٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } الله مبتدأ وخبره الذي خلق، يعني الله هو الذي خلق السموات والأرض ولم يخلقهما إلا واحد فلا إله إلا واحد، وقد ذكرنا أن قوله تعالى: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } إشارة إلى ستة أحوال في نظر الناظرين وذلك لأن السموات والأرض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منها ذات وصفة فنظراً إلى خلقه ذات السموات حالة ونظراً إلى خلقه صفاتها أخرى ونظراً إلى ذات الأرض وإلى صفاتها كذلك ونظراً إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها كذلك فهي ستة أشياء على ستة أحوال وإنما ذكر الأيام لأن الإنسان إذا نظر إلى الخلق رآه فعلا والفعل ظرفه الزمان والأيام أشهر الأزمنة، وإلا فقبل السموات لم يكن ليل ولا نهار وهذا مثل ما يقول القائل لغيره: شعر : إن يوماً ولدت فيه كان يوماً مباركاً تفسير : وقد يجوز أن يكون ذلك قد ولد ليلاً ولا يخرج عن مراده، لأن المراد هو الزمان الذي هو ظرف ولادته. ثم قال تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } اعلم أن مذهب العلماء في هذه الآية وأمثالها على وجهين أحدهما: ترك التعرض إلى بيان المراد وثانيهما: التعرض إليه والأول أسلم والى الحكمة أقرب، أما أنه أسلم فذلك لأن من قال أنا لا أتعرض إلى بيان هذا ولا أعرف المراد من هذا، لا يكون حاله إلا حال من يتكلم عند عدم وجوب الكلام أو لا يعلم شيئاً لم يجب عليه أن يعلمه، وذلك لأن الأصول ثلاثة التوحيد والقول بالحشر والاعتراف بالرسل لكن الحشر أجمعنا واتفقنا أن العلم به واجب والعلم بتفصيله أنه متى يكون غير واحب، ولهذا قال تعالى في آخر السورة المتقدمة { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] فكذلك الله يجب معرفة وجوده ووحدانيته واتصافه بصفات الجلال ونعوت الكمال على سبيل الإجمال وتعاليه عن وصمات الإمكان وصفات النقصان، ولا يجب أن يعلم جميع صفاته كما هي، وصفة الاستواء مما لا يجب العلم بها فمن ترك التعرض إليه لم يترك واجباً، وأما من يتعرض إليه فقد يخطىء فيه فيعتقد خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثاني يكاد أن يقع في أن يكون جاهلاً مركباً وعدم العلم الجهل المركب كالسكوت والكذب ولا يشك أحد في أن السكوت خير من الكذب، وأما إنه أقرب إلى الحكمة فذلك لأن من يطالع كتاباً صنفه إنسان وكتب له شرحاً والشارح دون المصنف فالظاهر أنه لا يأتي على جميع ما أتى عليه المصنف، ولهذا كثيراً ما نرى أن الإنسان يورد الإشكالات على المصنف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلامه ويقول لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا وإذا كان حال الكتب الحادثة التي تكتب عن علم قاصر كذلك، فما ظنك بالكتاب العزيز الذي فيه كل حكمة يجوز أن يدعي جاهل أني علمت كل سر في هذا الكتاب، وكيف ولو ادعى عالم اني علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليه الكتاب الفلاني يستقبح منه ذلك، فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله؟ ثم ليس لقائل أن يقول بأن الله تعالى بين كل ما أنزله لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولعل القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غير نبيه فبين له لا لغيره، إذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم، وهذا أقرب إلى ذلك الذي لا يعلم، للتشابه البالغ الذي فيه، لكن هذا المذهب له شرط وهو أن ينفي بعض ما يعلمه قطعاً أنه ليس بمراد، وهذا لأن قائلاً إذا قال إن هذه الأيام أيام قرء فلانة يعلم أنه لا يريد أن هذه الأيام أيام موت فلانة ولا يريد أن هذه الأيام أيام سفر فلانة، وإنما المراد منحصر في الطهر أو الحيض فكذلك ههنا يعلم أن المراد ليس ما يوجب نقصاً في ذاته لاستحالة ذلك، والجلوس والاستقرار المكاني من ذلك الباب فيجب القطع بنفي ذلك والتوقف فيما يجوز بعده والمذهب الثاني: خطر ومن يذهب إليه فريقان أحدهما: من يقول المراد ظاهره وهو القيام والانتصاب أو الاستقرار المكاني وثانيهما: من يقول المراد الاستيلاء والأول جهل محض والثاني يجوز أن يكون جهلاً والأول مع كونه جهلاً هو بدعة وكاد يكون كفراً، والثاني وإن كان جهلاً فليس بجهل يورث بدعة، وهذا كما أن واحداً إذا اعتقد أن الله يرحم الكفار ولا يعاقب أحداً منهم يكون جهلاً وبدعة وكفراً، وإذا اعتقد أنه يرحم زيداً الذي هو مستور الحال لا يكون بدعة، غاية ما يكون أنه اعتقاد غير مطابق، ومما قيل فيه: إن المراد منه استوى على ملكه، والعرش يعبر به عن الملك، يقال الملك قعد على سرير المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها وهذا مثل قوله تعالى: { أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } تفسير : [المائدة: 64] إشارة إلى البخل، مع أنهم لم يقولوا بأن على يد الله غلا على طريق الحقيقة، ولو كان مراد الله ذلك لكان كذباً جل كلام الله عنه، ثم لهذا فضل تقرير وهو أن الملوك على درجات، فمن يملك مدينة صغيرة أو بلاداً يسيرة ما جرت العادة بأن يجلس أول ما يجلس على سرير، ومن يكون سلطاناً يملك البلاد الشاسعة والديار الواسعة وتكون الملوك في خدمته يكون له سرير يجلس عليه، وقدامه كرسي يجلس عليه وزيره، فالعرش والكرسي في العادة لا يكون إلا عند عظمة المملكة، فلما كان ملك السموات والأرض في غاية العظمة، عبر بما ينبىء في العرف عن العظمة، ومما ينبهك لهذا قوله تعالى: { أية : إِنَّا خَلَقْنَا } تفسير : [الإنسان: 2] { أية : إِنَّا زَيَّنَّا } تفسير : [الصافات: 6] { أية : نَحْنُ أَقْرَبُ } تفسير : [قۤ: 16] { أية : نَحْنُ نَزَّلْنَا } تفسير : [الحجر: 9] أيظن أو يشك مسلم في أن المراد ظاهره من الشريك وهل يجد له محملاً، غير أن العظيم في العرف لا يكون واحداً وإنما يكون معه غيره، فكذلك الملك العظيم في العرف لا يكون إلا ذا سرير يستوي عليه فاستعمل ذلك مريداً للعظمة، ومما يؤيد هذا أن المقهور المغلوب المهزوم يقال له ضاقت به الأرض حتى لم يبق له مكان، أيظن أنهم يريدون به أنه صار لا مكان له وكيف يتصور الجسم بلا مكان، ولا سيما من يقول بأن إلهه في مكان كيف يخرج الإنسان عن المكان؟ فكما يقال للمقهور الهارب لم يبق له مكان مع أن المكان واجب له، يقال للقادر القاهر هو متمكن وله عرش، وإن كان التنزه عن المكان واجباً له، وعلى هذا كلمة ثم معناها خلق السموات والأرض، ثم القصة أنه استوى على الملك، وهذا كما يقول القائل: فلان أكرمني وأنعم علي مراراً، ويحكي عنه أشياء، ثم يقول إنه ما كان يعرفني ولا كنت فعلت معه ما يجازيني بهذا، فنقول ثم للحكاية لا للمحكي الوجه الآخر: قيل استوى جاء بمعنى استولى على العرش، واستوى جاء بمعنى استولى نقلاً واستعمالاً. أما النقل فكثير مذكور في «كتاب اللغة» منها ديوان الأدب وغيره مما يعتبر النقل عنه. وأما الاستعمال فقول القائل: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وعلى هذا فكلمة ثم، معناها ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض، ثم ههنا ما هو أعظم منه استوى على العرش، فإنه أعظم من الكرسي والكرسي وسع السموات والأرض والوجه الثالث: قيل إن المراد الاستقرار وهذا القول ظاهر ولا يفيد أنه في مكان، وذلك لأن الإنسان يقول استقر رأي فلان على الخروج ولا يشك أحد أنه لا يريد أن الرأي في مكان وهو الخروج، لما أن الرأي لا يجوز فيه أن يقال إنه متمكن أو هو مما يدخل في مكان إذا علم هذا فنقول فهم التمكن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكن، حتى إذا قال قائل استقر زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكن وكونه في مكان، وإذا قال قائل استقر الملك على فلان لا يفهم أن الملك في فلان، فقول القائل الله استقر على العرش لا ينبغي أن يفهم كونه في مكان ما لم يعلم أنه مما يجوز عليه أن يكون في مكان أو لا يجوز، فإذن فهم كونه في مكان من هذه اللفظة مشروط بجواز أن يكون في مكان، فجواز كونه في مكان إن استفيد من هذه اللفظة يلزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون على العرش بمعنى كون العرش مكاناً له وجوه من القرآن أحدها: قوله تعالى: { أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ } تفسير : [الحج: 64] وهذا يقتضي أن يكون غنياً على الإطلاق، وكل ما هو في مكان فهو في بقائه محتاج إلى مكان، لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحيز إن لم يكن لا يكون المتحيز باقياً، فالمتحيز ينتفي عند انتفاء الحيز، وكل ما ينتفي عند انتفاء غيره فهو محتاج إليه في استمراره، فالقول باستقراره يوجب احتياجه في استمراره وهو غنى بالنص الثاني: قوله تعالى: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] فالعرش يهلك وكذلك كل مكان فلا يبقى وهو يبقى، فاذن لا يكون في ذلك الوقت في مكان، فجاز عليه أن لا يكون في مكان، وما جاز له من الصفات وجب له فيجب أن لا يكون في مكان الثالث: قوله تعالى: { أية : وَهُوَ مَعَكُمْ } تفسير : [الحديد: 4] ووجه التمسك به هو أن على إذا استعمل في المكان يفهم كونه عليه بالذات كقولنا فلان على السطح وكلمة مع إذا استعملت في متمكنين يفهم منها اقترانهما بالذات كقولنا زيد مع عمرو إذا استعمل هذا فإن كان الله في مكان ونحن متمكنون، فقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } تفسير : [التوبة:40] وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ } كان ينبغي أن يكون للاقتران وليس كذلك، فإن قيل كلمة مع تستعمل لكون ميله إليه وعلمه معه أو نصرته يقال الملك الفلاني مع الملك الفلاني، أي بالإعانة والنصر، فنقول كلمة على تستعمل لكون حكمه على الغير، يقول القائل لولا فلان على فلان لأشرف في الهلاك ولأشرف على الهلاك، وكذلك يقال لولا فلان على أملاك فلان أو على أرضه لما حصل له شيء منها ولا أكل /حاصلها بمعنى الإشراف والنظر، فكيف لا نقول في استوى على العرش إنه استوى عليه بحكمه كما نقول هو معناه بعلمه الرابع: قوله تعالى: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } تفسير : [الأنعام: 103] ولو كان في مكان لأحاط به المكان وحينئذٍ فإما أن يرى وإما أن لا يرى، لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق لأن القول بأنه في مكان ولا يرى باطل بالإجماع، وإن كان يرى فيرى في مكان أحاط به فتدركه الأبصار. وأما إذا لم يكن في مكان فسواء يرى أو لا يرى لا يلزم أن تدركه الأبصار. أما إذا لم ير فظاهر. وأما إذا رؤي فلأن البصر لا يحيط به فلا يدركه. وإنما قلنا إن البصر لا يحيط به لأن كل ما أحاط به البصر فله مكان يكون فيه وقد فرضنا عدم المكان، ولو تدبر الإنسان القرآن لوجده مملوءاً من عدم جواز كونه في مكان، كيف وهذا الذي يتمسك به هذا القائل يدل على أنه ليس على العرش بمعنى كونه في المكان، وذلك لأن كلمة ثم للتراخي فلو كان عليه بمعنى المكان لكان قد حصل عليه بعد ما لم يكن عليه فقبله إما أن يكون في مكان أو لا يكون، فإن كان يلزم محالان أحدهما: كون المكان أزلياً، ثم إن هذا القائل يدعى مضادة الفلسفي فيصير فلسفياً يقول بقدم سماء من السموات والثاني: جواز الحركة والانتقال على الله تعالى وهو يفضي إلى حدوث الباري أو يبطل دلائل حدوث الأجسام، وإن لم يكن مكان وما حصل في مكان يحيل العقل وجوده بلا مكان، ولو جاز لما أمكن أن يقال بأن الجسم لو كان أزلياً، فإما أن يكون في الأزل ساكناً أو متحركاً لأنهما فرعا الحصول في مكان، وإذا كان كذلك فيلزمه القول بحدوث الله أو عدم القول بحدوث العالم، لأنه إن سلم أنه قبل المكان لا يكون فهو القول بحدوث الله تعالى وإن لم يسلم فيجوز أن يكون الجسم في الأزل لم يكن في مكان ثم حصل في مكان فلا يتم دليله في حدوث العالم، فيلزمه أن لا يقول بحدوثه، ثم إن هذا القائل يقول إنك تشبه الله بالمعدوم فإنه ليس في مكان ولا يعلم أنه جعله معدوماً حيث أحوجه إلى مكان، وكل محتاج نظراً إلى عدم ما يحتاج إليه معدوم ولو كتبنا ما فيها لطال الكلام. ثم قال تعالى: {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } لما ذكر أن الله خالق السموات والأرض، قال بعضهم نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو إله السموات، وهذه الأصنام صور الكواكب منها نصرتنا وقوتنا، وقال آخرون هذه صور الملائكة عند الله هم شفعاؤنا فقال الله تعالى لا إله غير الله، ولا نصرة من غير الله ولا شفاعة إلا بإذن الله فعبادتكم لهم لهذه الأصنام باطلة ضائعة لا هم خالقوكم ولا ناصروكم ولا شفعاؤكم، ثم قال تعالى: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } ما علمتموه من أنه خالق السموات والأرض وخلق هذه الأجسام العظام لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى تنصركم والملك العظيم لا يكون عنده لهذه الأشياء الحقيرة احترام وعظمة حتى تكون لها شفاعة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} عرّفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأمّلوه. ومعنى: «خَلَقَ» أبدع وأوجد بعد العدم وبعد أن لم تكن شيئاً. {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة. قال الحسن: من أيام الدنيا. وقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض مقدارُه ألف سنة من سِنِي الدنيا. وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة؛ أي في مدّة ستة أيام من أيام الآخرة. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم في الأعراف والبقرة وغيرهما، وذكرنا ما للعلماء في ذلك مستوفى في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). وليست «ثُمَّ» للترتيب وإنما هي بمعنى الواو. {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} أي ما للكافرين من وليّ يمنع من عذابهم ولا شفيع، ويجوز الرفع على الموضع. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} في قدرته ومخلوقاته.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه خالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه، {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك، أو وزير أو نديد أو عديل، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقد أورد النسائي ههنا حديثاً فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان عن أبي جريج المكي عن عطاء عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: «حديث : إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض: أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث» تفسير : هكذا أورد هذا الحديث إسناداً ومتناً، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضاً من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق، وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار، وهو أصح، وكذا علله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم. وقوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي: يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] الآية، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ذَٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي: المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته وهذا هو الكمال، العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذلّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها الأحد وآخرها الجمعة {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وهو في اللغة سرير الملك استواء يليق به {مَا لَكُمْ } يا كفار مكة {مِن دُونِهِ } أي غيره {مِن وَلِىٍّ } اسم (ما) بزيادة (من) أي: ناصر {وَلاَ شَفِيعٍ } يدفع عذابه عنكم {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } هذا فتؤمنون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} فيه وجهان: أحدهما: يقضي الأمر، قاله مجاهد. الثاني: ينزل الوحي، قاله السدي. {مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ} قال السدي من سماء الدنيا إلى الأرض العليا وفيه وجهان: أحدهما: يدبر الأمر في السماء وفي الأرض. الثاني: يدبره في السماء ثم ينزل به الملك إلى الأرض وروى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط أنه قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأمَّا ميكائيل فموكل بالقطر والماء، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جبريل يصعد إلى السماء بعد نزوله بالوحي، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه الملك الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، قاله النقاش. الثالث: أنها أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع حملتها من الملائكة، قاله ابن شجرة. {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد ثم يلقيه إلى ملائكته فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى ثم كذلك أبداً، قاله مجاهد. الثاني: أن الملك ينزل ويصعد في يوم مسيرة ألف سنة، قاله ابن عباس. والضحاك. الثالث: أن الملك ينزل ويصعد في يوم مقداره ألف سنة فيكون مقدار نزوله خمسمائة سنة ومقدار صعوده خمسمائة سنة، قاله قتادة: فيكون بين السماء والأرض على قول ابن عباس والضحاك مسيرة ألف سنة، وعلى قول قتادة والسدي مسيرة خمسمائة سنة. {مِمَّا تَعُدُّونَ} أي تحسبون من أيام الدنيا وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم وليس بيوم يستوعب نهاراً بين ليلتين لأنه ليس عند الله ليل استراحة ولا زمان تودع، والعرب قد تعبر عن مدة العصر باليوم كما قال الشاعر: شعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سيرٍ إلى الأعداءِ تأويب تفسير : وليس يريد يومين مخصوصين وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمراً يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم، أتبعه بيان ذلك بإيجاد عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، وإحاطة العلم بذلك كله على وجه يقود تأمله إلى الهدى، فقال مستأنفاً شارحاً لأمر يندرج فيه إنزاله معبراً بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له: {الله} أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: {الذي خلق السماوات} كلها {والأرض} بأسرها {وما بينهما} من المنافع العينية والمعنوية. ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان، وكان الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن، قال: {في ستة أيام} كما يأتي تفصيله في فصلت، وقد كان قادراً على فعل ذلك في أقل من لمح البصر، ويأتي في فصلت سر كون المدة ستة. ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمراً - بعد أمر إيجاده - باهراً، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال: {ثم استوى على العرش} أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير، كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم، وتباعدت أطرافها، وتناءت أقطارها، وهو معنى قوله تعالى استئنافاً جواباً لمن كأنه قال: العرش بعيد عنا جداً فمن استنابه في أمرنا، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد في التنبيه: {مالكم من دونه} لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله: {من ولي} أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به {ولا شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذنه، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به، وأن إحاطته بجميع خلقه على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلاً. ولما كانوا مقرين بأن الخلق خلقه والأمر أمره، عارفين بأنه لا يلي وال من قبل ملك من الملوك إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل إليها أو ناب فيها، ولا يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في قوله: {أفلا تتذكرون} أي تذكراً عظيماً بما أشار إليه الإظهار ما تعلمونه من أنه الخالق وحده، ومن أنه لا حجة لشيء مما أشركتموه بشيء مما أهلتموه له ولا وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في الشفاعة فيكم ولا أخبركم أحد منهم بشيء من ذلك، فكيف تخالفون في هذه الأمور التي هي أهم المهم، لأن عاقبتها خسارة الإنسان نفسه، فضلاً عما دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم، وتتعللون فيها المحال، وتقنعون بقيل وقال، وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال. ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق، ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر، فقال مستأنفاً مفسراً للمراد بالاستواء: {يدبر الأمر} أي كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لإحكام فواتحه وعوازمه، لا يكل شيئاً منه إلى شيء من خلقه، قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهار القدرة، والعرش مظهر التدبير لا قعر المدبر. ولما كان المقصود للعرب إنما هو تدبير ما تمكن مشاهدتهم له من العالم قال مفرداً: {من السماء} أي فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في أدبار ما يعلمه {إلى الأرض} غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم. ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد، فكان بذلك مستبعداً، أشار إلى ذلك بقوله: {ثم يعرج} أي يصعد الأمر الواحد - وهو من الاستخدام الحسن - إليه، أي بصعود الملك إلى الله، أي إلى المواضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى: {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 99] {أية : ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} تفسير : [النساء: 100] ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير وهو السماء وكأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم، في أسرع من لمح البصر {في يوم} من أيام الدنيا {كان مقداره} لو كان الصاعدين واحداً منكم على ما تعهدون {ألف سنة مما تعدون} من سنيكم التي تعهدون، والذي دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير بـ "كان" مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلاً، فإذا فرّغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه إلا جزءاً لا يعد، هذا وهو خلق محتاج فما ظنك بمن خلق الخلق في ستة أيام وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء وظاهر العبارة أن هذا التقدير بالألف لما بين السماء والأرض بناء على أن البداية والغاية لا يدخلان، فإذا أردنا تنزيل هذه الآية على أية سأل أخذنا هذا بالنسبة إلى صعود أحدنا مستوياً لو أمكن، وجعلت الأرض واحدة في العدد، وأول تعددها كما قيل باعتبار الأقاليم، وزيد عليه مقدار ثخن السماوات وما بينهما، وزيد على المجموع مثل نصفه لمسافة الانحناء في بناء الدرج والتعريج الذي هو مثل محيط الدائرة بالوتر الذي قسمها بنصفين ليمكن الصعود منا، وهو مقدار نصف مسافة الاستواء وشيء يسير، لأنك إذا قسمت دائرة بوتر كان ما بين رأسي الوتر من محيط نصف الدائرة بمقدار ذلك الوتر مرة ونصفاً سواء يزاد عليه يسير لأجل تعاريج الدرج، فإذا فعلنا ذلك كان ما بين أحد سطحي الكرسي المحدب وما يقابله من السطح الآخر بحسب اختراقه من جانبيه واختراق أطباق السماوات السبع: الأربعة عشر، اثنين وثلاثين ألف سنة، لأنه يخص كل سماء ألفان، لأنه فهم من هذا السياق أن من مقعر السماء إلى سطح الأرض الذي نحن عليه سيرة ألف سنة وبعد ما بين كل سمائين كبعد ما بين السماء والأرض، وثخن كل سماء كذلك، فيكون بعد ما بين أحد سطحي الأرض إلى سطح الكرسي الأعلى ستة عشر ألف سنة، وبعد ما بين سطح الأرض إلى أعلى سطح الكرسي من الجانب الآخر كذلك، ثم يزاد على المجموع وهو اثنان وثلاثون ألف سنة مسافة ثخن الأرض وهي ألف سنة ليكون المجموع ثلاثة وثلاثين ألف سنة يزاد عليه ما للتعريج، وهو نصف تلك المسافة وشيء يكون سبعة عشر ألف سنة، فذلك خمسون ألف سنة، وإنما جعلت سطح الكرسي الأعلى النهاية، لأن العادة جرت أن لا يصعد إلى عرش الملك غيره، وأن الأطماع تنقطع دونه، بل ولا يصعد إلى كرسيه، وسيأتي اعتبار ذلك في الوجه الأخير، وإن قلنا: إن الأراضي سبع على أنها كرات مترتبة متعالية غير متداخلة، وأدخلنا العرش في العدد فنقول: إنه مع الكرسي والسماوات تسعة، فجانباها الحيطان بالأرض ثماني عشرة طبقة، والأراضي سبع، فتلك خمس وعشرون طبقة، فكل واحدة - مع ما بينها وبين الأخرى على ما هو ظاهر الآية - ألفان، فضعف هذا العدد، فيكون خمسين ألفاً، وهذا الوجه أوضح الوجوه وأقربها إلى مفهوم الآية، ولا يحتاج معه إلى زيادة لأجل انعطاف الدرج، ويجوز أن نقول: إن السر - والله أعلم - في جعل ما مسيرته خمسمائة سنة - كما في الحديث - ألف سنة لأجل التعريج، والحديث ليس نصاً في سير معين حتى يتحامى تأويله بل قد ورد بألفاظ متغايرة منها خسمائة ومنها اثنتان وسبعون سنة, ومنها إحدى وسبعون إلى غير ذلك, فلا بد أن يحمل كل لفظ على سير فنقول: الخمسمائة للصاعد في درج مستقيم كدرج الدقل مثلاً، والاثنان وسبعون لسير الطائر, والألف كما في الآية لدرج منعطف، ويدل عليه ما رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها"تفسير : ، أو تقول: إن الألف لجملة التدبير بالنزول والعروج - والله أعلم، وإن جعلنا البداية داخلة فتكون الألف من سطح الأرض الذي نحن عليه إلى محدب السماء لتتفق الآية مع الحديث القائل بأن بين الأرض والمساء خمسمائة سنة، وثخن السماء كذلك، وكذا بقية السماوات والعرش، أدخلنا العرش في العدد وقلنا: إن الأراضي سبع متداخلة كالسماوات، كل واحدة منها في التي تليها، فالتي نحن فيها أعلاها محيطة بها كلها، فهي بمنزلة العرش للسماوات، فتكون السماوات السبع من جانبيها بأربعة عشر ألفاً, والأراضي كذلك فذلك ثمانية وعشرون ألفاً, والعرش والكرسي من جانبيها بأربعة فذلك اثنان وثلاثون ألفاً يضاف إليها ما يزيد انحناء المعارج الذي يمكن لنا معه العروج، وهو نصف مسافة الجملة وشيء، فالنصف ستة عشر ألفاً، ونجعل الشيء الذي لم يتحرر لنا ألفين، فذلك ثمانية عشر ألفاً إلى اثنين وثلاثين، فالجملة خمسون ألفاً ويمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى السماوات مع الأراضي، والكل متطابقة متداخلة، فتلك ثمان وعشرون طبقة من سطح السماء السابعة الأعلى إلى سطحها الأعلى من الجانب الآخر، فذلك ثمانية وعشرون - ألف سنة، لكل جرم خمسمائة، ولما بينه وبين الجرم الآخر كذلك فذلك ألف فضعفه بالنسبة إلى الهبوط والصعود فيكون ستة وخمسين ألفاً حسب منه خمسون ألفاً والغى الكسر، لكن هذا الوجه مخالف لظاهر الآية التي في سورة سأل، وهي قوله تعالى: {أية : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} تفسير : [المعارج: 5] فإنه ليس فيها ذكر الهبوط والله أعلم. وكل من هذه الوجوه أقعد مما قاله البيضاوي في سورته سأل، وأقرب للفهم العرف، فإن كان ظاهر حاله أنه جعل الثمانية عشر ألفاً من أعلى سرادقات العرش إلى أعلى سرادقاته من الجانب الآخر, ولا دليل على هذا ولا عرف يساعد في صعود الخدم إلى أعلى السرادق، وهو الأعلى منه، والعلم عند الله تعالى، وروى إسحاق بن راهويه عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بين سماء الدنيا إلى الأرض خمسمائة سنة، وما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمائة سنة إلى السماء السابعة، والأرض مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك" تفسير : واعلم أن القول بأن الأراضي سبع هو الظاهر لظاهر قوله تعالى: {أية : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} تفسير : [الطلاق: 12] ويعضده ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ظلم قدر شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين"تفسير : ، وفي رواية للبغوي: خسف به إلى سبع أرضين، وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المؤمن إذا حضره الموت - فذكره إلى أن قال: وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب به إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها إلى الأرض السفلى" تفسير : - قال المنذري: وهو عند ابن ماجه بسند صحيح، ويؤيد من قال: إنها متطابقة متداخلة كالكرات وبين كل أرضين فضاء كالسماوات ما روى الحاكم وصححه عند عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا منها على ظهر حوت" تفسير : إلى آخره، وهو في آخر الترغيب للحافظ المنذري في آخر أهوال القيامة في سلاسلها وأغلالها، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث عن مجاهد رحمه الله أنه قال: إن الحرم حرم مناه من السماوات السبع والأرضين السبع، وأنه رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت, وفي كل أرض بيت, لو سقطت لسقط بعضها على بعض - مناه يعني قصده وحذاءه، وفي مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي أن الإمام أحمد روى من طريق الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه إذا مرت سحابة فقال: هل تدرون ما هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: العنان وزوايا الأرض يسوقه الله إلى من لا يشكره، ولا يدعوه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: الرفيع موج مكفوف، وسقف محفوظ، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: سماء أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة خمسمائة عام - حتى عد سبع سماوات ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: والعرش، قال: أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: ما هذه تحتكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: أرض قال: أتدرون ما تحتها؟ قلنا الله ورسوله أعلم! قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينهما؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبعين أرضين، ثم قال: وأيم الله لو دليتم بحبل لهبط، ثم قرأ: {أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} تفسير : [الحديد: 3] قال: رواه الترمذي غير أنه ذكر أن بين كل أرض والأرض الأخرى خمسمائة عام، وهنا سبعمائة، وقال في آخره: "لو دليتم بحبل لهبط على الله" ولعله أراد: على عرش الله أو على حكمه وعلمه وقدرته، يعني أنه في ملكه وقبضته ليس خارجاً عن شيء من أمره - والله أعلم، ورأيت في جامع الأصول لابن الأثير بعد إيراده هذا الحديث ما نصه قال أبو عيسى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه ويكون مؤيداً للقول بأنها كرات متطابقة متداخلة - والله أعلم - ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما السماوات السبع والأرضون السبع في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاه" تفسير : ولم يقل: كدرهم - مثلاً، وكذا ما روى محمد بن أبي عمر وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه حديثاً طويلاً فيه ذكر الأنبياء، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تدري ما مثل السماوات والأرض في الكرسي؟ قلت: لا إلا أن تعلمني مما علمك الله عز وجل، قال: مثل السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة"تفسير : . وأصله عند النسائي والطيالسي وأبي يعلى، وكذا ما روى صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما السماوات السبع في عظمة الله إلا كجوزة معلقة" تفسير : ، وقوله تعالى: {أية : وسع كرسيه السماوات والأرض}تفسير : [البقرة: 255] يدل على أن الكرسي محيط بالكل من جميع الجوانب وقوله تعالى: {أية : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} تفسير : [الرحمن: 33] صريح في ذلك، فإن النفوذ يستعمل في الخرق لا سيما مع التعبير بـ "من" دون "في"، وكذا قوله في السماء {ومالها من فروج} والله الموفق.
ابو السعود
تفسير : . {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} مرِّ بـيانُه فيما سلفَ {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ} أي ما لكُم إذا جاوزتُم رضاه تعالى أحدٌ ينصُركم ويشفعُ لكم ويجيركم من بأسهِ أي ما لكُم سواه وليٌّ ولا شفيعٌ بل هو الذي يتولَّى مصالحَكم وينصُركم في مواطنِ النَّصرِ على أنَّ الشَّفيعَ عبارةٌ عن النَّاصرِ مجازاً فإذا خذلكم لم يبقَ لكُم وليٌّ ولا نصير {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي ألا تسمعُون هذه المواعظَ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها فالإنكارُ على الأول متوجه إلى عدمِ السَّماعِ وعدم التَّذكر معاً وعلى الثاني على عدمِ التَّذكرِ مع تحققِ مايُوجبه من السَّماعِ {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ} قيل يدبِّرُ أمر الدُّنيا بأسبابٍ سماويةٍ من الملائكةِ وغيرها نازلةٍ آثارُها وأحكامُها إلى الأرضِ {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي يثبت في علمِه موجوداً بالفعل {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} أي في بُرهةٍ من الزَّمان متطاولةٍ والمرادُ بـيانُ طول امتدادِ ما بـين تدبـيرِ الحوادث وحدوثِها من الزَّمان وقيل: يدبر أمرَ الحوادثِ اليوميَّةِ بإثباتها في اللَّوحِ المحفوظِ فينزل بها الملائكةُ ثم تعرجُ إليه في زمانٍ هو كألف سنة مَّما تعدُّون فإنَّ ما بـين السَّماء والأرض مسيرةُ خمسمائةِ عامٍ وقيل: يقضي قضاءَ ألفِ سنةٍ فينزل به المَلَكُ ثم يعرج بعد الألفِ لألفٍ أُخرَ، وقيل يدبر أمرَ الدُّنيا جميعاً إلى قيامِ السَّاعةِ ثم يعرج إليه الأمرُ كلُّه عند قيامها وقيل يدبِّرُ المأمور به من الطَّاعاتِ منزلاً من السَّماءِ إلى الأرض بالوحي ثم لا يعرجُ إليه خالصاً إلا في مدَّةٍ متطاولة لقلَّةِ المخلصين والأعمال الخلَّص. وأنت خبـيرٌ بأنَّ قلَّةَ الأعمال الخالصةِ لا تقتضي بطءَ عروجِها إلى السَّماءِ بل قِلَّتَه. وقُرىء يعدُّون بالياء {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ باعتبارِ اتصافِه بما ذُكر من خلقِ السَّمواتِ والأرضِ والاستواءِ على العرشِ وانحصارِ الولايةِ والنُّصرةِ فيه وتدبـيرِ أمرِ الكائناتِ على ما ذُكر من الوجهِ البديعِ وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعْدَه أي ذلك العظيمُ الشَّأنِ {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} فيدبِّر أمرَهما حسبما تقتضيه الحكمةُ {ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ على أمرهِ {ٱلرَّحِيمُ} على عبادِه وهُما خبرانِ آخرانِ وفيه إيماءٌ إلى أنَّه تعالى متفضِّلٌ في جميعِ ما ذُكر فاعلٌ بالإحسانِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: و{مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [الآية: 4]. قال القاسم: أفلا تنتبهون أن من استقطعته المملكة لا يصح لخدمة الملك.
القشيري
تفسير : وتلك الأيام خَلَقَها مِنْ خَلْقٍ غير الأيام، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته أن يخلقه في وقتٍ؛ إذ الوقتُ مخلوقٌ في غير الوقت وكما يستغنى في كونه مخلوقاً عن الوقت استغنى الوقتُ عن الوقت. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}: ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر، {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} ولكن القديم ليس له حدٌّ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب بالذات ولا البُعْد، استوى على العرش ولكنه أشدُّ الأشياء تَعَطُّشاً إلى شظية من الوصال لو كان للعرش حياة؟، ولكنَّ العرشَ جمادٌ.. وأَنَّى يكون للجماد مراد؟! استوى على العرش لكنه صَمَدٌ بلا نِدٍّ، أَحَدٌ بلا حَدٍّ. {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ}: إذا لم يُردْ بكم خيراً فلا سماءَ عنه تُظِلُّكم، ولا أرضَ بغير رضاه تُقِلُّكم، ولا بالجواهر أحدٌ يناصركم، ولا أحدَ - إذا لم يُعْنَ بشأنكم في الدنيا والآخرة - ينظر إليكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} افرد نفسه لعباده بانه لهم وولا شفيع لا غير حتى يلتفتوا الى الاسباب ثم ينبهم بحقيقة ذلك فقال افلا تتذكرون قال القاسم اولا تنبهون ان من اسقط المملكة لا يصلح لخدمة الملك ثم بين سبحانه ان امر العباد فى العبودية يكون بمشيته ورادته لا لغيره مدخل فى تدبير العباد بقوله {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} ينزل الوحى الى حبيبه صلى الله عليه وسلم بواسطة اخيه جبرئيل عليه السّلام لنظام الشريعة وانتظام الحقيقة والطريقة لا لطبع البشر ومقالة اهل البدع فيه اثر والاشارة فيه ان تدبير العباد عند تدبيره لا اثر له اذا راه العباد فى قضائه وقدره منفسخة اذ تدبيره ارادته وارادته مشيته المقرونتان بالعلم الازلى الذى لا يشوبه علل الحدثان قال سهل طوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله له واسقط عنه سوء تدبيره ورده الى حال الرضا بالقضاء والاستقامة فى جريان المقدور عليه اولئك من المقربين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله} مبتدأ خبره قوله {الذى خلق السموات والارض} اى الاجرام العلوية والسفلية {وما بينهما} من السحاب والرياح ونحوهما {فى ستة ايام} [در مقدار شش از ايام دنيا]. وقال فى كشف الاسرار [درشش روز هرروزى ازان هزار سال] انتهى. ولو شاء خلقها فى ساعة واحدة لفعل ولكنه خلقها فى ستة ايام ليدل على التأنى فى الامور {ثم استوى على العرش} [بس مستولى شد حكم اوبر عرش كه اعظم مخلوقاتست] وقد سبق تحقيق الآية مرارا ويكفى لك ارشادا ما فى سورة الفرقان ان كنت من اهل الايمان فارجع الى تفسيرها وما فيها من الكلام الا كبرى قدسر سره الخطير {ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع} اى مالكم حال كونكم متجاوزين رضى الله تعالى احد ينصركم ويشفع لكم ويجيركم من بأسه {أفلا تتذكرون} [آيابند بذير نمى شويد ازمواغظ ربانى ونصائح قرآنى]. قال فى الارشاد اى ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها فالانكار متوجه الى عدم الاستماع وعدم التذكر او تسمعونها فلا تتذكرون بها فالانكار متوجه على عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع. والفرق بين التذكر والتفكر ان التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية واما التذكر فهو عند رفع الحجاب والرجوع الى الفطرة الاولى فيتذكر ما انطبع فىالازل من التوحيد والمعارف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {اللهُ الذي خلق السماوات والأرضَ وما بينهما في} مقدار {ستةِ أيام ثم استوى على العرش} أي: استولى بقهرية ذاته. وسئل مالك عنه، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة. هـ. ولم تتكلم الصحابة على الاستواء، بل أمسكوا عنه، ولذلك قال مالك: السؤال عنه بدعة. وسيأتي شيء في الإشارة. {ما لكم من دونه}؛ من دون الله {من وليٍّ ولا شفيعٍ} أي: إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم ولياً، أي: ناصراً ينصركم، ولا شفيعاً يشفع لكم، {أفلا تتذكرون}؛ تتعظون بمواعظ الله. {يُدبّرُ الأمرَ} أي: أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه، فهو كقوله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن:29]، أي: يُبديه لا يبتديه. وهو إشارة إلى القضاء التفصيلي، الجزئي، لا الكلي، فإنه كان دفعة. يكون ذلك التدبير {من السماء إلى الأرض}، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الأرض. {في يوم كان مقداره ألفَ سنةٍ مما تعدُّون} من أيام الدنيا. قال الأقليشي: جاء في حديث: "حديث : إن بُعد ما بين السماء والأرض، وما بين سماء إلى سماء، مسيرة خمسمائة سنة"تفسير : . وفي حديث آخر: "حديث : إن بين ذلك نَيِّفاً وسبعين سنة"تفسير : ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل: من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل، وعليه يخرج قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}. وقال في آية أخرى: {أية : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج:4]. وهكذا الوجود مَنْ علوه إلى سفله، مِنْ الملائكة من يقطعه في مدةٍ ما، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل. هـ. وقيل: المعنى: أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، أو خمسين ألف سنة. فقد قيل: إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفاً، كل موقف ألف سنة. وقد حكى هذا ابن عطية، فقال: يُدبر الأمر في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة. ويوم القيامة: مقداره ألف سنة؛ من عَدِّنا. وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة؛ لِهوله، حسبما في سورة المعارج. هـ. قلت: والتحقيق، في الفرق بين الآيتين، أن الحق تعالى، حيث لم يختص بمكان دون مكان، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته، كان العروج إنما هو إليه على كل حال، بعدت المسافة أو قربت. لكن لما علقَ العروج بتدبير الأمور وتنفيذها، قرّب المسافة؛ ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة. ولمَّا عَلَّقَ عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بَعَّدَ المسافة؛ زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل هذا العروج في دار الدنيا. على قول من عَلَّقَ (في يوم) بتَعْرج في سورة المعارج. فتأمله. {ذلك عالمُ الغيب والشهادة}، أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام هو عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت، وما شوهد في عالم الحس من عجائب عالم الملك. {العزيزُ}؛ الغالب أمره وتدبيره، {الرحيم}؛ البالغ لطفُه وتيسيره. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات، قطعة من نور ذاته، على ترتيب وتمهيل. فتجلى بالعرش، ثم بالماء، فكان عرشه على الماء، ثم بالكرسي، ثم بالأرض، ثم بالسموات، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور صمداني رحماني من بحر جبروته، استوى به على عرشه؛ لتدبير ملكه، ثم تجلى بآدم على صورة ذلك التجلي. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم على صورته"تفسير : . وفي رواية: "حديث : على صورة الرحمن"تفسير : . وبذلك التجلي يتجلى يوم القيامة لفصل عباده، ولرؤيته - باعتبار العامة -، وهذا التجلي كله، من جهة معناه، متصل بسائر التجليات، جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلي، والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس: أن التجلي المستولي غَيْرُ مُرْتَدٍ برداء الحس؛ إذ لا عبودية فيه، ولا قهرية تلحقه. ولأنه لم يظهر للعيان حتى يحتاج إلى رداء، لأن كنزه ما زال مدفوناً، حيث ارتفع فوق تجليات الأكوان. فتأمل، وسَلِّمْ، إن لم تفهم، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقية، فتفهم أسرار التوحيد. وبالله التوفيق. ثم كَمُل ما بقي من أوصافه، فقال: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {ٱللَّهُ} مبتدأ وخبره كلمة {ٱلَّذِي} مع صلتها، والجمل الواقع بينهما من باب حمل الحد على المحدود في القضية الطبيعية بالحمل الأولي الذاتي، لا مجرد الاتّصاف الاتّحادي المعتبر في الحمل المتعارف، فإنَّ كون الواجب لذاته مبدأ وخالقاً لشيء إنما يكون بنفس ذاته المقدسة، حتى أن مبدئيته وخالقيته بما هو حقيقته وذاته، لا كصانعية غيره من المبادي التي ليست مبدئيتها لشيء بما به ذاتها وحقيقتها، كالإنسان في كونه كاتباً، حيث لا يكفي في ذلك حقيقته التي هو بها هو، بل مفتقر معه إلى صنعة الكتابة وغيرها من الأسباب، كالآلة، والقابل، ورفع المانع، ووجود الداعي، كل ذلك خارج عن الإنسان بما هو انسان، وكذا الشمس في إضاءتها وجه الأرض تفتقر إلى وجود الأرض، ووجود المحاذاة بينها وبين الأرض، فليست هي بما هي شمس مضيئة لوجه الأرض، بخلاف الواجب القيّوم، فإنَّ قيّوميته وخالقيته للسموات والأرض وما بينهما بنفس ذاته الذي هو داع ومريد وقادر. واعلم أنّا قد حققنا مفهوم هذه الكلمة الجلالية في تفسيرنا لآية الكرسي، وبيّنا هناك أنها بحسب المفهوم قابلة للشرح الحدّي، ويؤخذ في حده جميع الموجودات الصادرة عنه بنفس ذاته، بياناً مقنعاً من أراد أن يعلمه فليطلبه من هناك. والمراد من "اليوم" ها هنا اليوم الربوبي الذي مقداره ألف سنة مما تعدون، ولما كان مدة تكوّن العالم من زمان آدم (عليه السلام) إلى زمان نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلم) ستة آلاف سنة - على ما هو المشهور -، فعبر عنها بستة أيام، مدة كل يوم منها ألف سنة، يسمى باسم من أسامي أيام الأسبوع قبل يوم الجمعة، منسوب إلى أحد الكواكب السبعة سوى عطارد، وفيها ميلاد واحد من الأنبياء العظام قبل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا موافق لما قد اشتهر فيما بين الناس في جميع الأمصار، ان مدة الدنيا سبعة آلاف سنة على عدد الكواكب، فكل ألف سنة يوم من أيام الله، لقوله: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج:47] فالسنة منها هي التي خلق الله فيها السمٰوات والأرض، لأن الخلق حجاب الحق، فمعنى خلق اختفى بهما فأظهرهما وبطن، ويوم السابع هو يوم الجمع وزمان الاستواء على العرش والظهور بالأسماء، وهذا الظهور يبتدئ بالسابع من أول البعثة، ويزداد إلى تمام هذا اليوم، ويزول الخفاء بتمام الظهور لقيام الساعة، التي قد طلع فجرها ببعثة نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: حديث : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتَين" وجمع بين السبابة والوسطى . تفسير : وقال: حديث : "بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه" وأشار باصبعيه السبابة والوسطى تفسير : وليطلب تحقيق هذا المطلب في تفسيرنا لسورة الحديد بما لا يكون عليه مزيد. وهذا الاصطلاح في تقدير اليوم يستفاد من الأخبار أيضاً، كما روي (ع) عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : اني لأرجو ان لا يعجز أمتي عند ربها ان يؤخرهم نصف يوم أعني خمسمأة سنة" تفسير : وروي أيضاً أنه قال: "حديث : إن استقامت أمتي فلها يوم وإن لم تستقم فلها نصف يوم ". تفسير : واعلم أني منذ الآن ما رأيت أحداً عنده علم تام بتصحيح كون السمٰوات والأرض وما فيهما مخلوقة في ستَّة أيام، ولا وجدت في كلام أحد المفسِّرين وغيرهم ما يطمئن به القلب في بيان ذلك، فإن الأيام في مقادير الحركات، وهي متأخرة عن وجود الأجرام الكليّة، كالأفلاك وما فيها، سواء كانت عبارة عن مقادير أدوار الحركة اليومية كما هو المتعارف بين الناس، أو عن مقدار دورة القمر التي هي أسرع الدورات لكواكب السيارات، وهو الشهر في المشهور، أو هو مقدار دورة الشمس وهي السنة في المشهور، أو غيرها كدورة الفلك الثامن التي يكون مقدارها خمسة وعشرين ألف سنة تخميناً بحسب الأرصاد الجديدة، أو غيرها من الأيام الإلهية التي بحسب الأدوار القرآنية للكواكب السبعة، فإنَّ جميعها ليست إلاَّ مقادير الحركات الكليّة، وهي متأخرة عن وجود الأجرام الكرية الدورية الحركات كالأفلاك وما فيها، فكيف يكون ظرفاً لوجود هذه الأجرام بأنفسها ومقداراً لاصل تكونّها عنه تعالى. وأكثر المشتغلين بالعلوم العقلية اعترفوا بالعجز عن تطبيق هذا الحكم على القوانين الحِكَمية، لأن الحكماء أقاموا حججاً فلسفية على ان وجود الأفلاك والفلكيات ليس الاّ على سبيل الإنشاء الإبداعي، لا على نهج التدرج في الحصول، ولا لأجل الأسباب الجسمانية، كاستعداد القوابل وتهيئة الآلات، وكذا فناؤها ليس بالذبول والضعف والمرض، بل مجرد إرادة الصانع البديع، فهذا الإشكال غير منحلّ إلى الآن. وغاية ما ذكر ها هنا هو قول بعض المحققين من العُرفاء في تأويل هذه الآية وأمثالها، وهو ان يكون الخلق فيها بمعنى الاحتجاب، فقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: احتجب بها في الأيام الستَّة الإلهية، التي هي مدة دور الخفاء من لدن آدم (عليه السلام) إلى دور محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم). وأنت خبير بأن خروج الألفاظ القرآنية عن معانيها المتعارفة المشهورة، توجب تحيّر الناظرين فيها، والقرآن نازل لهداية العباد وتعليمهم وتسهيل الأمر عليهم مهما أمكن، لا للتعقيد والإشكال، فيجب ان تكون اللغات محمولة على معانيها الوضعية المشهورة بين الناس، لئلا يوجب عليهم الإلتباس. كشف إلهامي قد منّ الله علينا في تحقيق هذه الآية ونظائرها بما يشفي العليل ويروي الغليل من غير حاجة إلى صرف اللفظ عن مفهومه الظاهر، وهو يستدعي تمهيد مقدمات: أولاها: أن الأمور الصادرة عن الحق أقسام: أولها: ما لا يحتاج في وجوده وتعقله إلى قابل وحركة وزمان، ومنها ما يحتاج إليها في وجوده لا في تعقله، ومنها ما يحتاج إليها في الوجودين، فالأول كالعقول، التي هي ضرب من ملائكة الله، ويقال لأمثالها الأمور الإلهية، والثاني كالعدد والمقادير، ويقال لها الرياضيات، والثالث كأشخاص الأجسام الطبيعية وغيرها، ويقال لها الطبيعيات. وثانيها: ان لوجود كل من هذه الموجودات عالماً آخر، فالدنيا للأمور الطبيعية، وهي عالم الشهادة وعالم الحس، والآخرة للأمور المقدارية من غير مادة، ويقال لها: عالم الغيب وعالم الجزاء، وما هو فوقهما للأمور الربّانية، ولكل من هذه الموجودات مشعر آخر للإنسان، فبالحس يدرك الدنيا وما فيها، وبالخاطر والعقل يدرك الأمور الأخروية، وبالروح والعقل النظري يدرك الأمور الإلهية. وثالثها: ان الشيء قد يكون بحسب حقيقته وماهيته من الأمور العقلية، وبحسب تشخصه من الأمور المفتقرة إلى المادة وانفعالها، كالجواهر الصورية التي تقوُّم المادة وعوارضها بحسب سنخ تجوهرها، وأما بحسب تعيّنها الخاص وعوارض تعيّنها فهي مما تقوّمها المادة وانفعالاتها. ورابعها: ان الأفلاك وما فيها تفتقر إلى المادة وعوارضها الانفعالية في التشكل والمكان وغيرهما من المشخصات. وخامسها: ان تشخّص الشيء عبارة عن كونه مدركاً بالإدراك الحسي، وأما المحسوس بما هو محسوس - أي قابل لأن يناله الحسن - فوجوده إنما يتقوم بانفعال المادة وعوارضها، وكذا الجوهر الحاس مفتقر في وجوده إلى مادة محسوسة. وسادسها: ان الأمر التدريجي الوجود من حيث هو كذلك، زمان بقائه عين زمان حدوثه. فإذا تمهدت المقدمات. فنقول: لما اشتهر أن ابتداء وجود العالم مقارن لابتداء وجود بني آدم، لأنه من الأنواع الشريفة التي لا ينفك العالم عن وجودها المستحفظ نوعها ببقاء الأشخاص، وجميع العقلاء قائلون بان للكاينات ابتداء وانقضاء بحسب الأدوار والأكوار والطوفانات العظيمة، حتى أن بعض الحكماء ذكر كيفية نشوء الإنسان من غير توالد عند ابتداء الكائنات، وعلمت أن كيفية وضع السماء على هذه الهيئة المخصوصة ليست الاّ بأمور زائدة على ذاتها، وتلك الأمور مفتقرة إلى انفعال المادة وتغيراتها، والهيولى حقيقتها محض الانفعال والقوة والدثور والتغير، حتى قيل إنها من باب الحركة في جوهرية الشيء. ثم ان اسم السماء كأنَّه معتبر في معناه الفوقية، لأنَّه موضوع للحقيقة السماوية مع هذا الشكل المخصوص المحسوس، وهذه الهيآت المخصوصة من الفوقية وغيرها، والعرب يقولون: "سماء كل شيء سَقْفُه"، وكذا الفلك معتبر في معنى اسمه الحركة الدورية، لأنه مأخوذ من فلكة المغزل، ولهذا يقال بالفارسية: "آسمان" أي: المشابه للرحى. فحينئذ وبحكم المقدمة الأخيرة، يكون حدوث السماء بما هي سماء حاصلا بالتدريج المفتقر إلى زمان يقع فيه، وأما وجود الزمان والحركة فهما مفتقران إلى أصل حقيقة السماء، لا على وجه دوري مستحيل، بل على الوجه الذي حققه الراسخون في العلم عند كيفية استناد كل متغير إلى ثابت، وهذا أمر يحتاج تحقيقه إلى مقام آخر لبسط المقال، ومجال أوسع من هذا المجال. فقد ثبت ان السماء بما هي شخصية محسوسة، وكذا غيرها من الأمور المحسوسة المادية الموجودة في عالم الدنيا، أمر زماني الوجود، تدريجي الحصول، مدة كونها البقائي عين مدة حدوثها الإنشائي، فهذه المدة المضروبة في الكلام الإلهي هي مدة بقاء وجودها الذي هو عين الحدوث، ويشير إلى هذا قوله سبحانه: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن:29]. وأما قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" تفسير : فهو بالقياس إلى عالم آخر فوق الدنيا وما فيها، ولو نظرت حق النطر إلى حقيقة كل أمر متغير محسوس من حيث حقيقته الثابتة العقلية، وجدتها خارجة عن الزمان والمكان، مرتفعة عن التجدد والتغير والحدثان، وعن قول "أين" و "متى"، فإنَّ قولنا "الله عالم" و "الإنسان إنسان" و "الفلك فلك" لا تعلق لها بهنا وهناك، ولا بغد وأمس، فكذا حكم جميع الصفات الذاتية للأشياء ولوازم الماهيات، فلو ارتفعت الحواس منا لارتفعت بارتفاعها جميع الاعتقادات الزمانية والمكانية الواقعة، وتبدلت الأرض غير الأرض، والسموات غير السموات، لكونها مطويات بيمين الحق، كما قال بعض الناظمين من حكماء الفرس، وهو السنائي المسمى بالإلهي. شعراً: شعر : تازمين دل آدمى زايست خيمه روزكار بر بايست آدمى جون نها دسردر خواب خيمه اوشودكَسته طناب تفسير : فقد انكشف مما بينّا بوجه حِكَمي، سرّ كون السموات والأرض وما بينهما مخلوقة في ستة أيام من الأيام الإلهية، وهي من يوم السبت إلى يوم الخميس يوم ولادة عيسى بن مريم (عليهما السلام)، وأما يوم الجمعة فابتداؤه وصبيحته وقت بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهو رسول آخر الزمان، وإمام الجماعة من الأنبياء والأولياء، وخطيب يوم الجمعة، وداعي الله والمنادي للصلاة في هذا اليوم، وفي ذكر الله تعالى وشهود وحدانيته، لقوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة:9]. وقد قلت أبياتاً في هذا المعنى عند انشراح صدري وانفتاح قلبي في ذكري وهي هذه. - شعر -: شعر : جون ظهور دين بيغمبر شدى دين توحيد خدا ظاهر شدى مسجد جامع بانجام آمده در يكى هفته باتمام آمده روز اين هفته بود هر يك هزار زين شمار دورهء ليل ونهار "ان يوماً عند ربك" را بخوان بس ز آدم تا بخاتم هفته دان روز جمعه جون شدى كَاه نماز شد خطيب أنبياء اندر نياز در ميان روز آدينه يكى ميشود قائم قيامت بى شكى بانكَك قد قامت بكَوش مردمان ميرسد بيش از قيامت يكزمان مرتفع شد آفتاب معرفت تابسمت الرأس زين عالى صفت اين مؤذن كَفته "قد قامت صلوة" اول اين روز اعلامى بكَاه جذبة "فاسعوا إلى ذكر الله" است دردرون هر كسى كاندر رهست اول اين روز وقت بعثت است كه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رارسالت شدد رست ازأذانش خفتكَان آكَه شدند روح قدسى باملائك صف زدند تو "زقد قامت" كجادارى خبر كز قيامت نيست درجانت اثر تفسير : تبيان قد تحيرت أفهام العقلاء وأفكار العلماء في معنى استوائه تعالى على العرش، وانقسموا في متشابهات القرآن إلى مجسّم كالحنابلة، وإلى مُأوّل كالمعتزلة، وإلى مقتصد - مجسّم في البعض ومُأَوّل في البعض - كأصحابنا الإماميين، ليسوا في مرتبة إسراف المؤولين في رفع الظواهر، ولا في مرتبة تقصير المجسمة في حسم باب التأويل. وهنا قسم رابع هم الراسخون في العلم المشار إليهم في قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران:7] على قراءة الوصل - وقد أشرنا إلى طريقتهم في تفسيرنا لآية الكرسي، وذكرنا هناك أنموذجاً من مقامهم في كلام الله الملك العلاّم بمقتضى دينهم وديانتهم في ضبط الفاظ الكتاب المجيد عن التحريف والتحديد، فإنَّ مقتضى الدين والديانة ورعاية الضبط والأمانة، أن لا يُؤوِّل المؤمن شيئاً من الأعيان التي نطق بها القرآن والحديث، الاّ بصورها كما جاء وفسرها علماء التفسير الواقعين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الماضين المعصومين عن الخطأ سلام الله عليهم أجمعين. اللَّهمَّ إلاَّ أن يكون محققاً خصصه الله تعالى بكشف الحقايق والمعاني والأسرار والإشارات في فهم التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خالص أو إشارة وتحقيق، وتقرر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان، مثل الجنة والنار والميزان، وما في الجنة من الحور والقصور والأنهار والأشجار، وما في النار من الحميم والزقّوم وتصلية جحيم والمُهل يشوي في البطون كغلي الحميم، وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل والنهار، لا يؤوِّل منها شيئاً على مجرد المفهوم ويبطل صورته، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء. ويفهم منها حقائقها ومعانيها، فإنَّ الله تعالى ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلاَّ وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلاَّ وله حقيقة في عالم الحق، وهو غيب الغيب فافهم جداً، وما خلق شيئاً في العالمين إلاَّ وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان. فإذا عرفت هذا على الكشف واليقين، فقد اعتصمت بحبل متين من حبال القرآن المبين، واستمسكت بعروة وثقى من عروة الدين - فالزم. واعلم ان مثال العرش في العالم الصغير الإنساني قلبه، إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله تعالى، فكما أن كون القلب - بل البخار اللطيف الذي فيه - مستوي للنفس الإنسانية بل للروح العقلي، لا يوجب تجسماً لها، لأن حقيقة هذا الإستواء ليس كاستواء جسم على جسم، بل هذا تجلّ للروح بواسطة قوتها العملية في القلب، وظهورٌ منها عليه يوجب استعمالها له وتحريكها إياه بحيث تكون آثارها في سائر الأعضاء وغيرها بواسطة القلب، فما يفعل فعلاً إلاَّ ويظهر أولاً أثر من الروح في قلبه، ثم يسري منه في الأعضاء الآلية، ثم في الآلات الخارجية ان كان فعلاً خارجياً يفتقر إليها، ثم يوجد ذلك الشيء الذي يقال إنه أثر النفس، كالكتابة في مادة خارجية كالمداد وصفحة القرطاس، فكذلك معنى استوائه تعالى على العرش، استعماله تعالى إيَّاه بواسطة مَلَك مقرّب هو مثال رحمانيته وتجلّيه له وظهوره فيه، بحيث لا يتكون متكون في عالم العناصر الاّ ويظهر أصله في عرش الله، ثم بواسطته يسري في عالم السموات التي هي بمنزلة الأعصاب والرباطات للإنسان الكبير، ثم يوجد في هذا العالم صورة منه في هيولي العنصريات التي هي مداد كلمات الله على صفحة الأرض، وهي المعبّر عنه بالبحر المسجور وإليها الإشارة في قوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تفسير : [الكهف:109]. وها هنا أسرار عظيمة عزيزة أعز وأرفع من أن يمكن كشفها على غير أهلها كما هو حقه، بها يتبين تمام المضاهاة بين فعل الآدمي داخل العالم الصغير وخارجه، وفعل القدرة الإلهية داخل العالم الكبير وخارجه، فإنَّ من لم يعرف شمول جوهر النفس الآدمية جميع أفاعيلها الغيبية والشهادية، الداخلة والخارجة، يرجع ويقول اغتراراً بظواهر ما وصل إليه من كتب الحكماء، أو فهمه من كتب الأطباء إن فعل النفس لذاتها ليس إلاَّ إدراك المعقولات، وأمّا الأفاعيل البدنية الداخلة فهي منسوبة إلى القوى كالهاضمة والجاذبة والدافعة وغيرها، أما الأفاعيل الخارجة كالكتابة والحياكة والصياغة فهي منسوبة إلى الأعضاء بواسطة الآلات الصناعية، فلم يتم في حقه كون النفس مثالاً للرب تعالى ذاتاً وصفة وفعلا وآثاراً، ولم يتم عنده التوحيد الأفعالي المستفاد في هذه الآية من قوله: {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة:4]. ثم لا يخفى أن المكونات العنصرية خارجة عن العالم الكبير الحيواني، لِمَا ثبت في مباحث الغايات لحركات السماويات أن لها في حركاتها أغراضاً علوية وما يترتب على فعل الأفلاك والسماويات ليس بالذات وجود العنصريات، كما أن الفعل الذاتي للنفس هي الإرادات والتدبرات، ثم بواسطتها إنشاء الحوادث في عالمها الخاص - أعني بدنها - وغاية فعلها ما يلحق إليها من الحِكَم والمصالح والخيرات أو اللذّات، وأما الفعل الخارجي فهو فعل تبعي، وأما الغاية الخارجية كتسوّد وجه القرطاس، فهي غاية عرضية بأحد الوجوه المذكورة في بابها. وبالجملة، فكما أن في الحيوان توجد أمور لا يسري إليها الحياة إلاَّ بالتبع كالظفر والشعر والظلف والقرن، فإنَّ هذه كثائف تؤدي إليها البخارات والأدخنة المزاجية، فينجمد عندها وينقطع دونها أثر تصرف النفس في انشاء الروح الغريزي النفساني، الحامل للحياة والحس والحركة الإرادية، فهي حية بحياة البدن بالعَرَض، فكذلك في الوجود أمور يقال لها في عرف العرفاء "الآثار"، وهي عبارة عن الموجودات العَرَضية التبعية، التي ليست الطبيعة الكلية متوجهة إليها، ولا هي غايات ذاتية للحركات الكلية، وهذه كالشخصيات العنصرية، فهي واقعة في الوجود اتّفاقاً بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما ان وجود الكثائف والأوساخ التي تحصل في دكة القصّاب وينتفع بها الذباب، ليس من الغاية الذاتية لصنعة القصّابين، بل هي أمور ضرورية اتّفاقية لازمة للصنعة المذكورة، من غير توجه الفاعل إليها بالذات. والله سبحانه عالم قادر بجميع الأشياء، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، إلاّ أن غاية إيجاده للكائنات، وجود العقول النظرية العارفة لذاته تعالى، لقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56] وأما غيرها من الشخصيات الكائنة الفاسدة، فوجودها خارج عن القصد الذاتي، لأنها طُفَيل ذات الإنسان الكامل. ومن ها هنا استتم وجه من وجوه المضاهاة بين فعل النفس خارج البدن، وبين فعل الله تعالى بواسطة العرش فيما دون السموات في كون كل منهما أثراً من آثار فاعل قادر حكيم مدبّر. بَسْطُ حِكْمة رحمانية إنَّ استواءَه تعالى على العرش بعد الفراغ من خلق الأنواع على نهج الإبداع، تصرفه تعالى في العالم بواسطته، وتدبيره الأمور بوسيلة تحريك السماء الموجب لحدوث الأشياء المتجددة، وإنَّما خصَّ العرش بالإستواء، لأنه مبدأ الأجسام (الأشياء - ن) اللطيفة القابلة للفيض الرحماني. وعند بعضهم، العرش فلك عظيم مشتمل على جميع الأجرام الفلكية والكوكبية، يحيط به سطحان: أحدهما: مقعّر مائل القمر، والآخر: ما هو منتهى الإشارة الحسية، أي جهة الفوق الحقيقي، وهو متحرك بالحركة اليومية السريعة الحافظة للزمان، المحيطة بسائر الحركات المستديرة، وبه تتجدد الأبعاد المكانية والزمانية، والحوادث والاستعدادات وغيرها، فما من حادث من الحوادث من الحركة والأجسام الكائنة والفاسدة، إلاَّ وللعرش مدخل في وجوده وعدمه، كما أن القلب الإنساني رئيس سائر الأعضاء، ولا تسري قوة الحياة والحس والحركة الفائضة من النفس على البدن إلاَّ بتوسط القلب، فإنه أول ما يتحرك من أعضاء البدن، وآخر ما يسكن منها، فهو بحسب حقيقته وذاته محيط بالبدن. والنفس مستوية عليه على مثال استواء الرحمان على العرش، فإنَّ الاستواء صفة من صفاته تعالى لا يشبه استواء المخلوقين، كالعلم وساير الصفات، لا اشتراك بينه تعالى وبين الخلق إلاَّ بحسب الاسم والحكاية: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى:11] وهذه الآية توجب نفي المثل وإثبات المِثال، ولا مثال له تعالى ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً في الوجود إلاَّ النفس الآدمية بحسب جمعيته الأحَدية. ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك للحق تعالى، لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك إن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم، استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة، وهو بذر شجرة عالمك وبدنك، كما أن الهيولى الكلية المطلقة بذر شجرة العالم الجسماني التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، فتصرفت فيها أيام الحمل في أطوارها، فجعلها عالماً صغيراً مناسباً للعالم الكبير، فتكون المعدة بمثابة الأرض، والرأس بمثابة السماء، والقلب بمثابة العرش، والصدر لمكان الكبد بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه. ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب، لا استواءً مكانياً، بل استواءً ارتباطياً تعلقياً معنوياً، ليتصرف في جميع أجزاء الشخص، وتدبير أموره بإفاضة فيضه على القلب أولاً، ثم من القلب على الكبد والدماغ والأعضاء الشريفة الرئيسة ثانياً، ثم على سائر الأعضاء والجوارح بتوسطها، فالعرش مُقَسّم فيض الحق على العالم كله، كما ان القلب مُقَسّم فيض الروح إلى القالب كله. فإذا تأملت في هذا المثال تأملاً شافياً، وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المقدسة المنزهة كافياً، وتحققت بحقيقة قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : إن شاء الله. تلويح عرشي لا يستر على العارف المكاشف، ان في الوجود وجوهاً من المشابهة والمماثلة بين القلب الإنساني وعرش الرحمان، ذكرناها في بعض كتبنا العرفانية بوجه تفصيلي ولا بأس بذكر جملة منها على وجه التلخيص، وهي خمسة: الأول: انهما يشتركان في كونهما محل استواء الرحمان، أما العرش فلدلالة هذه الآية ونظائرها على كونه كذلك، وأما قلب المؤمن العارف فلقوله تعالى في القرآن: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}تفسير : [الحديد:4] وفي الحديث القدسي: "حديث : يا داوود فرّغ لي بيتاً، انا عند المنكسرة قلوبهم ". تفسير : وروي أيضاً أنه حديث : سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أين الله؟ فقال: "في قلوب عباده"تفسير : ، فعليك ان تتفحص القلب الإنساني، فإذا وجدت وصرت ذا قلب فقد وجدت بيت الله، لأن الروح محل معرفة الله، وقلب المؤمن عرش الله، وهو لطيفة صافية تنبعث من صفوة الأخلاط الأربعة وبخاريتها ودخانيتها، كما ان السماء وهي دخان حاصلة من صفو الأجرام ودخانيتها. الثاني: كونهما بين اصبعين من أصابع الرحمان، والإصبعان هما النفس والعقل، المحركان للأشياء، أحدهما بالمباشرة والتدبير، وثانيهما بالإمداد والتشويق، وهما مَلَكان مقرّبان روحانيان، أحدهما عقلي والآخر نفسي، أما كون العرش بينهما، فلما ثبت أن وجوده بعد القلم واللوح المعبِّران عن العقل والنفس والقضاء والقدر، وأما كون القلب بينهما، فلكونه مسبباً عن القوة العاقلة والعاملة من الروح الإنساني. الثالث: اشتراكهما في السعة والإحاطة، أما العرش فلقوله تعالى: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [البقرة:255] والعرش وسع الكرسي، فيكون أوسع منه ومما يحويه ويسعه، ولكثير من الأحاديث الدالة على ان العرش محيط بما في هذا العالم الجسماني، وأما قلب العارف فلقوله تعالى في الحديث القدسي: "حديث : لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ". تفسير : وأنت إذا تأملت في إحضارك لكل شيء تريده في قلبك، من الأفلاك العظيمة والكواكب بأي مقدار وعدد شئت، وإخطارك الصحارى الوسيعة في بالك بأي سعة شئت، والخلائق الكثيرة بأي كثرة شئت، فلا تتعجب في قول أبي يزيد البسطامي: "لو أن العرش وما حواه ألف مرة دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحس به" وما قيل: إن العرش مع نسبته باستواء الرحمانية كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى وسعة قلب المؤمن. الرابع: ان كلا منهما بمنزلة السرير للسلطان، تحته أربعة أركان، وفوقه أربعة قوائم، أما الأربعة الفوقانية فهي: العقل العملي، والنفس، والروح القدسي والطبع، وكل منها مَلَك عظيم، وأما الأربعة التحتانية فهي: الأرض والماء والنار والهواء، ولكل صورة من صور العناصر حقيقة روحانية، وهو ملك رباني يدبرها ويربّيها بإذن مبدع الكل، فإذا اتصل كل مستفيض بمفيضه، وانصب كل ماء بانائه، وانضمّ كل معلول إلى علّته، وصار عرش الله بارزاً، وبرزت كل الحقايق لله الواحد القهار، تنضم هذه الأربعة الجسمانية بتلك الأربعة الروحانية وتصير ثمانية: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة:17] وهي الأنوار القاهرة القدسية، أرباب الأصنام العنصرية مع طبايعها الأربعة التي هي الصور النوعية، تحمله بالاجتماع من الطرفين - العلوي والسفلي - عند البعث والنشور من كل طرف أربعة، فيكونون ثمانية، أي عند النشور. ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): على ما روي عنه: "حديث : هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين، فيكونون ثمانية ". تفسير : ولكون تلك الأملاك مختلفة الحقايق بحسب اختلاف اصنامها العنصرية، قال بعضهم إنهم على صور مختلفة، ولكونها مستولية مستعلية على تلك الأجرام شُبّهت بالأوعال وسميت بها تشبيهاً لأجرامها بالجبال، ولكونها شاملة لتلك الأجرام بالغة إلى إفاضتها حيثما بلغت، لازمة لها، فاعلة أيضاً فيها. قال بعضهم: هي ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مُطرِقون، مُسَبّحون لله، والله أعلم بحقائق الأمور. الوجه الخامس: ان كلا منهما نهاية الجسمانيات وبداية الروحانيات، وكل منهما صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم الآخرة، وكل منهما برزخ جامع بوجه وحد فاصل بوجه، وخط واصل وصراط ممدود على متن جهنم، وطريق مستقيم إلى الله تعالى، وكل منهما بمنزلة سور ذي بابين، باب داخلي إلى عالم الرحمة والرضوان، لا يلج من يلج ملكوت السموات إلاَّ من هذا الباب، وباب خارجي إلى عالم المقت والنيران، لا ينزل ما ينزل إلى منازل الشياطين ومزابل الملاعين إلاَّ من هذا الباب، كما أشير إليه في قوله تعالى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد:13] والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قد مضى الآية فى سورة الاعراف {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} الشّفيع بمنزلة النّصير وقد تكرّر بيانه فى ما مضى {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} اى ينزّل الامر مع ملاحظة حسن دَبره وعاقبته من سماء الارواح الى اراضى الاشباح على استمرارٍ {ثُمَّ يَعْرُجُ} الامر من الارض {إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. اعلم، انّ ايّام الآخرة ليست فى عرض ايّام الزّمان بل هى فى طولها بمعنى انّ ايّام الدّنيا قوالب لايّام الآخرة وهى بمنزلة الارواح لايّام الدّنيا، وكلّ مرتبة من مراتب الآخرة سعتها واحاطتها بالنّسبة الى مراتب الدّنيا مضاعفة، فكلّ يوم من ايّام الآخرة بالنّسبة الى يوم من ايّام الدّنيا يضاعف سعته بعشرٍ ومائةٍ والفٍ وعشرة آلاف الى خمسين الفاً هذا بالنّسبة الى ايّام الدّهر، وامّا ايّام السّرمد فلا تحدّ بشيءٍ لعدم نهايتها وتحدّدها، وقد مضى شطرٌ من تحقيق هذا المطلب فى اوّل بنى اسرائيل، والمراد بالامر الّذى يدبّره من السّماء الى الارض ثمّ يعرج من الارض الى السّماء هو الوجود الفعلىّ الّذى هو المشيّة الّتى هى امره تعالى وفعله وكلمته واضافته الى غير ذلك من الاسماء فانّه يتنزّل من سماء المشيّة الى سماء الارواح ثمّ الى سماء النّفوس الكلّيّة، ثمّ الى سماء النّفوس الجزئيّة، ثمّ الى اراضى الاشباح النّوريّة، ثمّ الى اراضى الاشباح الظّلمانيّة، ثمّ يبتدء فى العروج من عالم الطّبع، او من عالم الجنّة الى اراضى الاشباح النّوريّة، ثمّ الى النّفوس الجزئيّة، ثمّ الى النّفوس الكلّيّة، ثمّ الى الارواح، ثمّ الى المشيّة.
اطفيش
تفسير : {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيامٍ} في مقدار ستة ايام من ايام الدنيا وقيل في ستة ايام من ايام الآخرة واليوم الواحد الف سنة وعن بعضهم آخر السنة الجمعة واولها الاحد. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} ملك العرش وذلك كناية عن كونه مالكا لمخلوقاته كلها والعرش لغة سرير الملك. {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} الخطاب لكفار مكة اذا جاوزتم رضى الله عذبكم عذابا دائما ولن تجدوا من يمنعكم من عذابه ومن يشفع لكم حتى لا يعذبكم او المعنى ان الذي يمنع الضر ويرزق النفع والنصر هو الله واذا خذلكم فلا ناصر وشافع يجوز ان يراد بالناصر المنجي من العذاب او الضر بعد الوقوع فيه وبالشفيع المنجي من الايقاع في العذاب ويجوز العكس ويجوز ان يراد بهما معنى واحد وهو مطلق المنع من العذاب او الضر مطلقا سواء بعد الوقوع فيه او قبله. {أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} بهذه المواعظ فتؤمنوا.
اطفيش
تفسير : {الله الَّذي خَلَق السَّماوات والأرض في ستة أيام} لحكمته {ثم اسْتَوى عَلىَ العَرش} بالخلق، ولو شاء لخلقهن فى اقل من لحظة، فهل معبوداتكم تخلق ذرة {ما لَكُم مِن دُونه من ولي ولا شفيع} مالكم قريب بالنسب، او المصاحبة يليكم بالدفع عنكم، ولا ذو جاه يرق عليكم فيشفع لكم، ومن دونه حال من الكاف، أى من دون رضا الله وجل، وان جعلناه حالا من المستتر فى لكم، وجعلنا ولى مبتدأ او حالا من ولى، وولى فاعل لكم، فالمعنى ما لكم شفيع الا الله، فيلزم وصف الله بالشفاعة، لانها من الادنى الى الاعلى، كما استشفع اعرابى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله اليه فنهاه، فيحتاج الى ان نقول: وجه المنع بقاءه بظاهره، وهنا تأوله بناصر فيجوز، ويجوز ان يكون للمشاكلة، لان المشركين ينسبون الشفاعة لآلهتهم كذا قيل. قلت: ما فيه اشكال لا يجوز حمل القرآن عليه بالتأويل، مع انه غير محتاج اليه، وانما نقبل اشكالا ظاهرا فى لفظ القرآن فتأوله، وهنا وجه آخر لا يلزم عليه وصف الله بالشفاعة، وهو ان من دونه جار على الواقع، فانه لا شفيع الا وهو غير الله تعالى، لانه لا يوصف بالشفاعة، نقول: مالك فرس غير اشهب، مع انه لا فرس لمخاطبك البتة. {أفلا تتذكَّرون} إن قلنا الهمزة مما بعد الفاء لتمام صدارتها، فلا تقدير والا قدرنا معطوفا عليه، الا تسمعون المواعظ البتة، فلا تتذكرون، او أتسعونها فلا تتذكرون بها.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } مر بيانه فيما سلف على مذهبـي السلف والخلف {مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } أي ما لكم مجاوزين الله عز وجل أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى ولي ولا شفيع أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جل جلاله ـ فمن دونه ـ حال من مجرور {لَكُمْ } والعامل الجار أو متعلقه، وعلى هذا المعنى لا دليل في الخطاب على أنه تعالى شفيع دون غيره ليقال: كيف ذاك وتعالى جل شأنه أن يكون شفيعاً، وكفى في ذلك رده صلى الله عليه وسلم على الأعرابـي حيث قال: إنا نستشفع بالله تعالى إليك، وقد يقال: الممتنع إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقي / وأما إطلاقه عليه سبحانه بمعنى الناصر مجازاً فليس بممتنع، ويجوز أن يعتبر ذلك هنا وحينئذٍ يجوز أن يكون {مِن دُونِهِ } حالاً مما بعد قدم عليه لأنه نكرة ودون بمعنى غير، والمعنى ما لكم ولي ولا ناصر غير الله تعالى، ويجوز أن يكون حالاً من المجرور كما في الوجه السابق، والمعنى ما لكم إذا جاوزتم ولايته ونصرته جل وعلا ولي ولا ناصر، ويظهر لي أن التعبير بالشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيراً ما كانوا يقولون في آلهتهم {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا}تفسير : [يونس: 18] ويزعمون أن كل واحد منها شفيع لهم. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أي ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكار على الأول: متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معاً، وعلى الثاني: إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع.
ابن عاشور
تفسير : لما كان الركن الأعظم من أركان هدى الكتاب هو إثبات الوحدانية للإله وإبطال الشرك عُقب الثناء على الكتاب بإثبات هذا الركن. وجيء باسم الجلالة مبتدأ لإحضاره في الأذهان بالاسم المختص به قطعاً لدابر عقيدة الشريك في الإلهية، وخَبَرُ المبتدأ جملة {ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع}، ويكون قوله: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما} صفة لاسم الجلالة. وجيء باسم الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر وأنه الانفراد بالربوبية لجميع الخلائق في السماوات والأرض وما بينهما، ومن أولئك المشركون المعنيون بالخبر، والخطاب موجه إلى المشركين على طريقة الالتفات. والوليّ: مشتق من الولاء، بمعنى: العهد والحلف والقرابة. ومن لوازم حقيقة الولاء النصر والدفاع عن المولَى. وأُريد بالولي: المشارك في الربوبية. والشفيع: الوسيط في قضاء الحوائج من دفع ضرّ أو جلب نفع. والمشركون زعموا أن الأصنام آلهة شركاء لله في الإلهية ثم قالوا: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله} تفسير : [يونس: 18] وقالوا: {أية : ما نعبدهم إلا لِيُقَرِّبونا إلى الله زُلفىٰ} تفسير : [الزمر: 3]. و{مِن} في قوله {من دونه} ابتدائية في محل الحال من ضمير {لكم}، و(دون) بمعنى (غَير)، و{مِن} في قوله {من ولي} زائدة لتأكيد النفي، أي: لا وليّ لكم ولا شفيع لكم غير الله فلا ولاية للأصنام ولا شفاعة لها إبطالاً لما زعموه لأصنامهم من الوصفين إبطالاً راجعاً إلى إبطال الإلهية عنها. وليس المراد أنهم لا نصير لهم ولا شفيع إلا الله لأن الله لا ينصرهم على نفسه ولا يشفع لهم عند نفسه، قال الله تعالى: {أية : ذلك بأن الله مولَى الذين ءامنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم} تفسير : [محمد: 11] وقال: {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} تفسير : [البقرة: 255]. وتقدم تفسير نظيره {أية : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} تفسير : وبيان تأويل {أية : ثم استوى على العرش} تفسير : في سورة الأعراف(54). وفُرّع على هذا الدليل إنكارٌ على عدم تدبرهم في ذلك وإهمالهم النظر بقوله: {أفلا تتذكرون} فهو استفهام إنكاري. والتذكر: مشتق من الذُكر الذي هو بضم الذال وهو التفكر والنظر بالعقل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، ثم استوى على العرش استواء يليق به، ما لكم من دون الله ناصر ينصركم، ولا شفيع لكم، أتتمادون فى الكفر والعناد فلا تتعظون بمواعظ الله؟. 5- يُدبِّر شئون الخلق من السماء إلى الأرض، ثم يصعد إليه أمرها فى يوم مُقدر بألف سنة من سنى الدنيا التى تعدونها. 6- ذلك الموصوف بالخلق والاستواء والتدبير عالِمٌ ما غاب عن الخلق وما شاهدوه، الغالب أمره، الواسع الرحمة. 7- الذى أتقن كل شئ خلقه بحسب ما تقتضيه حكمته، وبدأ خلق الإنسان الأول من طين. 8- ثم جعل ذريته - بعد ذلك - متخلقة من ماء قليل ضعيف لا يُؤْبَه له فى العادة. 9- ثم قوَّمه ووضع فيه من سره الذى اختص به، وجعل لكم السمع والأبصار والعقول لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، ما تشكرون إلا شكراً قليلا. 10- وقال المنكرون للبعث: أئذا صرنا تراباً مختلطاً بتراب الأرض لا يتميز عنه، أئنا لنعود فى خلق جديد؟!، إنهم لا ينكرون البعث - وحده - بل هم بجميع ما يكون فى الآخرة مكذبون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (4) - لَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالى السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيامٍ (وَهذِهِ الأيامُ لا يَعْرفُ أََحَدٌ كُنْهَهَا، وهيَ عَلَى كُلّ حَالٍ لَيْسَتْ مِنْ أيامِ الدُّنيا، لأَنها كَانَتْ قَبلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنيا، وَقَبلَ أَنْ يُخْلَقَ الليلُ والنَّهَارُ) ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ، واللهُ تَعَالى هُوَ المَالِكُ لأَِزِمَّةِ الأُمُورِ، وَهُوَ المُدَبِّرُ لِشُؤُونِ خَلْقِهِ، وَليسَ لِلنَّاسِ مِنْ دُونِهِ مَنْ يَلي أُمُورَهُمْ أَوْ يَنْصُرُهُمْ مِنْهُ إِنْ أَرادَ بِهِمْ ضَرّاً، وَليسَ لَهُمْ مِنَ يَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَهُ إِنْ أَرَادَ عِقَابَهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِم. أَفَلاَ يُدْرِكُ الذِينَ يَعْبُدُونَ غَيرَ اللهِ هذهِ الحَقِيقَةَ فَيَعْتَبِرُ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ عَقْلٌ يُدْرِكُ بِهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما لخدمة الإنسان، وهو المكرَّم الأول في هذا الكون، وجميع الأجناس في خدمته حيواناً ونباتاً وجماداً، فهو سيد في هذا الكون، لكن هل أخذ هذا السيد سيادته بذاته وبفعله؟ لا إنما أخذها بفضل الله عليه، فكان عليه أولاً أنْ يشكر مَنْ أعطاه هذه السيادة على غيره. وهذا السيد عمره ومروره في الحياة عبور، فعمره فيها يطول أو يقصر ينتهي إلى الموت، في حين أن الجمادات التي تخدمه عمرها أطول من عمره، وهي خادمة له، فكان لزاماً عليه أنْ يتأمل هذه المسألة: كيف يكون عمر الخادم أطول وأبقى من عمر السيد المخدوم؟ إذن: لا بد أن لي عمراً آخر أطول من هذا، عمراً يناسب تكريم الله لي، ويناسب سيادتي في هذا الكون، إنها الآخرة حيث تندثر هذه المخلوقات التي خدمتني في الدنيا وأبقى أنا، لا أعيش مع الأسباب، إنما مع المسبب سبحانه، فلا أحتاج إلى الأسباب التي خدمتني في الدنيا، إنما أجد كل ما أشتهيه بين يديَّ دون تعب ودون سَعْي، وهذه ارتقاءات لا تكون إلا لمَنْ يطيع المرقى المعطي. لذلك، الحق - سبحانه وتعالى - يلفتنا ويقول: صحيح أنت أيها الإنسان سيد هذا الكون وكل مخلوقاتي في خدمتك، لكن خَلْقها أكبر من خَلْقك: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57]. لماذا؟ لأن للناس أعماراً محددة، مهما طالت لا بُدَّ أن تنتهي إلى أجل، ثم إن هذه الأعمار لا تَسْلم لهم، إنما تنتابها الأغيار، فالغنيّ قد يفتقر، والصحيح قد يمرض، والقوي قد يضعف، أمّا الشمس والقمر والنجوم والكون كله فلا يتعرض لهذه الأغيار فما رأينا الشمس أو القمر أو النجوم أصابتها علة وانتهت كانتهاء الإنسان، ثم أنتَ لستَ مثلها في العظمة المستوعبة؛ لأن قصارى ما فيك أنك تخدم نفسك أو تخدم البيئة التي حولك، أمَّا هذه المخلوقات فتخدم الكون كله. فإذا أقرَّ - حتى الكفار - بأن الله تعالى هو خالق السماء والأرض إذن: فهي دليل أول على وجود الحق تبارك وتعالى. ومسألة خَلْق السماوات والأرض من الأشياء التي استأثر الله بعلمها وليس لأحد أنْ يقول: كيف خُلِقت ولا حتى كيف خُلق الإنسان؛ لأن مسائل الخَلْق لم يشهدها أحد فيخبرنا بها؛ لذلك يقول تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. فسماهم الله مُضلِّين، والمضِلّ هو الذي يجنح بك إلى طريق باطل، ويصرفك عن الحق، وقد رأينا فعلاً هؤلاء المضلِّين وسمعنا افتراءاتهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض. إذن: خَلْق السماوات والأرض مسألة لا تُوخَذ إلا ممَّنْ خلق؛ لذلك قَصَّ لنا ربنا - تبارك وتعالى - قصة خَلْق آدم، وقصَّ لنا قصة خلق السماوات والأرض، لكن الخَلْق حدث وفعل، والفعل يحتاج إلى زمن تعالج فيه الحدث وتزاوله، والإشكال هنا في قوله تعالى {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [السجدة: 4]. فهل الحدث بالنسبة لله تعالى يحتاج إلى زمن؟ الفِعْل من الإنسان يحتاج إلى علاج يستغرق زمناً، حيث نوزع جزئيات الفعل على جزئيات الزمن، أما في حقه تعالى فهو سبحانه يفعل بلا علاج للأمور، إنما يقول: للشيء كن فيكون، أما قوله تعالى: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [السجدة: 4] فقد أوضحناها بمثال، ولله المثل الأعلى. قلنا: أنت حين تصنع الزبادي مثلاً تأتي بالحليب، ثم تضع عليه خميرة زبادي سبق إعداده، ثم تتركه في درجة حرارة معينة سبع أو ثماني ساعات بعدها تجد الحليب قد تحوَّل إلى زبادي، فهل تقول: إن صناعة الزبادي استغرقت مني سبعاً أو ثماني ساعات؟ لا، إنها استغرقتْ مجرد إعداد المواد اللازمة، ثم أخذت هذه المواد تتفاعل بعضها ببعض، إلى أن تحولت إلى المادة الجديدة. كذلك الحق - تبارك وتعالى - خلق السماوات والأرض بأمره (كُنْ)، فتفاعلت هذه الأشياء مُكوِّنه السماوات والأرض. ومسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام عُولجت في سبع سور من القرآن، أربع منها تكلمْن عن خلق السماوات والأرض ولم تتعرض لما بينهما، وثلاث تعرضتْ لخَلْق السماوات والأرض وما بينهما، ففي الأعراف مثلاً، وفي يونس، وهود، والحديد. تعرضت الآيات لخلق السماوات والأرض فقط. وفي الفرقان والسجدة وق. فتكلَّمتْ عن البينية، فكأن السماوات والأرض ظرف خُلِق أولاً، ثم خُلِق المظروف في الظرف، وهذا هو الترتيب المنطقي أنْ تُعِدَّ الظرف أولاً، ثم تضع فيه المظروف. وقوله تعالى: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [السجدة: 4] الله يخاطب بهذه الآيات العرب، واليوم له مدلول عند العرب مرتبط بحركة الشمس والقمر، فكيف يقول سبحانه {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [السجدة: 4] ولم تخلق بعد لا الشمس ولا القمر؟ نقول: المعنى خلقها في زمن يساوي ستة أيام بتقديرنا نحن الآن، وإلا فاليوم عند الله تعالى يختلف عن يومنا، ألم يقل سبحانه وتعالى: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47] أي: في الدنيا. وقال عن اليوم في الآخرة: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4] فلله تعالى تقدير لليوم في الدنيا، ولليوم في الآخرة. والحق سبحانه لم يُفصِّل لنا مسألة الخَلْق هذه إلا في سورة (فُصِّلَت) فهي التي فصَّلَتْ القول في خَلْق السماوات والأرض، وهذه من عجائب هذه السورة. فقال تعالى: {أية : قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ..} تفسير : [فصلت: 9-10] هذه ستة أيام. {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ..} تفسير : [فصلت: 11-12] وهكذا يصبح المجموع ثمانية أيام. إذن: كيف نُوفِّق بين ستة أيام في الإجمال، وثمانية أيام في التفصيل؟ قالوا: الأعداد يُحمل مُجْملها على مفصَّلها؛ لأن المفصَّل تستطيع أن تضم بعضه إلى بعض، أما المجمل فهو النهاية. وأَعِدْ معي قراءة الآيات: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 9-10] وهذا كله من لوازم الأرض {أية : فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ..} تفسير : [فصلت: 10] أي: أن هذه اللوازم تابعة لما قبلها. فالمعنى: في تتمة أربعة أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة، كما لو قلت: سِرْتُ من القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين، فالساعة الأولى محسوبة من هاتين الساعتين. فالحق سبحانه خلق الأرض في يومين، وخلق ما يلزمها في تتمة الأربعة الأيام، فالزمن تتمة للزمن؛ لأن الحدث يُتمِّم الحدث، إذن: المحصلة النهائية ستة أيام، وليس هناك خلاف بين الآيات {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] ومن العجيب أن يأتي هذا التفصيل في (فَصِّلت). وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} [السجدة: 4] الحق - تبارك وتعالى - يخاطب الخَلْق بما يُقرِّب الأشياء إلى أذهانهم؛ لأن الملوك أو أصحاب الولاية في الأرض لا يستقرون على كراسيهم إلا بعد أنْ يستتبَّ لهم الأمر. فمعنى {ٱسْتَوَىٰ ..} [السجدة: 4] صعد وجلس واستقر، كل هذه المعاني تناسب الآية، لكن في إطار قول الحق سبحانه وتعالى {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. فكما أن لله تعالى وجوداً ليس كوجودك، وسَمْعاً ليس كسمعك، وفعلاً ليس كفِعْلك، فكذلك له سبحانه استواء، لكن ليس كاستوائك، وإذا دخلت حجرة الجلوس مثلاً عند شيخ البلد وعند العمدة والمحافظ ورئيس الجمهورية ستجد مستويات متباينة، كلٌّ على حسب ما يناسبه، فإذا كان البشر يتفاوتون في الشيء الواحد، فهل نُسوِّى بينا وبين الخالق عز وجل؟ فالمعنى إذن {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} [السجدة: 4] استتبَّ له أمر الخَلْق، {مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ ..} [السجدة: 4] الوليُّ: مَنْ يليك، ويكون قريباً منك، وإليه تفزع في الأحداث، فهو ملجؤك الأول. والشفيع: الذي يشفع لك عند مَنْ يملك أمرك، فالوليُّ هو الذي ينصرك بنفسه، أمَّا الشفيع فهو يتوسط لك عند مَنْ ينصرك، فليس لك وليٌّ ولا شفيع من دون الله عز وجل. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 67] فلا أحدَ ينجيكم، ولا أحدَ يُسْعفكم إلا الله {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4]. كأن هذه المسألة يجب أنْ تكون على بالك دائماً، فلا تغفل عن الله؛ لأنك ابْنُ أغيار، والأحداث تتناوبك، فلا يستقرّ بك حال، فأنت بين الغِنَى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف. لذلك تذكَّر دائماً أنه لا وليَّ ولا نصيرَ لك إلا الله، وإذا استحضرتَ ذلك دائماً اطمأنَّ قلبك، ولم لا وأنت تستند إلى وليٍّ وإلى نصير لا يخذلك أبداً، ولا يتخلى عنك لحظة، فإذا خالط هذا الشعورُ قلبَك أقبلتَ على الأحداث بجسارة، وإذا أقبلتَ على الحدث بجسارة لم يأخذ الحدث من قوتك شيئاً؛ لأن الذي يخاف الأحداث يُضعِف قوته الفاعلة. فمثلاً صاحب العيال الذي يخاف الموت فيتركهم صغاراً لا عائلَ لهم لو راجع نفسه لقال لها: وَلِمَ الخوفُ على العيال من بعدي، فهل أنا خلقتهُم، أم لهم خالق يرعاهم ويجعل لهم من المجتمع الإيماني آباءً متعددين؟ لو قال لنفسه ذلك ما اهتم لأمرهم، وصَدَق الذي قال مادحاً: أنتَ طِرْتَ باليُتْم إلى حَدِّ الكَمالِ وقال آخر: شعر : قَال ذُو الآبَاءِ لَيْتِى لاَ أبَا لِي تفسير : ولَم لا؟ وقد كفل الإسلام للأيتام أنْ يعيشوا في ظل المجتمع المسلم أفضل مما يعيش مَنْ له أب وأم. إذن: فالإنسان حينما يعلم أن له سنداً من ألوهية قادرة وربوبية لا تُسلمه يستقبل الحوادث بقوة، ويقين، ورضا، وإيمان بأنه لن يُسْلَم أبداً ما دام له إيمان برب، وكلمة رب هذه ستأتي على باله قَسْراً في وقت الشدة، حين يخذله الناس وتُعْييه الأسباب، فلا يجد إلا الله - حتى لو كان كافراً لقال في الشدة: يارب. وقوله تعالى: {مِّن دُونِهِ ..} [السجدة: 4] يعني: لا يوجد غيره، وإنْ وُجِد غَيْرٌ فبتحنين الله للغير عليك، فالخير أيّاً كان فمردُّه إلى الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن كمال قدرته بخلق { السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها، يوم الأحد، وآخرها الجمعة، مع قدرته على خلقها بلحظة، ولكنه تعالى رفيق حكيم. { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } الذي هو سقف المخلوقات، استواء يليق بجلاله. { مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاكم، في أموركم، فينفعكم { وَلا شَفِيع } يشفع لكم، إن توجه عليكم العقاب. { أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن خالق الأرض والسماوات، المستوي على العرش العظيم، الذي انفرد بتدبيركم، وتوليكم، وله الشفاعة كلها، هو المستحق لجميع أنواع العبادة. { يُدَبِّرُ الأمْرَ } القدري والأمر الشرعي، الجميع هو المتفرد بتدبيره، نازلة تلك التدابير من عند المليك القدير { مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ } فَيُسْعِدُ بها ويُشْقِي، ويُغْنِي ويُفْقِرُ، ويُعِزُّ، ويُذِلُّ، ويُكرِمُ، ويُهِينُ، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، ويُنزل الأرزاق. { ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } وهو يعرج إليه، ويصله في لحظة. { ذَلِكَ } الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة، الذي استوى على العرش العظيم، وانفرد بالتدابير في المملكة، { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } فبسعة علمه، وكمال عزته، وعموم رحمته، أوجدها، وأودع فيها، من المنافع ما أودع، ولم يعسر عليه تدبيرها. { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } أي: كل مخلوق خلقه اللّه، فإن اللّه أحسن خلقه، وخلقه خلقًا يليق به، ويوافقه، فهذا عام. ثم خص الآدمي لشرفه وفضله فقال: { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ } وذلك بخلق آدم عليه السلام، أبي البشر. { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } أي: ذرية آدم ناشئة { مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } وهو النطفة المستقذرة الضعيفة. { ثُمَّ سَوَّاهُ } بلحمه، وأعضائه، وأعصابه، وعروقه، وأحسن خلقته، ووضع كل عضو منه، بالمحل الذي لا يليق به غيره، { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } بأن أرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، فيعود بإذن اللّه، حيوانا، بعد أن كان جمادًا. { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ } أي: ما زال يعطيكم من المنافع شيئًا فشيئا، حتى أعطاكم السمع والأبصار { وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } الذي خلقكم وصوركم.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل السجدة 412 - أنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدَّثني محمد بن الصَّبَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو عبيدة الحدادُ، قال: نا الأخضرُ بن عجلان، عن ابن جُريجٍ المكِّيِّ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة، حديث : أنا النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: "يا أبا هريرة إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يوم السابعِ وخلق التُّربة يوم السبتِ والجبال يوم الأحدِ والشجر يوم الاثنينِ والتِّقنَ يوم الثُّلاثاء والنُّور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميس وآدم يوم الجُمعةِ في آخرِ ساعةٍ من النهار بعد العصر وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل اللهُ عزَّ وجلَّ من آدم الطَّيِّبَ والخَبيثَ ". تفسير : 413 - أنا محمدُ بن بشارٍ، نا يحيى بن سعيدٍ، نا سُفيانُ وأنا عمرو بن عليٍّ، نا عبدُ الرحمن، نا سُفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرجِ، عن أبي هُريرة، حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ في صلاة الصُّبحِ يوم الجُمُعةِ {الۤـمۤ * تَنزِيلُ} [السجدة: 1-2]، وَ {هَلْ أَتَىٰ} [الإنسان: 1] . تفسير : - اللَّفْظُ لِعَمْروٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):