Verse. 3506 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

اَمْ يَقُوْلُوْنَ افْتَرٰىہُ۝۰ۚ بَلْ ہُوَالْحَـقُّ مِنْ رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّاۗ اَتٰىہُمْ مِّنْ نَّذِيْرٍ مِّنْ قَبْلِكَ لَعَلَّہُمْ يَہْتَدُوْنَ۝۳
Am yaqooloona iftarahu bal huwa alhaqqu min rabbika litunthira qawman ma atahum min natheerin min qablika laAAallahum yahtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَم» بل «يقولون افتراه» محمد صلى الله عليه وسلم لا «بل هو الحق من ربك، لتنذر» به «قوما ما» نافية «أَتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون» بإنذارك.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني أتعترفون به أم تقولون هو مفترى، ثم أجاب وبين أن الحق أنه حق من ربه ثم بين فائدة التنزيل وهو الإنذار، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كيف قال {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ } مع أن النذر سبقوه الجواب: من وجهين أحدهما: معقول والآخر منقول، أما المنقول فهو أن قريشاً كانت أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد، فإنهم كانوا من أولاد إبراهيم وجميع أنبياء بني إسرائيل من أولاد أعمامهم وكيف كان الله يترك قوماً من وقت آدم إلى زمان محمد بلا دين ولا شرع؟ وإن كنت تقول بأنهم ما جاءهم رسول بخصوصهم يعني ذلك القرن فلم يكن ذلك مختصاً بالعرب بل أهل الكتاب أيضاً لم يكن ذلك القرن قد أتاهم رسول وإنما أتى الرسل آباءهم، وكذلك العرب أتى الرسل آباءهم كيف والذي عليه الأكثرون أن آباء محمد عليه الصلاة والسلام كانوا كفاراً ولأن النبـي أوعدهم وأوعد آباءهم بالعذاب، وقال تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وأما المعقول وهو أن الله تعالى أجرى عادته على أن أهل عصر إذا ضلوا بالكلية ولم يبق فيهم من يهديهم يلطف بعباده ويرسل رسولاً، ثم إنه إذا أراد طهرهم بإزالة الشرك والكفر من قلوبهم وإن أراد طهر وجه الأرض باهلاكهم، ثم أهل العصر ضلوا بعد الرسل حتى لم يبق على وجه الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فلم يأتهم رسول قبل محمد عليه الصلاة والسلام فقال: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم } أي بعد الضلال الذي كان بعد الهداية لم يأتهم نذير. المسألة الثانية: لو قال قائل التخصيص بالذكر يدل على نفي ما عداه فقوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم } يوجب أن يكون إنذاره مختصاً بمن لم يأته نذير لكن أهل الكتاب قد أتاهم نذير فلا يكون الكتاب منزلاً إلى الرسول لينذر أهل الكتاب فلا يكون رسولاً إليهم نقول هذا فاسد من وجوه أحدها: أن التخصيص لا يوجب نفي ما عداه والثاني: أنه وإن قال به قائل لكنه وافق غيره في أن التخصيص إن كان له سبب غير نفي ما عداه لا يوجب نفي ما عداه، وههنا وجد ذلك لأن إنذارهم كان أولى، ألا ترى أنه تعالى قال: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] ولم يفهم منه أنه لا ينذر غيرهم أو لم يأمر بإنذار غيرهم وإنذار المشركين كان أولى، لأن إنذارهم كان بالتوحيد والحشر وأهل الكتاب لم ينذروا إلا بسبب إنكارهم الرسالة فكانوا أولى بالذكر فوقع التخصيص لأجل ذلك الثالث: هو أن على ما ذكرنا لا يرد ما ذكره أصلا، لأن أهل الكتاب كانوا قد ضلوا ولم يأتهم نذير من قبل محمد بعد ضلالهم فلزم أن يكون مرسلا إلى الكل على درجة سواء، وبهذا يتبين حسن ما اخترناه، وقوله: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يعني تنذرهم راجياً أنت اهتداءهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} هذه «أَمْ» المنقطعة التي تقدّر ببل وألف الاستفهام؛ أي بل أيقولون. وهي تدلّ على خروج من حديث إلى حديث؛ فإنه عز وجلّ أثبت أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي افتعله واختلقه. {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} كذّبهم في دعوى الافتراء. {لِتُنذِرَ قَوْماً} قال قتادة: يعني قريشاً، كانوا أمّة أميّة لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. و«لِتُنْذِرَ» متعلق بما قبلها فلا يوقف على «مِنْ رَبِّكَ». ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ التقدير: أنزله لتنذر قوماً، فيجوز الوقف على «مِنْ رَبِّكَ». و«ما» في قوله: {مَّآ أَتَاهُم} نفي. {مِّن نَّذِيرٍ} صلة. و«نَذِيرٍ» في محل الرفع، وهو المُعْلِم المُخَوِّف. وقيل: المراد بالقوم أهل الفَترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام؛ قاله ابن عباس ومقاتل. وقيل: كانت الحجة ثابتة لله جل وعز عليهم بإنذار من تقدّم من الرسل وإن لم يروْا رسولاً؛ وقد تقدّم هذا المعنى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بل {يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } محمد؟ لا {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ } به {قَوْماً مّآ } نافية {أَتَٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } بإنذارك.

القشيري

تفسير : الذي لكم منا حقيقة، وإنْ التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإنَّ صحبةَ الحبيب مع الحبيب أَلَذُّها ما كان مقروناً بفقد الرقيب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام} منقطعة اى بل أ {يقولون افتراه} اختلق محمد القرآن فهذا القول منهم منكر متعجب منه لغاية ظهور بطلانه. وفى التأويلات النجمية اذا تعذر لقاء الاحباب فاعز الاشياء على الاحباب كتاب الاحباب شعر : ذوقى رسد ازنامه تو روز فراقم كرنامه طاعت نرسد روز قيامت تفسير : انزل رب العالمين الى العالمين كتابا فى الظاهر ليقرأ على اهل الظاهر فينذر به اهل الغفلة ويبشر به اهل الخدمة وكتابا فى الباطن على اهل الباطن ليتنور بانواره بواطنهم ويتزين باسراره سرائرهم فينذر به اهل القربة لئلا يلتفتوا الى غيره ولا يستأنسوا بغيره فتسقطهم الغيرة عن القربة ويبشر به اهل المحبة بالوفاء بوعد الرؤية وباللقاء على بساط الوصلة وبالبقاء بعد الفناء فى الوحدة فيتكلموا بالحق عن الحق للحق فاذا سمع اهل الباطن كلامهم فى الحقائق من ربهم انكر عليهم اهل الغفلة انه من الله شعر : زد شيخ شهر طعنه براسرار اهل دل المرء لا يزال عدوا لما جهل تفسير : ثم اضرب عنه الى بيان حقيقة ما انكروه فقال {بل} [نه جنين است كافران ميكويند بلكه] {هو} اى القرآن {الحق} [سخن درست وراست است فرآمده] {من ربك} [از برورد كار تو] ثم بين غايته فقال {لتنذر} [تابيم كنى از عذاب الهى] {قوما} هم العرب {ما} نافية {اتاهم من نذير} مخوف {من قبلك} اى من قبل انذارك او من قبل زمانك اذ كان قريش اهل الفطرة واضل الناس واحوجهم الى الهداية لكونهم امة امية وفى الحديث "حديث : ليس بينى وبينه نبى" تفسير : اى ليس بينى وبين عيسى نبى من العرب اما اسماعيل عليه السلام فكان نبيا قبل عيسى مبعوثا الى قومه خاصة وانقطعت نبوته بموته واما خالد بن سنان فكان نبيا بعد عيسى ولكنه اضاعه قومه فلم يعش الى ان يبلغ دعوته وقد سبقت قصته على التفصيل فعلم من هذا ان اهل الفطرة الزمتهم الحجة العقلية لانهم كانوا عقلاء قادرين على الاستدلال لكنهم لم تلزمهم الحجة الرسالية {لعلهم يهتدون} بانذارك اياهم والترجى معتبر من جهته عليه السلام اى لتنذرهم راجيا لاهتدائهم الى التوحيد والاخلاص فعلم منه ان المقصود من البعثة تعريف طريق الحق وكل يهتدى بقدر استعداده الا ان لا يكون له استعداد اصلا كالمصرين فانهم لم يقبلوا التربية والتعريف وكذا من كان على جبلتهم الى يوم القيام شعر : توان باك كردن ززنك آينه وليكن نيايد زسنك آينه تفسير : واما قول المثنوى شعر : كرتوسنك صخره ومرمر شوى جون بصاحب دل رسى كوهر شوى تفسير : فلذلك فى حق المستعد فى الحقيقة ألا ترى ان ابا جهل رأى النبى عليه السلام ووصل اليه لكن لما رآه بعين الاحتقار وانه يتيم ابى طالب لابعين التعظيم وانه رسول الله ووصل اليه وصول عناد وانكار لا وصول قبول واقرار لم يصر جوهرا وهكذا حال ورثته مع المقرين والمنكرين ثم ان الاهتداء اما اهتداء الى الجنة ودرجاتها وذلك بالايمان والاخلاص واما اهتداء الى القربة والوصلة وذلك بالمحبة والترك والفناء والاول حال اهل العموم والثانى حال اهل الخصوص وهو اكمل من الاول فعليك بقبول الارشاد لتصل الى المراد واياك ومتابعة اهل الهوى فانهم ليسوا من اهل الهدى والميت لا يقدر على تلقين الحى وانما يقدر الحى تلقين الميت ـ روى ـ ان الشيخ نجم الدين الاصفهانى قدس سره خرج مع جنازة بعض الصالحين بمكة فلما دفنوه وجلس الملقن يلقنه ضحك الشيخ نجم الدين وكان عادته لا يضحك فسأله بعض اصحابه عن ضحكه فزجره فلما كان بعد ذلك قال ما ضحكت الا انه لما جلس على القبر يلقن سمعت صاحب القبر يقول ألا تعجبون من ميت يلقن حيا قال الصائب شعر : زبى دردان علاج دردخود جستن بدان ماند كه خاراز بابرون آرد كسى بانيش عقربها تفسير : وقال المولى الجامى شعر : بلاف ناخلفان ومانه غره مشو مرو جوسامرى ازره ببانك كوساله تفسير : وقال الحافظ شعر : درراه عشق وسوسه اهر من بسست هش دار وكوش دل ببيام سروش كن تفسير : نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المهتدين الى جنابه اللائقين بحسن خطابه ويصوننا من الضلالة والصحبة باربابها ويحفظنا من الغواية والاقتداء باصحابها انه الهادى والمرشد

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لفظة: "أم" ها هنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى كلمة "بل" الإضرابية والهمزة الإنكارية، كأنه تعالى لما أشار أولاً إلى حقيقة القرآن وعظمته الثابتة له في عالم اللوح والقلم وقضاء الله الأتم، ثم رتب عليه تنزيله من رب العالمين، وأكّد ذلك بنفي الريب عنه لأهل الله والعلماء الراسخين، فأضرب عنه إلى ما يقولون فيه ويلحدون في حقيقته إلى خلاف ذلك، إنكاراً لقولهم وتعجيباً من جحودهم، فإن الأمر أظهر من أن يخفى على عقلائهم، لظهور العجز في إتيان ثلاث آيات منه عن بلغائهم، ثم أضرب إلى إثبات ما هو بصدده من إثبات أنه الحق المنزل من الرب تعالى. ومثّل صاحب الكشاف هذا الأسلوب الصحيح المحكم، بأن يعلل العالم في مسالة بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز، كقول المتكلمين: النظر أول الأفعال الواجبة على الإطلاق، التي لا يعرى عن وجوبها مكلف، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك، ثم يعود إلى تقرير كلامه، وتمشيته. ثم بيّن فائدة التنزيل، وهي إنذار قوم لم يأتهم من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وذلك ان قريشاً لم يبعث الله إليهم رسولاً قبله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، كقوله: {أية : مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} تفسير : [يس:6] ترجياً من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) لهدايتهم مثل ترجّي موسى وهٰرون، الواقع في قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} تفسير : [طه:44]. ويحتمل ان يكون لفظ الترجّي مستعاراً للإرادة فيكون من الله تعالى. مكاشفة لمّا علمت ان نفي الريب في كون الكتاب مُنْزلاً من الله، إنما يكون من القلوب الصافية الصحيحة، البريئة عن مرض الغواية وآفة الغباوة، لأن مميط الريب ودافعه لازم للقرآن غير منفك عنه، وهو كونه بالغاً حداً من الكمال يعجز عنه بنو نوع البشر، وإنما هو أمر فائض من خالق القوى والقدر، وأما قول من يقول: "إنه افتراه" فهو إما قول متعنت يجحد بآيات الله مع علمه أنه من الله، أو جاهل بليد مختوم على قلبه في أصل الفطرة، أو غير مرتاض بالنظر والتأمل فيسمع الناس يقولون شيئاً فيتبعهم من غير رويّة فقال بما قالوه قبل التدبر. فاعلم ان الذين لم يأتهم نذير في إقامة الحجة عليهم وعدمها يوم القيامة أقسام: لأنهم إما مستعدون بحسب الفطرة لارتقاء طريق السعادة والخير أم لا، وعلى الأول: إما أن يكونوا مقصّرين فيما لا يدرك إلاّ بالشريعة لعدم استقلال العقل به، وأمَّا فيما سوى ذلك كمعرفة الله وتوحيده وعلمه وحكمته، فالأوّلان لا يقام عليهما حجة، بخلاف القسم الثالث لأن أدلة العقل وأسباب الهداية معه في كل وقت. هذا بحسب ما اقتضاه الدليل العقلي الموافق لما ذهب إليه أهل الحق من قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأما الدليل النقلي، فالمستفاد من الأحاديث المروية عن أئمة العصمة والهداية سلام الله عليهم أجمعين: منها ما رواه صاحب كتاب الكافي الشيخ الجليل ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرّفهم".

الجنابذي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ} اى الكتاب او تنزيل الكتاب {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} لكونهم فى زمان الفترة وخمود آثار الرّسالة وخمود اوصياء الرّسل (ع) فيه {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} الى الولاية الّتى هى طريق الآخرة.

اطفيش

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} وقوله: {بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ} لأن قولهم هذا مفترى انكار لأن يكون من رب العالمين وقوله {بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ} تقرير لكونه من رب العالمين وام منقطعة بمعنى بل وهمزة الانكار للتعجيب لظهور امر القرآن في عجز بلغاءهم عن ان يأتوا بثلاث آيات منه واضرب عن الانكار والتعجيب الى اثبات انه الحق اضرابا انتقاليا ونظير ذلك ان يعلل العالم ممثلة بعلة صحيحة جامعة قد احترز فيها انواع الاحتراز ثم يعترض عليه احد فيها او يقدر هو اعتراضا على نفسه فيجيب بتلخيص ثم يعود الى تقرير كلامه كقول متكلمي علماء الأباضية رحمهم الله الاعتقاد اول الواجبات على الاطلاق والاقرار اول الافعال الواجبة ثم يعترض عليهم من يزعم ان النظر أول الأفعال الواجبة او يقدر اعتراضه ثم يجيب. وقولهم افتراه اما تعنت مع علمهم انه من الله واما جهل منهم اذا لم يتأملوا اذ سمعوا غيرهم يقول ذلك وبين المقصود من تنزيله بقوله {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا آتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} اذ كانوا اهل فترة بينك وبين عيسى واهل الفترة معذورون في الفروع لا في التوحيد لان دلالة العقل الموصلة اليه معهم في كل زمان هذا مذهبنا وايضا ارسال الرسل حجة في التوحيد على الناس كافة وما ذكرته من انهم لم يأتهم نذير بعد عيسى وقبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليهما وان ذلك هو المراد بالآية قول ابن عباس ومقاتل. وقيل المراد ان العرب علمت بابراهيم وبنيه وبدعوتهم ولم يأتهم نذير مباشر لهم سوى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وزعم من زعم ان بين النبي محمد والنبي عيسى عليهم الصلاة والسلام نبيا. {لَعَلَهُمْ يَهْتَدُونَ} بانذارك ولعل للترجي بالنسبة الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم او للتعليل.

اطفيش

تفسير : {أم يقُولُون افتراهُ} إضراب ابطالى متعلق بقوله: "أية : لا ريب فيه" تفسير : [السجدة: 2] فانهم اثبتوا الريب فى الكتاب وقالوا: انه ليس من الله، ونفى الله عز وجل ان يكون اهلاً للريب، اى لا ريب فى كونه منزلا من رب العالمين {بل هو الحقُّ من ربِّك} عجز البلغاء عن الايتان بسورة منه {لتُنْذر قوماً}يتعلق بمحذوف، اى انزله لتنذر، او بما يتعلق به من رب، وهو استقرار الخبر او الحال، او بتنزيل على جواز الاخبار عن المصدر قبل تمام معموله للتوسع فى الظروف، على ان تنزيل مبتدأ باق على المصدرية، اى لتنذر عقابا على تعدية لاثنين كقوله: وهو الرحمن الرحيم فأنذرتكم نارا، او يقدر لتنذر بالعقاب والقوم قريش. {ما أتاهم مِن} صلة فى الفاعل {نذيرٍ من قبلك} والجملة نعت قوما، والنذير الرسول لا مطلق المنذر، كالعالم، ولو غير رسول، لان قريشا لا تخلو من منذر منهم او من غيرهم، واما الرسول فلا رسول منهم متصديا اليهم قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا متعبدين بشرائع من قبله، ولم يهتدوا، وقصروا فى البحث عما تعبدهم الله به، وعلى ان موسى وعيسى لم يرسلا الى الناس كلهم، يكونون متعبدين شريعة ابراهيم واسماعيل، وقد قيل: لم يزالوا عليها الى ان فشت عبادة الاصنام التى احدثها عمرو الخزاعى لعنه الله، ولم يبق فيهم الا اقل قليل، فدخلوا فى قوله تعالى: "أية : وإنْ من أمة إلاَّ خلا فيها نذير" تفسير : [فاطر: 24] اى منهم او من غيرهم، وانقطع الانذار كما تقرر عنهم، ان حكم نبوة كل نبى ينقطع الا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. قلت: تنقطع ايضا عند قرب الساعة، حتى لا يوجد من يقول لا اله الا الله، والذى يظهر انه لا تنقطع دعوة نبى، بل لا بد من بقاء منذر ولو قليلا فى اهل الفترات، وقد روى ان زيد بن عمرو بن نفيل من بنى عدى من قريش، والد سعيد، اجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل نبوته وآمن بنبوته قبل مجيئها، لعلم بها حصل له، او كان على دين ابراهيم، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات قبل النبوة بخمس سنين، وقريش تبنى الكعبة، قالت اسماء بنت ابى بكر: لقد رايت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره الى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والذى نفسى بيده ما اصبح منكم احد على دين ابراهيم غيرى، وكان يقول: اللهم انى لو أعلم احب الوجوه اليك عبدتك به، ولكنى لا اعلم، ثم يسجد على راحلته، وكان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى، ولم يأكل مما ذبحوا لغير الله. قال ابنه سعيد: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ان ابى كان كما رأيت وكما بلغت أفأستغفر له؟ قال: "حديث : نعم فإنه يبعث أمة وحده"تفسير : اى انفراد فى عصره بالايمان، وليس نبيا كما زعم بعض، ويشكل على انه يبعث امة وحده بقس بن ساعدة الايادى، ولعله باعتبار انفراده فى قومه، أو قال صلى الله عليه وسلم ذلك قبل أن يعلم بقس، فانه مؤمن بالله، داع الى دينه، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات قبل البعثة وعمره ثلاثمائة وثمانون سنة، وقيل ستمائة والله أعلم بالحقيقة. ولا اشكال اذا اريد بقريش من كان منهم حين بعث الله عليه وسلم، وقريس هم ولد النضر، وقيل: ولد قصى: وقيل: ولد فهر، وقيل: القوم فى الآية العرب قريش غيرهم، لم يخوا من نذير ولو اسرائيليا، ولم يتقدم منهم نبى، وخالد بن سنان العبسى ليس نبيا عند الاكثر، وما يروى من انه صلى الله عليه وسلم قال لابنته عجوزا "حديث : مرحباً بابنة نبي ضيعه قومه"تفسير : فيه مقال، وقيل: القوم فى الآية اهل الفترة العرب وغيرهم، حتى بنوا اسرائيل اى ما أتاهم نذير بعد ضلالهم رسول، ويجوز كون نذير بمعنى انذار، ويبعد ان تكون ما واقعة على العقاب مفعولا ثانيا لتنذر، اى لتنذر قوما عقابا اتاهم من نذير من قبلك، او لتنذر قوما العقاب الى اتاهم من نذير، ومن غير زائدة، بل للابتداء متعلقة بأتى. {لعلْهم يهْتدون} ليهتدوا بانذارك، او حال كونك راجيا لاهتدائهم.

الالوسي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } فإن قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين أي فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه وهو كونه من رب العالمين جل شأنه، وقيل: أي فلا بد من أن يكون مورده حكماً مقصوداً بالإفادة لا قيداً للحكم بنفي الريب عنه، وفيه بحث، وكذا قوله سبحانه: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } فإنه تقرير لما قبله فيكون مثله في الشهادة ثم قال في نظم الكلام على ذلك: إنه أسلوب صحيح محكم أثبت سبحانه أولاً أن تنزيله من رب العالمين وأن ذلك مما لا ريب فيه أي لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله تعالى وهو أبعد شيء منه لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك أصلاً عنه وهو كونه معجزاً للبشر، ثم أضرب جل وعلا عن ذلك إلى قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } لأن {أَمْ } هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة إنكاراً لقولهم وتعجيباً منه لظهور عجز بلغائهم عن مثل أقصر سورة منه فهو إما قول متعنت مكابر أو جاهل عميت منه النواظر، ثم أضرب سبحانه عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. وفي «الكشف» أن الزمخشري بين وجاهة كون {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } مبتدأ و {لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراضاً و {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خبراً بحسن موقع الاعتراض إذ ذاك ثم حسن الإنكار على الزاعم أنه مفترى مع وجود نافي الريب ومميطه ثم إثبات ما هو المقصود وعدم الالتفات إلى شغب هؤلاء المكابرة بعد التلخيص البليغ بقوله تعالى: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } وما في إيثار لفظ {ٱلْحَقّ } وتعريفه تعريف الجنس من الحسن؛ ويقرب عندي من هذا الوجه جعل {تَنزِيلَ } مبتدأ وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في موضع الحال من {ٱلْكِتَـٰبِ } و {مَن رَّبُّ } خبراً فتدبر ولا تغفل، وزعم أبو عبيدة أن {أَمْ } بمعنى بل الانتقالية وقال: إن هذا خروج من حديث إلى حديث وليس بشيء. والظاهر أن {مِن رَبّكَ } في موضع الحال أي كائناً من ربك، وقيل: يجوز جعله خبراً ثانياً وإضافة الرب إلى العالمين أولاً ثم إلى ضمير سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ثانياً بعدما فيه من حسن التخلص إلى إثبات النبوة وتعظيم شأنه علا شأنه فيه أنه عليه الصلاة والسلام العبد الجامع الذي جمع فيه ما فرق في العالم بالأسر، ووروده على أسلوب الترقي دل على أن جمعيته صلى الله عليه وسلم أتم مما لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله تعالى وسلامه عليه. {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } بيان للمقصود من تنزيله فقيل هو متعلق بتنزيل، وقيل: بمحذوف أي أنزله لتنذر الخ، وقيل: بما تعلق به {مِن رَبّكَ } {وقوما} مفعول أول لتنذر والمفعول الثاني محذوف أي العقاب و {مَا } نافية كما هو الظاهر و {مِنْ } الأولى صلة {وَنَذِيرٌ } فاعل {ءاتَـٰهُمُ } ويطلق على الرسول وهو المشهور وعلى ما يعمه والعالم الذي ينذر عنه عز وجل قيل: وهو المراد هنا كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }تفسير : [فاطر: 24]. وجوز أن يكون النذير هٰهنا مصدراً بمعنى الإنذار و {مِن قَبْلِكَ } أي من قبل إنذارك أو من قبل زمانك متعلق بأتى والجملة في موضع الصفة لقوما، والمراد بهم قريش على ما ذهب إليه غير واحد، قال في «الكشف»: الظاهر / أنه لم يبعث إليهم رسول منهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ملزمين بشرائع الرسل من قبل وإن كانوا مقصرين في البحث عنها لا سيما دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إن قلنا: إن دعوتي موسى وعيسى عليهما السلام لم تعما وهو الأظهر، وقد تقدم لك القول بانقطاع حكم نبوة كل نبـي ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم بعد موته فلا يكلف أحد مطلقاً يجىء بعده باتباعه والقول بالانقطاع إلا بالنسبة لمن كان من ذريته. والظاهر أن قريشاً كانوا ملزمين بملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإنهم لم يزالوا على ذلك إلى أن فشت في العرب عبادة الأصنام التي أحدثها فيهم عمرو الخزاعي لعنه الله تعالى فلم يبق منهم على الملة الحنيفية إلا قليل بل أقل من القليل فهم داخلون في عموم قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }تفسير : [فاطر: 24] فإنه عام للرسول وللعالم الذي ينذر كذا قيل. واستشكل مع ما هنا، وأجيب بأن المراد هنا ما أتاهم نذير منهم من قبلك وإليه يشير كلام «الكشف» وهناك {إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } منها أو من غيرها أو يحمل النذير فيه على الرسول، وفي تلك الآية على الأعم قال أبو حيان في تفسير سورة الملائكة: إن الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم وآباءهم الأقربين وإما أن النذارة انقطعت فلا. نعم لما شرعت آثارها تندرس بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وما ذكره أهل علم الكلام من حال أهل الفترات فإن ذلك على حسب الفرض لا أنه واقع فلا توجد أمة على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله عز وجل وعبادته انتهى. وفي القلب منه شيء، ومقتضاه أن المنفي هٰهنا إتيان نذير مباشر أي نبـي من الأنبياء عليهم السلام قريشاً الذين كانوا في عصره عليه الصلاة والسلام قبله صلى الله عليه وسلم وأنه كان فيهم من ينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده بالنقل أي عن نبـي كان يدعو إلى ذلك، والأول: مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان بل لا ينبغي أن يتوقف فيه إنسان، والثاني: مظنون التحقق في زيد بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد أحد العشرة فإنه عاصر النبـي صلى الله عليه وسلم واجتمع وآمن به قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ولم يدركها إذ قد مات وقريش تبني الكعبة وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنين، وكان على ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فقد صح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبـي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفسي بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، وفي بعض طرق الخبر عنه أيضاً بزيادة، وكان يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحلته، وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» سمعت من أرضى يحدث أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى وصح أنه لم يأكل من ذبائح المشركين التي أهل بها لغير الله، وأخرج الطيالسي في «مسنده» عن ابنه سعيد أنه قال:«حديث : قلت للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن أبـي كان كما رأيت وكما بلغك أفاستغفر له: قال، نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده »تفسير : ولا يبعد ممن كان هذا شأنه الإنذار والدعوة إلى عبادة الله تعالى بل من أنصف يرى تضمن كلامه الذي حكته أسماء وإنكاره على قريش الذبح لغير الله تعالى الذي ذكره الطيالسي الدعوة إلى دين إبراهيم عليه السلام وعبادة الله سبحانه وحده، وكذا تضمن كلامه النقل أيضاً. ويعلم مما نقلناه أن الرجل رضي الله تعالى عنه لم يكن نبياً وهو ظاهر، وزعم بعضهم أنه كان نبياً، واستدل على ذلك بأنه كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: هلموا إلي فإنه لم يبق على دين الخليل غيري؛ وصحة ذلك ممنوعة، وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على المقصود كما لا يخفى على من له أدنى ذوق، ومثل زيد رضي الله تعالى عنه قس بن ساعدة الايادي فإنه رضي الله تعالى عنه كان مؤمناً بالله عز وجل داعياً إلى عبادته سبحانه وحده / وعاصر النبـي صلى الله عليه وسلم ومات قبل البعثة على الملة الحنيفية وكان من المعمرين، ذكر السجستاني أنه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وقال المرزباني: ذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة وذكروا في شأنه أخباراً كثيرة لكن قال الحافظ ابن حجر في كتابه «الإصابة» قد أفرد بعض الرواة طريق [حديث] قس وفيه شعره وخطبته وهو في «الطوالات» للطبراني وغيرها وطرقه كلها ضعيفة وعد منها ما عد فليراجع، ثم إن الإشكال إنما يتوهم لو أريد بقريش جميع أولاد قصي أو فهر أو النضر أو إلياس أو مضر أما إذا أريد من كان منهم حين بعث صلى الله عليه وسلم فلا كما لا يخفى على المتأمل فتأمل، وقيل: المراد بهم العرب قريش وغيرهم ولم يأت المعاصرين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير من الأنبياء عليهم السلام غيره صلى الله عليه وسلم وكان فيهم من ينذر ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده وليس بنبـي على ما سمعت آنفاً، وأما العرب غير المعاصرين فلم يأتهم من عهد إسماعيل عليه السلام نبـي منهم بل لم يرسل إليهم نبـي مطلقاً، وموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس بنبـي، وخبر ورود بنت له عجوز على النبـي صلى الله عليه وسلم وقوله صلى الله عليه وسلم لها: مرحباً بابنة نبـي ضيعه قومه ونحوه من الأخبار مما للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال، وفي «شروح الشفاء» و«الإصابة» للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك، وقيل: المراد بهم أهل الفترة من العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب، والمعنى ما أتاهم نذير من قبلك بعد الضلال الذي حدث فيهم. هذا وكأني بك تحمل النذير هنا على الرسول الذي ينذر عن الله عز وجل وكذا في قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }تفسير : [فاطر: 24] ليوافق قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [النحل: 36] وأظن أنك تجعل التنوين في (أمة) للتعظيم أي وإن من أمة جليلة معتنى بأمرها إلا خلا فيها نذير ولقد بعثنا في كل أمة جليلة معتنى بأمرها رسولاً أو تعتبر العرب أمة وبني إسرائيل أمة ونحو ذلك أمة دون أهل عصر واحد وتحمل من لم يأتهم نذير على جماعة من أمة لم يأتهم بخصوصهم نذير، ومما يستأنس به في ذلك أنه حين ينفي إتيان النذير ينفي عن قوم ونحوه لا عن أمة فليتأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام. وجوز كون {مَا } موصولة وقعت مفعولاً ثانياً لتنذر و {مّن نَّذِيرٍ } عليه متعلق بأتاهم أي لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك أي على لسان نذير من قبلك واختاره أبو حيان، وعليه لا مجال لتوهم الأشكال لكن لا يخفي أنه خلاف المتبادر الذي عليه أكثر المفسرين، والاقتصار على الإنذار في بيان الحكمة لأنه الذي يقتضيه قولهم: {ٱفْتَرَاهُ } دون التبشير. {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } أي لأجل أن يهتدوا بإنذارك إياهم أو راجياً لاهتدائهم، وجعل الترجي مستعاراً للإرادة منسوباً إليه عز وجل نزغة اعتزالية.

ابن عاشور

تفسير : جاءت {أَمْ} للإضراب عن الكلام السابق إضرابَ انتقال، وهي {أَمْ} المنقطعة التي بمعنى بل التي للإضراب. وحيثما وقعت {أمْ} فهي مؤذنة باستفهام بالهمزة بعدها الملتزم حذفها بعد {أمْ.} والاستفهام المقدر بعدها هنا تعجيبي لأنهم قالوا هذا القول الشنيع وعُلِّمه الناس عنهم فلا جرم كانوا أحقَّاء بالتعجيب من حالهم ومقالهم لأنهم أبدوا به أمراً غريباً يُقضى منه العجب لدى العقلاء ذوي الأحلام الراجحة والنفوس المنصفة، إذ دلائل انتفاء الريب عن كونه من رب العالمين واضحة بَله الجزم بأنه مفترى على الله تعالى. وصيغ الخبر عن قولهم العجيب بصيغة المضارع لاستحضار حالة ذلك القول تحقيقاً للتعجيب منه حتى لا تغفل عن حال قولهم أذهانُ السامعين كلفظ (تقول) في بيت هُذْلول العنبري من شعراء الحماسة:شعر : تقول وصكّت صدرَها بيمينها أبعلي هذا بالرَّحَى المتقاعسُ تفسير : وفي المضارع مع ذلك إيذان بتجدد مقالتهم هذه وأنهم لا يقلعون عنها على الرغم مما جاءهم من البينات ورغم افتضاحهم بالعجز عن معارضته. والضمير المرفوع في {افتراه} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم من مقام حكاية مقالهم المشتهر بين الناس، والضمير المنصوب عائد إلى {أية : الكتاب}تفسير : [السجدة: 2]. وأضرب على قولهم {افتراه}إضراب إبطال بــــ {بل هو الحق من ربك} لإثبات أن القرآن حق، ومعنى الحق: الصدق، أي: فيما اشتمل عليه الذي منه أنه منزَّل من الله تعالى. وتعريف {الحق} تعريف الجنس المفيد تحقيق الجنسية فيه. أي: هو حق ذلك الحق المعروفة ماهيته من بين الأجناس والمفارق لجنس الباطل. وفي تعريف المسند بلام الجنس ذريعة إلى اعتبار كمال هذا الجنس في المسند إليه وهو معنى القصر الادعائي للمبالغة نحو: أنت الحبيب وعمرو الفارس. و{من ربك} في موضع حال من {الحق}، والحق الوارد من قِبل الله لا جرم أنه أكمل جنس الحق. وكاف الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم واستحضرت الذات العلية هنا بعنوان {ربك} لأن الكلام جاء رداً على قولهم {افتراه}، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم فكان مقام الرد مقتضياً تأييد من ألصقوا به ما هو بريء منه بإثبات أن الكتاب حق من ربِّ من ألصقوا به الافتراء تنويهاً بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام وتخلصاً إلى تصديقه لأنه إذا كان الكتاب الذي جاء به حقاً من عند الله فهو رسول الله حقاً. وقد جاءت هذه الآية على أسلوب بديع الإحكام إذ ثبت أن الكتاب تنزيل من رب جميع الكائنات، وأنه يحق أن لا يرتاب فيه مرتاب، ثم انتقل إلى الإنكار والتعجيب من الذين جزموا بأن الجائي به مفتر على الله، ثم رد عليهم بإثبات أنه الحق الكامل من ربِّ الذي نَسبوا إليه افتراءه فلو كان افتراه لقدر الله على إظهار أمره كما قال تعالى: {أية : ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لَقَطعْنَا منه الوَتِين فما منكم من أحد عنه حاجزين} تفسير : [الحاقة: 44 ــــ 47]. ثم جاء بما هو أنكى للمكذبين وأبلغ في تسفيه أحلامهم وأوغل في النداء على إهمالهم النظر في دقائق المعاني، فبين ما فيه تذكرة لهم ببعض المصالح التي جاء لأجلها هذا الكتاب بقوله: {لتُنْذِر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} فقد جمعوا من الجهالة ما هو ضِغْث على إبَّالَة، فإن هذا الكتاب، على أن حقيته مقتضية المنافسة في الانتفاع به ولو لم يُلفَتُوا إلى تقلده وعلى أنهم دعوا إلى الأخذ به وذلك مما يوجب التأمل في حقّيته؛ على ذلك كلِّه فهم كانوا أحوج إلى اتباعه من اليهود والنصارى والمجوس لأن هؤلاء لم تسبق لهم رسالة مرسل فكانوا أبعد عن طرق الهدى بما تعاقب عليهم من القرون دون دعوة رسول فكان ذلك كافياً في حرصهم على التمسك به وشعورهم بمزيد الحاجة إليه رجاء منهم أن يهتدوا، قال تعالى: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين مِن قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنّا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذّب بآيات الله وصدَف عنها} تفسير : [الأنعام: 155 ــــ 157]، فمثَل هؤلاء المكذبين كمَثل قول المعري:شعر : هل تَزجرنَّكُمُ رِسالةُ مرسَل أم ليس ينفع في أُولاَك ألُوكُ تفسير : والقوم: الجماعة العظيمة الذين يجمعهم أمر هو كالقِوام لهم من نسب أو موطن أو غرض تجمعوا بسببه. وأكثر إطلاقه على الجماعة الذين يرجعون في النسب إلى جَدّ اختصوا بالانتساب إليه. وتميزوا بذلك عمن يشاركهم في جدّ هو أعلى منه، فقُريش مثلاً قومٌ اختصوا بالانتساب إلى فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة فتميزوا عمن عداهم من عقب كنانة فيقال: فلان قرشي وفلان كناني ولا يقال لمن هو من أبناء قريش كناني. ووصف القوم بأنهم {ما أتاهم من نذير} قبلَ النبي صلى الله عليه وسلم والنبي حينئذ يدعو أهل مكة ومن حولها إلى الإسلام وربما كانت الدعوة شملت أهل يثرب وكلّهم من العرب فظهر أن المراد بالقوم العرب الذين لم يأتهم رسول قَبْل محمد عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد قريشاً خاصة، أو عرب الحجاز أهلَ مكة والمدينة وقبائل الحجاز، وعرب الحجاز جذمان: عدنانيون وقحْطانيون؛ فأما العدنانيون فهم أبناء عدنان وهم من ذرية إسماعيل وإنما تقومت قوميتهم في أبناء عدنان: وهم مُضَرٌ وربيعةٌ وأنمار، وإيادٌ. وهؤلاء لم يأتهم رسول منذ تقومت قوميتهم. وأما جدهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فإنه وإن كان رسولاً نبيئاً كما وصفه الله تعالى في سورة مريم، فإنما كانت رسالته خاصة بأهله وأصهاره من جُرهُم ولم يكن مرسلاً إلى الذين وجُدوا بعده لأن رسالته لم تكن دائمة ولا منتشرة، قال تعالى: {أية : وكان يأمر أهلَه بالصلاة والزكاة}تفسير : [مريم: 55]. وأما القحطانيون القاطنون بالحجاز مثل الأوس والخزرج وطيْء فإنهم قد تغيرت فرقهم ومواطنهم بعد سَيْل العَرم وانقسموا أقواماً جُدداً ولم يأتهم نذير منذ ذلك الزمن وإن كان المنذِرون قد جاءوا أسلافَهم مثلُ هود وصالح وتُبع، فذلك كان قبل تقوُّم قوميتهم الجديدة. وإما أن يكون المراد العرَب كلَّهم بما يشمل أهل اليمن واليمامة والبحرين وغيرهم ممن شملتهم جزيرة العرب وكلّهم لا يعْدون أن يرجعوا إلى ذيْنك الجِذمين، وقد كان انقسامهم أقواماً ومواطن بعد سَيل العَرم ولم يأتهم نذير بعد ذلك الانقسام كما تقدم في حال القحطانيين من أهل الحجاز. وأما ما ورد من ذكر حنظلة بن صَفوان صاحب أهل الرَّسّ، وخالد بن سِنان صاحب بني عَبْس فلم يثبت أنهما رسولان واختُلف في نبوّتهما. وقد رويحديث : أن ابنة خالد بن سنان وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي عجوز وأنه قال لها: «مرحباً بابنة نبيء ضَيَّعه قومُه». تفسير : وليس لذلك سند صحيح. وأيَّاً مَّا كان فالعرب كلهم أو الذين شملتهم دعوة الإسلام يومئذ يحق عليهم وصف {ما أتاهم من نذير} من وقت تحقق قوميتهم. والمقصود به: تذكيرهم بأنهم أحوج الأقوام إلى نذير، إذ لم يكونوا على بقية من هُدى وأثارةُ هِمَمهم لاغتباط أهل الكتاب ليتقبلوا الكتاب الذي أنزل إليهم ويسبقوا أهل الكتاب إلى اتّباعه؛ فيكون للمؤمنين منه السبْق في الشرع الأخير كما كان لمن لم يُسلم من أهل الكتاب السبق ببعض الاهتداء وممارسة الكتاب السابق. وقد اهتم بعض أهل الأحلام من العَرب بتطلب الدين الحق فتهوّد كثير من عرب اليمن، وتنصّرتْ طيء وكَلْب وتغلب وغيرهم من نصارى العرب، وتتبع الحنيفية نفر مثل قُسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نُفيل، وأمية بن أبي الصلت، وكان ذلك تطلباً للكمال ولم يأتهم رسول بذلك. وهذا التعليل لا يقتضي اقتصار الرسالة الإسلامية على هؤلاء القوم ولا ينافي عموم الرسالة لمن أتاهم نذير، لأن لام العلة لا تقتضي إلا كون ما بعدها باعثاً على وقوع الفعل الذي تعلقت به دون انحصار باعثِ الفعل في تلك العلة، فإن الفعل الواحد قد تكون له بواعث كثيرة، وأفعال الله تعالى منوطة بحكم عديدة، ودلائلُ عموم الرسالة متواترة من صريح القرآن والسنّة ومن عموم الدعوة. وقيل: أُريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير من قبلُ جميعُ الأمم، وأن المراد بأنهم لم يأتهم نذير أنهم كلَّهم لم يأتهم نذير بعد أن ضلّوا، سواء منهم من ضلّ في شرعه مثل أهل الكتاب، ومن ضلّ بالخلو عن شرع كالعَرب. وهذا الوجه بعيد عن لفظ (قوم) وعن فعل {أتاهم} ومفيتٌ للمقصود من هذا الوصف كما قدمناه. وأما قضية عموم الدعوة المحمدية فدلائلها كثيرة من غير هذه الآية. و(لعلّ) مستعارة تمثيلاً لإرادة اهتدائهم والحرص على حصوله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}. قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱفْتَرَاهُ} {أَتَاهُم} (3) - إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّداً افْتَرى القَرآنَ عَلَى رَبِّهِ، وَهذا كَذِبٌ مِنْهُمْ وَتَخَرُّصٌ، فَهُوَ الحَقُّ والصِّدْقُ مِنْ عِندِ رَبِّكَ، أَنزَلَهُ إِليكَ لِتُنْذِرَ بهِ قَوْمَكَ، وَتُخَوِّفَهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَعَذابِهِ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ، عِقَاباً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. وَقَوْمُكَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِكَ يُبَيِّنُ لَهُمْ سَبيلَ الرَّشَادِ فَأْرْسَلَكَ اللهُ إِلَيْهِمْ لِتُنْذِرَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَيَرْشُدُونَ. افْتَراهُ - اخْتَلَقَ القُرآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عجيب أنْ يقابلَ العربُ كلامَ الله بهذا الاتهام، وهم أمة فصاحة وبلاغة وبيان، وقد بلغوا في هذا شأناً عظيماً، حتى جعلوا للكلام معارض وأسواقاً، كما نقيم الآن المعارض لمنتجاتنا، ولا يُعرض في المعارض هذه إلا السلع الجيدة محلّ الفخر، فقبل الإسلام كان في عكاظ وذي المجاز مضمار للقول وللأداء البياني بين الأدباء والشعراء. فعجيبٌ منهم ألاَّ يميزوا كلام الله عن كلام البشر، خاصة وقد تحدَّاهم وتحدَّى فصاحتهم وبلاغتهم أنْ تأتي بآية واحدة من مثله، ومعلوم أن التحدي يكون للقوي لا للضعيف، فتحدَّى القرآن للعرب يُحسَبُ لهم، وهو اعتراف بمكانتهم ومكانة لغتهم، فهو - إذن - شهادة لهم، ويكفيهم أن الله تعالى أدخلهم معه في مجال التحدي. ولما عجزوا عن الإتيان بمثله راحوا يتهمونه ويتهمون رسول الله، فمرة يقولون: شاعر، ومرة: ساحر، وأخرى يقولون: مجنون، ومرة يقولون: بل يُعلِّمه ذلك أحد الأعاجم .. إلخ، وهذا كله إفلاس في الحجة، فهم يريدون أنْ يُكذِّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما القرآن في حدِّ ذاته، فلا يَخْفى عليهم أنه كلام الله، وأن البشر لا يقولون مثل هذا الكلام، بدليل أن الوليد بن المغيرة لما سمعه قال:"حديث : والله، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغْدِق، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه ". تفسير : لذلك لما لم يجدوا في القرآن مطعناً اعترفوا بأنه من عند الله، لكن كان اعتراضهم أنْ ينزل على هذا الرجل بالذات: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فكانوا ينتظرون أنْ يُنزَّل القرآن على عظيم من عظمائهم او مَلِك من الملوك، لكن أنْ ينزل على محمد هذا اليتيم الفقير، فهذا لا يُرضيهم، وقد ردَّ القرآن عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..} تفسير : [الزخرف: 32]. يعني: إذا كنا قد قسمنا بينهم أمور الدنيا وما يتفاضلون به من عرضها، فهل نترك لهم أمور الآخرة يُقسمونها على هواهم وأمزجتهم؟ والرسالة رحمة من الله يختصُّ بها مَنْ يشاء من عباده {أية : وٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..} تفسير : [الأنعام: 124]. وهذا يعني أنهم انتهوا إلى أن القرآن مُعْجِز، وأنه من عند الله لا غُبَار عليه، والذي قرأه منهم، وأيقن أنه حق قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وهذا الكلام لا يقول به عاقل، وقد دلَّ على غبائهم وحُمْقهم، وكان الأَوْلَى بهم أنْ يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهْدِنا إليه. وقد ردَّ القرآن على كل افتراءاتهم على رسول الله، وفنَّدها جميعاً، وأظهر بطلانها، لما قالوا عن رسول الله إنه مجنون ردَّ الله عليهم: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 1-4]. والمجنون لا يكون أبداً على خلق عظيم؛ لأنه محكوم بالغريزة لا يختار بين البدائل والتصرفات كالحيوان، ولا ينشأ عن ذلك خُلق كريم. أما الإنسان السَّويُّ فإنه يختار بين البدائل المتعددة، فلو اعتدى عليه إنسان فقد يردُّ عليه. بمثل هذا الاعتداء، وقد يفكر في المثلية، وأن اعتداءه قد يزيد فيميل إلى التسامح، واحد يكظم غيظه وآخر يزيل كل أثر للغيظ، ويبغى الأجر على ذلك من الله، عملاً بقوله تعالى: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..} تفسير : [النور: 22] وكأن الله يشجعنا على عمل الخير. لذلك لما سُئِل الحسن البصري: كيف يطلب الله مِنَّا أنْ نُحسن إلى مَنْ أساء إلينا؟ قال: هذه مَرَاقٍ في مجال الفضائل، وقد أباح الله لك أنْ تردَّ الإساءة بمثلها {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40] لكن يترك الباب مفتوحاً أمام أريحية النفس المؤمنة {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [الشورى: 40]. ثم إذا حسبنا هذه المسألة بمقاييس العقل، فإن الخَلْق كلهم عيال الله، وهم عنده سبحانه سواء، فماذا لو اعتدى أحد عيالك على الآخر؟ لا شكَّ أنك ستكون في جانب المظلوم، فتأخذه في حضنك وترعاه وتعطف عليه، وكذلك الحق - تبارك وتعالى - يكون في جانب عبده إذا ظلم. وقد قال أحدهم: ألاَ أُحسن إلى مَنْ جعل الله في جانبي؟ من هنا يقولون: أنت لا تكسب كثيراً من الأخيار، إنما كل كسب لك يأتي من الأشرار حين يسيئون إليك وتحسِن إليهم؛ لذلك يقولون: فلان هذا رجل طيب، لكن مَنْ يمشي معه لا يستفيد منه حسنة أبداً، لماذا؟ يقولون: لأنه خادم للجميع، وجعل خدَّه (مداساً) لمن معه، فلا يجعل أحد (يستفتح) منه بحسنة. ورُوي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تبسَّم في مجلس مع أصحابه، فقالوا: ما يُضحكك يا رسولَ الله؟ فقال: "حديث : رأيتُ ربي، وقد أجلس بين يديه خَصْمين، فقال أحدهما: يا ربِّ إن هذا ظلمني فخُذْ لي حقِّي منه، فقال: كيف آخذ لك حقك منه؟ قال: أعطني من حسناته بقدر ما أساء إليّ، فقال: ليست له حسنات، فقال: فخُذْ من سيئاتي واطرح عليه، فقال أَوَيرضيك ألاَّ تكون لك سيئة؟ قال: إذن، يا رب كيف أقضي حقي منه؟ قال: انظر يمينك، فنظر الرجل يمينه، فوجد قصوراً وبساتين وجِنَاناً، مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، فقال: لمَنْ هذه يا ربِّ؟ قال: لمن يدفع ثمنها، فقال: وما ثمنها يا رب؟ قال: أنْ تأخذَ بيد أخيك إلى الجنة، فعجبتُ من رَبٍّ يُصِلح بين عباده ". تفسير : هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر. فالردُّ عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحراً، سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم أنتم أيضاً؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس ساحراً، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله. أما قولهم: شاعر، فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة، وهم أكثر خَلْق الله تمييزاً للشعر من النثر، وخير مَنْ يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى الردَّ عليهم، فقال: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ..} تفسير : [يس: 69]. وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الحاقة: 41-42]. فلما خابتْ كُلُّ هذه الحيل، وكذبتْ كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يُعلِّمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يُشَقُّ له غبار في الفصاحة وحُسْن الأداء، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكاناً خاصاً بهم، فقالوا (وادي عبقر)، وهو مسكن هؤلاء الجن الذين يُلْهِمون البشر ويُعلِّمونهم. والشعر كلام موزون مُقفَّى، وله بحور معروفة، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ..} [السجدة: 3]. فقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ..} [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلاً: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [السجدة: 2] فالمعنى: أيُصدِّقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا رَيْبَ فيه؟ أم يقولون افتراه محمد، فأَمْ هنا جاءت لتنقض ما يُفهَم من الكلام السابق عليها. وقوله: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ..} [السجدة: 3] نعرف أن (بل) تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: {ٱفْتَرَاهُ ..} [السجدة: 3] كما لو قُلْت: زيد ليس عندي بل عمرو، فأفادتْ الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله يقول: {بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ..} [السجدة: 3] فكلامهم واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله. وقُلْنا: إن {ٱلْحَقُّ ..} [السجدة: 3] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير؛ لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبداً، كيف؟ هَبْ أن حادثة وقعتْ نتج عنها مُدَّع ومُدَّعىً عليه وشهود، واجتمعوا جميعاً أمام القاضي، وقد يحدث أن يُغيِّر أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور. لكن خبرة القاضي ودُرْبته تكشف الحقائق وتُظهِر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى أنْ يصل إلى الحقيقة؛ ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعاً لاتفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تُظهِر الباطل المتناقض وتُبطِله وتُحِقّ وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض. كالقاضي الذي اجتمع أمامه خَصمْان، يدَّعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالاً ولم يردّه إليه، فقال المدَّعَي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدَّعي، فقال القاضي للمدَّعَى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعي: لقد أبطأ صاحبك، فقال: أبطأ؛ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها. ثم يقول سبحانه: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ..} [السجدة: 3] ومعلوم أن سيدنا رسول الله جاء بشيراً ونذيراً، لكن خصَّ هنا النذير؛ لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسد لا بُدَّ أن يسبق ما يُبشر به، ولم يأْتِ ذكر البشارة هنا؛ لأنهم ما سمعوا للنذارة، وما استفادوا بها. لكن قوله تعالى: {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ..} [السجدة: 3] تصطدم لفظياً بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24] وقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وليس بين هذه الآيات تناقض؛ لأن المعنى: ما أتاهم من نذير قريب، ولا مانع من وجود نذير بعيد، كما قال تعالى: {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ ..} تفسير : [المائدة: 19]. وإلا، فمن أين عرفوا أن الله تعالى خالق السماوات والأرض، كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} تفسير : [لقمان: 25] فهذا أثر من آثار الرسل السابقين، كما كان فيهم أناس متبعون لمنهج الدين الحق، والذين سماهم الله الحنفاء، وهم الذين لم يسجدوا لصنم، ولم ينحرفوا عن الفطرة السوية. وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] لعل تفيد الرجاء، والرجاء من الله كأنه واقع متحقق؛ لأن الله تعالى يحب لعباده جميعاً أنْ يؤمنوا به؛ ليأخذوا جميل عطائه في الآخرة، كما أخذوا عطاءه في الدنيا، وهم جميعاً خَلْقه وصَنْعته، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي: "حديث : ... دعوني وما خلقت، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا إلىَّ فأنا طبيبهم .. ". تفسير : ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية من قضايا أصول الكون: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : حدّثنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب قال عن أبي خالد عن الإِمام زيد بن علي عليهما السلام [في قوله تعالى]: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} معناه أم يَقُولونَ اختَلَقَهُ مِن قَِبْلِ نَفسِهِ.