Verse. 3529 (AR)

٣٢ - ٱلسَّجْدَة

32 - As-Sajda (AR)

اَوَلَمْ يَہْدِ لَہُمْ كَمْ اَہْلَكْنَا مِنْ قَبْلِہِمْ مِّنَ الْقُرُوْنِ يَمْشُوْنَ فِيْ مَسٰكِنِہِمْ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ۝۰ۭ اَفَلَا يَسْمَعُوْنَ۝۲۶
Awalam yahdi lahum kam ahlakna min qablihim mina alqurooni yamshoona fee masakinihim inna fee thalika laayatin afala yasmaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو لم يهدِ لهم كم أهلكنا من قبلهم» أي يتبيَّن لكفار مكة إهلاكنا كثيرا «من القرون» الأمم بكفرهم «يمشون» حال من ضمير لهم «في مساكنهم» في أسفارهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا «إن في ذلك لآيات» دلالات على قدرتنا «أفلا يسمعون» سماع تدبر واتعاظ.

26

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} وقرأ أبو عبد الرحمن السلمِيّ وقتادة وأبو زيد عن يعقوب «نَهْدِ لَهُمْ» بالنون؛ فهذه قراءة بيّنة. النحاس: وبالياء فيها إشكال؛ لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعل لـ«ـيهد»؟ فتكلم النحويون في هذا؛ فقال الفراء: «كَمْ» في موضع رفع بـ«ـيهْدِ». وهذا نقض لأصول النحوييّن في قولهم: إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في «كَمْ» بوجهٍ؛ أعني ما قبلها. ومذهب أبي العباس أن «يهْدِ» يدلّ على الهُدَى؛ والمعنى أولم يَهْد لهم الهدى. وقيل: المعنى أولم يهد الله لهم؛ فيكون معنى الياء والنون واحداً؛ أي أولم نُبَيّن لهم إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم. وقال الزجاج: «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا». {لِرَجُلٍ} يحتمل الضمير في «يَمْشُونَ» أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين؛ أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون. ويحتمل أن يعود على المهلَكين فيكون حالاً؛ والمعنى: أهلكناهم ماشين في مساكنهم. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } آيات الله وعظاته فيتعظون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} تفسير : [مريم: 98] ولهذا قال: {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ} أي: هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون منها أحداً ممن يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها {أية : كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 92] كما قال: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} تفسير : [النمل: 52] وقال: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : -إلى قوله - {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 45 ــــ 46] ولهذا قال ههنا: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ} أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبراً ومواعظ ودلائل متناظرة، {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} أي: أخبار من تقدم كيف كان أمرهم؟ وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} يبين تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء، إما من السماء، أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار، ويتحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال تعالى: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} وهي التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} تفسير : [الكهف: 8] أي: يبساً لا تنبت شيئاً، وليس المراد من قوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين، فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعاً من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطراً، لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضاً، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبداً. قال ابن لهيعة عن قيس بن حجاج عمن حدثه قال: لما فتحت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص، وكان أميراً بها حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة، والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتابه، أخذ عمرو البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك، فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، قد قطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السنة له، ولهذا قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ}؟ كما قال تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صبّاً} تفسير : [عبس: 24 ــــ 25] الآية، ولهذا قال ههنا: {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ}؟ وقال ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس في قوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} قال: هي التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً، إلا ما يأتيها من السيول، وعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن، وقال الحسن رحمه الله: هي قرى بين اليمن والشام. وقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد: الأرض الجرز: التي لا نبات فيها، وهي مغبرة، قلت: وهذا كقوله تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا} تفسير : [يس: 33] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ } أي يتبين لكفار مكة إهلاكنا كثيراً {مّنَ ٱلْقُرُونِ } الأمم بكفرهم {يَمْشُونَ } حال من ضمير «لهم» {فِى مَسَٰكِنِهِمْ } في أسفارهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ } دلالات على قدرتنا {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر واتعاظ؟.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {نَسُوقُ الْمَآءَ} فيه وجهان: أحدهما: بالمطر والثلج. الثاني: بالأنهار والعيون. {إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها الأرض اليابسة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنها الأرض التي أكلت ما فيها من زرع وشجر، قاله ابن شجرة. الثالث: أنها الأرض التي لا يأتيها الماء إلا من السيول، قاله ابن عباس. الرابع: أنها أرض أبْينَ لا تنبت، قاله مجاهد. الخامس: أنها قرى نبيا بين اليمن والشام، قاله الحسن.وأصل الجرز الانقطاع مأخوذ من قولهم سيف جراز أي قطاع وناقة جراز أي كانت تأكل كل شيء لأنها لا تبقي شيئاً إلا قطعته بفيها. ورجل جروز أكول قال الراجز: شعر : حبُّ جروز وإذا جاع بكى يأكل التمر ولا يلقى النوى تفسير : وتأول ابن عطاء هذه الآية على أنه توصل بركات المواعظ إلى القلوب القاسية.

ابن عطية

تفسير : {يهد} معناه يبين قاله ابن عباس، وقرأ جمهور الناس "يهد" بالياء فالفاعل الله تعالى في قول فرقة والرسول في قول فرقة، كأنه قال" أو لم يبين لهم الهدى"، وجوز الكوفيون أن يكون الفاعل {كم}، ولا يجوز ذلك عند البصريين لأنها في الخبر على حكمها في الاستفهام في أنها لا يعمل فيها ما قبلها، وقرأ أبو عبد الرحمن "نهد" بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، فالفاعل الله تعالى، و {كم} في موضع نصب، فعند الكوفيين بـ "نهد" وعند البصريين بـ {أهلكنا}، على القراءتين جميعاً، وقرأ جمهور الناس "يَمشون" بفتح الياء وتخفيف الشين، وقرأ ابن السميفع اليماني "يُمَشّون" بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، وقرأ عيسى بن عمر "يُمْشُون" بضم الياء وسكون الميم وشين مضمومة مخففة، والضمير في {يمشون} يحتمل أن يكون للمخاطبين بالتنبيه المحتج عليهم، ويحتمل أن يكون للمهلكين فـ {يمشون} في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم، والضمير في {يسمعون} للمنبهين، ومعنى هذه الآية إقامة الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا، ثم أقام عز وجل الحجة عليهم في معنى الإيمان بالقدرة وبالبعث بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء والنبات، و"السوق" هو بالسحاب، وإن كان سوق بنهر فأصله من السحاب و {الجرز} الأرض العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش والغيظ، ومنه قيل للأكول جروز. قال الشاعر: شعر : خب جروز وإذا جاع بكى تفسير : ومن عبر عنها بأنها الأرض التي لا تنبت فإنها عبارة غير مخلصة، وعم تعالى كل أرض هي بهذه الصفة لأن الآية فيها والعبرة بينة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره {الأرض الجرز} أرض أبين من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا بمطر، وجمهور الناس على ضم الراء، وقال الزجاج وتقرأ "الجرْز" بسكون الراء، ثم خص تعالى "الزرع" بالذكر تشريفاً ولأنه عظم ما يقصد من النبات، وإلا فعرف أكل الأنعام إنما هو من غير الزرع، لكنه أوقع الزرع موقع النبات على العموم، ثم فصل ذلك بأكل الأنعام وبني آدم، وقرأ أبو بكر بن عياش وأبو حيوة "يأكل" بالياء من تحت، وقرأ ابن مسعود "يبصرون"، وقرأ جمهور الناس "تبصرون" بالتاء من فوق، ثم حكي عن الكفرة أنهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى الهزء والتكذيب، و {الفتح} الحكم هذا قول جماعة من المفسرين، وهذا أقوى الأقوال، وقالت فرقة الإشارة إلى فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف يرده الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم الإيمان، فلم يبق إلا أن يكون {الفتح} إلا إما حكم الآخرة، وهذا قول مجاهد، وإما فصل في الدنيا كبدر ونحوها. وقوله تعالى: {قل يوم الفتح} إشارة إلى {الفتح} الأول حسب محتملاته، فالألف واللام في {الفتح} الثاني للعهد، و {يوم} ظرف، والعامل فيه {ينفع}، و {ينظرون} معناه يؤخرون، ثم أمره تعالى بالإعراض عن الكفار وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية السيف. وقوله تعالى: {إنهم منتظرون} أي العذاب، بمعنى هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون، وقرأ محمد بن السميفع "منتظَرون" بفتح الظاء أي للعذاب النازل بهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ} معناه يُبَيِّنْ؛ قاله ابن عباس، والفاعل بـ {يَهْدِ} هو اللّه؛ في قول فرقة، والرسولُ؛ في قول فرقة، وقرأ أبو عبد الرحمن: «نهد» ـــ بالنون ـــ وهي قراءة الحَسَنْ وقتادة، فالفاعلُ اللّهُ تعالى، والضميرُ في {يَمْشُونَ} يُحْتَمَلُ أن يكونَ للمخاطَبِينَ أو للمُهْلَكِينَ، و {ٱلْجُرُزِ}: الأرض العاطِشَةُ التي قد أكلت نباتها من العطشِ والقيظِ؛ ومنه قيل للأكول جَرُوزٌ. وقال ابن عباس وغيره: {ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ}: أرض أبين من اليمن وهي أرض تشرب بسيولٍ لا بِمَطَرٍ، وفي «البخاري»: وقال ابن عباس: {ٱلْجُرُزِ}: التي لم تُمْطَرْ إلا مَطَراً لاَ يُغْنِي عنها شَيْئاً. انتهى. ثم حكى سبحانه عن الكفرةِ أنهم يَسْتَفْتِحُونَ؛ ويستعجلون فَصْلَ القضاءِ بينهم وبين الرُّسُلِ على معنى الهُزْءِ.والتكذيب، و {الفتحُ}: الحُكْمُ، هذا قول جماعةٍ من المفسرينَ، وهو أقوى الأقوال. قال مجاهد و {ٱلْفَتْحِ} هنا هو حُكْم الآخرة. ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالإعراض عن الكفرةِ وانْتِظَار الفَرَجِ، وهذا مما نَسَخَتْه آية السَّيْفِ. وقولُه: {إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ} أي: العذابَ بمعنى هذا حُكْمُهُمْ وإن كانوا لا يَشْعُرونَ.

القشيري

تفسير : أو لم يعتبروا بمنازلِ أقوام كانوا في حَبرَةٍ فصاروا عِبْرَةً، كانوا في سرورٍ فآلوا إلى ثبور؛ فجميع ديارهم ومزارِهم صارت لأغيارهم، وصنوفُ أموالهم عادت إلى أشكالهم، سكنوا في ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وكما قيل: شعر : نعمةٌ كانت على قـو مٍ زماناً ثم بانت هكذا النعمةُ والإحـ ـسانُ مذ كان وكانت

اسماعيل حقي

تفسير : {أولم يهد لهم} تخويف لكفار مكة اى اغفلوا ولم يبين لهم مآل امرهم والفاعل ما دل عليه قوله {كم اهلكنا} اى كثرة اهلاكنا لان كم لا يقع فاعلا فلا يقال جاءنى كم رجل {من قبلهم من القرون} مثل عاد وثمود وقوم لوط. والقرن اسم لسكان الارض عصرا والقرون سكانها على الاعاصير {يمشون فى مساكنهم} الجملة حال من ضميرهم يعنى اهل مكة يمرون فى متاجرهم على ديار الهالكين وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم وخراب منازلهم {ان فى ذلك} الاهلاك وما يتعلق به من الآثار {لآيات} حججا ومواعظ لكل مستبصر ومعتبر: وبالفارسية [عبرتهاست مر امم آتيه را] {أفلا يسمعون} آيات الله ومواعظه سماع تدبر واتعاظ فينتهوا عماهم عليه من الكفر والكذيب شعر : كسى راكه بندار درسر بود مبندار هركز كه حق بشنود زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك شقايق بباران نرويد زسنك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: فاعل "يهد": هو الله، بدليل قراءة زيد عن يعقوب "نهد" بالنون، ولا يجوز أن يكون الفاعل، "كم"؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فلا يَعْمَلُ فيه بما قَبْله. يقول الحق جل جلاله: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لهم} أي: يُبين لهم الله تعالى ما يعتبرون به، فينظروا {كم أهلكنا مِن قبلهِم من القرون}؛ كعاد وثمود، وقوم لوط، {يمشون} يعني: قريشاً، {في مساكنهم} حين يمرون على ديارهم، ومنازُلُهمْ، خاوية، في متاجرهم إلى الشام، {إن في ذلك لآياتٍ} دالة على قدرتنا، وقهريتنا {أفلا يسمعون} المواعظ، فيتعظون بها؟. الإشارة: قال القشيري: لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حَبْرَةٍ، فصاروا في عَبرةً, كانوا في سرورِ، فآلوا إلى ثبور، فجميع ديارهم وتراثِهم صارت لأغيارهم، وصُنوفُ أموالهم عادت إلى أشكالهم، سكنوا في ظِلالهم، ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وفي مثلهم قيل: شعر : نِعَــمٌ، كانــت عــلى قــو مٍ زمـانـا، ثــم فـاتــت، هكــذا النعمــةُ والإحـــ ســانُ قـد كانـت وكانـت. تفسير : ثم ذكرّهم بآثار قدرته، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ...}.

الطوسي

تفسير : القراء كلهم على الياء في قوله {أولم يهد لهم} بمعني اولم يهد إهلاكنا لهم لمن مضى من القرون. وقرئ بالنون بمعنى الاخبار عن الله تعالى أنه الذي بين لهم هلاك الماضين وأرشدهم بذلك إلى الحق وأتباعه، فاضافه إلى نفسه. يقول الله تعالى منبهاً لخلقة على وجه الاعتبار بحججه {أولم يهد لهم} ومعناه او لم يبصرهم ويرشدهم من غوايتهم، يقال: هداه يهديه في الدين هدى، وهدي إلى الطريق هداية، واهتدى إذا قبل الهداية. والواجب من الهدى: هو ما يؤدي إلى ما ليس للعبد عنه غنى في دينه، فاللطف على هذا هدى. والنظر المؤدي إلى معرفة الله هدى. وفاعل {يهد} مضمر فيه؛ وتقديره أو لم يهد لهم إهلاكنا من أهلكناهم من القرون الماضية جزاء على كفرهم بالله وإرتكابهم لمعاصيه، ولا يجوز أن يكون فاعل {يهد} {كم} في قوله {كم أهلكنا} لان {كم} لا يعمل فيها ما قبلها إلا حروف الاضافة، لانها على تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام، واجاز الفراء أن يكون فاعل {يهد} {كم} ولم يجزه البصريون. وقوله {يمشون في مساكنهم} اي أهلكناهم بغتة وهم متشاغلين بنفوسهم ويمشون في منازلهم. ثم قال {إن في ذلك لآيات} أي لحججاً واضحات {أفلا يسمعون} ومعناه أفلا يتدبرون ما يسمعونه من هذه الآيات، لان من لا يتدبر ما يسمعه، ولا يفكر فيه. فكأنه لم يسمعه. ثم نبههم على وجه آخر فقال {أولم يروا} ومعناه او لم يعلموا {أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم} فالسوق الحث على السير، ساقه يسوقه سوقاً، فهو سائق، يقول الله تعالى نسوق ماء المطر إلى هذه الأرض الجرز، فننبت به ضروباً من النبات الذي يتغذى به الانسان والانعام وغيرهم والارض الجرز هي الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات، انقطع ذلك لانقطاع الامطار، وهو مشتق من قولهم: سيف جراز أي قطاع، لا يلقى على شيء إلا قطعه وناقة جراز، إذا كانت تأكل كل شيء لأنها لا تبقي شيئاً إلا قطعته بفيها وأرض جروز، وهي التي لا تبقي على ظهرها شيئاً إلا أهلكته، كالناقة الجراز ورجل جروز أكول، قال الراجز: شعر : خب جروز إذا جاع بكا [ يأكل التمر ولا يلقي النوى ] تفسير : وفيه أربع لغات أرض جرز - بضم الجيم والراء، وبضم الجيم واسكان الراء وبفتح الجيم والراء، وبفتح الجيم واسكان الراء. وقال ابن عباس {نسوق الماء} بالسيول، لانها مواضع عالية، قال وهي: قرى بين اليمن والشام. ثم قال {أفلا يبصرون} بأن يفكروا في ذلك فيدلهم على انه لا يقدر على ذلك أحد غير الله الذي لا شريك له. ثم حكى عنهم أنهم {يقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} مستعجلين لما وعد الله تعالى من الفصل بينهم في قوله {إن ربك هو يفصل بينهم} يعنون متى يجيء فتح الحكم بينا وبينكم في الثواب والعقاب، والفتح القضاء والحكم، وقيل: انه أراد به فتح مكة، فعلى هذا قوله {يوم الفتح} يوم فتح مكة {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} لا يليق به. وقيل: لا ينفع الذين قبلهم خلد - من بني كنانة - ايمانهم. والتأويل هو الأول، فقال الله تعالى لنبيه محمد {قل} لهم يا محمد {يوم الفتح} أي يوم القضاء والفصل. وقال مجاهد: يوم القيامة {لا ينفع الذين كفروا} بآيات الله {إيمانهم} لان التكليف قد زال عنهم، ومعارفهم تحصل ضرورة {ولا هم ينظرون} أي ولا يؤخرون ايضاً، فلا ينبغي ان يستعجلوا مجيئه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فأعرض عنهم} يا محمد، فانه لا ينفع فيهم الدعاء والوعظ. وقيل: كان ذلك قبل أن يؤمر بالجهاد. وقيل: أعرض عن أذاهم {وانتظر} حكم الله تعالى فيهم وإهلاكه لهم {فإنهم منتظرون} أيضاً الموت الذي يؤديهم إلى ذلك. وقيل: انه سيأتيهم ذلك، فكأنهم كانوا ينتظرونه.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : "الواو" للعطف على معطوف عليه أمر منوي من جنس المعطوف، والفاعل في "يَهْد" مضمر يدل عليه: "كم"، أي كثرة إهلاكنا القرون، لا نَفْس "كم"، لأنها لا تقع فاعلة، فلا يقال: "جاءني كم رجل"، ولأن "كم" في محل النصب على تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام، لأنه مفعول أهلك، و"يمشون" في محل النصب على الحال. ويحتمل أن يكون الفاعل نفس هذا الكلام بحسب المحكي عنه، والمعنى كقولك: "يعصم لا إله إلاَّ الله الدماء والأموال"، أو ضمير يرجع إلى الله بدليل قراءة زيد: "نهد" بصيغة المتكلم. وقرأ يُمشّون - بضم الياء وتشديد الشين - أي: أوَ لَم يبصرهم ويبيّن لهم كم أهلكنا من القرون الماضية لكفرهم وعتوهم وارتكابهم المعاصي، فانتقمنا منهم، يمشون هؤلاء القوم - يعني كفار قريش - في مساكنهم، ويمرّون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم، ويرون آثارهم. وقيل معناه: أنا أهلكناهم بغتة وهم مشغولون بصنايعهم ومشاؤون في منازلهم، إن في ذلك دلالات واضحات على حقارة الدنيا والحثّ على طلب الأمور الباقية، أَفَلاَ يسمع هؤلاء الكفّار من أهل التواريخ والحكايات ما يوعظون به من المواعظ والمنبهات. مكاشفة إلهامية "المشي في المساكن": إشارة إلى وقوف قوم على أوائل الأنظار ومبادئ الأفكار، وعدم خروجهم عن عتبة باب المحسوسات والأوليات مع غاية سعيهم فيما لا يعني، ونهاية جدّهم في طلب هذا الفاني، وهم يمشون في الحقيقة في مساكنهم، ويجمعون تلفيقات أقوام بلا رويّة جمعاً، وهم {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف:104]. ومشاهدة هذا الحال في أكثر الجهّال المتشبهين بأرباب الكمال، المتورطين في مواقع الهلاك والوبال، الهائمين في أودية الشُبَه والضلال، تنبيه بليغ وهداية واضحة ودلالة كاشفة لأهل الاستبصار والسلوك إلى عالم الملكوت وقرب الحق المهيمن المتعال ذي الجمال والجلال، فيتفطن اللبيب الذكي، أنهم في واد وأهل الآخرة في واد آخر، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. نصيحة أهل الاستبصار لا يستنكفون عن التعلم استبداداً بالرأي، ولا يجحدون الحق استتباعاً للنفس والهوى، أو تقليداً وتعصباً للمذاهب والآباء، ومما يؤيد هذا الوجه، تعقيب هذه الآية بمثل وارد منه تعالى في غاية الملاءمة لما كنّا بصدده بحسب المضرب كما سنوجهه.

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} لقومك او لقوم موسى (ع) والجملة معطوفة على مقدّرٍ اى الم يتفكّروا، وفاعل يهد ضمير كتابك او كتاب موسى (ع) او الله او مبهم يفسّره قوله {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} يسمعون اخبارهم وان لم يكونوا يرون اهلاكهم ولكن يرون آثارهم لانّهم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} لمّا كان الاطّلاع على اهلاك الماضين بسماع اخبارهم استعمل السّماع ههنا.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ} يتبين والفاعل ضمير عائد الى الاهلاك المدلول عليه بما بعده والهمزة مما بعد واو الاستئناف او الواو للعطف على محذوف والهمزة من جملة المحذوف اي أعموا ولم يتبين او اجهلوا ولم يتبين. {لَهُمْ} لأهل مكة وجملة. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن القُرُونِ} مستأنفة ويجوز عند جماعة من الكوفيين كون الجملة فاعلا مطلقا وأجاز الفراء وجماعة منهم ذلك بشرط كونها استفهامية كهذه او معلقا منها بأحد المعلقات وكون المسند اليها قلبيا وفيه ان من ان تكون مجوزة وكيف يعلق الفعل عما هو منه كجزء وأجاز ابن هشام ذلك في الاستفهام لكن على تأويل الجملة بالاسم كاللفظ وتقدير مضاف اي اولم يتبين لهم جواب لفظ كم أهلكنا الخ. اي جواب هذا اللفظ وكم استفهامية وان جعلناها خبرية فيحمل ان يمنع ما ذكر وان يجوزه لأن كم الخبرية قريبة من الاستفهام فانها ولو لم تحتج لجواب لكن لا مانع من ان يقال اولم يتبين لهم جواب اخبارنا بالاهلاك وجوابه ان يصدقوه اولم يتبين لهم صحة اخبارنا ويجوز ان يكون يهدي بمعنى يبين فيكون متعديا ففاعله ضمير لله سبحانه او لرسوله فيدل لرجوع الضمير لله قراءة الحسن والاشاءة لأبي عبدالرحمن اولم نهد والمفعول جملة {كَمْ أَهْلَكْنَا} الخ معلقا عنها ولك ان تقول الفاعل جملة كم اهلكنا الخ على ما مر من قولي الكوفيين والمفعول محذوف. {يَمْشُونَ} حال من هاء لهم وقرىء (يمشون) بالتشديد مبالغة او المتعد به اي يمشون الدواب والعبيد والخدم معهم. {فِي مَسَاكِنِهِمْ} اي يمشي اهل مكة في متاجرهم في مساكن القرون الماضية الكافرة المهلكة كعاد وثمود وأجاز الثعالبي كون ويمشون للقرون. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دلالات على قدرتنا. {أَفَلا يَسْمَعُونَ} سماع تدبر واتعاظ.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوي يقتضيه المقام ويناسب المعطوف معنى على ما اختاره غير واحد، وفعل الهداية إما من قبيل فلان يعطي في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول، وإما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ضمير عائد إلى ما في الذهن ويفسره قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ} وكم في محل نصب بأهلكنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم مآل أمرهم أو طريق الحق كثرة من أهلكنا أو كثرة إهلاك من أهلكنا من القرون الماضية مثل عاد وثمود وقوم لوط، ولا يجوز أن تكون {كَمْ } فاعلا لصدارتها كما نص على ذلك الزجاج حاكياً له عن البصريين، وقال الفراء: كم في موضع رفع بيهد كأنك قلت: أو لم يهد لهم القرون الهالكة فيتعظوا ولا أن يكون محذوفاً لأن الفاعل لا يحذف إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها ولا مضمراً عائداً إلى ما بعد لأنه يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة في غير محل جوازه، ولا الجملة نفسها لأنها لا تقع فاعلاً على الصحيح إلا إذا قصد لفظها نحو تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال، وجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى شأنه لسبق ذكره سبحانه في قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ} تفسير : [السجدة: 25] الخ وأيد بقراءة زيد {نهد لَهُمْ } بنون العظمة، قال الخفاجي: والفعل بكم عن المفعول وهو مضمون الجملة لتضمنه معنى العلم فلا تغفل. {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } أي يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم، والجملة حال من ضمير {لَهُمْ }، وقيل: من {ٱلْقُرُونِ }، والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وقيل: مستأنفة بيان لوجه هدايتهم. وقرأ ابن السميقع {يَمْشُونَ } بالتشديد على أنه تفعيل من المشي للتكثير {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من إهلاكنا للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم {لأَيَاتٍ } عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ومَن أظلم ممّن ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها} تفسير : [السجدة: 22]، ولما كان ذلك التذكير متصلاً كقوله {أية : وقالوا أإذا ضَللنا أَإنّا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون}تفسير : [السجدة: 10] كان الهدي، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملاً للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله {كم أهلكنا من قبلهم من القرون} معنين: أحدهما: إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه. وثانيهما: إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم. والاستفهام إنكاري، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصَارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه. فضمير {لهم}عائد إلى المجرمين أو إلى من ذُكِّر بآيات ربه. و{يَهْدِ}من الهداية وهي الدلالة والإرشاد، يقال: هداه إلى كذا. وضمن فعل {يَهْدِ}معنى يبيّن، فعدي باللام فأفاد هداية واضحة بينة. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى {أية : أو لم يَهْدِ للذين يرثون الأرض} تفسير : في سورة [الأعراف: 100]. واختير فعل الهداية في هذه الآية لإرادة الدلالة الجامعة للمشاهدة ولسماع أخبار تلك الأمم تمهيداً لقوله في آخرها {أفلا يسمعون}، ولأن كثرة ذلك المستفادة من {كَم} الخبرية إنما تحصل بترتيب الاستدلال في تواتر الأخبار ولا تحصل دفعة كما تحصل دلالة المشاهدات. وفاعل {يَهْدِ} ما دلت عليه {كم} الخبرية من معنى الكثرة. ولا يجوز عند الجمهور جعل {كم} فاعل {يَهْدِ} لأن {كم} الخبرية اسم له الصدارة في الاستعمال إذ أصله استفهام فتوسع فيه. ويجوز جعل {كم} فاعلاً عند من لم يشترطوا أن تكون كم الخبرية في صدر الكلام. وجوز في (الكشاف) أن يكون الفاعل جملة {كم أهلكنا} على معنى الحكاية لهذا القول، كما يقال: تَعصمُ (لا إله إلا الله) الدماءَ والأموالَ، أي هذه الكلمة أي النطق بها لتقلد الإسلام. ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الجلالة دالاً عليه المقام، أي ألم يهدِ الله لهم فإن الله بَين لهم ذلك وذكّرهم بمصَارع المكذبين، وتكون جملة {كم أهلكنا}على هذا استئنافاً، وتقدم {أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} تفسير : في أول الأنعام (6). ونيط الاستدلال هنا بالكثرة التي أفادتها كم الخبرية لأن تكرر حدوث القرون وزوالها أقوى دلالة من مشاهدة آثار أمة واحدة. {ويمشون في مساكنهم} حال من فاعل {أية : أو لم يروا}تفسير : [السجدة: 27] والمعنى: أنهم يمرون على المواضع التي فيها بقايا مساكنهم مثل حِجر ثمود وديار مدين فتعضد مشاهدةُ مساكنهم الأخبار الواردة عن استئصالهم وهي دلائل إمكان البعث كما قال تعالى: {أية : وما نحن بِمَسْبُوقِين على أن نبدل أمثالكم ونُنْشِئَكم فيما لا تعلمون} تفسير : [الواقعة: 60، 61]، ودلائل ما يحيق بالمكذبين للرسل؛ وفي كل أمة وموطن دلائل كثيرة متماثلة أو متخالفة. ولما كان الذي يؤثر من أخبار تلك الأمم وتقلبات أحوالها وزوال قوتها ورفاهيتها أشدّ دلالة وموعظة للمشركين فرع عليه {أفلا يسمعون} استفهاماً تقريرياً مشوباً بتوبيخ لأن اجتلاب المضارع وهو {يسمعون} مؤذن بأن استماع أخبار تلك الأمم متكرر متجدد فيكون التوبيخ على الإقرار المستفهَم عنه أوقعَ بخلاف ما بعده من قوله {أية : أفلا يبصرون}تفسير : [السجدة: 27]. وقد شاع توجيه الاستفهام التقريري إلى المنفي، وتقدم عند قوله تعالى {أية : ألم يأتكم رسل منكم} تفسير : في سورة الأنعام (130)، وقوله: {أية : ألم يروا أنه لا يكلمهم} تفسير : في سورة الأعراف (148).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ}. قد قدمنا بعض الآيات الموضحة له في آخر سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} تفسير : [مريم: 98].

د. أسعد حومد

تفسير : {مَسَاكِنِهِمْ} {لآيَاتٍ} (26) - أَوَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، طَريقُ الحَقِّ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَهْلَكَ اللهُ قَبْلَهُمْ مِن الأُمَمِ السَّالِفَةِ التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَخَالَفَتْهُمْ فِيما جَاؤُوهُمْ بِهِ، فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ بَاقِيَةً. وهؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ يَرَوْنَ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ ذَلِكَ، وَهُمْ يَمْشُونَ فِي أرضِ البَائِدينَ، وَيَرَوْنَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَةً خَالِيةً، أَفَلاَ يَسْمَعُونَ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لِيَتَّعِظُوا وَيَعْتَبِرُوا؟ أَوْ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ - أَغَفَلُوا وَلَمْ يَتَبَيِّنْ لَهُمْ مَآلُهُمْ؟ القُرُونِ - الأُمَمِ الخَالِيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - تكلم عن الرسالة التي أرسل بها رسوله صلى الله عليه وسلم ليؤكد في الناس عقيدة أعلى، وهي عقيدة الوجود للإله الواحد الذي لا شريك له، ثم بيَّن أن لنا مع الله لقاء آخر حين تنتهي هذه الدنيا الفانية، ثم نستقبل حياة خالدة، إما إلى جنة إنْ شاء الله، وإما إلى نار ونعوذ بالله. والحق سبحانه حين يعرض آياته في الكون يعرضها لتثبت أنه هو الذي خلق هذه الآيات العجيبة، فلم يتركنا سبحانه ننظر وننصرف إنما لفتنا ونبَّهنا إلى وجوب النظر إلى آياته في الكون، وحين يأتي مَنْ يريد أنْ يُنبه عقلك فاعلم أنه لا يريد أنْ يخدعك، أو أن يأخذك على غرَّة، فربك يقول لك: استقبل كلامي هذا بمنتهى التدُّبر والتذكُّر والتعقُّل. ولو لم يكُنْ واثقاً من أنه سيصل بالتدبُّر والتعقُّل والتذكر إلى الغاية التي يريدها لما نبَّه عقلَك لآياته، كما ترى عارض السلعة الجيدة الواثق من جودتها يعرضها عليك، ويكشفها لك، ويدعوك إلى فحصها وتأمُّل ما فيها، فهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته وأنها ستنال رضاك. أما صاحب السلعة المغشوشة فيخدعك ويسلك معك أساليب اللفِّ والدوران والتغرير، فحين تدهب مثلاً لشراء حذاء وجاء ضيقاً يقول لك: سيتسع بعدما تمشي فيه، فإنْ جاء واسعاً يقول لك: أحضر لك واحداً أوسع؟ ليوهمك أنه ضيِّق، وأساليب هؤلاء مكشوفة لا تخفى على أحد، فالذي يريد أنْ يغشَّ أو يخدع يلف القضايا ليسترها عن عقلك المتدبر المتذكر المتمعن. أما الحق سبحانه، فكثيراً ما قال في قرآنه: أفلا يسمعون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون القرآن؛ لذلك من مصلحة الدعوة أنْ يتعقلها الناس، وأن يتدبروها، في حين أن بعض أصحاب الديانات الأخرى يقول لك حين تناقشه: أبعِدْ العقل عن هذه المسألة، لماذا؟ لأنه واثق أنها لو بُحثَتْ بالعقل لردها العقل ولم يقبلها - والحق سبحانه يريد ألاَّ يترك عذراً لأحد في البلاغ، فالدعوة قد بلغتْ الجميع بلاغاً سليماً واضحاً، تلك آيات الله في الكون. ثم يأتي الحق سبحانه بآيات معجزة ليثبت صِدْق الرسول، فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ فيه القوم ليقطع عليهم الحجة، ثم يأتي بآيات الأحكام التي تحمل المنهج بافعل ولا تفعل، ويُبيِّن أنَّ صلاح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ويترك للمخالفات أن تُظهِر بعض العيوب، فإذا ما نظرتَ إلى عيب أو عورة في المجتمع عرفتَ أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج الله، فكأن المخالفة ذاتها من مُؤكِّدات الحكم. ثم يُبيِّن سبحانه أنه أرسل رسلاً كثيرين من لَدُنْ آدم عليه السلام؛ لأن الإنسان الذي هو خليفته في الكون تصيبه غفلة حين ينخرط في أسباب الدنيا، وتأخذ عليه كل فكره وكل همه، فينسى ما طلب الله منه، فمن عادة الإنسان ألاَّ يتذكر إلاَّ ما ينفعه النفع العاجل. لذلك نجد كثيراً من الناس ينسى ما للناس عنده، ويتذكر ما له عندهم. فالحق سبحانه يقول: أنا لم يَعُدْ لخَلْقي عندي حجة، فقد نثرتُ لهم آيات الكون المُلْفتة، وهي آيات واضحات لم يدَّعها أحد لنفسه، ومع كثرة الملحدين والكافرين لم نَرَ أبداً من ادَّعى خَلْق الشمس أو القمر، ولم يقُلْ أحد: إنني أُسيِّر الريح، أو أُنبِت الزرع، أو أُنزِل الماء من السحاب. والحق سبحانه يُنبهنا أيضاً: لا تنْس أيها الإنسان أنك خليفة لله في الأرض، وإياك أنْ تظن أنك أصيل فيها، فساعةَ تظن أنك أصيل في الدنيا يتخلى الله عنك، ويتركك لنفسك فتهلك، كما حدث لقارون حين وسَّع الله عليه في الدنيا، فاغترَّ بما في يده، وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده. فكانت النتيجة {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [القصص: 81] لينبه الناس جميعاً أن المال ليس مال صاحبه، إنما هو مُستْخلف فيه، ولو كان ماله لحافظ عليه، فالحق يردُّ الناس بالأحداث إلى طبيعة الفطرة الخلافية، لأن فساد الكون يأتي من اعتبار الإنسان نفسه أصيلاً في الكون. وسبق أنْ قُلْنا: إن الإنسان إذا نظر في الكون نظرة فاحصة عادلة لَعلِم ما يأتي: أن كل شيء لم تتدخل فيه يَدُ الإنسان سليم، ويؤدي مهمته على أكمل وجه، وأن كل فساد في الكون إنما هو من تدخُّل الإنسان فيه بغير قانون ربه، ولو تدخَّل فيه بقانون ربه لَصَلُحت له الأشياء التي تدخَّل فيها، كما صَلُحَتْ له الأشياء التي لم يتدخل فيها. وقلنا: إنك إذا رأيتَ عواراً في الكون فاعلم أنه نتيجة حقٍّ مُضيَّع من حقوق الله، فحين ترى فقيراً يتضوَّر جوعاً أو عرياناً لا يملك ما يستر عورته، فاعلم أن الأغنياء قصَّروا في أداء حق الله في الزكاة؛ لأن الله تعالى شرعها بحساب، فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي في المجتمع المحيط به محتاج. ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا على إيمان الفطرة، وعلى الذرة الإيمانية الأولى التي لم تدخلها الشهوة، ولم يخالطها النسيان، هذه الذرة التي شهدت العهد الأول الذي قال الله فيه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 173]. أي: قبل أنْ تأخذكم شهوات الدنيا ونسيانها فتُنكروا هذه الشهادة، وتقولون: {أية : إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. فالذي يحافظ على هذه الذرة، وعلى هذه اللمسة الربانية التي وضعها الله فيه بيده، وعلى العهد الذي أخذه الله عليه يبقى له نور هذه الفطرة، وتظل هذه النورانية متأججة في نفسه، فإن أهملها طمستْها الذنوب والغفلة. لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل فيقول: "حديث : تُعرض الأمانة - أي: التكاليف الاختيارية من الله - على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيُّما قلب أُشْرِبها نُكتَتْ فيه نكتة بيضاء، وأيُّما قلب أنكرها نُكِتت فيه نكتة سوداء حتى تكون على قلبين: أبيض مثل الصَّفا، لا تضره فتنة ما دامتْ السماوات والأرض، والآخر أسود مُربَاداً كالكوز مجَخَّياً ممقوتاً، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكراً ". تفسير : فالطاعات أو الذنوب تتراكم على القلب كما تُصَفُّ عيدان الحصير عوداً بجوار عود، فيبيضّ القلب بالطاعات، أو يسودّ بالمعاصي. والإنسان منه مادة ومنه روح، الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف، وهما قبل أن يلتقيا كانا مُسبِّحَيْن لله تعالى، فكل شيء في الوجود مُسبِّح {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} تفسير : [النور: 41]. وعلى الإنسان أنْ يفهم هذه الحقيقة، وأن يحافظ على الطبيعة الإيمانية في ذراته ومكوناته لتظل مشرقة نيِّرة بنور الإيمان، فإنْ غفل عن هذه الطبيعة حدثتْ الأغيار، وحدث عدم الانسجام بين ذراته في الذات البشرية، فحين تحمل إرادتُك الجسمَ والروحَ على المعصية يكرهك جسمك، وتكرهك روحك؛ لأنك خالفتَ منهج خالقها - عز وجل - فهي مُسبّحة عابدة وأنت لاهٍ غافل عَاصٍ؛ لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك. ومن رحمة الله بالعاصي أن ينام فترتاح أبعاضه، وترتاح روحه من معاصيه، وتأخذ راحتها في عبادة ربها، حيث لا منازع لها، ولا معاند من إرادة صاحبها، لذلك يشعر الإنسان بالراحة عند النوم، ويقوم منه نشيطاً لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ذاته أثناء النوم. لذلك ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه؛ لأن أبعاضه منسجمة دائماً في نومه وفي يقظته، فإذا رأيتَ إنساناً يغلب عليه أنه مُنْهك القوى فاعرف أنه قد أتعب ذراته، وأنها تودُّ الخلاص منه بالنوم، وكأنها تقول له نَمْ فلم تَعْدُ صالحاً للتعايش معي. إذن: الحق سبحانه يُنبِّهنا دائماً من هذه الغفلة بواسطة الرسل، ثم يترك سبحانه للرسالات التي سبقتْ أدلة تؤيد الرسل الموجودين، وتعينهم على أداء مهمتهم؛ لذلك يقول لنا: انظروا إلى الرسل الذين سبقوا، وكيف كانت عاقبة المكذِّبين بهم. {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ ..} [السجدة: 26] كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} تفسير : [الفجر: 6-10]. فهذه الأهرامات التي يَفِد إليها الناس، والتي تُعَدُّ مزاراً سياحياً هي آية من آيات الله تقوم دليلاً على هلاك أصحابها من المكذِّبين للرسل، فالحق سبحانه لم يترك لأحد من خَلْقه عذراً بعد أنْ كشف له الآيات الكونية تشهد بوحدانيته تعالى وألوهيته، والمعجزات التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ثم آيات الأحكام التي تحمل أقضية الحياة، والتي لا يمكن لبشر أنْ يستدرك عليها، والتي تحمل الحلَّ الشافي والدواء الناجع لكل داءات المجتمع. وبعد ذلك تركت لهم تكذيب المكذِّبين أمام أعينهم، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. فها هي آثار عاد وثمود وغيرهم ما تزال شاهدةً عليهم، بعضها فوق الأرض، ومعظمها مطمور تحت طبقات الثَّرى؛ لذلك نجد أن كل الآثار القديمة يجدونها في الحفريات تحت الأرض، ولم لا وقد كانت العاصفة تهبُّ الهبَّة الواحدة، فتبتلع القافلة بأكملها، فما بالك بهبَّات الرياح من أيام عاد حتى الآن. إذن: خذوا عبرة من مصير هؤلاء. ومعنى {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ..} [السجدة: 26] يهدي: أي: يدلُّ ويرشد ويُبيِّن ويُوضّح، والهداية لها عناصر ثلاثة: هادٍ ومهديٌّ والشيء المهْدَى إليه، ومادة: (هدى) تُستعمل في كتاب الله ثلاثة استعمالات: الأول: أنْ يُذكر الهادي، وهو الله عز وجل، والثاني: أن يُذكر المهديّ وهم الخَلْق، والثالث: وهو أنْ يُذكر المهدى إليه، وهي الغاية التي يريدها الله. وهذا الفعل يأتي مرة متعدِّياً بنفسه، كما في سورة الفاتحة: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] أي: يا الله، فالله هو الهادي، ونحن المهديون، والغاية هي الصراط المستقيم. ومرة يُعدَّى الفعل باللام، كما في {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا ..} تفسير : [الأعراف: 43] فلم يَقُلْ: هدانا هذا، ومرة يتعدى بإلى كما في {أية : .. وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [البقرة: 213]. فتلحظ أن الهادي واحد وهو الله تعالى، والمهديّ هو الخَلْق، لكن المهْدَى إليه هو المختلف، أما في هذه الآية فالأمر مختلف، حيث يقول سبحانه: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ..} [السجدة: 26] فلم تدخل اللام على المهْدى إليه، إنما دخلتْ على المهدي، فلم يقُلْ الحق سبحانه: أو لم يَهْدِ الله هؤلاء القوم لكذا. فلماذا؟ قالوا: لأن بعض الناس يظنون أن الله حين يهدي إلى الطريق يُحمِّلك مشقات التكاليف؛ لذلك نرى بعض الناس ينفرون من التكاليف ويروْنَ فيها عبئاً عليهم، ومن هنا عبد بعضهم الأصنام، وعبد بعضهم الشمس أو القمر .. إلخ؛ لأنها آلهة بدون منهج وبدون تكاليف، ليس لها أوامر، وليس عندها نَواهٍ، وما أيسر أنْ يعبد الإنسان مثل هذه الآلهة التي لا مطلوبات لها. والذي يرى في التكاليف مشقة، ويراها عبئاً عليه يراها كذلك؛ لأنها تصادم مراد نفسه في الشهوات وتحدُّ من رغباته، ومرادات النفس ربما أعطتْك لذة عاجلة، لكن يعقبها حسرة وشر آجل. ومثَّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يتحمل مشقة المذاكرة والدرس طمعاً في التفوق الذي ينتظر حلاوته، وآخر يفضل اللذة السريعة العاجلة فيلعب ولا يهتم، فيلاقي مذلَّة الفشل والاحتقار آخر العام. إذن: عليك أنْ تقرن بين مشقة العمل والنتيجة والثمرة التي تنالها من ورائه، وعندها تهون عليك مشقة التكاليف؛ لأن ما ينتظرك من الأجر عليها أعظم مما قدَّمتَ وأبقى. فالحق سبحانه يريد منا أنْ نُقبل على التكاليف، ونعرف أنها لمصلحتنا نحن، وأنها في الحقيقة تشريف لنا لا تكليف؛ لأن الذي كلفني لا يحتاج مني إلى هذا، ولا ينتفع من عبادتي بشيء، بل هو سبحانه يتحنن إليَّ؛ لأكون أهلا لإنعامه وجديراً بفضله وكرمه. ألم يقُلْ سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7] فالمسألة إذن منك وإليك، فالله سبحانه له صفات الكمال قبل أنْ يخلق عباده. فاللام في {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ..} [السجدة: 26] أي: لصالحهم ومن أجلهم، وليس عليهم، فالهدى لصالح المهدي لا الهادي، ولو فهم الإنسان هذه الحقيقة وعرف أن الهداية راجعة إليه لَقبَّل يد مَنْ بلَغه عن الله هذا الفضل. ويؤكد هذا المعنى - لمن فطن - قوله تعالى عن المؤمنين: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..} تفسير : [لقمان: 5] فالهدى ليس حِمْلاً يحملونه، إنما مطية يركبونها إلى الغاية النبيلة التي أرادها الله لهم. فما الذي بيَّنه الله للمؤمنين ودلَّهم عليه؟ يقول سبحانه: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ..} [السجدة: 26] أي: انظروا إلى المخالفين للرسل من قبلكم، وكيف أخذهم الله فلم يُمكِّنهم من رسله، بل انتصر الرسل عليهم. وكم هنا تفيد الاستفهام عن العدد، وهي بمعنى كثير، كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنتُ إليك أي: مرات كثيرة لا تُعَدُّ، والمراد أننا بيَّنا لكم كثيراً من الأمم التي عادتْ رسلها، وكيف كانت عاقبتهم وغايتهم التي انتهوا إليها: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. ومن مصلحتنا أن يُبيِّن الله لنا عاقبة المكذبين؛ لأنه ينبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن قوله تعالى - من سورة الرحمن: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36] فاعتبر الشواظ والنار من النِّعم التي ينبغي ألاَّ نُكذِّب بها، لماذا؟ لأنه نبَّهنا إليها حتى لا نقع فيها. وقوله تعالى: {مِّنَ ٱلْقُرُونِ ..} [السجدة: 26] القرن حدده العلماء بمائة عام، لكن هذه المائة تتداخل، ويقترن فيها عدة أجيال يجتمعون على مذهب أو مبدأ واحد، فالقرن يقرن بين الجد والابن والحفيد، هذا إنْ أردتَ الزمن وحده، فإنْ قُرِن الزمن بعصر دين من الأديان أو نبي أو ملك، فقد يطول القرن إلى الألف عام، كما في قرن نوح عليه السلام. فالقرن مرتبط بما قُرن به؛ لذلك نقول: العصر الجاهلي، عصر صدر الإسلام، عصر بني أمية، العصر العباسي، عصر المماليك، وما نزال حتى الآن نقول عن عصرنا: العصر الحديث. والحق سبحانه يبين لنا في الحياة التي نعيشها أن الزمن متغير، إلى أعلى في الماديات، وإلى أدنى في المعنويات، فكلما تقدَّم الزمن انحلَّ الناس من رِبْقة الدين وتفلَّتوا منه؛ ذلك لأن الارتقاءات المادية ينتج عنها حضارات تستهوي النفوس وتغريها، والنتيجة انحدار في القيم وفي الدين، ولو أن الارتقاء كان متساوياً لسار الأمران في خطين متوازيين. لذلك يقول تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ..} تفسير : [يونس: 24]. ثم إنك لو نظرتَ إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن الأمم صاحبة الحضارات لم تستطع أنْ تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم، ولم يستطيعوا صيانتها. حتى العصور التقدمية: كنا في العصر الحجري، ثم عصر البخار، ونحن الآن في عصر الفضاء. إذن: نحن مرتقون فقط في الماديات، لكن منحدرون في المعنويات، لكن هل هذا الارتقاء المادي جاء عن امتلاك لمعالم هدى الله في الأرض؟ لا، لأن الله تعالى بيِّن لنا: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. فأنا الذي أنزلتُ، وأنا الذي ضمنتُ حفظه، فلم أتركه لكم تحفظوه، إذن: المسألة عن عجز منا، وإلا فكتاب البداية موجود حجة علينا. وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ..} [السجدة: 26] أي: أنني لا ألقى القضايا بدون حجة أو دليل، بل هي شاخصة أمامكم تمرون بها، وتروْنَها ليل نهار، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] فالله يحضُّهم على أنْ يستمعوا إلى سِيَر المكذِّبين المعاندين، وما حاق بهم من انتقام الله منهم. وبالله: الإنسان مهما قَصُر عمره، ألم يَرَ ظالماً، وألم يَرَ مصرع هذا الظالم وعاقبة ظلمه، فإنْ لم يَرَ ظالماً ألم يُحدَّث عنه؟ إذن: مما يصلح حال الناس أنْ يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن نهايتهم، وما ينزل بهم من الانتقام الذي لا ينتظر الآخرة، بل يُعَجِّل لهم في الدنيا. وفي ذلك حكمة لله بالغة؛ لأن الظالم ربما لا يرعوى ولا يرجع في الدنيا عن ظلمه، فيظل يُعربد في الخَلْق ما أحياه الله، لكن إنْ مسَّه شيء من العذاب، فلربما عاد إلى رُشْده، وإن لم يَعُدْ كان عبرة لغيره. لذلك قال أهل المعرفة: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه. وربما مَنْ رآه ظالماً يراه مظلوماً، ومَنْ أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله. وتأمل قول ربك: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً ..} تفسير : [الأنعام: 129] فكأن الظالم له رسالة، هي أن ينتقم من ظالم مثله، وهكذا يُهلك الله هؤلاء بعضهم ببعض؛ لأن الخيِّر طيِّب القلب لا يؤدب ظالماً، فإن اعتديتَ عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو. ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفار مكة: "حديث : اذهبوا فأنتم الطلقاء" تفسير : فكأن الله عز وجل يقول للخيِّر: اجلس أنت واسترح، واترك الأشرار لي، فسوف أرسل عليهم من هو أشرّ منهم ليؤدبهم. واختار الحق هنا حاسة السمع {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] لأنها وسيلة الإدراك المناسبة للموقف، فبها نسمع ما يُحكَى عن الظالمين وبها نعتبر، وفي موضع آخر سيقول{أية : أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27] ويقول: {أية : أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 68] فيُنوِّع لنا، ويُقلِّب كل وسائل الإدراك لينبهنا من خلالها. والمعنى {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] ما يُرْوَى لهم عن مصارع الظالمين، لقد نبهناهم وذكَّرناهم، ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم (ودن من طين، وودن من عجين).

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} معناه يُبين لَهُمْ.

الجيلاني

تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أي: أهل مكة إلى سبيل الرشاد، ولم يوقظهم عن هجعة الغفلة ورقاد العناد {كَمْ أَهْلَكْنَا} أي: ك ثرة إهلاكنا واستئصالنا {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ} أهل {ٱلْقُرُونِ} الماضية الهالكة، المغرورين أمثالهم بالكبر والخيلاء بما عندهم من المال والجاه والثورة، مع أن هؤلاء المعاندين {يَمْشُونَ} ويمرون {فِي مَسَاكِنِهِمْ} الخربة، ودورهم المندرسة حين ارتحالهم نحو متجارهم وما يعتبرون منها {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في رؤية تلك المنازل والأطلال المغمورة، والبلاد المقهورة {لآيَاتٍ} دلائل واضحات، وشواهد لائحات على كمال قدرتنا واختيارنا، وشدة انتقامنا وقهرنا {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] مقتضيات الآيات، ولا يتدبرون فيها حق التدبير والتفكر؛ حتى يتخلصوا عن أودية الضلالات، وأغوار الجهالات، ويتصفوا بأنواع الهدايات والكرامات؟!. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} ولم يبصروا أولئك المعاندون المنكرون على كمال قدرتنا، ووفور حكمتنا واختيارنا {أَنَّا} من مقام جودنا ولطفنا كيف {نَسُوقُ ٱلْمَآءَ} بالتدابير العجيبة، والحكم البديعة من تصعيد الأبخرة والأدخنة، وتراكم السحب منها، وتقاطر المطر من فتوقها وخلالها {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} التي قطع نباتها من غاية يبسها وجمودها {فَنُخْرِجُ بِهِ} أي: الماء الذي سقنا {زَرْعاً} أي: أنواعاً من الأقوات {تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ} أوراقه وتبنه {وَأَنفُسُهُمْ} حبوبه وثمرته {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] أولئك المصرون المنكرون هذه القدرة العجيبة، فيستدلون بها على قدرتنا الكاملة، وحكمتنا البليغة البالغة بعدما سمعوا منك يا أكمل الرسل أن ربك يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟!. {وَيَقُولُونَ} مستهزئين معك، متهكمين: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} والفصل الذي وعدتم به، أخبرونا وقته {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [السجدة: 28] في دعواكم؛ حتى نتهيأ ونتزود، ونؤمن به كماآمنتم؟. {قُلْ} يا أكمل الرسل في جوابهم: {يَوْمَ ٱلْفَتْحِ} هو يوم القيامة المعدة؛ لتنقيد الأعمال والحساب، فومئذٍ {لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} في النشأة الأولى مدة أعمارهم {إِيَمَانُهُمْ} فيها {وَلاَ هُمْ} حينئذٍ { يُنظَرُونَ} [السجدة: 29] ويمهلون؛ حتى يتداركوا ما فوَّتوا على نفوسهم طول عمرهم من الإيمان بالله، والامتثال بأوارمه ونواهيه، وتصديق الرسل والكتب، وجميع معالم الدين وشعائر الإسلام. وبعدما تمادوا في الغفلة الضلال، وبالغوا في العتو والعناد {فَأَعْرِضْ} يا أكمل الرسل {عَنْهُمْ} ولا تلتفت إلى هذياناتهم، واصرف عنان عزمك عن هدايتهم وإرشادهم بعدما تاهوا في تيه الغي والضلال، وأصروا عليها {وَٱنتَظِرْ} النصر والظفر، والغلبة عليهم {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30] أيضاً؛ ليغلبوا عليك ويظفروا. ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. خاتمة السورة عليكم أيها السالك القاصد سلوك سبيل التوحيد، والناسك المجاهد مع أعدى عدوك الذي بين جنبيك، أعانك الله ونصرك على عدوك أن تتصبر وعلى متاعب العبودية، ومشاق التكاليف الواقعة في إتيان المأمورات الشرعية، وترك المألوفات الطبيعية، سيما فيما أُشكل أمره عليك، ودفعه عندك من انقهار أمّارتك وانزجارها، وانتقامك عنها مفوضاً أمورك كلها إلى ربك منتظراً إلى أن يغلبك الحق عليها بعدما وعدك به بأن يجعل سبحانه سلطانة أمّارتك مأمورة لك، مطمئنة بحكمك، راضية بجميع ما جرى عليها من سلطان القضاء بلا امتناع وإباء. فلك حينئذٍ أن تتمكن في مقام الرضا والتسليم؛ حتى تصير مطمئنتك فانية مضمحلة، متلاشية بحيث لا يبقى فيها من هوية ناسوتها شيء، بل فنيت هويتها في هوية الحق مطلقاً، فحينئذٍ فزت بدوام أبدي، وبقاء سرمدي بلا عروض انقضاء وانصرام، وبلا لحوق انتهاء وانخرام. هب لنا من فضلك جذبةً من هوية ناسوتنا، وتفنينا في هوية لاهوتك يا أرحم الراحمين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} [السجدة: 26] يشير إلى عذر الهالكين بأنه ما هلك أحد بنفسه إلا بإهلاكنا إياهم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [السجدة: 26] التي أسكناهم فيها على أقدام الهلاك فمن المهلكين من يهده الله إلى أن الله الذي هو أهلك فهو المهتدي، ومن أمارة علم من يعلم أن الله أهلكه أن يعلم ويهتدي إلى أن الله هو يحييه فيرجع إلى الله بالتوبة والاستغفار ليحييه كما أهلكه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [السجدة: 26] الإهلاك {لآيَاتٍ} [السجدة: 26] بأن الله هو المهلك والمحيي {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] هذا المعنى من لسان الإهلاك؛ ليرجعوا إليه في طلب الإحياء والنجاة. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ} [السجدة: 27] ماء الهداية {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} [السجدة: 27] الجرز: القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فيعود عودها مُورقاً بعد ذبوله حاكياً لحاله حال حصوله {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} [السجدة: 27] من الواردات التي تصلح لتربية النفوس، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب {تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27]. {وَيَقُولُونَ} [السجدة: 28] بالإنكار والاستهزاء {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} [السجدة: 28] والفتوح التي تدعونها {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [السجدة: 28] في دعواها، وهذا منكري هذه الطائفة يستدعون منهم إظهاراً الكرامات وعرض الفتوحات {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [السجدة: 29] وأنكروا وجحدوا إيمانهم بما فتح الله على قلوب أوليائه إذ لم يعتدوا بهم ولم يهتدوا بهداهم، فما لهم إلا الخسران والزفرات {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [السجدة: 29] بنظر العناية {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [السجدة: 30] يا طالب الصادق بالإقبال علينا وانظر لفتوحات ألطافنا {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30] هول مقتنا وخفايا مكرنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعني: أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول، ويهدهم إلى الصواب. { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ } الذين سلكوا مسلكهم، { يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } فيشاهدونها عيانًا، كقوم هود، وصالح، وقوم لوط. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } يستدل بها، على صدق الرسل، التي جاءتهم، وبطلان ما هم عليه، من الشرك والشر، وعلى أن من فعل مثل فعلهم، فُعِلَ بهم، كما فُعِلَ بأشياعه من قبل. وعلى أن اللّه تعالى مجازي العباد، وباعثهم للحشر والتناد. { أَفَلا يَسْمَعُونَ } آيات اللّه، فيعونها، فينتفعون بها، فلو كان لهم سمع صحيح، وعقل رجيح، لم يقيموا على حالة يجزم بها، بالهلاك. { أَوَلَمْ يَرَوْا } بأبصارهم نعمتنا، وكمال حكمتنا { أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ } التي لا نبات فيها، فيسوق اللّه المطر، الذي لم يكن قبل موجودًا فيها، فيفرغه فيها، من السحاب، أو من الأنهار. { فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا } أي: نباتًا، مختلف الأنواع { تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ } وهو نبات البهائم { وَأَنْفُسهمْ } وهو طعام الآدميين. { أَفَلا يُبْصِرُونَ } تلك المنة، التي أحيا اللّه بها البلاد والعباد، فيستبصرون فيهتدون بذلك البصر، وتلك البصيرة، إلى الصراط المستقيم، ولكن غلب عليهم العمى، واستولت عليهم الغفلة، فلم يبصروا في ذلك، بصر الرجال، وإنما نظروا إلى ذلك، نظر الغفلة، ومجرد العادة، فلم يوفقوا للخير.