٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما، وهو مبتدأ، خبره {نَتْلُوهُ } و {مِنَ ٱلأَيَـٰتِ } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، و {نَتْلُوهُ } صلته، و {مِنَ ٱلأَيَـٰتِ } الخبر. المسألة الثانية: التلاوة والقصص واحد في المعنى، فإن كلا منهما يرجع معناه إلى شيء يذكر بعضه على إثر بعض، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية، وفي قوله {أية : نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ }تفسير : [القصص: 3] وأضاف القصص إلى نفسه فقال: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] وكل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى، وهذا تشريف عظيم للملك، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى الله عليه وسلم لما كان بأمره من غير تفاوت أصلاً أُضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى. المسألة الثالثة: قوله {مِنَ ٱلأَيَـٰتِ } يحتمل أن يكون المراد منه، أن ذلك من آيات القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ، فبقي أن ذلك من الوحي. المسألة الرابعة: {وَٱلذّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } فيه قولان الأول: المراد منه القرآن وفي وصف القرآن بكونه ذكراً حكيماً وجوه الأول: إنه بمعنى الحاكم مثل القدير والعليم، والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه والثاني: معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه والثالث: أنه بمعنى المحكم، فعيل بمعنى مفعل، قال الأزهري: وهو شائع في اللغة، لأن حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى، فرد إلى الأصل، ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى: {أية : أُحكمت آياته } تفسير : [هود: 1] والرابع: أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة، فوصف بكونه حكيماً على هذا التأويل. القول الثاني: أن المراد بالذكر الحكيم ههنا غير القرآن، وهو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك، والله أعلم بالصواب.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره، وهو مبتدأ خبره. {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} وقوله: {مِنَ ٱلآيَـٰتِ} حال من الهاء ويجوز أن يكون الخبر ونتلوه حالاً على أن العامل معنى الإِشارة وأن يكونا خبرين وأن ينتصب بمضمر يفسره نتلوه. {وَٱلذّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} المشتمل على الحكم، أو المحكم الممنوع عن تطرق الخلل إليه يريد به القرآن. وقيل اللوح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور من أمر عيسى {نَتْلُوهُ } نقصُّه {عَلَيْكَ } يا محمد {مِنَ ٱلأَيَٰتِ } حال من الهاء في (نتلوه) وعامله ما في (ذلك) من معنى الإشارة {وَٱلذّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } المحكم أي القرآن.
ابن عطية
تفسير : {ذلك} رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء، و {نتلوه عليك} خبر ابتداء وقوله {من الآيات} لبيان الجنس، ويجوز ان تكون للتبعيض، ويصح أن يكون {نتلوه عليك} حالاً ويكون الخبر في قوله {من الآيات} وعلى قول الكوفيين يكون قوله {نتلوه} صلة لذلك، على حد قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري: شعر : وهذا تحملين طليق تفسير : ويكون الخبر في قوله: {من الآيات}، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير، وهذا محمولاً، و {نتلوه} معناه نسرده، و {من الآيات} ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن يريد بقوله {من الآيات} من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ، ولست ممن أصحب أهل الكتاب، فالمعنى أنها آيات لنبوتك، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون {نتلوه} حالاً، و {الذكر} ما ينزل من عند الله، و {الحكيم} يجوز أن يتأول بمعنى المحكم، فهو فعيل بمعنى مفعول، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة، فيكون بناء اسم الفاعل، قال ابن عباس، {الذكر} القرآن، و {الحكيم} الذي قد كمل في حكمته. وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم، قالوا سبب نزول قوله تعالى: {إن مثل عيسى} الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا وتقول هو عبد، فقال النبي عليه السلام، وما يضر ذلك عيسى، أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فقالوا فهل رأيت بشراً قط جاء من غير فحل أو سمعت به؟ وخرجوا من عند النبي فأنزل الله عليه هذه الآية. قوله تعالى {إن مثل} عبر عنه بعض الناس، بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى: {أية : مثل الجنة} تفسير : [الرعد: 35] قالوا: معناه صفة الجنة. قال الإمام أبو محمد: وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى: "أن المثل" الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس كلهم مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل، وكذلك مثل الجنة عبارة عن المتصور منها، وفي هذه الآية صحة القياس، أي إذا تصوروا أمر آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله: {كمثل} اسم على ما ذكرناه من المعنى وقوله {عند الله} عبارة عن الحق في نفسه، أي هكذا هو الأمر فيما غاب عنكم، وقوله: {خلقه من تراب} تفسير لمثل آدم، الذي ينبغي أن يتصور، والمثل والمثال بمعنى واحد، ولا يجوز أن يكون {خلقه} صلة لآدم ولا حالاً منه، قال الزجاج: إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه، مضمنه تفسير المثل، وقوله عز وجل: {ثم قال} ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام، المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قاله له {كن} وقت كذا، وعلى مذهب أبي علي الفارسي، في أن القول مجازي، مثل وقال قطني، وأن هذه الآية عبارة عن التكوين، فــ {ثم} على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين، وقراءة الجمهور "فيكونُ"، بالرفع على معنى فهو يكون، وقرأ ابن عامر "فيكونَ" بالنصب، وهي قراءة ضعيفة الوجه، وقد تقدم توجيهها آنفاً في مخاطبة مريم. وقوله تعالى: {الحق من ربك}، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به، قوله {من ربك}، أو الحق ذلك، أو ما قلناه لك، ويجوز أن يكون خبر ابتداء، تقديره هذا الحق و {الممترين} هم الشاكون، والمرية الشك، ونهي النبي عليه السلام في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره، ولو قيل: فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي عليه السلام عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله. وقوله تعالى: {فمن حاجك فيه} معناه جادلك ونازعك الحجة، والضمير في قوله: {فيه} يحتمل أن يعود على {عيسى}، ويحتمل أن يعود على {الحق}، والعلم الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة من أمر عيسى وقوله تعالى: {فقل تعالوا} الآية، استدعاء المباهلة و {تعالوا} تفاعلوا من العلو، وهي كلمة قصد بها أولاً تحسين الأدب مع المدعو ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه وللبهيمة ونحو ذلك و {نبتهل} معناه نلتعن، ويقال عليهم بهلة الله بمعنى اللعنة، والابتهال: الجد في الدعاء بالبهلة. وروي في قصص هذه الآية: أنها نزلت بسبب محاجة نصارى نجران في عيسى عليه السلام وقولهم هو الله، وكانوا يكثرون الجدال وقد روى عبد الله بن الحارث بن جزء السوائي عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني لشدة ما كانوا يمارون فلما قرأ النبي عليه السلام الآية دعاهم إلى ذلك، فروى الشعبي وغيره، أنهم وعدوه بالغد أن يلاعنوه فانطلقوا إلى السيد والعاقب فتابعاهم على أن يلاعنوا فانطلقوا إلى رجل آخر منهم عاقل فذكروا له ما صنعوا فذمهم وقال لهم: إن كان نبياً ثم دعا عليكم هلكتم، وإن كان ملكاً فظهر لم يبق عليكم، قالوا فكيف نصنع وقد واعدناه؟ قال: إذا غدوتم فدعاكم إلى ذلك فاستعيذوا بالله من ذلك فعسى أن يعفيكم فلما كان الغد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضناً حسيناً آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الميعاد، فقالوا: نعوذ بالله فأعادوا التعوذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء، قالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب ولكنا نؤدي الجزية قال: فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة ألفاً في رجب وألفاً في صفر وطلبوا منه رجلاً أميناً يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقال عليه السلام: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على الملاعنة تفسير : ، وروى محمد بن جعفر بن الزبير وغيرهحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم قالوا: دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نفعل فذهبوا إلى العاقب وهو ذو رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: يا معشر النصارى، والله لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه الاستئصال إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه، فأتوا النبي عليه السلام، فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نبقى على ديننا وصالحوه على أموال وقالوا له: ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضى، وروى السدي وغيره أن النبي عليه السلام جاء هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين ودعاهم فأبوا وجزعوا وقال لهم أحبارهم: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم ناراً فصالحوا النبي عليه السلام على ثمانين ألف درهم في العام فما عجزت عنه الدراهم ففي العروض، الحلة بأربعين وعلى أن عليهم ثلاثاً وثلاثين درعاً وثلاثة وثلاثين بعيراً وأربعاً وثلاثين فرساً عارية كل سنة ورسول الله ضامن ذلك حتى يؤديها إليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنوا لاستؤصلوا من جديد الأرض، وقال أيضاً لو فعلوا لاضطرم عليهم الوادي ناراًتفسير : ، وروى علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويحكم، أليس عهدكم بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ فلا تلاعنوا فانتهوا، وفي هذه القصة اختلافات للرواة وعبارات تجري كلها في معنى ما ذكرناه لكنا قصدنا الإيجاز وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة محمد شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، وما روي من ذلك خير مما روى الشعبي من تقسيم ذلك الرجل العاقل فيهم أمر محمد بأنه إما نبي وإما ملك لأن هذا نظر دنياوي وما روى الرواة من أنهم تركوا الملاعنة لعلمهم بنبوته أحج لنا سائر الكفرة وأليق بحال محمد صلى الله عليه وسلم، ودعاء النساء والأنبياء للملاعنة أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله أو لغضبه على المبطلين، وظاهر الأمر أن النبي عليه السلام جاءهم بما يخصه، ولو عزموا استدعى المؤمنين بأبنائهم ونسائهم، ويحتمل أنه كان يكتفي بنفسه وخاصته فقط.
النسفي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } خبره {مِنَ ٱلأَيَـٰتِ } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف {وَٱلذّكْرِ الحكيم} القرآن يعني المحكم، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ونزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولداً بلا أب. {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ } أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم عليه السلام {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قدره جسداً من طين وهي جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه، وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيـي الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً {فَيَكُونُ } أي فكان وهو حكاية حال ماضية، و «ثم» لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق {فَلاَ تَكُن } أيها السامع {مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكين. ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من الامتراء {فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصارى {فِيهِ } في عيسى {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } من البينات الموجبة للعلم و«ما» بمعنى «الذي» {فَقُلْ تَعَالَوْاْ } هلموا والمراد المجيء بالعزم والرأي كما تقول: تعالى نفكر في هذه المسألة {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ثم نتباهل بأن نقول «بهلة الله على الكاذب منا ومنكم». والبهلة بالفتح والضم اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً. روي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى ننظر. فقال العاقب. وكان ذا رأيهم - والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم فودعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول: «حديث : إذا أنا دعوت فأمنوا»تفسير : . فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي على ألفي حلة كل سنة فقال عليه السلام «حديث : والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير» تفسير : وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على «ندع». {إِنَّ هَذَا } الذي قص عليك من نبأ عيسى {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } هو فصل بين اسم «إن» وخبرها، أو مبتدأ و«القصص الحق» خبره، والجملة خبر «إن» وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و«من» في {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } بمنزلة البناء على الفتح في «لا إله إلا الله» في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في الانتقام {ٱلْحَكِيمُ } في تدبير الأحكام {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا ولم يقبلوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } [النحل: 88]. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء } أي مستوية {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } يعني تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فميا أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله. وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال «حديث : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم» تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : هو ذاك» تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع: اعترف بأني أنا الغالب وسلم إليّ الغلبة. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. {هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» خبره {حَـٰجَجْتُمْ } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى. وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } مما نطق به التوراة والإنجيل {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وقيل: هؤلاء بمعنى «الذين» و«حاججتم» صلته. «ها أنتم» بالمد وغير الهمز حيث كان: مدني وأبو عمرو. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } علم ما حاججتم فيه {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وأنتم جاهلون به. ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } في زمانه وبعده {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ } خصوصاً خص بالذكر لخصوصيته بالفضل والمراد محمد عليه السلام {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } من أمته {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ناصرهم. {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } هم اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهود {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال "حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم راهبا نجران فقال أحداهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعجل حتى يأمره ربه. فنزل عليه {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} إلى قوله {من الممترين} "تفسير : . وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {والذكر الحكيم} قال: القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ستكون فتن قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، هو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم ".
القشيري
تفسير : ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحي إليك، لا بتكلفك ما تصل إلى عِلْمِه، أو بِتَعلُّمِك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} اشارة الى ما سلف من نبأ عيسى عليه السلام وغيره {نتلوه عليك} اى نقرأه عليك يا محمد واسند تلاوته الى نفسه مع ان التالى هو الملك المأمور بها على طريق اسناد الفعل الى السبب الآمر وفيه تعظيم بليغ وتشريف عظيم للملك وانما حسن ذلك لان تلاوة جبريل لما كانت بامره تعالى من غير تفاوت اصلا اضيف ذلك اليه تعالى {من الآيات} حال من الضمير المنصوب اى من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لانها اخبار لا يعلمها الا قارىء الكتاب او من يوحى اليه فظاهر انك لا تكتب ولا تقرأ فبقى ان ذلك من الوحى {والذكر} اى القرآن {الحكيم} اى المشتمل على الحكم او المحكم الممنوع من تطرق الخلل اليه. والإشارة ان الله تعالى قال لعيسى عليه الاسلام يا عيسى {أية : انى متوفيك} تفسير : [آل عمران: 55]. عن الصفات النفسانية والاوصاف الحيوانية {أية : ورافعك الى} تفسير : [آل عمران: 55]. بجذبات العناية فمن لم يصر فانيا عما سوى الله لا يكون له وصول الى مقام معرفة الله فعيسى لما رفع الى السماء صارت له حاله كحال الملائكة فى زوال الشهوات والغضب والاخلاق الذميمة. فعلى السالك ان ينهى نفسه عن الهوى ويتبع طريق الهدى ويعتبر بالآيات والذكر الحكيم كى يصل الى النعيم المقيم ويجتنب الظلم فان الله تعالى قال {أية : والله لا يحب الظالمين} تفسير : [آل عمران: 57]. اى الذين يظلمون على أنفسهم بانقضاء العمر فى طلب غير الله شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند ازخدا جز خدا تفسير : فاهل الطريقة هم الذين يمحون نقش الغير عن صفحات القلب ويزكون نفوسهم عن الاوصاف المذمومة فانها مانعة من العروج الى سماء المعرفة وعلو الوصال: قال مولانا جلال الدين رومى قدس سره شعر : آن يكى نحوى بكشتى درنشست روبكشتيبان نهاد آن خود برست كفت هيج ازنخو حواندى كفت لا كفت نيم عمر توشد درفنا دل شكسته كشت كشتيبان زتاب ليك آن دم كشت خواموش ازجواب باد كشتى را بكر دابى فكند كفت كشتيبان بدان نحوى بلند هيج دانى آشنا كردن بكو كفت نى اى خوش جواب خوب رو كفت كل عمرت اى نحوى فناست زانك كشتى غرق اين كردا بهاست محو مى بايد نه نحو انيجابدان كرتو محوى يخطر درآب ران آب درا مرده را بر سر نهد وربود زنده زدريا كى رهد جون بمردى تو زاوصاف بشر بحر اسرارت نهد برفرق سر تفسير : فقد ظهر ان الذين يطلبون غير الله هم غرقى فى بحر الهوى والشهوات لا يقدرون على التصعد الى الاعلى واما الذين تخلصوا من قشر الوجود ووصلوا بالفناء عن ذواتهم الى عالم الشهود فهم يطيرون باجنحة انوار حالهم مع الملائكة المقربين لتخلصهم من الاثقال الدنيوية والاشغال القالبية والبدنية قال تعالى {أية : ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات والارض}تفسير : [الرحمن: 33]. اى بالتجرد عن الهيآت الجسمانيه والتعلقات البدنية {أية : فانفذوا} تفسير : [الرحمن: 33]. لتنخرطوا فى سلك الارادة الملكوتية والنفوس الجبروتية وتصلوا الى الحضرة العلية {أية : لا تنفذون الا بسلطان} تفسير : [الرحمن: 33]. اى بحجة بينة هى التوحيد والتجريد والتفريد بالعلم والعمل والفناء فى الله تعالى قال عيسى عليه السلام [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] والولادة نوعان. اضطرارى يخلق الله تعالى ولا دخل فيه للكسب والاختيار وذلك ظاهر. واختيارى يحصل بالكسب وهو الذى اشار اليه عيسى عليه السلام وفقتا الله واياكم لما يحب ويرضى ويداوى بدواء افضاله هذه النفوس المرضى انه على كل شىء قدير وبتيسيره يسهل كل امر عسير.
الطوسي
تفسير : المعنى: {ذلك} اشارة إلى الاخبار عن عيسى، وزكريا، ويحيى، عن الحواريين، واليهود من بني إسرائيل، وهو في موضع نصب بما تقدم. و {نتلوه عليك} لما فيه من الآية لمن تذكر في ذلك واعتبر به. والذكر وإن كان حكمة فانما وصفه بأنه حكيم من حيث لما كان ما فيه من الدلالة بمنزلة الناطق بالحكمة حسن وصفه بأنه حكيم من هذه الجهة، كما وصفت الدلالة بأنها دليل لما فيها من البيان، وذلك لأنه الناطق بالبيان. الاعراب: وموضع {نتلوه} من الاعراب يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون رفعاً بأنه خبر ذلك، والثاني - ألاّ يكون له موضع، لأنه صلة ذلك وتقديره: الذي نتلوه عليك من الآيات، ويكون موضع "من الآيات" رفعاً بأنه خبر ذلك. ذكره الزجاج وأنشدوا في مثله: شعر : عدس ما للعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق تفسير : بمعنى والذي تحملين طليق. المعنى: وقيل في معنى قوله: {نتلوه عليك} قولان: أحدهما - نكلمك به، ويكون وضع {نتلوه} موضع نكلم كما يقول القائل: انشأ زيد الكتاب وتلاوة عمرو، فالتلاوة تكون اظهار الكلام على جهة الحكاية الثاني - {نتلوه عليك} بأمرنا جبريل أن يتلوه عليك على قول الجبائي، والذكر حصول ما به يظهر المعنى للنفس ويكون كلاماً وغير كلام من بيان أو خاطر على البال، وليس إذا ظهر الشيء للنفس دل على صحته، لأن الضدين قد يظهران ولا يجوز صحتهما معاً.
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} المذكور من قوله {انّ الله اصطفى آدم ونوحاً} الى قوله {والله لا يحبّ الظّالمين} واتى باسم الاشارة البعيدة مقدّماً للاشعار بتعظيمه {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ} من بيانيّة والمراد بالآيات الآيات التّدوينيّة او الآيات العظام من الانبياء المذكورين وامّ مريم ومريم وزكريّا ويحيى (ع) وعيسى (ع) وابناؤهم المذكورة {وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} تعبير عن الآيات بوصف آخر فانّها كلّها ذكر لله لانفسها ولغيرها بحيث لا يتطرّق النّسيان والغفلة ولا الابطال والافساد اليها، او من فى قوله من الآيات ابتدائيّة اى نأخذها من الآيات العظام الّتى هى الذّكر الحكيم والكتاب المبين واللّوح المحفوظ والقلم الاعلى ولمّا كان خلق عيسى (ع) بلا ابٍ محّلاً للشّكّ والانكار وموهماً للريبة والبهتان كما وقع ذلك لليهود والنّصارى فقال بعضهم انّه من السّفاح وبعضهم انّه من يوسف النّجّار الّذى كانت مريم (ع) فى خطبته كما كان موهماً للغلوّ والآلهة حتّى قالوا: انّه اله وكان مورثاً للسّؤال عن حاله هل له مثال ردّ الله تعالى هذا الوهم واجاب عن هذا السّؤال فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ}.
اطفيش
تفسير : {ذلِكَ}: المذكور من أخبار عيسى وأمه، وهو مبتدأ وخبره قوله: {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ}: ولا داعى إلى جعله من باب الاشتغال، وقوله: {مِنَ الآيَاتِ}: حال من الهاء، أو خبر ثان، أو هو الخبر، و{نتلوه}: حال من المبتدأ لأنه اسم إشارة، والمراد أن الإخبار بأمر عيسى وأمه من العلامات الدالات على رسالتك، يا محمد لأنه مما لا يعلم إلا بالوحى، ولا سيما على لسان من لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يجالس أهل الكتاب، والأحبار - صلى الله عليه وسلم - أو ذلك من آيات القرآن الذى هو وحى من الله، لاكلام بشر، والقرآن وحى من الله. {وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ}: أى من كلام الله المحكم، الممنوع من الباطل، الذى يحصل التذكر عن التذكير به، أو من القرآن لأنه مذكر مفيد للأحكام أو محكم متقن. وقيل: اللوح المحفوظ الذى كتبت فيه كتب الله كلها من درة بيضاء فعلق تحت العرش أو جبهة ملك، وتفسير الحكيم على كل حال بمعنى ذى الحكمة أولى من تفسيره بمعنى محكم، لأن فعيلا بمعنى مفعل من الرباعى قليل، كعقدت العسل فهو معقد.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} أى أَمْرُ عيسى وغيره {نَتْلُوه} خبر {عَليْكَ} وقوله {مِنَ الأَيَآتِ} خبر ثان، أو حال من الهاء، منصوب بنتلو، لا أن نتلو حال من الضمير فى قوله من الآيات، ومن الآيات خبر لأن فيه معنى الفعل دون حروفه، فلا يتقدم عليه معموله إلا قليلا، وعلى القلة عاملة اسم الإشارة لمعناها {وَالّذكْرِ الحَكِيمِ} له، المحكم، أو اسند الحكمة إلى الذكر، لأنه محلها والدال عليها، وهو القرآن أو اللوح المحفوظ لاشتماله على القرآن، ولعدم تأويل زائغ فيه ولا تبديل.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } أي المذكور من أمر عيسى عليه السلام والإتيان بما يدل على البعد للإشارة إلى عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في الشرف. {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } أي نسرده ونذكره شيئاً بعد شيء، والمراد تلوناه إلا أنه عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الحاصلة اعتناءاً بها، وقيل: يمكن الحمل على الظاهر لأن قصة عيسى عليه السلام لم يفرغ منها بعد {مِنَ ٱلأَْيَـٰتِ } أي الحجج الدالة على صدق نبوتك إذ أعلمتهم بما لا يعلمه إلا قارىء كتاب، أو معلم ولست بواحد منهما فلم يبق إلا أنك قد عرفته من طريق الوحي {وَٱلذّكْرِ } أي القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ وتفسيره به لاشتماله عليه، و {مِنْ } تبعيضية على الأول، وابتدائية على الثاني وحملها على البيان وإرادة بعض مخصوص من القرآن بعيد {ٱلْحَكِيمُ } أي المحكم المتقن نظمه، أو الممنوع من الباطل، أو صاحب الحكمة، وحينئذ يكون استعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته؛ إما على وجه الإستعارة التبعية في لفظ حكيم، أو الإسناد المجازي بأن أسند للذكر ما هو لسببه وصاحبه، وجعله من باب الاستعارة المكنية التخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة وأثبت له الوصف ـ بحكيم ـ تخييلا محوج إلى تكلف مشهور في دفع شبهة ذكر الطرفين حينئذ فتأمل. وجوز في الآية أوجه من الإعراب، الأول: أن ذلك مبتدأ، و {نَتْلُوهُ } خبره، و {عَلَيْكَ } متعلق بالخبر، و {مِنَ ٱلأَْيَـٰتِ } حال من الضمير المنصوب، أو خبر بعد خبر، أو هو الخبر وما بينهما حال من اسم الإشارة على أن العامل فيه معنى الإشارة لا الجار والمجرور قيل: لأن الحال لا يتقدم العامل المعنوي، الثاني: أن يكون ذلك خبراً لمحذوف أي: الأمر ذلك، و {نَتْلُوهُ } في موضع الحال من {ذٰلِكَ } و {مِنَ ٱلأَْيَـٰتِ } حال من الهاء، الثالث: أن يكون ذلك في موضع نصب بفعل دل عليه ـ نتلو ـ فيكون {مِنَ ٱلأَْيَـٰتِ } حالا من الهاء أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : تذييل: فإنّ الآياتِ والذكر أعمّ من الذي تُلي هنا، واسم الإشارة إلى الكلام السابق من قوله تعالى: {أية : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه}تفسير : [آل عمران: 45] وتذكير اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالكلام أو بالمذكورِ. وجملة نتلوه حال من اسم الإشارة على حدّ {أية : وهذا بَعْلي شيخاً}تفسير : [هود: 72] وهو استعمال عربي فصيح وإن خالف في صحة مجيء الحال من اسم الإشارة بعض النحاة. وقوله: {من الآيات} خبر {ذلك} أيّ إنّ تلاوة ذلك عليك من آيات صدقك في دعوى الرسالة؛ فإنك لم تكن تعلمَ ذلك، وهو ذِكر وموعظة للناس، وهذا أحسن من جعل نتلوه خبراً عن المبتدأ، ومن وجوه أخرى. والحكيم بمعنى المُحكَم، أو هو مجاز عقلي أي الحكيم عالمُه أو تاليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {الآيَاتِ} (58) - مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أمْرِ عِيسَى، وَأمِّهِ مَرْيَمَ، وَأمِّها امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَمَبْدَأِ وِلاَدةَ عِيسَى، وَتَفْصِيلِ أَمْرِهِ، وأَمْرِ زَكَرِيّا وَيَحْيَى، وَمَا قَصَصْنَاهُ عَليكَ مِنْ أمْرِ الحَوَارِيينَ وَاليَهُودِ.. إنَّما هُوَ وَحْيٌ مِنَ اللهِ ألْقَاهُ إليكَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنَ القرآنِ وَالحِكْمَةِ، يُبَيِّنُ وُجُوهَ العِبَرِ عَلَى مَنْ حَاجَّكَ مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ كَذَّبُوكَ، وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول الحق تبارك وتعالى: {ذٰلِكَ} إشارة لما سبق من الأحداث، في شأن امرأة عمران، ومريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكان لكل واحد من هؤلاء قضية عجيبة يخرق فيها ناموس الكون، وكلها آيات، أي عجائب. وقد نقلت إلينا هذه العجائب من واقع ما رآه الذين عاصروا تلك الأحداث، وجاء الخبر اليقين بتلك العجائب في قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الحق الموصوف من الله بأنه "الذكر الحكيم" فاطمئنوا - أيها المؤمنون - إلى أن ما وصلكم عن طريق القرآن، إنما حكى واقعاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما جاء به من أخبار عن تلك الآيات هو ما يطابق الواقع الذي عاصره الناس وحكوه. وبعد ذلك يعرض الحق لنا سبحانه قضية سيدنا عيسى عليه السلام، وهي قضية يجب أن نتنبه إليها تنبها جديداً فنعرض وجهة نظر الذين يضعونه في غير الموضع الذي أراده الله، كما نعرض وجهة نظر الذين يضعونه في الموضع الذي يريده الله، فالمسألة ليست انتصاراً منا في الدنيا على فريق يقول: كذا، وليست انتصاراً لفريق آخر في الدنيا ليقول: كذا، لأنها مسألة لها عاقبة تأتي في الآخرة ويحاسبنا عليها الحق تعالى، لذلك كان من المهم جداً أن نصفيها تصفية يتضح فيها الحق، حتى لا يظلم أحد نفسه. لقد جاء عيسى عليه السلام على دين اليهودية، أي طرأ على دين اليهودية ونحن نعلم أن دين اليهودية قد تم تحريفه من اليهود تحريفاً جعله ينحاز إلى الأمور المادية الصرفة، دون أدنى اعتبار للأمور الروحية والإيمان بالغيب، فهم ماديون، وتتمثل ماديتهم في أنهم قالوا لموسى عليه السلام ما حكاه القرآن الكريم: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}تفسير : [البقرة: 55]. إنهم لم يلتفتوا إلى أن بعضاً من كمال وجلال الله غيبٌ؛ لأنه لو كان مشهوداً محساً، لحدد - بضم الحاء وكسر الدال - وحُيِّزَ، وما دام قد حُدِّدَ وحُيِّزَ في تصورهم فذلك يعني أنه سبحانه قد يوجد في مكان ولا يوجد في مكان آخر، والحق سبحانه منزه عن مثل ذلك لأنه موجود في كل الوجود، ولا نراه بالعين، لكن نرى آثار أعماله وجميل صنعه في كل الكون. إذن فكون الله غيباً هو من تمام الجلال والكمال فيه. لكن اليهود قد صوروا الأشياء كلها على أنها حسية، حتى أمور اقتيات حياتهم وهي الطعام، لقد أرادها الله لهم غيباً حتى يريحهم في التيه، فأرسل عليهم المنّ والسلوى، كرزق من الغيب الذي يأتي إليهم، لم يستنبتوه. ولم يستوردوه، ولم يعرفوا كنهه، ولم يجتهدوا في استخراجه، إنه رزق من الغيب، ومع ذلك تمردوا على هذا الرزق القادم لهم من الغيب وقالوا كما أخبر الله عنهم: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 61]. إنهم يريدون أن يكون طعامهم كما ألفوا، وأن يروا هذا الطعام كأمر مادي من أمور الحياة؛ لذلك تشككوا في رزق الغيب، وهو المن والسلوى، وقالوا: "من يدرينا أن المن قد لا يأتي، وأن السلوى قد لا تنزل علينا" فلم تكن لهم ثقة في رزق وُهب لهم من الغيب؛ لأنهم تناولوا كل أمورهم بمادية صرفة. وما دامت كل أمورهم مادية فهم في حاجة إلى هزة عنيفة تهز أوصال ماديتهم هذه؛ لتُخرجهم إلى معنى يؤمنون فيه بالغيب. ونحن نعلم أن الفكر المادي لا يرى الحياة إلا أسباباً ومسببات، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع منهم ذلك الفكر المادي، لذلك جاء بعيسى عليه السلام على غير طريق الناموس الذي يأتي عليه البشر، فجعله من امرأة دون أب، حتى يزلزل قواعد المادية عند اليهود. لكن الفتنة جاءت في قومه، فقالوا ببنوته للإله، وسبحانه منزه عن أن يكون له ولد. ولنا أن نسأل ما الشبهة التي جعلتهم يقولون بهذه البنوة؟ نقول: إن الأمومة موجودة والذكورة ممتنعة، والشبهة إنما جاءت من أن الله نفخ فيه الروح، فالله هو الأب. نقول لهم: لو أن الأمر كذلك لوجب أن تفتنوا في آدم أولى من أن تفتنوا في عيسى؛ لأن عيسى عليه السلام كان في خلقه أمومة، أما آدم فلا أمومة ولا أبوة، فتكون الفتنة في آدم عليه السلام أكبر، وإن قلتم: "إن الحق قال: إنه نفخ فيه من روحه"، فلكم أن تعرفوا قول الله في آدم عليه السلام: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 28-29]. إذن فالنفخ هنا في آدم موجود، فلماذا سكتم عن هذه الحكاية منذ آدم وحتى مجيء عيسى عليه السلام، وهكذا يتم دحض تلك الحجة ونهايتها، وبعد ذلك نأتي إلى قضية أخرى، وهي توفيه أو وفاته، إلى القضيتين معاً - توفيه ووفاته - حتى نُبَيِّن الرأيين معاً: وهنا نتساءل: لماذا فتنتم في ذلك؟ يقولون: لقد أحيا عيسى الموتى، ونقول لهم: ألم تأخذوا تاريخ إبراهيم عليه السلام حينما قال الله له: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 260]. إذن فمجال الفتنة في إبراهيم عليه السلام كبير، وكذلك، ألم يجيء موسى عليه السلام بآية هي العصا؟ إنه لم يجيء ميتاً كانت فيه حياة، إنما أجرى الله على يديه خلق الحياة فيما لم تثبت له حياة، فأصبحت العصا - وهي جماد - حية تسعى لماذا إذن لم تفتنوا في عصا موسى عليه السلام؟ وهكذا نعرف أنه لا يصح أن يفتن أحد في المعجزة التي جاءت بعيسى عليه السلام، أو في إحيائه الموتى بإذن الله، وأتباع عيسى عليه السلام يتفقون معنا أن الله سبحانه وتعالى غيب، ولكنهم يختلفون معنا فيقولون: إن الله أراد أن يؤنس البشر بصورة يتجلى لهم فيها بشراً فجاء بعيسى عليه السلام ليتحقق لهم ذلك الأنس. ونقول لهم: سنبحث هذه المسألة بدون حساسية، وبدون عصبية، بل بالعقل، ونسأل "هل خلق الله عيسى ليعطي صورة للإله؟ إن عيسى كان طفلاً، ثم كبر من بعد ذلك، فأي صورة من صوره المرحلية كانت تمثل الله؟ إن كانت صورة طفل فهل هي صورة الله؟ وإن كانت صورة كهل فهل هي صورة الله؟ إن لله صورة واحدة لا نراها ولا نعرف كنهها فهو سبحانه "ليس كمثله شيء"، فأية صورة من الصور التي تقولون: إنها صورة الله؟ وإن كان الله على كل هذه الصور فمعنى ذلك أن لله أغياراً, وهو سبحانه منزه عن ذلك، ولو كان على صورة واحدة لقلنا: إنه الثبات والأمر كذلك فهو - سبحانه - الحق الذي لا يتغير إنهم يقولون: إن الله أراد أن يجعل صورته في بشر ليؤنس الناس بالإله، فتمثل في عيسى. ولنا أن نسأل: كم استغرق وجود عيسى على الأرض؟ والإجابة: ثلاثين عاماً أو يزيد قليلاً. وهكذا تكون فترة معرفة الناس بالصورة الإلهية محدودة بهذه السنوات الثلاثين طبقاً لتصوركم. ولابد ان نسأل "ما عمر الخلق البشري كله؟" إن عمر البشرية هو ملايين السنين. فهل ترك الله خلقه السابقين الأولين بدون أن يبدي لهم صورته، ثم ترك خلقه الآخرين الذين قدموا إلى الحياة بعد وفاة عيسى - أي تمام مهمته - ورفعه، بدون أن يعطيهم صورة له؟ إن هذا تصور لإله ظالم، وسبحانه وتعالى منزه عن الشرك والظلم. فلا يعقل أن يضن بصورته فلا يبقيها إلا ثلاثين عاماً؟ إن هذا قول لا يقبله عقل يثق في عدالة الله المطلقة. ثم إنهم يقولون: إن عيسى عليه السلام قد صلب، وهم معذورون والحق سبحانه وتعالى قد عذرهم في ذلك فأورد التأريخ الحق العادل، حين يقول: {أية : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} تفسير : [النساء: 157]. لقد جعل الله لهم عذراً في أن يقولوا: إنه قتل أو صلب؛ لأنه شبه لهم وكان من المعقول أن يلتمسوا من الإسلام حلاً لهذه المشكلة، لأن الإسلام جاء ليقول: "لا، لقد شبه لكم، فما قتلوه وما صلبوه؛ لأن هذا الفعل - القتل أو الصلب - ينقض فكرتهم عن أنه إله أو ابن إله. لأن المصلوب لو كان إلهاً أو ابن إله، لكانت لديه القدرة التي تغلب الصالب، فكيف يعقل الإنسان أن ينقلب الإله - أو ابن الإله - مقدوراً عليه من مخلوق؟ والإسلام عندما يقول: إن عيسى ابن مريم لم يصلب فقد كرمه الله. وهكذا ترى أن الإسلام قد جاء ليصفي العقائد كلها من عيوب التحريف التي قام بها المتبعون لتلك الأديان. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعرض علينا قضية جدلية حدثت في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يخرج الناس - مسلمين ونصارى ويهودا - من هذه البلبلة، وأن يتم ذلك في مودة، لأنهم كلهم مؤمنون بالعبودية لمعبود واحد. فقد جاء وفد من نصارى نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، والتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لهؤلاء القوم جدل مع اليهود، ولهم جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان لليهود والنصارى معاً جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والجدل بين اليهود والنصارى مصدره أن لليهود والنصارى قولاً متضارباً في بعضهم بعضاً يرويه لنا الحق: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} تفسير : [البقرة: 113]. فاليهود يقولون: "كان إبراهيم يهودياً" والنصارى يقولون لا، كان "إبراهيم نصرانياً" وأما الجدل بين النصارى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسببه أنهم قد أرادوا ان يتكلموا في مسألة عيسى, وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يصفي القضية تصفية نهائية حتى لا تظل معلقة تلوكها الألسنة وتجعلها مثاراً للفتن. فلما اجتمع نصارى نجران تحت لواء رؤسائهم، ومن هؤلاء الرؤساء من اسمه السيد، ومنهم من يسمى العاقب صاحب المشورة، ومعهم قسيس، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا: إنه ابن الله. وقال لهم الرسول: إن عيسى عليه السلام قال: "إني عبد الله" وهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ إن كنت قد رأيت مثل ذلك فأخبرنا به. وهنا نزلت الآية الكريمة: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):