٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } يعني لنذيقنهم ولا يرجعون فيكونون قد ذكروا بآيات الله من النعم أولا والنقم ثانياً ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم أحد، لأن من يكفر بالله ظالم فإن الله لذوي البصائر ظاهر لا يحتاج المستنير الباطن إلى شاهد يشهد عليه بل هو شهيد على كل شيء كما قال تعالى: { أية : أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تفسير : [فصلت: 53] أي دليلك الله لا يحتاج المستنير الباطن إلى دليل على الله، ولهذا قال بعض العارفين رأيت الله قبل كل شيء فمن لم يكفه الله فسائر الموجودات سواء، كان فيها نفع أو ضر كاف في معرفة الله كما قال تعالى: { أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] فإن لم يكفهم ذلك فبسبغه عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فالأول الذي لا يحتاج إلى غير الله هو عدل والثاني الذي يحتاج إلى دليل فهو متوسط والثالث الذي لم تكفه الآفاق ظالم والرابع الذي لم تقنعه النعم أظلم من ذلك الظالم وقد يكون أظلم منه آخر، وهو الذي إذا أذيق العذاب لا يرجع عن ضلالته، فإن الأكثر كان من صفتهم أنهم إذا مسهم ضر دعوا ربهم منيبين إليه فهذا لما عذب ولم يرجع فلا أظلم منه أصلا فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا }. ثم قال تعالى: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } أي لما لم ينفعهم العذاب الأدنى فأنا منتقم منهم بالعذاب الأكبر. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } لما قرر الأصول الثلاثة على ما بيناه عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ } تفسير : [القصص: 46] وقال: { أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [الأحقاف: 9] بل كان قبلك رسل مثلك واختار من بينهم موسى لقربه من النبـي صلى الله عليه وسلم ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام فتمسك بالمجمع عليه، وقوله: {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } قيل معناه فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، وقيل بأنه رآه ليلة المعراج وقيل معناه فلا تكن في شك من لقاء الكتاب فإنك تلقاه كما لقي موسى الكتاب ويحتمل أن تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبـي عليه السلام فإنه لما أتى بكل آية وذكر بها وأعرض عنها قومه حزن عليهم، فقيل له تذكر حال موسى ولا تحزن فإنه لقي ما لقيت وأوذي كما أوذيت، وعلى هذا فاختيار موسى عليه السلام لحكمة، وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذه قومه إلا الذين لم يؤمنوا به، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى فإن لم يؤمن به آذاه مثل فرعون وغيره ومن آمن به من بني إسرائيل أيضاً آذاه بالمخالفة وطلب أشياء منه مثل طلب رؤية الله جهرة ومثل قوله: { أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } تفسير : [المائدة: 24] ثم بين له أن هدايته غير خالية عن المنفعة كما أنه لم تخل هداية موسى، فقال: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَني إِسْرٰءيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } فحيث جعل الله كتاب موسى هدى وجعل منهم أئمة يهدون كذلك يجعل كتابك هدى ويجعل من أمتك صحابة يهدون كما قال عليه السلام: « حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » تفسير : ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر، فقال: {لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ } فكذلك اصبروا وآمنوا بأن وعد الله حق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم لنفسه. {مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} أي بحججه وعلاماته. {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} بترك القبول. {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} لتكذيبهم وإعراضهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِئَايِٰتِ رَبِّهِ } القرآن {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ } أي لا أحد أظلم منه {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي المشركين {مُنتَقِمُونَ }.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون، عطف عليه قوله: {ومن أظلم} منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال: {ممن ذكر} أي من أيّ مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافاً وتنبيهاً على وجوب الشكر فقال: {بآيات ربه} أي الذي لا نعمة عنده إلا منه. ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات، فكان الإعراض عنها مستبعداً بعده، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال: {ثم أعرض عنها} ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجداً، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون "ثم" على بابها للتراخي، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحاً لما يكون من حالهم، عند بيان سؤالهم، الذي جعلوا بأنه آية الصدق، والعجز عن آية الكذب. ولما كان الحال مقتضياً للسؤال عن جزائهم، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ "من" تنبيهاً على قباحة الظلم من كل فرد، قال جامعاً لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى، مؤكداً لإن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه، صارفاً وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذاناً بالغضب: {إنا} منهم، هكذا كان الأصلي، ولكنه أظهر الوصف نصفاً في التعميم وتعليقاً للحكم به معيناً لنوع ظلمهم تبشيعاً له فقال: {من المجرمين} أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة {منتقمون} وعبر بصيغة العظمة تنبيهاً على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على جرد العداد في الظالمين، فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين؟ والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطناً بالاستدراج بالنعم، وإما ظاهراً بإحلال النقم، وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد. ولما كان مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من عند رب العالمين، ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه بالتهديد على الإعراض عن الآيات بالانتقام، وكان قد انتقم سبحانه ممن استخف بموسى عليه السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله، وكان أول من أنزل عليه كتاب من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف عليهما السلام وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط على يده، ذكر بحالة تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديداً لمن أعرض، وبشارة بإيمان العرب كلهم وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه، فقال مؤكداً تنبيهاً لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره: {ولقد آتينا} على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الجامع للأحكام وهو التوارة. ولما كان ذلك مما لا ريب فيه أيضاً، وكان قومه قد تركوا اتباع كثير منه لا سيما فيما قصَّ من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم وفيما أمر فيه باتباعه، وكان هذا إعراضاً منهم مثل إعراض الشاك في الشيء، وكانوا في زمن موسى عليه السلام أيضاً يخالفون أوامره وقتاً بعد وقت وحيناً إثر حين، تسبب عن الإيتاء المذكور قوله تعريضاً بهم وإعلاماً بأن العظيم قد يرد رد بعض أوامره لحكمة دبرها: {فلا تكن} أي كوناً راسخاً - بما أشار إليه فعل الكون وإثبات نونه، فيفهم العفو عن حديث النفس الواقع من الأمة على ما بينه صلى الله عليه وسلم {في مرية} أي شك {من لقائه} أي لا تفعل في ذلك فعل الشاك في لقاء موسى عليه السلام للكتاب منا وتلقيه له بالرضا والقبول والتسليم، كما فعل المدعون لاتباعه والعمل بكتابه في الإعراض عما دعاهم إليه من دين الإسلام، أو لا تفعل فعل الشاك في لقائك الكتاب منا وإن نسبوك إلى الإفتراء وإن تأخر بعض ما يخبر به فسيكون هدى لمن بقي منهم، وعذاباً للماضين، ولا يبقى خبر ما أخبر به أنه كائن إلا كان طبق ما أخبر به، فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم، وقد صبر موسى عليه السلام في تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال، أو يكون المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من الثابتين في إيتائنا إياه الكتاب لأجل إعراض من أعرض، ولا زلزلة أدبار من أدبر، وانتقمنا ممن أعرض عنه فلا يكن أحد ممن آمن بك في شك من إيتائنا الكتاب لك لإعراض من أعرض، فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاماً منه، ونسعد الباقين به. ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم، ذكر أن الكل فعلوا بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب، فقال ممتناً على بني إسرائيل ومبشراً للعرب: {وجعلناه} أي كتاب موسى عليه السلام جعلاً يليق بعظمتنا {هدى} أي بياناً عظيماً {لبني إسرائيل} وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله: {وجعلنا منهم} أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا، مع ما في طبع الإنسان من اتباع الهوى {أئمة يهدون} أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه {بأمرنا} أي بما أنزلنا فيه من الأوامر؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله: {لما صبروا} أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة والكسائي بالكسر والتخفيف - أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح والتشديد، وإن كان الصبر أيضاً إنما هو بتوفيق الله لهم {وكانوا بآياتنا} لما لها من العظمة {يوقنون *} لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه الإعراض، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ثلاث من فعلهن فقد أجرم. من عقد لواء في غير حق. أو عق والديه. أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم، يقول الله عز وجل {إنا من المجرمين منتقمون} ".
القشيري
تفسير : إذا نُبِّهَ العبدُ بأنواع الزَّجر، وحُرِّكَ - لتَرْكِهِ حدودَ الرقاق - بصنوفٍ من التأديب ثم لم يرتدع عن فعله، واغترّ بطول سلامته، وأمِنَ من هواجم مَكره، وخفايا سِرِّه.. أَخَذَه بغتةً بحيث لا يجد خرجةً مَنْ أخذته، قال تعالى: {أية : لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 65].
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن اظلم} [وكيست ستمكارتر] {ممن ذكر بآيات ربه} اى وعظ بالقرآن {ثم اعرض عنها} فلم يتفكر فيها ولم يقبلها ولم يعمل بموجبها وثم لاستبعاد الاعراض عنها مع غاية وضوحها وارشادها الى سعادة الدارين كقولك لصاحبك دخلت المسجد ثم لم تصل فيه استبعادا لتركه الصلاة فيه. والمعنى هو اظلم من كل ظالم وان كان سبك التركيب على نفى الاعظم من غير تعرض لنفى المساوى {انا من المجرمين} اى من كل من اتصف باجرام وان هانت جريمته {منتقمون} فكيف من كان اظلم من كل ظالم واشد جرما من كل مجرم: وبالفارسية [انتقام كشيد كانيم هلاك وعذاب] يقال نقمت من الشئ ونقمته اذا انكرته اما باللسان واما بالعقوبة والنقمة العقوبة والانتقام [كينه كشيدن] فاذانبه العبد بانواع الزجر وحرك فى تركه حدود الوفاق بصنوف من التأديب ثم لم يرتدع عن فعله واغتر بطول سلامته وامن هواجم مكر الله وخفايا امره اخذه بغته بحيث لا يجد فرجة من اخذته كما قال {انا من المجرمين} اى المصرين على جرمهم {منتقمون} بخسارة الدارين: قال الحافظ شعر : كمين كهست وتوخوش تيزميروى هش دار مكن كه كرد بر آيد زشهرة عدمت تفسير : وفى الحديث "حديث : ثلاثة من فعلهن فقد اجرم من عقد لواء فى غير حق ومن عق لوالديه ومن نصر ظالما " تفسير : واعلم ان الظلم اقبح الامور ولذلك حرمه الله على نفسه فينبغى للعاقل ان يتعظ بمواعظ الله ويتخلق باخلاقه ويجتنب عن اذية الروح بموافقة النفس والطبيعة واذية عباد الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه استند الى جدار الكعبة وقال يا كعبة ما اعظم حرمتك على الله لكنى لوهدمتك سبع مرات كان احب الى من ان اوذى مسلما مرة واحدة. وعن وهب بن منبه انه قال جمع عالم من علماء بنى اسرائيل سبعين صندوقا من كتب العلم كل صندوق سبعون ذراعا فاوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان ان قل لهذا العالم لا تنفعك هذه العلوم وان جمعت اضعافا مضاعفة ما دام معك ثلاث خصال حب الدنيا ومرافقة الشيطان واذى مسلم فهذه الاسباب توقع الانسان فى ورطة الانتقام وانتقام الله لا يشبه انتقام غيره ألا ترى انه وصف العذاب بالاكبر. وفى الحديث "حديث : ان فى اهون باب منها سبعين الف جبل من نار وفى كل جبل سبعون الف واد من نار وفى كل واد سبعون الف شعب من نار وفى كل شعب سبعون الف مدينة من نار وفى كل مدينة سبعون الف دار من نار وفى كل دار سبعون الف قصر من نار وفى كل قصر سبعو الف صندوق من نار وفى كل صندوق سبعون الف نوع من العذاب ليس فيها عذاب يشاكل عذابا" فسمع عمر رضى الله عنه فقال يا ليتنى كنت كبشا فذبحونى واكلونى ولم اسمع ذكر جهنم. وقال ابو بكر رضىالله عنه يا ليتنى كنت طيرا فى المفازة ولم اسمع ذكر النار. وقال على رضى الله عنه ياليت امى لم تلدنى ولم اسمع ذكر جهنم نسأل الله تعالى ان يحفظنا من الوقوع فى اسباب العذاب والوقوف فى مواقف المناقشة وسوء الحساب تفسير : وهو الذى خلق فهدى اى طريق رضاه ومنه الثبات على دينه الموصل الى جنته وقربته ووصلته ولقاه
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أي لا أحد أظلم لنفسه من نُبّه على حجج الله وبيناته التي توصله إلى درجة الكمال وقُرْب المهيمن المتعال، ثم أعرض عنها جانباً ولم ينظر فيها، لأن منشأ الإعراض الجحودُ والإنكارُ والجهلُ والاستكبارُ، ولفظ "ثُمّ"، يستعمل في هذا الموضع للاستبعاد، والمعنى: إن هذا القسم من الإعراض مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: "وَقَعَ بيدك مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها" استبعاداً لتركه، والله ينتقم منهم بأن يعاقبهم بما يستدعيه إعراضهم عن آيات الله من العذاب الدائم والعقاب الأليم الحاصل من الطرد والإبعاد والسقوط عن مقتضى الفطرة. إيضاح فرقاني مفهوم الآية يدل على أن المراد من لفظ الموصول هم المنافقون المستعدون بحسب نفوسهم لتذكّر الآيات، إلاّ النفوس الجرمانية الظلمانية الصم البكم العُمْي الذين لا يعقلون، وهم المختوم على قلوبهم رأساً، فإن الإعراض عن المعارف والحِكَم والآيات عند ذكرها، المستدعي لضَرْبٍ من التذكر، إنما يتصور فيمن له نوع من الفطانة التبراء والاستبداد بالرأي الذي قلّ ما ينفك عنه المشتغلون بالأبحاث والعلوم الجزئية، وهؤلاء أشد عذاباً يوم القيامة من الذين لا يستعدّون بحسب الفطرة إلى الإرتقاء إلى ذروة الكمال من هبوط النقص والوبال ومزابل الجهّال. وممّا يدل على هذا، ما سيذكره تعالى في الآية اللاحقة من السورة بقوله: {أية : فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ}تفسير : [السجدة:23]، فإن شأن هذه النفوس الإمتراء والمراء والبحث والمجادلة وإيراد الشبهة والشكوك، وشأنه تعالى تثبيت عبده عند تزلزل الأقدام بالشكوك والأوهام، وتأييده عند معارضة الجاحدين من الأقوام، كقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء:74] الآية. وأكثر هذه الطائفة المُعرضين عن حجج الله الناطقة والصامتة، إنما اغترّوا بفطانتهم لسماعهم وحفظهم بعض الأقوال من المشائخ والسابقين، من غير فَهْم ودِراية، بل بمجرد قول ورواية، وشكّك اللاحق منهم في السابق، وطعن الآتي منهم بالماضي، يغتاب بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، ويغتاظ بعضهم من بعض بحرقة قلوبهم وألم نفوسهم، وهم في العذاب مشتركون، أولهم مع آخرهم كما ذكر الله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ}تفسير : [الأعراف:38]، وهم الأشرار والمنافقون: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف:106]، وهم أهل البِدَع والأهواء، شرهم كلهم على أهل الورع والدين، وأضرّهم على العلماء الربانيين، وأشدهم عداوة للذين آمنوا، هذه الطائفة المجادلة والمخاصمة الذين يخوضون في الفروع والخِلافيات، ويهملون الأصول واليقينيات، ومع هذه البليّة يدّعون إنهم بهذه العقول السخيفة ينصرون دين الله ويعرفون طريق الحق، نعوذ بالله من شرورهم على الدين وإفسادهم على المؤمنين.
الجنابذي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} قد مرّ مراراً انّ المراد من امثال هذه العبارة اثبات اظلميّة المفضّل عليه وان كان مفهوم العبارة اعمّ منه {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} مع وضوح الآيات واقتضاء التّذكير بها الاقبال عليها {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} يعنى انّا من مطلق المجرم منتقمون والمعرض عن الآيات بعد التّذكّر بها كان اعظم جرماً من كلّ مجرم.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} القرآن ودليل وحدانيته مطلقا. {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} اللهم لا احد اظلم منه والاعراض عنها عبارة عن ترك الايمان بها وعدم التذكر فيها والتعبير بالاعراض مبالغة وان قلت الاعراض متصل بالتذكير فكيف عبر بثم الدالة على الانفصال قلت اما ان تكون بمعنى الواو او الفاء واما ان تكون للاتصال على ان المعنى انه يذكر بها ويذهب متحيرا غير جازم حتى تستحكم فيه الوساويس ويتوغل في الاعراض حينئذ او على معنى ان الاعراض عنها مع وضوحها وارشادها الى كل سعادة وفوز عن كل شقاوة وخسارة مستبعد في العقل كما تقول لصاحبك وجدت عدوك نائما منفردا ثم لم تقتله استبعاد لتركه قتله عن الصواب ومنه البيت الذي في الحماسة. شعر : فلا يكشف الغماء الا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها تفسير : استبعد ان يبلغ احد من شدة الجنان بحيث يزور غمرات الموت بعد ان رآها ويتقنها وعرف شدتها. {إِنَّا مِنَ المَجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} اما ان يكون الاصل انا منهم منتقمون فوضع الظاهر موضع المضمر اشعارا بأن موجب الانتقام الاجرام فيقيهم منه ان كل مجرم منتقم منه واما ان المراد بالمجرمين ذوي الاجرام مطلقا فيكون الكلام مفيدا ان المجرم منتقم منه فكيف بأظلم ظالم فله من الانتقام الحض الأوفر وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من فعلهن قد أجرم من عقد لواء في غير حق ومن عق والديه ومن نصر ظالما "تفسير : ، وعن بعضهم ان المعنى انا منتقمون بالعذاب الاكبر من المشركين.
اطفيش
تفسير : {ومَن أظْلم ممَّن ذكر بآيات ربه ثم أعْرض عنْها} اى هو أظلم ظالم، وثم للترتيب الرتبى لاستبعاد الاعراض من آيات الله عقلا لغاية وضوحها، وارشادها الى سعادة الدارين {إنَّا من المُجْرمين} اصحاب الكبائر، ولو موحدين، فكيف بهؤلاء الذين اعرضوا {منْتَقمُون} او انا منهم فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالاجرام الموجب للانتقام.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } بيان إجمالي لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد، وكلمة {ثُمَّ } لاستبعاد الإعراض عنها عقلاً مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر بن علية الحارثي:شعر : ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها تفسير : والمراد أن ذلك أظلم من كل ظالم {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } قيل: أي من كل من اتصف بالإجرام وكسب الأمور المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة {مُنتَقِمُونَ } فكيف ممن هو أظلم ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرماً من كل جارم، ففي الجملة إثبات الانتقام منه بطريق برهاني. / وجوز أن يراد بالمجرم المعرض المذكور وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى {مِنْ } باعتبار معناها وكان الأصل إنا منهم منتقمون ليؤذن بأن علة الانتقام ارتكاب هذا المعرض مثل هذا الجرم العظيم: وفسر البغوي المجرمين هنا بالمشركين. وقال الطيبـي عليه الرحمة بعد حكايته: ولا ارتياب أن الكلام في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لأنه يقرر أن الكافر إذا وصف بالظلم والإجرام حمل على نهاية كفره وغاية تمرده ولأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال المكذبين القائلين: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} تفسير : [السجدة: 3] والتخلص إلى قصة الكليم مسلاة لقلب الحبيب عليهما الصلاة والسلام إلى آخر ما ذكره فليراجع.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها}تفسير : [السجدة: 15] إلى آخرها حيث اقتضت أن الذين قالوا: {أية : أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10] ليسوا كأولئك فانتُقل إلى الإخبار عنهم بأنهم أشد الناس ظلماً لأنهم يُذَكِّرون بآيات الله حين يتلى عليهم القرآن فيعرضون عن تدبرها ويَلْغون فيها، فآيات الله مراد بها القرآن. وجيء في عطف جملة {أعرضَ} بحرف {ثم} لقصد الدلالة على تراخي رتبة الإعراض عن الآيات بعد التذكير بها تراخي استبعاد وتعجيب من حالهم كقول جعفر بن علبة الحارثي:شعر : لا يكشف الغماء إلا ابنُ حرة يرى غمراتِ الموت ثُم يزورها تفسير : أي: عجيب إقدامه على مواقع الهلاك بعد مشاهدة غمرات الموت تغمر الذين أقدموا على تلك المواقع. و{مَن} للاستفهام الإنكاري كقوله {أية : ومن أظلم ممن مَنَع مساجدَ الله أن يذكر فيها اسمه} تفسير : [البقرة: 114] أي: لا أظلم منه، أي لا أحَد أظلم منه لأنه ظلَم نفسه بحرمانها من التأمل فيما فيه نفعه، وظلَم الآيات بتعطيل نفعها في بعضِ مَن أريد انتفاعهم بها، وظَلَم الرسول عليه الصلاة والسلام بتكذيبه والإعراض عنه، وظَلَم حق ربه إذ لم يمتثل ما أراد منه. وجملة {إنا من المجرمين منتقمون} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن تفظيع ظلم الذي ذُكِّر بآيات ربِّه فأعرض عنها لأن السامع يترقب جزاء ذلك الظالم. والمراد بالمجرمين هؤلاء الظالمون، عدل عن ذكر ضميرهم لزيادة تسجيل فظاعة حالهم بأنهم مجرمون مَع أنهم ظالمون، وقد يقال: إن المجرمين أعم من الظالمين فيكون دخولهم في الانتقام من المجرمين أحروِيّاً وتصير جملة {إنا من المجرمين منتقمون} تذييلاً.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان الآيات الدالة على العواقب السيئة، الناشئة عن الأعراض، عن التذكير بآيات الله في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [الكهف: 57].
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِ} (22) - وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِنْ إِنسَانٍ ذَكَّرَهُ اللهُ تَعَالى بآياتِهِ، وَبَيَّنَها لَهُ وَوَضَّحَها، ثُمَّ جَحَدَها وَأَعْرَضَ عَنْها وَتَنَاسَاهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَلَمْ يَعْرِفْها. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالى إِنَّهُ سَيَنْتَقِمُ مِنَ المُجْرِمينَ الذينَ كَفَروا واجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَشَدَّ الانْتِقَامِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِواءً فِي غَيْرِ حَق، أَوْ عَقَّ وَالِدَيهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُتفسير : . يَقُولُ الله تَعَالى: إِنَّا مِنَ المُجْرِمينَ مُنْتَقِمُونَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا أيضاً يعرض علينا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في صورة هذا السؤال التقريري، كأنه سبحانه يقول لنا: أنا رضيت ذمتكم يا عبادي، فقولوا لي: هل يوجد أحد أظلم ممَّنْ ذُكِّر بآيات ربه، ثم أعرض عنها. والمنطق الطبيعي أن نقول: لا أحدَ أظلم من هذا. وهذا إقرار مِنّا بهذه الحقيقة؛ لذلك عرضها الحق سبحانه في صورة سؤال بدل الإخبار بها. ومعنى {ذُكِّرَ ..} [السجدة: 20] أي: أن رسالات الله إلى خَلْقه ما هي إلا تذكير بعهد الإيمان القديم الذي أخذه الله على عباده حين قال سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172] وسبق أنْ قُلْنا إن في كل منّا ذرةً شهدتْ هذا العهد، وعلى كل منا أنْ يحفظ إشراقات هذه الذرة في نفسه بأنْ يُغذِّيها بالحلال، ويُعوِّدها الطاعة لتبقى فيه إشراقات الإيمان. كما قال تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس: 7-10]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ ءَآتَيْنَا مُوسَى ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ} على الله، وأسوأ أدباً معه سبحانه {مِمَّن ذُكِّرَ} ووُعظ {بِآيَاتِ رَبِّهِ} ليهتدي بها إلى الإيمان والتوحيد، ويمتثل بمقتضاها؛ ليتخلص عن الكفر والشرك {ثُمَّ} بعدما سمعها {أَعْرَضَ عَنْهَآ} فجأة بلا تفكر وتأمل في معناها، وأنكر على مقتضاها، واستكبر على ما أنزل الله إليه، فكذبه ونسب إليه ما لا يليق بشأنه، وأصر على ما هو عليه عناداً ومكابرةً {إِنَّا} من مقام قهرنا وجلالنا {مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22] أي: قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنَّا بعدما بالغوا في الإنكار والإصرار: إنَّا منتقمون منهم على أبلغ وجه وأشده من عموم المجرمين الظالمين، فكيف من هو أجرم وأظلم منهم، وأصر على البغي والعناد؟! فننتقم عنهم، ونخلدهم في عذاب النار؛ إذ لا عذاب أسوأ منه وأشد، أعاذنا الله وجميع عباده منها. {وَ} لا تظنن يا أكمل الرسل أنَّا لم ننجز وعدنا الذي وعدنا معك في كتابك من أنَّا ننتقم من أهل الشرك والكفر والإصرار على أبلغ وجه وآكده، بل لك أن تتيقن وتذعن عن إنجاز وعدنا إياك مثلما أنجزنا مواعيدنا مع أخيك موسى الكليم؛ إذ {لَقَدْ آتَيْنَا} من مقام جودننا أخاك {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة مثلما آتيناك الفرقان، ووعدنا فيه معه مثلما وعدنا معك في كتابك هذا من انتقام أهل الفساد والعناد، بل وعدنا هذا الوعد مع كل نبي ورسول آتيناه الكتاب والصحف {فَلاَ تَكُن} أنت أيضاً يا أكمل الرسل {فِي مِرْيَةٍ} أي: شك وارتياب {مِّن لِّقَآئِهِ} أي: إنجاز هذا الموعود وإتيانه على الوجه الذي وعدناه في التوراة {وَ} كيف ترتاب في وعدنا هذا مع أنَّا قد {جَعَلْنَاهُ} أي: التوراة {هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [السجدة: 23] يهتدون به إلى المعالم الدينية، والمعارف اليقينية، والحقائق العليَّة، والمكتشفات السنيَّة؟!. {وَ} كيف لا وهم من خواص عبادنا وخلَّصهم؛ إذ قد {جَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أمناء هادون، مهديون مقتدون {يَهْدُونَ} الناس {بِأَمْرِنَا} ووحينا إياهم، وإلهامنا إليهم إلى ديننا وتوحيدنا، وإنما أعطيناهم ما أعطيناهم من الكرامات {لَمَّا صَبَرُواْ} أي: حين وطَّنوا نفوسهم على تحمل ما لحقهم في إعلاء كلمة الحق، وإفشاء أعلام الدين من المتاعب والمكروهات المؤدية إلى إتلاف النفس، وبذل المهج وأنواع المصيبات {وَ} هم {كَانُواْ} في أنفسهم {بِآيَاتِنَا} النازلة إياهم، الدالة على كمال قدرتنا، الواردة في أي شيء أردناه {يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] يذعنون، لا يترددون فيها ولا يتذبذبون، وأنت يا أكمل الرسل أولى وأحق منهم بإيقان آياتنا وإذعانها. {إِنَّ رَبَّكَ} الذي رباك بأنواع الكرامات، وأيدك بأصناف الخوارق والمعجزات {هُوَ} بذاته ومقتضى حكمته المتقنة، وأحكامه المبرمة {يَفْصِلُ} ويقضي {بَيْنَهُمْ} أي: بين المحقين والمبطلين، ويميز كلاً منهم عن صاحبه {يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ} المعدة للقطع والفصل، وتنفيذ الأحكام والحكومات، فومئذٍ يظهر لهم الحق {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [السجدة: 25] من الأمور الدينية، والمعارف اليقينية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا أحد أظلم، وأزيد تعديًا، ممن ذكر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته، وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره، وتذكره مصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال: { إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):