٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى؛ قاله ابن عباس. وقد لقِيه ليلة الإسراء. قتادة: المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإسراء. والمعنى واحد. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول؛ قاله مجاهد والزجاج. وعن الحسن أنه قال في معناه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} فأوذي وكُذّب، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقِيَه من التكذيب والأذى؛ فالهاء عائدة على محذوف، والمعنى من لقاء ما لاقى. النحاس: وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو بن عُبيد. وقيل في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: قل يتوفاكم مَلَك الموت الَّذِي وُكِّل بكم فلا تكن في مِرْية من لقائه؛ فجاء معترضاً بين {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} وبين {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}. والضمير في «وَجَعَلْنَاهُ» فيه وجهان: أحدهما: جعلنا موسى؛ قاله قتادة. الثاني: جعلنا الكتاب؛ قاله الحسن. {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أي قادةً وقُدْوةً يُقتَدى بهم في دينهم. والكوفيون يقرؤون «أَئَمَّةً» النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، وهو من دقيق النحو. وشرحه: أن الأصل «أَأْمِمَة» ثم ألقيت حركة الميم على الهمزة وأدغمت الميم، وخفّفت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان، والجمع بين همزتين في حرفين بعيد؛ فأمّا في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية نحو قولك: آدم وآخر. ويقال: هذا أومّ من هذا وأيمّ؛ بالواو والياء. وقد مضى هذا في «براءة» والله تعالى أعلم. {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي يدعون الخلق إلى طاعتنا. {بِأَمْرِنَا} أي أمرناهم بذلك. وقيل: «بِأَمْرِنَا» أي لأمرنا؛ أي يهدون الناس لديننا. ثم قيل: المراد الأنبياء عليهم السلام؛ قاله قتادة. وقيل: المراد الفقهاء والعلماء. {لَمَّا صَبَرُواْ} قراءة العامة «لَمّا» بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها؛ أي حين صبروا. وقرأ يحيـى وحمزة والكسائي وخَلَف ورُوَيْس عن يعقوب: «لِما صَبَرُوا» أي لصبرهم جعلناهم أئمة. واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة ابن مسعود «بِمَا صَبَرُوا» بالباء. وهذا الصبر صبرٌ على الدين وعلى البلاء. وقيل: صبروا عن الدنيا. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ} أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيجازي كُلاًّ بما يستحق. وقيل: يقضي بين الأنبياء وبين قومهم؛ حكاه النقاش.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله موسى عليه السلام: أنه آتاه الكتاب، وهو التوراة، وقوله تعالى: {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} قال قتادة: يعني به: ليلة الإسراء، ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم، يعني: ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران؛ رجلاً آدم طوالاً جعداً، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن النار والدجال» تفسير : في آيات أراهن الله إياه، {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أنه قد رأى موسى، ولقي موسى ليلة أسري به. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَٰءِيلَ} قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل، وفي قوله: {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} قال: من لقاء موسى ربه عز وجل. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُ} أي: الكتاب الذي آتيناه {هُدًى لِّبَنِى إِسْرَٰءِيلَ} كما قال تعالى في سورة الإسراء {أية : وَءَاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَٰءِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 2]. وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يُوقِنُونَ} أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عملاً صالحاً، ولا اعتقاداً صحيحاً، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ} قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا. وكذلك قال الحسن بن صالح. قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا. قال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز. وقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمي، أو عمي على أبي: سئل سفيان عن قول علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يُوقِنُونَ} قال: لما أخذوا برأس الأمر، صاروا رؤساء. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ وَءاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} تفسير : [الجاثية: 16 ــــ 17] الآية، كما قال هنا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: من الاعتقادات والأعمال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٱلْكِتَٰبَ } التوراة {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ } شك {مِّن لِّقَآئِهِ } وقد التقيا ليلة الإِسراء {وَجَعَلْنَٰهُ } أي موسى أو الكتاب {هُدًى } هادياً {لِّبَنِى إِسْرٰءِيلَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة {فَلاَ تَكُن } يا محمد {فِي مِرْيَةٍ } أي شك، وريبة {مّن لّقَائِهِ } قال الواحدي: قال المفسرون: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به. وهذا قول مجاهد والكلبي والسديّ. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب. قاله الزجاج. وقال الحسن: إن معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب فكذّب وأوذي، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، فيكون الضمير في لقائه على هذا عائداً على محذوف، والمعنى: من لقاء ما لاقى موسى. قال النحاس: وهذا قول غريب. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، فلا تكن في مرية من لقائه، فجاء معترضاً بين {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } وبين {وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لّبَنِي إِسْرٰءيلَ } وقيل: الضمير راجع إلى الكتاب الذي هو الفرقان كقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [النمل: 6] والمعنى: أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وما أبعد هذا، ولعلّ الحامل لقائله عليه قوله: {وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لّبَنِي إِسْرٰءيلَ } فإن الضمير راجع إلى الكتاب. وقيل: إن الضمير في {لقائه} عائد إلى الرجوع المفهوم من قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } أي لا تكن في مرية من لقاء الرجوع، وهذا بعيد أيضاً. واختلف في الضمير في قوله: {وجعلناه} فقيل: هو راجع إلى الكتاب، أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل، قاله الحسن وغيره. وقال قتادة: إنه راجع إلى موسى، أي وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل. {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً } أي قادة يقتدون به في دينهم، وقرأ الكوفيون: «أئمة» قال النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، ومعنى {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا }: أي يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليه من أحكام التوراة ومواعظها بأمرنا، أي بأمرنا لهم بذلك، أو لأجل أمرنا. وقال قتادة: المراد بالأئمة: الأنبياء منهم. وقيل: العلماء {لَمَّا صَبَرُواْ } قرأ الجمهور: {لما} بفتح اللام وتشديد الميم، أي حين صبروا، والضمير للأئمة، وفي "لما" معنى: الجزاء، والتقدير: لما صبروا جعلناهم أئمة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وورش عن يعقوب ويحيى بن وثاب بكسر اللام وتخفيف الميم، أي جعلناهم أئمة لصبرهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد مستدلاً بقراءة ابن مسعود: «بما صبروا» بالباء، وهذا الصبر هو صبرهم على مشاقّ التكليف والهداية للناس، وقيل: صبروا عن الدنيا {وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } التنزيلية {يُوقِنُونَ } أي يصدّقونها، ويعلمون أنها حق، وأنها من عند الله؛ لمزيد تفكرهم، وكثرة تدبرهم. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } أي يقضي بينهم ويحكم بين المؤمنين والكفار {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وقيل: يقضي بين الأنبياء، وأممهم، حكاه النقاش. {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } أي أو لم يبين لهم، والهمزة للإنكار، والفاعل ما دلّ عليه {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } أي أو لم نبين لهم كثرة إهلاكنا من قبلهم. قال الفراء: كم في موضع رفع بـ {يهد}. وقال المبرد: إن الفاعل: الهدى المدلول عليه بـ {يهد}، أي أو لم يهد لهم الهدى. وقال الزجاج: {كم} في موضع نصب بـ {أهلكنا}، قرأ الجمهور: {أو لم يهد} بالتحتية، وقرأ السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب بالنون، وهذه القراءة واضحة. قال النحاس: والقراءة بالياء التحتية فيها إشكال؛ لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل لـ {يهد}؟ ويجاب عنه بأن الفاعل هو ما قدّمنا ذكره، والمراد بالقرون: عاد وثمود ونحوهم، وجملة: {يَمْشُونَ فِي مَسَـٰكِنِهِمْ } في محل نصب على الحال من ضمير لهم، أي والحال أنهم يمشون في مساكن المهلكين ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من العبر، وآثار العذاب. ولا يعتبرون بذلك. وقيل: يعود إلى المهلكين، والمعنى: أهلكناهم حال كونهم ماشين في مساكنهم، والأوّل أولى {إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور {لآيَاتٍ } عظيمات، {أَفَلاَ يَسْمَعُونَها}، ويتعظون بها. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ } أي أو لم يعلموا بسوقنا الماء إلى الأرض التي لا تنبت إلا بسوق الماء إليها. وقيل: هي اليابسة، وأصله من الجرز وهو: القطع أي التي قطع نباتها لعدم الماء، ولا يقال للتي لا تنبت أصلاً كالسباخ جرز لقوله: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً } قيل: هي أرض اليمن. وقيل: أرض عدن. وقال الضحاك: هي الأرض العطشى. وقال الفراء: هي الأرض التي لا نبات فيها. وقال الأصمعي: هي الأرض التي لا تنبت شيئاً. قال المبرد: يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام. وقيل: هي مشتقة من قولهم رجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئاً إلا أكله، ومنه قول الراجز:شعر : خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوى تفسير : وكذلك ناقة جروز: إذا كانت تأكل كل شيء تجده. وقال مجاهد: إنها أرض النيل؛ لأن الماء إنما يأتيها في كل عام {فَنُخْرِجُ بِهِ }، أي بالماء {زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ } أي من الزرع كالتبن والورق ونحوهما مما لا يأكله الناس {وَأَنفُسِهِمْ } أي يأكلون الحبوب الخارجة في الزرع مما يقتاتونه، وجملة: {تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ } في محلّ نصب على الحال {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } هذه النعم ويشكرون المنعم ويوحدونه، لكونه المنفرد بإيجاد ذلك. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } القائلون هم الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص، أي متى الفتح الذي تعدونا به، يعنون بالفتح: القضاء والفصل بين العباد، وهو يوم البعث الذي يقضي الله فيه بين عباده، قاله مجاهد وغيره. وقال الفراء والقتيبي: هو فتح مكة. قال قتادة: قال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم للكفار: إن لنا يوماً ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم، يعنون يوم القيامة، فقال الكفار: متى هذا الفتح؟ وقال السديّ: هو يوم بدر، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار: إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم، و"متى" في قوله: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ } في موضع رفع، أو في موضع نصب على الظرفية. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليهم، فقال: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَـٰنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } وفي هذا دليل على أن يوم الفتح هو يوم القيامة؛ لأن يوم فتح مكة ويوم بدر هما مما ينفع فيه الإيمان. وقد أسلم أهل مكة يوم الفتح، وقبل ذلك منهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعنى {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }: لا يمهلون ولا يؤخرون، "ويوم" في {يوم الفتح} منصوب على الظرفية، وأجاز الفراء الرفع {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي عن سفههم وتكذيبهم ولا تجبهم إلا بما أمرت به {وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } أي وانتظر يوم الفتح، وهو يوم القيامة، أو يوم إهلاكهم بالقتل، إنهم منتظرون بك حوادث الزمان من موت أو قتل أو غلبة كقوله: {أية : فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } تفسير : [التوبة: 52] ويجوز أن يراد: إنهم منتظرون لإهلاكهم، والآية منسوخة بآية السيف. وقيل: غير منسوخة، إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال. وقرأ ابن السميفع: "إنهم منتظرون" بفتح الظاء مبنياً للمفعول، ورويت هذه القراءة عن مجاهد وابن محيصن. قال الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار، أي إنهم منتظر بهم. قال أبو حاتم: الصحيح الكسر، أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طويلاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهنّ الله إياه» تفسير : قال: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } فكان قتادة يفسرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى {وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لّبَنِي إِسْرٰءيلَ } قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل. وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند، قال السيوطي: صحيح، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ } قال: "من لقاء موسى"، قيل: أو لقي موسى؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } تفسير : [الزخرف: 45]. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ } قال: الجرز التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ } قال: أرض باليمن. قال القرطبي في تفسيره: والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } قال: يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقْدَ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكَتِابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى ولقد لقيته ليلة الإسراء روى أبو العالية الرياحي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَأيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عمرانَ رَجُلاً طُوَالاً جَعْداً كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ. وَرَأَيْتُ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَجُلاً مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأُسِ" تفسير : قال أبو العالية قد بين الله ذلك في قوله: {وَاسْأَلْ مِنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا}. الثاني: فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها. الثالث: فلا تكن في شك من لقاء موسى في الكتاب، قاله مجاهد والزجاج. الرابع: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقيه موسى، قاله الحسن. الخامس: فلا تكن في شك من لقاء موسى لربه حكاه النقاش. {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} فيه وجهان: أحدهما: جعلنا موسى، قاله قتادة. الثاني: جعلنا الكتاب، قاله الحسن. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنهُمْ أَئِمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} فيه وجهان: أحدهما: أنهم رؤساء في الخير تبع الأنبياء، قاله قتادة. الثاني: أنهم أنبياء، وهو مأثور. {لَمَّا صَبَرُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على الدنيا، قاله سفيان. الثاني: على الحق، قاله ابن شجرة. الثالث: على الأذى بمصر لما كلفوا ما لا يطيقون، حكاه النقاش. {وَكَانُوا بِئَايَاتِناَ} يعني بالآيات التسع {يُوقِنُونَ} أنها من عند الله. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} الآية فيها وجهان: أحدهما: يعني بين الأنبياء وبين قومهم، حكاه النقاش. الثاني: يقضي بين المؤمنين والمشركين فيما اختلفوا فيه من الإيمان والكفر، قاله يحيى بن سلام.
ابن عطية
تفسير : قرأ الناس "في مِرية" بكسر الميم، وقرأ الحسن بضمها، واختلف المتأولون في الضمير الذي في {لقائه} على من يعود؛ فقال أبو العالية الرياحي وقتادة: يعود على موسى، والمعنى لا تكن في شك من أن تلقى موسى، أي في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألة، وقالت فرقة الضمير عائد على {الكتاب} أي أنه لقي موسى حين لقيه موسى، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافاً للفاعل بمعنى لقي الكتاب موسى، ويصح أن يكون مضافاً إلى المفعول بمعنى لقي الكتابَ - بالنصب - موسى، وقال الحسن الضمير عائد على ما يتضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي موسى، وذلك أن إخباره بأنه آتى موسى الكتاب كأنه قال {ولقد آتينا موسى} هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس، وكأن الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة معناه فلا تكن في شك من لقائه في الآخرة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة الضمير عائد على {أية : ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11] الذي تقدم ذكره، وقوله {فلا تكن في مرية من لقائه} اعتراض بين الكلامين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ضعيف، و"المرية" الشك، والضمير في {جعلناه} يحتمل أن يعود على موسى، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يعود على {الكتاب} و {أئمة} جمع إمام وهو الذي يقتدى به وأصله خيط البناء وجمهور النحويين على "أئمة" بياء وتخفيف الهمزة، إلا ابن أبي إسحاق فإنه جوز اجتماع الهمزتين وقرأ "أئمة" وقرأ جمهور القراء "لَمَّا صبروا" بفتح اللام وشد الميم، وقرأ حمزة والكسائي "لِما" بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة ابن مسعود وطلحة والأعمش، فالأولى في معنى الظرف والثانية كأنه قال لأجل صبرهم، فـ"ما" مصدرية، وفي القراءتين معنىالمجازاة أي جعلهم أئمة جزاء على صبرهم عن الدنيا وكونهم موقنين بآيات الله وأوامره وجميع ما تورده الشريعة، وقرأ ابن مسعود "بما صبروا". وقوله تعالى: {إن ربك} الآية، حكم يعم جميع الخلق، وذهب بعض المتأولين إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلا تَكُن فِى} شك من لقاء موسى فقد لقيته ليلة الإسراء "ع". وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأه ليلته. قال أبو العالية: قد بينه الله تعالى بقوله {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} تفسير : [الزخرف: 45] أو لا تكن في شك من لقاء موسى فستلقاه في القيامة، أو لا تشك في لقاء موسى للكتاب، أو لا تشك في لقاء الأذى كما لقيه موسى "ح"، أو لا تشك في لقاء موسى لربه. {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً} موسى، أو الكتاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ} اخْتُلِفَ فِي الضمير الذي في {لِّقَائِهِ} على من يعود؟ فقال قتادة وغيره: يعود على موسى، والمعنى: فلا تكن يا محمد، في شك من أنك تلقى موسى، أي: في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقالت فرقة: الضميرُ: عائد على الكتابِ، أي: فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب. * ص *: وقيل: يعود على الكتابِ على تقدير مُضْمَرٍ، أي: من لقاء مثله، أي: أتيناك مثلَ مَا آتينا موسى، والتأويل الأول هو الظاهر، انتهى. والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، والضميرُ فِي جَعَلْنَاهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يعودَ على الكتابِ أو على موسى؛ قاله قتادة. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ}، حُكْم يَعُمّ جميعَ الخلق، وذهب بعضهم إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} لما قرر الأصول الثلاثة عاد إلى الأمثل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ}تفسير : [السجدة: 3] وقال: إنَّكَ لَسْتَ بدْعاً مِنَ الرُّسُلِ بل كان قبلك رسلٌ مثلُك، وذكر موسى لقربه (من) النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى - عليه (الصلاة و) السلام (للذكر) والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوّته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنُبُوَّة عيسى عليه السلام فتمسك بالمجمع عليه. قوله: {فَلاَ تَكُنْ فِي مَرْيَةٍ} قرأ الحسن بالضم وهي لُغَةٌ، وقوله: "مِنْ لِقَائِهِ" في الهاء أقوال: أحدها: أنها عائدة على "مُوسَى" والمصدر مضاف لمفعوله أي من لقائِكَ مُوسى ليلةَ الإسراء. وامْتَحَنَ المبردُ الزجاجَ في هذه المسألة فأجاب بما ذكر، قال ابن عباس وغيره: المعنى فلا تكن في شَكٍّ من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسري بي مُوسىَ رَجُلاً آدَمَ طُوالاً جَعْداً كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلاً مَرْبُوعاً إلى الحُمرةِ والبَيَاض سَبْط الرأس، ورأيتَ مالِكاً خَازِنَ النَّارِ والدَّجَّال في آيات أَراهَنَي اللَّهُ إيَّاهُ . تفسير : والثاني: أن المضير يعود على "الكتاب" وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي من لقاء الكتاب لموسى أو للمفعول أي من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاءَ يصح نسبته إلى كل منهما، لأن من لقيك فقد لقيته. قال السدي المعنى فلا تكن في مِرْيَةٍ من لقائه أي تلقى موسى كتاب الله بالرضا والقبول. الثالث: أي يعود على الكتاب على حذف مضاف أي من لقاء مثل كتاب موسى. الرابع: أنه عائد على ملك الموت لتقدم ذكره. الخامس: عوده على الرجوع المفهوم من قوله: {أية : إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}تفسير : [السجدة: 11] أي لأنك في مرية من لقاء الرجوع. السادس: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مِمَّا ابتلي به موسى من البلاء والامْتِحَان، قاله الحسن. أي لا بدّ ان يلقى ما لقي موسى من قومه فاختار موسى عليه السلام لحكمة وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذِهِ من قومه إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى عليه السلام فإن من لا آمن به آذاه كفرعون (وغيره) ومن آمن به من بني إسرائيل أيضاً (آذاه) بالمخالفة وطلب أشياء مثل رؤية الله جهرة وكقولهم: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ}تفسير : [المائدة: 24]. وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، ثم بين (أن له هداية غير عادية عن المنفعة كما أنه لم تحل هداية موسى حيث جعل الله كتاب موسى هدى) وجعل منهم أئمة يهدون كذلك يجعل كتابك هدى ويجعل من أمتك صحابة يهدون كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ"تفسير : ، ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر فقال: {لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}. فصل "لَمَّا صَبَرُوا" قرأ الأخوان بكسر اللام وتخفيف الميم، على أنها لام الجر و ("ما") مصدرية، والجار متعلق بالجعل أي جعلناهم كذلك لصبرهم ولإيقانهم، والباقون بفتحها وتشديد الميم. وهي "لمَّا" التي تقتضي جواباً وتقدم فيها قولا سيبويه والفارسي، والمعنى حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصْرَ. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} هذا يصلح أن يكون جواباً لسؤال وهو أنه تعالى لما قال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ} فكان لقائل أن يقول: كيف يَهْدُونَ وهم اختلفوا وصاروا فِرَقاً والحق واحد؟ فقال (الله) يبين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم القيامة. قوله: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ} يتبين لهم {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} لما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد وقال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ} وقوله {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي مساكن المُهْلَكِينَ (دلالة على حالتهم) وأنتم تمشون فيها وتبصرونها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} آيات الله وعِظَاته واعتبر السمع لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم فقال: "أفلا يسمعون" (يعني) ليس لكم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} قرىء الجُرْز - بسكون الراء - وتقدم أول الكهف. وهي الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض باليمن، وقال مجاهد: هي أرض بأنين. والجرز هو القطع فكأنها المقطوع عنها الماء والنبات. لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضرر والنفع بيد الله ثم قال: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ} من العشب والتبن "وأَنْفُسُهُمْ" من الحبوب والأقوات، وقدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه: الأول: أن الزرع أول ما ينبت للدوابِّ ولا يصلح للإنسان. الثاني: أن الزرع غذاء للدواب لا بدّ منه وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع ثم الإنسان يأكل من الحيوان. قوله: "أَفَلاَ يُبْصِرُونَ" قرأ العامة بالغيبة، (وابن مسعود) بالخطاب التفاتاً. وقال تبصرون لأن الأمر (يرى) بخلاف حال الماضي فإنها كانت مسموعة. ثم لما بين الرسالة والتوحيد بيّن الحشر فقال: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قيل: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العابد قال قتادة: قال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للكفار: إنّ لنا يوماً ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم فقالوا استهزاء: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} أي القضاء والحكم. وقال الكلبي: يعني فتح مكة، وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون لهم إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم فيقولون متى هذا الفتح. فصل "يوم الفتح" منصوب "بلاَ يَنْفَعُ" و "لا" غير مانعة من ذلك. وقد تقدم فيها مذاهب والمعنى يوم الفتح يوم القيامة لا ينفع الذين كفروا إيمانُهُمْ. ومن حمل الفتح على فتح مكة والقتل يوم بدر قال معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم من العذاب وقُتِلُوا {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} أي لا يُمْهَلُونَ بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا، ثم لما بين أن الدلائل لم تنفعهم قال: "فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ" قال ابن عباس: نسختها آية القتال. قوله: {وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} العامة على كسر الظاء من "مُنْتَظِرٍ" اسم فاعل، والمفعولُ من "انْتَظَر" ومن "مُنْتَظِرُونَ" محذوف أي انتظر ما يَحُلُّ بهم إنهم منتظرون (على زَعْمِهمْ ما يحل بك. وقرا اليَمَانِيُّ: "مُنْتَظَرُونَ") اسم مفعول. قيل: المعنى انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان. وقيل: انتظر عذابنا فيهم إنهم منتظرون ذلك وعلى هذا فلا فرق بين الانتظار. وقيل: انتظر عذابهم بنفسك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاءاً كما قالوا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}تفسير : [الأعراف: 70]. فصل روى أبو هريرة قال: حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة {الۤـمۤ. تَنْزِيل} و {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ} . تفسير : وعن جابر قال: حديث : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينام حتى يقرأ تَبَارَكَ. والۤـمۤ. تنزيل، ويقول: هما يَفْضُلاَن عَلَى كُلِّ سُورةٍ في القرآن سبعينَ سَنَةً، ومن قرأهما كُتِبَ له سَبْعُونَ حَسَنَةً، ومُحِيَ عنه سَبْعُونَ سَيِّئَةً، ورُفِعَ له سَبْعُونَ دَرَجَةً . تفسير : وروى الثعلبي عن ابن عباس عن أُبَيٍّ بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : مَنْ قَرَأَ سورة "الۤـمۤ. تَنْزِيلُ" أَعْطِيَ من الأجْرِ كَمَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ القَدْرِتفسير : . والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة، ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال {فلا تكن في مرية من لقائه} فكان قتادة يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند صحيح عن ابن عباس"عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : {فلا تكن في مرية من لقائه} من لقاء موسى ربه {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {فلا تكن في مرية من لقائه} قال: من لقاء موسى قيل: أو لقي موسى؟ قال: نعم. ألا ترى إلى قوله{أية : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} تفسير : [الزخرف: 45]. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فلا تكن في مرية من لقائه} قال: من أن تلقى موسى. وأخرج الحاكم عن مالك أنه تلا {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} فقال: حدثني الزهري أن عطاء بن يزيد حدثه عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ما رزق عبد خيراً له أوسع من الصبر ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وجعلنا منهم أئمة} قال: رؤساء في الخير سوى الأنبياء {يهدون بأمرنا لما صبروا} قال: على ترك الدنيا. والله أعلم.
القشيري
تفسير : فلا تكن في مرية من لقائه غداً لنا ورؤيته لنا. {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}: وهذا محمد صلى الله عليه وسلم جُعِلَ رحمةً للعالمين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب} اى التوراة {فلا تكن فى مرية} اى شك. وفى المفردات المرية التردد فى الامر وهو اخص من الشك {من لقائه} اللقاء [ديدن] يقال لقيه كرضيه رآه. قال الراغب يقال ذلك فى الادراك بالحس بالبصر وبالبصيرة وهو مضاف الى مفعوله. والمعنى ن لقاء موسى الكتاب فانا القينا عليه التوراة. يقول الفقير هذا هو الذى يستدعيه ترتيب الفاء على ما قبلها. فان قلت ما معنى النهى وليس له عليه السلام فى ذلك شك اصلا. قلت فيه تعريض للكفار بانهم فى شك من لقائه اذ لو يكن لهم فيه شك لآمنوا بالقرآن اذفى التوراة وسائر الكتب الآلهية ما يصدق القرآن من الشواهد والآيات فايتاء الكتاب ليس ببدع حتى يرتابوا فيه فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان موسى عليه السلام لما اوتى الكتاب وهو حظ سمعه فلا تشك يا محمد ان يحظى غدا حظ بصره بالرؤية ولكن بشفاعتك وبركة متابعتك واختصاصه فى دعائه بقوله اللهم اجعلنى من امة احمد فان الرؤية مخصوصة بك وبامتك بتبعيتك {وجعلناه} اى الكتاب الذى آتيناه موسى {هدى} من الضلالة: وبالفارسية [راه نماينده] {لبنى اسرائيل} لانه انزل اليهم وهم متعبدون به دون بنى اسماعيل وعليهم يحمل الناس فى قوله تعالى {أية : قل من انزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس }
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا موسى الكتابَ}؛ التوراة {فلا تكن في مِرْيةٍ}؛ شك {من لقائه}؛ من لقاء موسى الكتاب، أو: من لقائك موسى ليلة المعراج، أو: يوم القيامة، أو: من لقاء موسى ربَّه في الآخرة، كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، {وجعلناه هدى لبني إسرائيل}؛ وجعلنا الكتاب المنزَّل على موسى عليه السلام هُدىً لقومه, {وجعلنا منهم أئمةً يَهْدُون} الناس، ويدعون إلى الله وإلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، {بأمرنا} إياهم بذلك، أو بتوفيقنا وهدايتنا لمن أردنا هدايته على أيديهم، {لمّا صبروا} على مشاق تعليم العلم والعمل به. أو: على طاعة الله وترك معصيته. وقرأ الأَخَوَان: بكسر اللام، أي: لصبرهم عن الدنيا والزهد فيها. وفيه دليل على أن الصبر؛ ثمرته إمامة الناس والتقدم في الخير. {وكانوا بآياتنا}؛ التوراة {يُوقنون}؛ يعلمون علماً لا يخالجه شك ولا وَهْم؛ لإمْعانِهم النظر فيها، أو هِبَةٌ من الله تعالى: {إن ربك هو يَفْصِلُ}؛ يقضي {بينهم يومَ القيامة} أي: بين الأنبياء وأممهم، أو: بين المؤمنين والمشركين، {فيما كانوا فيه يختلفون} من الدين، فيظنه المُحِقُّ من المبطل. الإشارة: أئمة الهدى على قسمين: أئمة يهدون إلى شرائع الدين، وأئمة يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان, وأئمة يهدون إلى معرفة العيان. الأولون: من عامة أهل اليمين، والآخرون: من خاصة المقربين. الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم، والآخرون صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام. صبروا على مجاهدة النفوس، حتى وردوا حضرة القُدُّوس. قال القشيري، في شأن القسم الثاني: لمّا صبروا على طلبنا؛ سَعِدوا بوجودنا، وتعدّى ما نالوا من أفضالنا إلى متَّبِعِيهم وانبسط شعاعُ شموسهم على جميع أهلِيهم، فهم للخلق هُداةً، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم. هـ. وفي الإحياء: للإيمان ركنان: أحدهما اليقين، والآخر: الصبر: والمراد باليقين: المعارف القطعية، الحاصلة بهداية اللهِ عَبْدَهُ إلى أصول الدين، والمراد بالصبر، العمل بمقتضى اليقين؛ إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. هـ. وقوله تعالى: {إن ربك هو يفصل بينهم..}, قال القشيري: يحكم بينهم، فيُبين المقبول من المردود، والمهجور من الموصول، والرّضي من الغَويّ، والعدو من الوليّ. فكم من بَهجةٍ دامت هناك! وكم من مهجةٍ ذابت كذلك. هـ. ثم ذكرهم بمن سلف قبلهم، فقال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي ويونس عن يعقوب: لِمَا صبروا - بكسر اللام -، والباقون بفتح اللام وتشديد الميم، فعلى الأول "ما" مصدرية، والجار متعلق "بجعلنا" أي: جعلنا منهم أئمة لصبرهم، وعلى الثاني "لما" للمُجازاة، وحذف الجزاء لإغناء الفعل المتقدم عنه. و"الكتاب" للجنس، والضمير في "لقائه": إما لموسى (عليه السلام)، أي من لقائك موسى ليلة الإسراء. أو يوم القيامة. أو للكتاب، أي: من لقاء موسى الكتاب، يعني: إنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيّناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من لقائك مثل لقائه كقوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [يونس:94]. ومثل قوله: "من لقائه"، قوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} تفسير : [النمل:6]. وقوله: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} تفسير : [الإسراء:13]. وقيل: "من لقائه" معناه: من لقاء موسى إيّاك في الآخرة. وقيل: معناه فلا تكن - يا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) - في مرية من لقاء موسى الكتاب، أي: من تلقيه بالرضاء والقبول - عن الزجّاج -. وقيل معناه: فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى الأذى - عن الحسن. والضمير في "جعلناه"، إمّا للكتاب، لما في التوراة من الأحكام وبيان الحلال والحرام، أي: وجعلنا موسى هادياً لبني إسرائيل - عن قتادة -، أو وجعلنا الكتاب هادياً لهم - عن الحسن -، وجعلنا منهم أئمة يهدون الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه لما صبروا عليه من مشاق التكليف وتثبتهم على اليقين، كما نجعلنَّ من أمتك أمه يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين، وتثبتوا عليه من اليقين -. وعن الحسن: صبروا عن الدنيا. ونقل في الكشاف: إنما جعل الله التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة، ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل (عليه السلام). وهذا النقل أيضاً يدل على أن الغالب فيها الأحكام العملية التي يتطرق إليها النسخ والتغيير، دون المعارف والربوبيات المحفوظة عنها. مكاشفات سريّة ونفثات رُوْعِيَّة إعلم أن الفرق بين القرآن المجيد وسائر كتب الله المنزلة على الأنبياء، بأن القرآن كلام الله وكتابه جميعاً، وغيره كتاب فقط، وكلام الله أشرف من كتابه بوجوه: أولها: إن كلامه تعالى قوله، وكتابه فعله، والقول أقرب إلى القائل من الكتاب إلى الكاتب، فكلام الله أشرف من كتابه. وثانيها: إن الكلام والقول من عالم الأمر: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل:40]، والكتاب من عالم الخلق، وعالم الأمر كله علوم عقلية وحقائق معنوية، بخلاف عالم الخلق، لأن العلوم والمعاني زائدة فيه على صحائف مداركها وألواح مشاعرها. وثالثها: إن كلام الله نزل على قلب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) وسره، وكتاب الله نزلت صورة ألفاظه على ألواح وقراطيس. ورابعها: إن تَلَقّي الكلام وتعلّمه بأنّ تتجلى حقيقته وينور معناه على قلب من يشاء من عباده، لقوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى:52]، ومن علّمه الله تعالى القرآن بهذا التعليم، كان ذلك عليه من الله فضلاً عظيماً، كما قال لحبيبه بعد تعليمه: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء:113]. فتلقيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن من حيث هو قرآن بأن يتخلق به، إذ كان القرآن خُلُقَه، كما هو المروي عن بعض أزواجه حين سُئلت عن خلقه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فإن الله يقول: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم:4]، قالت: "كان خُلُقُهُ القرآن". وأما تَلَقّي الكتاب وتعلّمه فبالدراسة والقراءة والتلاوة، فالأنبياء (عليهم السلام) يتدارسون الكُتُب لقوله تعالى {أية : كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا}تفسير : [سبأ:44]. وخامسها: إن تنزيل القرآن على قلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومكاشفة أسراره منه، وتجلّي أنواره له، أمر بينه وبينَ الله لا يطّلع عليه مَلَك مقرّب ولا نبي مُرسل، وأما إنزال الكتب على سائر الأنبياء فهو مما يقرؤه كل قارئ. وسادسها: إن سائر الكتب يستوي في هداها الأنبياء ولأمم، لقوله في هذه الآية: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}، وقوله: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:185]. وأما القرآن من حيث هو كلام، فالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) مخصوص بالهداية به عند تجلّي أنواره في التنزيل على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى:52]، وقال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء:113]، أي خصصك بهداه وعلمه. وسابعها: إن الكتب المنزلة عليهم كانت تصرف فيهم، بأن يكون الكتاب مع أحدهم نوراً من الله يجيء به إلى قومه ليكون هدى لهم، كما قال: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى} تفسير : [الأنعام:91]، وأما تنزيل القرآن على قلب الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فكان تصرفه فيه بأن جعله نوراً من الله، يجيء ذلك النور إلى الأمة ومعه القرآن، كما قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} تفسير : - وهو محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) - {أية : وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة:15]. وثامنها: قد فرّق الله بين ما شرف النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلم) بإنزال الكلام على قلبه، وبين ما شرفوا به من إنزال الكتاب، فقال تعالى تشريفاً لموسى (ع): {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً} تفسير : [الأعراف:145]. وقال تعالى تشريفاً لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلم): {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم:10]. وانظر وتدبّر كيف قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة:22]. فشتّان بين نبي تشرّف بكتابه الموعظة له في الألواح، وبين نبي تشرّفت أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم. وتاسعها: إن من خصائص إنزال القرآن بما هو كلام الله، أنه متى نزل على قلب أحد صار خاشعاً متصدعاً من خشية الله لقوله سبحانه: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر:21]، ولمّا نزل على قلب الرسول صار قلبه خاشعاً خاضعاً من خشية الله، حتى قال كما هو المروي عنه: "حديث : أنا أَعْلَمُكُم بالله وأخْشاكُم منه ". تفسير : وأما إنزال الكتب فليس من لوازمه الخضوع والخشوع والتخلّق بأخلاق الله، ولذا قيل: لو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى (عليه السلام) لا في الألواح، لعلّه ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما احتاج إلى صحبة الخضر (عليه السلام)، لتعلّمه العلم كما حكى الله تعالى عنه بقوله: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تفسير : [الكهف:66-67].
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا} عطف على مقدّرٍ اى آتيناك الكتاب ولقد آتينا {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} كما آتيناك فليس ايتاء الكتاب امراً غريباً حتّى تكون او يكونوا فى مريةٍ منه {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} اى من لقاء الكتاب اليك يعنى من نزوله عليك، او من لقاء الكتاب الى موسى (ع)، او من لقائك لموسى (ع) فى الدّنيا قبل موتك، او من لقائك لموسى (ع) ليلة الاسراء، او فى الآخرة، او من لقاء موسى لك كذلك، وقيل: فلا تكن فى شكٍّ من لقاء الاذى كما لقى موسى (ع) الاذى من قوله {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} كما جعلنا كتابك هدًى للعالمين.
الأعقم
تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه}، قيل: لا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى، ومعناه آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله وجعلنا الكتاب المنزل على موسى هدى لقومه {وجعلنا منهم أئمة يهدون} الناس ويدعون إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه {لما صبروا} لصبرهم وايقانهم بالآيات، وكذلك لنجعلن الكتاب المنزل اليك هدى ونوراً ولنجعلن من أمتك أمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصر الدين ثم ثبتوا عليه من اليقين، وقيل: من لقائك موسى ليلة الإِسراء ويوم القيامة وقرئ لِما صبروا أي بصبرهم {وكانوا بآياتنا يوقنون} {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} أي يقضي ويحكم {فيما كانوا فيه يختلفون} قيل: من أمور دينهم، وقيل: من أعمالهم {أو لم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون} وهم عاد وثمود وقوم لوط {يمشون في مساكنهم} يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم وبلادهم {إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} اليابسة التي لا نبات عليها، وأكثر المفسرين على أنها عامَّة في الأرض، وعن ابن عباس: هي أرض اليمن والله أعلم {فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم} من ذلك الزرع، أنعامهم كالابل والبقر والغنم {وأنفسهم} من حبه {أفلا يبصرون} وهذا توبيخ على ترك النظر والتدبير {ويقولون متى هذا الفتح} أي في أي وقت يكون {إن كنتم صادقين} في أنه كائن، و{يوم الفتح} يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم، وقيل: هو يوم بدر، وعن المجاهد والحسن: يوم فتح مكة، وقيل: يوم القيامة، قال الحاكم: وهو الوجه {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} لأنهم يضطرون إلى ذلك ولا ينفعهم، فإن قلت: فمن فسره بيوم الفتح أو يوم بدر كيف يستقيم على تفسيره ألا ينفعهم الإِيمان؟ قلت: أن المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع فرعون ايمانه عند إدراك الغرق {فأعرض عنهم} إعراض استحقاق {وانتظر} ما ينزل بهم، أو انتظر النصرة عليهم وهلاكهم {إنهم منتظرون} الغلبة عليكم وهلاككم ومعناه فانتظر بهؤلاء هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة، أو انتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} التوراة. {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} شك. {مِّن لِقَآئِهِ} أي من لقاء موسى أي ستلقاه لا محالة وقد رآه ليلة الاسرى والاسراء وقع ببدنه على التحقيق عندي ولا بأس به غير انما يقولونه من انه رأى الله سبحانه بهتان وافك مبين وقيل في المنام وأظنه مشهور المذهب وقد رآه فيها ووصفه انه رجل طويل آدم جعد كأنه رجل من شنوة ورأى عيسى مربوعا الى البياض والحمرة ورأى خازن النار وهذا المذكور ورجوع الضمير لموسى عليه السلام قول الكلبي وقتادة وذكر أنه رآه في السماء السادسة. وعن انس انه رآه قائما يصلي في قبره عند الكثيف الاحمر فقد رآه في الارض ورآه في السماء في ليلة واحدة وهي ليلة الاسراء رآه في قبره في طريقه الى بيت المقدس وسبقه موسى في السماء ووجه صلاته في قبره مع انه ميت وانه لا عمل في الآخرة انه يجوز ان يتفضل على الشهداء والأنبياء بزيادة العمل في الآخرة زيادة في الثواب او انه مثل حاله في حياته من الصلاة كما روي انهم يحجون تحقيقا او مثلت للنبي صلى الله عليه وسلم حالة حجهم او صلاته ذكر وشكر لا زيادة عمل ولا تكليف كما انهم في الجنة يسبحون ويقولون الحمد لله ويقرءون طه ويس وزعم بعضهم ان عبادتهم في الآخرة اكثر لأنهم صاروا كالملائكة واضافة اللقاء للهاء اضافة مصدر لمفعول وفاعل اللقاء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل الضمير لموسى وان الاضافة اضافة مصدر لفاعله وحذف المفعول اي من لقاء موسى الكتاب او تلقيه بالرضى والقبول او الضمير للكتاب اضافة مصدر لمفعول والفاعل موسى، وقيل الهاء للكتاب على طريق الاستخدام فالكتاب المذكور والتوراة وضمير القرآن اي ليس ايتاء الكتاب اياك بدعا فقد آتينا الكتاب موسى قبلك فلا تشك في كتابك او الهاء لكتاب موسى على تقدير مضاف اي من لقاء مثل ذلك الكتاب. {وَجَعَلْنَاهُ} اي موسى او الكتاب. {هُدىً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ} من بني اسرائيل. {أَئِمَّةً} بتحقيق الهمزتين والدال الثانية ياء وتسهيلها والأئمة حملة الكتاب وقيل الانبياء وقيل اتباع الانبياء. {يَهْدُونَ} الناس الى ما فيه من الحكم والاحكام. {بِأَمْرِنَا} إياهم به او بتوفيقنا له وقيل بطاعتنا. {لَمَّا صَبَرُوا} على دينهم وعلى بلاء العدو وغيرهم وعن المعاصي وقرأ حمزة والكسائي ورويس (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم فتكون اللام جارة وما مصدرية. {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} انها منا لأمعانهم النظر.
اطفيش
تفسير : {ولقد آتينا مُوسى الكتاب} جنس الكتاب التوراة والصحف او المعهود، وهو التوراة {فلا تَكُن} يا محمد {في مِريةٍ} شك {مِن لقَائه} الهاء لموسى عليه السلام، وقيل للكتاب اى من لقاء موسى الكتاب او بالعكس، اى من لقاء الكتاب موسى، والاول اولى، لان الاضافة الى الفاعل اولى منها الى المفعول، ولان اسناد اللقاء الى العاقل ان يلقى غير العاقل اولى من العكس. وقيل: المراد بالكتاب الجنس، هكذا الشامل للتوراة والقرآن على التوويع، بحسب ما لكل، والهاء عائدة الى الكتاب على معنى الجنس، اضيف اليها لقاء اضافة مصدر لمفعوله، والفاعل محذوف ضمير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، اى من لقائك يا محمد جنس الكتاب فى ضمن فرد هو القرآن، كما آتيناه موسى فى ضمن فرد و التوراة، وقيل: الكتاب التوراة والهاء عائدة اليه بمعنى التوراة على حذف مضاف، اى من لقاء مثله او على الاستخدام ترجع الى الكتاب لا بمعناه الذى هو التوراة، بل بمعنى القرآن، او عادت الى القرآن المفهوم، والظاهر ما تقدم ومعنى التفريغ ان ايتاء موسى الكتاب يكون معرفتك به سببا فى ازالة الريب عنك فى امر ايتائك القرآن والمراد نهى امته، او تعرض وانت تدرى ان المراد لقاؤك الكتاب، اى القرآن او لقاء القرآن يبعد ان الهاء لموسى على الفاعلية والمفعول محذوف، اى من لقائه الشدائد من قومه، فى تبليغ كتابه، فاصبر على ما اصابك من قومك فى تبليغ القرآن. وقيل: الهاء لموسى على المفعولية، والفاعل محذوف اى من لقائك يا محمد موسى ليلة الاسراء، ورواه البخارى ومسلم، هو: "انى رأيت موسى رجلا آدم طوالا جعدا كانه من رجال شنوءة، ورايت عيسى رجلا مربوع الخلق الى الحمرة والى البياض سبط الشعر، ورايت مالكا خازن النار، والدجال" وفى الحديث ان من فى السماء مثل عيسى وادريس يلهمون التسبيح كالملائكة، ولا يأكلون ولا يشربون. {وجعلناه} اى كتاب موسى، وقال قتادة جعلنا موسى {هُدَى لبني إسرائيل} خصوا بالذكر لانه لم يبعث الى بنى اسماعيل، وقيل بعث الى الناس كلهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } أي جنس الكتاب {فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ } أي شك وقرأ الحسن {مرية} بضم الميم {مّن لّقَائِهِ } أي لقائك ذلك الجنس على أن لقاء مصدر مضاف إلى المفعول وفاعله محذوف وهو ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم والضمير المذكور للكتاب المراد به الجنس وإيتاء ذلك الجنس باعتبار إيتاء التوراة ولقاؤه باعتبار لقاء القرآن، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } تفسير : [النمل: 6] وقوله سبحانه: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً }تفسير : [الإسراء: 13] وحمل بعضهم {ٱلْكِتَـٰبِ } على العهد أي الكتاب المعهود وهو التوراة ولما لم يصح عود الضمير إليه ظاهراً لأنه عليه الصلاة والسلام لم يلق عين ذلك الكتاب قيل: الكلام على تقدير مضاف أي لقاء مثله أو على الاستخدام أو أن الضمير راجع إلى القرآن المفهوم منه، ولا يخفى ما في كل من البعد، والمعنى أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه من الوحي مثل ما لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وخلاصة ما تؤذن به الفاء التفريعية ان معرفتك بأن موسى عليه السلام أوتي التوراة ينبغي أن تكون سبباً لإزالة الريب عنك في أمر كتابك؛ ونهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يكون في شك المقصود منه نهي أمته صلى الله عليه وسلم والتعريض بمن اتصف بذلك، وقيل: المصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف هو ضميره عليه الصلاة والسلام أي من لقائه إياك ووصوله إليك، وفي التعبير باللقاء دون الإيتاء من تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى على المتدبر، وقد يقال: إن التعبير به على الوجه السابق مؤذن بالتعظيم أيضاً لكن من حيثية أخرى فتدبر. وقيل: الكتاب التوراة وضمير {لّقَائِهِ } عائد إليه من غير تقدير مضاف ولا ارتكاب استخدام، ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله وفاعله موسى أي من لقاء موسى الكتاب أو مضاف إلى فاعله ومفعوله موسى أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه، فالفاء مثلها في قوله:شعر : ليس الجمال بمئزر فاعلم وان رديت برداً تفسير : دخلت على الجملة المعترضة بدل الواو اهتماماً بشأنها، وعن الحسن أن ضمير {لّقَائِهِ } عائد على ما تضمنه الكلام من الشدة والمحنة التي لقي موسى عليه السلام فكأنه قيل: ولقد آتينا موسى هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقى هو من الشدة والمحنة بالناس. والجملة اعتراضية ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل ما قيل: الضمير لملك الموت الذي تقدم ذكره والجملة اعتراضية أيضاً، بل ينبغي أن يجل كلام الله تعالى عن مثل هذا التخريج. وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في «المختارة» بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الآية: أي من لقاء موسى. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد نحوه، وأخرج ابن أبـي حاتم / عن أبـي العالية أنه قال كذلك فقيل له: أو لقي عليه الصلاة والسلام موسى؟ قال: نعم ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا }تفسير : [الزخرف: 45] وأراد بذلك لقاءه صلى الله عليه وسلم إياه ليلة الإسراء كما ذكر في «الصحيحين» وغيرهما، وروي نحو ذلك عن قتادة وجماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن الزجاج بهذه الآية، وكأن المراد من قوله تعالى: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} على هذا وعده تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بلقاء موسى وتكون الآية نازلة قبل الإسراء، والجملة اعتراضية بالفاء بدل الواو كما سمعت آنفاً. وجعلها مفرعة على ما قبلها غير ظاهر، وبهذا اعترض بعضهم على هذا التفسير، وبالفرار إلى الإعراض سلامة من الاعتراض وكأنى بك ترجحه على التفسير الأول من بعض الجهات والله تعالى الموفق. {وَجَعَلْنَاهُ} أي الكتاب الذي آتيناه موسى، وقال قتادة: أي وجعلنا موسى عليه السلام {هُدًى} أي هادياً من الضلال {لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } خصوا بالذكر لما أنهم أكثر المنتفعين به، وقيل: لأنه لم يتعبد بما في كتابه عليه الصلاة والسلام ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى ذكر إعراض المشركين عن آيات الله وهي آيات القرآن في قوله {أية : ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها}تفسير : [السجدة: 22]، استطرد إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما لقي من قومه هو نظير ما لقيه موسى من قوم فرعون الذين أرسل إليهم فالخبر مستعمل في التسلية بالتنظير والتمثيل. فهذه الجملة وما بعدها إلى قوله {أية : فيما كانوا فيه يختلفون}تفسير : [السجدة: 25] معترضات. وموقع التأكيد بلام القسم وحرف التحقيق هو ما استعمل فيه الخبر من التسلية لا لأصل الأخبار لأنه أمر لا يحتاج إلى التأكيد، وبه تظهر رشاقة الاعتراض بتفريع {فلا تكن في مرية من لقائه} على الخبر الذي قبله. وأريد بقوله {ءاتينا موسى الكتاب} أرسلنا موسى، فذِكر إيتائه الكتاب كناية عن إرساله، وإدماج ذكر {الكتاب} للتنويه بشأن موسى وليس داخلاً في تنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال موسى عليه السلام في تكذيب قومه إياه لأن موسى لم يكذبه قومه ألا ترى إلى قوله تعالى: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} الآيات، وليتأتى من وفرة المعاني في هذه الآية ما لا يتأتى بدون ذِكر {الكتاب}. وجملة {فلا تكن في مرية من لقائه} معترضة وهو اعتراض بالفاء، ومثله وارد كثيراً في الكلام كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} تفسير : الآية في سورة النساء (135). ويأتي عند قوله تعالى: {أية : هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق} تفسير : في سورة ص (57). والمرية: الشك والتردد. وحرف الظرفية مجاز في شدة الملابسة، أي لا يكن الشك محيطاً بك ومتمكناً منك، أي لا تكن ممترياً في أنك مثله سينالك ما نالَه من قومه. والخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنهي مستعمل في طلب الدوام على انتفاء الشك فهو نهي مقصود منه التثبيت كقوله {أية : فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء}تفسير : [هود: 109]، وليس لطلب إحداث انكفاف عن المرية لأنها لم تقع من قبل. واللقاء: اسم مصدر لَقِيَ وهو الغالب في الاستعمال دون لِقى الذي هو المصدر القياسي. واللقاء: مصادفة فاعل هذا الفعل مفعولَه، ويطلق مجازاً على الإصابة كما يقال: لقيت عناء، ولقيت عَرق القِربة، وهو هنا مجاز، أي لا تكن في مرية في أن يصيبك ما أصابه، وضمير الغائب عائد إلى موسى. واللقاء مصدر مضاف إلى فاعله، أي مما لقي موسى من قوم فرعون من تكذيب، أي من مثل ما لقي موسى، وهذا المضاف يدل عليه المقام أو يكون جارياً على التشبيه البليغ كقوله: هو البدر، أي: من لقاء كلقائه، فيكون هذا في معنى آيات كثيرة في هذا المعنى وردت في القرآن كقوله تعالى: {أية : ولقد استُهْزِىء برُسُل من قبلك}تفسير : [الأنعام: 10] {أية : فصبَروا على ما كُذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} تفسير : [الأنعام: 34]، وقوله: {أية : وإن كادوا لَيَسْتَفِزُّونك من الأرض لِيُخرِجُوك منها وإذاً لا يلبثون خَلاَفَك إلا قليلاً سُنَّةَ من قد أرسلنا من قبلك من رُسُلِنا}تفسير : [الإسراء: 76، 77]. هذا أحسن تفسير للآية وقريب منه مأثور عن الحسن. ويجوز أن يكون ضمير {لقائه} عائداً إلى موسى على معنى: من مثل ما لقي موسى من إرساله وهو أن كانت عاقبة النصر له على قوم فرعون، وحصول الاهتداء بالكتاب الذي أوتيه، وتأييده باهتداء بني إسرائيل، فيكون هذا المعنى بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سيظهر هذا الدين. ويجوز أن يكون ضمير {لقائه}عائداً إلى الكتاب كما في «الكشاف» لكن على أن يكون المعنى: فلا تكن في شك من لقاء الكتاب، أي من أن تلقى من إيتائك الكتاب ما هو شنشنة تلقِّي الكتب الإلهية كما تلقاها موسى. فالنهي مستعمل في التحذير ممن ظن أن لا يلحقه في إيتاء الكتاب من المشقة ما لقيه الرسل من قبله، أي من جانب أذى قومه وإعراضهم. ويجوز أن يكون الخطاب في قوله {فلا تكن} لغير معين وهو موجه للذين امتروا في أن القرآن أنزل من عند الله سواء كانوا المشركين أو الذين يلقنونهم من أهل الكتاب، أي لا تمتروا في إنزال القرآن على بشر فقد أنزل الكتاب على موسى فلا تكونوا في مرية من إنزال القرآن على محمد. وهذا كقوله تعالى: {أية : إذ قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء قل مَن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس}تفسير : [الأنعام: 91]. فالنهي مستعمل في حقيقته من طلب الكف عن المرية في إنزال القرآن. وللمفسرين احتمالات أخرى كثيرة لا تسفر عن معنى بيِّن، ومن أبعدها حمل اللقاء على حقيقته وعود ضمير الغائب لموسى وأن المراد لقاؤه ليلة الإسراء وعَده الله به وحقَّقه له في هذه الآية قبل وقوعه. قال ابن عطية: وقال المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألة. وضمير النصب في {وجعلناه هدى} يجوز أن يعود على الكتاب أو على موسى وكلاهما سبب هدى، فوصف بأنه هدى للمبالغة في حصول الاهتداء به وهو معطوف على {ءاتينا موسى الكتاب} وما بينهما اعتراض. وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يشكروا نعمة الله على أن أرسل إليهم محمد بالقرآن ليهتدوا فأعرضوا وكانوا أحق بأن يحرصوا على الاهتداء بالقرآن وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد آتينا موسى الكتاب: أي أنزلنا عليه التوراة. فلا تكن في مرية من لقائه: أي فلا تشك في لقائك بموسى عليه السلام ليلة الإِسراء والمعراج. وجعلناه هدى لبني إسرائيل: أي وجعلنا الكتاب "التوراة" هدىً أي هادياً لبني إسرائيل. وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا: أي وجعلنا من بني إسرائيل أئمة أي قادة هداة يهدون الناس بأمرنا لهم بذلك وإذننا به. وكانوا بآياتنا يوقنون: أي وكان أولئك الهداة يوقنون بآيات ربهم وحججه على عباده وما تحمله الآيات من وعد ووعيد. إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة: أي بين الأنبياء وأُممهم وبين المؤمنين والكافرين والمشركين والموحدين. فيما كانوا فيه يختلفون: من أمور الدين. أو لم يهد لهم: أي أغفلوا ولم يتبيّن. كم أهلكنا من قبلهم من القرون: أي إهلاكنا لكثير من أهل القرون من قبلهم بكفرهم وشركهم وتكذيبهم لرسلهم. يمشون في مساكنهم: أي يمرون ماشين بديارهم وهي في طريقهم إلى الشام كمدائن صالح وبحيرة لوط ونحوهما. إن في ذلك لآيات: أي دلائل وعلامات على قدرة الله تعالى وأليم عقابه. أفلا يسمعون: أي أصمُّوا فلا يسمعوا هذه المواعظ والحجج. معنى الآيات: قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي أعطينا موسى بن عمران أحد أنبياء بني إسرائيل الكتاب الكبير وهو التوراة. إذاً فلم ينكر عليك المشركون أن يؤتيك ربك القرآن كما آتى موسى التوراة، وفي هذا تقرير لأصل من أصول العقيدة وهي الوحي والنبوة المحمدية. وقوله {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أي فلا تكن يا محمد في شك من لقائك موسى ليلة الإِسراء والمعراج فقد لقيه وطلب إليه أن يراجع ربّه في شأن الصلاة فراجع حتى أصبحت خمساً بعد أن كانت خمسين وقوله {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي الكتاب أو موسى كلاهما كان هادياً لبني إسرائيل إلى سبيل السلام والصراط المستقيم. وقوله {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أي قادة هداة يهدون الناس إلى ربهم فيؤمنون به ويعبدونه وحده فيكملون على ذلك ويسعدون وذلك بأمره تعالى لهم بذلك. وقوله {لَمَّا صَبَرُواْ} أي عن أذى أقوامهم، {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا} الحاملة لأمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا {يُوقِنُونَ} أي تأهلوا لحمل رسالة الدعوة بشيئين: الصبر على الأذى واليقين التام بصحة ما يدعون إليه ونفعه ونجاعته وقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه وتعالى الذي يفصل بين المختلفين من الأنبياء وأممهم، وبين الموحدين والمشركين والسّنيين والبدعيين فيحكم بإِسعاد أهل الحق وإشقاء أهل الباطل وفي الآية تسلية للرسول وتخفيف عليه مما يجد في نفسه من خلاف قومه له. وقوله {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي أعموا فلم يُبيّن لهم إهلاكنا لأمم كثيرة {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} مارّين بهم في أسفارهم إلى الشام كمدائن صالح، وبلاد مدين، وبحيرة لوط أنّا قادرون على إهلاكهم إن أصروا على الشرك والتكذيب كما أهلكنا القرون من قبلهم. وقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي في إهلاكنا أهل القرون الأولى لما أشركوا وكذبوا دلالات وحججا وبراهين على قدرة الله وشدة انتقامه ممن كفر به وكذب رسوله وقوله {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} أي أصموا فلا يسمعون هذه المواعظ التي تتلى عليهم فيتوبوا من الشرك والتكذيب فينجوا ويسعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير النبوة المحمدية وتأكيد قصة الإِسراء والمعراج. 2) الكتاب والسنة كلاهما هادٍ للعباد إن طلبوا الهداية فيهما. 3) بيان ما تُنال به الإِمامة في الدين. وهو الصبر وصحة اليقين. 4) كل خلاف كان في هذه الحياة سينتهي بحكم الله تعالى فيه يوم القيامة. 5) في إهلاك الله تعالى للقرون السابقة أكبر واعظ لمن له قلب وسمع وبصيرة.
القطان
تفسير : في مرية: في شك. يهدون بأمرنا: يقومون بهداية الناس كما امرنا. اولم يهدِ لهم: او لم يتبين لهم. الارض الجُرُزِ: الارض اليابسة لا نبات فيها. متى هذا الفتح: متى هذا الفصل في الحكم وهو يوم القيامة. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} ولقد أنزلنا التوراةَ على موسى كما أنزلنا عليك القرآن، فلا تكن في شكٍّ من لقائك الكتاب، وجعلنا الكتاب الذي أنزلناه على موسى مرشِدا لبني اسرائيل. {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} وجعلنا من بني اسرائيل أئمةً في الدّين من انبيائهِم يقومون بهداية الناس كما أمرناهم لأنهم صبروا على طاعتنا، وكانوا من اهْل الايمان واليقين. ولكن عهد هؤلاء الأنبياء قد ولىّ، وعاد اليهود الى عبادة العجل من الذهب. قراءات: قرأ حمزة والكسائي ورويس: لِمَا صبروا بكسر اللام وتخفيف الميم. والباقون: بفتح اللام وتشديد الميم لَمَّا صبروا. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ان الله تعالى يقضي بين خلقه يوم القيامة فيما اختلفوا فيه. {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} أوَلم تبيّن لهم طريقَ الحق كثرةُ ما اهلكنا من الأمم الماضية. وهم يمشون في ارضهم ويشاهدون آثارهم كعادٍ وثمود وقوم لوط، ان في ذلك لعظاتٍ تبصّرهم بالحق، أفلا يسمعون؟ وبعد ان بين قدرته على الاهلاك، يبين الله تعالى قدرته على الاحياء فيقول: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ}. الم يشاهد هؤلاء الجاحدون أنّا ننزل الماء على الأرض اليابسة التي لا نبات فيها فنخرج به زرعاً تأكل منه انعامهم، وتتغذّى به أجسامهم؟! أفلا يبصرون دلائل قدرة الله على إحياء الارض بعد موتها!! ثم يذكر الله تعالى استعجالَ اولئك الجاحدين بالعذاب الذي يوعَدون وأنهم في شك منه، ويردّ عليهم مخوِّفاً ومحذّرا من تحقيق ما يستعجلون به فيقول: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ؟ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}. ويقول المشركون: متى ستنصَرون علينا في الدنيا، ويفصل بيننا وبينكم في الآخرة؟ قل لهم ايها الرسول: إن يومَ الفصل ان كان في الدنيا او في الآخرة سيأتي، فلا تستعجلوه، واذا حل بكم ذلك اليوم فإنه لن ينفعكم الإيمان، ولا تُمهَلون لحظة عن العذاب الذي تستحقونه. وقد صدق الله رسولَه ففتح عليه في الدنيا ونصره. وسيلقون يوم القيامة جزاءهم. ثم يختم السورة بامر رسوله بالاعراض عنهم، بآية قصيرة في طياتها تهديد خفي بعاقبة الامور ويدعهم لمصيرهم المحتوم فيقول: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} وسترى عاقبة صبرك عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} {لِّقَآئِهِ} {َجَعَلْنَاهُ} {ۤ إِسْرَائِيلَ} (23) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ آتَى مُوسَى التَّوْرَاةَ (الكِتَابَ)، لِتَكُونَ هُدًى وعِظَةً لِبني إِسْرائيلَ، كَمَا آتَى عَبْدَهُ مُحَمَّداً القُرآنَ، وأَمَرهُ بأَلاَّ يَكُونَ في شَكٍّ وَرِيبَةٍ مِنْ صِحَّةِ مَا آتاهُ اللهُ مِنَ الكِتَابِ، فَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِدْعاً في الرُّسُلِ، فَقَدْ آتى اللهُ غَيْرَهُ مِنَ الأنبياءِ كُتُباً. في مِرْيَةٍ - فِي شَكٍّ. مِنْ لِقَائِهِ - مِنْ تَلَقِّيهِ إِيَّاهُ بِالرِّضَا وَالقَبُولِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} ليلة المعراج. عن ابن عبّاس، وقال السدّي: من تلقّيه كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. قال أهل المعاني: لم يرد باللقاء الرؤية وإنّما أراد مباشرته الحال وتبليغه رسالة الله عزّ وجلّ وقبول كتاب الله. وقيل: من لقاء الله الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره. {وَجَعَلْنَاهُ} (يعني الكتاب، وقال قتادة: موسى) {هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} قادة في الخير يقتدى بهم {يَهْدُونَ} يدعون {بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} قرأ حمزة والكسائي (لَمَّا) بكسر اللام وتخفيف الميم أي لصبرهم، واختاره أبو عبيد اعتباراً بقراءة عبدالله {لَمَّا صَبَرُواْ} وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي حين صبروا. {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} يقضي بينهم. ويُسمّي أهل اليمن القاضي الفيصل {يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} آيات الله وعظاته فيتّعظون بها. قوله : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} أي اليابسة المغبرة : الغليظة التي لا نبات فيها. وأصله من قولهم : ناقةٌ جراز إذا كانت تأكل كلّ شيء تجده، ورجل جروز، إذا كان أكولاً. قال الراجز : شعر : خبّ جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوى تفسير : وسيفٌ جراز أي قاطع، جَرزِت الجراد الزرع إذا استأصلته، فكأن الجرز هي الأرض التي لا يبقى على ظهرها شيء إلاّ أفسدته، وفيه أربع لغات : جُرز وجَرُز وجَرْزَ وجَرَز. قال ابن عبّاس : هي أرض باليمن. قال مجاهد : هي أبين {فَنُخْرِجُ} فننبت {بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قال بعضهم : أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب والحكم بين العباد. قال قتادة : قال أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: إنّ لنا يوماً ننعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم، فقال الكفّار استهزاءً : متى هذا الفتح؟ أي القضاء والحكم. قال الكلبي : يعني فتح مكّة. وقال السدي : يعني يوم بدر، لاِنَّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه كانوا يقولون لهم : إنّ الله ناصرنا ومُظهرنا عليكم. {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ} يوم القيامة {لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وَمَن تأوّل النصر قال : لا ينفعهم إيمانُهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} قراءة العامّة {مُّنتَظِرُونَ} بكسر الظاء. وقرأ محمد بن السميقع بفتح الظاء، قال الفرّاء : لا يصحّ هذا إلاّ بإضمار مجازه : إنّهم منتظرون ربّهم، قال أبو حاتم : الصحيح كسر الظاء لقوله : {أية : فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ}تفسير : [الدخان: 59].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والإيتاء يختلف، فهناك مَنْ يُؤْتَى بمنهج أو بمعجزة أو بهما معاً، وهناك إيتاء لكتاب موقوت، لزمن موقوت، لقوم موقوتين، وإيتاء آخر لكل الأزمان ولكل الأمكنة. و {ٱلْكِتَابَ ..} [السجدة: 23] أي: التوراة {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ ..} [السجدة: 23] أي: في شك {مِّن لِّقَآئِهِ ..} [السجدة: 23] لقاء موسى عليه السلام أم لقاء الكتاب؟ إنْ كان لقاء موسى فهو تبشير بأن الله سيجمع بين سيدنا رسول الله وهو حَيٌّ بقانون الأحياء وموسى عليه السلام الميت بقانون الأموات، وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كان حديث الإسراء والمعراج في أنهما التقيا فيه صادقاً. لذلك في القرآن آية ينبغي أن نقف عندها، وأن نتأملها بيقظة، وهي قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45]. هذا تكليف من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أنْ يسأل الرسل، فمتى يسألهم؟ فهذه الآية تنبئ بأنهم لا بُدَّ أنْ يلتقوا. فهذه الآية في لقاء موسى والأخرى في لقاء كل الرسل. إذن: علينا أن نصدق بحديث الإسراء والمعراج، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع بإخوانه من الأنبياء وصلى بهم ودار بينهم حوار. أما إذا كان المعنى {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ ..} [السجدة: 23] أي: لقاء الكتاب، فالتوراة كما قلنا أصابها التحريف والتبديل، وزِيدَ عليها وكُذِب فيها، لكن سيأتيك يا محمد من أهل التوارة أمثال عبد الله بن سلام مَنْ يعرفون التوراة بلا تحريف ويُسرُّون إليك بها، هؤلاء الذين قال الله فيهم: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113]. ألم يواجه عبد الله بن سلام قومه من اليهود، فيقول لهم: كيف تُكذِّبون بمحمد، وقد كنتم تستفتحون به على الذين كفروا، فتقولون لهم: لقد أطلَّ زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، لقد تجمعتم من شتى البلاد التي اضطهدتكم، وجئتم إلى يثرب تنتظرون مَقْدِم هذا النبي، فما بالكم تكذِّبونه؟ وقال القرآن عنهم: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. ومن لقاء الكتاب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم ما رُوِي عن عبد الله بن سلام أنه لما أراد أنْ يؤمن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ - يعني: يتبجحون بالكذب - فإذا أسلمتُ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ. فاسألهم عني يا رسول الله قبل أنْ أعلن إسلامي، فلَما اجتمع اليهود سألهم رسول الله: ما تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا ... فقال عبد الله: أما وقد قالوا ما قالوا يا رسول الله فأشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقالوا: شرُّنا وابن شرنِّا. فقال عبد الله: ألم أَقُلْ لك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت؟ وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [السجدة: 23] أي: جعلنا الكتاب هدى، وهذا دليل على أن منهم مهتدين بدليل شهادة القرآن لهم: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113]. وقوله تعالى في الآية بعدها: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى، آياته التي ذكر بها عباده، وهو: القرآن، الذي أنزله على محمد صلى اللّه عليه وسلم، ذكر أنه ليس ببدع من الكتب، ولا من جاء به، بغريب من الرسل، فقد آتى الله موسى الكتاب الذي هو التوراة المصدقة للقرآن، التي قد صدقها القرآن، فتطابق حقهما، وثبت برهانهما، { فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ } لأنه قد تواردت أدلة الحق وبيناته، فلم يبق للشك والمرية، محل. { وَجَعَلْنَاهُ } أي: الكتاب الذي آتيناه موسى { هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } يهتدون به في أصول دينهم، وفروعه وشرائعه موافقة لذلك الزمان، في بني إسرائيل. وأما هذا القرآن الكريم، فجعله اللّه هداية للناس كلهم، لأنه هداية للخلق، في أمر دينهم ودنياهم، إلى يوم القيامة، وذلك لكماله وعلوه {أية : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }. تفسير : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ } أي: من بني إسرائيل { أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } أي: علماء بالشرع، وطرق الهداية، مهتدين في أنفسهم، يهدون غيرهم بذلك الهدى، فالكتاب الذي أنزل إليهم، هدى، والمؤمنون به منهم، على قسمين: أئمة يهدون بأمر اللّه، وأتباع مهتدون بهم. والقسم الأول أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة، وهي درجة الصديقين، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى اللّه، والأذى في سبيله، وكفوا أنفسهم عن جماحها في المعاصي، واسترسالها في الشهوات. { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } أي: وصلوا في الإيمان بآيات اللّه، إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل، وإنما وصلوا إلى درجة اليقين، لأنهم تعلموا تعلمًا صحيحًا، وأخذوا المسائل عن أدلتها المفيدة لليقين. فما زالوا يتعلمون المسائل، ويستدلون عليها بكثرة الدلائل، حتى وصلوا لذاك، فبالصبر واليقين، تُنَالُ الإمامة في الدين. وثَمَّ مسائل اختلف فيها بنو إسرائيل، منهم من أصاب فيها الحق، ومنهم من أخطأه خطأ، أو عمدًا، واللّه تعالى { يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وهذا القرآن يقص على بني إسرائيل، بعض الذي يختلفون فيه، فكل خلاف وقع بينهم، ووجد في القرآن تصديق لأحد القولين، فهو الحق، وما عداه مما خالفه باطل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):