٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } «مَتَى» في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف. قال قتادة: الفتح القضاء. وقال الفراء والقُتَبِيّ: يعني فتح مكة. وأوْلى مِن هذا ما قاله مجاهد، قال: يعني يوم القيامة. ويروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. فقال الكفار على التّهزيء: متى يوم الفتح، أي هذا الحكم. ويقال للحاكم: فاتح وفتاح؛ لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل. وفي القرآن: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89] وقد مضى هذا في «البقرة» وغيرها. {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ} على الظرف. وأجاز الفراء الرفع. {لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي يؤخرون ويمهلون للتوبة؛ إن كان يوم الفتح يومَ بدر أو فتح مكة. ففي بدر قُتلوا، ويوم الفتح هربوا فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعاداً وتكذيباً وعناداً {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتاً علينا، وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين، قال الله تعالى: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ} أي: إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى {لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَـٰنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [غافر: 83] الآية. ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة، فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريباً من ألفين، ولوكان المراد فتح مكة، لما قبل إسلامهم؛ لقوله تعالى: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَـٰنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل؛ كقوله: {أية : فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} تفسير : [الشعراء: 118] الآية، وكقوله: {أية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [سبأ: 26] الآية، وقال تعالى: {أية : وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 15] وقال تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [البقرة: 89] وقال تعالى: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} تفسير : [الأنفال: 19]. ثم قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} أي: أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلغ ما أنزل إليك من ربك؛ كقوله: {أية : ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 106] الآية، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. وقوله: {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} أي: أنت منتظر، وهم منتظرون ويتربصون بكم الدوائر {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } تفسير : [الطور: 30] وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله؛ في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك؛ من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَقُولُونَ } للمؤمنين {مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْفَتْحُ } بيننا وبينكم {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه فتح مكة، قاله الفراء. الثاني: أن الفتح انقضى بعذابهم في الدنيا، قاله السدي. الثالث: الحكم بالثواب والعقاب في القيامة، قاله مجاهد. قال الحسن لم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانهُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الذي قتلهم خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني كنانة، قاله الفراء. الثاني: أن يوم الفتح يوم القيامة، قاله مجاهد. الثالث: أن اليوم الذي يأتيهم من العذاب، قاله عبد الرحمن بن زيد. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون بالعذاب إذا جاء الوقت. {فَأَعْرضْ عَنهُمْ} الآية. قال قتادة: نزلت قبل أن يؤمر بقتالهم، ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عن أذاهم وانتظر عقابهم. الثاني: أعرض عن قتالهم وانتظر أن يؤذن لك في جهادهم. الثالث: فأعرض بالهجرة وانتظر ما يمدك به من النصرة، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْفَتْحُ} فتح مكة، أو القضاء بعذاب الدنيا، أو بالثواب والعقاب في الآخرة.
البقاعي
تفسير : ولما كانت هذه الآية أدل دليل - كما مضى - على البعث، وكان يوماً يظهر فيه عز الأولياء وذل الأعداء، أتبعها قوله تعجيباً منهم عطفاً على "يقولون أفتراه" ونحوها: {ويقولون} أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء: {متى هذا الفتح} أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق يوم الحشر {إن كنتم} أي كوناً راسخاً {صادقين} أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد من كونه لنؤمن إذا رأيناه. ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عناداً، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد، فقال فاعلاً فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله: {قل} أي لهؤلاء اللد الجهلة: {يوم الفتح} أي الذي يستهزئون به، وهو يوم القيامة - تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر، فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى {لا} ينفعكم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به فقال: {ينفع الذين كفروا} أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف {إيمانهم} لأنه ليس إيماناً بالغيب، ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم {ولا هم ينظرون *} أي يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما. ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح، وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله، وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعاً ما، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم، أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضاً، فقال مسلياً له مهدداً لهم: {فأعرض عنهم} أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم {وانتظر} أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك، ولما كان الحال مقتضياً لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار، أجيب على سبيل التأكيد بقوله: {إنهم منتظرون *} أي ما يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما تتوعدهم به وفي غيره، وقد انطبق آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب، وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب، وأيضاً فأولها في التذكيب بتنزيله، وآخرها في الاستهزاء بتأويله، {أية : يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل} تفسير : [الأعراف: 53] - الآية، وأيضاً فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي، والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله الهادي إلى الصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة أن لنا يوم يوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه. فقال المشركون {متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} فنزلت. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} قال: يوم بدر فتح النبي صلى الله عليه وسلم فلم {ينفع الذين كفروا إيمانهم} بعد الموت. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قل يوم الفتح} قال: يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قل يوم الفتح} قال: يوم القضاء. وفي قوله {وانتظر إنهم منتظرون} قال: يوم القيامة.
ابو السعود
تفسير : {وَيَقُولُونَ} كان المسلمونَ يقولون: إنَّ الله سيفتحُ لنا على المشركين أو يفصلُ بـيننا وبـينهم كان أهلُ مكَّةَ إذا سمعُوه يقولون بطريقِ الاستعجالِ تكذيباً واستهزاءً: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} أي النَّصرُ أو الفصلُ بالحكومةِ {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أنَّ الله تعالى ينصرُكم أو يفصلُ بـيننا وبـينكم {قُلْ} تبكيتاً لهم وتحقيقاً للحقِّ {يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَـٰنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يومُ الفتح يومُ القيامةِ وهو يومُ الفصلِ بـين المؤمنين وأعدائِهم ويومُ نصرِهم عليهم وقيل: هو يومُ بدرٍ. وعن مجاهدٍ والحسنِ: يومُ فتحِ مكَّةَ. والعدولُ عن تطبـيقِ الجوابِ على ظاهرِ سؤالِهم للتَّنبـيهِ على أنَّه ليس ممَّا ينبغِي أنْ يسألَ عنه لكونِه أمراً بـيِّناً غنياً عن الإخبارِ به وكذا إيمانُهم واستنظارُهم يومئذٍ وإنَّما المحتاجُ إلى البـيانِ عدمُ نفعِ ذلك الإيمانِ وعدمُ الإنظارِ كأنَّه قيل: لا تستعجلُوا فكأنِّي بكم قد آمنتُم فلم ينفعْكم واستنظرتُم فلم تُنظروا، وهذا على الوجهِ الأولِ ظاهرٌ وأمَّا على الأخيرينِ فالموصولُ عبارةٌ عن المقتولينَ يومئذٍ لا عن كافَّة الكَفَرةِ كما في الوجهِ الأول كيف لا وقد نفعَ الإيمانُ الطُّلقاءَ يومَ الفتحِ وناساً أمنُوا يومَ بدرٍ {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تُبالِ بتكذيبِهم {وَٱنتَظِرْ} النُّصرةَ عليهم وهلاكَهم {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} قيل: أيِ الغلبةَ عليكم كقولِه تعالى: { أية : فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ} تفسير : [سورة التوبة: الآية 52] والأظهرُ أنْ يقالَ: إنَّهم منتظرون هلاكَهم كما في قوله تعالى: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 210] الآيةَ، ويقرُبُ منه ما قيلَ وانتظرْ عذابَنا إنَّهم مُنتظروه فإنَّ استعجالَهم المذكورَ وعكوفَهم على ما هُم عليه من الكُفر والمَعاصي في حُكم انتظارِهم العذابَ المترتِّبَ عليه لا محالةَ. وقُرىء على صيغةِ المفعولِ على مَعْنى أنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُنتظرَ هلاكُهم أو فإنَّ الملائكةَ ينتظرونَهُ. عن النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : مَن قرأَ ألم تنزيلُ وتباركَ الذي بـيدِه الملكُ أُعطيَ من الأجرِ كأنَّما أُوحي ليلةَ القدرِ ». تفسير : وعنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : مَن قرأَ ألم تنزيلُ في بـيتِه لم يدخُلْه الشَّيطانُ ثلاثةَ أيَّامٍ«
القشيري
تفسير : استبعدوا يومَ التلاقي وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويقولون} وذلك ان المؤمنين كانوا يقولون لكفار مكة ان لنا يوما يفتح الله فيه بيننا اى يحكم ويقضى يريدون يوم القيامة او ان الله سيفتح لنا على المشركين ويفصل بينا وبينهم وكان اهل مكة اذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا اواستهزاء {متى هذا الفتح} اى فى أى وقت يكون الحكم والفصل او النصر والظفر {ان كنتم صادقين} فى انه كائن
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قال الفرّاء: المراد به فتح مكة، وقال السدي: "الفتح": هو القضاء بعذابهم في الدنيا، وهو يوم بدر، وقال مجاهد: هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة. كان الكفار يسمعون المسلمين يستفتحون بالله عليهم، فقالوا لهم: متى هذا الفتح، فأمر الله نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول لهم وينبئهم على أن بعد الفتح لا ينفع إيمان من كان كافراً من قبل، كما في قوله تعالى {أية : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}تفسير : [الأنعام:158]، أي لا يمهلون ولا يؤخَّر عنهم العذاب. هذا على تقدير أن يكون يوم الفتح القيامة، وأما على أحد الوجهين الأخيرين ففيه إشكالان: أحدهما: عدم مطابقة الجواب للسؤال في الظاهر. والثاني: أنه قد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر. والجواب عن الأول: أن مقصود السائلين عن وقت الفتح واستعجالهم به على وجه التكذيب والاستهزاء، فوقع الجواب على حسب غرضهم وأسلوب استبعادهم له، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا (تستبعدوه - ن)، فكأني بكم وقد وجدتم في ذلك اليوم وآمنتم به، فلم ينفعكم إيمانكم يوم الحساب، ولا لكم الاستمهال عن حلول العقاب. وعن الثاني: أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع إيمانٌ فرعونَ حين الغَرَق. كشف تنبيهي "يوم الفتح": يطلق تارة على وقت الولادة المعنوية التي تنفتح مملكة البدن وعساكر قواها البهيمية والسبعية والشيطانية للروح، وتارة يطلق على القيامة الصغرى، وهو الموت الطبيعي الذي يفتح باب حجاب البدن، وتارة يطلق على يوم القيامة الكبرى بظهور المهدي (عليه السلام) وغلبته على الدجّال والدجّالين، ولا ينفع حينئذ إيمان المحجوبين، لأنه لا يكون إيمانهم بحسب الكشف والبرهان، بل بحسب حديث النفس واللسان والمجادلة والبحث والغلبة والطغيان، فلا يغني عن هؤلاء المحجوبين عذابُ الطرد والبُعد والحِرمان.
الجنابذي
تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ} المراد بالفتح المسؤل او المستهزء به هو ظهور القائم عجّل الله فرجه واستنارة الارض بنور ربّها وارتفاع الاختلاف عن اهلها، وليس فى العالم الصّغير الاّ حين الموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ فانّهم لمّا اخبرهم رسول الله (ص) بظهور القائم (ع) وظهور الدّين وجعل الاديان كلّها ديناً واحداً سألوا على سبيل الاستفهام او التّهكّم والاستهزاء عنه والجملة عطف على لم يهد او لم يروا يعنى انّ آيات هذا الفتح كثيرة من اهلاك القرون الماضية واحياء الارض بعد موتها ولا يتفكّرون فيها ويقولون: متى هذا الفتح؟! {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى هذا الاخبار.
اطفيش
تفسير : {وَيَقُولوُنَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ} النصر والفضل بالحكومة من قوله {أية : ربنا افتح بيننا }تفسير : وكان المسلمون يقولون ان الله سيفتح لنا على المشركين او يفتح بيننا وبينهم فاذا سمع المشركون قالوا متى هذا الفتح وقيل الفتح القضاء يوم القيامة وقيل فتح مكة وقيل فتح بدر وذلك انهم قالوا ان لنا يوم فتح فكان المشركون يقولون متى هذا الفتح. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في الوعد.
اطفيش
تفسير : {ويقُولُون} يقول المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الانكار والتكذيب {متى هذا الفَتْح} الفصل وهو الحكم بيننا وبينكم، إذ سمعوا قوله تعالى: "أية : إنَّ ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة" تفسير : [السجدة: 25] انكروا يوم القيامة وقالوا: ان صح فمتى هو، او الفتح النصر سمعوا المؤمنين يقولون: ان لنا يوما ننتصر فيه، فقالوا: متى هو وهو يوم القيامة، فان فلاح المؤمنين وإهلاك الكفرة نصر لهم على الكفرة، او النصر فى الدنيا يوم بدر، وقيل يوم فتح مكة {إن كنْتُم صادقين} فى دعوى الفتح فنزلت الآية فى ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَيَقُولُونَ } على وجه التكذيب والاستهزاء {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ } أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }تفسير : [السجدة: 25] وقيل: أي النصر علينا، أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون: متى هذا الفتح الخ فنزلت {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ } {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي في أن الله تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين، وقيل: في أن الله تعالى ينصركم علينا.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : ثم أعرض عنها}تفسير : [السجدة: 22]، أي: أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها. ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل. ويجوز أن يعطف على جملة {أية : وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض أإنّا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10]. والمعنى: أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذّبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى: {أية : ولنُذِيقَنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر}تفسير : [السجدة: 21]. و{الفتح}: النصر والقضاء. والمراد به: نصر أهل الإيمان بظهور فوزهم وخيبة أعدائهم فإن خيبة العدوّ نصر لضِده وكان المسلمون يتحدّون المشركين بأن الله سيفتح بينهم وينصرهم وتظهر حجتهم، فكان الكافرون يكررون التهكم بالمسلمين بالسؤال عن وقت هذا الفتح استفهاماً مستعملاً في التكذيب حيث لم يحصل المستفهم عنه. وحكاية قولهم بصيغة المضارع لإفادة التعجيب منه كقوله تعالى: {أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74] مع إفادة تكرر ذلك منهم واتخاذهم إياه. والمعنى: إن كنتم صادقين في أنه واقع فبينوا لنا وقته فإنكم إذ علمتم به دون غيركم فلتعلموا وقته. وهذا من السفسطة الباطلة لأن العلم بالشيء إجمالاً لا يقتضي العلم بتفصيل أحواله حتى ينسب الذي لا يعلم تفصيله إلى الكذب في إجماله. واسم الإشارة في {هذا الفتح} مع إمكان الاستغناء عنه بذكر مبينهِ مقصود منه التحقير وقلة الاكتراث به كما في قول قيس بن الخطيم:شعر : متى يأت هذا الموتُ لا يلف حاجة لنفسي إلا قَدْ قضيت قضاءها تفسير : إنباء بقلة اكتراثه بالموت ومنه قوله تعالى حكاية عنهم: {أية : أهذا الذي يذكر ءالهتكم}تفسير : [الأنبياء: 36] فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم على طريقة الأسلوب الحكيم بأن يومَ الفتح الحق هو يوم القيامة وهو يوم الفصل وحينئذ ينقطع أملَ الكفار في النجاة والاستفادة من الندامة والتوبة ولا يجدون إنظاراً لتدارك ما فاتهم، أي إفادتُهم هذه الموعظة خير لهم من تطلبهم معرفة وقت حلول يوم الفتح لأنهم يقولون يومئذ {أية : ربنا أبصَرْنا وسمِعْنا فارجعنا نعملْ صالحاً إنّا موقنون}تفسير : [السجدة: 12] مع ما في هذا الجواب من الإيماء إلى أن زمن حلوله غير معلوم للناس وأنه مما استأثر الله به فعلى من يحتاط لنجاة نفسه أن يعمل له من الآن فإنه لا يدري متى يحلّ به فـ {أية : لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً}تفسير : [الأنعام: 158]. ففي هذا الجواب سلوك الأسلوب الحكيم من وجهين: من وجه العدول عن تعيين يوم الفتح، ومن وجه العدول بهم إلى يوم الفتح الحق، وهم إنما أرادوا بالفتح نصر المسلمين عليهم في الحياة الدنيا. وإظهار وصف {الذين كفروا} في مقام الإضمار مع أنهم هم القائلون {متى هذا الفتح} لقصد التسجيل عليهم بأن كفرهم هو سبب خيبتهم. ثم فرع على جميع هذه المجادلات والدلالات توجيه الله خطابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عن هؤلاء القائلين المكذبين وأن لا يزيد في الإلحاح عليهم تأييساً من إيمان المجادلين منهم المتصدّين للتمويه على دهمائهم. وهذا إعراض متاركة عن الجدال وقتياً لا إعراض مستمر، ولا عن الدعوة إلى الله ولا علاقة له بأحكام الجهاد المشروع في غير هذه الآية. والانتظار: الترقب. وأصله مشتق من النظر فكأنه مطاوع: أنظره، أي أراه فانتظر، أي: تكلف أن ينظُر. وحذف مفعول {انتظر} للتهويل، أي: انتظر أياماً يكون لك فيها النصر، ويكون لهم فيها الخسران مثل سني الجوع إنْ كان حصلت بعد نزول هذه السورة، ومثل يوم بدر ويوم فتح مكة وهما بعد نزول هذه السورة لا محالة، ففي الأمر بالانتظار تعريض بالبشارة للمؤمنين بالنظر، وتعريض بالوعيد للمشركين بالعذاب في الدارين. وجملة {إنهم منتظرون} تعليل لما تضمنه الأمر بالانتظار من إضمار العذاب لهم. ومفعول {منتظرون} محذوف دل عليه السياق، أي منتظرون لكم الفرصة لحربكم أو لإخراجكم قال تعالى: {أية : أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30] وقال: {أية : ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء}تفسير : [التوبة: 98] أي لم نكن ظالمين في تقدير العذاب لهم لأنهم بدأوا بالظلم.
الشنقيطي
تفسير : أظهر أقوال أهل العلم عندي هو أن الفتح في هذه الآية الكريمة، هو الحكم والقضاء، وقد قدمنا أن الفتاح وهي لغة حميرية قديمة. والفتاحة الحكم والقضاء، ومنه قوله: شعر : ألا من مبلغ عمراً رسولاً بأني عن فتاحتكم غنى تفسير : وقد جاءت آيات تدل على أن الفتح الحكم، كقوله تعالى عن نبيه شعيب: {أية : عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 89] أي احكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين. وقوله تعالى عن نبيه نوح: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 117ـ118] الآية. أي احكم بيني وبينهم حكماً. وقوله تعالى: {أية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [سبأ: 26]. وقوله تعالى: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} تفسير : [الأنفال: 19] أي إن تطلبوا الحكم بهلاك الظالم منكم، ومن النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاءكم الفتح: أي الحكم بهلاك الظالم وهو هلاكهم يوم بدر، كما قاله غير واحد، وقد ذكروا أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر، جاء أبو جهل، وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إنا قطان بيتك نسقي الحجيج، ونفعل ونفعل، وإن محمداً قطع الرحم وفرق الجماعة، وعاب الدين، وشتم الآلهة، وسفه أحلام الآياء، اللهم أهلك الظالم منا ومنه فطلب الحكم على الظالم، فجاءهم الحكم على الظالم فقتلوا ببدر، وصاروا إلى الخلود في النار إلى غير ذلك من الآيات. وعلى قول من قال: من أهل العلم إن المراد بالفتح في الآية الحكم والقضاء بينهم يوم القيامة فلا إشكال في قوله تعالى: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ} وعلى القول بأن المراد بالفتح في الآية الحكم بينهم في الدنيا بهلاك الكفار. كما وقع يوم بدر، فالظاهر أن معنى قوله تعالى: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ} أي إذا عاينوا الموت، وشاهدوا القتل بدليل قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [غافر: 84ـ85] وقوله تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} تفسير : [النساء: 18] الآية. وقوله تعالى في فرعون: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 90ـ91] ولا يخفى أن قول من قال من أهل العلم: إن الفتح في هذه الآية: فتح مكة أنه غير صواب بدليل قوله تعالى: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ} ومعلوم أن فتح مكة لا يمنع انتفاع المؤمن في وقته بإيمانه كما لا يخفى.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَادِقِينَ} (28) - وَيَقُولُ هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ اسْتِبْعَاداً لِحُلُولِ غَضَبِ اللهِ بِهِمْ، وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَكْذِيباً لِمَا جَاءَهُمْ بهِ رَسُولُ رَبِّهِمْ: مَتَى يَكُونُ هذا النَّصْرُ (الفَتْحُ) الذِي تَقُولُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكَ بهِ عَلَينا، إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيما تَقُولُ مِنْ أَنَّنا مُعَاقَبُونَ عَلَى تَكْذِيبِنا الرَّسُولَ، وأَنَّ اللهَ سَيَنْصُرُ دِينَه، وَيُظْهِرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ؟ هذَا الفَتْحُ - النّصْرُ عَلَينَا - الفَصْلُ فِي الخُصُومَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (متى) يُستفهم بها عن الزمان، والاستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء فاستفهمتَ: متى يحدث؟ الرسول صلى الله عليه وسلم حين بُعِث أخبر قومه أنه مُرْسَل إليهم بمنهج من الله، وقد أيده الله بالمعجزات، وأخبرهم بمصير مَن اتبعه ومصير مَنْ خالفه، وأن ربه - عز وجل - ما كان ليرسله إليهم، ثم يُسلْمه أو يتخلى عنه، فهو لا بُدَّ منتصر عليهم، فهذه سنة الله في أنبيائه ورسله، حيث قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. لذلك قلنا: إذا رأيت موقفاً لم ينتصر فيه المسلمون، حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة، فاعلم أن الجندية عندهم قد اختلتْ شروطها، فلم يكونوا في حال الهزيمة جنوداً لله متجردين. وحين نتأمل الأحداث في (أحُد) نجد أن الله تعالى يقول للمسلمين: لا تظنوا أن وجود رسول الله بينكم يحميكم أو يُخرِجكم عن هذه القضية، فهذه سنة الله في كونه لا تتبدل. ففي (أُحُد) خالف المسلمون أوامر رسول الله، حين نزل الرماة وتركوا أماكنهم طمعاً في الغنائم، فالتفَّ عليهم المشركون، وكانت النتيجة لا نقول انهزموا إنما هم لم ينتصروا؛ لأن المعركة (ماعت) والرسول موجود بينهم. والبعض يرى في هذه النتيجة التي انتهتْ إليها الحرب في أُحُد مأْخذاً، فيقول: كيف يُهزم جيش يقوده رسول الله؟ وهذه المسألة تُحسَب للرسول لا عليه، فالرسول لن يعيش بينهم دائماً، ولا بُدَّ لهم أن يروْا بأعينهم عاقبة مخالفتهم لأمر رسول الله، وأنْ يشعروا بقداسة هذه الأوامر، ولو أنهم انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول الله بعد ذلك، ولِمَ لا وقد خالفوه في أُحُد وانتصروا!! كذلك في يوم حنين الذي قال الله فيه: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ..} تفسير : [التوبة: 25]. وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه: لن نُغْلَب اليوم عن قلة، لذلك لقَّنهم الله تعالى درساً، وكادوا أنْ يُهزموا، لولا أن الله تداركهم في النهاية برحمته، وتحوَّلت كفَّة الحرب لصالحهم، وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة. فالحق سبحانه يُعلِّمنا امتثال أمره، وأنْ نخلص في الجندية لله سبحانه، وأن ننضبط فيها لنصل إلى الغاية منها، فإنْ خالفنا حُرِمْنا هذه الغاية؛ لأنني لو أعطيتُك الغاية مع المخالفة لما أصبح لحكَمي مكان احترام ولا توقير. وهنا يحكي الحق - تبارك وتعالى - عن المشركين قولهم لرسول الله: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ ..} [السجدة: 28] أي: النصر الذي وعدكم الله به، وقد كان هذا النصر غاية بعيدة المنال أمام المؤمنين، فما زالوا قلَّة مُستْضعفة. لذلك لما نزل قول الله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] تعجب عمر حتى قال: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع أنْ نحمي أنفسنا؟ لكن الحق سبحانه لم يُطِل عليهم هذا الوضع، وسرعان ما جاءتْ بدر، ورأى عمر بعينه كيف تحقَّق وعد الله، وكيف هُزِم جَمْع المشركين، ورددها بنفسه بعد المعركة: نعم يا رب، سَيُهزم الجمع ويولون الدبر. ومن العجيب أنْ يدل رسول الله على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض الله عليه، وأنه أخبره بنتيجة المعركة قبل حدوثها، فيقف صلى الله عليه وسلم في أرض بدر، ويشير بعصا في يده إلى مصارع المشركين: هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة، وهذا مصرع الوليد .. إلخ. فمَنْ يستطيع أنْ يحدد نتيجة معركة بهذا التفصيل، والمعركة أَخْذٌ وردّ وكرّ وفرّ واختلاط، مع أنهم لم يخرجوا لحرب، إنما خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية، فما بالك لو خرجوا على حال استعداد للحرب، وهذه سيأخذها الكفار قياساً يقيسون عليه قوة المسلمين الوليدة، وسيقذف الله بهذه النتيجة الرعب في قلوب الكفار، ولم لا وقد انتصرتْ القلة المستضعفة غير المجهزة علة الكثرة المتعجرفة المستعدة للحرب. والاستفهام هنا {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ ..} [السجدة: 28] ليس استفهاماً على حقيقته، إنما يراد به الاستهزاء والسخرية، وجواب الله على هذا الاستفهام يحدد نيتهم منه، فهم يستبعدون هذا النصر وهذه الغلبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، لكنهم يستبعدون قريباً، ويستعلجون أمراً آتياً لا ريب فيه. وقد سجَّل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى حكايةً عن الكفار يقولون لرسولهم: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الأعراف: 70]. كلمة (الفتح) إنْ جاءت مُعرَّفة بأل فخيرها مضمون، فاعلم أنها نعمة محروسة لك سينالك نفعها، فإنْ جاءت نكرة فلا بُدَّ لها من متعلق يوضح الغاية منها: أهذا الفتح لك أم عليك؛ فقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح: 1] دلَّ على أن هذا الفتح لصالحه صلى الله عليه وسلم، فهو غُنْم لا غُرْم، كما يقولون في حسابات البنوك: له وعليه. أما الأخرى، ففي قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 44]. إذن: تنبَّه لما يفتحه الله عليك؛ ولا تغتَرَّ به، وتأمَّل: أهو لك أم عليك؟ وإياك أنْ تُطغيك النعمة إذا (زهزهتْ) لك الدنيا، فلعلها استدراج وأنت لا تدري، فالفتح يحتمل المعنيين، واقرأ إنْ شئتَ: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الأعراف: 96] أي: احذروا هذه النعمة لا تطغيكم. وكلمة (الفتح) تأتي بمعانٍ متعددة، يحددها السياق، كما قلنا في كلمة العين، فتأتي بمعنى العين الباصرة. تقول: رأيت فلاناً بعيني، وتقول: جُدْت على فلان بعيْن مني أي: بالذهب أو الفضة، وتقول: سمحتُ له أنْ يروي أرضه من عيني أي: عين الماء، وتقول: هؤلاء عيون فلان أي: جواسيسه. وهذا يسمونه: المشترك اللفظي. وكلمة (الفتح) تستخدم أولاً في الأمر المادي، تقول: فتحتُ الباب أي: أزلت مغاليقه، وهذا هو الأصل في معنى الفتح. فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [يوسف: 65] ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه الأربطة. وقد يُراد الفتح المعنوي، كما في قول الله تعالى: {أية : وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 76] أي: بما أعطاكم الله ومنحكم من الخير ومن العلم. ويأتي الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية الأمر فيه؛ لذلك يسمى أهل ُ اليمن القاضي (الفاتح). ويأتي بمعنى النصر والغلبة، كما في هذه الآية التي معنا: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [السجدة: 28] ولا بد أنْ يقول المؤمنون في إجابة هذا السؤال: نحن لا نقول أننا صادقون أو كاذبون في هذا الخبر؛ لأن هذه مسألة بعيدة عنا، ولا دخْلَ لنا بها، إنما هي من الله الذي أخبرنا هذا الخبر، فنحن لا نُوصَف فيه، لا بصدق ولا بكذب. ولكي يكون الإنسان عادلاً ينبغي أنْ ينسب الفعل إلى فاعله، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر قومه خبر إسرائه قال: "حديث : لقد أُسْرِي بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس" تفسير : ولم يقل سريت ومع ذلك سأله القوم: أتدَّعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذه مغالطة منهم، لا عدم فهم لمقالة رسول الله؛ لأنهم أمة كلام، ويفهمون جيداً معاني الألفاظ. إذن: رسول الله ما سَرَى بذاته، إنما أَسْرى الله به، فمَنْ أراد أن يبحث هذه المسألة فليبحثها في ضوء قدرة الله، وكيف يكون الزمن بالنسبة لله تعالى، وقلنا: إن الفعل الذي يستغرق زمناً هو الفعل العلاجي، إنما ربنا - تبارك وتعالى - لا يعالج الأفعال، فقط يقول كُنْ فيكون، والفعل يتناسب مع زمنه تناسباً عكسياً، فكلما زادت قوة الفاعل قَلَّ زمن الفعل. وعليه لو نسبتَ حادثة الإسراء إلى قوة الحق تبارك وتعالى لوجدتَ الزمن لا زمن. ثم يجيب الحق تبارك وتعالى عن سؤالهم {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ ..} [السجدة: 28] بما يفيد أنه سؤال استبعاد واستهزاء، فيقول سبحانه: {قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يستعجل المجرمون بالعذاب، الذي وعدوا به على التكذيب، جهلا منهم ومعاندة. { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ } الذي يفتح بيننا وبينكم، بتعذيبنا على زعمكم { إِنْ كُنْتُمْ } أيها الرسل { صَادِقِينَ } في دعواكم. { قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ } الذي يحصل به عقابكم، لا تستفيدون به شيئًا، فلو كان إذا حصل، حصل إمهالكم، لتستدركوا ما فاتكم، حين صار الأمر عندكم يقينًا، لكان لذلك وجه، ولكن إذا جاء يوم الفتح، انقضى الأمر، ولم يبق للمحنة محل فـ { لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ } لأنه صار إيمان ضرورة، { وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } أي: يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب، فيستدركون أمرهم. { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } لما وصل خطابهم إلى حالة الجهل، واستعجال العذاب. { وَانْتَظِرْ } الأمر الذي يحل بهم، فإنه لا بد منه، ولكن له أجل، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر. { إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } بك ريب المنون، ومتربصون بكم دوائر السوء، والعاقبة للتقوى. تم تفسير سورة السجدة - بحول اللّه ومنه فله تعالى كمال الحمد والثناء والمجد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):