Verse. 3510 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

الَّذِيْۗ اَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَہٗ وَبَدَاَ خَلْقَ الْاِنْسَانِ مِنْ طِيْنٍ۝۷ۚ
Allathee ahsana kulla shayin khalaqahu wabadaa khalqa alinsani min teenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذي أحسن كل شيءٍ خلقه» بفتح اللام فعلا ماضيا صفة، وبسكونها بدل اشتمال «وبدأ خلق الإنسان» آدم «من طين».

7

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقَهُ» بإسكان اللام. وفتحها الباقون. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم طلباً لسهولتها. وهو فعل ماضٍ في موضع خفض نعت لـ«ـشيء». والمعنى على ما روي عن ابن عباس: أحكم كلّ شيء خلَقه، أي جاء به على ما أراد، لم يتغيّر عن إرادته. وقول آخر: أن كل شيء خلقه حسن؛ لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله؛ وهو دالّ على خالقه. ومن أسكن اللام فهو مصدر عند سيبويه؛ لأن قوله: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} يدلّ على: خَلَق كلّ شيء خَلْقاً؛ فهو مثل: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 88] و{أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 24]. وعند غيره منصوب على البدل من «كلّ» أي الذي أحسن خلق كل شيء. وهو مفعول ثانٍ عند بعض النحويين، على أن يكون معنى: «أَحْسَنَ» أفهم وأعلم؛ فيتعدّى إلى مفعولين، أي أفهم كل شيء خلقه. وقيل: هو منصوب على التفسير؛ والمعنى: أحسن كل شيء خلقاً. وقيل: هو منصوب بإسقاط حرف الجر، والمعنى: أحسن كل شيء في خلقه. وروي معناه عن ابن عباس و{أَحْسَنَ} أي أتقن وأحكم؛ فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها. ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة: ليست اسْت القرد بحسنة، ولكنها متقَنة محكمة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد «أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» قال: أتقنه. وهو مثل قوله تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} تفسير : [طه: 50] أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، ولا خلق البهيمة (على) خلق الإنسان. ويجوز: «خلقه» بالرفع؛ على تقدير ذلك خلقه. وقيل: هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى؛ والمعنى: حسّن خَلْق كل شيء حَسَنٍ. وقيل: هو عموم في اللفظ والمعنى، أي جعل كل شيء خلقه حسناً، حتى جعل الكلب في خلقه حسناً؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة: في اسْت القرد حسنة. قوله تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} يعني آدم. {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تقدّم في «المؤمنون» وغيرها. وقال الزجاج: «مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ» ضعيف. وقال غيره: «مَهِينٍ» لا خطر له عند الناس. {ثُمَّ سَوَّاهُ} رجع إلى آدم، أي سوّى خلقه. {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} ثم رجع إلى ذرِّيته فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ}. وقيل: ثم جعل ذلك الماء المَهين خلقاً معتدلاً، وركّب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفاً. وأيضاً فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله: «عَبْدي». وعبّر عنه بالنفخ لأن الروح في جنس الريح. وقد مضى هذا مبيَّناً في «النساء» وغيرها. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً أنه الذي أحسن خلق الأشياء، وأتقنها وأحكمها. وقال مالك عن زيد بن أسلم: {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ} قال: أحسن خلق كل شيء، كأنه جعله من المقدم والمؤخر، ثم لما ذكر تعالى خلق السموات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان، فقال تعالى: {خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ} يعني: خلق أبا البشر آدم من طين، {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} أي: يتناسلون كذلك من نطفة من بين صلب الرجل وترائب المرأة، {ثُمَّ سَوَّاهُ} يعني: آدم لما خلقه من تراب خلقاً سوياً مستقيماً، {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} يعني: العقول {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ } بفتح اللام فعلاً ماضياً صفة،لـ(شيء) وبسكونها بدل اشتمال {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَٰنِ } آدم {مِن طِينٍ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه جعل كل شيء خلقه حسناً حتى جعل الكلب في خلقه حسناً، قاله ابن عباس. الثاني: أحكم كل شيء خلقه حتى أتقنه، قاله مجاهد. الثالث: أحسن إلى كل شيء خلق فكان خلقه له إحساناً، قاله علي بن عيسى. الرابع: ألهم ما خلقه ما يحتاجون إليه حتى علموه من قولهم فلان يحسن كذا أي يعلمه. الخامس: أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ثم هداه إليه، رواه حميد بن قيس. ويحتمل سادساً: أنه عرف كل شيء خلقه وأحسنه من غير تعلم ولا سبق مثال حتى ظهرت فيه القدرة وبانت فيه الحكمة. {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ} يعني آدم، روى عون عن أبي زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على ألوان الأرض منهم الأبيض والأحمر وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك. {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} أي ذريته {مِن سُلاَلَةٍ} لاِنسِلاَلِهِ من صلبه {مِن مَّآءٍ مَّهِينٍ} قال مجاهد ضعيف. قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ} فيه وجهان: أحدهما: سوى خلقه في الرحم. الثاني: سوى خلقه كيف يشاء. {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: من قدرته، قاله أبو روق. الثاني: من ذريته، قاله قتادة. الثالث: من أمره أن يكون فكان، قاله الضحاك. الرابع: روحاً من روحه أي من خلقه وأضافه إلى نفسه لأنه من فعله وعبر عنه بالنفخ لأن الروح من جنس الريح. {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} يعني القلوب وسمى القلب فؤاداً لأنه ينبوع الحرارة الغريزية مأخوذ من المفتأد وهو موضع النار، وخصص الأسماع والأبصار والأفئدة بالذكر لأنها موضع الأفكار والاعتبار.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحْسَنَ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ} في خَلْقِه حسن حتى الكلب حسن في خَلْقه "ع"، أو أحكمه حتى أتقنه، أو أحسن إلى كل شيء خلقه فكان خلقه إحساناً إليه، أو ألهم الخلق ما يحتاجون إليه فعلموه من قولهم فلان يحسن كذا أن يعلمه، أو أعطى خلقه ما يحتاجون إليه ثم هداهم إليه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأها ‏ {‏الذي أحسن كل شيء خلقه‏}‏ قال‏:‏ أما رأيت القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : في قوله ‏{‏أحسن كل شيء خلقه‏} ‏ قال‏:‏ اما إن آست القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏أحسن كل شيء خلقه‏} ‏ قال‏:‏ صورته‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏أحسن كل شيء خلقه‏} ‏ فجعل الكلب في خلقه حسنا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أحسن كل شيء خلقه‏}‏ قال‏:‏ أحسن بخلق كل شيء القبيح والحسن، والحيات والعقارب، وكل شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏أحسن كل شيء خلقه‏} ‏ قال‏:‏ اتقن‏.‏ لم يركب الإِنسان في صورة الحمار، ولا الحمار في صورة الإِنسان‏. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه فقال‏:‏ يا رسول الله إني أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يا عمرو بن زرارة إن الله أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال ‏"حديث : ‏أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل ازاره فقال له:‏ ارفع ازارك فقال‏:‏ يا رسول الله إني أحنف‏:‏ تصطك ركبتاي قال‏: ارفع ازارك كل خلق الله حسن‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وبدأ خلق الإِنسان من طين‏} قال‏:‏ آدم ‏{‏ثم جعل نسله‏} ‏ قال‏:‏ ولده ‏ {‏من سلالة‏} ‏ من بني آدم ‏ {‏من ماء مهين‏} ‏ قال‏:‏ ضعيف نطفة الرجل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏جعل نسله‏} ‏ قال‏:‏ ذريته ‏ {‏من سلالة‏} ‏ هي الماء ‏{‏ثم سواه‏} ‏ يعني ذريته‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {‏من سلالة‏}‏ قال‏:‏ ماء يسل من الإِنسان ‏{‏من ماء مهين‏} ‏ قال‏:‏ ضعيف‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله ‏ {‏أئذا ضللنا‏} ‏ قال‏:‏ هلكنا‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول ‏ {‏أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد‏} ‏ كيف نعاد ونرجع كما كنا‏؟‏ وأخبرت أن الذي قال‏ {‏أئذا ضللنا‏}‏ أبيُّ بن خلف‏.

ابو السعود

تفسير : {ٱلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ} خبرٌ آخرُ أو نصب على المدحِ أي حسّن كلَّ مخلوقٍ خلقَه إذ ما من مخلوقٍ خلقَه إلا وهو مرتبٌ على ما تقتضيهِ الحكمةُ وأوجبته المصلحة فجميعُ المخلوقاتِ حسنةٌ وإن تفاوتت إلى حسنٍ وأحسنَ كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [سورة التين: الآية 4] وقيل: علم كيفَ يخلقُه من قوله قيمةُ المرءِ ما يُحسِن، أي يُحسن معرفَته أي يعرفِه معرفةً حسنةً بتحقيقٍ وإيقانٍ. وقُرىء خلْقَه على أنه بدلُ اشتمالٍ من كلِّ شيءٍ والضَّميرُ للمبدَل منه أي حسّن خلقَ كلِّ شيءٍ وقيل: بدلُ الكلِّ على أن الضَّميرَ للَّهِ تعالى والخلقُ بمعنى المخلوقِ أي حسّن كلَّ مخلوقاتِه وقيل: هو مفعولٌ ثانٍ لأحسنَ على تضمُّنهِ معنى أعطَى أي أعطَى كلَّ شيءٍ خلقَه اللائقَ به بطريقِ الإحسانِ والتَّفضل وقيل هو مفعولُه الأولُ وكلّ شيءٍ مفعولُه الثاني والخلقُ بمعنى المخلوقِ وضميرُه لله سبحانَه على تضمينِ الإحسانِ معنى الإلهام والتَّعريفِ والمَعنى ألهم خلقَه كلَّ شيءٍ ممَّا يحتاجون إليهِ وقال أبو البقاءِ عرَّفَ مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجُون إليهِ فيؤول إلى مَعنى قوله تعالى:{أية : ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [سورة طه: الآية 50] {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ} من بـينِ جميعِ المخلوقاتِ {مِن طِينٍ} على وجهٍ بديعٍ تحارُ العقولُ في فهمِه حيثُ برَأ آدمَ عليه السَّلامُ على فطرةٍ عجببةٍ منطويةٍ على فطرةِ سائرِ أفرادِ الجنسِ انطواءً إجمالياً مستتبعاً كلَّ فردٍ منها من القوةِ إلى الفعلِ بحسبِ استعداداتها المتفاوتةِ قُرباً وبُعداً كما يُنبىء عنه قولُه تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} إلخ أي ذُريَّتَه سُميتْ بذلك لأنَّها تنسلُ وتنفصلُ منه {مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ} هو المنيُّ المُمتهنُ {ثُمَّ سَوَّاهُ} أي عدَّله بتكميلِ أعضائِه في الرَّحمِ وتصويرِها على ما ينبغِي {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} أضافَه إليه تعالى تَشريفاً له وإيذاناً بأنَّه خلقٌ عجيبٌ وصنعٌ بديعٌ وأنَّ له شأناً له مناسبةٌ إلى حضرةِ الرُّبوبـيةِ وأنَّ أقصى ما تنتهي إليه العقولُ البشريةُ من معرفتِه هذا القدرُ الذي يُعبر عنه تارةً بالإضافةِ إليه تعالى وأُخرى بالنسبةِ إلى أمرهِ تعالى كما في قولِه تعالى: { أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى} تفسير : [سورة الإسراء: الآية 85] {وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ} الجعلُ إبداعيٌّ واللامُ متعلقة به والتقديمُ على المفعولِ الصَّريحِ لما مرَّ مراتٍ من الاهتمامِ بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ مع ما فيهِ من نوعِ طولٍ يخل تقديُه بجزالةِ النَّظمِ الكريمِ، أي خلق لمنفعتِكم تلك المشاعرَ لتعرفُوا أنها - مع كونِها في أنفسِها نعماً جليلةً لا يُقادر قدرُها - وسائلُ إلى التَّمتعِ بسائرِ النِّعمِ الدِّينية والدُّنيويةِ الفائضةِ عليكم وتشكروها بأنْ تصرفُوا كلاًّ منها إلى ما خُلق هو له فتُدركوا بسمعِكم الآياتِ التنزيليةَ الناطقةَ بالتَّوحيدِ والبعثِ وبأبصارِكم الآياتِ التكوينيةَ الشاهدةَ بهما وتستدلُّوا بأفئدتِكم على حقِّيَّتهِما. وقولُه تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} بـيانٌ لكفرِهم بتلك النِّعمِ بطريقِ الاعتراضِ التَّذيـيليِّ على أنَّ القِلَّةَ بمعنى النَّفيِ كما يُنبىء عنه ما بعده أيُ شكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تشكرون. وفي حكايةِ أحوالِ الإنسانِ من مبدأِ فطرتِه إلى نفخِ الرُّوح فيه بطريقِ الغَيبةِ وحكايةِ أحوالِه بعد ذلك بطريقِ الخطابِ المنبىءِ عن استعدادِه للفهمِ وصلاحيتِه له من الجَزَالةِ ما لا غايةَ وراءَهُ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [الآية: 7]. قال الواسطى رحمة الله عليه: الجسم يستحسن المستحسنات والروح واحدية فردانية لا تستحسن شيئًا يستفظعه أبدًا.

القشيري

تفسير : أَحْسَنَ صورةَ كلِّ أحدٍ؛ فالعرشُ ياقوتةٌ حمراءُ، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثُلاثَ ورُبَاع، وجبريلُ طاووس الملائكة، والحور العين - كما في الخبر - "في جمالها وأشكالها، والجِنانُ" - كما في الأخبار ونص القرآن. فإذا انتهى إلى الإنسان قال: و{خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} [السجدة: 7، 8]... كل هذا ولكن: شعر : وكم أبصرتُ من حُسْنٍ ولكن عليك من الورى وقع اختياري تفسير : خَلَقَ الإنسانَ من طين ولكن{أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، وخلق الإنسان من طين ولكن:{أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]، وخلق الإنسان من طين ولكن {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }تفسير : [المائدة: 119]!

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} اوجد الاشياء بامره والبسها نور امره واحسن خلقها بحسن فعله لا يدخل نقص القبح فى افعاله لانه احكمها وركبها ودبرها بعلمه الازلى وجلاله الابدى لا يرجع اليه علة ----قبيح من جهة الامتحان وحسن من حيث ------امر الرحمن ذكر الحسن فى جميع الاشياء ولم يذكر ها هنا فى الانسان ثم قال {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} وهم معدن الخصوصية المستعدة لمباشرة صفته بقوله وخلقت بيدى ثم ذكر تسويته بكمال الصفة بقوله {ثُمَّ سَوَّاهُ} سواه يتجلى انوار جميع صفاته حتى صدرت صورة أدم من الغيب منعوتا بانوار الصفات ومتصفا بسناها ثم ذكر اخص الخصائص وهو ما سقط من حسن تجلى ذاته فى صورته بقوله {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} حتى يكون ----- مشكاة انوار الذات والصفات ويفيض الحسن من أدم الى العالم لانه المعدن الثنى من الحسن والمعدن الاول من الحسن حسن الازل فان حسن يبقى فى حسن أدم وذريته ذكر حسن الاشياء ولم يذكر ههنا حسنه خيره لانه موضع محبته واخياره الازلية كقوله القائل شعر : وكم ابصرت من حسن ولكن عليك من انور وقائع اختيار تفسير : قال الواسطى فى قوله ونفخت فيه من روحى ان روح اخرته على الارواح هو روح مكنه من صحبته وأثر لقربه وقال ايضا الجسم يستحسن المستحسنات والروح واحدية فردانية لا يستحسن شيئا ------ابدا وقال ابن عطا فى قوله ثم-----ونفخ فيه من روحه قومه بفنون الأداب ونفخ فيه الروح الخاص الذى فضله على سائر الارواح لما كان له عنده من محل التمكين وما كان فيه من تدبير الخلافة ومشافهة الخطاب قال الاستاذ احسن صورة كل احد فالعرش ياقوته حمراء الملائكة اولوا جنحة مثنى وثلاث ورباع وجبرئيل طاؤس الملائكة والحور العين كما فى الخبر من جمالها وشكلها والجنان كما فى الاخبار ونص القرأن فاذا انتهى الى الانسان قال وخلق الانسان من طين ولكن رضى الله عنهم ورضوا عنه وخلق الانسان من طيت ولكن قال فاذكرونى اذكركم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى احسن كل شئ خلقه} خبر آخر لذلك. قال الراغب الاحسان يقال على وجهين احدهما الانعام على الغير يقال احسن الى فلان والثانى احسان من فعله وذلك اذا علم علما حسنا او عمل عملا حسنا وعلى هذا قول امير المؤمنين رضى الله عنه الناس على ما يحسنون اى منسوبون الى ما يعملون من الافعال الحسنة انتهى. اى جعل كل شئ خلقه على وجه حسن فى الصورة والمعنى على ما يقتضيه استعداده وتوجبه الحكمة والمصلحة: وبالفارسية [نيكو كرد هرجيزى راكه بيافريد يعنى بياراست بروجه نيكو بمقتضاى حكمت] شعر : كردن آنجه درجهان شايد كرده آنجنانكه مى بايد ازتو رونق كرفت كار همه كه تويى آفريد كار همه نقش دنيا بلوح خاك ازتست دل دانا وجان باك ازتست تفسير : طوّل رجل البهيمة والطائر وطوّل عنقهما لئلا يتعذر عليهما ما لا بد لهما منه من قوتهما ولو تفاوت ذلك لم يكن لهما معاش وكذلك كل شئ من اعضاء الانسان مقدر لما يصلح به معاشه فجميع المخلوقات حسنة وان اختلفت اشكالها وافترقت الى حسن واحسن كما قال تعالى {أية : لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم} تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما الانسان فى خلقه حسن. قال البقلى القبيح قبيح من جهة الامتحان وحسن من حيث صدر من امر الرحمن. وقال الشيخ اليزدى ان الله تعالى خلق الحسن والقبيح لكن القبيح كان فى علمه ان يكون قبيحا فلما كان ينبغى تقبيحه كان الاحسن والاصوب فى خلقه تقبيحه على ما ينبغى فى علم الله لان المستحسنات انما حسنت فى مقابلة المستقبحات فلما احتاج الحسن الى قبيح يقابله ليظهر حسنه كان تقبيحه حسنا انتهى. يقول الفقير لا شك ان الله تعالى خلق الحسن والقبح وان كان كل صنعه وفعله جميلا ومطلق الخلق قد مدح به ذاته كما قال {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : لكنه لا يقال فى مقام المدح انه تعالى خالق القردة والخنازير والحيات والعقارب ونحوها من الاجسام القبيحة والضارة بل يقال خالق كل شئ فالقبيح ليس خلقه وايجاده بل ما خلقه وان كان قبح القبيح بالنسبة الى مقابلة الحسن لا فى ذاته وقد طلب عين الحمار بلسان الاستعداد صورته التى هو عليها وكذا الكلب ونحوه وصورتها مقتضى عينها الثابتة وكذا الحكم على الكلب بالنجاسة مقتضى ذاته وكل صورة وصفة الدنيا فهى صورة كمال وصفة كمال فى مرتبتها فى الحقيقة ولو لم يظهر كل موجود فى صورة التى هو عليها وفى صفته التى البسها الخلاق اليه بمقتضى استعداده لصار ناقصا قبيحا فاين القبح فى الاشياء وقد خلقها الله بالاسماء الحسنى {وبدأ خلق الانسان} من بين جميع المخلوقات وهو آدم ابو البشر عليه السلام {من طين} الطين التراب والماء المختلط وقد سمى بذلك وان زال عنه قوة الماء. قال الشيخ عبد العزيز النسفى رحمه الله [خداوند تعالى قالب آدم زخاك آفريد يعنى از عناصر اربعة اما خاك ظاهر تربود خاكرا ذكر كردد وخاك آدم را ميان مكه وطائف مى برورد وتربيت داد بروايتى جهل سال وبروايتى جهل هزار سال اينست معنى "خمرت طينةآدم بيدى اربعين صباحا"]. وفى كشف الاسرار [جه زيان دارد اين جوهر راكه نهادوى از كل بوده جون كمال وى دردل نهاده قيمت اوكه هست ازروى تربت آن سركه با آدميان بود نه باعرش ونه باكرسى نه با فلك نه با ملك زيرا كه همه بند كان مجرد بودند وآدميان همه بند كان بودند وهم دوستان]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (الذي): صفة للعزيز، أو: خبر عن مضمر. ومن قرأ {خَلَقَهُ}؛ بالفتح؛ فصفة لكل، ومن سَكَّنَهُ، فبدل منه، أي: أَحْسَنَ خَلْقَ كل شَيْءٍ. يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته: {الذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه} أي: أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو: أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم {بدأ خَلْقَ الإنسان}؛ آدم {من طين ثم جعل نسله}؛ ذريته {من سلالةٍ} أي: نطفة مسلولة من سائر البدن، {من ماءٍ} أي: مَنِيٍّ، وهو بدل من سلالة، {مِّهِينٍ}؛ ضعيف حقير. {ثم سوّاه} أي: سوّى صورته في أحسن تقويم، {ونفخ فيه من روحه}، أضافه إلى نفسه، تشريفاً، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأناً ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل: من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه. {وجعل لكم السمعَ والأَبْصارَ والافئدة} لتسمعوا كلامه، وتُبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومُدبرَ أمرِكم. {قليلاً ما تشكرون} أي: تشكرون شكراً قليلاً على هذه النعم؛ لقلة التدبر فيها. {وقالوا}؛ منكرين للبعث: {أئذا ضللنا في الأرض}، أي: صِرْنَا تراباً، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن. أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، يقال: ضَلَلَ؛ كضرب، وضِلل؛ كفرح. وانتصب الظرف في (أإذا) بقوله: {أئنا لفي خلق جديد}. أي: أُنبعث، ونُجدد، إذا ضللنا في الأرض؟ والقائل لهذه المقالة أُبيّ بن خلف، وأسند إليهم؛ لرضاهم بذلك، {بل هم بلقاء ربهم كافرون}؛ جاحدون. لَمّا ذكر كفرهم بالبعث؛ أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالبعث وحده. وقال المحشي: أي: ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة؛ لأنهم يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألاَّ حساب عليهم، وأنهم لا يَلْقَوْنَ الله تعالى، ولا يصيرون إلى جزائه. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أظهر الحق تعالى: من تجلياته الكونية؛ فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية: شعر : وَكُلُّ قَبِيح، إنْ نَسَبْتَ لحُسْنِه أَتَتْكَ مَعَانِي الحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ يُكَمِّلُ نُقْصَانَ القَبِيحِ جَمَالُهُ فَمَا ثَمّ نُقْصَانٌ، وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ تفسير : وأكملُها وأعظمُها: خلقةُ الإنسان، الذي خُلِقَ على صورة الرحمن، حيث جعل فيه أوصافه؛ من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخّر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي: ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان؛ غيرةً، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل: شعر : وكم أبصرتُ مِن حُسْنٍ، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري تفسير : قال الواسطي: الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحديةٌ فردانيةٌ، لا تستحسن شيئاً. وقال ابن عطاء في قوله: {ثم سواه...}: قوّمه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فَضَّله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي -: أخص الخصائص هو ما سقط من حُسْنِ تَجلِّي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله: {ونفخ فيه من روحه}. هـ. ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه فقال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ...}

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} برحمته وعلمه وعنايته بحسب صورة ذلك الشّيء وسيرته وجعله مستعدّاً لطلب كمالاته فلا يدعهم بلا داعٍ حتّى لا يقبح نشأتهم الاخرويّة {خَلَقَهُ} بدل من كلّ شيءٍ على قراءة سكون الّلام وصفة لشيءٍ، او بدل من احسن او مستأنف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ على قراءة فتح الّلام، وقيل: المعنى احسن معرفة كلّ شيءٍ مثل قوله: قيمة المرء ما يحسنه اى يحسن معرفته {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ} اى آدم او مطلق الانسان {مِن طِينٍ} لانّ الماء والتّراب اظهر اجزاء عنصره واغلبها.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} لأنه ما من شيء خلقه إلاَّ وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة لجميع المخلوقات حسنة كما قال: {أية : لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم} تفسير : [التين: 4] {وبدأ خلق الإِنسان من طين} يعني آدم {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} يعني نسل آدم وهم أولاده، وقوله: {من سلالة} لأنها نسل من الأنساب وتخرج منه، وقوله: {ماء مهين} ضعيف أو حقير {ثم سواه} أي خلق جسده {ونفخ فيه من روحه} قيل: الروح محل الحياة والصحيح الروح جسمٌ ولذلك يصح فيه النفخ وهو النفس، أي يحصل من مخاريق الإِنسان فإذا هو في الهوى سمي ريحاً، فإن قيل: لم أضاف الروح إلى نفسه؟ قالوا: لأنه خلقه واختصّ بالقدرة عليه {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} أي مع هذه النعم قليل شكركم {وقالوا أئذا ضللنا} يعني منكرو البعث {أئذا ضللنا في الأرض} أي متنا وصرنا تراباً، وقيل: هلكنا {أئنا لفي خلق جديد} أي نحيا بعد الموت {بل هم بلقاء ربهم كافرون} بلقاء ما وعد الله من الثواب والعقاب {قل يتوفاكم ملك الموت} الذي يقبض أرواحكم {الذي وكّل بكم} فأما الموت فلا يقدر عليه غير الله تعالى {ثم إلى ربكم ترجعون} إلى حكمه وجزائه تصيرون بعد الموت {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} يعني لا يرفعونها من الغم والحسرة {ربنا ابصرنا وسمعنا} أي أبصرنا صدق وعدك وما كنا نكذب وسمعنا منك تصديق رسلك {فارجعنا} إلى دار الدنيا والتكليف {نعمل صالحاً إنا موقنون} {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها} أي هدى النفس حيراً والجاءً إلا أن فيه ابطال التكليف وفساد التدبير {ولكن حقّ القول مني} قيل: وجب الوعد والوعيد، وقيل: هو قوله: {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} تفسير : [ص: 85] {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي أهل النار من أهل هذين الجنسين {فذوقوا} أي يقال لهم يوم القيامة ذوقوا {بما نسيتم لقاء يومكم} لأنكم تركتم فصار كالمنسي {لقاء يومكم هذا} يوم القيامة {إنا نسيناكم} قيل: جزيناكم بالنسيان، وقيل: تركناكم في النار كالمنسي {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} من المعاصي.

اطفيش

تفسير : {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وقوله {خَلَقَهُ} نعت لشيء او لكل وهو فعل ماض وفاعله مستتر وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو عمرو (خلقه) باسكان اللام فهو اسم لا فعل وهو بدل اشتمال من كل ومعنى احسانه كل شيء تحسينه بان وفر له ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة من بهاء وجمال وصحة وتسوية اعضاء ومن حواس وتمييز والهام لما يحتاجونه وغير ذلك فجميع مخلوقاته حسنة وان تفاضلت في الحسن فالاحسان والتحسين الاتقان على صفة لو لم تكن لكان الخلل فهو شامل للبهاء وغيره. وقيل معنى احسانه كل شيء علمه كيف يخلقه والقولان يضمان على كل من القرائتين. وقيل الاحسان في القراءة الأولى عائد الى غير خلقة الانسان وبدنه وعلى الثانية عائد الى خلقته وبدنه وقيل الاحسان هنا بمعنى الالهام الهمهم ما يحتاجون والظاهر ان هذا يصح على الأولى. وقيل الاحسان خلق كل على غير صورة اخرى. {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ} آدم عليه السلام. {مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} ذريته وسماها نسلا لانها تنسل منه أي تنفصل والنسل ايضا الفصل ومنه السليل للولد. {مِن سُلالَةٍ} من علقة. {مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} ضعيف وهو النطفة وزعم بعض ان السلالة هي النطفة فمن ماء مهين بدل من السلالة وقدم ذلك في قد أفلح.

اطفيش

تفسير : {الذي أحْسَن كل شيء خَلقَه} هذه اربعة اخبار لاسم الاشارة، ولا يجوز جعل العزيز نعتا لعالم او ما بعده ايضا نعوت لعالم، او كل واحد نعتا لما قبله، لان الاصل فى الصفة ان لا تنعت، وإنما ينعت الجامد، ومن العجب جعل الذى خبر المحذوف، او منصوبا بمحذوف على المدح، وانما يصار الى ذلك اذا دعا اليه داع كتغاير الاعراب، فيقدر ما يناسب، وجملة خلقه نعت شئ، او كل، وكل المخلوقات حسنة بمعنى انهن صنعة عجيبة لا يقدر به عليها غيره تعالى، وكانت على الحكمة ولو تفاوتت بزيادة البهاء او القوة (أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)تفسير : [الملك: 3] نفى للتفاوت، بان يكون وجه انسان مثلا وجه حمار مثلا، او يده مثلا حجرا شجرا مثلا. {وبَدأ خلَق الإنسان} آدم {مِنْ طين ثمَّ جَعَل نَسْله} ذريته، سميت لانها تسل منه اى تفصل {من سلالة} خلاصة مصفاة تفصل ونعته بقوله: {من ماء} نطفة {مَهين} محتقر لنتنه وضعفه وموته، وقلته، لا يعقل احد انه يتولد منه الانسان، لولا ان الله يخلقه منه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } خبر رابع أو نعت ثالث أو نصب على المدح، وجوز أبو البقاء كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي، وكون {ٱلْعَزِيزُ } مبتدأ و {ٱلرَّحِيمِ } صفته وهذا خبره وجملة {خَلَقَهُ } في محل جر صفة {شَىْء } ويجوز أن تكون في محل نصب صفة {كُلٌّ } واحتمال الاستئناف بعيد أي حسن سبحانه كل مخلوق من مخلوقاته لأنه ما من شيء منها إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة واستدعته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت في مراتب الحسن كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }تفسير : [التين: 4] ونفي التفاوت في خلقه تعالى في قوله سبحانه: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ }تفسير : [الملك: 3] على معنى ستعرفه إن شاء الله تعالى غير مناف لما ذكر، وجوز أن يكون المعنى علم كيف يخلقه من قوله قيمة المرء ما يحسن وحقيقته يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإيقان، ولا يخفى بعده. وقرأ العربيان وابن كثير {خَلَقَهُ } بسكون اللام فقيل: هو بدل اشتمال من {كُلٌّ } والضمير المضاف هو إليه له وهو باق على المعنى المصدري، وقيل: هو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله تعالى وهو بمعنى المخلوق، وقيل: هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى أي أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل، وقيل: هو المفعول الأول و {كُلّ شَىْء } المفعول الثاني وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء أو التعريف كما قال أبو البقاء، والمعنى الهم أو عرف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى معنى قوله تعالى: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ }تفسير : [طه: 50]. واختار أبو علي في «الحجة» ما ذكره سيبويه في «الكتاب» أنه مفعول مطلق لأحسن من معناه والضمير لله تعالى نحو قوله تعالى: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ } تفسير : [النمل: 88] و {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ }تفسير : [النور: 55]. {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ } أي آدم عليه السلام {مِن طِينٍ } أو بدأ خلق هذا الجنس المعروف {مِن طِينٍ } حيث بدأ خلق آدم عليه السلام خلقاً منطوياً على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجمالياً منه، وقرأ الزهري {بدا} بالألف بدلاً من الهمزة قال في «البحر» وليس القياس في هدأ هدا بإبدال الهمزة ألفاً بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين على أن الأخفش حكى في قرأت قريت قيل: وهي لغة الأنصار فهم يقولون في بدأ بدي بكسر عين الكلمة وياء بعدها، وطيء يقولون في فعل هذا نحو بقى بقي كرمي فاحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة بأن يكون الأصل بدي ثم صار بدا، وعلى / لغة الأنصار قال ابن رواحة:شعر : باسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا

ابن عاشور

تفسير : خبر آخر عن اسم الإشارة أو وصف آخر لــــ{أية : عالم الغيب} تفسير : [السجدة: 6]، وهو ارتقاء في الاستدلال مشوبٌ بامتنان على الناس أنْ أحْسنَ خلقهم في جملة إحسان خلق كل شيء وبتخصيص خلق الإنسان بالذكر. والمقصود: أنه الذي خلق كل شيء وخاصة الإنسان خلقاً بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأخرج أصله من تراب ثم كوَّن فيه نظام النسل من ماء، فكيف تعجزه إعادة أجزائه. والإحسان: جعل الشي حَسناً، أي محموداً غير معيب، وذلك بأن يكون وافياً بالمقصود منه فإنك إذا تأملت الأشياء رأيتها مصنوعة على ما ينبغي؛ فصلابة الأرض مثلاً للسير عليها، ورقة الهواء ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوقُ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يميناً وشمالاً لكثرت الحرائق فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق. وقوله {خَلَقَه} قرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بصيغة فعل المضي على أن الجملة صفة لــــ {شيء} أي: كل شيء من الموجودات التي خلقها وهم يعرفون كثيراً منها. وقرأه الباقون بسكون اللام على أنه اسم هو بدل من {كل شيء} بدل اشتمال. وتخلص من هذا الوصف العام إلى خلْق الإنسان لأن في خلقة الإنسان دقائق في ظاهره وباطنه وأعظمها العقل. و{الإنسان} أُريد به الجنس، وبَدْءُ خلقه هو خلق أصله آدم كما في قوله تعالى: {أية : ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تفسير : [الأعراف: 11]، أي: خلقنا أباكم ثم صورناه ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. ويدل على هذا المعنى هنا قوله: {ثم جَعَل نسله من سلالة} فإن ذلك بُدِىء من أول نسل لآدم وحواء، وقد تقدم خلْق آدم في سورة البقرة. و{من} في قوله {مِن طِين} ابتدائية. والنسل: الأبناء والذرية. سمي نسلاً لأنه ينسل، أي: ينفصل من أصله وهو مأخوذ من نَسَلَ الصوفُ والوَبَر إذا سقط عن جلد الحيوان، وهو من بابي كتب وضرب. و{من}في قوله {من سلالة} ابتدائية. وسميت النطفة التي يتقوم منها تكوين الجنين سُلالة كما في الآية لأنها تنفصل عن الرجل، فقوله {من ماء مهين} بيان لــــ {سلالة}. و{من} بيانية فالسلالة هي الماء المهين، هذا هو الظاهر لمتعارف الناس؛ ولكن في الآية إيماء علمي لم يدركه الناس إلا في هذا العصر وهو أن النطفة يتوقف تكوّن الجنين عليها لأنه يتكون من ذرات فيها تختلط مع سلالة من المرأة وما زاد على ذلك يذهب فضلة، فالسلالة التي تنفرز من الماء المهين هي النسل لا جميع الماء المهين، فتكون {من} في قوله {من ماء مهين} للتبعيض أو للابتداء. والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به. والغرض من إجراء هذا الوصف عليه الاعتبار بنظام التكوين إذ جعل الله تكوين هذا الجنس المكتمل التركيب العجيب الآثار من نوع ماء مهراق لا يُعبأ به ولا يصان. والتسوية: التقويم، قال تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}تفسير : [التين: 4]. والضمير المنصوب في {سَوّاه} عائد إلى {نسله} لأنه أقرب مذكور ولأنه ظاهر العطف بــــ {ثم} وإن كان آدم قد سُوِّي ونفخ فيه من الروح، قال تعالى: {أية : فإذا سَوّيتُه ونفختُ فيه من روحي فَقَعُوا له ساجدين}تفسير : [ص: 72]. وذكر التسوية ونفخ الروح في جانب النسل يؤذن بأن أصله كذلك، فالكلام إيجاز. وإضافة الروح إلى ضمير الجلالة للتنويه بذلك السر العجيب الذي لا يعلم تكوينه إلا هو تعالى، فالإضافة تفيد أنه من أشد المخلوقات اختصاصاً بالله تعالى وإلا فالمخلوقات كلها لله. والنفخ: تمثيل لسريان اللطيفة الروحانية في الكثيفة الجسدية مع سرعة الإيداع، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فإذا سوّيته ونفخْتُ فيه من رُوحي} تفسير : في سورة الحجر (29). والانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {وجعل لكم} التفات لأن المخاطبين من أفراد الناس وجَعْل السمع والأبصار والأفئدة للناس كلهم غير خاص بالمخاطبين فلما انتهض الاستدلال على عظيم القدرة وإتقان المراد من المصنوعات المتحدث عنهم بطريق الغيبة الشامل للمخاطبين وغيرهم ناسب أن يُلتفت إلى الحاضرين بنقل الكلام إلى الخطاب لأنه آثرُ بالامتنان وأسعدُ بما يرد بعده من التعريض بالتوبيخ في قوله {قليلاً ما تشكرون}. والامتنان بقوى الحواس وقوى العقل أقوى من الامتنان بالخلق وتسويته لأن الانتفاع بالحواس والإدراك متكرر متجدد فهو محسوس بخلاف التكوين والتقويم فهو محتاج إلى النظر في آثاره. والعدول عن أن يقال: وجعلكم سامعين مبصرين عالمين إلى {جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} لأن ذلك أعرق في الفصاحة، ولما تؤذن به اللام من زيادة المنة في هذا الجعل إذ كان جعلاً لفائدتهم ولأجلهم، ولما في تعليق الأجناس من السمع والأبصار والأفئدة بفعل الجعل من الروعة والجلال في تمكن التصرف، ولأن كلمة {الأفئدة} أجمع من كلمة عاقلين لأن الفؤاد يشمل الحواس الباطنة كلها والعقل بعضٌ منها. وأفرد {السَّمع}لأنه مصدر لا يجمع، وجمع {الأبصار والأفئدة} باعتبار تعدد الناس. وتقديم السمع على البصر تقدّم وجهه عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} تفسير : في سورة البقرة (7). وتقديم {السمع والأبصار}على {الأفئدة} هنا عكس آية البقرة لأنه روعي هنا ترتيب حصولها في الوجود فإنه يكتسب المسموعات والمبصرات قبل اكتساب التعقل. و{قليلاً} اسم فاعل منتصب على الحال من ضمير {لكم،} و{ما تشكرون} في تأويل مصدر وهو مرتفع على الفاعلية بــــ {قليلاً،} أي: أنعم عليكم بهذه النعم الجليلة وحالكم قلة الشكر. ثم يجوز أن يكون {قليلاً} مستعملاً في حقيقته وهي كون الشيء حاصلاً ولكنه غير كثير. ويجوز أن يكون كناية عن العدم كقوله تعالى: {أية : فلا يؤمنون إلا قليلاً}تفسير : [النساء: 46]. وعلى الوجهين يحصل التوبيخ لأن النعم المستحقة للشكر وافرة دائمة فالتقصير في شكرها وعدمُ الشكر سواء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنْسَانِ} (7) - وَهُوَ الذِي أَحْسَنَ خَلْقِ الأَشياءِ وَأَتْقَنَها، وَأَحْكَمَهَا، وَقَدْ خَلَقَ آدمَ أَبَا البَشَرِ مِنْ طِينٍ. أَحْسَن كُلَّ شَيءٍ - أَحْكَمَهُ وَأَتْقَنَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخَلْق إيجاد من عدم بحكمة، ولغاية ومهمة مرسومة، وليس عَبَثاً هكذا يخلق الأشياء كما اتفق، فالخالق - عز وجل - قبل أنْ يخلق يعلم ما يخلق، ويعلم المهمة التي سيؤديها؛ لذلك يخلق سبحانه على مواصفات تحقق هذه الغاية، وتؤدي هذه المهمة. وقد يُخيَّل لك أن بعض المخلوقات لا مهمةَ لها في الحياة، أو أن بعضها كان من الممكن أنْ يُخلَق على هيئة أفضل مما هي عليها. ونذكر هنا الرجل الذي تأمل في كون الله فقال: ليس في الإمكان أبدعُ مما كان. والولد الذي رأى الحداد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة، فيلويها ويُعْوِجها، فقال الولد لأبيه: لماذا لا يترك الحداد عيدان الحديد على استقامتها؟ فعلَّمه الوالد أن هذه العيدان لا تؤدي مهمتها إلا باعوجاجها، وتأمل مثلاً الخطَّاف وآلة جمع الثمار من على الأشجار، إنها لو كانت مستقيمة لما أدَّتْ مهمتها. وفي ضوء هذه المسألة نفهم الحديث النبوي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم - عن النساء: "حديث : إنهن خُلِقْنَ من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يَزَلْ أعوج، فاستوصوا بالنساء ". تفسير : وحين تتأمل الضلوع في قفصك الصدري تجد أنها لا تؤدي مهمتها في حماية القلب والرئتين إلا بهذه الهيئة المعْوَجة التي تحنو على أهم عضوين في جسمك، فكأن هذا الاعوجاج رأفة وحُنُو وحماية، وهكذا مهمة المرأة في الحياة، ألاَ تراها في أثناء الحمل مثلاً تترفق بحملها وتحافظ عليه، وتحميه حتى إذا وضعتْه كانت أشدَّ رفقاً، وأكثر حناناً عليه؟ إذن: هذا الوصف من رسول الله ليس سُبَّة في حق النساء، ولا إنقاصاً من شأنهن؛ لأن هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المتمم لمهمتها؛ لذلك نجد أن حنان المرأة أغلب من استواء عقلها، ومهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة، أما الرجل فعقله أغلب ليناسب مهمته في الحياة، حيث يُنَاط به العمل وترتيب الأمور فيما وُلِّي عليه. إذن: خلق الله كلاً لمهمة، وفي كل مِنَّا مهما كان فيه من نقص ظاهر - مَيْزة يمتاز بها، فالرجل الذي تَراه لا عقلَ له ولا ذكاءَ عنده تقول: ولماذا خلق الله مثل هذا؟ لكن تراه قويَّ البنية، يحمل من الأثقال والمشاقّ ما لا تتحمله أنت، والرجل القصير مثلاً، ترى أنت عيبه في قِصَر قامته، لكن يراها غيرك ميزة من مزاياه، وربما استدعاه للعمل عنده لهذه الصفة فيه. وحين تتأمل مثلاً عملية التعليم، وتقارن بين أعداد التلاميذ في المرحلة الابتدائية، وكم منهم يصل إلى مرحلة التعليم العالي. وكم منهم يتساقطون في الطريق؟ ولو أنهم جميعاً أخذوا شهادات عليا لما استقام الحال، وإلاَّ فمَر للمهن المتواضعة والحرف وغيرها. إذن: لا بُدَّ أنْ يوجد هذا التفاوت؛ لأن العقل الواحد يحتاج إلى آلاف ينفذون خطته، وقيمة كل امرئ ما يُحسنه مهما كان عمله. لذلك قلنا: إنه لا ينبغي لأحد أنْ يتعالى على أحد؛ لأنه يمتاز عنه في شيء ما، إنما ينظر فيما يمتاز به غيره؛ لأن الخالق عز وجل وزّع المواهب بين الخَلْق جميعاً، ويكفي أن تقرأ قول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. فالله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ..} [السجدة: 7] لأن لكل مخلوق مهمة مُهيّأ لها، وتعجب من تصاريف القدر في هذه المسألة فتجد أخوين، يعمل أحدهما في العطور، ويعمل الآخر في الصرف الصحي، وتجد هذا راضياً بعمله، وهذا راضٍ بعمله. حتى أنك تجد الناس الذين خلقهم الله على شيء من النقص أو الشذوذ حين يرضى الواحد منهم بقسمة الله له وقدره فيه يسود بهذا النقص، أو بهذا الشذوذ، وبعضنا لاحظ مثلاً الأكتع إذا ضرب شخصاً بهذه اليد الكتعاء، كم هي قوية! وكم يخافه الناس لأجل قوته! وربما يجيد من الأعمال ما لا يجيده الشخص السَّوي. فإنْ قلتَ: إذا كان الخالق سبحانه أحسن كل شيء خلقه، فما بال الكفر، خلقه الله وما يزال موجوداً، فأيُّ إحسان فيه؟ نقول: والله لولا طغيان الكافرين ما عشق الناسُ الإيمانَ، كما أنه لولا وجود الظلم والظالمين لما شعر الناس بطَعْم العدل. إذن: فالحق سبحانه يخلق الشيء، ويخلق من ضده دافعاً له. ثم يقول سبحانه: {وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7] فالإنسان الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات بدأه الله من الطين، وهو أدنى أجناس الوجود، وقلنا: إن جميع الأجناس تنتهي إلى خدمة الإنسان. الحيوان وهو أقربها للإنسان، ثم النبات، ثم الجماد، ومن الجماد خُلِق الإنسان. وقد عوَّض الله عز وجل الجماد الخادم لباقي الأجناس حين أمر الإنسان المكرَّم بأن يُقبِّله في فريضة كُتبت عليه مرة واحدة في العمر، وهي فريضة الحج، فأمره أن يُقبِّل الحجر الأسود، وأنْ يتعبد لله تعالى بهذا التقبيل؛ لذلك يتزاحم الناس على الحجر، ويتقاتلون عليه، وهو حجر، وهم بشر كرَّمهم الله، وما ذلك إلا ليكسر التعالي في النفس الإنسانية، فلا يتعالى أحد على أحد. وسبق أنْ بيّنا أن المغرضين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله قالوا: إن الله تعالى قال في مسألة الخَلْق مرة {أية : مِّن مَّآءٍ ..} تفسير : [المرسلات: 20] ومرة {أية : مِن تُرَابٍ ..} تفسير : [الكهف: 37] ومرة {أية : مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] ومرة {أية : مِن صَلْصَالٍ ..} تفسير : [الحجر: 33] ومرة {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] .. إلخ، فأيُّ هذه العناصر أصل للإنسان؟ وقلنا: إن هذه مراحل مختلفة للشيء الواحد، والمراحل لا تقتضي النية الأولية، فالماء والتراب يُكوِّنان الطين، فإذا تُرك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون، فإذا تُرك حتى يجفَّ ويتجمد فهو الصلصال، فهذه العناصر لا تعارضَ بينها، ويجوز لك أنْ تقول: إن الإنسان خُلِق من ماء، أو من تراب، أو من طين ... إلخ. والمراد هنا الإنسان الأول، وهو سيدنا آدم - عليه السلام - ثم أخذ الله سلالته من ماء مهين، والسلالة هي خلاصة الشيء، فالخالق سبحانه خلقنا أولاً من الطين، ثم جعل لنا الأزواج والتناسل الذي نتج عنه رجال ونساء. ثم يحتفظ الخالق سبحانه لنفسه بطلاقة القدرة في هذه المسألة، وكأنه يقول لك: إياك أنْ تفهم أنني لا أخلق إلا بالزوجية، إنما أنا أستطيع أنْ أخلق بلا زوجية كما خلقْتُ آدم، وأخلق من رجل بلا امرأة كما خلقتُ حواء، وأخلق من امرأة بلا رجل كما خلقتُ عيسى عليه السلام. وقد تتوفر علاقة الزوجية ويجعلها الله عقيماً لا ثمرةَ لها، وهكذا تناولت طلاقة القدرة كل ألوان القسمة العقلية في هذه المسألة، واقرأ إنْ شئتَ: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. إذن: هذه مسألة طلاقة قدرة للخالق سبحانه، وليست عملية (ميكانيكية)، لأنها هِبَة من الله {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً ..} تفسير : [الشورى: 49] ولاحظ أن الله قدَّم هنا الإناث، وهم الجنس الذي لا يفضِّله الناس أن يُولد لهم، ولكن تجد الذي يرزقه الله بالبنت فيفرح بها، ويعلم أنها هِبَة من الله يُعوِّضه الله بزوج لها يكون أطوعَ له من ولده. كما أنه لو رضي صاحب العُقْم بعُقْمه، وعلم أنه هِبَة من الله لَعَّوضه الله في أبناء الآخرين، وشعر أنهم جميعاً أبناؤه، ولماذا نقبل هبة الله في الذكور وفي الإناث، ولا نقبل العقم، وهو أيضاً هبة الله؟ ثم ألستَ ترى من الأولاد مَنْ يقتل أباه، ومَنْ يقتل أمه؟ إذن: المسألة تحتاج منّا إلى الرضا والتسليم والإيمان بأن العُقْم هبة، كما أن الإنجاب هبة. ثم إن خَلْق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام من طين جاء من البداية على صورته التامة الكاملة، فخلقه الله رجلاً مستوياً، فلم يكُنْ مثلاً طفلاً ثم كبر وجرتْ عليه سنة التطور، لا إنما خلقه الله على صورته، أي: على صورة آدم. والبعض يقول: خلق الله آدم على صورته أي على صورة الحق، فالضمير يعود إلى الله تعالى، والمراد: على صورة الحق لا على حقيقة الحق، فالله تعالى حيٌّ يَهَب من حياته حياة، والله قوي يهَبُ من قوته قوة، والله غنيٌّ يهب من غِنَاه غِنى، والله عليم يَهبُ من علمه علماً. لذلك قيل: "تخلَّقوا بأخلاق الله"؛ لأنه سبحانه وهبكم صفات من صفات تجلِّيه، وقد وهبكم هذه الصفات، فاجعلوا للصفة فيكم مزية وتخلَّقوا بها، فمثلاً كُنْ قوياً على الظالم، ضعيفاً متواضعاً للمظلوم، على حَدِّ قول الله تعالى في صفات المؤمنين: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29]. وقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..} تفسير : [المائدة: 54]. وهذه الصفات المتناقضة تجتمع في المؤمن؛ لأنه ليس له طبع واحد، إنما الموقف والتكليف هو الذي يصبغه ويلويه إلى الصفة المناسبة. وقلنا: إن علماء التحاليل في معاملهم أثبتوا صِدْق القرآن في هذه الحقيقة، وهي خَلْق الإنسان من طين حينما وجدوا أن العناصر المكوِّنه لجسم الإنسان هي ذاتها العناصر الموجودة في التربة، وعددها 16 عنصراً، أقواها الأكسوجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النيتروجين، ثم الصوديوم، ثم الماغنسيوم، ثم البوتاسيوم .. إلخ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [الآية: 7]. قال: يقول أَتقن كل شيءٍ خلقه. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} [الآية: 8]. قال: يعني ضعيفاً، وهو نطفة الرجل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} أحسنَ: معناه أتقنَ.

همام الصنعاني

تفسير : 2300- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}: [الآية: 7]، قال: أحسن خلق كل شيء.