Verse. 3505 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

تَنْزِيْلُ الْكِتٰبِ لَا رَيْبَ فِيْہِ مِنْ رَّبِّ الْعٰلَمِيْنَ۝۲ۭ
Tanzeelu alkitabi la rayba feehi min rabbi alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تنزيل الكتاب» القرآن مبتدأ «لا ريب» شك «فيه» خبر أول «من رب العالمين» خبر ثان.

2

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن مبتدأ {لاَ رَيْبَ } شك {فِيهِ } خبر أول {مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } خبر ثان.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا رَيْبَ} الرَّيْب الشك الذي يميل إلى السوء والخوف.

اسماعيل حقي

تفسير : {تنزيل الكتاب} فىهذا المقام وجوه من الاعراب الاوجه الانسب بما بعده انه مبتدأ ومعناه بالفارسية [فرو ستادن قرآن] {لا ريب فيه} حال من الكتاب اى حال كونه لا شك فيه عند اهل الاعتبار {من رب العالمين} خبر المبتدأ فان كونه من رب العالمين حكم مقصود الافادة وانما كان منه لكونه معجزا فلما انكر قريش كونه منزلا من رب العالمين قال

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره "لا ريب فيه" ويكون "من رب العالمين" حالاً من الضمير في "فيه" لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، وعلى تقدير كون" تنزيل الكتاب" خبر مبتدأ محذوف يجوز أن يكون "من رب العالمين" خبراً ثانياً، و "لا ريب فيه" حال من الكتاب المنزل أو اعتراض. والأوْلىٰ ان يرتفع "تنزيل" بالإبتداء، وخبره: {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، ويكون {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض لا محل له، كما وجهه صاحب الكشّاف. واعلم أن الضمير المجرور راجع إلى مضمون الجملة، أي لا ريب في كونه مُنْزَلاً من رب العالمين، ويدل عليه قوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} تفسير : [السجدة:3] لأن هذا القول منهم في المفهوم، يساوق لإنكارهم كون القرآن مُنزلاً من الله تعالى، للتقابل الحقيقي بين كون الكلام مفترى، وبين كونه مُنْزلاً من رب العالمين. ويحتمل أن يكون معنى " تنزيل الكتاب" من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فيحتاج في تعلق ضمير "فيه" إليه إلى ارتكاب حذف مضاف، كالتنزيل ونحوه. ويحتمل أن تكون الجمل الثلاث أخباراً متبادلة لمبتدأ محذوف، وفي الآية احتمالات أخرى بحسب الإعراب كما لا يخفى على أُولي الآداب. والمعنى - والله أعلم - أنه لا ريب لأهل الكشف واليقين العارفين بمقامات الواصلين إلى مقام اللوح النفساني والقلم العقلاني والعلم السبحاني، ان هذا الكتاب الذي هو العقل الفرقاني والوجود المحمدي (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي هو لوح المعارف الإلهية، وقلم العلوم اللَّدُنِيَة، فائض من رب العالمين بلا وسيلة من خلقه، أو ذريعة من غيره، بل الله قد أنشأه وأغناه من غيره، وربّاه من مرتبة إلى مرتبة، وعرج به من عالم إلى عالم، وأسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حتى بلغ الغاية القصوى وارتفع إلى مقام أو أدنى، وحيث كانت مرتبته مشتملة على جميع مراتب العوالم، لوروده على كل نشأة وعالم، فكان المربي له (صلّى الله عليه وآله وسلم) رب العالمين، فوقعت الإشارة إلى هذه الدقيقة في قوله: {رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تعظيماً لشأنه وتكريماً لامتنانه. فالكتاب إشارة إلى ذات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، المعبر عنه تارة بالقرآن لمقامه الجمعي الإجمالي العقلي، وتارة بالفرقان لمقامه الفرقي التفصيلي النفسي، وهما مقامان باطنيان فوق ساير المقامات النزولية والإنزالية السماوية والدنيوية، وإطلاق الكتاب على الجوهر العقلي القلمي القرآني، أو النفسي اللوحي الفرقاني شائع ذائع في كلام الله تعالى وكلام انبيائه وأوليائه (عليهم السلام)، كقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22] وقوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء:14] وكقول أمير المؤمنين (عليه السلام): شعر : وأنت الكتاب المبين الذي بآياته يظهر المضمر تفسير : وحقيقة القرآن عند المحققين من العرفاء، هو جوهر ذات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وقد سئلت بعض أزواجه عن خُلُقه، فقالت في الجواب: "كان خُلُقُه القرآن". ومن تأمل وتدبر في ألقاب كتاب الله في عدة مواضع من المصحف، يعلم إن هذه الأوصاف تكون لذات روحانية مجردة عن الأجسام بحسب مرتبة ذاته، فكما أن الإنسان حقيقة واحدة، وله مراتب كثيرة وأسامي مختلفة يسمى في كل عالم باسم خاص مناسب لمقامه الخاص في الصعود، فكذلك القرآن حقيقة واحدة وله مراتب كثيرة وأسامي مختلفة، يسمى في كل عالم باسم خاص مناسب لمقامه الخاص في النزول. أما أسامي القرآن: ففي عالم يسمى "بالمجيد": {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} تفسير : [البروج:21] وفي عالم آخر اسمه "عليّ": {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ} تفسير : [الزخرف:4] وفي نشأة أخرى اسمه "مبين": {أية : وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [النمل:1] وفي مقام آخر اسمه "نور": {أية : وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} تفسير : [التغابن:8] {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة:15] وفي منزل اسمه "عظيم": {أية : وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الحجر:87] وفي مرتبة "عزيز": {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} تفسير : [فصّلت:41]، وفي مظهر "كريم": {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}تفسير : [الواقعة:77] وفي طَوْر "حكيم": {أية : يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس:1 - 2] وهل شاع إطلاق اسم الحكيم إلاَّ على ذوي العقول؟ وكذا الكريم والعلي والعزيز؟ وأساميه غير محصورة، ولو كنتَ ذا سمع باطني في عالم العشق الحقيقي والحِكَم الإلهية، لكنت ممن تسمع أسماءَه وتنكشف لك بطونه، إن للقرآن ظهراً وبطناً وحَدّاً ومطلعاً كما ان للإنسان ظاهراً وباطناً، ولباطنه باطن آخر إلى سبعة أبطن، وهي المقامات الباطنية الجملية المشهورة عند العرفاء، هي الطبع والنفس والعقل والروح والسر والخفي والأخفى، وإلاَّ فتفاصيل المقامات وخصوصيات الأطوار الإنسانية غير محصورة في حد وعَدّ، فكذا قياس القرآن المساوق للإنسان الكامل في الكمال والنقصان، والصعود والنزول، وفي المثنوي المولوي المعنوي قدس سره: شعر : صورت قرآن جو شخص آدمى است كه نقوشش ظاهر وجانش خفى است نزد عاقل زان برى كه مضمر است آدمى صد بار خود بنهان تر است تفسير : ومما روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: حديث : إقرؤا القرآن والتمسوا غرائبه . تفسير : ومن تدبر في أسامي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصاف من كونه: نوراً وسراجاً ومحموداً ومحمداً وأحمد وقاسماً وحاشراً وماحياً وهادياً ومبشراً وبشيراً ومنذراً ونذيراً إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره - وجدها بحسب المعنى والمفهوم مشتركة بينه (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبين حقيقة القرآن، واتحاد اللوازم يدل على اتّحاد الملزوم، والأسماء المشتركة بينهما لفظاً، ومعنى كثيرة، كلفظ النور والهادي والسيد والرسول والنبي. ولو تدبرت فيما أفدناك سابقاً من قاعدة اتّحاد الموصوف بالصفة التي وصف بها، ومن قاعدة اتّحاد العاقل بالمعقول التي ذهب إليها أكثر الحكماء المشّائين الذين مقدمهم فرفوريويس، وهو أعظم تلامذة أرسطو، ومن قاعدة ذهب إليها محققو أهل الإسلام وعرفاؤهم من صيرورة الإنسان بحسب النشأة الآخرة عين حقيقة ما غلب على باطنه من الأخلاق والملكات، لانكشف عليك حقيقة ما ذكرناه من كون باطن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كتاباً إلهياً مرسلاً مُنزلاً من الله لنجاة المقيدين في سجن هذا العالم الأدنى، وباطن القرآن خلقه، وظاهره الملفوظ هو كظاهر شخصه المطهر المزكّى. ويستفاد من قوله تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [البقرة:129] أن صفته وخلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان تعليم الكتاب والحكمة، فكان ذاته المقدسة عين الكتاب والحكمة. وقد عبّر قوم من أهل الله عن لفظ القرآن ومعناه بالوجه الحسن، والشعر المستحسن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المكنى عنهما بقوله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى:1 - 2]. والقرآن حبل الله المتين النازل من سماء الرحمة لنجاة المقيدين في السجن، ولما كانت الدنيا مرآة الآخرة، والأرض حكاية الجحيم، فانظر كيف روعيت الموازنة بين العالمين فيما وقع من الأخبار في أحوال الآخرة من الجنة والنار، أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أذن له في الشفاعة يوم القيامة، فورد في الجحيم لإخراج من في قلبه ذرة من الإيمان، فأخرج منها ما شاء الله من عصاة أمته المؤمنين. ومما يؤيد كون الأرواح والقلوب بمنزلة الكتب والصحائف، ويصحح إطلاق الكتاب والصحيفة عليها، قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22]. وهل الكتاب إلاَّ ما كُتب فيه شيء، سواء كان كتابه عقلية أو حسية، وهل الكتاب إلاَّ تصوير الحقائق، سواء كان بآلة القصب والمداد في قرطاس أو جلد حيوان، أو بواسطة المَلَك الملهم الملقي للحقايق في صفحة الدماغ أو النفس بمداد الفيض الإلهي، ومن يحجبه الظاهر المحسوس عن الباطن المستور ولا يفهم من الميزان إلاَّ ما له كَفّتان، ولا خبر له من موازنة العالَمين وتطابق النشأتين، فلا يمكنه التصديق بوجود كتب الله المنزلة على انبيائه تصديقاً عرفانياً إيمانياً، بل تصديقاً لسانياً أو تقليدياً، وشيء منهما لا يسمن ولا يغني، ويحرم أيضاً عليه معرفة صحائف الناس يوم العرض الأكبر، وكذا الفرق بين كتاب الأبرار الأخيار، وبين كتاب الفجار الأشرار، المشار إليهما بقوله تعالى: {أية : إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} تفسير : [المطففين:7 - 8] وقوله: {أية : إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [المطففين:18 - 21]. وأما قوله: {رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، ففيه إشارة إلى أن كل انسان كامل حكيم عالم تام في نفسه، إذ فيه صور جميع ما في العالم على وجه ألطف، وقد ذكر الحكماء في معنى الحكمة انها صيرورة الإنسان عالماً معقولا مضاهياً للعالم المحسوس، وقال أبو يزيد البسطامي: "لو أن العرش وما حواه دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به"، فكل عالم رباني في الآخرة عالم تام لا يعوذه شيء من الأشياء، ولا يفتقر إلى شيء خارج عنه وعن ملكه وعالمه وسلطانه، ولا يبعد أن يكون هذا سر إيراده بصيغة الجمع الموضوعة لذوي العقول، فافهم وانتبه.

اطفيش

تفسير : {تَنزِيلُ الكِتَابِ} او خبر لمحذوف واذا جعل خبر لمحذوف فتنزيل مبتدأ خبره. {لا رَيْبَ فِيهِ} او خبره. {مِن رَّبِّ العَالَمِينَ} ولا ريب ففيه او اعتراض او حال من الكتاب او خبره لا ريب فيه ومن رب العالمين خبر ثان او حال من ضمير الاستقرار في فيه وان جعل الم تعديد للحروف فتنزيل مبتدأ خبره ما ذكر او خبر لمحذوف وتنزيل مصدر باق على معناه الا اذا جعل خبر لمحذوف او لقوله الم فبمعنى منزل ولا يجوز تعليق من رب العالمين بتنزيل ولا ريب فيه خبر تنزيل لان تنزيل مصدر والمصدر لا يخبر عنه قبل تمام معموله كما لا يخبر عن الموصول قبل صلته ويجوز تعليقه به اذا جعل تنزيل خبر لمحذوف او خبر لقوله الم وجملة لا ريب فيه معترضة او حال والريب الشك وهاء فيه عائدة للكتاب اي لا ريب في ثبوت الكتاب وكونه حقا او بمضمون الجملة اي لا ريب في ذلك اي في كونه منزلا من رب العالمين. واذا جعل {لا رَيْبَ فِيهِ} خبرا لتنزيل فالهاء لتنزيل ويدل لكونه تنزيل متبدأ خبره من رب العالمين أو خبره لا ريب فيه ومن رب خبر ثان قوله..

الالوسي

تفسير : {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} خبر بعد خبر على أنه مصدر باق على معناه لقصد المبالغة أو بتقدير مضاف أو هو مؤل باسم المفعول أي منزل وإضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بيانية بمعنى من، وقوله سبحانه: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبر ثالث، وقوله تعالى: {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خبر رابع، وجوز أن يكون {الۤـمۤ} مبتدأ وما بعده إخبار له أي المسمى بالم الكتاب المنزل لا ريب فيه كائن من رب العالمين، وتعقب بأن ما يجعل عنواناً للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد بالنسبة قبل فحقها الإخبار بها. وقال أبو البقاء: {الۤـمۤ} يجوز أن يكون مبتدأ و {تَنزِيلَ} بمعنى منزل خبره و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} حال من {ٱلْكِتَـٰبِ } والعامل فيها المضاف وهي حال مؤكدة و {مَن رَّبُّ } متعلق بتنزيل، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف هو حال من الضمير المجرور في {فِيهِ } والعامل فيها الظرف {لاَ رَيْبَ } لأنه هنا مبني وفيه ما سمعت، وهذا التعلق يجوز أيضاً على تقدير أن يكون {الۤـمۤ} خبر مبتدأ محذوف وما بعده إخباراً لذلك المحذوف، وإن جعل {الۤـمۤ} مسروداً على نمط التعديد فلا محل له من الإعراب، وفي إعراب ما بعد عدة أوجه، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون {تَنزِيلَ } مبتدأ و {لاَ رَيْبَ فِيهِ } الخبر و {مَن رَّبُّ } حال كما تقدم، ولا يجوز على هذا أن يتعلق بتنزيل لأن المصدر قد أخبر عنه، ويجوز أن يكون الخبر {مَن رَّبُّ } و {لاَ رَيْبَ } حالاً من {ٱلْكِتَـٰبِ } وأن يكون خبراً بعد خبر انتهى. ووجه منع التعلق بالمصدر بعدما أخبر عنه أنه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله لما بعد الخبر وعن التزام حديث التوسع في الظرف سعة هنا أو أن المتعلق من تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه، وجوز ابن عطية / تعلق {مَن رَّبُّ } بريب وفيه أنه بعيد عن المعنى المقصود، وجوز الحوفي كون {تَنزِيلَ } خبر مبتدأ محذوف أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب، وقال أبو حيان: الذي اختاره أن يكون {تَنزِيلَ } مبتدأ و{لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض لا محل له من الإعراب و {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الخبر وضمير {فِيهِ } راجع لمضمون الجملة أعني كونه منزلاً من رب العالمين لا للتنزيل ولا للكتاب كأنه قيل: لا ريب في ذلك أي في كونه منزلاً من رب العالمين وهذا ما اعتمد عليه الزمخشري وذكر أنه الوجه ويشهد لوجاهته قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}.

ابن عاشور

تفسير : افتتحت السورة بالتنويه بشأن القرآن لأنه جامع الهدى الذي تضمنته هذه السورة وغيرها ولأن جماع ضلال الضالّين هو التكذيب بهذا الكتاب، فالله جعل القرآن هدى للناس وخصّ العرب أن شَرفهم بجعلهم أولَ من يتلقّى هذا الكتاب، وبأنْ أنزله بلغتهم، فكان منهم أشد المكذبين بما جاء به، لا جرم أن تكذيب أولئك المكذبين أعرق في الضلالة وأوغل في أفَن الرأي. وافتتاح الكلام بالجملة الاسمية لدلالتها على الدَوام والثبات. وجيء بالمسند إليه معرفاً بالإضافة لإطالته ليحصل بتطويله ثم تعقيبه بالجملة المعترضة التشويقُ إلى معرفة الخبر وهو قوله {من رب العالمين} ولولا ذلك لقيل: قرآن منزل من رب العالمين أو نحو ذلك. وإنما عدل عن أسلوب قوله {أية : الۤمۤ ذٰلِكَ الكِتِاب لا رَيْب فِيه} تفسير : في سورة البقرة(1-2) لأن تلك السورة نازلة بين ظهراني المسلمين ومن يُرجى إسلامهم من أهل الكتاب وهم {أية : الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}تفسير : [البقرة: 4]؛ وأما هذه السورة فقد جابَه الله بها المشركين الذين لا يؤمنون بالإله الواحد ولا يوقنون بالآخرة فهم أصلب عُوداً، وأشد كفراً وصُدوداً. فقوله {تنزيل الكتاب} مبتدأ، وقوله {لا ريب فيه} جملة هي صفة للكتاب أو حال أو هي معترضة. وقوله {من رب العالمين} خبر عن المبتدأ و{من} ابتدائية. والمعنى: من عنده ووحيه، كما تقول: جاءني كتاب من فلان. ووقعت جملة {لا ريب فيه} بأسلوب المعلوم المقرّر فلم تجعل خبراً ثانياً عن المبتدأ لزيادة التشويق إلى الخبر ليقرر كونه من رب العالمين. ومعنى {لا ريب فيه} أنه ليس أهلاً لأن يرتاب أحد في تنزيله من ربِّ العالمين لما حفّ بتنزيله من الدلائل القاطعة بأنه ليس من كلام البشر بسبب إعجاز أقصر سورة منه فضلاً عن مجموعه، وما عضده من حال المرسَل به من شهرة الصدق والاستقامة، ومجيء مثله من مثله مع ما هو معلوم من وصف الأمية. فمعنى نفي أن يكون الريب مظروفاً في هذا الكتاب أنه لا يشتمل على ما يثير الريب، فالذين ارتابُوا بل كذبوا أن يكون من عند الله فهم لا يعْدُون أن يكونوا متعنّتين على علم، أو جُهّالاً يقولون قبل أن يتأملوا وينظروا؛ والأولون زعماؤهم والأخيرون دهماؤهم، وقد تقدم ذلك في أول سورة البقرة. واستحضار الجلالة بطريق الإضافة بوصف {رب العالمين}دون الاسم العلَم وغيره من طرق التعريف لما فيه من الإيماء إلى عموم الشريعة وكون كتابها منزّلاً للناس كلهم بخلاف ما سبق من الكتب الإلهية، كما قال تعالى: {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}تفسير : [المائدة: 48]. وفيه إيماء إلى أن من جملة دواعي تكذيبهم به أنه كيف خص الله برسالته بشراً منهم حسداً من عند أنفسهم لأن ربوبية الله للعالمين تنبىء عن أنه لا يُسأل عما يفعل وأنه أعلم حيث يجعل رسالاته.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {ٱلْعَالَمِينَ}. (2) - إِنَّ هذا القُرآنَ، الذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لاَ شَكَ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ العَالمينَ، وَمَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ سِحْرٍ وَلاَ هُوَ مُفْتَرىً عَلَى اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مادة (نزل) وردتْ في القرآن بلفظ: نزل، ونزَّل، وأنزل، أنزل تدل على التعدية، يعني: أن الله تعالى عدَّى القرآن من اللوح المحفوظ، إلى أنْ يباشر مهمته في السماء الدنيا، وهذا الإنزال من الله تعالى. أما نزَّل فالتنزيل مهمة الملائكة؛ لذلك يقول تعالى في الإنزال: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] أي: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم تتنزَّل به الملائكة مُنجَّماً حسب الأحداث، وفي ذلك يقول تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. ويقول سبحانه: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} تفسير : [الإسراء: 105] فقد كان محفوظاً عندنا في اللوح المحفوظ {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 79] ثم نزل به الروح الأمين جبريل. وما دام {أية : نَزَلَ بِهِ ..} تفسير : [الشعراء: 193] فهذا يعني أن القرآن نزل معه، فقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] تساوي تماماً {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} تفسير : [الإسراء: 105]. فالنزول يُنسَب مرة إلى القرآن، ومرَّة إلى الروح الأمين. ومادة نزل وما يُشتق منها من إنزال وتنزيل تفيد كلها أنه جاء من جهة العلو إلى جهة أسفل منه، كأنك تتلقّى من جهة أعلى منك وأرفع، وما دُمْتَ تتلقى من جهة أعلى منك، فإيَّاك أنْ يضل بك الفكر لناحية أخرى. لذلك يقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر التكليف: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فنحن نفهم أن تعالوا بمعنى تعالَ. أي: أقبل، لكنها تحمل مع هذا المعنى معنى العلو: أقبل دانياً إلى متعالٍ، تعالَ من أوضاعك الرضية إلى عُلُو ربك في الملأ الأعلى. تعالَ يعني: لا تأخذ من نفسك ولا من مُسَاوٍ لك، إنما ارتفع وخُذْ من الأعلى، ارتفع عن مستوى الأرض وعقولهم وأفكارهم، وخُذْ من الذي شرَّع لك؛ لأنه لا بُدَّ أن تكون عنده أمور ومواصفات آمن لك وأسلم؛ لأن علمه أوسع، فلا يُشَرِّع لك اليوم ما ينقضه غداً. ثم إنَّ شرعه لك يستوعب كل نواحي حياتك وأقضيتها، وهذه المواصفات لا تكون إلا في الحق - تبارك وتعالى - وهو سبحانه أرحم بك من الوالدة بولدها، فلا يُشرِّع لك إلا ما يُصلحك، ثم هو سبحانه ليس له غرض أو مصلحة ذاتية من وراء هذا التشريع، كما نرى في تشريعات البشر للبشر. وقد رأينا الرأسماليين حينما شرّعوا قانوناً جاء يخدمهم، وليكونوا هم أول المنتفعين به؛ لذلك سرعان ما تهاوى؛ لأن شرط المشرِّع الحق ألاَّ ينتفع هو بما يُشرِّع، وعليه فلا مشرِّع حقٍّ إلا الله. لذلك رأينا حتى غير المؤمنين بالله من الكافرين أو المشركين بعد أنْ تعضَّهم الأحداث، وتخفق قوانينهم في حَلِّ مشاكلهم يلجئون إلى حلول لها من قوانين الإسلام. ولما سُئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33] وفي موضع آخر {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]. قالوا لنا: هذا يعني أن الإسلام ظاهر على الأديان منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، فما بالنا نرى الآن أكثر أهل الأرض من غير المسلمين؟ فقلت في الرد عليهم: والله لو فهمتُم أسرار اللغة، وتأملتُم هذه الآية لوجدتم أن الرَّد فيها، فواحدة تقول: {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]، والأخرى تقول {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]. إذن: فالكفر والشرك موجودان مع وجود الإسلام، وليس معنى الظهور هنا أن يطمس هؤلاء، أو أنْ يُقْضَى عليهم قضاء مبرماً، إنما يظهر عليهم بحيث يُضطرون إليه، ويلجئون إلى أحكامه، رغم عدم إيمانهم به، وهذا أبلغ في الظهور، أنْ تأخذ بما في القرآن وأنت غير مؤمن به؛ لأنك لا تجد حلاً لقضاياك إلا فيه. وأوضح مثال على ذلك أنهم هاجموا شرع الله في مسألة الطلاق، وفي مسألة تعدُّد الزوجات، واتهموا الإسلام بالوحشية .. إلخ، ثم تضطرهم أقضية الحياة ومشاكلها أنْ يشرِّعوا الطلاق، وأنْ يأخذوا به على مرأى ومَسْمع من الفاتيكان، فماذا جرى؟ فنقول لهم: هل أسلمتم وآمنتم؟ لا، إنما لجأنا إليه؛ لأن فيه الحل لهذه المشاكل التي أحاطتْ بنا. فهذه إذن شهادة العدو لدين الله، وهذا هو أعظم الإظهار للإسلام على هذه الأديان؛ لأنهم لو أسلموا لقالوا عنهم: أخذوا بهذا الشرع لأنهم أسلموا، إنما ها هم يأخذون به وهم به كافرون مشركون. ومعنى {لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} [السجدة: 2] أي: لا شكَّ فيه، وقلنا: إن النسب في القضايا. أي نسبة شيء لشيء إما مجزوم بها أو غير مجزوم بها، فلو قُلْنا: الأرض كروية هذه قضية جزم بها الآن، ونستطيع التدليل على صحتها دليلاً حسياً، فهذه قضية واقعة ومجزوم بصحتها، وعليها دليل في الكون. فإنْ كانت القضية غَيْرَ مجزوم بها، فهي بين ثلاث حالات: إما فيها شكّ، أو ظنّ، أو وهم: الشك أنْ تتساوى الكِفَّتان: الإثبات والنفي، والظن أن تغلب جانب الإثبات فلا تجزم به إنما ترجِّحه، فإنْ غلَّبْتَ الأخرى وجعلتها هي الراجحة، فهذا توهم. وهنا قال سبحانه {لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} [السجدة: 2] لا شكَّ فيه، فنفى الشكَّ، وهو تساوي النفي والإثبات، وما دام قد نفى التساوي، فهذا يعني أنه أراد أنْ يثبت الأعلى. أي: أنه حقٌّ لا يرقى إليه الشك. وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} [السجدة: 2] جملة اعتراضية بين {ٱلْكِتَابِ ..} [السجدة: 2]، وبين {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2] وما دام أنه {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2] فلا بُدَّ أنه حقٌّ لا ريب فيه. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ ...}.