٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } هذا يصلح جواباً لسؤال: وهو أنه لما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ } كان لقائل أن يقول كيف كانوا يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقاً وسبيل الحق واحد، فقال فيهم هداة والله بين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم القيامة، وفيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى بين أنه يفصل بين المختلفين من أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم فينبغي أن لا يأمن من آمن وإن لم يجتهد، فإن المبتدع معذب كالكافر، غاية ما في الباب، أن عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم. ثم قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } قد ذكرنا أن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } تقرير لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإعادة لبيان ما سبق في قوله: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [السجدة:3] ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد، فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ } وقوله: {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } زيادة إبانة، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها، وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } اعتبر فيه السمع، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم، فقال أفلا يسمعون، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ} يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين. {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ} الواو للعطف على منوي من جنس المعطوف والفاعل ضمير ما دل عليه. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ} أي كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية، أو ضمير الله بدليل القراءة بالنون. {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ} يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم، وقرىء «يَمْشُونَ» بالتشديد. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر واتعاظ. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَاءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} التي جرز نباتها أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} وقيل اسم موضع باليمن. {تَأْكُلُ مِنْهُ} من الزرع. {أَنْعَـٰمُهُمْ} كالتين والورق. {وَأَنفُسِهِمْ } كالحب والثمر. {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} فيستدلون به على كمال قدرته وفضله. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا } تفسير : [الأعراف: 89] {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في الوعد به. {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَـٰنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وهو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكفرة والفصل بينهم. وقيل يوم بدر أو يوم فتح مكة، والمراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون وانطباقه جواباً على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيباً واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تبال بتكذيبهم، وقيل هو منسوخ بآية السيف. {وَٱنتَظِرْ} النصرة عليهم. {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} الغلبة عليك، وقرىء بالفتح على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة ينتظرونه. عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ «حديث : ألم تنزيل، تبارك الذي بيده الملك أعطي من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر»تفسير : وعنه من قرأ «تفسير : ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام».
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَفْصِلُ} يقضي بين الأنبياء وقومهم، أو بين المؤمنين والمشركين فيما اختلفوا فيه من الإيمان والكفر.
البقاعي
تفسير : ولما أفهم قوله "منهم" أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه، جاء قوله تسلية للمؤمنين وتوعداً للكافرين، استئنافاً مؤكداً تنبيهاً لمن يظن أنه لا بعث، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره: {إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ويعلي ما بك {هو} أي وحده {يفصل بينهم} أي من الهادين والمضلين والضالين {يوم القيامة} بالقضاء الحق، فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد الظالم {فيما كانوا} جبلة، طبعاً {فيه} أي خاصة {يختلفون*} أي يجددون الاختلاف فيه على سبيل الاستمرار حسب ما طبعوا عيله، لا يخفى عليه شيء منه، وأما غير ما اختلفوا فيه فالحكم فيه لهم أو عليهم لا بينهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو. ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان: أحدهما في التكذيب بالقرآن، والثاني في إنكار البعث، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم بذكر الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل، أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين على القولين وختمت آية كل منهما بآخر، فتصير الاستفهامات أربعة، وفي مدخول الأول الفصل بين الفريقين في الدنيا، فقال مهدداً: {أو لم} أي أيقولون عناداً لرسولنا: أفتراه ولم {يهد} أي يبين - كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما {لهم كم أهلكنا} أي كثرة من أهلكناه. ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل، بين قربهم بإدخال الجار فقال: {من قبلهم} أي لأجل معاندة الرسل {من القرون} الماضين من المعرضين عن الآيات، ونجينا من آمن بها، وربما كان قرب المكان منزلاً قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار، والتردد خلال الديار. ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال، بقوله: {يمشون} أي أنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي {في مساكنهم} لشدة ارتباطهم مع المحسوسات، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم. ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة، قال منبهاً عليه مؤكداً تنبيهاً على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآيات} أي دلالات ظاهرات جداً، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار، ومسموعات في الأخبار. ولما كان السماع هو الركن الأعظم، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع، قال منكراً: {أفلا يسمعون *} أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له {أو لم} أي أيقولون في إنكار البعث: إذا ضللنا في الأرض، ولم {يروا أنا} بما لنا من العظمة {نسوق الماء} من السماء أو الأرض {إلى الأرض الجرز} أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنها التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً، قالوا: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جزر، ويدل عليه قوله: {فنخرج به} من أعماق الأرض {زرعاً} أي نبتاً لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعاً قبل هذا، وأشار إلى أنه حقيقة، لا مرية فيه، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة، بقوله مذكراً بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد: {تأكل منه} أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه {أنعامهم} وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم، ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال: {أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه} تفسير : [عبس: 24] ثم قال {أية : فأنبتنا فيها حباً} تفسير : [عبس: 27] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام {وأنفسهم} أي من حبه، وأصله إذا كان بقلاً. ولما كانت هذه الآية مبصرة، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل: {أفلا يبصرون} إشارة إلى أن من رآها وتبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا بصيرة.
القشيري
تفسير : يحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردودُ من المقبول، والمهجور من الموصول، والرضيّ من الغوّي، والعدو من الوليّ.. فكم من بهجةٍ دامت هنالك! وكم من مهجةِ ذابت عند ذلك!
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ربك هو يفصل} يقضى {بينهم} بين الانبياء واممهم المكذبين او بين المؤمنين والمشركين {يوم القيمة} فيميز بين المحق والمبطل [وهريك را مناسب او جزا دهد] وكلمة هو للتخصيص والتأكيد وان ذلك الفصل يوم القيامة ليس الا اليه وحده لا يقدر عليه احد سواه ولا يفوّض الى من عداه {فيما كانوا فيه يختلفون} من امور الدين هنا اى فى الدنيا. قال بعض الكبار ان الله تبارك وتعالى يحكم بين عباده لوجوده. او لها لعزتهم لانهم عنده اعز من ان يجعل حكمهم الى احد من المخلوقين بل هو بفضله وكرمه يكون حاكما عليهم. وثانيها غيره عليهم لئلا يطلع على احوالهم احد غيره. وثالثها رحمة وكرما فانه ستار لا يفشى عيوبهم ويستر عن الاغيار ذنوبهم. ورابعها لانه كريم ومن سنة الكرام انهم اذا مروا باللغو مرواكراما. وخامسها فضلا وعدلا لانه الخالق الحكيم الذى خلقهم وما يعملون على مقتضى حمكته ووفق مشيئته فان رأى منهم حسنا فذلك من نتائج احسانه وفضله وان رأى منهم قبحا فذلك من موجبات حكمته وعدله وانه {أية : لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها} تفسير : الآية. وسادسها عناية وشفقة فانه تعالى خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم فلا يجوز من كرمه ان يخسروا عليه. وسابعها رحمة ومحبة فانه تعالى بالمحبة خلقهم لقوله (احببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف)وللمحبة خلقهم لقوله {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : فينظر فى شأنهم بنظر المحبة والرضى شعر : وعين الرضى عن كل عيب كليلة تفسير : وثامنها لطفا وتكريما فانه نادى عليهم بقوله {أية : ولقد كرمنا بنى آدم} تفسير : فلا يهين من كرّمه. وتاسعها عفوا وجودا فانه تعالى عفو يحب العفو فان رأى جريمة فى جريدة العبد يحب عفوها وانه جواد يحب ان يجود عليه بالمغفرة والرضوان. وعاشرها انه تعالى جعلهم خزائن اسراره فهو اعلم بحالهم واعرف بقدرهم فانه خمر طينتهم بيده اربعين صباحا وجعلهم مرآة يظهر بها جميع صفاته عليهم لا على غيرهم ولو كان الملائكة المقربين ألا ترى انه تعالى لما قال {أية : انى جاعل فى الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} تفسير : فما عرفوهم حق معرفتهم حتى قال تعالى فيهم عزة وكرامة {أية : انى اعلم ما لا تعلمون} تفسير : اى من فضائلهم وشمائلهم فانهم خزائن اسرارى ومرآة جمالى وجلالى فانتم تنظرون اليهم بنظرة الغيرة وانا انظر اليهم بنظر المحبة والرحمة فلا ترون منهم الا كل قبيح ولا أرى منهم الا كل جميل فلا ارضى ان اجعلكم حاكما بينهم بل بفضلى وكرمى انا افصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون فاحسن الى محسنهم واتجاوز عن مسيئهم فلا يكبر علىّ اختلافهم لعلمى بحالهم انهم لايزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم. فعلى العاقل ان يرفع الاختلاف من البين ولا يقع فى البين فان الله تعالى قد هدى بهداية القرآن الى طريق القربات ولكن ضل عن الاتفاق الاعضاء والقوى فى قطع العقبات اللهم ارحم انك انت الجواد الاكرم
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "الفَصْل": هو ما يميز به الشيء عن غيره بحسب تجوهر ذاته وقوام حقيقته، وكثيراً ما يطلق الفصل على بمدئه القريب، كالنفس الحيوانية للحسّاس، والنفس الناطقة للناطق، فإنهما مبدآن قريبان لهذين الفصلين المنطقيين المحمولين بوجه، وبوجه آخر هما عين هذين إذا أخذ كل منهما لا بشرط شيء من التقييد والإطلاق، وربما يطلق على المبدأ العالي لحقيقة الشيء وتحصّله وتميّزه، فإن الصور النوعية عند طائفة، هي الفصول المنوعات للحقائق الجرمانية، وعند طائفة أخرى، تطلق الصور على المفارقات النورية والجواهر العقلية الواقعة في عالم الصور المفارقة، كما هو عند أفلاطون الإلهي، والرواقيين، وأئمتهم الأقدمين كسقراط وفيثاغورس وأنباذقلس وأغاثاذيمون، وعند طائفة أخرى، هم أعلى مرتبة وأدق مسلكاً (وأمتن) دليلاً وأجلّ ذوقاً وأوثق برهاناً وأرفع نظراً، وهم الحكماء الإيمانيون، والأفاضل الربّانيون كأبي يزيد البسطامي، وسهل التستري، والجُنيد البغدادي، ومحي الدين الأعرابي وتابعيهم، أن أسماء الله تعالى بعينها مبادئ الفصول الذاتية للحقائق الإمكانية، وما يحاذيها من الصور المجرّدة في عالم العقول، أو الصور الحسية في عالم الجسم مستهلكة التأثير والأثر تحت سطوع الأنوار الإلهية والأسماء الربوبية، استهلاك النور الضعيف في النور الأقهر القوي، واضمحلال وجود السافل تحت وجود العالي. فإذا علمت هذا، وتذكرت ما ادّعيناه فيما سبق، من أن الإنسان بحسب الباطن والنشأة الأخروية أنواع كثيرة حسب كثرة الأخلاق المتخالفة، والصفات الغالبة الراسخة المتنوعة، أيقنت معنى كون "يوم القيامة" "يوم القضاء" "ويوم الفصل بين الخلائق"، فالله يقضي بينهم يوم القيامة بحسب ظهور مظاهر أسمائه ومجالي شؤونه، ويفصل بينهم بالحق، ويميز المحق من المبطل في ما يختلف فيه من الأديان والمذاهب، وقد مر منّا نقل آيات دالة على أن أنواع الإنسان كثيرة بحسب النشأة الآخرة، وظهور هذه الكثرة في حقائق الإنسان، إنما يتوقف على قيام الساعة، لقوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس:59]. تذكرة الدنيا دار اشتباه ومغالطة، متشابك فيها الحق والباطل، ويتعانق فيها الخير والشر، والنور والظلمة، ويتقابل المتخاصمان، والآخرة دار الفصل والتفريق، يتفرق المختلفان، {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}تفسير : [الروم:14]، ويتميز المتشابهان، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفصل الخصمان، ويحق الحق ويبطل الباطل {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}تفسير : [الأنفال:42]، وليحق الحق ويبطل الباطل، والآخرة دار جمع أيضاً، ولا منافاة بين هذا الفصل وذاك الجمع، بل هذا يوجب ذاك كما في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المرسلات:38]. و"الحَشْر" أيضاً بمعنى الجمع: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}تفسير : [الكهف:47]. وحَشْر الخلائق على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وملكاتهم، فلقوم على سبيل الوفد: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم:85]، ولقوم على وجه التعذيب: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [فصّلت:19]، وبالجملة، يحشر كل أحد إلى ما يتوجه إليه باطنه ويعمل لأجله ظاهره ويحبه بقلبه ويشتاقه بجنانه: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}تفسير : [الصافات:22]، {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ}تفسير : [مريم:68]، وفي الخبر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : لو أحبَّ أحدكم حجراً لحُشِر معه . تفسير : تذكرة أخرى إعلم أن عجائب عالم الآخرة عظيمة، وأشخاصه وأنواعه كثيرة، وكل ما يوجد في هذا العالم من الحيوانات يوجد نظيره في الآخرة، مع أنواع أُخر لم تعهد في الدنيا، وما سوى الإنسان لا ينتقل من هذه الدار إلى تلك الدار، وإنما نشأت جميع الخلائق يوم القيامة من ماهية الإنسان وعقله الهيولاني. ووجه ذلك: إن تكرر الأفاعيل والانفعالات البدنية يوجب حدوث الأخلاق والمَلَكات النفسانية، وكل صفة ومَلَكة تغلب على باطن الإنسان تتصور في الآخرة بصورة تناسبها، ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبِرين بحسب هممهم القاصرة عن ارتقاء عالم المَلَكوت، النازلين بحسب دواعيهم الخسيسة في البرازخ الحيوانية بالأعمال الشهوية والغضبية والوهمية البهيمية والسبعية والشيطانية، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض حيوانية أو شيطانية تغلب على نفوسهم، ويُحشرون على صور تلك الحيوانات والشياطين في دار الآخرة، كما في قوله: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:5]. وقوله: {أية : لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} تفسير : [مريم:68]. وقوله: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف:36]. وفي الحديث: "حديث : يُحشر الناس على نيّاتهم"تفسير : ، "يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير"، وهكذا الناس يتصورون بصورهم الحقيقية الأخروية التي تقتضي ملكاتهم وأخلاقهم على أهل الكشف وأصحاب الشهود، الذين غلب على باطنهم سلطان الآخرة، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} بين بنى اسرائيل كما يفصل بين قومك فلا تحزن على اختلافهم او بين الخلق المختلفين فيفصل بين قومك او بين قومك {يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من امر الوصاية والوصىّ، او من احكام الشّريعة، او من الكتاب وستر بعضٍ منه وتبديل بعضٍ، او من تصديق الرّسل (ع) وتكذيبهم.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: يفصل بين المؤمنين والمشركين فيما اختلفوا فيه من الإِيمان والكفر، فيُدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار. قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أي: أو لم نبيّن لهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {أَوَلَمْ يَهدِ لَهُمْ} أي: أولم يبيّن لهم الله {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ القُرُونِ} يعني ما قصّ ممّا أهلك به الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم. قال: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} التي كانوا فيها؛ منها ما يُرى ومنها ما لا يُرى، كقوله: {أية : مِنْها قَآئِمٌ}تفسير : تراه (أية : وَحَصِيدٌ) تفسير : [هود: 100] أي: لا تراه. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ} أي: للمؤمنين {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} يعني المشركين. قال: {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ} يعني المطر، أي: يُساق السحاب الذي فيه الماء {إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ} أي: التي ليس فيها نبات {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} يعني المشركين، أي: فالذي أَحْيَى هذه الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى ويحييهم بعد موتهم. قوله: {وَيَقُولُونَ} أي: المشركون {مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: متى القضاء بعذابهم، قالوا ذلك استهزاء وتكذيباً بأنه لا يكون. وقال بعضهم: يوم بدر. وقال بعضهم: يوم القيامة. ولم يبعث الله نبيّاً إلا وهو يحذّر قومه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} الفصل تمييز الحق والباطل والمحق والمبطل والاختلاف هو في أمر الدين وذلك على العموم وقيل الانبياء وأممهم وقيل المؤمنون والمشركون والصحيح تخرج الآية على العموم.
اطفيش
تفسير : {إنَّ ربك هُو يَفْصل} يقضى {بينهم} بين المؤمنين والمشركين، وقيل، بين الانبياء من بنى اسرائيل، ومن غيرهم، وبين أممهم، والمقام صالح لذلك ويجوز ان يكون المعنى بفصل بين الأئمة الاسرائيليين وغيرهم ممن لم يتبعهم، سواء كانوا انبياء او غيرهم {يَوْم القيامة} بنصر المؤمنين والانبياء على من خالفهم، وباظهار انهم على الحق، وغيرهم عل الباطل، {فيمَا كانُوا فيه يخْتلفُون} من امر الدين {أو لم يَهْد لَهُم} اذا جعلنا الهمزة داخلة على محذوف، ولم نجعلها مما بعد الهاء قدرناه هكذا أأهملهم الله ولم يهد لهم، اى يبين او لم يعطهم هداية، وهى هنا الاعلام والفاعل ضمير عائد الى الله. {كَمْ} استفهام بمعنى التكثير مفعول مقدم لقوله {أهْلكنا} والجملة مفعول ليهد علق عنها يهدى بالاستفهام {من قَبْلِهم} متعلق بأهلكنا اى قبل زمانهم {مِن القُرون} نعت، ويدل على ان فاعل يهد ضمير لله عز وجل قراءة زيد، نهد بالون، او مفعول يهد محذوف اى طريق الحق، او مآل امرهم، وجملة كما اهلكنا قبلهم من القرون مستأنفة {يمْشوُن} الواو عائد الى ما عاد اليه هاء اليهم وهم الكفار {في مساكنهم} اى فى مساكن القرون المهلكة، اى يمشون فى مساكن القرون المهلكة اذا سافروا، ويعاينون آثارهم، والجملة حال من هاء لهم لا من القرون، لان المشى ليس حال الاهلاك اللهم الا ان يراد حال ثبوت الاهلاك {إنَّ في ذلك} المذكور من الاهلاك والمساكن {لآيات} عظيمة كثيرة {أفلا يسْمَعُون} اصموا فلا يسمعون او اسمعوا بآذانهم، فلا يسمعون بقلوبهم سماع تدبر.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ} أي يقضي {بَيْنَهُمْ } قيل: بين الأنبياء عليهم السلام وأممهم، / وقيل: بين المؤمنين والمشركين {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فيميز سبحانه بين المحق والمبطل {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمور الدين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن قوله تعالى {أية : وجعلنا منهم أيمة يَهْدُون بأمْرنا}تفسير : [السجدة: 24] يثير سؤالاً في نفس السامع من المؤمنين الذين سمعوا ما في القرآن من وصف اختلاف بني إسرائيل وانحرافهم عن دينهم وشاهَد كثير منهم بني إسرائيل في زمانه غير متحلّين بما يناسب ما قامت به أيمتهم من الهداية فيودّ أن يعلم سبب ذلك فكان في هذه الآية جواب ذلك تعليماً للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. والخطاب للنبي والمراد أمتُه تحذيراً من ذلك وإيماءً إلى وجوب تجنب الاختلاف الذي لا يدعو إليه داع في مصلحة الأمة وفهم الدين. والفصل: القضاء والحكم، وهو يقتضي أن اختلافهم أوقعهم في إبطال ما جاءهم من الهدى فهو اختلاف غير مستند إلى أدلة ولا جارٍ في مهيع أصل الشريعة؛ ولكنه متابعة للهوى وميل لأعراض الدنيا كما وصفه القرآن في آيات كثيرة في سورة البقرة وغيرها كقوله تعالى: {أية : ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}تفسير : [آل عمران: 105]. وليس منه اختلاف أيمة الدين في تفاريع الأحكام وفي فهم الدين مما لا ينقض أصوله ولا يخالف نصوصه وإنما هو إعمال لأصوله ولأدلته في الأحوال المناسبة لها وحمل متعارضها بعضه على بعض فإن ذلك كله محمود غير مذموم؛ وقد اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فلم يعنّف أحداً، واختلفوا بعد وفاته فلم يعنّف بعضهم بعضاً. ويشمل ما كانوا فيه يختلفون ما كان اختلافاً بين المهتدين والضالين منهم وما كان اتفاقاً من جميع أمتهم على الضلالة فإن ذلك خلاف بين المجمعين وبين ما نطقت به شريعتهم وسَنَّته أنبياؤهم، ومن أعظم ذلك الاختلاف كتمانهم الشهادة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم ما أخذ عليهم من الميثاق من أنبيائهم. وضمير {هو} في قوله {هو يفصل} ضمير فصل لقصر الفصل عليه تعالى إيماء إلى أن ما يذكر في القرآن من بيان بعض ما اختلفوا فيه على أنبيائهم ليس مطموعاً منه أن يرتدعوا عن اختلافهم وإنما هو للتسجيل عليهم وقطع معذرتهم لأنهم لا يقبلون الحجة فلا يفصل بينهم إلا يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقَيَامَةِ} (25) - واللهُ تَعَالى يَقْضِي بَينَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ في الدُّنيا مِنْ أُمورِ الدِّينِ والثَّوابِ والعِقَابِ.. وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بما يَسْتَحِقُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تلحظ على أسلوب الآية أنها لم تقل مثلاً: إن ربك يفصل بينهم، إنما استخدمت الضمير المنفصل (هو) ليفيد التأكيد والاختصاص، فالمعنى لا أحدَ يفصل بينهم في القيامة إلا الله، كما قال سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. إذن: جاءت (هو) لتقطع الشك في وجود الغير. ولك أنْ تتأمل هذا الضمير في هذه الآيات، ومتى استعمله الأسلوب، يقول تعالى في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ ..} تفسير : [الشعراء: 77] أي: الأصنام {أية : إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 77-81]. فاستخدم الضمير الدالّ على الاختصاص في الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء، وهذه الأفعال مظنة أنْ يدعيها أحد لنفسه، أما الإحياء والإماتة فهي لله وحده لا يمكن أنْ يدَّعيها أحد؛ لذلك جاءت بدون هذا التوكيد، فهي مسألة مُسلَّم بها لله تعالى. والشك يأتي في مسألة الفصل يوم القيامة؛ لأن الله تعالى جعل الملائكة المدبرات أمراً لتدبر أمر الخلق، وقال سبحانه {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11] أي: تبعاً لأمر الله فيه، فقد يفهم البعض أن للملائكة دوراً في الفصل بين الناس يوم القيامة، كما أن لهم مهمة في الدنيا. وتأمل هنا أن الله تعالى ذكر لفظ الربوبية فقال {إِنَّ رَبَّكَ ..} [السجدة: 25] ولم يقُلْ: إن الله، والربوبية كما قُلْنا عطاء وتربية، وكأنه سبحانه يقول: اطمئنوا فالذي سيتولَّى مسألة الفصل هو ربكم. وقوله سبحانه: {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [السجدة: 25] لأن الفصل لا يكون إلا عن نزاع، والنزاع لا بُدَّ أن يكون عن قضية تريد مراجعة من حكم حاكم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):