Verse. 352 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ مَثَلَ عِيْسٰى عِنْدَ اللہِ كَمَثَلِ اٰدَمَ۝۰ۭ خَلَقَہٗ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَہٗ كُنْ فَيَكُوْنُ۝۵۹
Inna mathala AAeesa AAinda Allahi kamathali adama khalaqahu min turabin thumma qala lahu kun fayakoonu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن مثل عيسى» شأنه الغريب «عند الله كمثل آدم» كشأنه في خلقه من غير أب وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس «خلقه» أي آدم أي قالبه «من تراب ثم قال له كن» بشرا «فيكون» أي فكان وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى، فكذا القول في عيسى عليه السلام، هذا حاصل الكلام، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، هذا تلخيص الكلام. ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: {مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } أي صفته كصفة آدم ونظيره قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] أي صفة الجنة. المسألة الثانية: قوله تعالى: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم، قال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا. المسألة الثالثة: اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية، وقال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [النساء: 1] وقال:{أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [الأعراف: 189] ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوهاً كثيرة أحدها: أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية والثاني: أنه مخلوق من الماء، قال الله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } تفسير : [الفرقان: 54] والثالث: أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ } تفسير : [السجدة: 7، 8] والرابع: أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12، 13] الخامس: أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } تفسير : [الصافات: 11] السادس: إنه مخلوق من صلصال قال تعالى: {أية : إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تفسير : [الحجر: 28] السابع: أنه مخلوق من عجل، قال تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } تفسير : [الأنبياء: 37] الثامن: قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } تفسير : [البلد: 4] أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: الأول: ليكون متواضعاً الثاني: ليكون ستاراً الثالث: ليكون أشد التصاقاً بالأرض، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض، قال تعالى: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] الرابع: أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، وخلق السمٰوات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهاناً باهراً ودليلاً ظاهراً على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس: خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئاً لنار الشهوة، والغضب، والحرص، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طيناً وهو قوله {إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } ثم إنه في المرتبة الرابعة قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع: أحدها: أنه من صلصال والصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت. والثاني: الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة، وتغير لونه إلى السواد. والثالث: تغير رائحته قال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } تفسير : [البقرة: 259] أي لم يتغير. فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام. المسألة الرابعة: في الآية إشكال، وهو أنه تعالى قال: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدماً على قول الله له {كُنَّ } وذلك غير جائز. وأجاب عنه من وجوه الأول: قال أبو مسلم: قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد، وأما قوله {كُنَّ } فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله {كُنَّ }. والجواب الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له {كُنَّ } أي أحياه كما قال: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً. أجاب القاضي وقال: بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي: إما المزاج المعتدل، أو النفس، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي، ولا شك أنها من أغمض المسائل. الجواب: الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك، تسمية لما سيقع بالواقع. والجواب الثالث: أن قوله {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [البلد: 17] ويقول القائل: أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين، ومراده: أعطيته اليوم ألفاً، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له {كُنَّ }. المسألة الخامسة: في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال: ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال: {كُنْ فَيَكُونُ }. والجواب: تأويل الكلام، ثم قال له {كُنْ فَيَكُونُ } فكان. واعلم يا محمد أن ما قال له ربك {كُنَّ } فإنه يكون لا محالة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} دليل على صحة القياس. والتشبيه واقع على أن عيسى خُلِقَ من غير أبٍ كآدم، لا على أنه خلق من تراب. والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد؛ فإن آدم خُلِقَ من تراب ولم يُخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أبٍ؛ ولأن أصلِ خلقتهما كان من تراب لأنّ آدم لم يخلق من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طيناً ثم جعله صلصالاً ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوّله من حال إلى حال، ثم جعله بشراً من غير أبٍ. ونزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله: حديث : «إن عيسى عبد الله وكلمته» فقالوا: أرِنا عبداً خلق من غير أب؛ فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «آدم من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا أُم»تفسير : . فذلك قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي في عيسى {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} في آدم {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}. وروي أنه عليه السلام. لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك. فقال: «حديث : كذبتم يمنعكم من الإسلام ثلاث: قولكم ٱتخذ الله ولداً، وأكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب»تفسير : . فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} إلى قوله: {فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم ٱضطرم الوادي عليكم ناراً. فقالوا: أما تَعرِض علينا سوى هذا؟ فقال: «حديث : الإسلام أو الجزية أو الحرب»تفسير : فأقرّوا بالجزية على ما يأتي. وتَمّ الكلام عند قوله «آدَمَ». ثم قال: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي فكان. والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. قال الفرّاء: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} مرفوع بإضمار هو. أبو عبيدة: هو ٱستئناف كلام وخبره في قوله {مِن رَّبِّكَ}. وقيل هو فاعل، أي جاءك الحق. {فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكاً في أمر عيسى عليه السلام.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} إن شأنه الغريب كشأن آدم عليه الصلاة والسلام. {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} جملة مفسرة للتمثيل مبينة لما به الشبه، وهو أنه خلق بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم، شبه حاله بما هو أغرب منه إفحاماً للخصم وقطعاً لمواد الشبهة والمعنى خلق قالبه من التراب. {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن} أي أنشأه بشراً كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا خَلْقًا آخَرَ}تفسير : [المؤمنون: 14] أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه، ويجوز أن يكون ثم لتراخي الخبر لا المخبر. {فَيَكُونُ } حكاية حال ماضية.

ابن كثير

تفسير : يقول جل وعلا: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ} في قدرة الله؛ حيث خلقه من غير أب {كَمَثَلِ ءَادَمَ} حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فالذي خلق آدم من غير أب وأم، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: {أية : وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} تفسير : [مريم: 21] وقال ههنا: { للهٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} أي: هذا القول هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه، ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} أي: نحضرهم في حال المباهلة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: نلتعن {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم، قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأويس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنَّس، وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم، وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد، وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر، فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس، وموّلوه، وأخدموه؛ لما يعلمونه من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية؛ لما يرى من تعظيمه فيها، وجاهه عند أهلها، قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات؛ جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : دعوهم»تفسير : ، فصلوا إلى المشرق، قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وكذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله؛ بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله آية للناس، ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم ـ تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ـ وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أسلما»تفسير : قالا: قد أسلمنا، قال: «حديث : إنكما لم تسلما فأسلما»تفسير : . قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «حديث : كذبتما، يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير»تفسير : . قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم، إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط، فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا، قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين»تفسير : فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجراً، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه وشماله، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: «حديث : اخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه»تفسير : . قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة رضي الله عنه. وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخر. وقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة رضي الله عنه، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: «حديث : لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين»تفسير : فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : قم يا أبا عبيدة بن الجراح»تفسير : فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هذا أمين هذه الأمة» تفسير : رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، بنحوه، وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل عن أَبي إسحاق، عن صلة، عن ابن مسعود بنحوه. وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا قرة عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته، قال: فقال: «حديث : لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت، لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً»تفسير : . وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جداً، ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه غرابة، وفيه مناسبة لهذا المقام، قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أبو سعيد محمد ابن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس: - وكان نصرانياً فأسلم ـ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: «حديث : باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران: سلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام»تفسير : . فلما أتى الأسقف الكتاب، وقرأه، فظع به، وذعره ذعراً شديداً، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل، فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل؟ ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي، واجتهدت لك، فقال الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى عبد الله فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث ابن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف، فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله. وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة، وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً، فلم يكلمهم، وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا كتاباً، فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي ابن أبي طالب، وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودون إليه، ففعلوا، فسلموا عليه، فرد سلامهم، ثم قال: «حديث : والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم»تفسير : . ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبياً أن نسمع ما تقول فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى» تفسير : فأصبح الغد، وقد أنزل الله هذه الآية: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} ـ إلى قوله ـ {ٱلْكَاذِبِين} فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمراً ثقيلاً، والله لئن كان هذا الرجل ملكاً مبعوثاً فكنا أول العرب طعناً في عينيه ورداً عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جواراً، ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه، لا يبقى منا على وجه الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: أرى أن أحكمه، فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً، فقالا له: أنت وذاك، قال: فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك. فقال: «حديث : وما هو؟»تفسير : فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لعل وراءك أحداً يثرب عليك»تفسير : ؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما، فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب: «حديث : بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب النبي محمد رسول الله لنجران ـ إن كان عليهم حكمه ـ في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة»تفسير : وذكر تمام الشروط وبقية السياق. والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 29] الآية، وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا، وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً»تفسير : قال جابر: وفيهم نزلت: {نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} قال جابر: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، {وَأَبْنَآءَنَا}: الحسن والحسين، {وَنِسَآءَنَا}: فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، هكذا قال. وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة عن الشعبي مرسلاً، وهذا أصح، وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك. ثم قال الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: عن هذا إلى غيره {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي: من عدل عن الحق إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء، سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ } شأنه الغريب {عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } كشأنه من غير أب وهو تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس {خَلَقَهُ } أي آدم أي قالبه {مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } بشراً {فَيَكُونُ } أي فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان.

الشوكاني

تفسير : تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقاً من غير أب كآدم، ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة، وهو كونه لا أمّ له: كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه، وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه، وأعظم عجباً، وأغرب أسلوباً. وقوله: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة مفسرة لما أبهم في المثل، أي: أن آدم لم يكن له أب، ولا أم، بل خلقه الله من تراب. وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من غير أب مع اعترافه بأنّ آدم خلق من غير أب، وأمّ. قوله: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي: كن بشراً، فكان بشراً. وقوله: {فَيَكُونُ } حكاية حال ماضية، وقد تقدّم تفسير هذا. وقوله: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } قال الفراء: هو مرفوع بإضمار هو. وقال أبو عبيدة: هو استئناف كلام، وخبره قوله: {مِن رَبّكَ } وقيل: هو فاعل فعل محذوف، أي: جاءك الحق من ربك. قوله: {فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أي: لا يكن أحد منكم ممترياً، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون النهي له لزيادة التثبيت؛ لأنه لا يكون منه شك في ذلك. قوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } هذا وإن كان عاماً، فالمراد به الخاص، وهم النصارى الذين وفدوا إليه صلى الله عليه وسلم من نجران، كما سيأتي بيانه، ويمكن أن يقال هو على عمومه، وإن كان السبب خاصاً، فيدل على جواز المباهلة منه صلى الله عليه وسلم لكل من حاجه في عيسى عليه السلام، وأمته أسوته، وضمير {فيه} لعيسى؛ والمراد بمجيء العلم هنا: مجيء سببه، وهو: الآيات البينات، والمحاجة: المخاصمة، والمجادلة. وقوله: {تَعَالَوْاْ } أي: هلموا، وأقبلوا، وأصله الطلب لإقبال الذوات، ويستعمل في الرأي إذا كان المخاطب حاضراً، كما تقول لمن هو حاضر عندك: تعال ننظر في هذا الأمر. قوله: {نَدْعُ أَبْنَاءنَا } الخ اكتفى بذكر البنين عن البنات، إما لدخولهن في النساء، أو لكونهم الذين يحضرون. مواقف الخصام دونهن، ومعنى الآية: ليدع كل منا ومنكم أبناءه، ونساءه، ونفسه إلى المباهلة. وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه صلى الله عليه وسلم أراد بالأبناء الحسنين، كما سيأتي. قوله: {نَبْتَهِلْ } أصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء باللعن، وغيره، يقال بهله الله، أي: لعنه، والبهل: اللعن. قال أبو عبيد، والكسائي: نبتهل نلتعن، ويطلق على الاجتهاد في الهلاك، ومنه قول لبيد:شعر : فِي كُهُول سَادَةٍ مِنْ قَوْمِه نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيهم فابْتَهَلْ تفسير : أي: فاجتهد في هلاكهم. قال في الكشاف: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعانا. قوله: {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } عطف على نبتهل مبين لمعناه {إِنَّ هَذَا } أي: الذي قصه الله على رسوله من نبأ عيسى {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } القصص التتابع، يقال: فلان يقص أثر فلان، أي: يتبعه، فأطلق على الكلام الذي يتبع، بعضه بعضاً، وضمير الفصل للحصر، ودخول اللام عليه لزيادة تأكيده ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبره، وزيادة "من" في قوله: {مِنْ إِلَـهٍ } لتأكيد العموم، وهو ردّ على من قال بالتثليث من النصارى. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث حذيفة: أن العاقب، والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبياً، فلاعننا لا نفلح أبداً نحن، ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً، فقال: حديث : قم يا أبا عبيدة، تفسير : فلما قام قال: حديث : هذا أمين هذه الأمة. تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبد الله، قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، وأنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل، فقال: قل لهم إذا أتوك: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ } إلى آخر الآية. وقد رويت هذه القصة على وجوه، عن جماعة من التابعين. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن جابر قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد، فقال: حديث : كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام، تفسير : قالا فهات. قال: حديث : حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. تفسير : قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا، لأمطر الوادي عليهما ناراً. قال جابر: فيهم نزلت: {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وأبناءكم} الآية. قال جابر: {أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليّ، وأبناءنا الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة. ورواه أيضاً الحاكم، من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن نلاعنك؟ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص: قال لما نزلت هذه الآية: {قُلْ تَعَالَوْاْ } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". وأخرج ابن عساكر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا } الآية، قال: فجاء بأبي بكر، وولده، وبعمر، وولده، وبعثمان، وولده، وبعليّ، وولده. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، "وهذا الدعاء"، فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدّاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} فيه تأويلان: أحدهما: في عيسى. والثاني: في الحق. {مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} والذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة هم نصارى نجران. وفي قوله: {نَبْتَهِلْ} تأويلان: أحدهما: معناه نلتعن. والثاني: ندعو بهلاك الكاذب، ومنه قول لبيد: شعر : ………………… نظر الدهر إليهم فابتهل تفسير : أي دعا عليهم بالهلاك. فلما نزلت هذه الآية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم دعا النصارى إلى المباهلة، فأحجموا عنها، وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ...} الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نَصَارَىٰ نَجْرَانَ في أمر عيسَىٰ، وقولُهم: يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَراً قَطُّ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ، ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسَىٰ هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ؛ إذ الناسُ مُجْمِعُونَ علَىٰ أنَّ اللَّه تعالَىٰ خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس. وقوله تعالى: {ثُمَّ قَالَ} ترتيبٌ للأخبار لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، المعنى: خَلَقَهُ من تُرَابٍ، ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ قال له: كُنْ وقْتَ كذا. وقوله تعالى: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ}، أي: هذا هو الحقُّ، و {ٱلْمُمْتَرِينَ}: هم الشاكُّونَ، ونُهِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في عبارةٍ ٱقتضَتْ ذَمَّ الممترين؛ وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالاِمتراء غَيْرُهُ ونُهِيَ عن الاِمتراء، مع بُعْده عنه علَىٰ جهة التثْبِيتِ والدَّوام على حاله. وقوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ}، أي: في عيسَىٰ، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء هو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة. وقوله: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ}: استدعاءٌ للمُبَاهَلَة، و {تَعَالَوْاْ}: تَفَاعَلُوا؛ من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولاً تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم ٱطردَتْ؛ حتى يقولها الإنسان لعدُوِّه، وللبهيمةِ، و {نَبْتَهِلْ}: معناه: نَلْتَعِن، ويقال: عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهالُ: الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره: «إن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لما دَعَا نَصَارَىٰ نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا: دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا تَرَىٰ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّصَارَىٰ، وَاللَّهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّداً النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَأَنَّهُ الاسْتئْصَالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عيْهِ مِنَ القَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ، وَٱنْصَرِفُوا إلَىٰ بِلاَدِكُمْ؛ حَتَّىٰ يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فَأْتُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نَبْقَىٰ عَلَىٰ دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ عَلَىٰ أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ٱبْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ ٱخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا؛ فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى». قال * ع *: وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم شاهدٌ عظيمٌ علَىٰ صحَّة نبوَّته صلى الله عليه وسلم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدْعَىٰ لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.

ابن عادل

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ} جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها تعلقاً صناعياً، بل معنويًّا. وزعم بَعْضهُمْ أنها جواب القسم، وذلك القسم هو قوله: {وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} كأنه قيل: أقسم بالذكر الحكيم أنَّ مثل عيسى، فَيَكُونُ الْكَلاَمُ قد تم عند قوله: {مِنَ الآيَاتِ} ثم استأنف قسماً، فالواو حَرْف جَرٍّ، لا عطف وهذا بَعِيدٌ، أو مُمْتَنعٌ؛ إذ فيه تفكيكٌ لنَظْم القرآنِ، وإذْهاب لرونقه وفصاحته. قوله: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} في هذه الجملة وَجْهَانِ: أظهرهما: أنها مفسِّرة لوجه الشبه بين المثلين، فلا مَحَلَّ لَهَا حينئذٍ مِنَ الإعْرَابِ. الثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدَمَ عليه السلام و "قد" معه مضمرة، والعامل فيها معنى التشبيه والهاء في "خَلَقَهُ" عائدة على "آدم" ولا تعود على "عِيْسَى" لِفَسَادِ المعنى. وقال ابن عطية: "ولا يجوز أن تكون خَلَقَه [صفة] لآدم ولا حالاً منه". قال الزّجّاج: إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيها, بل هو كلامٌ مَقْطُوعٌ منه مَضمَّن تفسير الْمَثَلِ، كما يقال في الكَلامِ: مثلك مثل زيد، يشبه في امر من الأمور، ثم يخبر بقصة زيد، فيقول: فعل كذا وكذا. قال أبو حيّان: "وَفيهِ نَظرٌ" ولم يُبَيِّنُ وَجْهَ النظر. قال شهاب الدِّينِ: "والظاهر من هذا النظر أن الاعتراضَ - وهو قوله: لا يكون حالاً أنت فيها غير لازمٍ؛ إذ تقدير "قَدْ" تُقَرِّبُه من الحال. وقد يظهر الجوابُ عما قاله الزَّجَّاجُ من قول الزمخشريِّ: قدره جسداً من طين {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} أي: أنشأه بَشَراً". قال أبو حيّان: ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء - لا بمعنى التقدير - لم يأت بقوله: "كُنْ"؛ لأن ما خلق لا يقال له: كُنْ، ولا ينشأ إلا إن كان معنى: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن} عِبَارةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. وقال الواحديُّ: قوله {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} لَيْسَ بِصِلَةٍ لآدم وَلاَ صِفَةٍ؛ لأن الصِّلَةَ للمبهمات، والصفة للنَّكِرِاتِ، ولكنه خبر مُسْتَأنَف على وجه التفسِيرِ لحال آدمَ عليه السلام. وعلى قول الزجّاج: {مِن تُرَابٍ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بـ "خَلَقَهُ" أي: ابتدأ خلقه من هذا الجنس. الثاني: أنه حال من مفعول "خلقه" تقديره: خلقه كائناً من تراب، وهذا لا يساعده المعنى. وَالْمَثَلُ هاهنا منهم من فسَّره بمعنى الحال والشأن. قال الزَّمَخْشَريُّ: "إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدمَ". وعلى هذا التفسير فالكاف على بابها - من كونها حرف تشبيه - وفسَّر بعضُهم المثل بمعنى الصفة، كقوله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الرعد: 35]، أي: صفة الجنة. قال ابنُ عَطِيَّة: وهذا عندي خطأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكلام، وإنما المعنى: أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمُتَصَوَّر من آدمَ؛ إذ النّاس كلهم مُجْمِعُون على أن الله - تعالى - خلقه من تراب، من غير فحل، وكذلك قوله: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ} عبارة عن المُتَصَوَّر منها. والكاف في "كَمَثَلِ" اسم على ما ذكرناه من المعنى. قال أبو حيّان: "ولا يظهر لي فرق بين كلامه هذا وكلام مَنْ جعل المثل بمعنى الشأن والحَال أو بمعنى الصفةِ". [قَالَ شِهَابُ الدِّينِ: قَد تَقَدَّمَ فَي أوَّلِ الْبَقَرةِ أنَّ الْمَثَلَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَن الصِّفَةِ، وَقَدْ لا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَغَايُرِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلاَمُ النَّاسِ فِيهِ، ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ "ريِّ الظَّمآنِ" عن الفارسيّ الْجَميعِ، وقَالَ: "المَثَلُ بِمعنَى الصِّفَةِ، لا يمكن تَصْحِيحُهُ فِي اللُّغَةِ، إنَّمَا الْمثَلُ التشبيه على هذا تدور تصاريفُ الكلمةِ، ولا معنى للوصفية في التشابه؛ ومعنى المثل] في كلامهم أنها كلمة يُرْسِلها قائلُها لحكمة تُشَبَّه بها الأمور، وتقابَل بها الأحوال وقد فرق بين لفظ المثل في الاصطلاح وبين الصفة. قال بعضهم: إن الكافَ زائدة. وقال آخرون: إنّ "مَثَلاً" زائدة فحصل في الكافِ ثَلاَثَةُ أقوالٍ: قيل: أظهرها: أنها على بابها من الحرفية وعدم الزيادة وقد تقدم تحقيقه. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: كيف شُبِّه به وقد وُجِد هو بغير أب ووُجِد آدم من غير أب ولا أمٍّ؟ قلت: هو مثله في أحد الطَّرَفَيْنِ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شُبِّه به في أنه وُجِد وجوداً خارجاً عن العادةِ المستمرةِ، وهما في ذلك يظهران، ولأن الوجود من غير أب ولا أمٍّ أغرب وأخرق للعادةِ من الوجود من غيرأب، فشبَّه الغريبَ بالأغرب؛ ليكون أقطعَ للخَصْم، وأحسم لمادة شُبْهَتِه، إذا نُظِّر فيما هو أغرب مما اسْتَغْرَبَه". فصل قال القرطبيُّ: "دَلَّت هذه الآية على صحةِ القياسِ. والتشبيه واقع على أن عيسى خُلِقَ من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من ترابٍ، والشيء قد يُشَبَّه بالشيء - وإن كان بينهما فرقٌ [كَبِيرٌ] - بعد أن يَجْتَمِعَا في وصف واحدٍ". وعن بعض العلماء أنه أسِر بالروم، فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أبَ لَه. قال: فآدم أوْلَى؛ لأنه لا أبوين له، قالوا: فإنه كان يُحْيي الموتَى؟ قال: فحَزقيل أوْلَى؛ لأن عيسى أحْيَى أربعةَ نفر، وحزقيل أحْيَى ثَمَانِيةَ آلاف، قالوا: فإنه كان يُبْرِئُ الأكمه والأبرص. قال: فجَرْجيس أوْلَى؛ لأنه طُبخَ، وأحرق، وخَرَجَ سَالِماً. قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} اختلفوا في المقول له: كُنْ، فالأكثرون على أنه آدم - عليه السلام - وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: كن قبل أن يخلقَه لا بعده، وهاهنا يقول: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن}. والجوابُ: أن الله - تعالى - أخبرنا - أولاً - أنه خلق آدم من غير ذَكَرٍ، ولا أنثى، ثم ابتدأ أمراً آخر - يُريد أن يُخْبرَنا به - فقالَ: إني مُخبِرُكم - أيضاً بعد خبري الأولِ - أني قلتُ له: كُن فكان، فجاء "ثُمَّ" لمعنى الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذكر؛ لأنَّ الخلقَ تقدم على قوله: "كُنْ". وهذا كما تقولُ: أخْبِرُكَ أنِّي أعطيكَ اليومَ ألفاً ثم أخبرك أني أعطيتك أمسَ ألفاً، فـ "أمسِ" متقدم على "اليوم" وإنما جاء بـ "ثُمَّ"؛ لأنَّ خبرَ "اليومَ" متقدِّمٌ خبر "أمس"؛ حيث جاء خبرُ "أمس" بعد مُضِيِّ خَبَر "اليوم" ومثله قوله: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] - وقد خَلَقَنا بعد خلق زَوْجِها، ولكن هذا على الخبر دون الخلق؛ لأنَّ التأويلَ: أخبركُمْ أني قد خلقتُكُم من نفسٍ واحدةٍ -؛ لأن حواءَ قد خُلِقَتْ من ضِلعِهِ ثم أخبركم أني خَلَقْتُ زَوْجَهَا منها. ومثل هذا قول الشاعر: [الخفيف] شعر : 1490- إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ ثُمَّ قَدْ سَادَ بَعْدَ ذَلِكَ جَدُّهُ تفسير : ومعلوم أن الأبَ متقدِّمٌ له، والجدُّ متقدمٌ للأبِ، فالترتيب يعود إلى الخبرِ لا إلى الوجودِ، كقولهِ: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد: 17] فكذا قوله: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} أي: صيَّره خلْقاً سَويًّا، ثم إني أخبرُكم أني إنما خلقتُه بأن قُلتُ لَهُ: كُنْ. فالتراخي في الخبرِ، لا في هذا المخبرِ عن ذلك المخبر. ويجوز أن يكون المرادُ أنَّهُ خلقَهُ قالباً من ترابٍ، ثم قال له: كُنْ بَشَراً. فإن قيل: الضميرُ في قوله: {خَلَقَهُ} راجع إلى آدم، وحين كان تراباً لم يكن آدم موجوداً. فالجواب: أن ذلك الهيكل لما كان بحيث يصير آدم عن قريب سماه آدم؛ تسمية للشيء بما يئول إليه. قال أبُو مُسْلِم: "قد بَيَّنَّا أن الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علم الله - تعالى - بكيفية وقوعه، وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص، وكل ذلك مُتَقدِّم في الأزل، وأما قوله: كن، فهو عبارة عن إدخاله في الوجود، فثبت أن خلق آدم متقدِّم على قوله: كن". وقال بعضهم: المقول له: كن هو عيسى، ولا إشكال على هذا. قوله: {فَيَكُونُ} يجوز أن يكون على بابه من كونه مستقبلاً، والمعنى: فيكون كما يأمر الله - تعالى - فيكون حكاية للحال التي يكون عليها آدم. قال بعضُهُمْ: معناه: اعلم يا محمد أن ما قال له ربُّك: كن فإنه يكون لا محالة. ويجوز أن يكون {فَيَكُونُ} بمعنى: "فكان" وعلى هذا أكثر المفسِّرين، والنحويين، وبهذا فَسَّرَهُ ابنُ عبَّاس رضي الله عنه. فصل أجمع المفسّرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران وذلك حديث : أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك تشتم صاحِبَنَا؟ قال: ومَا أقُولُ؟ قالوا: تقول: إنه عَبْدٌ، قَالَ: أجلْ، هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمتُهُ ألْقَاهَا إلَى الْعَذْرَاء الْبَتُولِ، فغَضِبُوا، وقالوا: هل رأيت إنساناً - قطُّ - من غير أب؟ فقال {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} تفسير : كأنهم قالوا: يا محمد لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله، فَقَالَ: إنَّ آدَمَ مَا كَانَ لَهُ أبٌ وَلاَ أمٌّ وَلَمْ يَلْزَمْ أن يَكُونَ أبُوهُ هُوَ الله، وأنْ يَكَونَ ابْناً للهِ، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي عِيسَى، وأيضاً إذَا جَازَ أن يَخْلُقَ اللهُ آدَمَ مِن التراب، فلم لا يجوز أن يخلُقَ عيسَى منْ دمِ مَرْيَمَ؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولُّد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولُّده من التراب اليابس. فصل اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوقاً بوالد لا إلى أول، وهو مُحَالٌ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم. لقوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] ثُم إنه - تعالى - ذكر في كيفية خلق آدمَ وجوهاً كثيرةً: أحدها: أنه مخلوق من التراب - كما في هذه الآية. الثاني: أنه مخلوق من الماء، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً}تفسير : [الفرقان: 54]. الثالث: أنه مخلوق من الطين، قال تعالى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ}تفسير : [السجدة: 7]. رابعها: أنه مخلوق من سلالة من طين، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12]. خامسها: أنه مخلوق من طين لازبٍ، قال تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} تفسير : [الصافات: 11]. سادسها: أنه مخلوق من صلصال من حَمَأ مسنون. سابعها: أنه [خلق] من عَجَلٍ. ثامنها: قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} تفسير : [البلد: 4]. قال الحكماء: إنما خُلِق آدمُ من التراب؛ لوجوهٍ: الأول: ليكون متواضعاً. الثاني: ليكون سَتَّاراً. الثالث: إذا كان من الأرض ليكون أشدَّ التصاقاً بالأرض؛ لأنه إنما خلق لخلافة الأرض؛ لقوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]. الرابع: أراد الحق إظهار القدرة، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرامِ، وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام، وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام، ثم أعطاهم المعرفة والنور والهداية، وخلق السموات من أمواج مياه البحر، وأبقاها مُعَلَّقة في الهواء، حتى يكون خلقه هذه الأجرام بُرْهاناً باهِراً، ودليلاً ظاهراً على أنه - تعالى - هو المدبر بغير احتياج. الخامس: خلق الإنسان من تراب، فيكون مُطْفِئاً لنار الشهوة، والغضب، والحِرْص؛ فإن هذه النيران لا تنطفئ إلا بالتراب، وإنما خلقه من الماء ليكون صافياً، تتجلَّى فيه صُوَرُ الأشياء، ثم إنه - تعالى - فرج بين الأرض والماء ليمتزجَ اللطيفُ بالكثيفِ، فيصير طيناً، وهو قولُهُ: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} تفسير : [ص: 71] ثم إنه في المرتبةِ الرابعة قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] والسلالةُ بمعنى المسلولةِ قال: فعالة بمعنى مفعولة؛ لأنها هي التي من ألطف أجزاء الطين، ثم إنه في المرتبة الخامسة جعله طيناً لازباً، فقال: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} تفسير : [الصافات: 11] ثم إنَّه في المرتبةِ السادسةِ أثبت له ثلاثةَ أنواعٍ من الصفاتِ: أحدها: أنَّه صلصالٌ، والصلصالُ: اليابسُ الذي إذا حُرِّك تصلصلَ، كالخزفِ الذي يُسْمَع مِنْ داخلهِ صوتٌ. الثاني: الحمأ، وهو الذي استقر في الماء مُدَّةً، وتغيَّر لونُه إلى السَّوادِ. الثالث: تغيُر رائحته، وهو المسنونُ، قال تعالى: {أية : فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}تفسير : [البقرة: 259]، أي: لم يتغيَّر. قوله: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يجوزُ أنْ تكونَ هذه الجملةُ مستقلةً برأسِهَا والمعنى أنَّ الحقَّ الثابت الذي لا يضمحلّ هو مِنْ ربك، ومن جملةِ ما جاء مِنْ ربكَ قصةُ عيسى وأمُهُ، فهو حقٌّ ثابتٌ. ويجوز أن يكونَ "الحقُّ" خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: ما قَصَصْنَا عليكَ من خبرِ عيسى وأمه، وحُذِفَ لكونه معلوماً. و {مِّن رَّبِّكُمْ} على هذا - فيهِ وجهانِ: أحدهما: أنه حال فيتعلق بمحذوف. والثاني: أنه خبر ثان - عند من يجوز ذلك وتقدم نظير هذه الجملة في البقرة. وقال بعضهم: "الحق رفع بإضمار فعل، أي: جاءك الحق". وقيل: إنه مرفوع بالصفة، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: من ربك الحق. والامتراء: الشك. قال ابنُ الأنباريِّ: هو مأخوذٌ من قول العرب: مَرَيْتُ الناقة والشاة - إذا حلبتهما - فكأن الشاك يجتذب بشكِّه شَرًّا - كاللبن الذي يُجْتَذَب عند الحلب. ويقال قد مارى فلان فلاناً - إذا جادله - كأنه يستخرج غضبه، قال ابنُ عبّاسٍ لعمر رضي الله عنهما: لا أماريك أبَداً. ومنه قيل: الشكر يَمْتَرِي المزيد؛ أي: يجلبه. فصل هذا الخطابُ - في الظاهر - مع النبي صلى الله عليه وسلم واختُلِفَ في تأويلِهِ: فقيل إن هذا الخطاب - وإن كان ظاهره مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى مع الأمة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكاً في أمر عيسى، فهو كقوله: {أية : يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1]. وقيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه أنه من باب الإلهاب والتهييج على الثبات على ما هو عليه من الحق أي: دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من تَرْك الامتراء. فصل ومعنى الآية فيه قولان: أحدهما: قال أبو مسلم: معناه أن هذا الذي أنزلتُ عليك - من حبر عيسى - هو الحقُّ، لا ما قالت النصارى واليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت إلَهاً، واليهود رَمَوْا مريم عليها السلام بالإفك، ونسبوها إلى يوسف بن يعقوب النجار، فالله - تعالى - بَيَّن أن هذا الذي نزل في القرآن هو الحق، ثم نهى عن الشك فيه. الثاني: ما ذكرنا من المثل - وهو قصة آدم - فإنه لا بيان لهذه المسألة، ولا برهان أقوى من التمسُّك بهذه الواقعةِ.

البقاعي

تفسير : ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال: {إن مثل عيسى} أي في كونه من أنثى فقط {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في إخراجه من غير سبب حكمي عادي {كمثل آدم} في أن كلاًّ منهما أبدع من غير أب، بل أمر آدم أعجب فإنه أوجده من غير أب ولا أم، ولذلك فسر مثله بأنه {خلقه} أي قدره وصوره جسداً من غير جنس البشر، بل {من تراب} فعلمنا أن تفسير مثل عيسى كونه خلقه من جنس البشر من أم فقط بغير أب، فمثل عيسى أقل غرابة من هذه الجهة وإن كان أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله، فلذلك كان مثل آدم مثلاً له موضحاً لأنه مع كونه أغرب اشهر (وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ وغيره كما في غير هذا الموطن، لأن التراب أغلب أجزائه ولأن المقام لإظهار العجب، وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم الباهرة من التراب الذي هو أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم من عنصر نير أعجب). ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى، ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلاًّ منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان كل جماع موجباً للولد وكل تراب موجباً لتولد الحيوان منه، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجباً للحبل وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعاً أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريباً: إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولاداً لإبراهيم، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب، بل كلها في قدرته سواء، وإلى ذلك أشار قوله: {ثم قال له كن} أي بشراً كاملاً روحاً وجسداً، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في {فيكون *} دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويراً لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيهاً على أن هذا هو الشأن دائماً، يتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلاً - كما تقدم التصريح به في آية {أية : إذا قضى أمراً}تفسير : [البقرة: 117] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن معتقدهم وفد نجران، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم الأسماء كلها وسجد له الملائكة، لا بخالقه ومكونه تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلاً مبدؤه السلالة الطينية، وغايته النفخة الأمرية، وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام مثلاً مبدؤه الروحية والكلمة، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية، حتى قال صلى الله عليه وسلم: إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية في الآدمية وليكون مثلاً واحداً أعلى جامعاً {أية : وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}تفسير : [الروم: 27] - انتهى. ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال: {الحق} أي الكامل في الثبات كائن {من ربك} أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالاً، ولما تسبب عما مضى نقلاً وعقلاً الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال: {فلا تكن من الممترين *} مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها، وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى، يتناقلونه معتقدين ما فيه، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه، لكنهم لا يتدبرون، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام: اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك، ثم قال: هكذا يقول: يقول الرب: أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك، أنا الذي خلقت الكل، وأنا الذي مددت السماء وحدي، وأنا الذي ثبتّ الأرض، أنا الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلاً، وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول رسلي؛ ثم قال: أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري: لماذا تصنعني؟ أو لعله يقول له: لست أنا من صنعتك، الويل للذي يقول لأبيه: لماذا ولدتني؟ أو لأمه: لماذا حبلت بي؟ هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل ومخلصه: أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها، وجعلت فيها الكواكب البهية. ذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة التي في أيدي النصارى اليوم، وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق من المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثاً واحداً: قال متى - ومعظم السياق له -: كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم قال: لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى زربابل أربعة عشر جيلاً، ومن زربابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً؛ لما خطبت مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا وجدت حبلاً من روح القدس، وكان يوسف خطيبها صديقاً ولم يرد أن ينشرها، وهم بتخليتها سراً، وفيما هو مفكر في هذا إذا ظهر له ملاك الرب في الحلم قائلاً: يا يوسف بن داود! لا تخف أن تأخذ مريم خطيبتك، فإن الذي تلده هو من روح القدس، وستلد ابناً ويدعى اسمه يسوع، وهو يخلص شعبه من خطاياهم، هذا كله كان لكي يتم ما قيل من قبل الرب على لسان النبي القابل: ها هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعى اسمه "عمانويل" الذي تفسيره: الله معنا، فقام يوسف من النوم وصنع كما أمره ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم يعرفها حتى ولدت ابناه البكر، ودعي اسمه يسوع. وفي إنجيل لوقا: ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن زكريا عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر بأن يكتب جميع المسكونة هذه الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام، فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد منهم في مدينته، فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لأنه كان من بيت داود وقبيلته ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى، فبينما هما هناك إذ تمت أيام ولادتها لتلد، فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن لهما موضع حيث نزلا، وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوباً على مراعيهم، وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم، فخافوا خوفاً عظيماً، قال لهم الملاك: لا تخافوا الآن، هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعوب، لأنه ولد لكم اليوم مخلص، الذي هو المسيح في مدينة داود، وهذه علامة لكم أنكم تجدون طفلاً ملفوفاً موضوعاً في مزود، وللوقت بغتة تراءى مع الملاك جنود كثيرة سماويون، يسبحون الله سبحانه وتعالى ويقولون: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة؛ فلما صعد الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: امضوا بنا إلى بيت لحم لننظر الكلام الذي أعلمنا به الرب، فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل موضوعاً في مزود؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم عن الصبي حق، وكل من سمع تعجب مما تكلم به الرعاة، وكانت مريم تحفظ هذا الكلام كله وتقيه، ورجع الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ما سمعوا وعاينوا كما قيل لهم. ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه الملاك قبل أن تحبل به في البطن، فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ناموس موسى - صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم أمه يدعى قدوس الرب، ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس الرب - زوج يمام أو فرخا حمام؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون، وكان رجلاً باراً تقياً، يرجو عز بني إسرائيل، وروح القدس كان عليه، وكان يوحى إليه من روح القدس أنه لا يموت حتى يعاين المسيح الرب، فأقبل بالروح إلى الهيكل عندما جاؤوا بالطفل يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس، فحمله على ذراعه وبارك الرب قائلاً: الآن يا سيد! أطلق عبدك بسلام لكلامك، لأن عيني أبصرتك خلاصك الذي أعددت قدام جميع الشعوب، نور استعلن للأمم ومجد لشعبك إسرائيل، وكان يوسف وأمه يتعجبان مما يقال عنه، وباركهما شمعون وقال لمريم أمه: هوذا هذا موضوع لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل. وكانت حنة النبية ابنة فانوئل من سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع زوجها سبعة وستين بعد بكوريتها، وترملت أربعة وثمانين عاماً غير مفارقة للهيكل عائدة للصّوم، وللطلبة ليلاً ونهاراً، وفي تلك الساعة جاءت قدامه معترفة لله وكانت تتكلم من أجله عند كل أحد، تترجى خلاص يروشليم، فلما أكملوا كل شيء على ما في ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة، فأما الصبي فكان ينشأ ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة، ونعمة الله كانت عليه، وأبواه يمضيان إلى يروشليم في كل سنة في عيد الفصح. وقال متى: فلما ولد يسوع في بيت لحم يهودا في أيام هيرودس الملك إذا مجوس وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود لأنا رأينا نجمة في المشرق، ووافينا لنسجد له، فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجمع يروشليم وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واتسخبرهم: أين يولد المسيح؟ فقالوا له: في بيت لجحم أرض يهودا - كما هو مكتوب في النبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهودا لست بصغيرة في ملوك يهود، يخرج منك مقدم، الذي يرعى شعب بني إسرائيل. حينئذ دعا هيرودس والروم المجوس سراً، وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم وأرسلهم إلى بيت لحم قائلاً: امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد، فإذا وجدتموه فأخبروني لآتي أنا وأسجد له، فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً، وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي، مع مريم أمه، فخروا له سجداً وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهباً ولُباناً ومُرّاً، وأنحى إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيردوس، بل يذهبوا في طريق أخرى إلى كورتهم، فلام ذهبوا وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلاً: قم، خذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر وكن هناك حتى أقول لك, فإن هيردوس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي أمه ليلاً، ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من قبل الرب بالنبي القابل من مصر: دعوت ابني؛ حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس به غضب جداً وأرسل، فقتل كل صبيان بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون، كنحو الزمان الذي تحقق عنده من المجوس، حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي حيث يقول: صوت سمع في الزأمة، بكاء ونوح وعويل كثير، راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزى لفقدهم؛ فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم بمصر قائلاً: قم، خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل؛ فما سمع أن أورشلاوش قد ملك على اليهودية عوض هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك، فأخبر في الحلم وذهب إلى حور ناحية الجليل، فأتى وسكن في مدينة تدعى ناصرة لكي يتم ما قيل في الأنبياء: إنه يدعى ناصريا وفي إنجيل لوقا: فلما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى يروشليم إلى العيد كالعادة، فلما كملت الأيام ليعودوا تخلف عنهما يسوع في يروشليم ولم تعلم أمه ويوسف، لأنهما كانا يظنان أنه مع السائرين في الطريق، فلما ساروا نحو يوم طلباه عند أقربائهما ومعارفهما فلم يجداه، فرجعا إلى يروشليم يطلبانه، وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالساً بين العلماء يسمع منهم ويسألهم، وكان كل من يسمعه مبهوتين من علمه وإجابته لهم، فلما أبصراه بهتا، فقالت له أمه: يا بني! ما هذا الذي صنعت بنا؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد معذبين، فقال لهما: لم تطلباني؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي لأبي؟ فأما هما فلم يفهما الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان يطيعهما، فأما يسوع فكان ينشأ في قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله والناس. قال متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا - إلى آخر ما تقدم آنفاً من بشارة يحيى عليه الصلاة والسلام به، ثم قال: حينئذ أتى يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنا، فامتنع يوحنا منه وقال: أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي، فأجاب يسوع: دع الآن، هكذا يجب لنا أن نكمل كل البر، حينئذ تركه فاعتمد يسوع، وللوقت صعد من الماء فانفتحت له السماوات، ورأى روح الله نازلاً كمثل حمامة جائياً إليه. وقال مرقس: وكان تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن من يوحنا، فساعة صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت، وروح القدس كالحمامة نزلت عليه، وللوقت أخرجه الروح إلى البرية، وأقام بها أربعين يوماً وأربعين ليلة، وهو مع الوحوش، والملائكة تخدمه. وقال متى: وصام أربعين يوماً وأربعين ليلة. وقال لوقا: وكان لما اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع فبينما هو يصلي انفتحت السماء ونزل عليه روح القدس شبه جسد حمامة، وكان قد صار ليسوع ثلاثون سنة وكان يُظنّ أنه ابن يوسف وأن يسوع امتلأ من روح القدس ورجع من الأردن، فانطلق به الروح أربعين يوماً، لم يأكل شيئاً في تلك الأيام؛ ثم قال: ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح وخرج خبره في كل الكورة، وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد، وجاء إلى الناصرة حيث كان تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت، وقام ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي, فلما فتح السفر وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب عليّ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر المأسورين بالتخلية والعميان بالنظر، وأرسل المربوطين بالتخلية، وأبشر بالسنة المقبولة للرب والأيام التي أعطانا إلهنا؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم وجلس، وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه، فبدأ يقول لهم: اليوم كمل هذا المكتوب بأسماعكم؛ وفي إنجيل يوحنا: إن يسوع قال: إن كنت أنا أشهد لنفسي فليست شهادتي حقاً، ولكن الذي يشهد لي بها حق، أنتم أرسلتم إليّ يوحنا فشهد لي بالحق، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد، لا تظنوا أني أشكوكم، إن لكم من يشكوكم: موسى الذي عليه تتوكلون، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي، لأن ذلك كتب من أجلي، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيراً على إثباته هنا، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك. ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد، فبين أولاً ما تفضل فيه عيسى عليه الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم، ألزمهم عل تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى: {فمن} أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك: من {حآجك فيه} أي خاصمك بإيراد حجة، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد. ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال: {من} أي مبتدئاً المحاجة من، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة {بعدما جآءك من العلم} أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في أمره {فقل تعالوا} أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل {ندع أبنآءنا وأبناءكم} أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه {ونساءنا ونساءكم} أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي {وأنفسنا وأنفسكم} فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق. ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال: {ثم نبتهل} أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره. وقال الحرالي: الابتهال طلب البهل، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى. {فنجعل لعنت الله} أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه، أي إبعاد وطرده {على الكاذبين *} وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه: ثم لما أتبعت قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب تعرفه، وأنذروا وحذروا؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى. ولما كان العلم الأزلي حاصلاً بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفاً من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة، وكان كفهم عن ذلك موجباً للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله: - تنبيهاً على ما فيه من العظمة - {إن هذا} أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه السلام وغيره {لهو} أي خاصة دون غيره مما يضاده {القصص الحق} والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئاً بعد شيء على ترتيبها، في معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى. ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلاً على ذلك بأنه الحي القيوم صريحاً ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحاً فقال - عاطفاً على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله معمماً للحكم معرقاً بزيادة الجار في النفي: {وما من إله} أي معبود بحق، لأن له صفات الكمال، فهو بحيث يضر وينفع {إلا الله} أي المحيط بصفات الكمال، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به، فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره، وقد علم من هذا السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علماً منهم بأنهم له عاصون ولحقّه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ولا من النفع لهم، فلا برهان أقطع من هذا. ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على طريق الحصر فقال - عاطفاً على ما قدّرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من نفي: {وإن الله} أي الملك الأعظم {لهو} أي وحده {العزيز الحكيم *} وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو. ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبهاً بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالماً بأن مبطل، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة، فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات: {فإن تولوا} أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عليم} بهم، هكذا كان الأصل، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيراً من مثل حالهم فقال: {بالمفسدين *} أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاماً يتقنه بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس "حديث : أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبدالله! قال: أجل إنه عبدالله. قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} إلى آخر الآية "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: "ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا: كل أدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله فيه هذه الآية {إن مثل عيسى عند الله...} الآية". وأخرج ابن جرير عن السدي قال "حديث : لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم، منهم السيد، والعاقب، وماسرجس، ومار بحر، فسألوه ما تقول في عيسى؟ قال: هو عبدالله، وروحه، وكلمته، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت إنساناً قط خلق من غير أب؟ فأنزل الله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...} الآية" " تفسير : . وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {إن مثل عيسى ...} الآية قال: نزلت في العاقب، والسيد، من أهل نجران. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال "حديث : بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم السيد، والعاقب، وهما يومئذ سيدا أهل نجران فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟ قال: من صاحبكم؟! قالوا: عيسى ابن مريم تزعم أنه عبد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنه عبدالله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأرنا عبداً يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله. فسكت حتى أتاه حبريل فقال: يا محمد {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم...} [المائدة: 17] الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى. قال جبريل {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فلما أصبحوا عادا فقرأ عليهم الآيات ". تفسير : وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس قال: "حديث : جاء أسقف نجران، والعاقب، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فقالا: قد كنا مسلمين قبلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتما مع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولداً، وسجودكما للصليب، وأكلكما لحم الخنزير، قالا: فمن أبو عيسى؟ فلم يدر ما يقول. فأنزل الله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} إلى قوله {بالمفسدين} فلما نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنه فقالا: إنه ان كان نبياً فلا ينبغي لنا أن نلاعنه، فأبيا فقالا: ما تعرض سوى هذا؟ فقال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، فأقروا بالجزية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} يعني فلا تكن في شك من عيسى، إنه كمثل آدم عبدالله ورسوله وكلمته. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: "حديث : قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن عيسى ابن مريم قال: رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم. قالوا: ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا. فأنزل الله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم...} الآية. قالوا: ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم. فأنزل الله {فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني، من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه "طس" سليمان. بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران. إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب، والسلام. فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك...؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل! ليس لي في النبوّة رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك. فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبدالله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد. فأنزل الله هذه الآية {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} إلى قوله {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} فأبوا أن يقروا بذلك. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً ان كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقي على الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً. فقالا له: أنت وذاك. فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك قال: وما هو؟ قال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية "تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة "حديث : أن العاقب، والسيد، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال: قم يا أبا عبيدة. فلما وقف قال: هذا أمين هذه الأمة "تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال "حديث : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب، والسيد، فدعاهما إلى الإِسلام فقالا: أسلمنا يا محمد قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام. قالا: فهات. قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه إلى الغد، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه، وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً. قال جابر: فيهم نزلت {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...} الآية. قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن جابر "حديث : أن وفد نجران أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو روح الله، وكلمته، وعبد الله، ورسوله، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟ قال: وذاك أحب إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإذا شئتم. فجاء وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاؤوا فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تعفينا. قال قد أعفيتكم ثم قال: إن العذاب قد أظل نجران ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "حديث : أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم. منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده، وصاحب رأيهم، فقال رسول الله لهما: أسلما قالا: أسلمنا. قال: ما أسلمتما. قالا: بلى. قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما. عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً. ونزل {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب...} الآية. فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول. ونزل {فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم} يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن {فقل تعالوا} إلى قوله {ثم نبتهل} يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، وإن الذي يقولون هو الباطل فقال لهم: إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك. فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم. فإن أنتم لم تتعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أنا دعوت فأمنوا أنتم. فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية" ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس "حديث : أن ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب، والسيد، فأنزل الله {قل تعالوا ندع أبناءنا} إلى قوله {ثم نبتهل} يريد ندع الله باللعنة على الكاذب. فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشارهم. فاشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة. فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر، وألف في رجب ودراهم "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة {فمن حاجَّك فيه} في عيسى "حديث : {فقل تعالوا ندع أبناءنا....} الآية فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وفد نجران، وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا وأبوا. وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن وجه الأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي قال "حديث : كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى ابن مريم، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيه. فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران {إن مثل عيسى عند الله} إلى قوله {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} فأمر بملاعنتهم، فواعدوه لغد، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن، والحسين، وفاطمة، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال "لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً". وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، فقال "اللهم هؤلاء أهلي" . تفسير : وأخرج ابن جرير عن غلباء بن أحمر اليشكري قال "لما نزلت هذه الآية {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...} الآية. أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة، وابنيهما الحسن، والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا. فانتهوا". وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية {تعالوا ندع أبناءنا...} الآية. قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس {ثم نبتهل} نجتهد. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {إن هذا لهو القصص الحق} يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق. وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: كان بين ابن عباس وبين آخر شيء فقرأ هذه الآية {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل} فرفع يديه واستقبل الركن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} .

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} الآية. خَصَّهما بتطهير الروح عن التناسخ في الأصلاب وأفرد آدم بصفَةِ البدء؛ وعيسى عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإنْ كانا كبيري الشأن فنِقْصُ الحدثان والمخلوقية لازِمٌ لهما: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.

البقلي

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} خلق الله الارواح القدسية من معادن الربوبية وجللها بنور المشاهدة فصارت تلك الجواهر من اصل واحد وان كان تتفاوت فى المقامات وصورة البشريات فروح أدم من الملكوت خلق وجميع ذريته من الانبياء والصديقين معا فذكرا الله تعالى ما صنع بروح أدمن من تخصيصها بالقربة والكرامة والمشاهدة والعلم المكاشفة والتفريد والتوحيد فذكر ان روح عيسى فى منازل القربات مثل روح أدم بما ذكر من تخصيصها فقال لادم ونفخت فيه من روحى ومثل هذا قال لعيسى لكن شرف أدم بإضافة خلق صورته الى نفسه فقال خلقت بيدى وانه سجد له ملائكته تخصيصا وتشريفا من جميع الخلق لهذه المنزلة وقوله خلقه من تراب دفعا لتهمه الجهلة حتى لا يظنون قدحا فى الربوبية قال الاستاد --- بتطهر الروح عن التناسخ فى الاصلاب وافرد بصنعة اليد وعيسى بتخصيص نفخ الروح فه على وحه الاعزاز وهما وان كان كبيرى الشان فنقص الحدثان والمخلوقية لازم لهما قال الله تعالى {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان مثل عيسى} اى شانه البديع المنتظم لغرابته فى سلك الامثال {عند الله} اى فى تقديره وحكمه {كمثل آدم} اى كحاله العجيبة التى لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها منازع {خلقه من تراب} تفسير للمثل لا محل له من الاعراب اى خلق قالب آدم من تراب. فان قيل الضمير فى خلقه راجع الى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم موجودا. قلنا لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم قبل ذلك تسمية لما سيقع بالواقع {ثم قال له كن} اى انشأ بشرا {فيكون} والمقتضى أن يقال فكان اى كان امره الله الا انه عدل الى المضارع حكاية للحال التى كان آدم عليها اى تصويرا لذلك الايجاد الكامل بصورة المشاهد الذى يقع الآن - روى - "حديث : ان وفد نجران قدموا المدينة وهو اربعة عشر رجلا من اشرافهم. منهم السيد وهو كبيرهم واسمه اهيب والعاقب الذى بعده وهو صاحب رأيهم واسمه عبد المسيح. والثالث ابو حارثة ابن علقمة الاسقف وكان فى شرف وخطر عظيم وكان ملك الروم بنى له الكنائس وكان يبعث له بالكرامات فاقبلوا حتى قدموا على النبى عليه السلام فى مسجد المدينة بعد العصر عليهم ثياب حسان ولهم وجوه جسام فقاموا وصلوا واستقبلوا قبلتهم واراد اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ان يمنعوهم فقال صلى الله عليه وسلم "دعوهم" وقد كان نزل على النبى عليه السلام قبل قدومهم صدر آل عمران لمحاجتهم ثم انتهى ابو حارثة هذا وآخر معه الى النبى عليه السلام فقال لهما صلى الله عليه وسلم "اسلما" فقالا اسلمنا قبلك فقال صلى الله عليه وسلم "كذبتما يمنعكما عن الاسلام ثلاث عبادتكما الصليب واكلكما الخنزير وزعمكما ان لله ولداً" قال يا محمد فلم تشتم صاحبنا عيسى قال "وما اقول" قالوا تقول انه عبد قال "اجل هو عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى العذراء البتول" فغضبوا وقالوا هل رأيت انسانا من غير اب فحيث سلمت انه لا اب له من البشر وجب ان يكون هو الله فقال صلى الله عليه وسلم "ان آدم عليه السلام ما كان له اب ولا ام" ولم يلزم من ذلك كونه ابنا لله تعالى فكذا حال عيسى عليه السلام"تفسير : فالوجود من غير اب وام أخرق للعادة من الوجود من غير اب فشبه الغريب بالاغرب ليكون اقطع لشبهة الخصم اذا نظر فيما هو اغرب مما استغربه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن مثل عيسى عند الله} أي: إن شأنه الغريب في كونه وجد من غير أب {كمثل آدم}. ثم فسر شأن آدم فقال: {خلقه من تراب} أي: خلق قالبه من تراب، {ثم} نفخ فيه الروح، و {قال له كن فيكون} أي: فكان، فشأنه أغرب من شأن عيسى، لأنه وجد من غير أب ولا أم، بخلاف عيسى عليه السلام، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع الله على قلبه، فاستعجز القدرة الإلهية، {وكان الله على كل شيء مقتدراً}. هذا هو {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} أي: الشاكين في مخلوقيته، وهذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، على طريق التهييج لغيره، أو لكل سامع. وسبب نزول الآية: أنَّ وفد نجران قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا، فتقول: إنه عبد؟ قال: أجل، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله. فنزلت: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} . أي: فهو أعجب من عيسى، لكونه بلا واسطة أصلاً. رُوِيَ أن مريم حملت بعيسى وهي بنت ثلاث عشر سنة، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبيّ، فإنه نازل بأمتي وخليفتي فيهم، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر، وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجّاً أو معتمراً، أو ليَثْنِينَّهما جميعاً، ويقاتل الناس على الإسلام، حتى يُهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة، الكذاب الدجال، وتقع في الأرض الأمنة، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى.، ويصلي المسلمون عليه"تفسير : . ويدفنونه في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن الحق - جلّ جلاله - أظهر هذا الآدمي في شكل غريب، وسر عجيب، جمع فيه بين الضدين، وأودع فيه سر الكونين، نوراني ظلماني، روحاني جسماني، سماوي أرضي، ملكوتي ملكي، معنوي حسيّ، أودع فيه الروح نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية، فوقع التنازع بين الضدين، فالروح تحن إلى وطنها اللاهوتي، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي، فمن غلب روحانيته على طينته التحق بالروحانيين،وكان من المقربين في أعلى عليين، فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه، فانياً عن حظوظه وهواه، من غلبت طينته على روحانيته التحق بالبهائم أو الشياطين، وانحط إلى أسفل سافلين، وكانت همته منصرفة إلى حظوظة وهواه، غائباً عن ذكر مولاه، قد اتخذ إلهه هواه. وتأمل قضية السيد عيسى عليه السلام لمَّا لم ينشأ من نطفة أمشاجية، كيف غلبت روحانيته، حيث لم تجد ما يجذبها إلى الحضيض الطيني، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلاً، وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة، والأولياء حيث طهروها بالمجاهدة، كيف صارت أرواحهم لا تشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم والأسرار، فانية في محبة الواحد القهار، حتى لحقت بوطنها، ورجعت إلى أصلها، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة، هذا هو الحق من ربك فلا تكن من الممترين في إدراك الروح المقام، إن لم يغلب عليها عالم الصلْصَال. والله - تعالى - أعلم.

الطوسي

تفسير : قال ابن عباس، والحسن وقتادة: هذه الآية نزلت في وفد نجران: السيد والعاقب، قالا للنبي (صلى الله عليه وسلم) هل رأيت ولداً من غير ذكر، فأنزل الله تعالى الآية. والمثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول، فذكر الله آدم بأن انشأه من غير والد يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول في باب الامكان، والقدرة. وفي ذلك دلالة على [بطلان قول] من حرم النظر، لأن الله تعالى احتج به على المشركين ولا يجوز أن يدلهم إلا بما فيه دليل فقياس خلق عيسى من غير ذكر كقياس خلق آدم بل هو فيه أوجب, لأنه في آدم من غير أنثى, ولا ذكر. ومعنى "خلقه" أنشأه, ولا موضع له من الاعراب، لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم من حيث هو نكرة، ولا يكون حالا له، لأنه ماض فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ من علامات الاتصال من اعراب أو مرتبة كالصلة. وقوله: {كن فيكون} قد بينا معناه فيما مضى وأنه اخبار عن سرعة الفعل وتيسره من غير مشقة ولا إبطاء. وقيل إنه يفعله عند قوله: {كن} ويكون ذلك علامة للملائكة على ما يريد الله إنشاءه. وقوله: {فيكون} رفع لا يجوز فيه النصب على جواب الأمر في كن، لأن جواب الشرط غيره في نفسه أو معناه نحو اتني فاكرمك واتني فتحسن إلي، فهذا يجوز، لأن تقديره فانك إن تأتني تحسن إلي، ولا يجوز تقدير (أن)، فيكون بالنصب، لأن تقدير كن فانك أن تكن فهذا لا يصح، لأن الجواب هو الشرط على معناه، ولكن يجوز الرفع على فهو يكون.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} فلا غرو فى خلقه بلا ابٍ لانّ آدم (ع) خلق بلا ابٍ وامّ وهم يقرّون به مع انّه اغرب {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او حال بتقدير قد وبيان لوجه الشّبه يعنى خلق عيسى (ع) من الروح مثل خلق آدم من التّراب، ونكّر التّراب للاشعار بأنّه كان تراباً خاصّاً لا يمكن تعريفه {ثُمَّ قَالَ لَهُ} اى لآدم والاتيان بثمّ للتفاوت بين الاخبارين فانّ التّفصيل مرتبة بعد الاجمال او المعنى قدّر خلقه من تراب ثمّ قال له {كُن} او صوّر صورته من تراب ثمّ قال له كن بشراً تامّاً {فَيَكُونُ} وقد مرّ هذه الكلمة وبيانها عند قوله {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [البقرة:117] من سورة البقرة.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {أبناءنا وأبناءكم} [يعني. أ] الحسن والحسين [عليهما السلام] {وأنفسنا وأنفسكم} رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي [عليه السلام. ب] [خ: رسول الله وعلي صلوات الله عليهما] {ونساءنا: ونساءكم} فاطمة [الزهراء. أ] عليها السلام. فرات قال: حدثني سعيد بن الحسن بن مالك معنعناً عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [قال. أ]: الحسن والحسين {ونساءنا ونساءكم] قال: فاطمة {وأنفسنا وأنفسكم} قال: علي عليه السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن أبي رافع قال: حديث : قدم [ن: قد مَرَّّ] صهيب مع أهل نجران فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خاصموه به من أمر عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وأنهم دعوه ولد الله، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخاصمهم وخاصموه فقال: {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً [عليه السلام. أ] فأخذ بيده فتوكأ عليه ومعه ابناه الحسن والحسين وفاطمة [عليها السلام. ب. ر: عليهم السلام] خلفهم فلما رأى النصارى [ذلك] أشار عليهم رجلٌ منهم فقال: ما أرى لكم [أن] تلاعنوه فإن كان نبياً هلكتم ولكن صالحوه. قال: فصالحوه. قال: [قال] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لو لاعنوني ما وجد لهم أهل ولا ولد ولا مال" .تفسير : فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد وأحمد بن الحسن معنعناً: عن الشعبي قال: حديث : جاء العاقب والسيد النجرانيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهم [أ: فدعاهما] إلى الإسلام فقالا: أننا مسلمان. فقال: إنه يمنعكما من الإسلام ثلاث أكل [لحم.أ] الخنزير وتعليق الصليب وقولكم في عيسى بن مريم [عليه السلام. ب] فقالا: ومن أبو عيسى؟ فسكت فنزل القرآن: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [إلى آخر. أ، ر] الآية [ر:القصة] [قال. ب]: ثم نبتهل [أ: فنبتهل] {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} فقالا: نباهلك. فتواعدوا لِغَدٍ [ب: الغد] فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لأن كان نبياً لا ترجع إلى أهلك ولك على وجه الأرض أهل ولا مال. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد علي والحسن والحسين وقدّمهم وجعل فاطمة وراءهم ثم قال لهما: تعاليا فهذا أبناءُنا الحسن [ب: فهذان أبنانا للحسن] والحسين وهذا نساءُنا فاطمة [ب: لفاطمة] و [هذه. ب] أنفسنا لعلي [أ: علي]. فقالا: لا نلاعنك . تفسير : فرات قال: حدثني أحمد بن يحيى معنعناً: عن الشعبي قال: حديث : لمّا نزلت [الآية. ر] {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتكىء على علي والحسن [ر: ببكاء الحسن. ب: كساءً فألقاه على علي والحسن] والحسين [ر: وعلي] وتبعتهم فاطمة قال: فقال: هذه [أ، ب: هؤلاء] أبناءُنا وهذه نساءُنا وهذه [أ، ب: وهذا] أنفسنا [ر: عليهم السلام] تفسير : فقال رجل لشريك: يا أبا عبد الله: {أية : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} تفسير : [159/ البقرة] إلى آخر الآية. قال: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس في جحرها. ثم غضب شريك واستشاط فقال: يا معافى. فقال له رجل يقال له: ابن المقعد: يا أبا عبد الله أنه لم يعنك [أ، ر: يفنك] فقال: أنت [له. ر] أيقع [ب: أنفع] إنما أرادني تركت ذكر علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر]. فرات قال: حدثني أحمد [ب: محمد] بن جعفر معنعناً: عن علي [عليه السلام. ب] قال: حديث : لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم فيهم ثلاثة من النصارى من كبارهم العاقب ويحسن [أ (خ ل): قيس] والأسقف فجاؤوا إلى اليهود وهم في بيت المدراس فصاحوا بهم يا إخوة القردة والخنازير هذا الرجل بين ظهرانيكم قد غلبكم إنزلوا إلينا. فنزل إليهم ابن صوريا [ب، أ (خ ل): ينصوريا. ر، أ: منصوريا] اليهودي وكعب بن الأشرف اليهودي فقالوا لهم: احضروا غداً نمتحنه. قال: وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الصبح قال: ها هنا من الممتحنة أحدٌ؟ فإن وجد أحداً أجابه وإن لم يجد أحداً قرأ على أصحابه ما نزل عليه في تلك الليلة، فلما صلى الصبح جلسوا بين يديه فقال له الأسقف: يا أبا القاسم فداك أبي [ن: فذاك أبو] موسى من أبوه؟ قال: عمران. قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب. قال: فأنت فداك أبي وأمي من أبوك؟ قال: عبد الله بن عبد المطلب. قال: فعيسى من أبوه؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] ربما احتاج إلى شيءٍ من المنطق [أ: النطق] فينقض عليه جبرئيل عليه السلام من السماء السابعة فيصل له منطقه في أسرع من طرفة العين [أ، ب:عين] فذاك قول الله [تعالى. ر] {وما أمرنا إلا واحدةٍ كلمحٍ بالبصر}. قال: فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: هو روح الله وكلمته فقال له الأسقف: يكون روح بلا جسد؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فأوحى [الله] إليه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} قال: فنزا الأسقف نزوةً إعظاماً لعيسى [عليه السلام. ب] أن يقال له: من تراب. ثم قال: ما نجد هذا يا محمد في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا نجد هذا [إلا. أ، ب] عندك! قال: فأوحى الله إليه: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم: فمتى موعدك؟ قال: بالغداة [أ: الغداة] إن شاء الله. [قال: ر] فانصرف [اليهود. أ، ب] وهم يقولون: لا إله إلاّ الله ما [أَ: لا] نبالي أيهما أهلك الله: النصرانية أو الحنيفية [ر: والحنيفية] إذا هلكوا غداً. قال علي بن أبي طالب عليه السلام: فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصبح أخذ بيدي فجعلني بين يديه وأخذ فاطمة [عليها السلام. ر] فجعلها خلف ظهره، وأخذ الحسن والحسين عن يمينه وعن شماله [أ، ب: يساره] ثم برك لهم باركاً فلمّا رأوه قد فعل ذلك ندموا وتوامروا فيما بينهم وقالوا: والله إنه لنبي ولئن باهلنا [ر، أ: باهلها] ليستجيبن [أ: ليستجيب] الله له علينا فيهلكنا ولا ينجينا منه شي [ر، ب: شيء منه] إلا أن نستقيله. قال: فأقبلوا يستترون في خشب كان في المسجد حتى جلسوا بين يديه ثم قالوا: يا أبا القاسم أقلنا. قال: نعم قد أقلتكم، أما والذي بعثني بالحق لو باهلتكم ما ترك الله على ظهر الأرض نصرانياً ولا نصرانية إلاّ أهلكه . تفسير : فرات قال: حدثني أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن صبيح معنعناً: عن شهر بن حوشب قال: حديث : قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد المسيح بن أبقى ومعه العاقب وقيس أخوه ومعه حارث بن عبد المسيح وهو غلام ومعه أربعون حبراً فقال: يا محمد كيف تقول في المسيح فوالله إنا لننكر ما [ر:لشكرنا ما] تقول: قال: فأوحى الله تعالى إليه: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} قال: فنحر نحرة فقال إجلالاً له مما يقول: بل هو الله. فأنزل الله {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالو ندع} إلى آخر الآية، فلما سمع ذكر [أ: بذكر] الأبناء غضب غضباً شديداً ودعا الحسن والحسين وعلياً وفاطمة عليهم السلام فأقام الحسن عن يمينه والحسين عن يساره وعلياً إلى صدره وفاطمة إلى ورائه فقال: هؤلاء أبناءُنا ونساءُنا وأنفسنا، فائتنا [ر: فأتيا] له بأكفاء. قال: فوثب العاقب فقال: أذكرك الله أن تلاعن هذا الرجل فوالله إن [ب: لان] كان كاذباً مالك في ملاعنته خيرٌ وإن [أ: لان] كان صادقاً لا يحول الحول ومنكم نافخ ضرمة [ر، أ: ناصح صرمة]. قال: فصالحوه كل الصلح تفسير : [ورجع. ب، أ]. فرات قال: حدثني علي بن الحسين القرشي معنعناً: عن أبي هارون قال: حديث : لما نزلت {قل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي وفاطمة والحسن والحسين [عليهم السلام. ب] وقال {أنفسنا} يعني علياً. [ر: علي بن أبي طالب عليه السلام] . تفسير : [وبالاسناد المتقدم في الحديث الأول من هذه السورة عن ابن عباس] وقوله: {تعالوا ندع أبناءنا} [وأبناءكم ونساءَنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.ح] [ن: إلى آخر الآية] نزلت في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] وعلي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام [نفسه. ر،ح] {ونساءنا} [ونساءكم.أ، ب، ح] [في. ن] فاطمة [عليها السلام. ر] {وأبناءنا} [وأبناءكم. ح، أ، ب] [في الـ. ن] حسن و [الـ. ن] حسين [عليهما السلام. ر، أ] [وأنفسنا (وأنفسكم. أ) النبي والولي عليهما (الصلاة. ر) [والسلام. ن] والدعاء على الكاذبين [نزلت في. ن] العاقب والسيد وعبد المسيح [والأسقف. أ، ر] وأصحابهم.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} الآية نزلت في وفد نجران، والعاقب وأصحابه قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هل رأيت ولداً من غير أب؟ فنزلت، عن ابن عباس: فلما دعاهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المباهلة أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة (عليهم السلام) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا أنا دعوت فآمنوا" ثم دعا النصارى إلى المباهلة فأحجموا عنها، وأقروا بالذلة، وقبلوا الجزية، وروي أنهم استشاروا العاقب وكان ذا رأيهم، فقال: إنه نبي مرسل وما لاعن قوم شيئاً قط فعاش كبيرهم ولا ثبت صغيرهم فوادعوه وانصرفوا، وروي أن أسعف نجران قال لهم: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة وسألوا الصلح، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل سنة ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، وثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين رمحاً، فدفعوها إلى واليه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفسي بيده لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليه الوادي ناراً وما حال الحول على النصارى حتى هلكوا {إن هذا لهو القصص الحق} أي هذا الذي قصَّ عليك من نبأ عيسى لهو القصص الحق، قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} لا يختلف فيها التوراة والانجيل والقرآن وتفسير الكلمة قوله تعالى: {ألاَّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله} يعني تعالوا إليها حتى لا تقولوا عزير ابن الله، وقيل: اجتمعت أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنازعوا في إبراهيم، فقال اليهود: ما كان إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً، فنزلت الآية، "حديث : وروي أنهم لما اختلفوا سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فقال: "بل كان بريئاً من الفريقين وكان حنيفاً مسلماً وأنا على دينه" فقالت اليهود: والله يا محمد والله ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت النصارى في عيسى"تفسير : ، فنزلت الآية ونزل قوله تعالى: {أية : ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً} تفسير : [آل عمران: 67] الخ {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} يعني نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، من غير رجوع إلى ما شرَّع الله تعالى كقوله تعالى: {أية : اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحد}تفسير : [التوبة: 31]، وعن عدي بن حاتم حديث : أما كنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال: "أليس كانوا يحلّون لكم ويحرمون عليكم فتأخذون بقولهم"، قال: نعم، قال: "هو ذاك فإن تولوا عن التوحيد" تفسير : {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} أي لزمتكم الحجة ووجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنَّا مسلِمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما، أعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبَة، ويجوز أن يكون من باب التعريض ويكون معناه اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: قال ابن عباس والكلبى وغيرهما من المفسرين كلهم: إن هذه الآية حديث : نزلت فى وفد نجران، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم السيد والعاقب، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك، تذكر صاحبنا؟ أى بسوء تفسير : .وفى رواية مالك: تشتم صاحبنا حديث : فقال صلى الله عليه وسلم: من صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وما أقول؟ قالوا: تزعم أنه عبد الله. فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم: أجل إنه عبد الله رسوله، وكلمته ورسوله ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فغضبوا فقالوا: هل رأيت له مثلا وأنبئت به؟ وهل رأيت إنساناً يا محمد من غير أب؟ أو سمعت به؟ فخرجوا فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: إذا أتوك فقل لهم {إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ قالَ لهُ كُن فيَكُونُ}تفسير : زعموا أنك إذا سلمت يا محمد، إنه لا أب له لزم أن يكون أبوه الله تعالى عن مقالة الضالين، فاحتج الله جل جلاله، إنه خلقه بلا أب، كما خلق آدم بلا أب ولا أم. روى أن الروم أسروا بعض العلماء، فقال لهم: لمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له. قال: وآدم أولى لأنه لا أب له ولا أم. قالوا: كان يحيى الموتى، قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً، والمثل الأمر الغريب الذى تشبه به الأشياء شبه غرابة، خلق عيسى بلا أب بغرابة خلق آدم من تراب، واستأنف قوله: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} بياناً للشبيه فى أنه لا أب له، إذ كان من تراب، كما لا أم له أيضاً، ومعنى خلقه من تراب، أنه صوره جسماً من تراب ولا روح فيه، وليس لحماً ودماً، ثم قال له: {كن} لحماً ودماً وعظماً فتحرك، {فيكون}: أى فهو يكون وهذا حكاية حال ماضية، كأنه استحضر الله ذلك ليشاهده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك ولقيل: فكان، ويجوز أن يكون الخلق بمعنى تصييره من تراب، لحماً ودماً وعظماً متحركاً بعد أن كان جسداً فيكون، ثم على هذا الترتيب فى الإخبار أو لتعظيم رتبة وجوده، كذلك يقول {كُن فيَكُون} قوله {كن} مقدماً فى الوجود، والكون تام أى احصل بحال أريدها منك. وقيل: التضمين فى قوله: {ثمَّ قالَ له} لعيسى، أى ثم قال لعيسى كن فى بطن أمك فيكون.

اطفيش

تفسير : {إنَّ مَثَلَ عِيسى} صفته الغريبة الشبيهة بالأمثال {عِندَ اللهِ} أى مثله الكائن عند الله، أو متعلق بقوله {كَمثَلِ ءَادَمَ} أو باستقراره على جواز تقديم معموم الظرف التائب عن الخبر مثلاً {خلَقَهُ} صورة بلا روح، أو أراد خلقه حيوانا ناطقا، وعلى هذا تكون ثم بعد لترتيب فى الإخبار {مِن تُرَابٍ} لا أب ولا أم، فهو أعظم غرابة من عيسى إذ له أم ولا سيما قيل خلق من نطفة أمه، فهذا من تشبيه الأغرب بالغريب، ووجه الشبه الكون بلا أب ولو زاد آدم بأنه لا أم له، ويكفى الشبه من بعض الوجوه، فإن شأن آدم أقطع لمادة الخصم فى عيسى، قال أمير فى الروم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا، لأنه لا أب له، قال: آدم أولى لأنه لا أبوين له، قالوا: يحيى الموتى، قال: أحبا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف، قالوا: يبرىء الأكمه والأبرص، قال: طبخ جرجيس وأحرق وخرج سالما {ثمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} حيوانا ناطقا {فَيَكُونُ} أى فكان، فالمضارع للفاصلة، ولحكاية الحال، كأنه قيل، إذ قال له كن فلا بد من أن يكون، فهو يكون كأنكم تشاهدون كونه، وكن كناية عن الإحياء، وذلك كما قال: {أية : ثم أنشأناه خلقا آخر} تفسير : [المؤمنون: 14].

الالوسي

تفسير : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ }/ ذكر غير واحد أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: ما أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله تعالى هذه الآية». وأخرج البيهقي في «الدلائل» من طريق سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه {أية : طسۤ} تفسير : [النمل: 1] سليمان: بسم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد الله إليكم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام"، فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله تعالى إبراهيم في ذرية إسمعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل نبياً وليس لي في النبوة رأي لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل وعبد الله بن شرحبيل، وحيار بن قنص فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة فأنزل الله هذه الآية {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ } إلى قوله سبحانه: {أية : فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ }تفسير : [آل عمران: 61] فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: إنى أرى أمراً ثقيلاً إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فتلاعناه لا يبقى على ظهر الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيـي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً فقالا له: أنت وذاك فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت خيراً من ملاعنتك قال: وما هو؟ قال: حكمك اليوم إلى الليل وليلك إلى الصباح فما حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية، وروي غير ذلك كما سيأتي قريباً، و ـ المثل ـ هنا ليس هو المثل المستعمل في التشبيه والكاف زائدة ـ كما قيل به ـ بل بمعنى الحال والصفة العجيبة أي: إن صفة عيسى {عندَ ٱللَّهَ} أي: في تقديره وحكمه، أو فيما غاب عنكم ولم تطلعوا على كنهه، والظرف متعلق فيما تعلق به الجار في قوله سبحانه: {كَمَثَلِ ءادَمَ } أي كصفته وحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لوجه الشبه باعتبار أن في كل الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين، ويحتمل أنه جيء بها لبيان أن المشبه به أغرب وأخرق للعادة فيكون ذلك أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته، و {مِنْ } لابتداء الغاية متعلقة بما عندها، والضمير المنصوب ـ لآدم ـ والمعنى ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي صر بشراً فصار، فالتراخي على هذا زماني إذ بين إنشائه مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحماً ودماً زمان طويل، فقد روي أنه بعد أن خلق قالبه بقي ملقى/ على باب الجنة أربعين سنة لم تنفخ فيه الروح؛ والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذاناً بأنه من الأمور المستغربة العجيبة الشأن، وجوز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل بالنظر إلى ما قبله، وذهب كثير من المحققين إلى أن {ثُمَّ } للتراخي في الإخبار لا في المخبر به، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضر تقدم القول على الخلق في هذا الترتيب والتراخي ـ كما لا يخفى، والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول ـ بأنه عائد على عيسى ـ ليس بشيء لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه. قيل: وفي الآية دلالة على صحة النظر والاستدلال لأنه سبحانه احتج على النصارى وأثبت جواز خلق عيسى عليه السلام من غير أب بخلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، ثم إن الظاهر أن عيسى عليه السلام خلقه الله سبحانه من نطفة مريم عليها السلام بجعلها قابلة لذلك ومستعدة له كما أشرنا إليه فيما تقدم. والقول ـ بأنه خلق من الهواء كما خلق آدم من التراب ـ مما لا مستند له من عقل ولا نقل و {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا }تفسير : [التحريم: 12] لا يدل عليه بوجه أصلا.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني: بُيّن به مَا نشأ من الأوهام، عند النصارى، عن وصف عيسى بأنه كلمة من الله، فَضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت. وهذا شروع في إبطال عقيدة النصارى من تألِيهِ عيسى، وردّ مطاعنهم في الإسلام وهو أقطع دليل بطريق الإلزام؛ لأنهم قالوا بإلاهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمةٍ من الله وليس له أب، فقالوا: هو ابن الله، فأراهم الله أنّ آدم أوْلَى بأن يُدّعَى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلاهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدمَ. ومحل التمثيل كون كليهما خُلق من دون أب، ويزيد آدمُ بكونه من دون أم أيضاً، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله: {خلقه من تراب} الآية أي خلقه دون أب ولا أم بل بكلمة كن، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو الغالب. وإنما قال عند الله أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئاً في كونه خلْقاً غيرَ معتاد، لكم لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجباً للمسيحَ نسبةَ خاصة عند الله وهي البُنوة. وقال ابن عطية: أراد بقوله: {عند الله} نفس الأمر والواقع. والضمير في خلقه لآدم لا لعيسى؛ إذ قد علِم الكلُّ أنّ عيسى لم يُخلق من تراب، فمحل التشبيه قوله: {ثم قال له كن فيكون}. وجملة {خلقه} وما عطف عليها مُبيِّنة لجملة كمثل آدم. وثم للتراخي الرتبي فإنّ تكوينه بأمر {كن} أرفع رتبة من خلقه من تراب، وهو أسبق في الوجود والتّكوين المشار إليه بكن: هو تكوينه على الصفة المقصودة، ولذلك لم يقل: كَوّنه من تراب ولم يقل: قال له كُن من تراب ثم أحياه، بل قال خلقه ثم قال له كن. وقول كن تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حياً ذا روح ليعلم السامعون أنّ التكوين ليس بصنع يد، ولا نحتٍ بآلة، ولكنه بإرادةٍ وتَعَلققِ قدرةٍ وتسخيرِ الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكوّن وكلّ ذلك عن توجه الإرادة بالتنجيز، فبتلك الكلمة كان آدمُ أيضاً كلمةً من الله ولكنه لم يوصف بذلك لأنّه لم يقع احتياج إلى ذلك لِفوات زمانه. وإنما قال: {فيكون} ولم يقل فكَان لاستحضار صورة تَكَوُّنِه، ولا يحمل المضارع في مثل هذا إلاّ على هذا المعنى، مثل قوله: {أية : اللَّهُ الذي أرسل الرياح فتثير سَحاباً}تفسير : [فاطر: 9] وحمله على غير هذا هنا لا وجه له. وقوله: {الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الحق. ومن ربك حال من الحق. والخطاب في {فلا تكن من الممترين} للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لاَ أبَ لِعيسى.

الواحدي

تفسير : {إنَّ مثل عيسى...} الآية. نزلت في وفد نجران حين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ولداً من غير ذَكَرٍ؟ فاحتجَّ الله تعالى عليهم بآدم عليه السَّلام، أَيْ: إنَّ قياس خلق عيسى عليه السَّلام من غير ذَكَرٍ كقياس خلق آدم عليه السَّلام، بل الشَّأنُ فيه أعجب؛ لأنَّه خُلق من غير ذكر ولا أنثى، وقوله: {عند الله} أَيْ: في الإنشاء والخلق، وتَمَّ الكلام عند قوله: {كمثل آدم} ثمَّ استأنف خبراً آخر من قصَّة آدم عليه السَّلام، فقال: {خلقه من تراب} أَيْ: قالباً من تراب {ثم قال له كن} بشراً {فيكون} بمعنى فكان. {الحقُّ من ربِّك} أَي: الذي أَنْبَأْتُكَ من خبر عيسى الحقُّ من ربِّك {فلا تكن من الممترين} أَيْ: من الشَّاكِّين. الخطاب للنبيِّ عليه السَّلام، والمرادُ به نهيُ غيره عن الشَّكِّ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المثل: الصفة المستغربة البديعة. الحق من ربك: أي ما قصصناه عليك في شأن عيسى هو الحق الثابت من ربك. الممترين: الشاكين، إذ الامتراء: الشك. حاجك: جادلك بالحجج. نبتهل: نلتعن أي نلعن الكاذب منا. القصص الحق: ما قصه الله تعالى هو القصص الحق الثابت الذي لا شك فيه. المفسدون: الذين يعملون بمعاصي الله تعالى في الأرض من الشرك وكبائر الذنوب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عبوديّة عيسى ورسالته دون ربوبيتّه وألوهيته، فقد روي أن وفد نجران قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما قالوا: كل آدمي له أبٌ فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله تعالى على رسوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن} فإذا هو كائن فأيّ داع لاتخاد عيسى إلهاً، ألكونه خلقه الله من غير أب فآدم كذلك خلق بدون أب ولا أم، وإنما كان بكلمة الله، فكذلك عيسى خُلق بكلمة الله التي هي "كُنْ" فكان، هذا هو الحق الثابت من الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام فلا تكونن من الشاكين فيه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يشك. ولما أكثروا عليه صلى الله عليه وسلم من التردد والمجادلة أرشده ربه تعالى إلى طريق التخلص منهم وهو المباهلة بأن يجتمعوا ويقول كل فريق: اللهم العن الكاذب منا، ومن كان كاذباً منهم يهلك على الفور فقال له ربّه تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ..} (هلموا) ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وخرج في الغد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين إلا أن النصارى عرفوا الحق وخافوا إن لاعنوا هلكوا فهربوا من الملاعنة، ودعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام فأبوا ورضوا بالكفر إبقاء على زعامتهم ودنياهم ورضوا بالمصالحة فالتزموا بأداء الجزية للمسلمين والبقاء على دينهم الباطل، ثم قال تعالى {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} بالذي قصصناه عليك في شأن عيسى عليه السلام، وإنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنه لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا هو تعالى، وإن الله لهو العزيز الغالب الذي لا يمانع في شيء أراده، الحكيم في خلقه وتدبيره ثم توعد نصارى نجران وغيرهم من أهل الفساد في الأرض بأنه عليم بهم وسوف يحل نقمته بهم، وينزل لعنته عليهم وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ولاية الله تعالى لرسوله بإرشاده إلى الطريقة التي أنهى بها جدال النصارى الذي آلمه وأتعبه. 2- مشروعية المباهلة غير أنها تكون في الصالحين الذين يستجاب لهم. 3- تقرير ألوهية الله تعالى دون سواه وبطلان دعوى النصارى في تأليه عيسى عليه السلام. 4- تهديد الله تعالى لأهل الفساد في الأرض وهم الذين يعملون بالشرك والمعاصي.

القطان

تفسير : المَثَلَ: الحال الغريبة. الامتراء: الشك. الابتهال: الملاعنة، ثم شاع استعماله في الدعاء. "حديث : روي في سبب نزول هذه الآية ان وفد نجران وعلى رأسهم السيد العاقب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: هل رأيت إنساناً من غير أب، ان كنت صادقاً فأرِنا مثله. فأنزل الله تعالى {ان مثَل عيسى عند الله كمثل آدم} اي إن شأنه في خلق الله اياه على غير مثال سابقٍ كشأن آدم، فقد خلقه من تراب من غير أُمٍ ولا أب. بل ان خلْقَ آدم أغربُ وأعجب. ذلك ان الله قادر على صنع المعجزات التي لا تدركها عقولنا، فهو اذا اراد شيئا إنما يقول له كن فيكون. هذا هو الحق من ربك يا محمد في خلق عيسى، لا ما اعتقده النصارى من انه إلَه، ولا ما زعمه اليهود من انه ابن يوسف النجار. دعهم في ضلالهم، واثبُت على يقينك ولا تكن من الشاكّين. وإذا جادلك اليهود في شأن عيسى بعد هذا التنزيل فقل لهم: تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ندعوا ان يصب الله لعنته على الكاذبين. وقد روي أن النجرانيّين لما دُعوا الى المباهلة قالوا لسيّدهم العاقب: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، وها قد جاءكم بالفصل في أمر عيسى. والله ما باهلَ قوم نبياً الا هلكوا، فإن أبيتم أن تبقوا على دينكم فوادِعوا الرجل وانصرفوا. فأتوا رسول الله محتضناً حفيده الحسين، والحسن وفاطمة وعليّ يمشون خلفه وهو يقول لهم: أذا انا دعوت فأَمِّنوا, فلما رآهم كبير النصارى قال لقومه: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى ان يزيل جبلاً لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ". وفي صحيح البخاري ومسلم"حديث : ان العاقب والسيّد أتيا رسول الله فأراد ان يلاعنهما. فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنَنا لا نفلح أبدا، فقالا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أمينا، فقال: قم يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأمة ". تفسير : وفي هذا التحدي ما يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول، اما امتناع نصارى نجران عن المباهلة فدليلٌ على شكّهم في موقفهم وكونهم على غير بينة فيما يعتقدون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَادَمَ} (59) - إنَّ مَثَلَ عِيسَى فِي قُدْرَةِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ دُونِ أبٍ، كَمَثَلِ آدَمَ فِي خَلْقِهِ مِنْ تُرابٍ (مِنْ دُونِ أبٍ وَلاَ أمٍّ)، وَإنَّما أنْشَأهُ بَشَراً بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، فَكَانَ كَمَا أمَرَ اللهُ. مَثَلَ عِيسَى - حَالَهُ وَصِفَتَهُ العَجِيبَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد جاء القول الفصل بالحجة الأقوى، فإذا كان عيسى عليه السلام قد جاء بدون أب، فإن آدم عليه السلام قد جاء بدون أب، وبدون أم وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلمون أني رسول الله وأنني نبي هذه الأمة، فقالوا: أنظرنا غداً نتكلم في هذه المسائل، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان فقالوا: لا. وعندما يعرض الحق سبحانه صراع قضية حق مع قضية باطل فهو يقول: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 24]. أي إن طرفاً واحداً على هدى، والطرف الآخر على ضلال مبين، لماذا؟ لأن القضيتين متناقضتان، ولا يمكن أن يجتمعا، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يجتمع بهم في مكان ظاهر، ويدعو الطرفان الأبناء والنساء، ويبتهل الجميع إلى الله الحق أن تُسْتَنْزلَ لعنة الله على الكاذبين، وفي هذا جاء القول الكريم: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ} أي: شأنه وقصته الغريبة الخارقة للعادة، وهي وجوده بلا أب {عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ} كشأن {ءَادَمَ} في إبداعه سبحانه وإيجاده، بل قصة آدم أغرب من قصته؛ إذ لا أب له ولا أم بل {خَلَقَهُ} قدَّه وصوَّره سبحانه {مِن تُرَابٍ} جماد {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن} بشراً حياً {فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] بالفور حيواناً ذا حس وحركة إرادية وإدراك وفهم. هذا الكتاب المتلو عليك يا أكمل الرسل هو {ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع، النازل إليك؛ لتأييدك ونصرك في دعواك الرسالة {مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ} في حقيته {مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] الشاكين بمقتضى عقولهم السخيفة. {فَمَنْ حَآجَّكَ} جادلك وخاصمك {فِيهِ} أي: في أمر عيسى وشأنه من النصارى {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} المستنبط من الكتاب المنزل من عندنا، المبين لشأنه وإيجاده بلا أب {فَقُلْ} لهم حين خاصموك {تَعَالَوْاْ} هلموا أيها المجادلون المدَّعون ابنية عيسى لله، المفرطون في أمره {نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} ونجتمع بعد ذلك في مجمع عظيم {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: نتباهل بأن يتضرع ويدعو كلٍّ منَّا ومنكم إلى الله {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] حتى يظهر الصادق من الكاذب، ويتميز الحق عن الباطل. حديث : روي أنهم لما دعو إلى المباهلة، قالوا: حتى ننظر ونتأهل، فلما خلوا مع ذي رأيهم قالوا: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: والله، لقد عرفتم أنه هو النبي الموعود في كتابكم، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، والله، ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلى خلفها وهو يقول: "إذا أنا دعوت فأمِّنوا"، فقال أسقفهم: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزسل جبلاً من مكانه لازاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا للرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلوا الجزية ألفي حُلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد، فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولا ضطرم عليم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران، وأهله حتى الطير على الشجر ". تفسير : قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: {إِنَّ هَـٰذَا} المذكور من نبأ عيسى ومرميم عليهما السلام {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع {وَ} لا تكفروا بابنية عيسى لله وزوجية مريم، ولا تقولوا بالتثليث والأقانيم؛ إذ {مَا مِنْ إِلَـٰهٍ} معبود بالحق في الوجود {إِلاَّ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}تفسير : [الإخلاص: 3] ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً {وَإِنَّ ٱللَّهَ} الحق الحقيق بالحقية، المتصف بالديمومية، المتحد بالقيومية {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر، القاهر للأغيار مطلقاً {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 62] في إظهارها على مقتضى إرادته واختياره. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الحق بعدما ظهر دلالته وشواهده أعرض عنهم ولا تجادل معهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم لمن أعرض عن سبيله {عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] الذين يفسدون في الأرض بإفساد عقائد ضعفاء العباد بالإعراض عن طريق الحق، والإلحاد عن الصراط المستقيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى محتجا على النصارى الزاعمين بعيسى عليه السلام ما ليس له بحق، بغير برهان ولا شبهة، بل بزعمهم أنه ليس له والد استحق بذلك أن يكون ابن الله أو شريكا لله في الربوبية، وهذا ليس بشبهة فضلا أن يكون حجة، لأن خلقه كذلك من آيات الله الدالة على تفرد الله بالخلق والتدبير وأن جميع الأسباب طوع مشيئته وتبع لإرادته، فهو على نقيض قولهم أدل، وعلى أن أحدا لا يستحق المشاركة لله بوجه من الوجوه أولى، ومع هذا فآدم عليه السلام خلقه الله من تراب لا من أب ولا أم، فإذا كان ذلك لا يوجب لآدم ما زعمه النصارى في المسيح، فالمسيح المخلوق من أم بلا أب من باب أولى وأحرى، فإن صح إدعاء البنوة والإلهية في المسيح، فادعاؤها في آدم من باب أولى وأحرى، فلهذا قال تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك } أي: هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح عليه السلام هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق، لكونه من ربك الذي من جملة تربيته الخاصة لك ولأمتك أن قص عليكم ما قص من أخبار الأنبياء عليهم السلام. { فلا تكن من الممترين } أي: الشاكين في شيء مما أخبرك به ربك، وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه، وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه.

النسائي

تفسير : / بسم الله الرحمن الرحيم [55] قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [59] 80- أنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب، عن عمرو، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : احتَّج آدم وموسى، فقال له موسى عليهما السلام: يا آدم، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ثم قال لك: كُنْ، فكنتَ، ثم أمر الملائكة فسجدوا لك، ثم قال: اسكن أنت وزوجك الجَنَّة، فكُلا منها حيث شئتم رغدا، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت ربك، فقال آدم عليه السلام: يا موسى، ألم تعلم أن الله تعالى قدَّر عليَّ هذا قبل أن يخْلٌقني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حجَّ آدم موسى، لقد حجَّ آدم موسى، لقدْ حجَّ آدم موسى ".