٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى: { أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة، ثم إذا كان أمره نافذاً فيهم يزداد في أعين الخلق، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته، وقوله تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } معناه، والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن العمل أثر الأمر. وقوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } فيه وجوه أحدها: أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة، فهو مقدار ألف سنة ثانيها: هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى: {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه، وكم تكون سنة منه، وكم يكون دهر منه، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله { أية : مقداره خمسين ألف سنة } تفسير : [المعارج:4] لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفاً لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى: (وفي هذه لطيفة) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق، وأشار إلى عظمة الملك، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } والروح من عالم الأمر كما قال تعالى: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي } تفسير : [الإسراء: 85] وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول، وإنما الواقع في الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه ههنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره. واعلم أن ظاهر قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } في يوم يقتضي أن يكون أمره في يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره في زمان حادث فيكون حادثاً وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول بأن أمره قديم حتى الحروف، وكلمة كن فكيف فهم من كلمة على كونه في مكان، ولم يفهم من كلمة في كون أمره في زمان ثم بين أن هذا الملك العظيم النافذ الأمر غير غافل، فإن الملك إذا كان آمراً ناهياً يطاع في أمره ونهيه، ولكن يكون غافلاً لا يكون مهيباً عظيماً كما يكون مع ذلك خبيراً يقظاً لا تخفى عليه أمور الممالك والمماليك فقال: {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ولما ذكر من قبل عالم الأشباح بقوله: { أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [السجدة:4] وعالم الأرواح بقوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ } قال: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } يعلم ما في الأرواح {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } يعلم ما في الأجسام أو نقول قال: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } إشارة إلى ما لم يكن بعد {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم، ثم قال تعالى: {ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } لما بين أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على البررة، ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله: {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } وأتمه بتوابعه ومكملاته ذكر الدليل الدال عليها من الأنفس بقوله: {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء } يعني أحسن كل شيء مما ذكره وبين أن الذي بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها على ما ينبغي صلابة الأرض للنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه في كل موضع وحركة النار إلى فوق، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم فخلقت طالبة لجهة فوق حيث لا شيء هناك يقبل الاحتراق وقوله: {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } قيل المراد آدم عليه السلام فإنه خلق من طين، ويمكن أن يقال بأن الطين ماء وتراب مجتمعان والآدمي أصله منى والمنى أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو طين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} قال ابن عباس: يُنزل القضاءَ والقدر. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل. وروى عمرو بن مرّة عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبّر أمر الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، ومَلَك الموت، وإسرافيل؛ صلوات الله عليهم أجمعين. فأما جبريل فموكّل بالرياح والجنود. وأما ميكائيل فموكّل بالقطر والماء. وأما مَلَك الموت فموكّل بقبض الأرواح. وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. وقد قيل: إن العرش موضع التدبير؛ كما أن ما دون العرش موضع التفصيل؛ قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ}تفسير : [الرعد: 2]. وما دون السموات موضع التصريف؛ قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} تفسير : [الفرقان: 50]. قوله تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} قال يحيـى بن سلام: هو جبريل يصعَد إلى السماء بعد نزوله بالوحي. النقاش: هو الملَك الذي يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض. وقيل: إنها أخبار أهل الأرض تصعَد إليه مع حملتها من الملائكة؛ قاله ابن شجرة. {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. وقيل: «ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ» أي يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} وهو يوم القيامة. وعلى الأقوال المتقدّمة فالكناية في «يَعْرُجُ» كناية عن الملَك، ولم يجر له ذكر لأنه مفهوم من المعنى، وقد جاء صريحاً في «سَأَلَ سَائِلٌ» قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ} تفسير : [المعارج: 4]. والضمير في {إِلَيْهِ} يعود على السماء على لغة من يذكّرها، أو على مكان الملك الذي يرجع إليه، أو على اسم الله تعالى؛ والمراد إلى الموضع الذي أقره فيه، وإذا رجعت إلى الله فقد رجعت إلى السماء، أي إلى سدرة المنتهى؛ فإنه إليها يرتفع ما يصعد به من الأرض ومنها ينزل ما يهبط به إليها؛ ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم. والهاء في «مِقْدَارُهُ» راجعة إلى التدبير؛ والمعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألفَ سنة من سني الدنيا؛ أي يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى ملائكته، فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى، ثم كذلك أبداً؛ قاله مجاهد. وقيل: الهاء للعروج. وقيل: المعنى أنه يدبّر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة. وقيل: المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع، في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة. وقال ابن عباس: المعنى كان مقداره لو ساره غير الملَك ألف سنة؛ لأن النزول خمسمائة والصعود خمسمائة. وروي ذلك عن جماعة من المفسرين، وهو اختيار الطبريّ؛ ذكره المهدويّ. وهو معنى القول الأول. أي أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في يوم من أيامكم؛ ذكره الزمخشريّ. وذكر الماورديّ عن ابن عباس والضحاك أن الملَك يصعد في يوم مسيرة ألف سنة. وعن قتادة أن الملَك ينزل ويصعد في يوم مقداره ألف سنة؛ فيكون مقدار نزوله خمسمائة سنة، ومقدار صعوده خمسمائة على قول قتادة والسديّ. وعلى قول ابن عباس والضحاك: النزول ألف سنة، والصعود ألف سنة. {مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي مما تحسبون من أيام الدنيا. وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سِنِي العالَم، وليس بيوم يستوعب نهاراً بين ليلتين؛ لأن ذلك ليس عند الله. والعرب قد تعبّر عن مدّة العصر باليوم؛ كما قال الشاعر:شعر : يومان يومُ مُقامات وأندية ويومُ سير إلى الأعداء تأويب تفسير : وليس يريد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبّر عن كل واحد من الشطرين بيوم. وقرأ ابن أبي عبلة: «يُعْرَجُ» على البناء للمفعول. وقرىء: «يَعُدُّونَ» بالياء. فأما قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فمشكل مع هذه الآية. وقد سأل عبد الله بن فيروز الدّيلميّ عبد الله بن عباس عن هذه الآية وعن قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال: أيام سمّاها سبحانه، وما أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. ثم سئل عنها سعيد بن المسيّب فقال: لا أدري. فأخبرته بقول ابن عباس فقال ابن المسيّب للسائل: هذا ابن عباس اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم مني. ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن آية «سَأَلَ سَائِلٌ» هو إشارة إلى يوم القيامة، بخلاف هذه الآية. والمعنى: أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة؛ قاله ابن عباس. والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر. قال:شعر : ويوم كظل الرمح قصّر طولَه دَمُ الزّق عنّا واصطفاقُ المزاهر تفسير : وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام؛ فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل: أوقات القيامة مختلفة، فيعذّب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدّته خمسون ألف سنة. وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفاً، كلّ موقف ألف سنة. فمعنى: {يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} أي مقدار وقت، أو موقف من يوم القيامة. وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت؛ فالمعنى: تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة. وعن وهب بن منبّه «فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» قال: ما بين أسفل الأرض إلى العرش. وذكر الثعلبيّ عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله تعالى: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }تفسير : [المعارج: 4] أراد من الأرض إلى سِدرة المنتهى التي فيها جبريل. يقول تعالى: يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وقوله: {إِلَيْهِ} يعني إلى المكان الذي أمرهم الله تعالى أن يعرجوا إليه. وهذا كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99] أراد أرض الشام. وقال تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 100] أي إلى المدينة. وقال أبو هريرة قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني ملَك من ربي عز وجل برسالة ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى على الأرض لم يرفعها بعد".
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُدَبِّرُ ٱلاْمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ } مدة الدنيا {ثُمَّ يَعْرُجُ } يرجع الأمر والتدبير {إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } في الدنيا وفي سورة سأل { أية : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [4:70] وهو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر،وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا كما جاء في الحديث.
ابن عطية
تفسير : {الأمر} اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، {ثم يعرج إليه} خبر ذلك {في يوم} من أيام الدنيا {مقداره} أن لو سير فيه السير المعروف من البشر {ألف سنة} لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا أحد الأقوال، وهو قول مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك، وقال مجاهد أيضاً: إن المعنى أن الضمير في {مقداره} عائد على "التدبير"، أي كان مقدار التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضاً المعنى أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم تصير إليه آخراً لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} في مدة الدنيا {ثم يعرج إليه} يوم القيامة ويوم القيامة {مقداره ألف سنة} من عندنا وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة "سأل سائل" وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن شاء الله، وحكى الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله {في يوم} إلى آخر الآية متعلق بقوله قبل هذا {أية : في ستة أيام} تفسير : [السجدة: 4] ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد منها من ألف سنة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه رادة له الأحاديث التي بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي أيضاً عن ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في {مقداره} عائد على العروج، والعروج الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى الآية يدبر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أيضاً ضعيف وظاهر عود الضمير في {إليه} على اسم الله تعالى كما قال {أية : ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 99]، وكما قال "مهاجر إلى ربي"، وهذا كله بريء من التحيز، وقيل إن الضمير يعود على {السماء} لأنها قد تذكر، وقرأ جمهور الناس "تعدون" بالتاء، وقرأ الأعمش والحسن بخلاف عنه "يعدون" بالياء من تحت.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} يقضيه، أو يدبره بنزول الوحي من السماء الدنيا إلى الأرض العليا ويدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل موكل بالرياح والجنود وميكائيل بالقطر والماء وملك الموت بقبض الأرواح وإسرافيل ينزل عليهم بالأمر {يَعْرُجُ } يصعد جبريل إلى السماء بعد نزوله بالوحي، أو الملك الذي يدبر من السماء إلى الأرض، أو أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع الملائكة. {مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد ثم يلقيه إلى الملائكة فإذا مضت قضى لألف لأخرى ثم كذلك أبداً أو يصعد الملك في يوم مسيرة ألف سنة "ع" فيكون بين السماء والأرض ألف سنة، أو ينزل الملك ويصعد في يوم مقداره ألف سنة ينزل في خمسمائة ويصعد في مثلها فيكون بين السماء والأرض خمسمائة. {تَعُدُّونَ} تحسبون من أيام الدنيا وعَبَّر عن الزمان باليوم ولا يريد ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ إِلَى ٱلأَرْضِ...} الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا؛ مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف، من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة. وقيل: غَيْرَ هذا وقرأ الجمهور: «الذي أحسن كل شيء خلقَه»: ـــ بفتح اللام ـــ على أنه فعلٌ ماضٍ ومعنى: «أحسن»: أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه»: ـــ بسكون اللام ـــ وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه:50]. أي: ألهَمَ. والإنسانُ هنا آدم عليه السلام والمَهِينُ: الضعيف، {وَنَفَخَ}: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في {رُّوحِهِ} للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسانَ في هذه الآية اسمَ جنسٍ و{قَلِيلاً} صِفَةً لِمصدَرٍ محذوف.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {يدبر الأمر} قال: ينحدر الأمر {من السماء إلى الأرض} ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد مقداره ألف سنة، في السير خمسمائة حين ينزل، وخمسمائة حين يعرج. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله {يدبر الأمر} الآية. قال: ينزل الأمر من السماء الدنيا إلى الأرض العليا، ثم يعرج إلى مقدار يوم لو ساره الناس ذاهبين وجائين لساروا ألف سنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يدبر الأمر} قال: هذا في الدنيا. تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {يدبر الأمر...} الآية. قال: تعرج الملائكة وتهبط في يوم مقداره ألف سنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة} قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال فيروز: يا أبا عباس قوله {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة} فكأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب رضي الله عنه، فسأله عنها انسان، فلم يخبر، ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما أحضرت من ابن عباس؟ قال: بلى. فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله عنهما أبى أن يقول فيها وهو أعلم مني. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كان مقداره ألف سنة} قال: لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ولو كان إلى غيره لم يفرغ من ذلك خمسين ألف سنة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه {في يوم كان مقداره ألف سنة} يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله تعالى عنه في الآية يقول: مقدار مسيرة في ذلك اليوم {ألف سنة مما تعدون} ومن أيامكم من أيام الدنيا بخمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده، فذلك ألف سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثم يعرج إليه في يوم} من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {ألف سنة مما تعدون} قال: من أيام الدنيا. والله أعلم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ}[5] قال: يوحي من أمره إلى عبيده ما لهم فيه هدى ونجاة، يطوي لمن رضي رزق القضاة بتدبير الله له، وأسقط عنه سوء تدبيره، ورده إلى حال الرضا بالقضاء والاستقامة في جريان المقدور عليه أولئك من المقربين، وأن الله تعالى خلق الخلق من غير حجاب، ثم جعل حجابهم تدبيرهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} [الآية: 5]. قال سهل: طوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله له وأسقط عنه لسوء تدبيره ورد إلى حال الرضا بالقضاء والاستقامة فى جريان المقدور عليه دليل من المقربين. وقال سهل: يوحى من علمه إلى عبده ما له فيه نجاة وهدى.
القشيري
تفسير : خَاطَبَ الخَلْقَ - على مقدار أفهامهم ويجوز لهم - عن الحقائق التي اعتادوا في تخاطبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يدبر الامر من السماء الى الارض} التدبير التفكر فى دبر الامور والنظر فى عاقبتها: وبالفارسية [انديشه كردن در عاقبت كار] وهو بالنسبة اليه تعالى التقدير وتهيئة الاسباب وله تعالى مدبرات سماوية كما قال فالمدبرات امرا فجبريل موكل بالرياح والجنود وميكائيل بالقطر والنبات وملك الموت بقبض الانفس واسرافيل ينزل عليهم بالامور. والمعنى يدبر الله تعالى امر الدنيا باسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها الى الارض واضاف التدبير الى ذاته اشارة الى ان تدبير العباد عند تدبيره لا اثر له {ثم يعرج اليه} العروج ذهاب فى صعود من عرج بفتح الراء يعرج بضمها صعد اى يصعد ذلك الامر اليه تعالى ويثبت فى علمه موجودا بالفعل {فى يوم كان مقداره} [اندازه آن] {الف سنة مما تعدون} اى فى برهة من الزمان متطاولة والمراد بيان طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان. وقال بعضهم {يدبر الامر} [ميسازد كار دنيا يعنى حكم ميكند بدان وميفرستد ملكى راكه موكلست بدان {أية : من السماء} تفسير : از آسمان {أية : الى الارض} تفسير : بسوى زمين بس ملك مى آيد وآن كار بجاى مى آرد بس عروج ميكند بسوى اسمان در روزى كه هست اندازه او هزار سال از آنجه شما شماره ميكنيد سالى دوازده ماه وماهى سى روز يعنى فرشته فرو مى آيد از آسمان وبالا ميرود درمدتى كه اكر آدمى رود آيد جزهزار سال ميسر نشود زيرا كه از زمين تا آسمان بانصد ساله راهست بس مقدار نزول وعروج هزار سال بود] واما قوله فى سورة المعارج {أية : فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة} تفسير : فاراد به مدة المسافة بين سدرة المنتهى والارض ثم عوده الى السدرة فالملك يسيره فى قدر يوم واحد من ايام الدنيا فضمير اليه حينئذ راجع الى مكان الملك يعنى المكان الذى امره الله تعالى ان يعرج اليه. وقال بعضهم يدبر الله امر الدنيا مدة ايام الدنيا فينزل القضاء والقدر من السماء الى الارض ثم يعود الامر والتدبير اليه حين ينقطع امر الامراء وحكم الحكام وينفرد الله بالامر فى يوم اى يوم القيامة كان مقداره الف سنة لان يوما من ايام الآخرة مثل الف سنة من ايام الدنيا كما قال تعالى {أية : وان يوما عند ربك كالف سنة} تفسير : فمعنى خمسين الف سنة على هذا ان يشتد على الكافرين حتى يكون كخمسين الف سنة فى الطول ويسهل على المؤمنين حتى يكون كقدر صلاة مكتوبة صلاها فى الدنيا فقيامة كل واحد على حسب ما يليق بمعاملته ففى الحشر مواقف ومواطن بحسب الاشخاص من جهة الاعمال والاحوال والمقامات. يقول الفقير قد اختلف العلماء فى تفسير هذه الاية على وجوه شتى وسكت بعضهم تفويضا لعلمها الى الله تعالى حيث ان كل ما ذكر فيها يقبل نوعا من الجرح ويشعر بشئ من القصور ولا شك عند العلماء بالله ان لليوم مراتب واحكاما فى الزمان فيوم كالآن وهو الجزء الغير المنقسم المشار اليه بقوله تعالى {أية : كل يوم هو فى شأن} تفسير : ثم ينفصل منه اليوم الذى هو كالف سنة وهو يوم الآخرة ويوم الرب ثم ينفصل منه اليوم الذى هو كخمسين ألف سنة وهو يوم القيامة فالله تعالى يمتحن عباده بما شاء فيتقدر لهم اليوم بحسبه ومنهم من يكون حاله اسرع من لمح البصر كما قال {أية : وما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر} تفسير : وهو سر اليوم الشأنى المذكور. ثم ان الملائكة مقامات علوية معلومة فى عالم ملكوت فربما ينزل بعضهم من المصعد المعلوم الى مسقط الامر فى اقل من ساعة بل فى لمحة كجبريل عليه السلام فانه كان ينزل من سدرة المنتهى التى اليها ينزل الاحكام ويصعد الاعمال الى النبى عليه السلام كذلك وربما ينزل فى اكثر منها وانما يتفاوت النزول والعروج باعتبار المبدأ فاذا اعتبر السماء الدنيا التى هى مهبط احكام السدرة قدر مدتهما بالف سنة واذا اعتبر سدرة المنتهى التى هى مهبط احكام العرش قدرت باكثر منها ولما كان القرآن يفسر بعضه بعضا دل قوله {أية : تعرج الملائكة والروح} تفسير : الآية على ان الفاعل يعرج فى آية سورة السجدة ايضا الملك وانما قال اليه اى الى الله مع انه لم يكن للحق مكان ومنتهى يمكن العروج اليه اشارة الى التقرب وشرف العندية المرتبية وحقيقته الى المقام العلوى المعين له هذا ما سنح لى والعلم عند الله الملك العلى. وفى التأويلات النجمية هو الذى {يدبر الامر من السماء} اى امركن طبق سماء الروح والقلب {الى الارض} ارض النفس والبدن بتدبير الامر {ثم يعرج اليه} النفس المخاطبة بخطاب ارجعى الى ربك {فى يوم} طلعت فيه شمس القلب واشرقت الارض بنور جذبات الحق تعالى {كان مقداره} فى العروج بالجذبة {ألف سنة مما تعدون} من ايامكم فى السير من غير جذبة كما قال عليه السلام (جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين) انتهى. وفى كشف الحقائق للشيخ النسفى قدس سره [بدانكه نفس جزؤى اوجى دارد حضيضى دارد اوج وى فلك نهم است كه فلك الافلاك محيط عالمست وحضيض وى خاكست كه مركز عالمست ونزولى دارد وعروجى دارد ونزول وى آمدنست بخاك {أية : تنزل الملائكة والروح} تفسير : وعروج وى باز كشتن است بفلك الافلاك {أية : تعرج الملائكة والروح} تفسير : ومدت آمدن ورفتن از هزار سال كم نيست واز بنجاه هزار سال زياده نيست] تعرج الملائكة والروح اليه فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة انتهى
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {ٱلأَمْرَ} هو وجود الأشياء في أنفسها، وتدبير الوجود المطلق من الله تعالى هو إفاضته بالفيض الإيجادي المعبر عند بعض العارفين بالنفس الرحماني، فإن علمه تعالى بالأشياء عين موجوديته لها. وقوله: {مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} إشارة إلى الموجودات الواقعة في سلسلة البدو، والصادرة على سنّة الإبداع، من غير مدخلية الحركات والاستعدادات، إذ الوجود ابتدأ منه بأن أبدع أولاً عقلاً قدسياً مع ما يتلوه في الشرف من العقول القدسية، وعالمها عالم القضاء وعالم القلم الأعلى، ثم أبدع نفساً كلياً متعلقاً بالفلك مع سائر النفوس الفلكية التي دونها في الشرف، وعالمها عالم القدر وعالم اللوح المحفوظ، ثم الصور النوعية وقواها وكيفياتها، ثم الصور الجرمية الامتدادية، ثم الهيوليات الفلكية والعنصرية، واحدة للعنصريات، والتسع الباقية للفلكيات، لأنها تَسعُ جُمَل، كما بيّن عددها وترتيبها بالرصد والحساب في علم الهيئة. وقوله تعالى {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} إشارة إلى وجود سلسلة العود إليه ورجوع الأشياء إلى فطرتها الأصلية، وذلك بتمزيج العناصر الحاصلة من هيولى هذا العالم وتحصيل مزاج متوسط بين الأضداد، معتدل بعيد عن الفساد، مظهر اسم الله الجامع المستحق لخلافته تعالى، فيبتدئ الوجود فيها من أخس الموجودات رتبة إلى الأشرف فالأشرف، وهي الهيولى الأولىٰ، ثم الجسم المطلق، ثم المركب المعدني، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان، ثم ذو العقل الهيولانى، ثم ذو العقل بالملكة، ثم ذو العقل بالفعل، وهلّم جراً إلى مرتبة الأنبياء والاولياء الواصلين إلى عالم الربوبية ومجاورة الحق الاول والملائكة المقرّبين. وقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} مع ما يتلوه، أو لقوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}، وعلى الوجهين، لا تفاوت في التقدير، لأن التقدير بالزمان يختص بسلسلة العائدات، وأما البادئات فوجودها عنه تعالى دفعي كلمح البصر لا يتقدر بالزمان أصلاً. تبصرة قيل: "الأمر"، هو المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة، ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض، ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصاً كما يريده ويرتضيه، إلاَّ في مدة متطاولة لقلة عمّال الله والخلّص من عباده، وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلاَّ الخالص، ودل عليه قوله تعالى على أثره: {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تفسير : [السجدة:9] أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الله، وهو ألف سنة كما قال: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج:47]. {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي يصير إليه ويثبت - عنده ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضاً ليوم آخر وهلم جراً إلى أن تقوم الساعة. وقيل: ينزل الوحي مع جبرئيل (عليه السلام) من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو رده مع جبرئيل (عليه السلام)، وذلك في وقت هو بالحقيقة كألف سنة، لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود، لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمأة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبرائيل (عليه السلام)، لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله، أي يصير إليه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة - وهو يوم القيامة -. وإني أقول - والعلم عند الله -: يحتمل أن يكون "الأمر" في قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} إشارة إلى الروح الإنساني لقوله تعالى {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85] وذلك لمروره على مراتب الموجودات عند خروجه عن مقام الفطرة الأصلية، ونزوله في العالم الأرضي بحسب الانسلاخ عن عالمه الأعلى، ثم عروجه من هذا العالم الأسفل بحسب العلم والعمل - إن ساعده التوفيق من الأزَل -، إلى مقامه الأصلي، لقوله سبحانه: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [التين:4 - 6]. وكون بدو وجود الروح الإنساني من عالم القدس لا ينافي قوله تعالى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ}تفسير : [السجدة:7] لأن الخلق لكونه بمعنى التقدير، عبارة عن جسمية الإنسان وقالبه، وفطرة الروح غير فطرة البدن، لأن بداية أحدهما من التراب، وبداية الآخر من رب الأرباب، ما للتراب ورب الأرباب. تفصيل تنبيهي إن ما ذكرناه من مرور الحقيقة الإنسانية والفطرة الآدمية على جميع العوالم والنشآت، واستجماعها لجميع الحقائق من أعلى سماء عالم القدس إلى أسفل أرض التجسم، شيء استبشعه ذوق أرباب العلوم الرسمية، لعدم انطباقه على ملفقات أفكارهم القياسية، وأما أرباب الحكمة المتعالية، والناظرون بعقولهم المستفادة من الحق، وعيونهم المكحلة بنور التوحيد في الأسباب الأول والغايات الأخيرة لموضوعات علومهم ومعارفهم، فهم عارفون بأن علة الشيء كما أنها مقوّم وجوده، فهي مقوّم حده الحقيقي، وأن "ما هو" "ولِمَ هو" أمر واحد في كل وجود صوري يحتمل البقاء الأبدي، إذ المجعول عندهم نحو وجود المعلول بالجعل البسيط، وهو عين هويته الخارجية التي هي وجه من وجوه علته الجاعلة، والعلة الجاعلة تمام حقيقة المعلول وصورته العقلية. ثم إن كل موجود من الموجودات الكائنة في هذا العالم، له طور واحد من الأطوار لا يتعدّاه، إلاّ الهوية الإنسانية، فإن لها قابلية الإرتقاء من أسفل الأسافل إلى أعلى الأعالي. وهذا أيضاً يختص ببعض أفراد الإنسان المسافر إلى ربه في تمام القوس الصعودية من دائرة الوجوب (ظ - الوجود)، دون غيره الذي لا يكون له هذه السعة من القابلية، وإن قطع في سيره الضعيف مقداراً قليلا من تلك القوس النصفية الصعودية منها كباقي الحيوانات، بل ربما يكون أضلَّ سبيلاً وأضيقَ مجالاً منها، كما نطق به التنزيل. والسر في هذا أن مواطن أفراد الإنسان ومعاد كل صنف منه إلى ما هو مبدأ وجوده - إن لم يمنعه عائق خارجي -، فرب إنسان يكون الحق علة وجوده ومباشر تكوينه بيديه، فيكون إليه معاده كما منه بَدْؤه، ورب إنسان يكون مبدأ وجوده القريب أحد المبادي النازلة التي تكون في آخر المراتب. بل ربما يكون وجوده بمدخلية بعض الشياطين، الذين هم من عمّار عالم الشر والوسواس، فيكون مثل هذا الإنسان الممسوس بنار الشيطان، راجعاً إلى أصله الذي نشأ منه، فيحترق بالنار التي هي أصل وجوده، مثل هذا الأشرار، فكم بين من باشر الحق تسوية وجوده وتعديله وجمعه بين يديه المقدّسين، ثم نفخ بنفسه فيه من روحه نفخاً استلزم معرفة الأسماء كلها، وسجود الملائكة له أجمعين، وإجلاسه مرتبة الخلافة والنيابة عنه في الكون، وبين من خَلَقَهُ بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء من الوسائط الوجودية الواقعة في سلسلة البدو، فلم يقبل من حكمي التسوية والتعديل ما قبله من اختير واصطفي للخلافة. وهذا الذي ذكرناه، من تفاوت خلقة الإنسان بحسب الفطرة الأصلية، مما يستفاد من الأحاديث الكثيرة المختلفة الفحوى في الإخبار عن كيفية بدو الإنسان، وبه أيضاً يحصل التوفيق بين الجميع، لأن اختلاف المعاليل والمسببات في الحقيقة مما يستدعي اختلاف الأسباب والعلل، فإن الذي ينفخ فيه الروح وهو المَلَك بالأذن - كما يدل عليه بعض الأخبار - كيف يكون مساوياً في الحقيقة لمن باشر الحق إنشاءَه بيده. فانظر فيما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: حديث : يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يؤمر المَلَكُ فينفخ فيه الروح. فيقول: يا رب، أذَكّرُ أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ وما أجَلَهُ؟ ما عمله، فالحق يملى والملك يكتب . تفسير : فأين هذا من قوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص:72]. وشتّان ما بينهما؟ إذ هاهنا أضاف المباشرة إلى نفسه بضمير الإفراد الرافع للاحتمال، ولذلك فرّع بذلك من أبى واستكبر عن السجود له ولعنه وطرده، وقال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص:75]. وأكد ذلك (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمور كثيرة رويت عنه، منها قوله: حديث : إن الله خلق آدم "على صورته" أو "على صورة الرحمن"تفسير : . ولقوله "حديث : إن الله إذا خلق خلقاً للخلافة مسح بيمينه على ناصيته"تفسير : . فنبه على مزيد الاهتمام والتخصيص قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا تسبّوا علياً فإنه ممسوس بنور الله"تفسير : ، فكيف يكون الممسوس بنور الله كالممسوس بنار الشيطان؟ وفي حديث آخر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) "حديث : إن الذي باشر الحق سبحانه إيجاده أربعة أشياء - ثم سردها فقال -: "خَلَقَ جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وخلق آدم بيده" . تفسير : وقال أيضاً: "حديث : الإنسان أعجب موجود خُلق"تفسير : فافهم. تبيين مقال لكشف حال فلا يزال الإنسان الكامل مباشراً في ساير مراتب الاستيداع، إلى أن ينزل إلى أسفل عالم الاجتماع، فكان أولاً متعيناً تعينه الخاص في علم الله، ثم انفرز بإرادته تعالى وظهوره في مقام القلم الأعلى، الذي هو العقل الاول المشتمل على عالم العقول، ثم في المقام اللوحي النفسي، ثم في مرتبة الطبيعة باعتبار ظهور حكمه في الأجسام، ثم في العرش المحدد للجهات مستوى اسم الرحمان، ثم في الكرسي الكريم مستوى اسم الرحيم، ثم في السموات السبع، ثم في صور العناصر المتعلقة بهيولى العنصريات، هذه غاية تدبير الأمر النازل من سماء العقل الأول الأعلى إلى أرض الهيولى السفلى، التي هي محض القوة والعدم، المشار إليها بقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان:1]. ثم شرع في الصعود والإرتقاء إلى ما نزل منه والرجوع إلى ما بدأ منه، فصار بالامتزاج وحصول المزاج طيناً، ثم منيا فيه صورة حافظة للتركيب كالمعادن، ثم صار مضغة قابلة للنمو كالنبات، ثم صار عَلَقة قابلة لأن تلجه الروح، ثم صار بشراً سميعاً بصيراً، ثم رجلاً بالغاً انفتح بصره قليلا إلى ما وراء هذا العالم، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}تفسير : [الإنسان:2 - 3]. وهلم إلى أن يبلغ درجة العقول، بل العقل الأعظم والقلم الأعلى، لو لم تعقه العوائق وقواطع الطريق. وأما كون زمان هذا الصعود ومدة هذا الإرتقاء يوماً كان مقداره ألف سنة، فهو شيء لا يعلمه بخصوصه إلاَّ علاّم الغيوب، أو من اصطفاه من رسوله، أو من ينتمي إلى وصيّه، فإن مكث الإنسان في كل عالم وحضرة يمر عليها بحسب طول مسافة سفره، وتهيئة أسباب ارتحاله، وانتفاع كل عالم من وجوده، واستتمام أهل كل نشأة ومرتبة به وبخدمته، وإمداده وحسن تلقّيه أولاً ومشايعته ثانياً، هو بحسب ما يدركونه فيه من شيمة العناية وأثر الاختصاص وشرف الاصطفاء، وما من عالم يمر عليه إلاَّ وهو بصدد التعويق في الإنحراف المعنوي، لغلبة صفة بعض الأرواح يتصل حكمه عليه، أو بعض الأفلاك الذي ينوط به طالع ولادته البدنية، أو بحسب دولة بعض الأسماء الإلهية المدبّر له. الذي هو طالعه الأسمائي قبل طالعه السمائي، فيعوق أو ينحرف عما يقتضيه حكم الاعتدال الجمعي الاستقامي الذي هو شأن من يختار النهاية من الأنبياء والاولياء (عليهم السلام)، ثم الأمثل فالأمثل. فإذا دخل عالم المولدات، سيما من حين تعدى مرتبة المعدن إلى مرتبة النبات وعالمه، إن لم تصحبه العناية بحسن المعونة والمرافقة والحراسة والرعاية حيف (ظ - خيف) عليه، فإنه بصدد آفات كثيرة، لأنه عند دخوله عالم النبات إن لم يكن محروساً معتنىً به، قد ينجذب في بعض المناسبات التي تشتمل عليها جمعيته، إلى نبات ردي لا يأكله حيوان ولا يأكله الأبوان أو أحدهما، ويفسد ذلك النبات فيخرج منه إلى عالم العناصر، ويبقى فيه حائراً عاجزاً، حتى يُعانَ ويُتَدَاركَ بلطف جديد، ويؤذن له في الدخول مرة أخرى بعد دخوله واتصاله بنبات صالح للتغذي، فربما عرضت له آفة من العناصر من برد شديد، أو حرّ مفرط، أو رطوبة زائدة، أو يبس بالغ، فيتلف ويخرج يستأنف دخولاً آخر، هكذا مراراً شتى حسب ما شاء الله وقدّر. ثم على تقدير سلامته مما ذكرناه بسبب الرعاية والحراسة وباقي النعم التي يستدعيها استحقاقه، ربما تمّ في صورة نبات، لكن تناوله حيوان ولم يقدّر للأبوين أكله أو أكل ذلك الحيوان لمانع من الموانع، لما لم يكن رزق الذين سبق في علم الله أن يكونا أبويه، وإذا قدر مواطأة كل ما ذكرنا، وتناوله الشخصان المعينان في العلم أن يكونا أبويه أو أحدهما، وصار ذلك النبات كيلوساً، ثم دماً ثم منيّاً، فإنه قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضي تكوينه، فهو مفتقر إلى نعمة الحراسة الرعاية في كل مرتبة وحال إلى حال مسقط النطفة مدخلاً كريماً، وحال انفصاله ونزوله عن الوالدة منزلاً مباركاً، فإنَّ لمسقط النطفة ومسقط الرأس في أمر الإنسان الكامل الجامع للأسماء مدخلاً عظيماً من حيث ظواهره وباطنه. وجملة القول: إنه ما من مرتبة من هذه المراتب التي ذكرت ولم تذكر، إلاَّ ويتصور للإنسان تعوقات عما بصدده من السلوك إلى عالم الربوبية بحسب أمور شتى، من عدم توافق الأسباب الأرضية، وعدم اجتماع المعاونات الفلكية على وضع يؤدي إلى وجود مثل هذا الإنسان الذي يستحق الإرتقاء إليه تعالى، وقطع القوس الصعودية تماماً، أو الحِكَم والمصالح التي تترتب على مُكْنَته في كل مرتبة وعالم من التي يعلمها علاّم الغيوب، حتى يخلص من الجميع ويصعد إلى الله في الترقي من مقام إلى مقام، ومن عالم إلى عالم، بأن يترقى من مقام الطبايع إلى مقام المعادن بالاعتدال، ثم إلى مقام النبات، ثم إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان في مدارج الانتقالات المترتبة بعضها فوق بعض، ثم في منازل السلوك: كالإنتباه، واليقظة، والتوبة، والإنابة، إلى آخر ما أشار إليه أهل السلوك من منازل النفس ومناهل القلب، ثم في مراتب الفناء في الأفعال والصفات إلى الفناء في الذات بما لا يحصى كثرة. ثم اعلم أنه ليس في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} نص صريح على أن كل روح من الأرواح المقدسة لا بد وأن تكون مدة مكثه نزولاً وصعوداً ما بين البدو والانتهاء هذا المقدار، بل يحتمل أن يكون بعضها هكذا وبعضها يقطع المسافة العروجية في أقل مدة تتصور، لأن ذلك يتفاوت في الناس بحسب مراتب جوهر أرواحهم، لطافة وكثافة، ومراتب توافق المعاونات والمعدّات كثرة وقلة، وتطابق الأوضاع للطالع السماوي ومقتضيات الطالع الأسمائي من حيث توجه الحق إليه شدة وضعفاً بحسب ضَرْب من أعداد من الأسماء التي تقتضي سرعة العود لمظهرها إليها أو أقل منها أو بخلافها، فرب إنسان يقول: الآن في أذني قول الحق في الأزل: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُم} تفسير : [الأعراف:172]، وذلك لقلة الحجاب وشدة الصفاء في الفطرة. كشف استفادي لا يبعد أن يكون اليوم المذكور المقدر بألف سنة من أيام الدنيا، إشارة إلى آخر الأيام الأسبوعية الدنيوية التي ستة منها مضت وانقضت قبل هذا اليوم الآخر المسمى بالجمعة، وهي الستة التي كان كل واحد منها ميلاد واحد من الأنبياء العظام الستة، الذين بهم وبمتابعتهم صعدت النفوس الشريفة الإنسانية من أسفل سافلين إلى أعلى علّيين، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، وأما اليوم السابع وهو الذي للمحمديين من أولاده المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، وورّاثة الراسخين في العلم، الكاملين في العمل، القائمين بأمر الله، المعلنين كلمة الحق، المستحفظين دينه إلى زمان ظهور المهدي (عليه السلام)، الذي به يكون غاية ارتفاع نهار هذا اليوم، وغاية سطوع شمس الحقيقة في وسط سماء الاستقامة الحقيقية، ومعدّل النهار الاعتدال الجمعي الكمالي، فيه ظهور نور دين التوحيد الإلهي، وانفلات ظلام الشرك الإبليسي، وانقماع الباطل الوهمي بالكلية، إذ به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وعند ذلك تقوم الساعة، لأن وجود الدنيا مبني على الحجاب والاحتجاب، وحيث رفع النقاب وانقشع السحاب، فلا وجود للامع السراب، لشدة إشراق الحقيقة الموجبة لاضمحلال الرسوم والأطلال والسحب والظلال، اضمحلال الجميد وذوبان الثلوج عند ارتفاع الشمس في رابعة النهار. وأما اليوم المقدّر بخمسين ألف سنة في قوله تعالى: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج:4]، فهو يوم من أيام الله تعالى العليّ بالذات، ذي المعارج العلى التي يعرجها أهل القيامة الكبرى إلى حضرته الذاتية، وهي أيام السنة السرمدية من ابتداء الأزل إلى انتهاء الأبد، وهو غير هذا اليوم، لأنه يوم من أيام الرب، المقدر بألف سنة الذي وقّت به التدبير في قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، ووقّت به العذاب وانجاز الوعد في قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} تفسير : [الحج:47]، وهو اليوم الآخر (ظ - الأخير) من الأسبوع الذي هو مدة الدنيا، المنتهية بنبوة خاتم الأنبياء (صلوات الله عليه) وظهور دينه وانتشار نوره الذي يكمل في آخر الزمان لقوله تعالى: {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [التوبة:32]، وإن كان أول بعثته في آخر اليوم السادس، وإلى هذا السابع أشار بقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن استقامت أمتي فلها يوم وإن لم تستقم فلها نصف يوم" تفسير : مع قوله: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين"تفسير : ، كما مرَّ ذكره. وبالجملة، فهذا يوم من الأيام الألوهية، وهو مقدار اقتضاء الربوبية بظهور أسماء الله الغير المتناهية التي يندرج مع لا تناهيها في الأئمة السبعة، وهي: الحي، العالم، القادر، السميع، البصير، المتكلم، المريد. ولكل من هذه السبعة ربوبية مطلقة بالنسبة إلى ربوبيات الأسماء المندرجة تحته، مقيدة بالنسبة إلى ربوبية كل واحد من إخوانه إلى انتهائه بالتجلّي الذاتي، وكما أن هذا اليوم المذكور سُبْعٌ من أيام الدنيا، فمدة الدنيا سُبْعٌ من ذلك اليوم الإلهي، الحاصل من ضرب أيام الدنيا في عدد أسماء الربوبية، وهو تسعة وأربعون سنة، وآخره الخميس (الخمسين - ن) الذي هو يوم واحد من أيام الله، وهو يوم القيامة الكبرى، والله أعلم بحقائق الأمور. تنوير تمثيلي إعلم أن الله تعالى وضع العالم على هيئة مدينة كاملة، فيها مساجد وبِيَعٌ وصلوات، ولأهل الدين فيها مجالس ومجامع وجُمُعات وأعياد، وكما أن للمدينة صنّاع وعمال لهم أجره وأرزاق، وفيها بَيْعٌ وتجّار يتعاملون بموازين ومكائيل، ولهم مظالم وخصومات، ولهم فيها قضاة وحكام وعدول، ولهم فقه وأحكام وفصول، وان من سنّة القضاة والحكام البروز والجلوس لفصل القضاء في كل سبعة أيام يوم واحد، فهكذا يجري حكم القضاء الإلهي في كل سبعة آلاف سنة مرة، لعرض النفوس الجزئية لدى الملك الحق المبين، لفصل القضاء بينها: {أية : فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء:47]. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعثتُ في آخرها ألفاً ". تفسير : وقال: "حديث : لا نبي بعدي على هذه الأمة ". تفسير : يقوم القيامة وهو يوم العرض الثاني، كما أن يوم العرض الاول ما أشار تعالى إليه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ}تفسير : [الأعراف:172]، وبين اليومين سبعة أيام، كل يوم كألف سنة مما تعدّون.
الهواري
تفسير : قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ} والأمر هو الوحي، أي: ينزله مع جبريل من السماء إلى الأرض {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي: يصعد، يعني جبريل إلى السماء {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} يقول: ينزل ويصعد في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون. قال بعضهم: إن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، فينزل مسيرة خمسمائة سنة، ويصعد مسيرة خمسمائة سنة في يوم، وفي أقل من يوم. وربما يسأل النبي عليه السلام عن الأمر يحضره فينزل في أسرع من الطرف. قال: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} وهذا تبع للكلام الأول: {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} ثم أخبر بقدرته فقال: {عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} {العَزِيزُ الرَّحِيمُ}. يعني نفسه. والغيب: السرّ، والشهادة: العلانية. والعزيز أي: في نقمته، الرحيم، أي: بخلقه. ذكروا عن سلمان الفارسي قال: إن الله خلق يوم خلق السماوات و الأرض مائة رحمة، كل رحمة منها طباقها السماء والأرض، فأنزل الله منها رحمة واحدة، فبها تتراحم الخليقة، حتى ترحم البهيمة بهيمتها، والوالدة ولدها، حتى إذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخليقة، فأكملها مائة رحمة، ثم نصبها بينه وبين خلقه، فالخائب من خيب من تلك الرحمة. قوله: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ} يعني آدم صلى الله عليه وسلم خلقه الله من طينة قبضها من جميع الأرض: بيضاء وحمراء وسوداء. فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزن، والخبيث والطيب.
اطفيش
تفسير : {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} ينزل الوحي. {مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} مع جبريل. {ثُمَّ يَعْرُجُ} اي جبريل ويدل له ذكر تدبير الأمر بمعنى انزال الوحي. {إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} من سنينكم وايامكم في يوم تنازع فيه يدبر بمعنى ينزل ويعرج بمعنى يصعد فالمعنى ان الانزال والعروج في يوم من ايامكم هذه وحقه الف سنة خمسمائة نزول وخمس مائة عروج فاذا فعل فيه ما حقه ان يفعل في الف سنة فكأنه الف سنة هذا بعض ما ظهر لي ثم رأيته قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما وقالوا لان ما بين السماء والأرض خمس مائة عام وهذا التعليل انما يصح في وحي ينزل مما ردت سماء الدنيا لا منها فان غلظ السماء ايضا خمس مائة سنة الا ان كانوا لا يقولون بهذا الغلظ او يقولون ان قوله {فِي يَوْمٍ كَانَ} الخ راجع الى العروج فقط او الى النزول فقط ويقدر للآخر مثله فخمسة آلاف في غلظ السماء وخمسة فيما بينهما وبين الأرض والفرق بين هذا وبين وجه التنازع ان العروج والنزول معا في يوم واحد على وجه التنازع وفي هذا انهما في يومين وقيل ضمير يعرج للأمر اي يعرج اليه الوحي اي حال الوحي من قبول ورد ومعنى العروج الى الله العروج الى مجال الوحي والعظمة الا فهو في كل مكان ويجوز ان يكون المراد بألف سنة استطالة الزمان الذي بين النزول والصعود لا حقيقة الالف وان قلت اذا جعلنا الالف على التحقيق تبادر انه يكون النزول والصعود في اليوم كله من ان الواقع انه يكون في اقل واكثر ايضا وقد يكون قدر طرفة عين وقد ساعة قلت اما ان يكون المراد في يوم اقل واكثر واما ان يكون المراد ان ذلك يقع في اليوم اي في بعض منه كما تقول اكلت اليوم ولم ترد انك استغرقت اليوم في الاكل وان صح وقوع ذلك في بعض منه فوقوعه في اليوم او اكثر اولا وبالصحة واما ان يريد ان ذلك يقع في يوم مطلقا في كله او بعضه فصحت وقوعه في اكثر اولى. وقيل يدبر الامر باظهاره في اللوح فينزل به الملك ثم يعرج اليه في زمان كألف سنة وقيل يقضي قضاء الف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الالف لالف آخر وقيل يدبر الامر الى قيام الساعة ثم يرجع اليه الامر كله في يوم مقداره الف سنة وهو يوم القيامة وكونه الف سنة استطالة بدليل الاستطالة في آية اخرى بخمسين الف سنة ولولا ان المراد الاستطالة لشدة هوله لتنافي الكلامان او اراد انه كألف سنة على بعض الكفار وكخمسين الف سنة على بعض وكأقل او اكثر على بعض ويكون على المؤمن قدر صلاة يصليها في الدنيا مكتوبة كما في الحديث وقيل قدر ما بين الظهر والعصر وقيل الأمر بمعنى المأمور به وهو الطاعة ينزله ولا يعرج اليه هذا المأمور به خالصا كما يرتضيه الا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والاعمال الخالصة ويدل له قوله {أية : قليلا ما تشكرون }تفسير : والالف استطالة على هذا القول او تحقيق. وقيل آية خمسين الف سنة هي فيما بين السماء والأرض وسدرة المنتهى التي هي أمام جبرائيل عليه السلام ودخل ابن ابي مليكة وعبدالله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن قوله تعالى {أَلْفِ سَنَةٍ} وقوله {أية : خمسين ألف سنة }تفسير : فقال ايام سماها الله لا ادري ما هي واكره ان اقول في كتاب الله مالا اعلم وقرأ ابن ابي عبلة ببناء يعرج للمفعول وقرأ (يعدون) بالتحتية.
اطفيش
تفسير : {يدبِّر الأمر} امر الدنيا وشئونها، اى يتقن الامور، شبه الاتقان من اول بأحكام الانسان امرا بعد نظر فيه، لان اصل التدبير النظر فى دابر الامر، اى عاقبته ليجئ محمودا، ففى يدبر استعارة تبغية، او عبر بالسبب وهو النظر فى العاقبة عن المسبب، وهو الاتقان، ولو كان الله لا يوصف بذلك السبب، ولتضمينه معنى الانزال عداه بمن الابتدائية وبالى فى قوله عز وجل: {من السَّماء إلى الأرض} وذلك التنزيل بأسباب ما ينتقل من السماء الى الارض، ويوصف بالتحيز والانتقال كالملائكة عليهم السلام. {ثمَّ يعْرج} الامر {إليه} يثبت فى علمه تعالى ثبوتا كثبوت ما يعرج، أى يصعد وذلك الثبوت مرافقة العلم القديم، وقومنا يثبتون علما تنجيزيا مواقعاً للقديم، يتعلق بالحوادث وقت حدوثها، ويكفى ان نقول: علمه ازلى منسحب على الحوادث، اذ لا يمكن ان نقول: غفل عنها، ولا ان نقول: لا يعلمها حين وقعت، او المراد يعرج الى صحف الملائكة، بان يكتبوه فيها باذنه تعالى، فيكون فيها كتابته، او يصعد الملك به الى الله. {فى يَوم كان مقْداره ألف سنةٍ مما تعدُّون} نعت الف او سنة، وتنازع يدبر ويعرج فى قوله: {في يوم} وأعمل الثانى وأضمر للاول، اى يدبر فيه اى فى يوم كان الخ، وقيل المراد العروج فى يوم لا التدبير فى يوم فيتعلق بيعرج، ولا يقدر ليدبر، والمراد بالالف المدة الطويلة لا نفس الالف، وقيل الالف نفسه، وعلى كل حال خص لانه اقصى المراتب لا مرتبة بعده، الا ما يتفرع عليه، وذلك انه يقدم للشئ ما ينبنى عليه من اسباب او كتابة، او نحو ذلك، ثم يوحده بعد طول مدة، فالارادة نوعان: قديمة عمت كل شئ بخصوصه، وإرادة كالتوجه الى ايجاده، ولا بأس بذلك، الا ترى الى قوله تعالى: "أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه"تفسير : [النحل: 40] وبين الارض ومحدب السماء خمسمائة عام، وغلظها خمسمائة عام، والملك يقطع ذلك فى زمان يسير، وذلك تمثيل بانه لو فرض الى البشر لدبره فى الف سنة، ولو عرج به لوصل بألف عام، ولا فزمان التدبير والعروج يسير. وقيل: المعنى يدبر امر الدنيا باظهاره فى اللوح المحفوظ، فينزل الملك الموكل به من السماء الى الارض، ثم يرجع الملك او الامر مع الملك اليه تعالى فى زمان كألف سنة للنزول والعروج، وأريد به مقدار ما بين الارض، ومحدودب السماء ذهابا ورجوعا، فقيل من والى متعلقان بينزل محذوفا، وقيل: هاء اليه للسماء، ولانه قد يذكر كقوله تعالى: "أية : السماء منفطر به"تفسير : [المزمل: 18] وقيل: المعنى يدبر للملائكة امر ألف سنة وهى يوم واحد "أية : وإنَّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون" تفسير : [الحج: 47] واذا تمت ألقى اليهم مثلها، وهكذا الى آخر الدنيا، ويعرج اليه بصحف الملائكة كل يوم من ايامنا كان الى تمام الف، ولا يضمن على هذا القول يدبر معنى ينزل، والامر بمعنى الشأن، ومن والى متعلقان بمحذوف حال من الامر، والفعلان متنازعان. وقيل: يدبر امر الدنيا من السماء الى الارض الى قيام الساعة، ثم يرجع اليه ذلك الامر كله ليحكم فيه فى يوم كألف سنة، وهو يوم القيامة، ومن والى متعلقان بمحذوف حال من الامر بمعنى الشأن، وفى يوم متعلق بيعرج فقط، وأجيز فى هذين القولين تعليق من والى بالامر لتضمنه معنى الفعل والترك، واعترض ما ذكر من ان يوم القيامة الف سنة بقوله: "أية : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" تفسير : [المعارج: 4] فلا نقول الف سنة هنا يوم القيامة، بل نقتصر على غيره اولى من ان تأول خمسين بخمسين موطنا، كل موطن الف سنة، او الخمسون بحسب الشدة لا العدة، كما روى انه يكون على بعض الناس كألف سنة، وعلى بعض كخمسين الف سنة، وعلى بعض الناس كألف سنة، وعلى بعض كخمسين الف سنة، وعلى بعض كما بين الظهر والعصر، وعلى بعض كصلاة مكتوبة، وقيل خمسون الف سنة من الارض الى سدرة المنتهى، وهى مقام جبريل يسير اليها ذلك العدد فى نحو لحظة. وقيل: المعنى ينزل الوحى مع جبريل عليه السلام فى يوم كان مقداره الف سنة هبوطا وصعودا، فالامر بمعنى الوحى، كقوله تعالى: "أية : يلقي الروح من أمره"تفسير : [غافر: 15] والعروج عبارة عن خبر القبول، والرد مع عروج جبريل، والعروج والتدبير فى اليوم، وهذا العروج الى العرش، وقيل الامر المأمور به من العبادة، والعروج صعودها مخلصة بعد مدة طويلة بين مخلص له، وليس المراد بالالف هذا العدد، وقيل المعنى يدبر امر الشمس فى طلوعها وغروبها الى ان ترجع الى مطلعها مسيرة الف سنة فى اليوم والليل، والآية من المتشابه.
الالوسي
تفسير : {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } قيل: أي أمر الدنيا وشؤونها، وأصل التدبير النظر في دابر الأمر والتفكر فيه ليجىء محمود العاقبة وهو في حقه عز وجل مجاز عن إرادة الشيء على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة والفعل مضمن معنى الإنزال والجاران في قوله تعالى: {مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ } متعلقان به و(من) ابتدائية و(إلى) انتهائية أي يريده تعالى على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة منزلاً له من السماء إلى الأرض، وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه فإن أسبابه سماوية من الملائكة عليهم السلام وغيرهم {ثُمَّ يَعْرُجُ } أي يصعد ويرتفع ذلك الأمر بعد تدبيره {إِلَيْهِ } عز وجل وهذا العروج مجاز عن ثبوته في علمه تعالى أي تعلق علمه سبحانه به تعلقاً تنجيزياً بأن يعلمه جل وعلا موجوداً بالفعل أو عن كتابته في صحف الملائكة عليهم السلام القائمين بأمره عز وجل موجوداً كذلك. {فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } أي في برهة متطاولة من الزمان فليس المراد حقيقة العدد، وعبر عن المدة المتطاولة بالألف لأنها منتهى المراتب وأقصى الغايات وليس مرتبة فوقها إلا ما يتفرع منها من أعداد مراتبها، والفعلان متنازعان في الجار والمجرور وقد أعمل الثاني منهما فيه فتفيد الآية طول امتداد الزمان بين تعلق إرادته سبحانه بوجود الحوادث في أوقاتها متقنة مراعى فيها الحكمة وبين وجودها كذلك، وظاهرها يقتضي أن وجودها لا يتوقف على تعلق الإرادة مرة أخرى بل يكفي فيه التعلق السابق وقيل: {فِى يَوْمٍ } متعلق بيعرج وليس الفعلان متنازعين فيه، والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبيره سبحانه إياه وصول خبر وجوده بالفعل كما دبر جل وعلا بواسطة الملك وعرضه ذلك في حضرة قد أعدها سبحانه للاختبار بما هو جل جلاله أعلم به إظهاراً لكمال عظمته تبارك وتعالى وعظيم سلطنته جلت سلطنته؛ وهذا كعرض الملائكة عليهم السلام أعمال العباد الوارد في الأخبار، وألف سنة على حقيقتها وهي مسافة ما بين الأرض ومحدب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر فإن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وثخن السماء كذلك كما جاء في الأخبار الصحيحة والملك يقطع ذلك في زمان يسير فالكلام على التشبيه فكأنه قيل: يريد تعالى الأمر متقناً مراعى فيه الحكمة بأسباب سماوية نازلة آثارها وأحكامها إلى الأرض فيكون كما أراد سبحانه فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفع خبره إلى حضرته سبحانه في زمان هو كألف سنة مما تعدون، وقيل: العروج إليه تعالى صعود خبر الأمر مع الملك إليه عز وجل كما هو مروي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك والفعلان متنازعان في {يَوْمٍ } والمراد أنه زمان تدبير الأمر لو دبره البشر وزمان العروج لو كان منهم أيضاً / وإلا فزمان التدبير والعروج يسير، وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا بإظهاره في اللوح المحفوظ فينزل الملك الموكل به من السماء إلى الأرض ثم يرجع الملك أو الأمر مع الملك إليه تعالى في زمان هو نظراً للنزول والعروج كألف سنة مما تعدون، وأريد به مقدار ما بين الأرض ومقعر سماء الدنيا ذهاباً وإياباً، والظاهر أن {يُدَبّرُ } عليه مضمن معنى الإنزال، والجاران متعلقان به لا بفعل محذوف أي فينزل به الملك من السماء إلى الأرض كما قيل، وزعم بعضهم أن ضمير {إِلَيْهِ } للسماء وهي قد تذكر كما في قوله تعالى: {أية : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ }تفسير : [المزمل: 18] وقيل: المعنى يدبر سبحان أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الرب جل شأنه وهو ألف سنة كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } تفسير : [الحج: 47] ثم يصير إليه تعالى ويثبت عنده عز وجل ويكتب في صحف ملائكته جل وعلا كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر أيضاً ليوم آخر وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة، ويشير إلى هذا ما روي عن مجاهد قال: إنه تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من سنيننا وهو اليوم عنده تعالى فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه ولا تضمين في {يُدَبّرُ } والعروج إليه تعالى مجاز عن ثبوته وكتبه في صحف الملائكة و {أَلْفَ سَنَةٍ } على ظاهره و {فِى يَوْمٍ } يتعلق بالفعلين واعمل الثاني كأنه قيل: يدبر الأمر ليوم مقداره كذا ثم يعرج إليه تعالى فيه كما تقول: قصدت ونظرت في الكتاب أي قصدت إلى الكتاب ونظرت فيه، ولا يمنع اختلاف الصلتين من التنازع، وتكرار التدبير إلى يوم القيامة يدل عليه العدول إلى المضارع مع أن الأمر ماض كأنه قيل: يجدد هذا الأمر مستمراً؛ وقيل: المعنى يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه تعالى ذلك الأمر كله أي يصير إليه سبحانه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه كما في سابقه، والعروج إليه تعالى الصيرورة إليه سبحانه لا ليثبت في صحف الملائكة بل ليحكم جل وعلا فيه. و {في يوم} متعلق بالعروج ولا تنازع، والمراد بيوم مقداره كذا يوم القيامة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } بناء على أحد الوجهين فيه لتفاوت الاستطالة على حسب الشدة أو لأن ثم خمسين موطناً كل موطن ألف سنة، وقيل: المعنى ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه تعالى ما كان من قبوله أو رده مع جبريل عليه السلام في يوم مقدار مسافة السير فيه ألف سنة وهو ما بين السماء والأرض هبوطاً وصعوداً، فالأمر عليه مراد به الوحي كما في قوله تعالى: {أية : يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ }تفسير : [غافر: 15] والعروج إليه تعالى عبارة عن خبر القبول والرد مع عروج جبريل عليه السلام والتدبير والعروج في اليوم لكن على التوسع والتوزيع فالفعلان متنازعان في الظرف ولكن لا اختلاف في الصلة ولا تنافي الآية على هذا قوله تعالى شأنه: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }تفسير : [المعارج: 4] بناء على الوجه الآخر فيه وستعرفهما إن شاء الله تعالى لأن العروج فيه إلى العرش وفيها إلى السماء الدنيا وكلاهما عروج إلى الله تعالى على التجوز. وقيل: المراد بالأمر المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحات، والمعنى ينزل سبحانه ذلك مدبراً من السماء إلى الأرض ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه تعالى ذلك المأمور به خالصاً كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة الخلص من العباد وعليه {يُدَبّرُ } مضمن معنى الإنزال و(من) و(إلى) متعلقان به، ومعنى العروج الصعود كما في قوله / تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ }تفسير : [فاطر: 10] والغرض من الألف استطالة المدة، والمعنى استقلال عبادة الخلص واستطالة مدة ما بين التدبير والوقوع، و {ثُمَّ } للاستبعاد، واستدل لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك: {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }تفسير : [السجدة: 9] لأن الكلام بعضه مربوط بالبعض وقلة الشكر مع وجود تلك الإنعامات دالة على الاستقلال المذكور. وقيل: المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض وزمان طلوعها إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع مقداره في المسافة ألف سنة وهي تقطع ذلك في يوم وليلة. هذا ما قالوه في الآية الكريمة في بيان المراد منها، ولا يخفى على ذي لب تكلف أكثر هذه الأقوال ومخالفته للظاهر جداً وهي بين يديك فاختر لنفسك ما يحلو. ويظهر لي أن المراد بالسماء جهة العلو مثلها في قوله تعالى: {أية : أأمنتم مَّن فِى ٱلسَّمَاء}تفسير : [الملك: 16] وبعروج الأمر إليه تعالى صعود خبره كما سمعت عن الجماعة و {فِى يَوْمٍ } متعلق بالعروج بلا تنازع، وأقول: إن الآية من المتشابه وأعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشؤونها ويريدها متقنة وهو سبحانه مستو على عرشه وذلك هو التدبير من جهة العلو ثم يصعد خبر ذلك مع الملك إليه عز وجل إظهاراً لمزيد عظمته جلت عظمته وعظيم سلطنته عظمت سلطنته إلى حكم هو جل وعلا أعلم بها وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله، وقول بعضهم: العرش موضع التدبير وما دون موضع التفصيل وما دون السماوات موضع التصريف فيه رائحة ما مما ذكرنا، وأما تقدير يوم العروج هنا بألف سنة وفي آية أخرى بخمسين ألف سنة فقد كثر الكلام في توجيهه وقد تقدم لك بعض منه. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبـي مليكة قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فسأله عن قوله تعالى: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال رضي الله تعالى عنه: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله تعالى أعلم بهما وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنسان فلم يخبر ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما سمعت من ابن عباس؟ قال: بلى فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني. وبعض المتصوفة يسمون اليوم المقدر بألف سنة باليوم الربوبـي واليوم المقدر بخمسين ألف سنة باليوم الإلهي، ومحـي الدين قدس سره يسمى الأول يوم الرب والثاني يوم المعارج، وقد ذكر ذلك وأياماً أخر كيوم الشأن ويوم المثل ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل وأيام سائر السيارة ويوم الحمل وأيام سائر البروج في «الفتوحات»، وقد سألت رئيس الطائفة الكشفية الحادثة في عصرنا في كربلاء عن مسألة فكتب في جوابها ما كتب واستطرد بيان إطلاقات اليوم وعد من ذلك أربعة وستين إطلاقاً، منها إطلاقه على اليوم الربوبـي وإطلاقه على اليوم الإلهي وأطال الكلام في ذلك المقام، ولعلنا إن شاء الله تعالى ننقل لك منه شيئاً معتداً به في موضع آخر، وسنذكر إن شاء الله تعالى أيضاً تمام الكلام فيما يتعلق بالجمع بني هذه الآية وقوله سبحانه: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4] وقوله تعالى: {مّمَّا تَعُدُّونَ } صفة {أَلْفٍ } أو صفة {سَنَةٍ }. وقرأ ابن أبـي عبلة {يَعْرُجُ } بالبناء للمفعول والأصل يعرج به فحذف الجار واستتر الضمير. وقرأ جناح بن حبيش {ثم يعرج ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إليه} بزيادة الملائكة قال أبو حيان: ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف. / وقرأ السلمي وابن وثاب والأعمش والحسن بخلاف عنه {يَعْدُونَ } بياء الغيبة.
ابن عاشور
تفسير : جملة {يدبر الأمر} في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله تعالى {أية : الله الذي خلق السماوات والأرض} تفسير : [السجدة: 4]، أي: خلق تلك الخلائق مدبِّراً أمرها. ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً، وقوله {من السماء} متعلق بــــ {يدبر} أو صفة للأمر أو حال منه، و{من} ابتدائية. والمقصود من حرفي الابتداء والانتهاء شمول تدبير الله تعالى الأمور كلها في العالمين العلوي والسفلي تدبيراً شاملاً لها من السماء إلى الأرض، فأفاد حرف الانتهاء شمول التدبير لأمورِ كل ما في السماوات والأرض وفيما بينهما. والتدبير: حقيقته التفكير في إصدار فعل متقن أوله وآخره وهو مشتق من دُبُر الأمر، أي: آخره لأن التدبير النظر في استقامة الفعل ابتداء ونهاية. وهو إذا وصف به الله تعالى كنايةٌ عن لازم حقيقته وهو تمام الإتقان، وتقدم شيء من هذا في أول سورة يونس وأول سورة الرعد. و{الأمر}: الشأن للأشياء ونظامُها وما به تقوُّمها. والتعريف فيه للجنس وهو مفيد لاستغراق الأمور كلها لا يخرج عن تصرفه شيء منها، فجميع ما نقل عن سلف المفسرين في تفسير (الأمر) يرجع إلى بعض هذا العموم. والعروج: الصعود. وضمير {يَعْرُجُ} عائد على {الأَمْرَ}، وتعديته بحرف الانتهاء مفيدة أن تلك الأمور المدبَّرة تصعد إلى الله تعالى؛ فالعروج هنا مستعار للمصير إلى تصرف الخالق دون شائبة تأثير من غيره ولو في الصورة كما في أحوال الدنيا من تأثير الأسباب. ولما كان الجلال يشبَّه بالرفعة في مستعمل الكلام شبه المصير إلى ذي الجلال بانتقال الذوات إلى المكان المرتفع وهو المعبر عنه في اللغة بالعُروج، كما قال تعالى: {أية : إليه يصعَد الكَلِم الطّيب والعملُ الصالحُ يرفعُه} تفسير : [فاطر: 10]، أي: يرفعه إليه. و{ثم} للتراخي الرتبي لأن مرجع الأشياء إلى تصرفه بعد صدورها من لدنه أعظم وأعجب. وقد أفاد التركيب أن تدبير الأمور من السماء إلى الأرض من وقت خلقهما وخلق ما بينهما يستقر على ما دبر عليه كلٌّ بحسب ما يقتضيه حال تدبيره من استقراره، ويزول بعضه ويبقى بعضه ما دامت السماوات والأرض، ثم يجمع ذلك كله فيصير إلى الله مصيراً مناسباً لحقائقه؛ فالذوات تصير مصير الذوات والأعراض والأعمال تصير مصير أمثالها، أي: يصير وصفها ووصف أصحابها إلى علم الله وتقدير الجزاء، فذلك المصير هو المعبر عنه بالعروج إلى الله فيكون الحساب على جميع المخلوقات يومئذ. واليوم من قوله {في يوم كان مقداره ألف سنة} هو اليوم الذي جاء ذكره في آية سورة الحج (47) بقوله: {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} تفسير : ومعنى تقديره بألف سنة: أنه تحصل فيه من تصرفات الله في كائنات السماء والأرض ما لو كان من عمل الناس لكان حصول مثله في ألف سنة، فلك أن تقدر ذلك بكثرة التصرفات، أو بقطع المسافات، وقد فُرضت في ذلك عدة احتمالات. والمقصود: التنبيه على عظم القدرة وسعة ملكوت الله وتدبيره. ويظهر أن هذا اليوم هو يوم الساعة، أي ساعة اضمحلال العالم الدنيوي، وليس اليوم المذكور هنا هو يوم القيامة المذكور في سورة المعارج قاله ابن عباس. ولم يُعيِّن واحداً منهما، وليس من غرض القرّاء تعيين أحد اليومين ولكن حصول العبرة بأهوالهما. وقوله {في يوم} يتنازعه كل من فعلي {يُدبر} و{يعرج} أي يحصل الأمران في يوم. و{ألف} عند العرب منتهى أسماءِ العدد وما زاد على ذلك من المعدودات يعبر عنه بأعداد أخرى مع عدد الألف كما يقولون خمسة آلاف، ومائة ألف، وألف ألف. و(ألف) يجوز أن يستعمل كناية عن الكثرة الشديدة كما يقال: زرتُك ألفَ مرة، وقوله تعالى: {أية : يود أحدهم لو يُعَمَّر ألف سنة}تفسير : [البقرة: 96]، وهو هنا بتقدير كاف التشبيه أو كلمة نَحْوَ، أي كان مقداره كألف سنة أو نحو ألف سنة كما في قوله: {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تَعُدُّون}تفسير : [الحج: 47]. ويجوز أن يكون {ألف} مستعملاً في صريح معناه. وقوله: {مما تعدون}، أي: مما تحسبُون في أعدادكم، و{ما} مصدرية أو موصولية وهو وصف لــــ{ألف سنة}. وهذا الوصف لا يقتضي كون اسم ألف مستعملاً في صريح معناه لأنه يجوز أن يكون إيضاحاً للتشبيه فهو قريب من ذكر وجه الشبه مع التشبيه، وقد يترجح أن هذا الوصف لما كان في معنى الموصوف صار بمنزلة التأكيد اللفظي لمدلوله فكان رافعاً لاحتمال المجاز في العدد.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يدبر الأمر من السماء، إلى الأرض، وأنه يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة. وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12]، وقد بين في سورة الحج أن اليوم عنده تعالى كألف سنة مما يعده الناس، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47] وقد قال تعالى في سورة سأل سائل: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4]. وقد ذكرنا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] الجمع بين هذه الآيات من وجهين: الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفاً هو يوم القيامة. الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} تفسير : [المدثر: 9ـ10] وقوله تعالى: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} تفسير : [القمر: 8]. وقد أوضحنا هذا الوجه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24]، وقد ذكرنا في [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلا من ابن عباس وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول فيها، ويقول: لا أدري.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض: أي أمر المخلوقات طوال الحياة. ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره: أي يوم القيامة حيث تنتهي هذه الحياة وسائر شؤونها. ألف سنة مما تعدون: أي من أيام الدنيا. عالم الغيب والشهادة: أي ما غاب عن الناس ولم يروه وما شاهدوه ورأوه. بدأ خلق الإِنسان من طين: أي بدأ خلق آدم عليه السلام من طين. من سلالة من ماء مهين: أي خلق ذريّة آدم من علقة من ماء النطفة. ثم سواه ونفخ فيه من روحه: أي سوى الجنين في بطن أمه ونفخ فيه الروح فكان حياًّ كما سوى آدم أيضا ونفخ فيه من روحه فكان حياً. والأفئدة: أي القلوب. قليلا ما تشكرون: أي ما تشكرون الله على نعمة الايجاد والامداد إلا شكراً قليلا لا يوازي قدر النعمة. معنى الآيات ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبّوة والبعث والجزاء يذكر مظاهر القدرة والعلم والرحمة والحكمة الإِلهية، فقوله تعالى {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي أمر المخلوقات {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} حيث العرش وكتاب المقادير {إِلَى ٱلأَرْضِ} حيث تتم الحياة والموت والصحة والمرض والعطاء والمنع، والغنى والفقر والحرب والسلم، والعز والذل فالله تعالى من فوق عرشه يدبر أمر الخلائق كلها في عوالمها المختلفة، وقوله ثم يعرج أي الأمر إليه في يوم كان مقدارهُ ألف سنة مما يعد الناس اليوم من أيام هذه الدنيا. ومعنى {يَعْرُجُ إِلَيْهِ} في يوم القيامة أي يرد إليه حيث عم الكون الفناء ولم يبق ما يدبر في هذه الأرض لفنائها وفناء كل ما كان عليها. وقوله {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ما غاب عن الناس وما حضر فشاهدوه أي العالم بكل شيء وقوله العزيز الرحيم: أي الغالب على مراده من خلقه الرحيم بالمؤمنين من عباده، وقوله {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} أي أحسن خلق كل مخلوق خلقه أي جوّد خلقه وأتقنه وحسنه. وقوله {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} أي وبدأ خلق آدم من طين وهو الإِنسان الأول، {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} أي نسل الإِنسان من {سُلاَلَةٍ} وهي العلقة {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} وهو النطفة، وقوله {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} أي سوّى آدم ونفخ فيه من روحه، كما سوى الإِنسان في رحم أمه أي سوى خلقه ثم نفخ فيه من روحه فكان إنساناً حياً، وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي القلوب أي لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا لحاجتكم إلى ذلك لأن حياتكم تتطلب منكم مثل ذلك ومَعَ هذه النعم الجليلة {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي لا تشكرون إلاّ شكراً قليلا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان جلال الله وعظمته في تدبيره أمر الخلائق. 2) بيان صفات الله تعالى من العلم والعزة والرحمة. 3) بيان كيفية خلق الإِنسان ومادة خلقه. 4) شكر العباد - إن شكروا - لا يوازي نعم الله تعالى عليهم. 5) وجوب شكر النعم بالاعتراف بها وذكرها وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاته.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - وَمِنْ دَلاَئِلِ عَظَمَتِهِ تَعَالى أَنَّهُ يُدَبِّرُ أَمْرَ الأَرضِ مِنَ السَّمَاءِ، وَتُرفَعُ إليهِ نَتَائِجُ تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَهُوَ تَعَالى في عُلاهُ، فِي يَومٍ مُقَدّرٍ بأَلفِ سَنةٍ مِنْ سِنِيِّ الدُّنيا التي تَعدُّونَها. يَعْرُجُ إليهِ - يَصْعَدُ الأَمرُ، يَرْتَفِعُ إِليهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : في هذه الآية ردٌّ على الفلاسفة الذين قالوا بأن الله تعالى قادر وخالق، لكنه سبحانه زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، فخلق النواميس، وخلق القوانين، ثم تركها تعمل في إدارة هذا الكون، ونقول: لا بل هو سبحانه {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ..} [السجدة: 5] أي: أمْر الخَلْق، وهو سبحانه قيُّوم عليه. وإلا فما معنى {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ..} تفسير : [البقرة: 255] إن قُلْنا بصحة ما تقولون؟ بل هو سبحانه خلق الكون، ويُدبِّر شئونه على عينه عز وجل، والدليل على قيوميته تعالى على خَلْقه أنه خلق الأسباب على رتابة خاصة، فإذا أراد سبحانه خَرْق هذه الرتابة بشواذ تخرج عن القوانين المعروفة كما خرق لإبراهيم - عليه السلام - قانون الإحراق، وكما خرق لموسى - عليه السلام - قانون سيولة الماء، ومسألة خَرْق القوانين في الكون دليل على قيوميته تعالى، ودليل على أن أمر الخَلْق ما يزال في يده سبحانه. ولو أن المسألة كما يقول الفلاسفة لكان الكون مثل المنبه حين تضبطه ثم تتركه ليعمل هو من تلقاء نفسه، ولو كان الأمر كذلك لانطفأتْ النار التي أُلقِي فيها إبراهيم عليه السلام مثلاً. لذلك لما سُئِل أحد العارفين عن قوله تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29] ما شأن ربك الآن، وقد صحَّ أن القلم قد جفَّ؟ قال: أمور يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً ويضع آخرين. إذن: مسألة الخَلْق إبداء لا ابتداء، فأمور الخَلْق مُعدَّة جاهزة مُسْبقاً، تنتظر الأمر من الله لها بالظهور. وقلنا هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فكلمة {أية : يَقُولَ لَهُ ..} تفسير : [يس: 82] تدل على أن هذا الشيء موجود بالفعل ينتظر أنْ يقول الله له: اظهر إلى حيِّز الوجود. فالحق سبحانه {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ..} [السجدة: 5] ثم تعود إليه سبحانه النتائج {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ..} [السجدة: 5] فالله سبحانه يرسل إلى الأرض، ثم يستقبل منها؛ لأن المدبِّرات أمراً من الملائكة لكل منهم عمله واختصاصه، وهذه المسألة نسميها في عالمنا عملية المتابعة عند البشر، فرئيس العمل يكلف مجموعة من موظفيه بالعمل، ثم لا يتركهم إنما يتابعهم ليستقيم العمل، بل ويحاسبهم كلاً بما يستحق. والملائكة هي التي تعرج بالنتائج إليه سبحانه {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] فالعود سيكون للملائكة، وخَطْو الملائكة ليس كخَطْوِك؛ لذلك الذي يعمله البشر في ألف سنة تعمله الملائكة في يوم. ومثال ذلك ما قرأناه في قصة سليمان - عليه السلام - حين قال: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38]. وهذا الطلب من سليمان - عليه السلام - كان على ملأ من الإنس والجن، لكن لم يتكلم بشريٌّ، ولم يتصدَّ أحد منهم لهذا العمل، إنما تصدّى له عفريت، وليس جِنِّياً عادياً، والعفريت جنى ماهر له قدراته الخاصة، وإلا ففي الجن أيضاً من هو (لبخة) لا يجيد مثل هذه المهام، كما في الإنسان تماماً. قال العفريت: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..} تفسير : [النمل: 39] وهذا يعني أنه سيستغرق وقتاً، ساعة أو ساعتين، أما الذي عنده علم من الكتاب فقال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ..} تفسير : [النمل: 40] يعني : في طرفة عين لما عنده من العلم؛ لذلك لما رأى سليمانُ العرشَ مستقراً عنده في لمح البصر، قال: {أية : قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ..} تفسير : [النمل: 40]. إذن: الفعل يستغرق من الزمن على قدْر قوة الفاعل، فكلما زادتْ القوة قَلَّ الزمن، وقد أوضحنا هذه المسألة في كلامنا على الإسراء والمعراج. ومعنى: {مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] أي: من سنينكم أنتم. ثم يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} معناه تَعرُجُ الملائكةُ إِلى السَّماءِ وتَنزِلُ في يومٍ من أيامِ الدُّنيا، وهو مَسيرةُ ألفِ سَنةٍ. وقالَ عليه السّلامُ: السّتةُ الأَيامُ التي خَلَقَ فِيها السَّمواتِ والأَرضَ.
همام الصنعاني
تفسير : 2298- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، قال: أنبأنا ابن أبي مليكة، قال: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز، مولى عثمان بن عفَّان على عبد الله بن عباس فقال له ابن فيروز: يا (ابن عباس)، قول الله تبارك وتعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ}: [الآية: 5]، قال ابن عباس: مَنْ أَنْتَ؟ قال: أنا عبد الله بن فيروز مولَى عثمان بن عنفان، فقال ابن نعباس: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، فقال له ابن فيروز: أسألك يابن عباس، فقال (ابن عباس): أياماً، سمَّاها الله: لا أدري ما هي، أكره أن أقول فيها ما لاَ أعْلَمُ. قال ابن مليكة: (فضرب الدهر) حتى دَخَلْتُ على سعيد بن المسيب فسُئل عَنْهَا، فلم يدرِ ما يقول فيها! قال: فقلت له: أُخْبِرك ما حضرت من ابن عباس، فأخبرته. فقال ابن المسيّب للسائل: هذا ابن عباس، قَدِ اتَّقى أن يقُولَ فِيَها، وهو أعلمُ مني. 2299- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}: [الآية: 5]، قال: ينحدر الأمر ويَصْعَدُ إلى السَّماءِ، من الأرض في يومٍ واحجد مقداره ألف سنةٍ، خمسمائة في المسير حين ينزل، وخمسمائة حين يعرج.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):