسالة لم يكن قبل وجوده، وإنما كان حال وجوده فقال: "يَقُولُونَ" يعني هم فيه. وأما إنكار الحشر فكان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال: "وَقَالُوا" وصرح بقولهم في الرسالة فقال: "أَمْ يَقُولُونَ" وفي الحشر فقال: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا} ولم يصرح بقولهم في الوحدانية؛ لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسالة وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في بعض الأحوال في قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [لقمان: 25] فلم يقل: قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر. فإن قيل: إنه ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها (وهو التنزيل الذي لا ريب فيه وذكر الوحدانية وذكر دليلها وهو) خَلْقُ السماوات والأرض وخَلْقُ الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشرَ لم يذكر الدليل؟ فالجواب: أنه ذكر دليله أيضاً وهو أن خلق الإنسان ابتداءً دليل على قدرته على الإعادة ولهذا استدل (تعالى) على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال: {أية : ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27] وقوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [يس: 79] وأيضاً خلق السماوات والأرض كما قال: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ}تفسير : [يس: 81]. قوله: {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} استفهام إنكاري أي إننا كائنونَ في خلق جديد أو واقعون فيه {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب. أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله فإنهم كَرِهُوهُ فأنكروا المُفْضي إلَيْهِ، ثم بين لهم ما يكون (من الموت إلى العذاب) فقال: "قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ" يقبض أرواحكم {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} أي وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيلُ، (والتَّوَفِّي) استيفاء العدد معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كُتِبَ عليه الموت. فصل روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها، ما أحب من غير مشقة فهو يقبض أنفُسَ الخَلْقِ من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب، وقال ابن عباس: خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت الأرض مثل طِسْتٍ يتناول منها حيث شاء. قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم، وقرأ العامة: تُرْجَعُونَ ببنائه للمفعول، وزيد بن علي: ببنائه للفاعل. قوله: "وَلَوْ تَرَى" في "لو" هذه وجهان: أحدهما: أنها لِمَا كان سَيَقَعُ لوقوع غيره. وعبَّر عنها الزمخشري بامتناعٍ لامْتِنَاع، وناقشه أبو حيان في ذلك. وقد تقم تحقيقه أول البقرة، وعلى هذا جوابها محذوف أي لرأيت أمر فظيعاً. والثاني: أنها للتمني. قال الزمخشري كأنه قيل: وليتك ترى. وفيها إذا كانت للتمنِّي خلافٌ على تقتضي جواباً أم لا، وظاهر تقدير الزمخشري هنا أنه لا جواب لها. قال أبو حيان: والصحيح أن لها جواباً وأنشد: شعر : 4065- فَلَوْ نُبِشَ المِقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ فَيُخْبِرَ بالذَّنَائِبِ أَيُّ زِيرِ بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عيْناً وَكِيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ القُبُورِ تفسير : قال الزمخشري: ولو تجيء في معنى التمني كقولك: "لو تأتيني فتحدثني" (كما تقول): "لَيْتَكَ تَأتِيني فَتُحَدِّثَنِي" قال ابن مالك: أن أراد به الحذف أي وَدِدْتُ لو تأتني فتحدثني فصحِيح وإن أراد أنها موضوعة له فليس بصحيح، إذ لو كانت موضوعة له لم يجمع بينها وبينه كما لم يجمع من "ليت" والتمني، ولا "لعل وأترجّى"، ولا "إلا" وأستثني، ويجوز أن يجمع بين "لو" وأتمنى تقول (تَمَنَّيتُ لَوْ فَعَلْتُ كذا)، والمخاطب يحتمل أن يكون - النبي صلى الله عليه وسلم - شفاء لصدره، فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً، و "إذْ" على بابها من المضي؛ لأن "لو" تصرف المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضياً لتحقق وقوعه نحو: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]. وجعله أبو البقاء مما وقع فيه "إذ" مَوْقع "إذَا". ولا حاجة إليه. والمراد بالمجرمين المشركين. قوله: "نَاكِسُوا" العامة على أنه اسم فاعل مضاف لمفعوله تخفيفاً، وزيدُ بن علي "نَكِسُوا" فعلاً ماضياً "رُؤُوسَهُمْ" مفعول به، والمعنى مُطَأطِئُو رُؤُوسِهِمْ. قوله: "رَبَّنا" على إضمار القول، وهو حال أي قائلينَ ذلك، وقدره الزمخشري يَسْتَغيثُونَ بقولهم، وإضمار القول أكْثَرُ. قوله: "أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا" يجوز أن يكون المفعول مقدراً أي أبصرنا ما كنّا نكذب وسمعنا ما كنا ننكر. ويجوز أن لا يقدر أي صِرْنَا بُصَرَاءَ سَمِيعِينَ فارْجِعْنَا "(إلى الدنيا) نَعْمَل صِالِحاً" يجوز أن يكون "صالحاً" مفعولاً به، وأن يكون نعت مصدر، وقولهم "إنَّا مُوقِنُونَ" أي إنا آمنا في الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ينكرون الشرك كقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23].
البقاعي
تفسير : {الۤمۤ تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك} أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده، ثم أتبع ذلك بقوله: {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} وهو تمام لقوله: {ومن يسلم وجهه إلى الله} ولقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ولقوله: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} ولقوله: {اتقوا ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} بما ذكرتم، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته، فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم، ولجأتم إليه عند احتياجكم؟ ثم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع، ولا تغني عنه إجابة، فقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} كما فعلنا بلقمان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً على أن هذا الكتاب من عند الله، كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل: هل آمنوا به؟ {أم يقولون} مع ذلك الذي لا يمترئ فيه عاقل {افتراه} أي تعمد كذبه. ولما كان الجواب: إنهم ليقولون: افتراه، وكان جوابه: ليس هو مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز، ترتب عليه قوله: {بل هو الحق} أي الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله، كائناً {من ربك} المحسن إليك بإنزاله وإحكامه، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق الفهم سواه. ولما ذكر سبحانه إحسانه إليه صلى الله عليه وسلم صريحاً، أشار بتعليله إلى إحسانه به أيضاً إلى كافة العرب، فقال مفرداً النذارة لأن المقام له بمقتضى ختم لقمان: {لتنذر قوماً} أي ذوي قوة جلد ومنعة وصلاحية للقيام بما أمرهم به {ما أتاهم من نذير} أي رسول في هذه الإزمان القريبة لقول ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله: {من قبلك} أي بالفعل شاهدوه أو شاهده آباؤهم. وإما بالمعنى والقوة فقد كان فيهم دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيّره عمرو بن لحي، وكلهم كان يعرف ذلك وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يعبد صنماً ولا استقسم بالأزلام، وذلك كما قال تعالى: {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}تفسير : [فاطر: 24] أي شريعته ودينه، والنذير ليس مخصوصاً بمن باشر - نبه على ذلك أبو حيان. ويمكن أن يقال: ما أتاهم من ينذرهم على خصوص ما غيروا من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأما إسماعيل ابنه عليه السلام فكان بشيراً لا نذيراً، لأنهم ما خالفوه، وأحسن من ذلك كله ما نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل أن ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قد نقل عيسى عليه السلام لما أرسل رسله إلى الآفاق أرسل إلى العرب رسولاً. ولما ذكر علة الإنزال، أتبعها علة الإنذار فقال: {لعلهم يهتدون*} أي ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأما التوحيد فلا عذر لأحد فيه بما أقامه الله من حجة العقل مع ما أبقته الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من واضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه: "حديث : أبي وأبوك في النار" تفسير : وقال: "حديث : لا تفتخروا بآبائكم الذين مضوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما تدحرج الجعل خير منهم" تفسير : في غير هذا من الأخبار القاضية بأن كل من مات قبل دعوته على الشرك فهو للنار.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله تعالى عنه في قوله {لتنذر قوماً} قال: قريش {ما أتاهم من نذير من قبلك} قال: لم يأتهم ولا آباءهم، لم يأت العرب رسول من الله عز وجل.
ابو السعود
تفسير : (سورة السجدة مكية وهى ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {الم} إمَّا اسمٌ للسورة فمحلّه الرَّفعُ على أنَّه خبر لمبتدأ محذوفٍ أي هذا مسمَّى بألمِ والإشارةُ إليها قبل جريانِ ذكرِها قد عرفتَ سرَّها، وإمَّا مسرودٌ على نمطِ التَّعديدِ فلا محلَّ له من الإعرابِ، وقوله تعالى {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} على الأول خبرٌ بعدَ خبرٍ على أنَّه مصدرٌ أُطلق على المفعولِ مبالغةً وعلى الثَّاني خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي المؤلَّفُ من جنسِ ما ذُكر تنزيلُ الكتابِ وقيل خبرٌ لألم أي المسمَّى تنزيلُ الكتابِ وقد مرَّ مراراً أن ما يُجعل عنواناً للموضوعِ حقُّه أنْ يكونَ قبل ذلك معلومَ الانتسابِ إليه وإذ لا عهدَ بالتَّسميةِ قبلُ فحقُّها الإخبارُ بها، وقوله تعالى {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ ثالثٌ على الوجهِ الأولِ وثانٍ على الأخيرينِ وقيل: خبرٌ لتنزيلُ الكتابِ فقولُه تعالى {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} متعلقٌ بمضمرٍ هو حالٌ من الضَّميرِ المجرورِ أي كائناً منه تعالى، لا بتنزيلُ لأنَّ المصدرَ لا يعملُ فيما بعد الخبرِ والأوجهُ حينئذٍ أنَّه الخبرُ، ولا ريبَ فيهِ حالٌ من الكتابِ أو اعتراضٌ والضَّميرُ في فيهِ راجعٌ إلى مضمونِ الجملةِ كأنَّه قيل لا ريبَ في ذلك أي في كونِه منزَّلاً من ربِّ العالمين. ويُؤيده قولُه تعالى {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} فإنَّ قولَهم هذا إنكارٌ منهم لكونه من ربَّ العالمين فلا بدَّ أنْ يكونَ موردُه حكماً مقصودَ الإفادةِ لا قيداً للحكم بنفيِ الرَّيب عنه وقد رُدَّ عليهم ذلك وأُبطل حيث جِيء بأم المنقطعةِ إنكاراً له وتعجيباً منه لغاية ظهورٍ بُطلانِه واستحالةِ كونِه مفترى ثم أُضرب عنه إلي بـيانِ حقِّيةِ ما أنكروه حيثُ قيل: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} بإضافة اسم الربِّ إلى ضميره عليه الصَّلاة والسَّلام بعد إضافته فيما سبق إلى العالمين تشريفاً له عليه الصَّلاة والسَّلام ثم أيَّد ذلك ببـيان غايته حيثُ قيل: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} فإنَّ بـيان غايةِ الشيءِ وحكمته لا سيَّما عند كونها غاية حميدةً مستتبعة لمنافعَ جليلةٍ في وقت شدَّةِ الحاجة إليها ممَّا يُقرر وجودَ الشيءِ ويؤكِّده لا محالة ولقد كانت قريشٌ أضلَّ النَّاسِ وأحوجَهم إلى الهدايةِ بإرسال الرَّسول وتنزيل الكتاب حيثُ لم يبعث إليهم من رسولٍ قبله عليه الصَّلاة والسَّلام أي ما أتاهم من نذير من قبل إنذارِك أو من قبل زمانِك، والتَّرجِّي معتبرٌ من جهته عليه الصَّلاة والسَّلام أي لتنذرَهم راجياً لاهتدائهم أو لرجاء اهتدائهم، واعلم أنَّ ما ذُكر من التَّأيـيدِ، إنَّما يتسنَّى على ما ذُكر من كون تنزيلُ الكتابِ مبتدأً وأما على سائرِ الوجوهِ فلا تأيـيدَ أصلاً لأنَّ قولَه تعالى من ربِّ العالمين خبرٌ رابعٌ على الوجهِ الأولِ وخبرٌ ثالثٌ على الوجهين الأخيرينِ وأيّاً ما كان فكونُه من ربِّ العالمين حكمٌ مقصودُ الإفادةِ لا قيدٌ لحكمٍ آخرَ. فتدبَّر.
القشيري
تفسير : الإشارة من الألف إلى أنه أَلِفَ المحبون قربتي فلا يصبرون عني، وأَلِفَ العارفون تمجيدي فلا يستأنسون بغيري. والإشار في اللام إلى لقائي المدَّخرِ لأحبَّائي، فلا أبالي أقاموا على ولائي أم قصَّروا في وفائي. والإشارة في الميم: أي تَرَكَ أوليائي مرادَهم لمرادي.. فلذلك آثرتُهم على جميع عبادي. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2]: إذا تَعَذَّرَ لقاءُ الأحباب فأَعَزُّ شيءٍ على الأحباب كتابُ؛ أَنْزَلْتُ على أحبابي كتابي، وحمَلَتْ إليهم الرسالةُ خطابي، ولا عليهم إِنْ قَرَعَ أسماعَهم عتابي، فَهُمْ في أمانٍ من عذابي.
البقلي
تفسير : {الۤـمۤ} الالف اشارة الى الاعلام واللام اشارة الى اللزوم والميم اشارة الى الملكة اعلم من نفسه اهل الكون والزم العبودية عليهم وملكهم قهر او جبل حتى عبدوه طوعا وكرها فمن علم وقع فى الاسم ومن عبد وقع فى الصفة ومن تسخر لمراده كما اراد وقع فى نور الذات و على هذا من الله سبحانه تنزيل كتابه انزل على عبده اشارة للخصوص وعبارة للعموم بقوله {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} لا يتعلل بعلل الكون.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم} [مرتضى على كرم الله وجهه فرمودكه هو كتاب خدايرا خلاصه بوده وخلاصه قرآن حروف مقطعة است. وكفته اند الف ازاقصاى حلق آيد وآن اول مخارج است. ولام ازطرف لسان كفته شود وآن اوسط مخارج است. وميم را ازشفه كويند وآن آخر مخارج است واين سخن اشارتست بآن كه بنده بايد كه درمبادى واواسط واواخر اقوال وافعال خود بذكر حق سبحانه وتعالى مستأنس باشد]. وقال البقلى رحمه الله الالف اشارة الى الاعلام واللام الى اللزوم والميم الى الملك اعلم من نفسه اهل الكون لزوم العبودية عليهم وملكهم قهرا وجبرا حتى عبدوه طوعا وكرها فمن علم وقع فى الاسم ومن عبد وقع فى الصفة ومن تسخر لمراده كما اراد وقع فى نور الذات. وفى التأويلات النجمية يشير بالالف الى انه الف المحبون بقربتى فلا يصبرون عنى والف العارفون بتمجيدى فلا يستأنسون بغيرى والاشارة فى اللام لانى لاحبائى مدخر لقائى فلا ابالى اقاموا على صفائي ام قصروا فى وفائى والاشارة فى الميم ترك اوليائى مرادهم لمرادى فلذلك آثرتهم على جميع عبادى. وفى كشف الاسرار [كفته اندكه رب العزة جل جلاله جون نور فطرت مصطفى عليه السلام بيافريد انرا بحضرت عزت خود بداشت جنانكه خود خواست] فبقى بين يدى الله مائة الف عام وقيل الفى عام ينظر الله فى كل يوم سبعين الف نظرة يكسوه فى كل نظرة نورا جديدا وكرامة جديدة [ودران نظرها باسر فطرت او كفته بودند كه عزت قرآن مرتبت دار عصمت توخواهد بود آن خبردر نظرت اوراسخ كشته بود جون عين طينت او باسر فطرت اوباين عالم آوردند واز دركاه عزت وحى منزل روى آورد اومى كفت ارجوك اين تحقيق آن وعداست كه مرا آن وقت دادند تسكين دل ويرا وتصديق انديشه او آيت فرستاد كه {الم} الف اشارتست بالله لام بجبرئيل ميم بمحمد. ميكويد بالهيت من وتقدس جبريل ومجد تو يا محمد اين وحى وآن قرآن آنست كه ترا وعده داده بوديم كه مرتبت دار نبوت ومعجز دولت توخواهد بود] وقال اهل التفسير الم خبر لمبتدأ محذوف اى هذه السورة مسماة بالم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (تنزيل): إما خبر عن (الۤـم)، إن جُعِلَ اسماً للسورة، أو: خبر عن محذوف، أي: هذا تنزيل. أو: مبتدأ، خبره: (لا ريب فيه). وعلى الأول (لا ريب): خبر بعد خبر، و(من رب العالمين): خبر ثالث. أو: خبر عن "تنزيل"، و(لا ريب فيه): معترض. والضمير في (فيه): راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: كونه منزلاً من رب العالمين، و"أم": منقطعة بمعنى: "بل". يقول الحق جل جلاله: {الۤـم}؛ أيها المصطفى المقرب، هذا الذي تتلوه هو {تنزيلُ الكتاب لا ريبَ فيه}، لأنه معجز للبشر، ومثله أبعد شيء عن الريب، وهو {من ربِّ العالمين} لا محالة. {أم يقولون افتراه}، أي: اختلقه محمد من عنده، وهو إنكار لقولهم، وتعجيب منه؛ لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان بسورة منه. قال تعالى: {بل هو الحقُّ} الثابت {من ربك}، ولم تفتره، كما زعموا؛ تعنتاً وجهلاً، أنزله عليك {لتُنذر قوماً} أي: العرب، {ما أتاهم من نذير من قَبلك}، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما السلام - {لعلهم يهتدون} إلى الصواب من الدين. والترجي مصروفٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ}تفسير : [طه: 44] مصروفاً إلى موسى وهارون. الإشارة: (الۤـم) الألف: أَلِفَ المحبون قُربى، فلا يصبرون عني. اللام: لمع نوري لقلوب السائرين، فزاد شوقهم إليّ. الميم: مَلَك الواصلون ملكي وملكوتي، فلا يغيبون عني. تنزيل الكتاب، إذا طال أمد لقاء الأحباب، فأعزّ شيء على المحبين كتاب الأحباب. أنزلت على أحبابي كتابي، وحَمَلتْ إليهم بالرسل خطابي، ولا عليهم إن قرع أسماعَهم عتابي، فإنهم مني في أمان من عذابي. {أم يقولون افتراه}، إنكار الأعداء على المحبين سُنَّة لازمة. فإن أُلبِسَ الحق على الأعداء فلا يضركم، ولا عليكم، فإنَّ صحبة الحبيب للحبيب أَلَدُّ ما تكون عند فقد الرقيب. قاله القشيري. ثم ذكر المقصود بالذات وهو الاستدلال على البعث، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ...}
الطوسي
تفسير : خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا {الم} آية ولم يعدها الباقون. روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقرأ في كل ليلة سورة السجدة {الم تنزيل} و {تبارك الذي بيده الملك}. و {تنزيل} رفع على انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره {الم} هو تنزيل. ويجوز أن يكون {تنزيل} رفعاً بالابتداء، وخبره {لا ريب فيه} ذكره الزجاج. وقد تكرر القول بأن أوائل امثال هذه السور أقوى الأقوال فيها انها أسماء للسورة، ورجحناه على غيره من الأقوال. والتلفظ بحروف الهجاء ينبغي ان يكون على الوقف، لانها مبنية على السكون من حيث كانت حكاية للاصوات. وقوله {تنزيل الكتاب} أي هذه الآيات هي تنزيل الكتاب الذي وعدتم به {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه وحي من الله. والمعنى أنه لا ريب فيه عند المهتدين، وإن كان ارتاب به خلق من المبطلين. وهو مثل قول القائل: لا ريب في هذا انه ذهب أي عند من رآه واعتبره. وقيل: معنى {لا ريب فيه} خبر والمراد به النهي، والمعنى لا ترتابوا به، والريب الشك. وقيل: هو اقبح الشك. ووجوه الحكم في الكتاب البيان عن كل ما تدعو الحكمة إلى تميز الحق فيه من الباطل بالبرهان عليه مما يحتاج اليه في الدين الذي يرضى به رب العالمين، وهو على وجهين: حجة، وموعظة، واعتماد الحجة على تبين ما يؤدي إلى العلم بصحة الأمر، واعتماد الموعظة على الترغيب والترهيب، وفي الموعظة من جهة التحذير بما تضمنه أي يقرب ما في السورة المسمى به من الحكم، وفيه حجة على العبد من جهة انه قد دل به على ما يجب أنه يعتقد تعظيمه ويعمل به. وقوله {من رب العالمين} أي هو تنزيل من عند الله الذي خلق الخلائق. وقوله {أم يقولون افتراه} فهذه (أم) منقطعة، ومعناها (بل) وتقديره: بل يقولون افتراه، ففيها معنى (بل) والألف إذا كانت معادلة فمعناها (او) مع الاستفهام، و (افتراه) معناه افتعله، بل قال تعالى ليس الأمر على ما قالوه {بل هو الحق} من عند الله والحق هو كل شيء كان معتقده على ما هو به مما يدعو العقل اليه واستحقاق المدح عليه. وتعظيمه الكتاب حق، لأن من اعتقد أنه من عند الله كان معتقده على ما هو به. والباطل نقيض الحق، وهو ما كان معتقده لا على ما هو به. وقوله {بل هو الحق من ربك} فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة لان الله تعالى أنزله ليهتدي به الخلق لا ليضلوا به عن الدين، والمجبرة تزعم انه أراد ضلال الكفار عن الدين فيجب كونه منزلا ليضل الكفار عن الدين. وقوله {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} لا ينافي قوله {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} تفسير : لان الحسن، قال: المعنى وإن من امة أهلكت بالعذاب إلا من بعد أن جاءهم نذير ينذرهم بما حل بهم. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى له {لتنذر} أي لتخوف يا محمد {قوماً} لم يأتهم مخوف قبلك، يعني أهل الفترة من العرب، فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة. وقد كان اسماعيل عليه السلام نذيراً لمن أرسل اليه. ثم قال {الله الذي خلق السماوات والأرض} أي اخترعهما وانشأها وخلق {ما بينهما في ستة أيام} أي في ما قدره ستة أيام، لانه قبل خلق الشمس لم يكن ليل ولا نهار. وقوله {ثم استوى على العرش} أي استوى عليه بالقهر والاستعلاء، وقد فسرناه في ما مضى ودخلت {ثم} على {استوى على العرش} وإن كان مستعلياً على الاشياء قبلها، كما دخلت حتى في قوله {أية : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} تفسير : وتقديره ثم صح معنى استوى على العرش باحداثه، وكذلك حتى يصح معنى {نعلم المجاهدين} أي معنى وصفهم بهذا وذلك لا يكون إلا بعد وجود الجهاد من جهتهم. وقوله {مالكم من دونه من وليّ ولا شفيع} نفي منه تعالى أن يكون للخلق ناصر ينصرهم من دون الله أو شفيع يشفع لهم، كما كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ثم قال {أفلا تتذكرون} في ما قلناه وتعتبرون به، فتعلموا صحة ما بيناه لكم. وقوله {يدبرّ الأمر من السماء إلى الأرض} معناه ان الذي خلق السموات والارض وما بينهما في هذه المدة يدّبر الامور كلها، ويقدرها على حسب إرادته في ما بين السماء والارض، وينزله مع الملك إلى الارض {ثم يعرج إليه} يعني الملك يصعد إلى المكان الذي أمره الله تعالى أن يعرج اليه، كما قال ابراهيم: {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : أي ارض الشام التي امرني ربي. ولم يكن الله بأرض الشام، ومثله قوله تعالى {أية : ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} تفسير : يريد إلى المدينة. ولم يكن الله في المدينة. وقوله {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} قال ابن عباس، والضحاك: معناه يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة مما يعده البشر. وقيل: معناه خمس مئة عام نزول وخمس مئة عام صعود، فذلك ألف سنة. وقال قوم: يجوز ان يكون يوم القيامة يوماً له اول وليس له آخر. وقته اوقاتاً يسمى بعضها الف سنة وبعضها خمسين الف سنة. وقيل: ان معنى {وإن يوماً عند ربك كألف سنة} انه فعل في يوم واحد من الأيام الستة التي خلق فيها السموات والارض ما لو كان يجوز أن يفعله غيره لما فعله إلا في الف سنة. وقيل: ان معناه إن كل يوم من الأيام الستة التي خلق فيها السموات كألف سنة من أيام الدنيا.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : فضل سورة السجدة فهذه يا أخواني طائفة من رموز قرآنية، ومعاني نكات ربوبية، متعلقة بسورة السجدة، أفاضها الله على قلب هذا المسكين، وهي قطرة من بحرها الزاخر، ولمعة من بدرها الزاهر، فإن هذه السورة كأكثر أخواتها مشتملة على عظايم المسائل الإلهية، التي هي غاية العلم والعرفان، وشرائف علوم النفس الآدمية التي هي أساس السلوك إلى الله العزيز المنّان، والنفس سلّم العروج إلى واجب الوجود، وصراط الوصول إلى الملك المعبود، وهي السالك والمسلك، والعارج والمعراج، بحسب درجاتها وأدوارها ومراتبها وأطوارها، وغاية مرتبتها الوصول إلى درجة النبوة، ومشاهدة الوحي الصريح والإلهام الصحيح، وتلقي المعارف كفاحاً من الملك الموحي، بالإلقاء السبّوحي. وقد ذكر فيها كيفية الوحي والتنزيل، التي هي أشرف أجزاء علم المعاد، وعلم النبوات، ثم بيّن كيفية خلق السموات والأرض وما بينهما، التي هي خلاصة علم السماءِ والعالم، وهو أحد المسالك المقررة في علم التوحيد المشار إليه بقوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصّلت:53]. ثم أشار إلى استوائه على العرش، وتدبيره الأمر من السماء إلى الأرض بإيجاده أسباب الكاينات من الحركات والاستعدادات لخلق المواليد من الحيوان والنبات، وهو معظم أبواب الحكمة الطبيعية الموجبة لمعرفة دقايق صنع الله في إيصال رحمته إلى كل موجود من الموجودات، وإحاطة علمه بكل ذرّة من الذرّات، وقد وقع في كثير من الآيات الفرقانية الحث على التأمل في هذه الصنايع، والتدبر في هذه المخلوقات العظيمة بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} تفسير : [الروم:8] ووقع أيضاً فيه المدح العظيم لمتأمليها بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران:191]. ثم أشار إلى الغرض الأصلي من خلقه المركّبات، وهو العروج إليه والوصول إلى باب معرفته ومجاورة مقربيه، وأشار إلى بدء وجود النفس الإنسانية التي هي الصاعدة إليه بنور العلم والهدى، العارجة إلى بابه بقدم الصبر والتقوى، بعدما أثنى على ذاته بأنه: {أية : أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}تفسير : [السجدة:7]، لكونه أوجدها على وجه يؤدي إلى الخير التمام وحسن النظام، وينتج وجودها وجود نوع الإنسان المهتدي بنور المعرفة إلى سبيل الله المنّان، الواصل إلى روضة الرضوان ونعيم الجنان ومجاورة الرحمن. ثم أفاد وأفاض كيفية إرتقاء النفس إليه، وفنائها عمّا وقعت فيه من الحياة العاجلة، وأشار إلى الملك المتوفي لها عن هذه الدار الفانية المحيي إياها بإذن الله تعالى في الدار الآخرة، السائق لها بسوط "ارجعي" إلى جوار ربها. ثم أشار إلى أقسام النفوس بحسب السعادة والشقاوة الآجلتين، وهو عمدة علم المعاد، الذي هو أجلّ معارف الإنسان، وأعظم قواعد الإيمان، بعد معرفة المبدأ الديّان، وهما أعظم دعائم الحكمة والعرفان، وأحكم أساطين العلم بأسرار القرآن. ثم أكد بيان هذه المعارف، كما هو دأبه سبحانه بتفصيل أحوال الأشقياء والسعداء، وبيان الوعد والوعيد لزيادة الإهداء والحث على الإرتقاء من هذه الوهدة الظلماء، والمقبرة الغبراء. وقبل أن نخوض في غرض المرام، نمهّد مقدمة تناسب المقام. تمهيد فيه تشييد إعلم أيها القارئ، أن القرآن، وسيّما هذه السورة التي نحن بصدد تبيينها إن شاء الله، هو نور يهتدي به في ظلمات البر والبحر، ودواء من كل داء وضر، إذا رفع نقاب العزة عن وجهه، وكشف جلباب العظمة والكبرياء عن لبّه وحقيقته، وانقشع سحاب الاحتجاب ورفع الاختفاء والتمنع عن وجوه شموس آياته ورموزه، وأنوار تجلّياته وكنوزه، يشفي كل عليل داء الجهل والشقاوة، ويروي كل غليل طلب الحق والسعادة، ويداوي كل مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة المزمنة، وأسقام الجهالات المهلكة، وتنور بنور أبصار بصائر القلوب، ويستعد للقاء الله علاّم السراير والغيوب، كما قال الله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة:15 -16]. وقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : القرآن هو الدواء . تفسير : وروي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : القرآن غِنىً لا فقر بعده . تفسير : والقرآن هو حبل الله المتين الذي نزل إلى العالم الأسفل، لنجاة المحبوسين في سجن الدنيا، المقيدين بسلاسل التعلقات وأغلال الأثقال والأوزار، من حُب الأهل والولد والمال، وشهوة البطن والفرج والحرص والآمال، وخسران الآخرة والمال لوجدان العاجل والحال، وهو مع عظمة قدر حقيقته ومغزاه، ورفعه سره ومعناه، مما تلبّس، بلباس الحروف والأصوات، واكتسى بكسوة الألفاظ والعبارات، رحمة من الله وشفقة على عباده وتأنيساً لهم، وتقريباً إليهم، وإلى أفهامهم، ومداراة معهم، ومنازلة إلى أذواقهم، وإلاَّ فما للتراب ورب الأرباب، ففي كل حرف من حروفه ألف غنج ودلال، وغمز وجلب قلوب لأهل الأحوال، فوقع فيه النداء لتخليص الأُسَراء من قيد هذا المهوى، وسجن هذه الدنيا، بقوله: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات:55]. فبسطت شبكة الحروف والأصوات، مع حبوب المعاني لاصطياد طيور السموات، ولكل طير من طيور النفسانية رزق خاص معلوم، كما لكل مَلَك في السماء والأرض مقام معلوم، يعرف ذلك منشئها ومبدعها، وإنما الغرض الأصلي من بسط الشبكة في الأرض اصطياد نوع خاص منها برزق مخصوص معلوم من العلوم، ولب حب خاص من لبوب الحبوب دون غيرها: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة:6] وإلاَّ فما من رزق إلاَّ ويوجد في القرآن نوع من لبّه وقشره، وأصله وفرعه، وسنبله وتبنه، متاعاً لكم ولأنعامكم، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام:59]. فكما يوجد فيه من الحقائق الربّانية القدسية، التي كانت معرفتها غذاءً للأرواح العالية العقلية، ففيه أيضاً توجد المعارف الجزئية، والأحكام السياسية، والقصص والأخبار، والحكايات التي ينتفع بها المتوسطون في درجة النجاة من عامة أهل الإسلام، الذين لهم في النشأة الثانية ضرب من الحياة، دون المرتبة التي للهداة المقرّبين، الأحياء بالحياة العقلية بالذات، ففيه الأغذية الروحانية والجسمانية الأخرويتين، المبقية للحياتين العقلانية والنفسانية، لأهل المنزلتين والجنتين، وفيه أيضاً ما به صلاح هذه النشأة الدنياوية، كالقصاص والديات والمواريث. وقد نظمت أبياتاً فارسية في وصف القرآن، وكونه غذاءً سماوياً يختص الإغتذاء به لأرواح أهل المحبة الإلهية من نوع الإنسان، أوردت بعضاً منها ها هنا، وهي هذه: شعر : هست قرآن جون طعامى كزسما كشته نازل از براى اغتذا اغتذاى آدمش از لوح وقلم اغتذا يابد دواب از راه فم "في السماء رزقكم" كفته خدا رزق انسان كشته نازل از سما روزى انسان رسد از آسمان روزى حيوان بود ازآش ونان توز قرآن بنكرى افسانها قشروكه بينى نه مغز ودانه ها هست بهر آدمى دهن ولبوب تبن وقشر ازبهر حيوان نى حبوب توزقرآن مى نجوئى غير حرف جان دهى بهر لغت يانحو وصرف اندر سعيى هميشه باشتاب كه نباشد فرق ازتو تا دواب تفسير : هيهات، أنك لست من أهل القرآن حتى ينكشف لك أسراره واغواره، لتعرف أنه ما من شيء إلاَّ وفيه بيانه وتبيانه، ولو كان من باطنك طريق إلى عالم النور والملكوت القرآني، لتجلّى لك قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر:9]، ولكنت ذا خشية إلهية لازمة لإدراك عظمة الله، وذا خشوع قلبي لازم لفهم عظمة كتابه القرآني ومعاني آياته لقوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر:21]. وخطابات القرآن مما يختص بأحبّاء الله والمتألّهين والمقرّبين، لا المبعدين الناكرين الجاحدين، ممن ليس لهم نصيب في القرآن، ولا لهم اغتذاء بلبوب معانيه وحقايقه المبقية للنفوس الملكوتية في دار الحيوان: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64]. كما قلت نظماً. شعر : جون غذا با مغتذى باشد شبه كاو وخررا خوش نيايد جزكه كه {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [العنكبوت:63]. وهم عن السمع لمعزولون. {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال:23]. ومعظم الآفات الحاجبة للإنسان عن دَرّك حقايق القرآن، الاغترارُ بظواهر الأخبار، والاحتجاب بأوائل الأنظار، من دقائق العلوم الجزئية، ومعارف الأحكام الفرعية، وإلاَّ فما من شيء إلاَّ وفي القرآن ما يكشف عن حقيقة ذاته، ويسهل السبيل إلى نيل كنه صفاته، لكنك أيها المغرور المسرور بما عندك من القشور، محجوب عنه لجحودك بما سوى ما سمعته من المشهور، أو فهمته من الزبور، فغاب عنك الخبر المبرور، والحظ الموفور، كل ذلك لإعراضك عن العلوم الربانية، وأسرار التنزيل من الحكمة الإلهية التي من يؤتها فقد أُوتي خيراً كثيراً، وإغفالك عن أن حقايق الكتاب مما لا يعلمه إلاّ الراسخون في العلم، لا المشتغلون بدقائق علم العربية، وفنون الصنائع الأدبية، كالزمخشري وأترابه، فإنهم في واد، وأهل القرآن - وهم أهل الله وخاصته - في واد. ثم إنك أيها المغتر بفطانتك البتراء، لو أنصفت قليلاً، وزالت عنك غشاوة المراء والإمتراء، لعلمت أن المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}تفسير : [الشعراء:212] كانوا عارفين بدقائق علم الألفاظ وفنون تأدية الكلام، على ما يوافق المرام، لأنهم من العرب العرباء، وفصحاء الدهناء بل إنما انعزالهم عنه لعدم استعدادهم للاهتداء بأنوار القرآن، والإرتقاء إلى أعلام الحقيقة والعرفان، والاطلاع على أسرار المبدأ والمعاد، والوصول إلى عالم الملكوت والتقرب بالحق الجواد. ثم لا يخفى على أُولي النُهى، أن تولي مثل أبي لهب وأبي جهل وغيرهما عن القرآن، وانعزالهم عن السمع، ليس من جهة عدم فهمهم ترجمة القرآن، أو عدم اطّلاعهم على ظاهر العربية وقواعد النحو والصرف وعلم البيان، ولا لأجل الصمم في آذانهم الجسمانية، والعمى في أعينهم البدنية، والبكم في قلوبهم الحيوانية، ولكن لأنهم كانوا من أهل الغفلة والحجاب الكلي، عُمي القلوب عن مشاهدة الحقايق، صُمّ العقول عن سماع ذكر الحبيب، بُكْم الأرواح عن قبول دعوة الإله، واستدعاء طلب التقرب إلى الحق بالإعراض عما سواه، كما أخبر عنهم بقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة:171]. والقرآن غذاء للقلوب الصافية، وبلاء للنفوس المريضة بداء الجهالة لقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصّلت:44]. وليس المراد بالإيمان في هذا المقام، ما هو بحسب الظاهر، وإلاّ لما وقع التكليف به للموصوفين بهذا الظاهر في قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ}تفسير : [النساء:136]. ولا شبهة في أن المشتغلين بالدنيا المنهمكين في اللّذات، ليسوا من أهل الاهتداء بنور القرآن، ولا يمكنهم الإرتقاء إلى نشأة العرفان: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [الرعد:18 - 19]. وإلى ذلك أشير في قول سقراط - وهو أحد أساطين الحكماء، الذين اقتبسوا أنوار الحكمة من مشكاة بواطن النبوة -: "البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته فقد زدته شراً ووَبَالاً". وقد ذكر المفسرون لكلامه، أن المراد منه الإشارة إلى كيفية اقتناء العلوم الربانية، التي يتوقف الاستكمال بها على تصفية السر عن محبة الشهوات، وتخلية الباطن عن الوساوس والكدورات، وهو أيضاً دواء نافع للعقول السليمة، وسم ناقع للبواطن المؤوفة الشريرة السقيمة بسقم الجهل المركب المشفوع بالعناد والجدل واللداد، وحب الجاه والشهرة والاستيناس بالناس، الذي هو من علامة الإفلاس، ولذلك قال الله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [البقرة:26]. وأشير أيضاً إلى أهل الحجاب الكلّي بقوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس:9]، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء:45]. وأشير إلى المعاندين الجاحدين للحق، وهم أسوأ حالاً بقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الإسراء:45]. وقوله تعالى:{أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}تفسير : [الجاثية:7 - 11]. وقد ذكر بعض أهل الحق، أن العلم علمان، علم باللسان، وعلم بالقلب. وإني لأستعيذ بالله الرحمن، من رجل شرير عليم اللسان، جهول القلب، المترفع على الأقران لأجل تقرب السلطان، والاشتهار عند العوام، وهم العميان عن فهم درجات أحوال الإنسان، والتفاوت في خلق الرحمن، فوامصيبتاه من علماء الجهالة، وصلحاء الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهّال الآخرة، المتذكرين لآداب صحبة الخلق، الناسين لآداب صحبة الرب، المقبلين إلى دقائق علوم الدنيا، المعرضين عن حقائق علوم الآخرة. بل أقول: ما فتنة في الدين وخلل في عقايد المسلمين، إلاَّ ومنشؤها مخالطة العلماء الناقصين، مع حكماء الدنيا والسلاطين، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. قد اختلفت كلمة المفسرين والمؤوِّلين في حروف التهجي الواقعة في أوائل السور من القرآن المبين، فقد ذكروا وجوهاً مذكورة في التفاسير المتداولة المشهورة، وشيء منها لا يطمئن به القلب، ولا يسكن إليه الروع، ونِعْمَ ما قال بعضهم: إن في كل كتاب سراً، وسر الله في القرآن حروف التهجي، وكأنه قد أخذ بما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي. وقال بعض أهل القرآن: الإشارة في الألف إظهار الوحدة مطلقاً ذاتاً وصفة، والتفرد بالوجود الحقيقي أزلاً وأبداً، كان الله ولم يكن معه شيء، فكوّن الأشياء وهو كما كان، فلم تتغير وحدته في نفسه، ولا تفرده بالوجود الحقيقي، وانه تعالى مصدر جميع الموجودات. فوجه مناسبة المعاني الثلاثة في الألف، بأن (الألف) واحد في ذاته وصفاته في وضع الحساب، متفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، وتشير استقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغير المبدأ تعالى عن الوجود الوحداني أزلاً وأبداً، وبأن "الألف" مصدر جميع الحروف، فإن من استقامة خطه يخرج كل حرف معوج، ثم في "اللام" و "الميم" المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة موصوف بالإثنينية، وانه كمثل الوحدة في الوجود، فالصفوة المشار إليها في "الم" هي أن "الألف" يشير إلى وجود حقيقي كامل في ذاته وصفاته، موجد للموجودات التي لها وجود ناقص مفتقر إليه قائم به، وهو الفاعل والحاكم والمتصرف فيها. و"اللام" يشير إلى معنيين: إثبات ونفي، فالإثبات يشير إلى لام التمليك، يعني: له ما في السموات وما في الأرض مُلكاً ومِلكاً، فعلاً وصنعاً، وبالنفي يشير إلى لاء النفي، يعني: لا وجود لشيء حقيقةً إلاَّ لَهُ. و"الميم" أيضاً يشير إلى معنيين: نفي واثبات، فالنفي: يشير إلى ما النفي، يعني: ما في الوجود حقيقة إلاّ هو، وبالإثبات يشير إلى اسمه القيّوم، يعني هو القائم بنفسه، والمقيم والقيَّام لغيره، فالغير محو في إثبات قيوميته وديموميته، فهو على الحقيقة كاين كما كان، بلا مكان ولا زمان، ودليل هذا التأويل للسر والصفوة في هذه الحروف، ما أظهره الله من سره المكتوم فيما بعده في سورة آل عمران، وهو قوله: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [آل عمران:2]. وممن تصدى لاستكشاف أسرار هذه الحروف المقطعة، شيخ فلاسفة الإسلام أبو علي بن سينا، في رسالة عملها لبيان هذا المرام، ولعمري أنه قد بالغ في تطبيق رموز هذه الحروف على عظائم الأمور الإلهية التي ناسب ذكرها وتعظيمها والإقسام بها في أوائل السور القرآنية. وملخص ما ذكره بعد تمهيد الكلام - طوينا ذكره مخافة الإسهاب - هو أنه ينبغي أن يدل بالألف الواقع أولاً في الترتيب القديم، وهو ترتيب أبجد هوّز على الباري، لكونه أول الموجودات، وبالباء على العقل وعالمه لأنه يتلوه في الموجود و"بالجيم" على النفس وعالمها، و"بالدال" على الطبيعة وعالمها، هذا إذا أخذت هذه الموجودات بما هي ذوات، ثم بالهاء على الباري، و"بالواو" على العقل، وبالزاي على النفس، وبالحاء على الطبيعة، هذا إذا أخذت بما هي مضافة إلى ما دونها، ويبقى الطاء للهيولى وعالمها، وليس لها وجود بالإضافة إلى شيء تحتها، وينفد رتبة إيجاد الآحاد المبدعات، ويكون الإبداع وهو من إضافة الأول إلى العقل. والعقل ذات لا يضاف إلى ما بعده، مدلولاً عليه بالياء، لأنه من ضرب "هـ" في "ب"، ولا يحصل لإفاضة الباري إلى العقل أو العقل إلى النفس عدد يدل عليه بحرف واحد، لأن "هـ" في "ج" "يه" و "و" في "جـ" "يح"، ويكون الأمر، وهو من إضافة الباري (الأول) إلى العقل مضافاً مدلولاً عليه باللام، لأنه من ضرب "هـ" في "و" ويكون الخلق وهو من إضافة الباري (الأول) إلى الطبيعة من ضرب "هـ" في "ح"، لأن الحاء دلالة الطبيعة مضافة. ويكون التكوين، وهو من إضافة الباري إلى الطبيعة لأنه من ضرب "هـ" في "د" ويكون جميع نسبتي الأمر والخلق، أعني ترتيب الخلق بواسطة الأمر، أعني اللام والميم مدلولاً عليه بحرف "ع" وجميع نسبتي الخلق والتكوين كذلك أعني الميم والكاف مدلولاً عليه بالسين، ويكون مجموع نسبتي طرفي الوجود والتكوين والخلق أعني اللام والكاف مدلولاً عليه بالنون، ويكون جميع نسب الأمر والتكوين والخلق أعني لام وميم وكاف مدلولاً عليه بصاد، ويكون اشتمال الجملة في الإبداع أعني "ي" في نفسه "ق" وهو أيضاً من جمع "ص" و "ي"، ويكون ردها إلى الأول الذي هو مبدأ الكل ومنتهاه، على أنه أول وآخر، أعني فاعلاً وغاية، كما بيّن في الإلهيات مدلولاً عليه بالراء ضِعف. فإذا تقرر ذلك فالمدلول عليه بـ {الۤـمۤ}، هو القسم بالأول ذي الأمر والخلق، وبالراء القسم بالأول ذي الأمر والخلق الذي هو الأول والآخر، والأمر والخلق والمبدأ الفاعلي، والمبدأ الغائي جميعاً. وبـ {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : [الأعراف:1]، القسم بالأول ذي الأمر والخلق، والمنشئ للكل. وبـ {أية : صۤ...} تفسير : [ص:1]: القسم بالعناية الكلية. وبـ {أية : قۤ}تفسير : [ق:1]: القسم بالإبداع المشتمل على الكل بواسطة إبداع الأنواع المتداولة المساوي للعقل. وبـ {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم:1]: القسم بالنسبة التي للكاف، أعني عالم التكوين إلى المبدأ الأول، بنسبة الإبداع الذي هو "ي"، ثم الخلق بواسطة الأمر وهو "ع"، ثم التكوين بواسطة الخلق والأمر وهو "ص"، فبين "ك" و"هـ" ضرورة نسبة الإبداع، ثم نسبة الخلق والأمر، ثم نسبة التكوين والخلق والأمر. و {أية : يسۤ} تفسير : [يس:1]: قسم بأول الفيض وهو الإبداع، وآخره وهو الخلق والتكوين. و {أية : حـمۤ} تفسير : [غافر:1]: قسم بالعالم الطبيعي الواقع في الخلق. و {أية : حـمۤ * عۤسۤقۤ} تفسير : [الشورى:1 - 2]: قسم بمدلول وساطة الخلق في وجود العالم الطبيعي وما يخلق بينه وبين الأمر بنسبة الخلق إلى الأمر، ونسبة الخلق إلى التكوين، وبأن يأخذ من هذا ويرده إلى ذلك، فيتم به الإبداع الكلي المشتمل على العوالم كلها، فإنها إذا أخذت على الإجمال، لم يكن لها نسبة إلى الأول غير الإبداع الكلي الذي يدل عليه بق. و {أية : طسۤ...}تفسير : [النمل:1]: قسم بعالم الهيولى الواقع في التكوين، و"ن" قسم بعالم التكوين وعالم الأمر أعني مجمع الكل، ولا يمكن أن يكون للحروف دلالة غير هذا البتة - انتهى كلامه أعلى الله مقامه -. دراية كشفية إعلم أيها القارئ المكتسي بكسوة العبارات، العاري عن حِلْية ذوق الإشارات، ان هذه الحروف المقطّعة القرآنية، تسمى في عالم السر ولسان أهل بيت النبوة وبلدة الولاية، العارفين بفهم منطق الطير "بالحروف المُجْمَلة"، و "حروف أبجد"، وفي هذا العالم تصير الحروف المتصلة منفصلة، لأنه يوم الفصل جمعناكم والأولين و "يوم الجمع" أيضاً بوجه آخر، فأهل الله إذا نظروا إلى حروف {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة:54] يرونها متصلة، ولكن إذا انكشف الحجاب، وفتحت الأبواب، وتجلّى جمالها، يرونها بالبصيرة الباطنية هكذا: ي، ح، ب، و، ن، هـ، م، وإذا ارتفعوا عن ذلك المقام إلى مقام أعلى، يرونها نقاطاً، وتصير الحروف المفردة بالقياس إلى من في تلك الدرجة نقطاً، وإذا وصلوا إلى مقام القرب، رأوا النقاط كلها مستهلكة في نقطة باء بسم الله. وأنت أيها الساكن في بيت حجابك، المقيد بقيود هواك ونفسك، أنك لم تخرج حتى الآن قدماً من عتبة بابك التي أنت معتكف فيها إلى طريق الحق، ولم ترغب في طلب معرفته والاطلاع على أسرار ملكه وملكوته، ومطالعة كتابه الذي ورد منه اليك، ولم تحصّل بعد مفردات حروف الجمل في معلمة العشق ومدرسة التقوى والعبودية، وإلهك ومعشوقك متوجه اليك من سماء عظمته، ناظر اليك ليجذبك بجذبة إرجعي. وإنك بعدما توجَّهت إليه بقلبك، فلا عبرة بما تقوله بلسانك: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام:79] مع عدم موافقة الباطن وهو وجهك الحقيقي، لأنك مشغول بجميع أسباب اللهو واللعب والهزل، مستغرق القلب بعمارة أرض بدنك، وتحصيل أرض أخرى، وتزيين ترابك الذي يخصك بإضافة تراب آخر إليه، وجمعه وادخاره بعد تلوينه أو تصييره بكثرة الحيل في المعاملات، أو المداهنة في المعاشرات، أو الدغل في الصناعات، بترويج ما كسد وإصلاح ما فسد، حتى صار ترابك ذهباً وفضة، وما هما إلاّ ترابان ملوّنان بالصفرة والبياض، بتعمّل طبيعي أو صناعي، إما في نفسيهما أو في تعميلك وتحصيلك لصورتهما، أو أخذك لهما من الناس بسبب الاستيناس بهم والمداراة معهم، وذلك كله علامة الإفلاس، وجميع ذلك خدمة منك لفاسق وظالم جاحد، وطاعة لشيطان مارد من الدواعي الشهوية أو الغضبية أو الوهمية. فأول علامة من ارتفع عن هذا الأدنى، وخلص عن حجاب المشتغلين بالدنيا، أن ينكشف عليه معرفة الحروف المنفصلة القرآنية وكيفية نزولها، كما رمز إليه تعالى بقوله: {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [القصص:51] إلى هذا القوم وأشار سبحانه إلى مرتبة قوم آخرين بقوله: {أية : فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ}تفسير : [الأنعام:97-98- و126]. فقد انجلى لك أيها المسكين، أن ما ارتسم في لوح السالك المبتدي حروف أبجد ليستعد بذلك الانتقاش بمفاد قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق:1] وعند ذلك يسهل عليه معرفة القرآن، وتعّلم لفظه ومعناه ومنطوقه وفحواه: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر:17]. وهذا التذكير لا يتيسر إلاَّ لمن دارس وتعلم من مكتب: "حديث : أول ما خَلق الله نوري" تفسير : وكان معلمه وأستاذه مفاد قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أدّبني ربي فأحسن تأديبي" تفسير : لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، ويعلم ما لم يكن يعلم قبل ذلك بأسباب أُخر، من فكر أو سماع أو تعلم أو رواية، بل بأن يكتب الله القرآن بقلم العقل على لوح نفسه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة:22]. {أية : وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق:3-5]. وحينئذٍ يظهر له هذا المكتب الذي لأطفال الأرواح وأولاد روح القدس، وهو أبوهم ومعلمهم وأستاذهم، ما معنى اللوح والقلم، والنون وما يسطرون، فإن العناية الربّانية لمّا تعلقت بتربية الأطفال والأولاد الملكوتية، أفاد لها ورزقهم من تحف ذلك العالم وهدايا الجنة في كسوة الحروف المفردة والظروف - ظ: حروف - المقطعة على طريق الرمز والإشارة، لئلاَّ يطّلع عليها الأغيار، ممن ليس له قوة الإرتقاء إلى منزل الأخيار. إعلم أيها القارئ العاري، أن القرآن أنزل إلى الخلق مع ألف حجاب، لأجل فهم ضعفاء العقول والأبصار، فلو فرض أن باء بسم الله مع عظمته التي كانت له نزل إلى العرش على حالته التي كانت عليها، لذاب العرش مع عظمته واضمحل، وقوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الحشر:21] - الآية - إشارة إلى ذلك. رحم الله من قال كاشفاً لهذا المعنى: "كل حرف في اللوح أعظم من جبل قاف"، وهذا القاف رمز إلى ما في قوله: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}تفسير : [ق:1]. وجملة القول: إن من لم يظهر عليه سلطان الآخرة ظهوراً تاماً، ولم يقم نفسه عن قبر هذه النشأة، لم يطلع على معاني رموز القرآن، ولم يحدث معه حروفه المقطعة، ولم يتجل له وجه صاحبه وقائله، وعظمة منشئه ومبدعه وممليه. واحسرتا على ما فرَّطنا في جنب الله. انتبه يا مغرور! وقم من مرقدك يا ممكور، حتى نسافر معك في سبيل الله، ونتجامع بالجمعية الوفاقية، فإن المسافر يحتاج إلى رفيق معه يصدّقُه أداء لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يد الله مع الجماعة"تفسير : ، وكن معنا في جميع ما هدانا الله إليه في سفرنا، وما هدانا إليه رسلنا من رزق ربنا، حتى لا ينال بما يحيد عن المشهور، ويخالف ما عليه الجمهور كما هو دأب المسافرين، واركب معنا في سفينة النجاة التي بسم الله مجراها ومرساها، ولا تجلس مع هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً، وهم كالذين وبخهم الله تعالى بقوله: {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء:78] واشتكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ربه بقوله: {أية : يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان:30]. وقال بعض أصحاب القلوب: "انزل القرآن لتعملوا به فاتخذتم دراسته". وإليهم الإشارة في حديث أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إن الفقهاء لا يقولون هذا، فقال (عليه السلام): يا ويحك! وهل رأيت فقيهاً قط؟ ان الفقيه حق الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وروى عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد. رب رجل أديب أريب، له اطّلاع تام على علم اللغة والفصاحة، والاقتدار على صنعة البحث والمجادلة مع الخصام في علم الكلام، وهو مع براعته في فصاحته، لم يسمع حرفاً من حروف القرآن بما هو قرآن، ولا فهم كلمة واحدة، وكذلك أكثر المشتغلين بالبحث البحت، المغترّين بلا مع سراب الحكمة، المحرومين من شراب المعرفة في كأس القرآن المبين، لكونهم صماً بكماً عمياً لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون سبيلاً، لعدم حواسهم الباطنية التي تكون هذه الحواس الدنيوية قشوراً لها، وبالقشر لا ينال إلاَّ القشر، وأما اللباب فلا يناله إلاّ أولوا الألباب، وما يذكّر إلاّ أُولوا الألباب: إن في ذلك لآيات لأولي الألباب.
الجنابذي
تفسير : قد مضى فى اوّل البقرة وفى غيرها ما به الغنية عن بيان الآية ههنا.
الأعقم
تفسير : {الم} قيل: اسم للسورة، وقيل: إنها مفاتيح أسمائه {تنزيل الكتاب} يعني نزله الله {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه الحق {من رب العالمين} أي من جهته {أم يقولون افتراه} يعني يقولون أن محمداً افترى القرآن من نفسه {بل هو الحق من ربك} أي ليس كما يقولون {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} هم أهل الفترة بين عيسى ومحمد لم يأتهم نذير، قيل: محمد، وقيل: هم أمة محمد وأراد قريشاً {لعلهم يهتدون} {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي في تقديره {ثم استوى على العرش} أي استوى وقدر على إيجاده، قيل: العرش السماء، وقيل: الملك {ما لكم من دونه من ولي}، قيل: من ناصر، وقيل: من يلي أمركم، وقيل: {شفيع} أي من يدعو لكم النصرة {أفلا تتذكرون} {يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} أي يصير إليه ويثبت عنده ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر يدخل تحت الوجود إلى أن يبلغ آخرها ثم يدبر أيضاً ليوم آخر وهلم جرّا إلى يوم القيامة، وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض ثم يعرج اليه ما كان من قبل الوحي أورده مع جبريل في وقت هو في الحقيقة ألف سنة، لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود، لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مائة سنة وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله، أي يصير إليه ليحكم فيه {في يوم كان مقداره ألف سنة} وهو يوم القيامة {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم}.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤـمۤ} قد فسرناه في أول سورة البقرة. قوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه أنه {مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} يعني المشركين يقولون إن محمداً افترى القرآن، أي: افتعل هذا القرآن، أي: قد قالوه، وهو على الاستفهام. قال الله: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يقوله للنبي عليه السلام {لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} أي: منهم، ينذرهم العذاب {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا. قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ومقدار اليوم منها ألف سنة. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي: ملك العرش وغيره. وإنما الاستواء من طريق الملك، لا على التمكن، تعالى الله علواً كبيراً. قوله: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذابه إن أراد عذابكم {وَلاَ شَفِيعٍ} أي: يشفع لكم عنده حتى لا يعذّبكم. قال: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين.
اطفيش
تفسير : {الَمَ} ان جعل اسما للسورة او القرآن فمبتدأ خبره.
اطفيش
تفسير : {الم تنزيلٌ الكتاب} مبتدأ خبره قوله عز وجل: {لا رَيْبَ فيه} او هذا معترض: او خال من الكتاب، والخبر قوله عز وجل: {مِنْ ربِّ العالمين} او هما خبران، او تنزيل خبر لمحذوف، اى هذا تنزيل، ولا يتعلق من بتنزيل، لان المصدر ومعموله كالاسم الواحد، فلا يفصل عنه بخبره، او الكتاب منعوت فى الاصل، وتنزيل نعت بمعنى منزل، والاصل الكتاب المنزل: او لا ريب فيه الخبر، ومن رب حال.
الالوسي
تفسير : إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا {الۤـمۤ}، وقوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة المكية نموذج آخر من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري بالعقيدة الضخمة التي جاء القرآن ليوقظها في الفطر، ويركزها في القلوب: عقيدة الدينونة لله الأحد الفرد الصمد، خالق الكون والناس، ومدبر السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من خلائق لا يعلمها إلا الله. والتصديق برسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر إلى الله. والاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب والجزاء. هذه هي القضية التي تعالجها السورة؛ وهي القضية التي تعالجها سائر السور المكية. كل منها تعالجها بأسلوب خاص، ومؤثرات خاصة؛ تلتقي كلها في أنها تخاطب القلب البشري خطاب العليم الخبير، المطلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها، ومنحنياتها ودروبها، العارف بطبيعتها وتكوينها، وما يستكن فيها من مشاعر، وما يعتريها من تأثرات واستجابات في جميع الأحوال والظروف. وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب وبطريقة غير أسلوب وطريقة سورة لقمان السابقة. فهي تعرضها في آياتها الأولى؛ ثم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب، منيرة للروح، مثيرة للتأمل والتدبر؛ كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية معروضة في صفحة الكون ومشاهده؛ وفي نشأة الإنسان وأطواره؛ وفي مشاهد من اليوم الآخر حافلة بالحياة والحركة؛ وفي مصارع الغابرين وآثارهم الناطقة لمن يسمع لها ويتدبر منطقها! كذلك ترسم السورة صوراً للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلعها إلى ربها. وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها؛ وتعرض صوراً للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء، وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان، يشهده كل قارئ لهذا القرآن. وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحركه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة، وإلى الخوف والخشية مرة، وإلى التطلع والرجاء مرة. وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد، وتارة بالإطماع، وتارة بالإقناع.. ثم تدعه في النهاية تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين. تدعه لنفسه يختار طريقه، وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور. ويمضي سياق السورة في عرض تلك القضية في أربعة مقاطع أو خمسة متلاحقة متصلة: يبدأ بالأحرف المقطعة "ألف. لام. ميم" منبهاً بها إلى تنزيل الكتاب من جنس هذه الأحرف. ونفي الريب عن تنزيله والوحي به: {من رب العالمين}.. ويسأل سؤال استنكار عما إذا كانوا يقولون: افتراه. ويؤكد أنه الحق من ربه لينذر قومه {لعلهم يهتدون}.. وهذه هي القضية الأولى من قضايا العقيدة: قضية الوحي وصدق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التبليغ عن رب العالمين. ثم يعرض قضية الألوهية وصفتها في صفحة الوجود: في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وفي الهيمنة على الكون وتدبير الأمر في السماوات والأرض، ورفع الأمر إليه في اليوم الآخر.. ثم في نشأة الإنسان وأطواره وما وهبه الله من السمع والبصر والإدراك. والناس بعد ذلك قليلاً ما يشكرون. وهذه هي القضية الثانية: قضية الألوهية وصفتها: صفة الخلق، وصفة التدبير، وصفة الإحسان، وصفة الإنعام، وصفة العلم. وصفة الرحمة. وكلها مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين. ثم يعرض قضية البعث، وشكهم فيه بعد تفرق ذراتهم في التراب: {وقالوا: أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد؟} ويرد على هذا الشك بصيغة الجزم واليقين. وهذه هي القضية الثالثة: قضية البعث والمصير. ومن ثم يعرض مشهداً من مشاهد القيامة: {إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم} يعلنون يقينهم بالآخرة ويقينهم بالحق الذي جاءتهم به الدعوة. ويقولون الكلمة التي لو قالوها في الدنيا لفتحت لهم أبواب الجنة؛ ولكنها في موقفهم ذاك لا تجدي شيئاً ولا تفيد. لعل هذا المشهد أن يوقظهم ـ قبل فوات الأوان ـ لقول الكلمة التي سيقولونها في الموقف العصيب. فيقولوها الآن في وقتها المطلوب. وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب يعرض مشهد المؤمنين في هذ الأرض: إذا ذكروا بآيات ربهم: {خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون. تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}... وهي صورة موحية شفيفة ترف حولها القلوب. يعرض إلى جوارها ما أعده الله لهذه النفوس الخاشعة الخائفة الطامعة من نعيم يعلو على تصور البشر الفانين: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}.. ويعقب عليه بمشهد سريع لمصائر المؤمنين والفاسقين في جنة المأوى وفي نار الجحيم. وبتهديد المجرمين بالانتقام منهم في الأرض أيضاً قبل أن يلاقوا مصيرهم الأليم. ثم ترد إشارة إلى موسى ـ عليه السلام ـ ووحدة رسالته ورسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمهتدين من قومه، وصبرهم على الدعوة، وجزائهم على هذا الصبر بأن جعلهم الله أئمة. وفي هذه الإشارة إيحاء بالصبر على ما يلقاه الدعاة إلى الإسلام من كيد ومن تكذيب. وتعقب هذه الإشارة جولة في مصارع الغابرين من القرون، وهم يمشون في مساكنهم غافلين.. ثم جولة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء بالحياة والنماء؛ فيتقابل مشهد البلى ومشهد الحياة في سطور. وتختم السورة بحكاية قولهم: {متى هذا الفتح؟} وهم يتساءلون في شك عن يوم الفتح الذي يتحقق فيه الوعيد. والجواب بالتخويف من هذا اليوم والتهديد. وتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعرض عنهم ويدعوهم لمصيرهم المحتوم. والآن نأخذ في عرض السورة بالتفصيل: {ألم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون: افتراه؟ بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون}.. "ألف. لام. ميم".. هذه الأحر ف التي يعرفها العرب المخاطبون بهذا الكتاب؛ ويعرفون ما يملكون أن يصوغوا منها ومن نظائرها من كلام، ويدركون الفارق الهائل بين ما يملكون أن يصوغوه منها وبين هذا القرآن؛ وهو فارق يدركه كل خبير بالقول، وكل من يمارس التعبير باللفظ عن المعاني والأفكار. كما يدرك أن في النصوص القرآنية قوة خفية، وعنصراً مستكناً، يجعل لها سلطاناً وإيقاعاً في القلب والحس ليسا لسائر القول المؤلف من أحرف اللغة، مما يقوله البشر في جميع الأعصار. وهي ظاهرة ملحوظة لا سبيل إلى الجدال فيها، لأن السامع يدركها، ويميزها، ويهتز لها، من بين سائر القول، ولو لم يعلم سلفاً أن هذا قرآن! والتجارب الكثيرة تؤكد هذه الظاهرة في شتى أوساط الناس. والفارق بين القرآن وما يصوغه البشر من هذه الحروف من كلام، هو كالفارق بين صنعة الله وصنعة البشر في سائر الأشياء. صنعة الله واضحة مميزة، لا تبلغ إليها صنعة البشر في أصغر الأشياء. وإن توزيع الألوان في زهرة واحدة ليبدو معجزة لأمهر الرسامين في جميع العصور.. وكذلك صنع الله في القرآن وصنع البشر فيما يصوغون من هذه الحروف من كلام! ألف. لام. ميم {تنزيل الكتاب ـ لا ريب فيه ـ من رب العالمين}.. قضية مقطوع بها، لا سبيل إلى الشك فيها. قضية تنزيل الكتاب من رب العالمين.. ويعجل السياق بنفي الريب في منتصف الآية، بين المبتدأ فيها والخبر، لأن هذا هو صلب القضية، والنقطة المقصودة في النص. والتمهيد لها بذكر هذه الأحرف المقطعة يضع المرتابين الشاكين وجهاً لوجه أمام واقع الأمر، الذي لا سبيل إلى الجدل فيه. فهذا الكتاب مصوغ من جنس هذه الأحرف التي يعرفون؛ ونمطه هو هذا النمط المعجز الذي لا يمارون في إعجازه، أمام التجربة الواقعة، وأمام موازين القول التي يقر بها الجميع. إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن؛ وتشي بالقوة الخفية المودعة في هذا الكلام. وإن الكيان الإنساني ليهتز ويرتجف ويتزايل ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن، كلما تفتح القلب، وصفا الحس، وارتفع الإدراك، وارتفعت حساسية التلقي والاستجابة. وإن هذه الظاهرة لتزداد وضوحاً كلما اتسعت ثقافة الإنسان، ومعرفته بهذا الكون وما فيه ومن فيه. فليست هي مجرد وهلة تأثيرية وجدانية غامضة. فهي متحققة حين يخاطب القرآن الفطرة خطاباً مباشراً. وهي متحققة كذلك حين يخاطب القلب المجرب، والعقل المثقف، والذهن الحافل بالعلم والمعلومات. وإن نصوصه ليتسع مدى مدلولاتها ومفهوماتها وإيقاعاتها على السواء كلما ارتفعت درجة العلم والثقافة والمعرفة، ما دامت الفطرة مستقيمة لم تنحرف ولم تطمس عليها الأهواء مما يجزم بأن هذا القرآن صنعة غير بشرية على وجه اليقين، وأنه تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. {أم يقولون: افتراه؟}.. ولقد قالوها فيما زعموه متعنتين. ولكن السياق هنا يصوغ هذا القول في صيغة المستنكر لأن يقال هذا القول أصلاً: {أم يقولون: افتراه؟}.. هذه القولة التي لا ينبغي أن تقال؛ فتاريخ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم ينفي هذه الكلمة الظالمة من جهة؛ وطبيعة هذا الكتاب ذاتها تنفيه أصلاً، ولا تدع مجالاً للريب والتشكك: {بل هو الحق من ربك}.. الحق.. بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي؛ وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت، المستقر في كيانه، الملحوظ في تناسقه، واطراد نظامه، وثبات هذا النظام، وشموله وعدم تصادم أجزائه، أو تناثرها، وتعارف هذه الأجزاء وتلاقيها. الحق.. بترجمته لنواميس هذا الوجود الكبير ترجمة مستقيمة؛ وكأنما هو الصورة اللفظية المعنوية لتلك النواميس الطبيعية الواقعية العاملة في هذا الوجود. الحق.. بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية، وما يعقده بينهم وبين قوى الكون كله من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق. حيث يجدون أنفسهم في صداقة مع كل ما حولهم من هذا الكون الكبير. الحق.. الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه، في يسر وسهولة، وفي غير مشقة ولا عنت. لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم. الحق.. الذي لا يتفرق ولا يتعارض وهو يرسم منهاج الحياة البشرية كاملاً؛ ويلحظ في هذا المنهاج كل قواها وكل طاقاتها، وكل نزعاتها وكل حاجاتها، وكل ما يعتورها من مرض أو ضعف أو نقص أو آفة، تدرك النفوس وتفسد القلوب. الحق.. الذي لا يظلم أحداً في دنيا أو آخرة. ولا يظلم قوة في نفس ولا طاقة. ولا يظلم فكرة في القلب أو حركة في الحياة، فيكفها عن الوجود والنشاط، ما دامت متفقة مع الحق الكبير الأصيل في صلب الوجود. {بل هو الحق من ربك}.. فما هو من عندك، إنما هو من عند ربك. وهو رب العالمين كما قال في الآية السابقة؛ إنما هذه الإضافة هنا للتكريم. تكريم الرسول الذي يتهمونه بالافتراء. وإلقاء ظلال القربى بينه وبين ربه رب العالمين. رداً على الاتهام الأثيم. وتقريراً للصلة الوثيقة التي تحمل مع معنى التكريم معنى وثاقة المصدر وصحة التلقي. وأمانة النقل والتبليغ. {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك، لعلهم يهتدون}.. والعرب الذين أرسل إليهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يرسل إليهم أحد قبله؛ ولا يعرف التاريخ رسولاً بين إسماعيل ـ عليه السلام ـ جد العرب الأول وبين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد نزل الله عليه هذا الكتاب الحق، لينذرهم به. {لعلهم يهتدون} فهدايتهم مرجوة بهذا الكتاب، لما فيه من الحق الذي يخاطب الفطر والقلوب. هؤلاء القوم الذين نزل الله الكتاب لينذرهم به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى. فهنا يبدأ ببيان صفة الله التي يعرفون بها حق ألوهيته سبحانه، ويميزون بها بين من يستحق هذا الوصف العظيم: "الله" ومن لا يستحقونه ولا يجوز أن يقرنوا إلى مقام الله رب العالمين: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع. أفلا تتذكرون؟ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم. الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. قليلاً ما تشكرون}.. ذلك هو الله، وهذه هي آثار ألوهيته ودلائلها. هذه هي في صفحة الكون المنظور. وفي ضمير الغيب المترامي وراء إدراك البشر المحدود. وفي نشأة الإنسان وأطواره التي يعرفها الناس، والتي يطلعهم عليها الله في كتابه الحق المبين. {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}.. والسماوات والأرض وما بينهما هي هذه الخلائق الهائلة التي نعلم عنها القليل ونجهل عنها الكثير.. هي هذا الملكوت الطويل العريض الضخم المترامي الأطراف، الذي يقف الإنسان أمامه مبهوراً مدهوشاً متحيراً في الصنعة المتقنة الجميلة المنسقة الدقيقة التنظيم.. هي هذا الخلق الذي يجمع إلى العظمة الباهرة، الجمال الأخاذ. الجمال الحقيقي الكامل، الذي لا يرى فيه البصر، ولا الحس، ولا القلب، موضعاً للنقص؛ ولا يمل المتأمل التطلع إليه مهما طالت وقفته؛ ولا يذهب التكرار والألفة بجاذبيته. المتجددة العجيبة. ثم هي هذه الخلائق المنوعة، المتعددة الأنواع والأجناس والأحجام والأشكال والخواص والمظاهر والاستعدادات والوظائف، الخاضعة كلها لناموس واحد، المتناسقة كلها في نشاط واحد، المتجهة كلها إلى مصدر واحد تتلقى منه التوجيه والتدبير، وتتجه إليه بالطاعة والاستسلام. والله.. هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما.. فهو الحقيق ـ سبحانه ـ بهذا الوصف العظيم.. {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}.. وليست هي قطعاً من أيام هذه الأرض التي نعرفها. فأيام هذه الأرض مقياس زمني ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة، تؤلف ليلاً ونهاراً على هذه الأرض الصغيرة الضئيلة، التي لا تزيد على أن تكون هباءة منثورة في فضاء الكون الرحيب! وقد وجد هذا المقياس الزمني بعد وجود الأرض والشمس. وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة! أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في القرآن فعلمها عند الله؛ ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها. فهي من أيام الله التي يقول عنها: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}.. تلك الأيام الستة قد تكون ستة أطوار مرت بها السماوات والأرض وما بينهما حتى انتهت إلى ما هي عليه. أو ستة مراحل في النشأة والتكوين. أو ستة أدهار لا يعلم ما بين أحدها والآخر إلا الله.. وهي على أية حال شيء آخر غير الأيام الأرضية التي تعارف عليها أبناء الفناء. فلنأخذها كما هي غيباً من غيب الله لا سبيل إلى معرفته على وجه التحديد. إنما يقصد التعبير إلى تقرير التدبير والتقدير في الخلق، وفق حكمة الله وعلمه. وإحسانه لكل شيء خلقه في الزمن والمراحل والأطوار المقدرة لهذا الخلق العظيم. {ثم استوى على العرش}.. والاستواء على العرش رمز لاستعلائه على الخلق كله. أما العرش ذاته فلا سبيل إلى قول شيء عنه، ولا بد من الوقوف عند لفظه. وليس كذلك الاستواء. فظاهر أنه كناية عن الاستعلاء. ولفظ.. ثم، لا يمكن قطعاً أن يكون للترتيب الزمني، لأن الله سبحانه ـ لا تتغير عليه الأحوال. ولا يكون في حال أو وضع ـ سبحانه ـ ثم يكون في حال أو وضع تال. إنما هو الترتيب المعنوي. فالاستعلاء درجة فوق الخلق، يعبر عنها هذا التعبير. وفي ظلال الاستعلاء المطلق يلمس قلوبهم بالحقيقة التي تمسهم: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع}.. وأين؟ ومن؟ وهو سبحانه المسيطر على العرش والسماوات والأرض وما بينهما؟ وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما؟ فأين هو الولي من دونه؟ وأين هو الشفيع الخارج على سلطانه؟ {أفلا تتذكرون؟}.. وتذكر هذه الحقيقة يرد القلب إلى الإقرار بالله، والاتجاه إليه وحده دون سواه. ومع الخلق والاستعلاء.. التدبير والتقدير.. في الدنيا والآخرة.. فكل أمر يدبر في السماوات والأرض وما بينهما يرفع إليه سبحانه في يوم القيامة، ويرجع إليه مآله في ذلك اليوم الطويل: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}.. والتعبير يرسم مجال التدبير منظوراً واسعاً شاملاً: {من السماء إلى الأرض} ليلقي على الحس البشري الظلال التي يطيقها ويملك تصورها ويخشع لها. وإلا فمجال تدبير الله أوسع وأشمل من السماء إلى الأرض. ولكن الحس البشري حسبه الوقوف أمام هذا المجال الفسيح، ومتابعة التدبير شاملاً لهذه الرقعة الهائلة التي لا يعرف حتى الأرقام التي تحدد مداها! ثم يرتفع كل تدبير وكل تقدير بمآله ونتائجه وعواقبه. يرتفع إليه سبحانه في علاه في اليوم الذي قدره لعرض مآلات الأعمال والأقوال، والأشياء والأحياء {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}.. وليس شيء من هذا كله متروكاً سدى ولا مخلوقاً عبثاً، إنما يدبر بأمر الله إلى أجل مرسوم.. يرتفع. فكل شيء وكل أمر وكل تدبير وكل مآل هو دون مقام الله ذي الجلال، فهو يرتفع إليه أو يرفع بإذنه حين يشاء. {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم}.. ذلك.. الذي خلق السماوات والأرض. والذي استوى على العرش. والذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.. {ذلك عالم الغيب والشهادة}.. المطلع على ما يغيب وما يحضر. وهو الخالق المسيطر المدبر. وهو {العزيز الرحيم}.. القوي القادر على ما يريد. الرحيم في إرادته وتدبيره للمخاليق. {الذي أحسن كل شيء خلقه}.. .. واللهم إن هذا هو الحق الذي تراه الفطرة وتراه العين ويراه القلب ويراه العقل. الحق المتمثل في أشكال الأشياء، ووظائفها. وفي طبيعتها منفردة وفي تناسقها مجتمعة. وفي هيئاتها وأحوالها ونشاطها وحركاتها. وفي كل ما يتعلق بوصف الحسن والإحسان من قريب أو من بعيد. سبحانه! هذه صنعته في كل شيء. هذه يده ظاهرة الآثار في الخلائق. هذا كل شيء خلقه يتجلى فيه الإحسان والإتقان؛ فلا تجاوز ولا قصور، ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص، ولا إفراط ولا تفريط، في حجم أو شكل أو صنعة أو وظيفة. كل شيء مقدر لا يزيد عن حد التناسق الجميل الدقيق ولا ينقص. ولا يتقدم عن موعده ولا يتأخر. ولا يتجاوز مداه ولا يقصر.. كل شيء من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام. ومن الخلية الساذجة إلى أعقد الأجسام. كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان.. وكذلك الأعمال والأطوار والحركات والأحداث. وكلها من خلق الله. مقدرة تقديراً دقيقاً في موعدها وفي مجالها وفي مآلها، وفق الخطة الشاملة لسير هذا الوجود من الأزل إلى الأبد مع تدبير الله. كل شيء، وكل خلق، مصنوع ليؤدي دوره المقسوم له في رواية الوجود، معد لأداء هذا الدور إعداداً دقيقاً، مزود بالاستعدادات والخصائص التي تؤهله لدوره تمام التأهيل. هذه الخلية الواحدة المجهزة بشتى الوظائف. هذه الدودة السابحة المجهزة بالأرجل أو الشعيرات وبالملاسة والمرونة والقدرة على شق طريقها كأحسن ما يكون. هذه السمكة. هذا الطائر. هذه الزاحفة. هذا الحيوان.. ثم هذا الإنسان.. وهذا الكوكب السيار وهذا النجم الثابت. وهذه الأفلاك والعوالم؛ وهذه الدورات المنتظمة الدقيقة المنسقة العجيبة المضبوطة التوقيت والحركة على الدوام.. كل شيء. كل شيء. حيثما امتد البصر متقن الصنع. بديع التكوين. يتجلى فيه الإحسان والإتقان. والعين المفتوحة والحس المتوفز والقلب البصير، ترى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه؛ وتراه في كل أجزائه وأفراده. والتأمل في خلق الله حيثما اتجه النظر أو القلب أو الذهن، يمنح الإنسان رصيداً ضخماً من ذخائر الحسن والجمال، ومن إيقاعات التناسق والكمال، تجمع السعادة من أطرافها بأحلى ما في ثمارها من مذاق؛ وتسكبها في القلب البشري؛ وهو يعيش في هذا المهرجان الإلهي الجميل البديع المتقن، يتملى آيات الإحسان والإتقان في كل ما يراه وما يسمعه وما يدركه في رحلته على هذا الكوكب. ويتصل من وراء أشكال هذا العالم الفانية بالجمال الباقي المنبثق من جمال الصنعة الإلهية الأصيلة. ولا يدرك القلب شيئاً من هذا النعيم في رحلته الأرضية إلا حين يستيقظ من همود العادة، ومن ملالة الألفة. وإلا حين يتسمع لإيقاعات الكون من حوله، ويتطلع إلى إيحاءاته. وإلا حين يبصر بنور الله فتتكشف له الأشياء عن جواهرها الجميلة كما خرجت من يد الله المبدعة. وإلا حين يتذكر الله كلما وقعت عينه أو حسه على شيء من بدائعه؛ فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع؛ فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى حينئذ من ورائه جمال الله وجلاله. إن هذا الوجود جميل. وإن جماله لا ينفد. وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود. قدر ما يريد. وفق ما يريده له مبدع الوجود. وإن عنصر الجمال المقصود قصداً في هذا الوجود. فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شيء، يصل إلى حد الجمال. وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو، وفي كل خلق.. انظر.. هذه النحلة. هذه الزهرة. هذه النجمة. هذا الليل. هذا الصبح. هذه الظلال. هذه السحب. هذه الموسيقى السارية في الوجود كله. هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور! إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين؛ يلفتنا القرآن إليها لنتملاها، ونستمتع بها وهو يقول: {الذي أحسن كل شيء خلقه}.. فيوقظ القلب لتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير. {الذي أحسن كل شيء خلقه}.. {وبدأ خلق الإنسان من طين}.. ومن إحسانه في الخلق بدء خلق هذا الإنسان من طين. فالتعبير قابل لأن يفهم منه أن الطين كان بداءة، وكان في المرحلة الأولى. ولم يحدد عدد الأطوار التي تلت مرحلة الطين ولا مداها ولا زمنها، فالباب فيها مفتوح لأي تحقيق صحيح. وبخاصة حين يضم هذا النص إلى النص الآخر الذي في سورة "المؤمنون".. {خلق الإنسان من سلالة من طين}.. فيمكن أن يفهم منه أنه إشارة إلى تسلسل في مراحل النشأة الإنسانية يرجع أصلاً إلى مرحلة الطين. وقد يكون ذلك إشارة إلى بدء نشأة الخلية الحية الأولى في هذه الأرض؛ وأنها نشأت من الطين. وأن الطين كان المرحلة السابقة لنفخ الحياة فيها بأمر الله. وهذا هو السر الذي لم يصل إليه أحد. لا ما هو. ولا كيف كان. ومن الخلية الحية نشأ الإنسان. ولا يذكر القرآن كيف تم هذا، ولا كم استغرق من الزمن ومن الأطوار. فالأمر في تحقيق هذا التسلسل متروك لأي بحث صحيح؛ وليس في هذا البحث ما يصادم النص القرآني القاطع بأن نشأة الإنسان الأولى كانت من الطين. وهذا هو الحد المأمون بين الاعتماد على الحقيقة القرآنية القاطعة وقبول ما يسفر عنه أي تحقيق صحيح. غير أنه يحسن ـ بهذه المناسبة ـ تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة: بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية؛ وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيواناً فوق القردة العليا ودون الإنسان.. أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة وأن كشف عوامل الوراثة ـ التي لم يكن دارون قد عرفها ـ تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضرباً من المستحيل. فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه؛ وتحتم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه، ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطور إلى نوع جديد. فالقط أصله قط وسيظل قطاً على توالي القرون. والكلب كذلك. والثور. والحصان. والقرد. والإنسان. وكل ما يمكن أن يقع ـ حسب نظريات الوراثة ـ هو الارتقاء في حدود النوع نفسه. دون الانتقال إلى نوع آخر. وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام! ثم نعود إلى ظلال القرآن! {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين}.. من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين: من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كمال التكوين الجنيني، في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين. وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التي تمر بها تلك النقطة الضائعة في ذلك الماء المهين. حتى تصل إلى الإنسان المقعد البديع التكوين! وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير. وذلك ما يعبر عنه القرآن في آية واحدة تصور هذه الرحلة المديدة: {ثم سواه، ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}.. يا الله. ما أضخم الرحلة! وما أبعد الشقة! وما أعظم المعجزة التي يمر عليها الناس غافلين! أين تلك النقطة الصغيرة المهينة من ذلك الإنسان الذي تصير إليه في النهاية، لولا أنها يد الله المبدعة التي تصنع هذه الخارقة. والتي تهدي تلك النقطة الصغيرة الضعيفة إلى اتخاذ طريقها في النمو والتطور والتحول من هيئتها الساذجة إلى ذلك الخلق المعقد المركب العجيب؟ هذا الانقسام في تلك الخلية الواحدة والتكاثر. ثم التنويع في أصناف الخلايا المتعددة ذات الطبيعة المختلفة، والوظيفة المختلفة؛ التي تتكاثر هي بدورها لتقوم كل مجموعة منها بتكوين عضو خاص ذي وظيفة خاصة. وهذا العضو الذي تكونه خلايا معينة من نوع خاص، يحتوي بدوره على أجزاء ذات وظائف خاصة وطبيعة خاصة، تكونها خلايا أكثر تخصصاً في داخل العضو الواحد.. هذا الانقسام والتكاثر مع هذا التنويع كيف يتم في الخلية الأولى وهي خلية واحدة؟ وأين كانت تكمن تلك الخصائص كلها التي تظهر في ما بعد في كل مجموعة من الخلايا المتخصصة الناشئة من تلك الخلية الأولى؟ ثم أين كانت تكمن الخصائص المميزة لجنين الإنسان من سائر الأجنة؟ ثم المميزة لكل جنين إنساني من سائر الأجنة الإنسانية؟ ثم الحافظة لكل ما يظهر بعد ذلك في الجنين من استعدادات خاصة، ووظائف معينة، وسمات وشيات طوال حياته؟! ومن ذا الذي كان يمكن أن يتصور إمكان وقوع هذه الخارقة العجيبة لولا أنها وقعت فعلاً وتكرر وقوعها؟ إنها يد الله التي سوت هذا الإنسان؛ وإنها النفخة من روح الله في هذا الكيان.. إنها التفسير الوحيد الممكن لهذه العجيبة التي تتكرر في كل لحظة، والناس عنها غافلون.. ثم هي النفخة من روح الله التي جعلت من هذا الكائن العضوي إنساناً ذا سمع وذا بصر وذا إدراك إنساني مميز من سائر الكائنات العضوية الحيوانية: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}.. وكل تعليل آخر عاجز عن تفسير تلك العجيبة التي تواجه العقل البشري بالحيرة الغامرة التي لا مخرج منها بغير ذلك التفسير. ومع كل هذا الفيض من الفضل. الفضل الذي يجعل من الماء المهين ذلك الإنسان الكريم. الفضل الذي أودع تلك الخلية الصغيرة الضعيفة كل هذا الرصيد من القدرة على التكاثر والنماء، والتطور والتحول، والتجمع والتخصيص. ثم أودعها كل تلك الخصائص والاستعدادات والوظائف العليا التي تجعل من الإنسان إنساناً.. مع كل هذا الفيض فإن الناس لا يشكرون إلا في القليل: {قليلاً ما تشكرون}.. وفي ظل مشهد النشأة الأولى للإنسان، وأطوار هذه النشأة العجيبة، الخارقة لكل مألوف، وإن كانت تتكرر في كل لحظة، وتقع أمام الأنظار والأسماع. في ظل هذا المشهد يعرض اعتراضهم على النشأة الآخرة، وشكهم في البعث والنشور. فيبدو هذا الشك وذلك الاعتراض غريبين كل الغرابة: {وقالوا: أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد؟ بل هم بلقاء ربهم كافرون}.. إنهم يستبعدون أن يخلقهم الله خلقاً جديداً، بعد موتهم ودفنهم، وتحول أجسامهم إلى رفات يغيب في الأرض، ويختلط بذراتها، ويضل فيها، فماذا في هذا من غرابة أمام النشأة الأولى؟ لقد بدأ الله خلق الإنسان من طين. من هذه الأرض التي يقولون إن رفاتهم سيضل فيها ويختلط بها. فالنشأة الآخرة شبيهة بالنشأة الأولى، وليس فيها غريب ولا جديد! {بل هم بلقاء ربهم كافرون}.. ومن ثم يقولون ما يقولون. فهذا الكفر بلقاء الله هو الذي يلقي على أنفسهم ظل الشك والاعتراض على الأمر الواضح الذي وقع مرة، والذي يقع ما هو قريب منه في كل لحظة. لذلك يرد على اعتراضهم بتقرير وفاتهم ورجعتهم، مكتفياً بالبرهان الحي الماثل في نشأتهم الأولى ولا زيادة: {قل: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، ثم إلى ربكم ترجعون}.. هكذا في صورة الخبر اليقين.. فأما ملك الموت من هو؟ وكيف يتوفى الأنفس فهذا من غيب الله، الذي نتلقى خبره من هذا المصدر الوثيق الأكيد. ولا زيادة على ما نتلقاه من هذا المصدر الوحيد. وبمناسبة البعث الذي يعترضون عليه والرجعة التي يشكون فيها، يقفهم وجهاً لوجه أمام مشهد من مشاهد القيامة؛ مشهد حي شاخص حافل بالتأثرات والحركات والحوار كأنه واقع مشهود: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم. ربنا أبصرنا وسمعنا، فارجعنا نعمل صالحاً، إنا موقنون ـ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ـ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا، إنا نسيناكم، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}.. إنه مشهد الخزي والاعتراف بالخطيئة، والإقرار بالحق الذي جحدوه، وإعلان اليقين بما شكوا فيه، وطلب العودة إلى الأرض لإصلاح ما فات في الحياة الأولى.. وهم ناكسو رؤوسهم خجلاً وخزياً.. {عند ربهم}.. الذي كانوا يكفرون بلقائه في الدنيا.. ولكن هذا كله يجيء بعد فوات الأوان حيث لا يجدي اعتراف ولا إعلان. وقبل أن يعلن السياق جواب استخذائهم الذليل، يقرر الحقيقة التي تتحكم في الموقف كله؛ وتتحكم قبل ذلك في حياة الناس ومصائرهم: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها. ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}.. ولو شاء الله لجعل لجميع النفوس طريقاً واحداً. هو طريق الهدى، كما وحد طريق المخلوقات التي تهتدي بإلهام كامن في فطرتها، وتسلك طريقة واحدة في حياتها من الحشرات والطير والدواب؛ أو الخلائق التي لا تعرف إلا الطاعات كالملائكة. لكن إرادة الله اقتضت أن يكون لهذا الخلق المسمى بالإنسان طبيعة خاصة، يملك معها الهدى والضلال؛ ويختار الهداية أو يحيد عنها؛ ويؤدي دوره في هذا الكون بهذه الطبيعة الخاصة، التي فطره الله عليها لغرض ولحكمة في تصميم هذا الوجود. ومن ثم كتب الله في قدره أن يملأ جهنم من الجنة ومن الناس الذين يختارون الضلالة، ويسلكون الطريق المؤدي إلى جهنم. وهؤلاء المجرمون المعروضون على ربهم وهم ناكسو رؤوسهم. هؤلاء ممن حق عليهم هذا القول. ومن ثم يقال لهم: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا}.. يومكم هذا الحاضر. فنحن في المشهد في اليوم الآخر.. ذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم، وإهمالكم الاستعداد له وأنتم في فسحة من الوقت. ذوقوا {إنا نسيناكم}.. والله لا ينسى أحداً. ولكنهم يعاملون معاملة المهملين المنسيين، معاملة فيها مهانة وفيها إهمال وفيها ازدراء. {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}.. ويسدل الستار على المشهد. وقد قيلت الكلمة الفاصلة فيه. وترك المجرمون لمصيرهم المهين. ويحس قارئ القرآن وهو يجاوز هذه الآيات كأنه تركهم هناك، وكأنهم شاخصون حيث تركهم! وهذه إحدى خصائص التصوير القرآني المحيي للمشاهد الموحي للقلوب. يسدل الستار على ذلك المشهد ليرفعه عن مشهد آخر، في ظل آخر، وفي جو آخر، له عطر آخر تستروح له الأرواح وتخفق له القلوب. إنه مشهد المؤمنين. مشهدهم خاشعين مخبتين عابدين، داعين إلى ربهم وقلوبهم راجفة من خشية الله، طامعة راجية في فضل الله. وقد ذخر لهم ربهم من الجزاء ما لا يبلغ إلى تصوره خيال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم، وهم لا يستكبرون. تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، جزاء بما كانوا يعملون}.. وهي صورة وضيئة للأرواح المؤمنة، اللطيفة، الشفيفة الحساسة المرتجفة من خشية الله وتقواه، المتجهة إلى ربها بالطاعة المتطلعة إليه بالرجاء، في غير ما استعلاء ولا استكبار. هذه الأرواح هي التي تؤمن بآيات الله، وتتلقاها بالحس المتوفز والقلب المستيقظ والضمير المستنير. هؤلاء إذا ذكروا بآيات ربهم {خروا سجداً} تأثراً بما ذكروا به، وتعظيماً لله الذي ذكروا بآياته، وشعوراً بجلاله الذي يقابل بالسجود أول ما يقابل، تعبيراً عن الإحساس الذي لا يعبر عنه إلا تمريغ الجباه بالتراب {وسبحوا بحمد ربهم}. مع حركة الجسد بالسجود. {وهم لا يستكبرون}.. فهي استجابة الطائع الخاشع المنيب الشاعر بجلال الله الكبير المتعال. ثم مشهدهم المصور لهيئتهم الجسدية ومشاعرهم القلبية في لمحة واحدة. في التعبير العجيب الذي يكاد يجسم حركة الأجسام والقلوب: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}.. إنهم يقومون لصلاة الليل. صلاة العشاء الآخرة. الوتر. ويتهجدون بالصلاة، ودعاء الله. ولكن التعبير القرآني يعبر عن هذا القيام بطريقة أخرى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}.. فيرسم صورة المضاجع في الليل تدعو الجنوب إلى الرقاد والراحة والتذاذ المنام. ولكن هذه الجنوب لا تستجيب. وإن كانت تبذل جهداً في مقاومة دعوة المضاجع المشتهاة. لأن لها شغلاً عن المضاجع اللينة والرقاد اللذيذ. شغلا بربها. شغلا بالوقوف في حضرته. وبالتوجه إليه في خشية وفي طمع يتنازعها الخوف والرجاء. الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته. والخوف من غضبه والطمع في رضاه. والخوف من معصيته والطمع في توفيقه. والتعبير يصور هذه المشاعر المرتجفة في الضمير بلمسة واحدة، حتى لكأنها مجسمة ملموسة: {يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}.. وهم إلى جانب هذه الحساسية المرهفة، والصلاة الخاشعة، والدعاء الحار يؤدون واجبهم للجماعة المسلمة طاعة لله وزكاة.. {ومما رزقناهم ينفقون}.. هذه الصورة المشرفة الوضيئة الحساسة الشفيفة ترافقها صورة للجزاء الرفيع الخاص الفريد. الجزاء الذي تتجلى فيه ظلال الرعاية الخاصة، والإعزاز الذاتي، والإكرام الإلهي والحفاوة الربانية بهذه النفوس: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}.. تعبير عجيب يشي بحفاوة الله ـ سبحانه ـ بالقوم؛ وتوليه بذاته العلية إعداد المذخور لهم عنده من الحفاوة والكرامة مما تقر به العيون. هذا المذخور الذي لا يطلع عليه أحد سواه. والذي يظل عنده خاصة مستوراً حتى يكشف لأصحابه عنه يوم لقائه! عند لقياه! وإنها لصورة وضيئة لهذا اللقاء الحبيب الكريم في حضرة الله. يا لله! كم ذا يفيض الله على عباده من كرمه! وكم ذا يغمرهم سبحانه بفضله! ومن هم ـ كائناً ما كان عملهم وعبادتهم وطاعتهم وتطلعهم ـ حتى يتولى الله جل جلاله إعداد ما يدخره لهم من جزاء، في عناية ورعاية وود واحتفال؟ لولا أنه فضل الله الكريم المنان؟! وأمام مشهد المجرمين البائس الذليل؛ ومشهد المؤمنين الناعم الكريم، يعقب بتلخيص مبدأ الجزاء العادل، الذي يفرق بين المسيئين والمحسنين في الدنيا أو الآخرة؛ والذي يعلق الجزاء بالعمل، على أساس العدل الدقيق: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً؟ لا يستوون. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون. وأما الذين فسقوا فمأواهم النار. كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون. ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون. ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها؟ إنا من المجرمين منتقمون}.. وما يستوي المؤمنون والفاسقون في طبيعة ولا شعور ولا سلوك، حتى يستووا في الجزاء في الدنيا وفي الآخرة سواء. والمؤمنون مستقيمو الفطرة متجهون إلى الله، عاملون على منهاجه القويم. والفاسقون منحرفون شاردون مفسدون في الأرض لا يستقيمون على الطريق الواصل المتفق مع نهج الله للحياة، وقانونه الأصيل. فلا عجب إذن أن يختلف طريق المؤمنين والفاسقين في الآخرة، وأن يلقى كل منهما الجزاء الذي يناسب رصيده وما قدمت يداه. {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} التي تؤويهم وتضمهم {نزلا} ينزلون فيه ويثوون، جزاء {بما كانوا يعملون}.. {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار}.. يصيرون إليها ويأوون. ويا سوءها من مأوى خير منه التشريد! {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} وهو مشهد فيه حركة المحاولة للفرار والدفع للنار. {وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون}. فهو التقريع زيادة على الدفع والتعذيب. ذلك مصير الفاسقين في الآخرة. وليسوا مع هذا متروكين إلى ذلك الموعد. فالله يتوعدهم بالعذاب في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر}.. لكن ظلال الرحمة تتراءى من وراء هذا العذاب الأدنى؛ فالله سبحانه وتعالى لا يحب أن يعذب عباده إذا لم يستحقوا العذاب بعملهم، وإذا لم يصروا على موجبات العذاب. فهو يوعدهم بأن يأخذهم بالعذاب في الأرض {لعلهم يرجعون}.. وتستيقظ فطرتهم، ويردهم ألم العذاب إلى الصواب. ولو فعلوا لما صاروا إلى مصير الفاسقين الذي رأيناه في مشهدهم الأليم. فأما إذا ذكروا بآيات ربهم فأعرضوا عنها وجاءهم العذاب الأدنى فلم يرجعوا ولم يعتبروا فإنهم إذن ظالمون {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها؟} وإنهم إذن يستحقون الانتقام في الدنيا والآخرة: {إنا من المجرمين منتقمون}.. ويا هوله من تهديد. والجبار المتكبر هو الذي يتوعد هؤلاء الضعاف المساكين بالانتقام الرعيب! وتنتهي تلك الجولة مع مصائر المجرمين والصالحين، وعواقب المؤمنين والفاسقين، ومشاهد هؤلاء وهؤلاء في اليوم الذي يشكون فيه ويستريبون. ثم يأخذ سياق السورة في جولة جديدة مع موسى وقومه ورسالته. جولة مختصرة لا تزيد على إشارة إلى كتاب موسى ـ عليه السلام ـ الذي جعله الله هدى لبني إسرائيل؛ كما جعل القرآن كتاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدى للمؤمنين. وإلى التقاء صاحب القرآن مع صاحب التوراة على الأصل الواحد والعقيدة الثابتة. وإلى اصطفاء الصابرين الموقنين من قوم موسى ليكونوا أئمة لقومهم إيحاء للمسلمين في ذلك الحين بالصبر واليقين. وبياناً للصفة التي تستحق بها الإمامة في الأرض والتمكين: {ولقد آتينا موسى الكتاب ـ فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل. وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون. إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. وتفسير هذه العبارة المعترضة: {فلا تكن في مرية من لقائه} على معنى تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحق الذي جاء به؛ وتقرير أنه الحق الواحد الثابت الذي جاء به موسى في كتابه؛ والذي يلتقي عليه الرسولان ويلتقي عليه الكتابان.. هذا التفسير أرجح عندي مما أورده بعض المفسرين من أنها إشارة إلى لقاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لموسى عليه السلام في ليلة الإسراء والمعراج. فإن اللقاء على الحق الثابت، والعقيدة الواحدة، هو الذي يستحق الذكر، والذي ينسلك في سياق التثبيت على ما يلقاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التكذيب والإعراض، ويلقاه المسلمون من الشدة واللأواء. وكذلك هو الذي يتسق مع ما جاء بعده في الآية: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.. للإيحاء للقلة المسلمة يومذاك في مكة أن تصبر كما صبر المختارون من بني إسرائيل، وتوقن كما أيقنوا، ليكون منهم أئمة للمسلمين كما كان أولئك أئمة لبني إسرائيل. ولتقرير طريق الإمامة والقيادة، وهو الصبر واليقين. أما اختلاف بني إسرائيل بعد ذلك فأمرهم فيه متروك إلى الله: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. وبعد هذه الإشارة يأخذ السياق المكذبين في جولة مع مصارع الغابرين: {أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؟ إن في ذلك لآيات. أفلا يسمعون}؟. ومصارع الغابرين من القرون تنطق بسنة الله في المكذبين، وسنة الله ماضية لا تتخلف ولا تحابي. وهذه البشرية تخضع لقوانين ثابتة في نشوئها ودثورها، وضعفها وقوتها. والقرآن الكريم ينبه إلى ثبات هذه القوانين، واطراد تلك السنن، ويتخذ من مصارع القرون، وآثار الماضين، الدارسة الخربة، أو الباقية بعد سكانها موحشة. يتخذ منها معارض للعبرة، وإيقاظ القلوب، وإثارة الحساسية، والخوف من بطش الله وأخذه للجبارين. كما يتخذ منها معارض لثبات السنن والنواميس. ويرفع بهذا مدارك البشر ومقاييسهم، فلا ينعزل شعب أو جيل في حدود الزمان والمكان؛ وينسى النظام الثابت في حياة البشر، المطرد على توالي القرون. وإن كان الكثيرون ينسون العبرة حتى يلاقوا نفس المصير! وإن للآثار الخاوية لحديثاً رهيباً عميقاً، للقلب الشاعر، والحس المبصر، وإن له لرجفة في الأوصال، ورعشة في الضمائر، وهزة في القلوب. ولقد كان العرب المخاطبون بهذه الآية ابتداء يمشون في مساكن عاد وثمود ويرون الآثار الباقية من قرى قوم لوط. والقرآن يستنكر أن تكون مصارع هذه القرون معروضة لهم؛ وأن تكون مساكن القوم أمامهم، يمرون عليها ويمشون فيها؛ ثم لا يستجيش هذا قلوبهم، ولا يهز مشاعرهم، ولا يستثير حساسيتهم بخشية الله، وتوقي مثل هذا المصير؛ ولا يهدي لهم ويبصرهم بالتصرف المنجي من استحقاق كلمة الله بالأخذ والتدمير: {إن في ذلك لآيات. أفلا يسمعون؟}.. يسمعون قصص الغابرين الذين يمشون في مساكنهم، أو يسمعون هذا التحذير، قبل أن يصدق بها النذير، ويأخذهم النكير! وبعد لمسة البلى والدثور، وما توقعه في الحس من رهبة وروعة، وما تثيره في القلب من رجفة ورعشة. يلمس قلوبهم بريشة الحياة النابضة في الموات؛ ويجول بهم جولة في الأرض الميتة تدب فيها الحياة، كما جال بهم من قبل في الأرض التي كانت حية فأدركها البلى والممات: {أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز، فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم؛ أفلا يبصرون؟}. فهذه الأرض الميتة البور، يرون أن يد الله تسوق إليها الماء المحيي؛ فإذا هي خضراء ممرعة بالزرع النابض بالحياة. الزرع الذي تأكل منه أنعامهم وتأكل منه أنفسهم. وإن مشهد الأرض الجدبة والحيا يصيبها فإذا هي خضراء.. إن هذا المشهد ليفتح نوافذ القلب المغلقة لاستجلاء هذه الحياة النامية واستقبالها؛ والشعور بحلاوة الحياة ونداوتها؛ والإحساس بواهب هذه الحياة الجميلة الناضرة؛ إحساس حب وقربى وانعطاف؛ مع الشعور بالقدرة المبدعة واليد الصناع، التي تشيع الحياة والجمال في صفحات الوجود. وهكذا يطوّف القرآن بالقلب البشري في مجالي الحياة والنماء، بعدما طوّف به في مجالي البلى والدثور، لاستجاشة مشاعره هنا وهناك، وإيقاظه من بلادة الألفة، وهمود العادة؛ ولرفع الحواجز بينه وبين مشاهد الوجود، وأسرار الحياة، وعبر الأحداث، وشواهد التاريخ. وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة بعد هذا المطاف الطويل. فيحكي استعجالهم بالعذاب الذي يوعدون؛ وشكهم في صدق الإنذار والتحذير. ويرد عليهم مخوفاً محذراً من تحقيق ما يستعجلون به، يوم لا ينفعهم إيمان، ولا يمهلون لإصلاح ما فات. ويختم السورة بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الإعراض عنهم، وتركهم لمصيرهم المحتوم: {ويقولون: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون}.. والفتح هو الفصل فيما بين الفريقين من خلاف؛ وتحقق الوعيد الذي كان يخدعهم أنه لا يجيئهم من قريب؛ وهم غافلون عن حكمة الله في تأخيره إلى أجله الذي قدره، والذي لا يقدمه استعجالهم ولا يؤخره. وما هم بقادرين على دفعه ولا الإفلات منه. {قل: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون}.. سواء كان هذا اليوم في الدنيا. إذ يأخذهم الله وهم كافرون، فلا يمهلهم بعده، ولا ينفعهم إيمانهم فيه. أو كان هذا اليوم في الآخرة إذ يطلبون المهلة فلا يمهلون: وهذا الرد يخلخل المفاصل، ويزعزع القلوب.. ثم يعقبه الإيقاع الأخير في السورة: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون}.. وفي طياته تهديد خفي بعاقبة الانتظار، بعد أن ينفض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يده من أمرهم، ويدعهم لمصيرهم المحتوم. وتختم السورة على هذا الإيقاع العميق، بعد تلك الجولات والإيحاءات والمشاهد والمؤثرات، وخطاب القلب البشري بشتى الإيقاعات التي تأخذه من كل جانب، وتأخذ عليه كل طريق..
ابن عاشور
تفسير : تقدم ما في نظائره.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ا. ل. م: حروف صِيْغَ منها القرآن، كما صِيْغَ منها كلامكم، فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله كان عجزكم دليلا على أنه من عند الله، ولم يقله بشر. 2- تنزيل القرآن من الله رب العالمين ومدبر أمورهم، لا شك فى كونه منزلاً منه. 3- بل يقولون: اختلقه محمد، ونسبه لله. ما كان لهم أن يقولوا هذا، بل هو الحق المنزل عليك من ربك لتخوف به قوماً لم يأتهم من رسول من قبلك، ترجو بذلك الإنذار هدايتهم وإذعانهم للحق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات الۤـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب الۤـمۤ، ويقرأ ألف لام ميم. لا ريب فيه: أي لا شك في أنه نزل من ربّ العالمين. أم يقولون افتراه: أي بل أيقولون أي المشركون اختلقه وكذبه. قوما ما أتاهم من نذير: أي من زمن بعيد وهم قريش والعرب. لعلهم يهتدون: أي بعد ضلالهم إلى الحق الذي هو دين الإِسلام. في ستة أيام: هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. ثم استوى على العرش: أي استوى على عرشه يدير أمر خليقته. من ولي ولا شفيع} : أي ليس لكم أيها المشركون من دون الله وليّ يتولاكم ولا شفيع يشفع لكم. أفلا تتذكرون: أي أفلا تتعظون بما تسمعون فتؤمنوا وتوحدوا. معنى الآيات قوله تعالى {الۤـمۤ} هذه الحروف المقطعة في فواتح عدة سور الأسلم أن لا تؤول ويكتفى فيها بقول الله أعلم بمراده بها. وقد اخترنا من أقاويل المفسرين أنها أفادت فائدتين: الأولى أنه لما كان المشركون من قريش في مكة يمنعون سماع القرآن مخافة أن يتأثر السامع به فيؤمن ويوحد فكانت هذه الحروف تستهويهم بنغمها الخاص فيستمعون فينجذبون ويؤمن من شاء الله إيمانه وهدايته والثانية بقرينة ذكر الكتاب بعدها غالباً: أن هذا القرآن الكريم قد تألف من مثل هذه الحروف الۤـمۤ، طسۤ، حـمۤ، قۤ، فألفوا أيها المكذبون سورة من مثله وإلاّ فاعلموا أنه تنزيل من الله رب العالمين فلما عجزوا قامت عليهم الحجة ولم يبق شك في أنه تنزيل الله وكتابه أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} أي القرآن الكريم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك في أنه نزل من رب العالمين على محمد صلى الله عليه وسلم. وليس بشعر ولا بسجع كهان، ولا أساطير الأولين وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل أيقولون افتراه محمد واختلقه وأتى به من تلقاء نفسه اللهم لا إنه لم يفتره {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي جاءك من ربك وحياً أوحاه إليك، {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} وهم مشركوا العرب لتنذرهم بأس الله وعذابه إن بقوا على شركهم وكفرهم، وقوله {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا فيهتدوا إلى الحق بعد ضلالهم فينجوا ويكملوا ويسعدوا وقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي من مخلوقات {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من مثل أيام الدنيا أولها الأحد وأخرها الجمعة ولذا كانت الجمعة من أفضل الأيام {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} عرشه سبحانه وتعالى استوى استواء يليق به يدبر أمر مخلوقاته. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسول وهو الإِله الحق الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه ما للعرب ولا للبشرية كلها من إله غيره، وليس لها من غيره من وليّ يتولاها بالنصر والإِنجاء إن أراد الله خذلانها وإهلاكها، وليس لها شفيع يشفع لها عنده إذا أراد الانتقام منها لشركها وشرها وفسادها وقوله: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} فتعلموا أيها العرب المشركون أنه لا إله لكم إلا الله فتعبدوه وتوحدوه فتنجوا من عذابه وتكملوا وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير النبوة المحمدية بتقرير أن القرآن تنزيل الله ووحيه أوحاه إلى رسوله. 2) إبطال ما كان المشركون يقولون في القرآن بأنه شعر وسجع كهان وأساطير الأولين. 3) بيان الحكمة من إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإِنذار. 4) بيان الزمان الذي خلق الله فيه السماوات والأرض وما بينهما. 5) إثبات صفة الاستواء على العرش لله تعالى. 6) تقرير أنه ما للبشرية من إله إلا الله وأنه ليس لها من دونه من وليّ ولا شفيع فما عليها إلا أن تؤمن بالله وتعبده فتكمل وتسعد على عبادته.
القطان
تفسير : افتراه: اختلقه. استوى على العرش: استولى عليه. يعرج اليه: يصعد اليه والعروج هو الصعود، ومنه المعراج. ماءٍ مهين: ماء ضعيف، لا يُرى الا بالمكبرات. الم: تقرأ هكذا الف، لام، ميم. وقد مر الكلام عليها ومثيلاتها. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ... } ان هذا القرآن الذي أنزل على محمد لا شكّ انه من عند الله. ويقولون: اختلقه محمد ونسبه الى الله. كلا، انه هو الحق والصدق من عند ربك أنزله اليك أيها الرسول لتنذرَ قومك، حيث لم يأتهم نذير من قبلك، ولعلّهم بهذا الانذار يهتدون الى الحق. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} الله هو الخالق لهذا الكون الواسع في ستة أيام، لكنها لا تشابه أيامنا ولا تقاس بها، لانه يجوز ان يكون اليوم بليون سنة او اكثر، فأيامنا محدودة، وايام الله غير محدودة. ثم انه استوى على العرش استواء يليق به. {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} ليس لكم ايها الناس ما يلي اموركم ويدبرها غيره، وليس لكم شفيع غيره. ثم أمَرنا بالتذكّر والتدبير فقال: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}؟ {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} ان الله يدبر شئونَ الخلق وأمرَ الأرضِ من سماء جلاله من يومِ وجودها الى ساعة تلاشيها، ثم يصعد اليه الأمرُ كله ليحكم فيه في يوم مقداره الفُ سنة مما تعدّون، ذلك هو يوم القيامة. والمراد بالالف هو الزمن المتطاول، وليس المقصود وحقيقةَ العدد، كما قدّمت. فيجوز ان يكون ذلك اليوم اطول بكثير مما ذكر. {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ... } ذلك الموصوف بالخلْق والاستواء والتدبير هو الله عالِم ما غاب عنا من الأمور، وما نشاهده، القويُّ القادر على ما يريد، الرحيم في إرادته وتدبيره للخلق، الذي أجاد كل شيء خَلَقَه، وأحكمه، وبدأ تكوين الانسان من الطين، ثم جعل ذريته تخرج من نطفة ضعيفة فيها مخلوقاتٌ لا تُرى بالعين المجردة، فيسوّيه بقدْرته وينفخ فيه من روحه. ثم تنمو الحيوانات بعد ذلك وتتحرك. ثم التفت بالخطاب الى الناس فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} انها نِعم عظيمة.. لقد اعطاكم السمع، وجهازُ السمع كما يقول الاطباء جهاز دقيق أهم من اي جهاز في الجسم.. ثم اعطاكم البصر لتبصروا..، والأفئدة لتميزوا وتفهموا وتعقِلوا، ولكنّكم مقابل هذا كله لا تشكرونه الا قليلا على هذا الفيض من الفضل الجزيل. اللهم اجعلنا من الشاكرين لفضلك وكرمك يا رب العالمين. تقدم في سورة المؤمنون آية 78 {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : وهنا: وجعل لكم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: احسن كل شيء خلْقه باسكان اللام، والباقون: بفتحها كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَلِفْ}. {لاَمْ}. {مِيمْ}. (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ}. أي، بل يقولون وقيل: الميم صلة، أي أيقولون استفهام توبيخ. وقيل: هو بمعنى الواو يعني ويقولون. وقيل: فيه إضمار مجازه: فهل يؤمنون به، أَمْ يقولون:{ٱفْتَرَاهُ} ثمّ قال: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} أي لم يأتهم {مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}. قال قتادة: كانوا أُمّةً أُمّيّة لم يأتهم نذير قبل محمّد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبّاس ومقاتل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمّد (عليهما السلام). {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي ينزل الوحي مع جبرائيل من السماء إلى الأرض {ثُمَّ يَعْرُجُ} يصعد {إِلَيْهِ} جبرائيل بالأمر في يوم واحد من أيّام الدُّنيا، وَقَدْرُ مسيرِهِ ألف سنة، خمسمائة نزوله من السماء إلى الأرض، وخمسمائة صعوده من الأرض إلى السماء. وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة يقول: لو ساره أحد من بني آدم لم يسره إلاّ في ألف سنة، والملائكة يقطعون هذه المسافة بيوم واحد، فعلى هذا التأويل نزلت الآية في وصف مقدار عروج الملائكة من الأرض إلى السماء، ونزولهم من السماء إلى الأرض، وأمّا قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] فإنّه أراد مدّة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها مقام جبرائيل(عليه السلام). يقول: يسير جبرائيل والملائكة الذين معه من أهل مقامهِ مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيّام الدنيا، وهذا كلّه معنى قول مجاهد وقتادة والضحّاك، وأمّا معنى قوله: {إِلَيْهِ} على هذا التأويل فإنّه يعني إلى مكان الملك الذي أمره الله أنْ يعرج إليه، كقول إبراهيم (عليه السلام) {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}تفسير : [الصافات: 99] وإنّما أراد أرض الشام. وقال: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ} أي إلى المدينة، ولم يكن الله تعالى بالمدينة ولا بالشام. أخبرني ابن فنجويه، عن هارون بن محمد بن هارون، عن حازم بن يحيى الحلواني، عن محمد بن المتوكل، عن عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبدالله عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني ملك برسالة من الله عزّ وجلّ، ثمّ رفع رجله فوضعها فوق السماء، والاُخرى في الأرض لم يرفعها".تفسير : وقال بعضهم معناه: يُدَّبِرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرض مدّة أيّام الدنيا، ثمّ يَعْرُجُ إليه الأمر والتدبير، ويرجع يعود إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} وهو يوم القيامة. وأمّا قوله: {أية : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4] فإنّه أراد على الكافر، جعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاّها في دار الدنيا. ويجوز أن يكون ليوم القيامة أوّل وليس له آخر وفيه أوقات شتّى بعضها ألف سنة وبعضها خمسين ألف سنة. ويجوز أن يكون هذا إخبار عن شدّتهِ وهوله ومشقّته لاِنّ العرب تصف أيّام المكروه بالطّول وأيّام السرور بالقصر، وإلى هذا التأويل ذهب جماعة من المفسِّرين. وروى عبد الرزاق عن ابن جريح قال: أخبرني ابن أبي مليكة قال: دخلت أنا وعبدالله بن فيروز مولى عثمان بن عفّان على ابن عبّاس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية، فقال له ابن عبّاس: مَنْ أنت؟ قال: أنا عبدالله بن فيروز مولى عثمان بن عفّان، فقال عبدالله بن عبّاس: أيّام سمّاها الله لا أدري ما هي، وأكره أنْ أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر حتّى دخلتُ على سعيد بن المسيّب فسئل عنها فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك ما حضرتُ مِن ابن عبّاس، فأخبرته، فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن عبّاس قد اتّقى أنْ يقول فيها وهو أعلم منّي. قوله: {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ * ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} قرأ نافع وأهل الكوفة (خَلَقه) بفتح اللاّم على الفعل، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ثمّ قالا: لسهولتها في المعنى وهي قراءة سعيد بن المسيب. وقرأ الآخرون بسكون اللام. قال الأخفش: هو على البدل ومجازه: الذي أحسَنَ خلقَ كلِّ شيء. قال ابن عبّاس: أتقنه وأحكمه، ثمّ قال: أما إنَّ أست القرد ليست بحسنة ولكنّه أحكم خلقها. وقال قتادة: حسنُه. مقاتل: علم كيف يخلق كلّ شيء، من قولك فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ} يعني آدم(عليه السلام) {مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} ذريته {مِن سُلاَلَةٍ} من نطفة، سمّيت بذلك لاِنّها تنسل من الإنسان، أي تخرج، ومنه قيل للولد: سلالة. وقال ابن عبّاس: وهي صفو الماء {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} ضعيف {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَقَالُوۤاْ} يعني منكري البعث، {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} أي أُهلكنا وبطلنا وصرنا تراباً، وأصله من قول العرب: ضلّ الماء في اللبن إذا ذهب، ويقال: أضللت الميّت أي دفنته. قال الشاعر: شعر : وأب مُضلوهُ بغيرِ جَلية وغُودر بالجولان جرم ونائل تفسير : وقرأ ابن محيصن بكسر اللام (ضللنا) وهي لغة. وقرأ الحسن والأعمش {ضَلَلْنَا} (بالصاد) غير معجمة أي أَنتنّا، وهي قراءة عليّ رضي الله عنه. أخبرنا ابن فنجويه عن ابن شنبه قال: أخبرني أبو حامد المستملي،عن محمد بن حاتم (الكرخي) أبو (عثمان) النحوي، عن المسيب بن شريك، عن عبيدة الضبي، عن رجل، عن علي أنّه قرأ أَءِذَا ضللنا أي أنتنّا. قال محمّد بن حاتم: يقال: صلَّ اللّحم وأصل إذا أنتن. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} قال الله: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}. قوله عزّ وجلّ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم} بقبض أرواحكم {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} قال مجاهد: حويت له الأرض فجُعلت له مثل طست يتناول منها حيث يشاء، وقال مقاتل والكلبي: بلغنا أنَّ اسم ملك الموت عزرائيل وله أربعة أجنحة: جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، وجناح له في أقصى العالم من حيث يجيء ريح الصبا، وجناح من الأفق الآخر. ورجل له بالمشرق، والأخرى بالمغرب، والخلق بين رجليه، ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وجُعلت له الدنيا مثل راحة اليد، صاحبها يأخذ منها ما أَحبّ في غير مشقة ولا عناء،أي مثل اللّبنة بين يديه فهو يقبض أنْفُس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين عن عبدالله بن يوسف بن أحمد بن مالك عن الخطّاب بن أحمد بن عيسى قال: أخبرني أبو نافع أحمد بن كثير، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم عن ابن عبّاس قال: إنّ خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. وأخبرنا الحسين بن محمد، عن عبدالله بن يوسف، عن عبد الرحيم بن محمد، عن سلمة ابن شبيب، عن الوليد بن سلمة الدمشقي، عن ثور بن يزيد عن خالد بن (معد)، عن معاذ بن جبل قال: إنّ لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفّح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلاّ وملك الموت يتفحّصهم في كلّ يوم مرّتين، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. وأخبرنا الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله بن أحمد ابن حنبل، عن أَبي، عن عبدالله بن نميرة عن الأعمش عن خيثمة وعن شهر بن حوشب قال: دخل ملك الموت على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر، فلمّا خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر إليَّ كأنّه يريدني، قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند، فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند، ثمّ أتى ملك الموت سليمان (عليه السلام) فقال: إنّك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي، قال: كنتُ أعجبُ منه إنّي أُمرت أنْ أقبضَ روحه بالهند وهو عندك. فإن قيل: ما الجامع بين قوله: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}تفسير : [الأنعام: 61] و {أية : تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ}تفسير : [النحل: 28] و {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} [السجدة: 11] وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا}تفسير : [الزمر: 42] و {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} [الأنعام: 60]. قيل: تَوفّي الملائكة: القبض والنزع. وتوفّي ملك الموت: الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه ثمّ يأمر أعوانه بقبضها، وتوفّي الله سبحانه: خلق الموت، والله أعلم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه من الحروف المقطَّعة المبنية على الوقف، على خلاف آيات القرآن التي بُنِيتْ كما قُلْنا على الوصل من أول القرآن إلى آخره، بل على وصل آخره بأوله؛ لذلك لا ينبغي أن تقرأ القرآن على الوصل، ما دام نَفَسُكَ يساعدك، ولا تقف إلا إذا انقطع النفَس، فتقف وتُسكِّن الحرف الذي وقفتَ عليه. وقد قال علماء القراءات: وليس في القرآن مِنْ وقف وجب؛ لأنه بُني على الوصل، فلا تقف إلا إذا ضاق نَفَسُك؛ لذلك جعلوا في القرآن مواضع للوقف، وتُرسم في المصحف (صِلى، قِلى، ج)، لكن الأصل الوصل. وقلنا: إن أوضح مثال على الوصل في القرآن أن كلمة الناس في آخر سورة الناس، وهي آخر القرآن لم تأْتِ ساكنة، إنما متحركة بالكسر (الناسِ)؛ لأن الله تعالى قدَّر حلَّكَ في الناس فجعلك ترحل إلى بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة، فلا تقطع الصلة بين آخر القرآن وأوله، وسمَّيْنا قارئ القرآن لذلك (الحالّ المرتحل). وهنا تأتي {الۤـمۤ} [السجدة: 1] بعد مفاتح الغيب الخمسة التي سبقتْ في آخر سورة لقمان، وكأنها مُلْحقة بها، فهي سِرٌّ استأثر الله تعالى بعلمه، ونحن في تفسيرنا لها نحوم حولها؛ لذَلك كل مَنْ فسَّر الحروف المقطَّعة في بدايات السور لا بُدَّ أن يقول بعدها: والله أعلم بمراده؛ لأن تفسيراتنا كلها اجتهادات تحوم حول المعنى المراد؛ لذلك نحن لا نقول هذه الكلمة في كل آيات القرآن، إنما في هذه الآيات والحروف بالذات. وكيف بنا حين يجمعنا الله تعالى إنْ شاء الله في مقعد صِدْق عند مليك مقتدر، كيف بنا حين نسمع هذا القرآن مباشرة من الله عز وجل؟ لا شكَّ أننا سنسمع كلاماً كثيراً غير الذي سمعناه، ومعاني كثيرة غير التي توصَّلنا إليها في اجتهاداتنا، وعندها سنعرف مرادات الله تعالى في هذه الحروف، وسنعرف كم قَصُرَتْ عقولنا عن فهمها، وكم كنا أغبياء في فَهْمنا لمرادات ربنا. وقوله تعالى {الۤـمۤ} [السجدة: 1] عادةً يأتي بعد هذه الحروف المقطعة أمر يخصُّ الكتاب العزيز. وهنا يقول سبحانه: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱفْتَرَاهُ} اختلق القرآن من تلقاء نفسه {يَعْرُجُ} يصعد ويرتفع إِليه {يُدَبِّرُ} التدبير: رعايةُ شئون الغير {سُلاَلَةٍ} خلاصة {مَّهِينٍ} ضعيف حقير {سَوَّاهُ} قوَّمه بتصوير أعضائه وتكميلها {ضَلَلْنَا} ضعنا وهلكنا وأصله من قول العرب: ضلَّ اللبن في الماء إِذا ذهب وضاع {نَاكِسُواْ} مطرقوا يقال: نكس رأسه إِذا أطرقه {ٱلْجِنَّةِ} الجن. التفسِير: {الۤـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي هذا الكتاب الموحى به إِليك يا محمد هو القرآن الذي لا شك أنه من عند الله عز وجل، تنزيلٌ من رب العالمين {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الضمير يعود لكفار قريش و {أَمْ} بمعنى بل والهمزة أي بل أيقول المشركون اختلق محمد القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ لا ليس الأمر كما يدَّعون {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي بل هو القول الحق، والكلام الصدق المنزل من ربك قال البيضاوي: أشار أولاً إِلى إِعجازه، ثم رتَّب عليه أنه تنزيلٌ من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إِلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكاراً له وتعجباً منه، ثم بين المقصود من إِنزاله بقوله {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} أي أنزله إليك لتنذر به قوماً ما جاءهم رسول قبلك يا محمد، قال المفسرون: هم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقد جاء الرسل قبل ذلك كإِبراهيم وهود وصالح، ولكنْ لما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله إِليهم محمداً صلى الله عليه وسلم لينذرهم عذاب الله، ويقيم عليهم الحجة بذلك {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي كي يهتدوا إِلى الحق ويؤمنوا بالله العزيز الحميد، ثم شرع تعالى في ذكر أدلة التوحيد فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي الله جلَّ وعلا هو الذي خلق السماوات في ارتفاعها وإِحكامها، والأرض في عجائبها وإِبداعها، وما بينهما من المخلوقات في مقدار ستة أيام قال الحسن: من أيام الدنيا ولو شاء لخلقها بلمح البصر ولكن أراد أن يعلّم عباده التأني في الأمور قال القرطبي: عرَّفهم تعالى كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه، ومعنى {خَلَقَ} أبدع وأوجد بعد العدم، وبعد أن لم تكن شيئاً {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} استواءً يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} أي ليس لكم أيها الناسُ من غير الله ناصرٌ يمنعكم من عذابه، ولا شفيع يشفع لكم عنده إِلا بإِذنه، بل هو الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}؟ أي أفلا تتدبرون هذا فتؤمنون؟ {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي يدبّر أمر الخلائق جميعاً في العالم العلوي والسفلي، لا يُهمل شأن أحد قال ابن عباس: أي ينزل القضاء والقدر من السماء إِلى الأرض، ويُنزل ما دبره وقضاه {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي ثم يصعد إِليه ذلك الأمر كله يوم القيامة ليفصل فيه {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي في يومٍ عظيم - هو يوم القيامة - طوله ألف سنة من أيام الدنيا لشدة أهواله {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ذلك المدبر لأمور الخلق هو العالم بكل شيء، يعلم ما هو غائب عن المخلوقين، وما هو مشاهد لهم قال القرطبي: وفي الآية معنى التهديد والوعيد، كأنه يقول: أخلصوا أعمالكم وأقوالكم فإِني مجازيكم عليها، ومعنى "الغيب والشهادة" ما غاب عن الخلق وما حضرهم {ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي الغالب على أمره، الرحيم بعباده في تدبيره لشئونهم {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} أي أتقن وأحكم كل شيءٍ أوجده وخلقه قال أبو حيان: وهذا أبلغ في الامتنان ومعناه أنه وضع كل شيء في موضعه، ولهذا قال ابن عباس: ليست القردة بحسنة، ولكنها متقنةٌ محكمة قال بعض العلماء: لو تصورتَ مثلاً أن للفيل مثل رأس الجمل، وأنَّ للأرنب مثل رأس الأسد، وأنَّ للإِنسان مثل رأسِ الحمار، لوجدت في ذلك نقصاً كبيراً، وعدم تناسب وانسجام، ولكنك إِذا علمت أن طول عنق الجمل، وشقَّ شفته ليسهل تناوله الكلأ عليه أثناء السير، وأن الفيل لولا خرطومه الطويل لما استطاع أن يبرك بجسمه الكبير لتناول طعامه وشرابه، لو علمتَ كل هذا لتيقنتَ أنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولقلت: تبارك الله أحسن الخالقين. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} أي خلق أبا البشر آدم من طين {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي جعل ذريته يتناسلون من خلاصة من ماءٍ ضعيف حقير هو المنيُّ {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} أي قوَّم أعضاءه، وعدَّل خلقته في رحم أُمه، ونفخ بعد ذلك فيه الروح، فإِذا هو في أكمل صورةٍ وأحسن تقويم قال أبو السعود: وأضاف الروح إِليه تعالى تشريفاً للإنسان، وإِيذاناً بأنه خلقٌ عجيب، وصنعٌ بديع، وأن له شأناً جليلةً مناسبةً إِلى حضرة الربوبية {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي وخلق لكم هذه الحواس: السمع لتسمعوا به الأصوات، والبصر لتبصروا به الأشخاص، والعقل لتدركوا به الحق والهدى {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي قليلاً شكركم لربكم و{مَّا} لتأكيد القلة {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} أي وقال كفار مكة المنكرون للبعث والنشور: أئذا هلكنا وصارت عظامنا ولحومنا تراباً مختلطاً بتراب الأرض حتى غابت فيه ولم تتميز عنه {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي سوف نخلق بعد ذلك خلقاً جديداً، ونعود إِلى الحياة مرةً ثانية؟ وهو استبعادٌ للبعث مع الاستهزاء ولهذا قال تعالى {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} أي بل هناك ما هو أبلغ وأشنع من الاستهزاء، وهو كفرهم وجحودهم بلقاء الله في دار الجزاء {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} أي قل لهم رداً على مزاعمهم الباطلة: يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بقبض أرواحكم هو وأعوانه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي ثم مرجعكم إِلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء قال ابن كثير: والظاهر أنَّ ملك الموت شخص معين، وقد سُمي في بعض الآثار بـ "عزرائيل" وهو المشهور، وله أعوان - كما ورد في الحديث - ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إِذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت وقال مجاهد: جُمِعت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، ثم أخبر تعالى بحال المجرمين يوم القيامة وما هم فيه من الذل والهوان فقال {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ولو ترى أيها المخاطب حال المجرمين يوم القيامة وهم مطرقو رءوسهم أمام ربهم من الخجل والحياء لرأيت العجب العجاب قال أبو السعود: وجواب {لَوْ} محذوفٌ تقديره لرأيت أمراً فظيعاً لا يُقادر قدره من هوله وفظاعته {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي يقولون ربنا أبصرنا حقيقة الأمر وسمعنا ما كنا ننكر من أمر الرسل، وكنا عُمياً وصُماً {فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً} أي فردنا إِلى دار الدنيا لنعمل صالحاً {إِنَّا مُوقِنُونَ} أي فنحن الآن مصدّقون تصديقاً جازماً، وموقنون أن وعدك حق، ولقاءك حق قال الطبري: أي أيقنا الآن بوحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب سواك، وأنك تحيي وتميت وتفعل ما تشاء، قال تعالى رداً عليهم {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي لو أردنا هداية جميع الخلق لفعلنا ولكنَّ ذلك ينافي حكمتنا، لأنا نريد منهم الإِيمان بطريق الاختيار، لا بطريق الإِكراه والإِجبار {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} أي ولكن ثبت ووجب قولي بعذاب المجرمين، وتقرر وعيدي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي لأملأنَّ جهنم بالعصاة من الجِنّ والإِنس جميعاً {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا - بسبب نسيانكم الدار الآخرة وانهماككم في الشهوات - هذا العذاب المخزي الأليم {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي نترككم اليوم في العذاب كما تركتم العمل بآياتنا {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي وذوقوا العذاب الدائم الخالد في جهنم بسبب كفركم وتكذيبكم، ثم لما ذكر حال الأشقياء وعاقبتهم الوخيمة، أتبعه بذكر حال السعداء وما أعدَّه لهم من النعيم المقيم في دار الجزاء، ليظل العبد بين الرهبة والرغبة فقال {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً} أي إِنما يصدّق بآياتنا المؤمنون المتقون الذين إِذا وعظوا بآياتنا سقطوا على وجوههم ساجدين لله تعظيماً لآياته {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي وسبحوا ربهم على نعمائه وهم لا يستكبرون عن طاعته وعبادته {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} أي تتنحى وتتباعد أطرافهم عن الفرش ومواضع النوم، والغرض أن نومهم بالليل قليل لانقطاعهم للعبادة كقوله {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 17-18] قال مجاهد: يعني بذلك قيام الليل {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي يدعون ربهم خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته وثوابه {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي ومما أعطيناهم من الرزق ينفقون في وجوه البر والحسنات {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} أي فلا يعلم أحد من الخلق مقدار ما يعطيهم الله من النعيم، مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ثواباً لما قدموه في الدنيا من صالح الأعمال.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} هذه السورة مكية وقال ابن عباس إلا ثلاث ايات نزلن بالمدينة * ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر فيما قبلها دلائل التوحيد من بدء الخلق وهو الأصل الأول ثم ذكر المعاد والحشر وهو الأصل الثاني وختم به السورة ذكر في بدء هذه السورة الأصل الثالث وهو تبيين الرسالة والكتاب هو القرآن والظاهر أن يكون تنزيل مبتدأ ولا ريب فيه اعتراضاً ومن رب العالمين الخبر قال الزمخشري: من رب العالمين متعلق بتنزيل وفي الكلام تقديم وتأخير ويجوز أن يتعلق بقوله لا ريب أي لا شك فيه من جهة الله تعالى فإِن وقع شك الكفرة فذلك لا يراعى والريب الشك وكذا هو في كل القرآن إلا قوله: ريب المنون "انتهى" وإذا كان تنزيل خبر مبتدأ وكانت الجملة اعتراضية بين ما افتقر إلى غيره وبينه لم يقل فيه ان فيه تقديماً وتأخيراً بل لو تأخر لم يكن اعتراضاً وأما كونه متعلقاً بلا ريب فليس بالجيد لأن نفي الريب عنه مطلقاً هو المقصود كان المعنى لا مدخل للريب فيه انه تنزيل الله تعالى لأن موجب نفي الريب عنه موجود وهو الإِعجاز وهو أبعد شيء من الريب. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} تقدم الكلام عليه ومن ربك في موضع الحال أي كائناً من عند ربك وبه يتعلق بلتنذر أو بمحذوف تقديره أنزله لتنذر والقوم هنا قريش والعرب وما نافية ومن نذير من زائدة ونذير فاعل أتاهم أخبر تعالى أنه لم يبعث إليهم رسولاً بخصوصيتهم قبل محمد صلى الله عليه وسلم لا هم ولا آباؤهم لكنهم كانوا متعبدين بملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وما زالوا على ذلك إلى أن غير ذلك بعض رؤسائهم وعبدوا الأصنام وعم ذلك فهم مندرجون تحت قولهم: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي شريعته ودينه والنذير ليس مخصوصاً بمن باشر بل يكون نذيراً لمن باشره ولغير من باشره والعرب ممن سبق لها نذير ولم يباشرهم نذير غير محمد صلى الله عليه وسلم. {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تقدم الكلام عليه. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} واحد الأمور أي ينفذ الله قضاءه بجميع ما يشاؤه. {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي يصعد خبر ذلك. {فِي يَوْمٍ} من أيام الدنيا. {مِقْدَارُهُ} ان سير فيه السير المعروف من البشر. {أَلْفَ سَنَةٍ} لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام والضمير في مقداره عائد على التدبير أي كان مقدار التدبير المقضي من يوم ألف سنة لو دبره البشر * وقرىء خلقه بسكون اللام وهو بدل اشتمال من قوله: كل التقدير أحسن خلق كل شىء وقرىء: بفتح اللام فعلاً ماضياً فالضمير المنصوب فيه ان عاد على كل كانت الجملة صفة له في موضع نصب وإن عاد على شىء كانت الجملة في موضع جر صفة له. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} هو آدم عليه السلام. {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} أي ذريته نسل من الشيء انفصل منه. {ثُمَّ سَوَّاهُ} أي قومه وأضاف الروح إلى ذاته دلالة على أنه خلق عجيب لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وهو إضافة ملك إلى مالك وخلق إلى خالق سبحانه وتعالى. {وَجَعَلَ لَكُمُ} التفات إذ هو خروج من مفرد غائب إلى جمع مخاطب وتعديد النعم وهي شاملة لآدم كما أن التسوية ونفخ الروح شامل له ولذريته. و{قَلِيلاً} نعت لمصدر محذوف وما زائدة والتقدير تشكرون شكراً قليلاً والظاهر أن الضمير في وقالوا للجمع وقيل القائل أبي بن خلف وأسند إلى الجمع لرضاهم به والناصب للظرف محذوف يدل عليه المعنى تقديره انبعث إذا ضللنا في الأرض وهو استفهام استبعاد واستهزاء وأصله من حفل الماء في اللبن إذ أذهب فيه. {أَءِنَّا} إستفهام إستبعاد واستهزاء أيضاً. {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ} إضراب عن معنى استفهامهم كأنه قال: ليسوا مستفهمين هم. {كَافِرُونَ} جاحدون بلقاء الله والصيرورة إلى جزائه ثم أمره تعالى أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة من قبض أرواحهم ثم عودهم إلى جزاء ربهم بالبعث وملك الموت عليه السلام اسمه عزرائيل ومعناه عبد الله. {وَلَوْ تَرَىٰ} الظاهر أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وقيل له ولأمته أي ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب قال الزمخشري: ويجوز أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان أن يراد به التمني كأنه قيل وليتك ترى والتمني له كما كان الترجي له في لعلهم يهتدون لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم فجعل الله تمنى أن يراهم على تلك الصفة القطيعة من الحياء والخزي والغم لشمت بهم وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها وهو لرأيت أمراً فظيعاً ويجوز أن يخاطب به كل أحد كما تقول فلان لئيم إن أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساءك فلا تريد به مخاطباً بعينه وكأنك قلت ان أكرم وإن أحسن إليه "انتهى" * والمتمنى في هذا الموضع بلو بعيد وتسمية لو امتناعية ليس بجيد بل العبارة الصحيحة في لو أنها لما كان سيقع لوقوع غيره وهي عبارة سيبويه وقوله: قد حذف جوابها وتقديره وليتك ترى مما يدل على أنها إذا كانت للتمني لا جواب لها والصحيح أنها إذا أشربت معنى التمني يكون لها جواب كحالها إذا لم تشربه قال الشاعر: شعر : فلو نبش المقابر عن كليب * فتخبر بالذئاب أي زير بيوم الشعثمين لقر عيناً * وكيف لقاء من تحت القبور * تفسير : وقال الزمخشري: وقد تجيء لو في معنى التمنى كقولك: لو تأتيني فتحدثني كما تقول ليتك تأتيني فقال ابن مالك إن أراد به الحذف أي وددت تأتيني فصحيح وإن أراد أنها موضوعة للتمني فغير صحيح لأنها لو كانت موضوعة له ما جاز أن يجمع بينها وبين فعل التمني لا يقال تمنيت ليتك تفعل ويجوز تمنيت لو تقدم ولذلك امتنع الجمع بين لعل وأترجى وبين إلا واستثنى. {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} أي مطرقوها من الذل والحزن والهم والغم والندم. {عِندَ رَبِّهِمْ} أي عند مجازاته وهو مكان شدة الخجل لأن المربوب إذا أساء ووقف بين يدي ربه كان في غاية الخجل. {رَبَّنَآ} على إضمار يقولون ربنا. {أَبْصَرْنَا} ما كنا نكذب وسمعنا ما كنا ننكر. {فَٱرْجِعْنَا} أي إلى الدنيا. {إِنَّا مُوقِنُونَ} أي بالبعث. {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي اخترعنا الإِيمان فيها كقوله: {أية : أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ} تفسير : [الرعد: 31].
الجيلاني
تفسير : {الۤـمۤ} [السجدة: 1] أيها الإنسان الأكمل الأعلم للوازم أنوار الوجود اللائح على صفحات وجود الأكوان بمقتضى الجود، الملاحظ المطالع لها بتوفيق الله الملك الودود. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} الجامع لما في الكتب السالفة، المبيِّن لأحكام دين الإسلام، المنزل عليك يا أكمل الرسل؛ لتأييدك وتوريح دينك {لاَ رَيْبَ فِيهِ} إنه نازل من الله الجامع لجميع الأسماء والصفات، كما أن مرتبتك جامعة لجميع مراتب أهل العلم، وأنت مبعوث إلى كافة الأمم؛ ولذا صا كتابك نازلاً { مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2] يشكُّون ويترددون في نزوله من عنده سبحانه أولئك الطاعنون الضالون. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} واختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله افتراءً ومراءً، تغريراً وتلبيساً، لا تحزن يا أكمل الرسل عليهم، ولا تلتفت إلى قولهم هذا {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ} الثابت المحقق، المثبت نزوله {مِن رَّبِّكَ} الذي رباك بأنواع الكرم، واصطفاك من بين البرايا لرسالته العامة، أنزله إليه مشتملاً على الإنذارات الشديدة، والتخويفات البليغة {لِتُنذِرَ} بوعيداته {قَوْماً} انقطع عنهم آثار النبوة والرسالة؛ لبعد العهد أو {مَّآ أَتَاهُم} بعد عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - {مِّن نَّذِيرٍ} أنذرهم عن الباطل وأرشدهم إلى طريق الحق {مِّن قَبْلِكَ} بل هم على فترة من ارسل فارسلك إليهم {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] بهدايتك وإرشادك إلى توحيد الحق، واتصافه بأوصاف الكمال. وكيف لا يوحدون ولا يؤمنون بتوحيده وأسمائه وصفاته {ٱللَّهُ} وأوجد بقدرته الكاملة {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَٱلأَرْضَ} أي: السفليات {وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: الممتزجات {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وساعات منبسطة في الأقطار والجهات الست {ثُمَّ} الواحد الأحد، الفرد الصمد {ٱلَّذِي خَلَقَ} بعدما تم التمهيد والبسط {ٱسْتَوَىٰ} واستولى، وتمكن سبحانه {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: انبسط على عروش عموم ما ظهر وبطن من الآفاق والأنفس بالاستقلال التام، والتصرف العام على صرافة وحدته الذاتية بلا شائبة شركة وطرق كثرة؛ لذلك {مَا لَكُمْ} أيها الأظلال المنعكسة من شمس ذاته {مِّن دُونِهِ} سبحانه {مِن وَلِيٍّ } يولي أموركم ويتصرف فيكم {وَلاَ شَفِيعٍ} ينصركم، ويعاون عليكم سواه سبحانه {أَ} تشكَّون وتترددون في توحيده وولايته سبحانه أيها المنهمكون في الغفلة والضلال {فَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4] وتتعظون بمواعظه وتذكيراته مع أنه كررها مراراً. وكيف لا هو الذي {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي: عالم الأمر المنبئ عن الإيجاد والإظهار بإنزال الملائكة الذين هم مظاهر أوصافه وأسمائه {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء الأسماء المتعالية عن الأقطار والجهات مطلقاً {إِلَى ٱلأَرْضِ} أي: الطبيعة القابلة لقبول آثارها، وإنما أنزلهم وأهبطهم إليها؛ ليعد حسب حكمته المظاهر والمصنوعات؛ لقبول آثارها، وإنما أنزلهم وأهبطهم إليها؛ ليعد حسب حكمته المظاهر والمصنوعات؛ لقبول فيضان سلطان توحيده {ثُمَّ} بعدما تم على الوجه الأبدع، والنظام الأتم الأبلغ {يَعْرُجُ} ويصعد {إِلَيْهِ} سبحانه ما يترتب على عالم الأمر من المعارف والحقائق، والأسرار الكامنة في سريان الوحدة الذاتية بعد انقراض النشأة الأولى {فِي يَوْمٍ} معد لعروجه وصعوده {كَانَ مِقْدَارُهُ} أي: مقدار ذلك اليوم في الطول والامتداد {أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] في هذه النشأة من الأيام والأعوام.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤـمۤ} [السجدة: 1] يشير بالألف إلى أنه ألف المحبون بقربتي فلا يصبرون عني، وألف العارفون بتمجيدي فلا يستأنسون بغيري، والإشارة في اللام إلى قصد أحبائي مدخر لقاءي فلا أبالي أقاموا على صفاتي أم قصروا في وفائي، والإشارة في الميم إلى ترك أوليائي مرادهم لمرادي فلذلك آثرتهم على جميع عبادي. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2] إذا تعذر لقاء الأحباب فأعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزل رب العالمين إلى أهل العالمين كتاباً في الظاهر ليقرأ على أهل الظاهر فينذر به أهل الغفلة ويبشر أهل الخدمة، وكتاباً في الباطن على أهل الباطن لتتنور بأنواره بواطنهم وتتزين بأسراره سرائرهم فينذر له أهل القربة لئلا يلتفتوا إلى غيره ولا يستأنسوا بغيره، فتسقطهم الغيرة عن القربة ويبشر به أهل المحبة بالوفاء بوعد الرؤية وباللقاء على بساط الوصلة وبالبقاء بعد الفناء في الوحدة فيتكلموا بالحق عن الحق للحق، فإذا سمع أهل الباطل كلامهم في الحقائق من ربهم وأنكر عليهم أهل الغفلة أنه من الله {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [السجدة: 3] يا قلب من تكلم بالحق {لِتُنذِرَ قَوْماً} [السجدة: 3] من النفس وصفاتها {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] إلى الله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } [السجدة: 4] سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضَ} أرض الأشباح {وَمَا بَيْنَهُمَا} [السجدة: 4] من النفس والقلب والسر {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [السجدة: 4] أي: خلقهم في ستة أجناس من الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: عرش الخفاء وهو لطيفة ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة. {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} [السجدة: 4] يبلغكم إلى عالم الربوبية {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4] كيف خلقكم في أطوار مختلفة هو الذي {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [السجدة: 5] أي بأمر كن خلق سماء الروح والقلب {إِلَى ٱلأَرْضِ} [السجدة: 5] أرض النفس بتدبير الأمر {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} النفس المخاطبة بخطاب {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] {فِي يَوْمٍ} طلعت فيه شمس صدق الطلب وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق تعالى {كَانَ مِقْدَارُهُ} [السجدة: 5] في العروج بالجذبة {أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن هذا الكتاب الكريم، أنه تنزيل من رب العالمين، الذي رباهم بنعمته. ومن أعظم ما رباهم به، هذا الكتاب، الذي فيه كل ما يصلح أحوالهم، ويتمم أخلاقهم، وأنه لا ريب فيه، ولا شك، ولا امتراء، ومع ذلك قال المكذبون للرسول الظالمون في ذلك: افتراه محمد، واختلقه من عند نفسه، وهذا من أكبر الجراءة على إنكار كلام اللّه، ورمي محمد صلى اللّه عليه وسلم، بأعظم الكذب، وقدرة الخلق على كلام مثل كلام الخالق. وكل واحد من هذه من الأمور العظائم، قال اللّه - رادًا على من قال: افتراه:- { بَلْ هُوَ الْحَقُّ } الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. { مِنْ رَبِّكَ } أنزله رحمة للعباد { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } أي: في حالة ضرورة وفاقة لإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، لعدم النذير، بل هم في جهلهم يعمهون، وفي ظلمة ضلالهم يترددون، فأنزلنا الكتاب عليك { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } من ضلالهم، فيعرفون الحق فيؤثرونه. وهذه الأشياء التي ذكرها اللّه كلها، مناقضة لتكذيبهم له: وإنها تقتضي منهم الإيمان والتصديق التام به، وهو كونه { مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وأنه { الْحَقُّ } والحق مقبول على كل حال، وأنه { لا رَيْبَ فِيهِ } بوجه من الوجوه، فليس فيه، ما يوجب الريبة، لا بخبر لا يطابق للواقع (1) ولا بخفاء واشتباه معانيه، وأنهم في ضرورة وحاجة إلى الرسالة، وأن فيه الهداية لكل خير وإحسان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):