٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي علِم ما غاب عن الخلق وما حضرهم. و«ذَلِكَ» بمعنى أنا. حسبما تقدّم بيانه في أوّل البقرة. وفي الكلام معنى التهديد والوعيد؛ أي أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازي عليها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } الخالق المدَبِّر {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } أي ما غاب عن الخلق وما حضر {ٱلْعَزِيزُ } المنيع في ملكه {ٱلرَّحِيمُ } بأهل طاعته.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة أراد بــ {الغيب} الآخرة، وبـ {الشهادة} الدنيا، وقيل أراد بـ {الغيب} ما غاب عن المخلوقين وبـ {الشهادة} ما شوهد من الأشياء فكأنه حصر بهذه الألفاظ جميع الأشياء، وقرأ جمهور الناس "خلَقه" بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى {أحسن} أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى ما قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة، والجملة في {خلقه} يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة لـ {كل} أو في موضع خفض صفة لـ {شيء}، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "خلْقه" بسكون اللام وذلك منصوب على المصدر، والضمير فيه إما عائد على الله تعالى وإما على المفعول، ويصح أن يكون بدلاً من {كل} وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن {أحسن} بمعنى ألهم، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: {أية : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} تفسير : [طه: 50] أي ألهم الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد ورجحه الطبري، وقرأ جمهور الناس "وبدأ"، وقرأ الزهري "وبدا خلق الإنسان" بألف دون همزة وبنصب القاف وذلك على البدل لا على التخفيف. قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه أبدل الياء من بدى ألفاً، وبدى لغة الأنصار، وقال ابن رواحة: [الرجز] شعر : "بسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا" تفسير : و {الإنسان} آدم عدد أمره على بنيه إذ خلقه خلق لهم من حيث هو منسلهم، و"النسل" ما يكون عن الحيوان من الولد كأنه مأخوذ من نسل الشيء إذا خرج من موضعه، ومنه قوله تعالى: {أية : وهم من كل حدب ينسلون} تفسير : [الأنبياء: 96] ومنه نسل ريش الطائر إذا تساقط، و"السلالة" من سل يسل فكأن الماء يسل من الإنسان ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين تفسير : و"المهين" الضعيف، مهن الإنسان إذا ضعف وذل، وقوله {ونفخ} عبارة عن إفاضة الروح في جسد آدم، والضمير في {روحه} لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى ملك وخلق إلى خالق، ثم أظهر تعديد النعم عليهم في أن خصهم في قوله {لكم} بضمير {السمع والأبصار والأفئدة} وهي لمن تقدم ذكره أيضاً كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه المنطوق به. ويحتمل أن يكون {الإنسان} في هذه الآية اسم الجنس، وقوله تعالى: {قليلاً} صفة لمصدر محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به، والضمير في {قالوا} للكفار الجاحدين البعث من القبور والمستبعدين لذلك دون حجة ولا دليل. وموضع {إذا} نصب بما في قوله {إنا لفي خلق جديد} لأن معناه لنعاد، واختلفت القراءة في {أئذا} وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع. وقرأ جمهور القراء "ضللنا" بفتح اللام، وقرأ ابن عامر وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب "ضلِلنا" بكسر اللام والمعنى تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل: [الكامل] شعر : كنت القذا في متن أكدر مزبد قذف الأتيّ به فضلّ ضلالا تفسير : ومنه قول النابغة: شعر : فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : أي متلفوه دفناً، ومنه قول امرىء القيس: "تضل المداري في مثنى ومرسل". وقرأ الحسن البصري "صلَلنا" بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء وتروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعناه صرنا من الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة، ويجوز أن يريد به من التغير كما يقال صل اللحم، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس وأبان بن سعيد بن العاصي، وقرأ الحسن أيضاً "صلِلنا" بالصاد غير منقوط وكسر اللام، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة "ضُلِّلنا" بضم الضاد وكسر اللام وشدها، وقولهم {إنا لفي خلق جديد} أي إنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد خلقنا. وقوله تعالى: {بل} إضراب عن معنى استفهامهم كأنه قال ليسوا مستفهمين "بل هم كافرون" جاحدون بلقاء الله تعالى، ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة، و {يتوفاكم} معناه يستوفيكم. ومنه قال الشاعر: [الرجز] شعر : أزيني الأردم ليسوا من أحد ولا توفيهم قريش في العدد تفسير : و {ملك الموت} اسمه عزرائيل وتصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله روحها دون ملك. قال الفقيه الإمام القاضي: كأن يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضاً غلظ العذاب على الكافرين بذلك، وروي عن مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر.
الخازن
تفسير : {ذلك عالم الغيب والشهادة} يعني الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض هو عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عن خلقه لا تخفى عليه خافية والشهادة بمعنى ما حضر وظهر {العزيز} أي الممتنع المنتقم من أعدائه {الرحيم} بأوليائه وأهل طاعته. قوله تعالى {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال ابن عباس أتقنه وأحكمه وقيل علم كيف يخلق كل شيء وقيل خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض فكل حيوان كامل في صورته حسن في شكله وكل عضو من أعضائه مقدر على ما يصلح به معاشه وقيل معناه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه وعلمهم إياه. وقيل معناه أحسن إلى كل خلقه {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم {ثم جعله نسله} يعني ذريته {من سلالة} أي من نطفة تنسل من الإنسان {من ماء مهين} أي ضعيف {ثم سواه} أي سوى خلقه {ونفخ فيه من روحه} أضاف إليه الروح إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد فقال {وجعل لكم} أي خلق بعد أن كنتم نطفاً مواتاً {السمع والأبصار والأفئدة} قيل قدم السمع لأن الإنسان يسمع أولاً كلاماً فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه في ذلك الكلام ليفهم معناه ووحد السمع لأن الإنسان يسمع الكلام من أي جهة كان {قليلاً ما تشكرون} يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعمة فتوحدوه إلا قليلا. قوله تعالى {وقالوا} يعني منكري البعث {أئذا ضللنا} هلكنا {في الأرض} والمعنى صرنا تراباً {أئنا لفي خلق جديد} استفهام إنكاري قال الله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} بالبعث بعد الموت {قل يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم حتى لا يبقى أحد ممن كتب عليه الموت {ملك الموت} وهو عزرائيل عليه السلام {الذي وكل بكم} أي أنه لا يغفل عنكم وإذا جاء أجل أحدكم لا يؤخر ساعة ولا شغل له إلا ذلك. روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أرواح الخلائق من مشارق الأرض ومغاربها وله أعوان من الملائكة ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وقال ابن عباس إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، وقيل إن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح الإنسان، فإذا بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت. عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له الآن تنزل بك سكرات الموت. وقوله {ثم إلى ربكم ترجعون} أي تصيرون إلى ربكم أحياء فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل {ولو ترى إذ المجرمون} أي المشركون {ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} أي يطأطئونها حياء من ربهم وندماً على ما فعلوا عند ربهم يقولون {ربنا أبصرنا} أي ما كنا به مكذبين {وسمعنا} يعني منك تصديق ما أتتنا به رسلك وقيل أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فيها {فارجعنا} أي فارددنا إلى الدنيا {نعمل صالحاً إنا موقنون} أي في الحال آمنا ولكن لا ينفع ذلك الإيمان {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} أي رشدها وتوفيقها للإيمان {ولكن حق القول مني} أي وجب القول مني {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي من كفار الجن والإنس {فذوقوا} يعني فإذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة ذوقوا {بما نسيتم لقاء يومكم} أي تركتم الإيمان في الدنيا {هذا إنا نسيناكم} يعني تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعل بالناس قطعاً لرجائكم {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي من الكفر والتكذيب.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر، فدل ذلك على شمول القدرة، وكان شامل القدرة لا بد وأن يكون محيط العلم، كانت نتيجته لا محالة: {ذلك} أي الإله العالي المقدار، الواضح المنار {عالم الغيب} الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح والأمر والخلق. ولما قدم علم الغيب لكونه، أعلى وكان العالم به قد لا يعلم المشهود لكونه لا يبصر قال: {والشهادة} من ذلك كله التي منها تنزيل القرآن عليك ووصوله إليك {العزيز} الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء. ولما كان ربما قدح متعنت في عزته بإهمال العصاة قال: {الرحيم} أي الذي خص أهل التكليف من عباده بالرحمة في إنزال الكتب على السنة الرسل، وأبان لهم ما ترضاه الإلهية، بعد أن عم جميع الخلائق بصفة الرحمانية بعد الإيجاد من الإعدام بالبر والإنعام. ولما ذكر صفة الرحيمية صريحاً لأقتضاء المقام إياها، أشار إلى صفة الرحمانية فقال: {الذي أحسن كل شيء} ولما كان هذا الإحسان عاماً، خصه بأن وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله: {خلقه} فبين أن ذلك بالإتقان والإحكام، كما فسر ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التشكيل والتصوير، وشق المشاعر، وتهيئة المدارك، وإفاضة المعاني، مع المفاوتة في جميع ذلك، وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة الباقين، وعبر بالحسن لأن ما كان على وجه الحكمة كان حسناً وإن رآه الجاهل القاصر قبيحاً. ولما كان الحيوان أشرف الأجناس، وكان الإنسان أشرفه، خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق، فقال دالاً على البعث: {وبدأ خلق الإنسان} أي الذي هو المقصود بالخطاب بهذا القرآن {من طين} أي مما ليس له أصل في الحياة بخلق آدم عليه السلام منه. ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمراً هائلاً، أشار إليه بأداة البعد في قوله: {ثم جعل نسله} أي ولده الذي ينسل أي يخرج {من سلالة} أي من شيء مسلول، أي منتزع منه {من ماء مهين} أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول، فعيل بمعنى مفعول، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله: {ثم سواه} أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني {ونفخ فيه من روحه} الروح ما يمتاز به الحي من الميت، والإضافة للتشريف، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله. ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم، لفت إليهم الخطاب قائلاً: {وجعل} أي بما ركب في البدن من الأسباب {لكم السمع} أي تدركون به المعاني المصوتة، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالماً {والأبصار} تدركون بها المعاني والأعيان القابلة، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر. ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال: {والأفئدة} أي المضغ الحارة المتوقدة المتحرفة، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين؛ قال الرازي في اللوامع: جعله - أي الإنسان - مركباً من روحاني وجسماني، وعلوي وسفلي، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع الكونين بعقله وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحياً قولياً، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليماً اختيارياً طوعياً. ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال: {قليلاً ما تشكرون *} أي وكثيراً ما تكفرون. ولما كانوا قد قالوا: محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس بممكن، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجيب من كفرهم، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم، قال معجباً منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله: {أم يقولون افتراه}، لافتاً عنهم الخطاب إيذاناً بالغضب من قولهم: {وقالوا} منكرين لما ركز في الفطر الأُوَل، ونبهت عليه الرسل، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة: {أإذا} أي أنبعث إذا {ضللنا} أي ذهبنا وبطلنا وغبنا {في الأرض} بصيرورتنا تراباً مثل ترابها، لا يتميز بعضه من بعض: قال أبو حيان تبعاً للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم: وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب. ثم كرروا الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا: {إنا لفي خلق جديد} هو محيط بنا ونحن مظروفون له. ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه الإقرار بالقدرة على البعث من خلق الخلق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك، أشار إليه بقوله: {بل} أي ليسوا بمنكرين لقدرته سبحانه، بل {هم بلقاء ربهم} المحسن بالإيجاد والإبقاء مسخراً لهم كل ما ينفعهم في الآخرة للحساب أحياء سويين كما كانوا في الدنيا، والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا يحسن بالمحسن أن ينغص إحسانه بترك القصاص من الظالم الكائن في القيامة {كافرون *} أي منكرون للبعث عناداً، ساترون لما في طباعهم من أدلته، لما غلب عليهم من الهوى القائد لهم إلى أفعال منعهم من الرجوع عنها الكبرُ عن قبول الحق والأنفة من الإقرار بما يلزم منه نقص العقل.
القشيري
تفسير : {ٱلْعَزِيزُ} مع المطيعين {ٱلرَّحِيمُ} على العاصين. {ٱلْعَزِيزُ} للمطيعين ليكْسِرَ صولتَهم {ٱلرَّحِيمُ} للعاصين ليرفعَ زَلَّتَهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} الله العظيم الشان المتصف بالخلق والاستواء وانحصار الولاية والنصرة فيه وتدبير امر الكائنات {عالم الغيب} ما غاب عن الخلق {والشهادة} ما حضر لهم ويدبر امرهما حسبما يقتضيه. وقال الكاشفى [داند امور دنيا وآخرت يا عالم بآنجه بوده باشد وخواهد بود]. وقال بعض الكبار الغيب الروح والشهادة النفس والبدن {العزيز} الغالب على امره {الرحيم} علىعباده فى تدبيره. وفيه ايماء الى انه تعالى يراعى المصالح تفضلا واحسانا لا ايجابا
الطوسي
تفسير : خمس آيات عراقي لم يعدوا {جديد} آية. وست في ما عداه، لأنهم عدوا {جديد} آية. قرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر {أحسن كل شيء خلقه} باسكان اللام. الباقون بفتحها. من سكن اللام فعلى تقدير: الذي أحسن خلق كل شيء اي جعلهم يحسنونه والمعنى انه ألهمهم جميع ما يحتاجون اليه. قال الزجاج: ويجوز ان يكون على البدل، والمعنى: احسن كل شيء. ويجوز أن يكون على المصدر وتقديره الذي خلق كل شيء خلقه. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضياً، ومعناه احسن الله كل شئ خلقه على إرادته ومشيئته، وأحسن الانسان وخلقه في احسن صورة. وقيل: معناه إن وجه الحكمة قائم في جميع أفعاله، ووجوه القبح منتفية منها، ووجه الدلالة قائم فيها على صانعها، وكونه عالماً. والضمير في قوله {خلقه} كناية عن اسم الله. لما اخبر الله تعالى انه الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام واستولى على العرش، وانه الذي يدبر الأمور ما بين السموات والارض بين - ها هنا - ان الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو {عالم الغيب والشهادة} أي يعلم السر والعلانية {العزيز} في انتقامه من أعدائه {الرحيم} بعباده، المنعم عليهم، و {الغيب} خفاء الشيء عن الادراك. والشهادة ظهوره للادراك فكأنه قال: يعلم ما يصح أن يشاهد، وما لا يصح أن يشاهد فيدخل في ذلك المعدوم والحياة والموت والقدرة وجميع ما لا يصح عليه الرؤية. والعزيز: هو القادر على منع غيره ولا يقدر الغير على منعه، وأصله المنع من قولهم: من عز بزّ، من غلب سلب، لأن من غلب أسيره فمنعه أخذ سلبه. ثم قال الذي احسن كل شيء خلقه، ومعنى ذلك في جميع ما خلقه الله تعالى وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة، وليس فيه وجه من وجوه القبح. وذلك يدل على ان الكفر والضلال وسائر القبائح ليست من خلقه. ولفظة (كل) وإن كانت شاملة للاشياء كلها، فالمراد به الخصوص - ها هنا - لأنه أراد ما خلقه الله تعالى من مقدوراته دون مقدور غيره، ونصب قوله {خلقه} بالبدل من قوله {كل شيء} كما قال الشاعر: شعر : وظعني اليك الليل حضنيه انني لتلك إذا هاب الهداي فعول تفسير : وتقديره وظعني حضني الليل اليك. وقال الآخر: شعر : كأن هنداً ثناياها وبهجتها يوم التقينا على ادحال دباب تفسير : والمعنى كأن ثنايا هندو بهجة هند. وقوله {وبدأ خلق الإنسان من طين} أي ابتدأ خلق الانسان من طين، يريد انه خلق آدم الذي هو أول الخلق من طين، لأن الله تعالى خلق آدم من تراب، فقلبه طيناً، ثم قلب الطين حيواناً، وكذلك قال {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} تفسير : وقال - ها هنا - و {وبدأ خلق الإنسان من طين} وكل ذلك لما في التصريفين دليل وقوله {ثم جعل نسله من سلالة} يعني نسل الانسان الذي هو آدم وولده من سلالة، وهي الصفوة التي تنسل من غيرها خارجة، قال الشاعر: شعر : فجاءت به عضب الاديم غضنفراً سلالة فرج كان غير حصين تفسير : {من ماء مهين} قال قتادة: المهين الضعيف. وهو (فعيل) من المهنة. وقوله {ثم سواه} أي عدله ورتب جوارحه {ونفخ فيه} يعني في ذلك المخلوق {من روحه} فأضافه إلى نفسه اضافة اختصاص وإضافة ملك على وجه التشريف. ثم قال {وجعل لكم} معاشر الخلق {السمع} لتسمعوا به الاصوات {والأبصار} لتبصروا بها المرئيات {والأفئدة} أي وخلق لكم القلوب لتعقلوا بها {قليلاً ما تشكرون} أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير و (ما) زائدة، ويجوز ان تكون مصدرية، والتقدير قليلا شكركم، لأن نعم الله لا تحصى. ثم حكى عن الكفار فقال {وقالوا أئذا ضللنا في الأرض} وفيه لغتان فتح اللام وكسرها، وكل شيء غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل فيه، قال الاخطل: شعر : كنت القذي في موج اكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا تفسير : وقال مجاهد وقتادة: معنى {ضللنا} هلكنا. وقال ابو عبيدة: همدنا فلم يوجد لهم دم ولا لحم {أئنا لفي خلق جديد} حكاية عن تعجبهم وقولهم كيف نخلق خلقاً جديداً، وقد هلكنا وتمزقت أجسامنا. ثم قال {بل} هؤلاء الكفار {بلقاء ربهم} بالعذاب والعقاب {كافرون} أي جاحدون، فلذلك قالوا: أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد، جعل {إذا} منصوبة بـ {ضللنا} وتكون في معنى الشرط، ولا توصل إلا بذكر الفاء بعدها، لأن {إذا} قد وليها الفعل الماضي ولا يجوز أن تنصب {إذا} بما بعدها إذ لا خلاف بين النحويين فيه. وقرأ الحسن {صللنا} بالصاد غير منقوطة. ومعناه احد شيئين: احدهما - انتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا، يقال صل اللحم، وأصل إذا أنتن، والثاني - صللنا صرنا من جنس الصلة وهي الأرض اليابسة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (6) ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} ذلك المدبر "عالم" يكون علمه عين إيجاده للأشياء على أحكم وجه وأتقنه، وإيجاده للأشياء على أبلغ النظام والأحكام عين علمه وتدبيره، فيكون غيبه شهادة وشهادته غيباً وهو العزيز في غاية العظمة والكبرياء، لبراءة ذاته عن وصمة الحدوث والإمكان، وعن شوب الاشتراك والمماثلة مع الماهيات، "الرحيم" الذي يصل نور فيضه وأثر جوده إلى كل عال وسافل، وقاصٍ ودانٍ، لكونه في العلو الأعلى من جهة الذات والوجود، والدنوّ الأدنى من جهة الفيض والجود، ولذا عقبه بقوله: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، فإن ذاته لما كانت في غاية الجلالة والعظمة، وكانت الموجودات كلها نتائج ذاته وأشعة أنوار صفاته، فيكون في غاية ما يمكن من الحسن والجمال والكمال، ولأنه ما من شيء خَلَقَهُ إلاَّ وهو مرتّب على ما اقتضته الحكمة الإلهية، وأوجبته العناية الأزلية، فتكون جميع المخلوقات حسنة في غاية الحسن المتصور في حقه، وإن تفاوتت وانقسمت إلى حَسَن وأحسن إذا قيس بعضها إلى بعض، كما قال سبحانه: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين:4]. أما الشرور والآفات التي يتراءى في نظر المحجوبين، فهي ليست شروراً بالحقيقة، لأن الشر الحقيقي عدم أو عدمي لا وجود له، وأما الذي يؤدي إلى عدم ذات أو عدم كمال الذات مما يسمى باسم الشر مجازاً فهو إنما خلق لأجل النفع في أشياء آخر، لا يهملها خالق القضاء والقدر، وما يعد شراً، في تركه شرُّ أكثر بكثير منه، وهو أيضاً لا يوجد إلاَّ في جزء من وجه الأرض، وهي حقيرة بالقياس إلى السماء الدنيا الخالية عن هذه الآفات مع حقارتها بالنسبة إلى جملة السمٰوات المقهورة، المطموسة تحت أشعة الأنوار القادسات والقاهرات، الأسيرة كلها في قبضة الرحمن، ولا نسبة لعالم الإمكان الذي هو مثار القصور والنقصان، إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء. فقد لاح أن الوجود كله على أحسن ما يتصور من الحُسن والنظام، ولنا براهين نيرة على هذا المطلب أوردناها في مواضع من كتبنا على وجه البسط والتحقيق، من أراد الوقوف عليها فليطلبها من هناك، والله ولي التوفيق. وقيل: معنى {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} علم كيف يخلقه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "قيمة كل امرئ ما يحسنه". وحقيقته بحسن معرفته، أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق واتقان، وقرئ {خَلَقَهُ} على البدل، أي أحسن خَلْقَ كل شيء و"خلقه" على الوصف، أي كل شيء خلقه فقد أحسنه. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9)} لما وصف خلقه بالحسن، ولا ريب في أن حسن النظام بترتب الغاية المطلوبة منه، وغاية إيجاد العالم - كما بُيِّن - ذاته تعالى معروفاً ومعلوماً كما دل عليه الحديث القدسي من قوله تعالى: (كنتُ كنزاً مَخفياً فأحببت أن أعرف فخلقتُ الخلق لأعرف)، وحامل معرفة الله من جملة الأكوان الحادثة هو الروح الإنسانية التي هي نور من أنوار الله الفائضة على اللطيفة القلبية، وسره الواردة من أمر "كن" على عرش الجسم البخاري القلبي، المشابه للجرم السماوي المنعوت بقوله تعالى: {أية : وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصّلت:11]، فأراد أن يشير عقيب ذكر إحسان خلق كل شيء إلى كيفية خلقة الإنسان الذي هو الثمرة لوجود الخلائق. ثم لما كانت حقيقة الإنسان ذات جهتين، مركّبة من أصلين هما خلاصة العالمين: بدن هو صفوة الأجسام العنصرية، وروح هي صفوة الأرواح - كما أن العالم بتمامه منقسم إلى غيب وشهادة -، كذلك الإنسان الذي هو على صورة العالم، عالم صغير مشتمل على غيب وشهادة، أي روح وجسم، فأشار إلى أصل تكوّن كل منهما، وقدّم بيان نشوء البدن على بيان نشوء الروح، لكونه أظهر وجوداً وأجلى معرفة على المتوطنين في دار المحسوسات، فقال مشيراً إلى انشاء البدن: {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ}، هذا بحسب أصل خلقته الحدوثية في أول شخص وجد كآدم (عليه السلام)، فإنه كان إنساناً توّلد من غير مادة باقية من شخص آخر أو شخصين، استعدت لوجود ذلك الإنسان استعداداً قريباً. ثم قال: "وجعل نسله من ماء مهين"، وهذا بحسب وجوده البقائي التوالدي، الحاصل من بقية أصل بدني، كان جزء من بدن مماثل للبدن اللاحق المسمى بالنسل، أي الذرية، وإنما سميت ذرية الإنسان نسلاً له، لأنها تَنْسل منه، أي تنفصل منه وتخرج من صلبه، ونحوه قولهم للولد: "سليل"، و "نجل". وقال مشيراً إلى انشاء الروح وإبداعها: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ}، ونعم ما قال الزمخشري من قوله: وذلك بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خَلْق عجيب لا يعلم كنهه إلاَّ هو، كقوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء:85]. واعلم أن الخطْب في الروح العظيم، والكلام فيه طويل، قل من الحكماء من حصّل معناه، وقلّ من النظار من بلغ إلى فحواه، وليس هذا الروح المذكور في هذا الموضع ما أثبته الأطباء، وهو الجرم الشبيه بالأجرام السماوية، لصفائه واعتداله وتوسطه بين الكيفيات المتقابلة التي هي من أوائل الملموسات، والأطراف المتضادة، والتوسط بين الكيفيات المتقابلات بمنزلة الخلوّ عنها. وليس المراد منه ما سمّاه الحكماء: "النفس الناطقة"، التي هي جوهر مدبّر للبدن، مرتبتها مرتبة العقل الهيولاني، ولها استعداد الترقي إلى مقام الروح الإلهي الذي هو من أمر الله، وكل ما كان من أمر الله وعالم جبروته وقاهريته، فشأنه التأثير في الأشياء بالقهر والإبداع من غير انفعال واستكمال بما تحته، فكيف يكون منفعلا عن البدن ويكون الحاصل منه ومن المادة البدنية نوعاً طبيعياً ذا مادة وصورة، له تركيب اتّحادي بينهما، كما هو شأن النفس، والنفس إذا أثرت في شيء ما أثرت إلاَّ بتأييد هذا الروح المسمى عند بعضهم بالعقل الفعّال. وإليه أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: "حديث : إن الله تبارك وتعالى خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا مَلَك مقرّب، وهو أول ما خلق الله، قال له: "أدبِر" فأدْبَرَ. ثم قال له: "أقبِل" فأقْبَلَ. فقال: "تكلم" فقال: الحمد لله الذي ليس له ضد ولا ند، ولا شبيه ولا كفو، ولا عديل ولا مثل، الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل. فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسنَ منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعز منك، بك أُحيي وبك آخذ، وبك أعطي وبك أُوحّد، وبك أُعبد وبك أُدْعىٰ، وبك أُرتجىٰ وبك أُبتغىٰ، وبك أُخاف وبك أُحْذَر، وبك الثواب وبك العقاب. فخرّ العقل عند ذلك ساجداً، فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك وتعالى: إرفع رأسك، وسَلْ تُعْطَ، وأشْفَع تُشَفَّع. فرفع العقل رأسه فقال: إلهي أسألك أن تُشَفّعني فيمن خلقتني فيه. فقال الله جل جلاله: أشهدكم اني قد شفّعته فيمن أخلقه فيه ". تفسير : وهذا الحديث متفق عليه بحسب الفحوى، وإن كانت العبارات مختلفة النقل، وإني اخترت هذا النقل لكونه أمتن وأوثق، وقد شرحت معنى الإدبار والإقبال المنسوبان إلى العقل الفعال في تفسيرنا لآية الكرسي بما لا مزيد عليه، وذكرنا هناك أن هذه الصفات كلها صادقة في حق النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بحسب المقام المحمود عند ربه. إشارة واعلم أن الروح البخاري الموضوع لمسائل علم الطب، ظِلٌ مُحَاكٍ للروح الإلهي، ومحل استوائه عليه ومعسكر لقواه وجنوده، وهو أيضاً حاصل بعد تسوية العناصر وتعديلها وتوسطها في الكيفية بين الأطراف المتضادة، كما إن هذا الروح الإلهي الذي هو موضوع لمعرفة الله وعلم المعاد، حاصل بعد تسوية الأخلاق وحصول العدالة والتوسط في الصفات الأربعة بين أطرافها المتقابلة، فإن "العدالة" كيفية حاصلة من العفّة المتوسطة بين إفراط القوة الشهوية - المسماة بالفجور - وتفريطها - المسماة بالخمول -، ومن الشجاعة المتوسطة بين إفراط القوة الغضبية وتفريطها - المسماتين بالتهور والجبن -، ومن الحكمة المتوسطة بين طرفي القوة الإدراكية، المسماتين بالجربزة والبلاهة. والعدالة أيضاً متوسطة بين الظلم والانظلام، الحاصلتين من إفراط بعض تلك القوى وتفريطها. ومعنى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : العِلم عِلمان، عِلم الأبدان وعِلم الأديان" تفسير : إشارة إلى أن كمال الإنسان بحسب النشأتين منوط بإصلاح هذين الروحين، إذ بمعرفة الطب والعمل بمقتضاها ينصلح الروح الذي بدء خلقه من طين، لأن صفوة العناصر الغالب عليها الأرض ومرجعه إليها، وبمعرفة العلم الإلهي والدين الرباني ينصلح حال الروح الذي هو من الله ومرجعه إليه تعالى، فبإصلاح أحدهما وتعديله ينصلح أمر المعاش في الدنيا، وبإصلاح الآخرة ينصلح أمر المعاد في الآخرة، والأحوط عند الأكياس ترجيح صلاح المعاد على صلاح المعاش، وعيش الآخرة على عيش الدنيا، بل "حديث : لا عيْشَ إلاَّ عيشُ الآخرة" تفسير : كما ورد في الحديث، وعليه الأنبياء والاولياء والصِدّيقون سلام الله عليهم أجمعين. تنبيه فرقاني إعلم أن أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي كسائر الألفاظ الموضوعة للحقائق الكلية، مجملةٌ، يطلق تارة ويراد به الظاهر المحسوس، ويطلق تارة ويراد به سره وحقيقته وباطنه، وتارة يطلق ويراد به سر سرّه وحقيقته وباطن باطنه. وذلك لأن أصول العوالم والنشآت ثلاثة: الدنيا، والآخرة، وعالم الإلهية، وكلها متطابقة، وكل ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على وجه يناسب كل موجود لما في عالمه الخاص به. فالروح مثلاً، كما يطلق على الجسم البخاري، يطلق أيضاً على النفس الحيوانية أو الإنسانية، ويشترك جميع أفرد الإنسان في الاول والثاني، وكذلك يطلق على الروح الإلهي الذي هو محل استواء الرحمان بلا واسطة ومحل نفخه وفيضه، وله الخلافة الكبرى من الحق والسلطنة العظمى نيابة عنه تعالى. فمن تلك الألفاظ: السمع، والبصر، والفؤاد، فإن هذه الثلاثة ربما يراد بها الأعضاء الثلاثة، كالأذن الغضروفي، والعين الشحمي، والقلب اللحمي، وما يتعلق بها من الأعصاب والأرواح التي كلها من عالم الخلق والتقدير وعالم الشهادة والحس، وربما يراد بها القوة السمعية المدركة للأصوات والألفاظ والنغمات، والقوة البصرية المدركة للأضواء والألوان، والقوة القلبية المدركة للمفهومات وأوئل المعقولات والمسلّمات المقبولات، وتارة يراد بالسمع سماع المواعظ والحِكَم القرآنية، والآيات الإلهية، وبالبصر مشاهدة أولياء الله وأحبائهم ومعارفهم وتصديق حالهم، وبالفؤاد الروح القدسي الواصل إلى الله تعالى بنور العرفان. وهذه المعاني الأخيرة، مما لا اشتراك لجميع الناس فيه، بل تختص بالمقرّبين، وكذلك معانيها المتوسطة مما لا يشترك الجميع فيه، إلاَّ أنها أشمل وجوداً من الأخيرة، بل تختص بالمتوسطين من الناس، وهم أصحاب اليمين وأهل السعادة العملية، الفائزون بنعيم الآخرة بميراث عملهم، إن لم تكن أعمالهم مشوّشة مغشوشة بالجهل المركّب والاستبداد بالرأي، والخروج عن صفو الاستعداد المطلق بالأكدار الاعتقادية الباطلة الوهمية في أحوال المبدأ والمعاد. فإذا علمت هذا، فاعلم أن قوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ}، لمّا وقع في معرض الامتنان وإظهار الإحسان، فالظاهر أن المراد بالسمع والبصر ها هنا ما يختص بأحبّاء الله والمتألّهين والمقرّبين، لا المبعدين الناكرين ممن ليس لهم نصيب من القرآن، وهم عن السمع لمعزولون: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال:23]، ولا من الذين كانوا عمي القلب عن مشاهدة الحقائق كأبي لهب وأبي جهل ونظرائهما في الجهل والعمى والصمم عن مشاهدة آيات الله وسماع ذكر الحبيب. ولو كان لفظ السمع والبصر والقلب - أينما وقع في القرآن - كان المراد منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسية الدينوية، لما سلب الله سبحانه معانيها عن أهل الكفر والجهل بقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة:171]، مع وجود هذه الآلات فيهم، وكذا قوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179]، لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خُلقت لأجله ليزيدهم بسبب شكر هذه النعم الدنيوية نعمة بواطن هذه المشاعر وحقائقها، أو لعدم نصيبهم من تلك النعم الباطنية، وزوال استعدادهم واستحقاقهم لها، كما لا نصيب للأنعام منها، وإنما هم أضلّ، لبطلان استعدادهم بالمسخ والطمس لعدم الشكر منهم لله على هذه النعم، والعمل بخلاف ما أعطيت له. وفي قوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}، إشارة لطيفة إلى ان هذه الظواهر نِعَمٌ جليلة يجب الشكر عليها، ليصل إلى مقام أسرارها وحقائقها. وقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ}، وإن كان ظاهره مشعراً بعموم هذه العطية، إلاَّ أن الواقع في معرض الامتنان والإحسان ليس إلاَّ ما يختص بالقليل النادر من الناس من بواطن هذه الظواهر وغيوب هذه الشواهد، لأن قوالب هذه الآلات بمجردها ليست من الأمور الشريفة الباقية الأخروية حتى يلائم ذكرها بعد ذكر الروح الأمري الحاصل بالنفخ الإلهي، وعدّها في معرض ذكر الأفعال الإلهية، وبعد ذكر عظائم الأمور الصادرة من الحق سبحانه. ومن الدلائل القاطعة على أن أهل الحجاب الكثيف، وأصحاب التجسم والبُعد عن عالم الملكوت محرومون عن النظر إلى آيات الله وشهود أهل الله، مع وجود هذه الباصرة الدنيوية، قوله تعالى: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف:198] أي ينظرون اليك من حيث بشريّتك، ولا يبصرونك من حيث نبوّتك، فإنهم لا يرون من أولياء الله وأحبائه ومحبوبيه إلاَّ البشرية المحسوسة، وليس لهم اطّلاع على أعيان الآخرة وأهل القرابة الإلهيّة، ولذلك حكى الله عن نكرهم وجهلهم وإنكارهم واستنكارهم لوجود الأنبياء بقوله: {أية : قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تفسير : [يس:15]، وبقوله: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [إبراهيم:10]. وإن سألت الحق فليس معنى الكفر الاّ هذه النكرة، والاحتجاب بهذه الحياة الدنيوية، والالتباس بهذه الحواسّ الحسية، والإنسان ما لم يتجرد من هذه الغشاوات والأسبال (لاسباب - ن)، لم يخرج إلى فضاء الإيمان ومعارفة أهل الإيقان وأصحاب المشاهدة والعيان، فكن أحد الرجلين: إما سميعاً بصيراً بالسمع والبصر الأخرويين، عارفاً بحقائق الأمور، شاهداً بحال أولياء الله تعالى، وإما مقلّدة متشبثاً بذيل قائد يسمع آيات الله بسماع عقلي، ويرى ملكوت السموات والأرض ببصيرة كشفية، فتكون بصيراً ببصره وسميعاً بسمعه ماشياً بمشيه، كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "حديث : صلّوا كما رأيتموني أُصَلّي"تفسير : ، ولو قال: "حديث : صلوا كصلاتي" تفسير : من الذي قدر على مثل صلاته، فإنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي وفي قلبه أزيز كأزيز المرجل لهيبة الحضور من الرب سبحانه، ودهشته مشاهدة ملكوته. فالرجل الاول حي بالذات حياة طيبة، والثاني حي بالعَرَض كشَعْر الحيوان وعظمه وظلفه.
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} العظيم البعيد عن الانظار والاوهام والعقول {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} اى عالم عالم الغيب {وَٱلشَّهَادَةِ} اى عالم الشّهادة {ٱلْعَزِيزُ} اى الغالب الّذى لا يمنعه عن مراده مانع {ٱلرَّحِيمُ} الّذى لا يدع عباده بلا دعوةٍ ولا داعٍ وان اصرّوا على مخالفته وعصيانه.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} الخالق المدبر. {عَالِمُ الغَيْبِ} ما غاب عن الخلق. {وَالشَّهَادَةِ} ما حضر فهو مدبر لأمورهما على وفق الحكمة. {العَزِيزُ} الغالب المنتقم من اعدائه. {الرَّحِيمُ} بأهل طاعته في الآخرة او بالناس كلهم في الدنيا لانه سبحانه اعطى كل احد مصالحه ومنافعه تفضلا واحسانا.
اطفيش
تفسير : {ذلك} الموصوف بالصفات المقتضية للقدرة التامة سبحانه وتعالى. {عالمُ الغَيْب} عالم ذى الغيب او الغائب عن المخلوق فى الدنيا والآخرة {والشهادة} ذى الشهادة، او الشاهد الحاضر للمخلوق فيهما {العزيزُ} الغالب الذى لا يذل ولا يعجز عما اراد {الرحيمُ} لعباده.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } أي الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامة والحكمة العامة {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } أي كل ما غاب عن الخلق {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي كل ما شاهده الخلق فيدبر سبحانه ذلك على وفق الحكمة، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا {ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره {ٱلرَّحِيمِ } للعباد، وفيه إيماء بأنه عز وجل متفضل فيما يفعل جل وعلا، واسم الإشارة مبدأ والأوصاف الثلاثة بعده أخبار له، ويجوز أن يكون الأول خبراً والأخير نعتان للأول. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بخفض الأوصاف الثلاثة على أن ذلك إشارة إلى الأمر مرفوع المحل على أنه فاعل {أية : يَعْرُجُ} تفسير : [السجدة: 5] والأوصاف مجرورة على البدلية من ضمير {إِلَيْهِ } وقرأ أبو زيد النحوي بخفض الوصفين الأخيرين على أن {ذٰلِكَ } إشارة إلى الله تعالى مرفوع المحل على الابتداء و {عَـٰلِمُ } خبره والوصفان مجروران على البدلية من الضمير.
ابن عاشور
تفسير : جيء بالإشارة إلى اسم الجلالة بعدما أجري عليه مِن أوصاف التصرف بخلق الكائنات وتدبير أمورها للتنبيه على أن المشار إليه باسم الإشارة حقيق بما يَرِد بعد اسم الإشارة من أجل تلك الصفات المتقدمة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم} تفسير : في سورة البقرة (5)، لا جرم أن المتصرف بذلك الخلق والتدبير عالم بجميع مخلوقاته ومحيط بجميع شؤونها فهو عالم الغيب، أي: ما غاب عن حواس الخلق، وعالِمُ الشهادة، وهو ما يدخل تحت إدراك الحواس، فالمراد بالغيب والشهادة: كل غائب وكل مشهود. والمقصود هو علم الغيب لأنهم لما أنكروا البعث وإحياء الموتى كانت شبهتهم في إحالته أن أجزاء الأجسام تفرقت وتخللت الأرضَ، ولذلك عقب بقوله بعده {أية : وقالوا أإذا ضَلَلْنَا في الأرض أَإنَّا لفِي خلق جديد} تفسير : [السجدة: 10]. وأما عطف {والشهادة} فهو تكميل واحتراس. ومناسبة وصفه تعالى بــــ {العزيز الرحيم} عقب ما تقدم أنه خلق الخلق بمحض قدرته بدون معين، فالعزة وهي الاستغناء عن الغير ظاهرة، وأنه خلقهم على أحوال فيها لطف بهم فهو رحيم بهم فيما خلقهم إذ جعل أمور حياتهم ملائمة لهم فيها نعيم لهم وجنبهم الآلام فيها. فهذا سبب الجمع بين صفتي {العزيز} و{الرحيم} هنا على خلاف الغالب من ذكر {الحكيم} مع {العزيز}. و{العزيز الرحيم} يجوز كونهما خبرين آخرين عن اسم الإشارة أو وصفين لــــ {عَالِم الغَيب}.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِمُ} {ٱلشَّهَادَةِ} (6) - ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ لهذِهِ الأُمُورِ، هُوَ العَالِمُ بِمَا يَغِيبُ عَنْ أَبصَارِكُمْ، مِمَّا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، وتُخْفِيهِ النُّفُوسُ، وَهُوَ العَالِمُ بِمَا تُشَاهِدُهُ الأَبْصَارُ وَتُعَايِنُهُ، وَهُوَ العَزيزُ الذِي قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَهُوَ الرَّحيمُ بِمَنْ تَابَ مِنْ ضَلاِلهِ وَرَجَعَ إِلى الإِيمانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {ذٰلِكَ ..} [السجدة: 6] إشارة إلى تدبير الأمر من السماء إلى الأرض، ثم متابعة الأمر ونتائجه، هذا كله لأنه سبحانه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ..} [السجدة: 6] وأنه سبحانه {ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} [السجدة: 6] فالحق سبحانه يُعلِّمنا أن الآمر لا بد أنْ يتابع المأمور. وقلنا: إن عالم الغيب تعني أنه بالأوْلى يعلم الشهادة، لكن ذكر الحق سبحانه علمه بالشهادة حتى لا يظن أحد أن الله غَيْب، فلا يعلم إلا الغيب، وقد بيَّنّا معنى الشهادة هنا حينما تكلَّمنا عن قوْل الله تعالى: {أية : يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110]. والجهر أو الشهادة يعني الجهر المختلط حين تتداخل الأصوات، فلا تستطيع أنْ تُميِّزها، مع أنها جهر أمامك وشهادة، أما الحق سبحانه فيعلم كل صوت، ويردُّه إلى صاحبه، فعِلْم الجهر هنا أقوى من علم الغيب. ومعنى {ٱلْعَزِيزُ ..} [السجدة: 6] أي: الذي لا يُغلَب ولايُقهر، فلا يلويه أحد عن علمه، ولا عن مراداته في كَوْنه، ومع عِزَّته فهو سبحانه (الرحيم).
الجيلاني
تفسير : وإنما دبَّر من المعارف والحقائق المترتبة على الإيجاد والإظهار، وقدر للعروج والصعود ما قدر لحِكم ومصالح استأثر بها سبحانه في غيبه، ولم يطلع أحداً عليها؛ إذ {ذٰلِكَ} الذات البعيد ساحة عز حضوره عن أن يحوم حوله إدراك أحد من مظأهره ومصنوعاه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} الذي لم يتعلق به علم أحد سواه {وَٱلشَّهَادَةِ} المنعكسة مه حسب تجلياته الجمالية والجلالية {ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على جميع ما دخل في حيطة حضرة علمه بأن يتصرف فيه كيف يشاء إرادةً واختياراً {ٱلرَّحِيمُ} [السجدة: 6]. {ٱلَّذِيۤ} وسعت رحمته كلما لاحت عليه بروق تجالياته؛ لذلك {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} أي: قدر وجوده بعدما دخل في حيطة علمه، وقدرته وإرادته {وَبَدَأَ} من بينهم {خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ} أي: آدم، وقدر وجوده أولاً {مِن طِينٍ} [السجدة: 7] إذ هو أصل في عالم الطبيعة، قابل لفيضان آثار الفاعل المختار، مستعداً لها استعداداً أصلياً، وقابليةً ذاتيةً. {ثُمَّ} بعد تعلق إرادته سبحانه بإبقاء نوعه {جَعَلَ نَسْلَهُ} أي: قدر بصنعه وجود ذرياته المتناسلة المتكثرة، المختلفة منه على سبيل التعاقب والترادف {مِن سُلاَلَةٍ} فضله منفصلة مني، كائنة {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} [السجدة: 8] ممتهن مسترذل مستقذر؛ لخروجه عن مجرى الفضلة. {ثُمَّ} بعدما قدر خلقه أولاً من الطين، وثانيا من الماء المهين {سَوَّاهُ} سبحانه إظهاراً لقدرته؛ أي: قوَّم وعدَّ أركانه على أحسن التقويم {وَ} بعد تسويته وتعديله {نَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} المضافة إلى ذاته المستجمع لجميع أوصافه وأسمائه تتميماً لرتبة خلافته ونيابته، واستحقاقه لمرآتية الحق، قابليته انعكاس شئونه وتطوراته ولياقته؛ للتخلق بأخلاقه {وَ} بالجملة: {جَعَلَ} وهيَّأ {لَكُمُ} أيها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد {ٱلسَّمْعَ} لتسمعوا بها آيات التوحيد، ودلائل اليقين والعرفان {وَٱلأَبْصَارَ} ليشاهدوا بها آثار القدرة والإرادة الكاملة المحيطة بذرائر الأكوان {وَٱلأَفْئِدَةَ} المودعة فيكم؛ لتتأملوا بها سريان الوحدة الذاتية على هياكل الأشباح الكائنة والفاسدة، وتتفكروا بها في آلاء الله ونعمائه المتوالية المتوافرة، ومع وفور تلك النعم العظام، والفواضل الجسام {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] وتصرفونها إلى ما مقتضياتها التي جبلها الحق لأجلها. {وَ} من غاية كفرانهم بنعم الله، ونهاية عمههم وسكرتهم فيه: {قَالُوۤاْ} أي: أُبي بن خلف ومن معه المنافقين بعدما سمعوا من البعث والحشر، ويوم العرش والجزاء مستبعدين مستفهمين، مكررين على سبيل المبالغة في الإنكار {أَءِذَا ضَلَلْنَا} وضمحللنا {فِي ٱلأَرْضِ} وصرنا من جملة الهباء المنبثة، المتلاشية المتناسلة التي لا تمايز فيها أصلاً {أَءِنَّا} بعدما كنا كذلك أيها العقلاء المجبولون على الدارية والشعور {لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} مثلما كنا عليها قبل مؤتنا؟! كلا وحاشاـ وما لنا عود إلى الحياة الدنيا، سيما بعدما متنا وصرنا تراباً وعظاماً، وهم أيضاً ما يتقصرون من شيء بمجرد قولهم هذا {بَلْ هُم} من غلظ غشاوتهم وغطائهم {بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع النعم في النشأة الأولى، وأفاض عليهم سجال اللطف والكرم في النشأة الأخرى، وقبض ملك الموت أرواحهم بأمر الله أياه {كَافِرُونَ} [السجدة: 10] منكرون جاحدون. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا بعدما سمعت قولهم: {يَتَوَفَّاكُم} ويستوفي أجلَكم أيها المنهمكون في الغفلة والضلال {مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} بإذن الله؛ لقبض أرواحكم {ثُمَّ} بعدما قبضتم في النشأة الأولى، وبعثتم من قبوركم أحياءً في النشأة الأخرى {إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] للعرض الجزاء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} [السجدة: 6] أي: عالم الروح وخاصية صفاته {وَٱلشَّهَادَةِ} [السجدة: 6] أي: عالم النفس والبدن {ٱلْعَزِيزُ} [السجدة: 6] بأن لا يصل إليه أصحاب النفوس {ٱلرَّحِيمُ} [السجدة: 6] بأن يرحم على أرباب القلوب بجذبة العناية؛ ليوصلهم إلى مقام الوحدة {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [السجدة: 7] به يشير إلى أنه تعالى من نتائج إحسانه القديم لما أراد أن يخلق مرآة تجلي صفات جماله وجلاله خلق لحديد المرآة معدناً، وهو عالم الشهادة بجميع أجناسه وأنواعه، وأحسن خلقه بمعدنية ذلك الحديد، وأحسن خلق الحديد مستعداً للمرآتية وهو شخص آدم وصورته فقال: {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7] فخمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً فأودع كل صباح خواص نوع من أجناس عالم الشهادة بالتخمير في طينته وصفاته. {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ} [السجدة: 8] سلها من أجناس عالم الشهادة {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} [السجدة: 8] {ثُمَّ سَوَّاهُ} [السجدة: 9] شخص إنسان هو حديد المرآة، {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 9] فصار مرآة كاملة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله، ثم تجلى فيها كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى ربه فيه"تفسير : {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ} بتجلي صفة السمعية {وَٱلأَبْصَارَ} بتجلي صفة البصر به {وَٱلأَفْئِدَةَ} التي هي مرآة العلوم بتجلي عالميته {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] يشير به إلى أن قليلاً منكم يعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة فيها، فإنه أحسن خلق كل شيء من هذه الأشياء لما خلق له ولمعرفة ذاته وصفاته. كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] أي: ليعرفون وقالوا خواص أنواع عالم الشهادة {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} [السجدة: 10] أرض البشرية، ولم يبق لنا أثر ظاهر في عالم الشهادة {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10] ونعاد إلى كماليتنا بعد أن فنينا في قالب آدم عن طبائعنا قال الله تعالى: {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10] من نتائج تلك الضلالة التي أخبروا عنها بقوله: {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} [السجدة: 10] {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] وهو المحبة الإلهية فإنها تقبض الأرواح عن الصفات الإنسانية وتميتها عن محبوباتها بقطع تعلق الروح الإنساني قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):