٣٢ - ٱلسَّجْدَة
32 - As-Sajda (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} قيل: معناه فأعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به. {وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} أي انتظر يوم الفتح، يوم يحكم الله لك عليهم. ابن عباس: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» أي عن مشركي قريش مكة، وأن هذا منسوخ بالسيف في «براءة» في قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]. «وَانْتَظِرْ» أي موعدي لك. قيل: يعني يوم بدر. {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} أي ينتظرون بكم حوادث الزمان. وقيل: الآية غير منسوخة؛ إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهُدْنة وغيرها. وقيل: أعرض عنهم بعد ما بَلغت الحجة، وانتظر إنهم منتظرون. إن قيل: كيف ينتظرون القيامة وهم لا يؤمنون؟ ففي هذا جوابان: أحدهما: أن يكون المعنى إنهم منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة؛ فيكون هذا مجازاً. والآخر: أن فيهم من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة؛ فيكون هذا جواباً لهذين الصنفين. والله أعلم. وقرأ ابن السَّمَيْقَع: «إِنَّهُمْ مُنْتَظَرُونَ» بفتح الظاء. ورويت عن مجاهد وابن مُحَيْصِن. قال الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار، مجازه: إنهم منتظرون بهم. قال أبو حاتم: الصحيح الكسر؛ أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. وقد قيل: إنّ قراءة ابن السَّمَيْقَع (بفتح الظاء) معناها: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن يُنْتظر هلاكهم؛ يعني أنهم هالكون لا محالة، وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه؛ ذكره الزمخشرِيّ. وهو معنى قول الفرّاء. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ } إنزال العذاب بهم {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} نزلت قبل الأمر بقتالهم.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: لا تشغل سرك بهم {وَٱنتَظِرْ} بركات الموارد عليك من أنوار الكرامات {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} منا المقت والبعد.
القشيري
تفسير : أعْرِض عنهم باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا. {وَٱنتَظِرْ} زوائدَ وَصْلِنا، وعوائدَ لطفنا. {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} هواجِمَ مقتنا وخفايا مكرنا.. وعن قريب يجد كلُّ منتظرَه محتضراً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ} فاعرض عنهم حين لا يكونون فى عينيك من اهل المعرفة واقبل علينا لتسانس بمشاهدتنا عن مشاهدة الاغيار وانتظر كشوف جلالتا لك تخليصك من شرهم انهم منتظرون الحجاب والعتاب والهجران والعذاب قال بعضهم لا تشغل شرك بهم وانتظر بركات الموارد عليك من انواع الكرامات انهم منتظرون منا المقت والبعد قال الاستاذ عرض عنهم باشتغالك بنا واقبالك علينا وانقطاعك الينا وانتظر زوائد وصلنا وعوائد لطفنا انهم منتطرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا وعن قريب يجد كل منتظر مختصر.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاعرض عنهم} اى لا تبال بتكذيبهم: وبالفارسية [بس روى بكردان بطريق اهانت از ايشان تامدت معلوم يعنى تانزول آية السيف] {وانتظر} النصرة عليهم وهلاكهم لصدق وعدى {انهم منتظرون} الغلبة عليك وحوادث الزمان من موت او قتل فيستريحوا منك او اهلاكهم كما فى قوله تعالى {هل ينظرون الا ان يأتيهم الله} الآية ويقرب منه ما قيل وانتظر عذابنا فانهم منتظرون فان استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصى فى حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة وقد انجز الله وعده فنصر عبده وفتح للمؤمنين وحصل امانيهم اجمعين شعر : شكر خداكه هرجه طلب كردم ازخدا برمنتهاى همت خود كامران شدم تفسير : قال بعضهم شعر : هركرا اقبال باشد رهنمون دشمنش كردد بزودى سرنكون تفسير : وفى الآية حث على الانتظار والصبر شعر : قد يدرك المتأنى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : واشارة الى ان اهل الاهواء ينكرون على الاولياء ويستدعون منهم اظهار الكرامات وعرض الفتوحات ولكن اذا فتح الله على قلوب اوليائه لا ينفع الايمان بفتوحهم زمرة اعدائه اذ لم يقتدوا بهم ولم يهتدوا بهدايتهم فمالهم الا الحسرات والزفرات فانتظار المقر المقبل لفتوحات الالطاف وانتظار المنكر المدبر لهواجم المقت وخفايا المكر والقهر نعوذ بالله تعالى. وفى الحديث "حديث : من قرأ الم تنزيل وتبارك الذى بيده الملك اعطى من الاجر كأنما احيى ليلة القدر" تفسير : وفى الحديث "حديث : من قرأ الم تنزيل فى بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة ايام" تفسير : كما فى الارشاد وفى الحديث "حديث : تجيئ الم تنزيل السجدة يوم القيامة لها جناحان تطاير صاحبها وتقول لا سبيل عليك" تفسير : كما فى بحر العلوم ـ وروى ـ عن جابر رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ الم السجدة وتبارك الذى بيده الملك ويقول "حديث : هما تفضلان كل سورة فى القرآن بسبعين حسنة فمن قرأهما كتب له سبعون حسنة ومحى عنه سبعون سيئة ورفع له سبعون درجة" تفسير : وعن ابى هريرة رضى الله عنه كان النبى عليه السلام يقرأ فى الفجر يوم الجمعة الم تنزيل وهل اتى على الانسان كما فى كشف الاسرار. ويسن عند الشافعى واحمد ان يقرأ فى فجر يوم الجمعة فى الركعة الاولى الم السجدة وفى الثانية هل اتى على الانسان وكره احمد المداومة عليها لئلا يظن انها مفضلة بسجدة وعند ابى حنيفة ومالك لا يسن بل كره ابو حنيفة تعيين سورة غير الفاتحة لشئ من الصلوات لما فيه من هجران الباقى كما فى فتح الرحمن. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر ان من ادب العارف اذا قرأ فى صلاته المطلقة ان لا يقصد قراءة سورة معينة او آية معينة وذلك لانه لا يدرى اين يسلك به ربه من طريق مناجاته فالعارف يقرأ بحسب ما يناجيه به من كلامه وبحسب ما يلقى اليه الحق فى خاطره كما فى الكبريت الاحمر نسأل الله سبحانه ان يجعلنا ممن يقوم بكلامه آناء الليل واطراف النهار ويتحقق بمعانيه ومناجاته فى السر والجهار. تمت سورة السجدة بعون اللّه تعالى يوم الاحد الرابع من شهر رمضان المنتظم فى شهور سنة الف ومائة وتسع
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وانتظر يا محمد بوعدي لك ولقومك المؤمنين بالنصر على أعدائكم الجاحدين والمكذّبين، إنهم منتظرون حوادث الزمان فيكم من موت أو قتل أو غلبة منهم عليكم، كما في قوله تعالى: {أية : فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}تفسير : [التوبة:52]. وفي قراءة ابن السميفع "منتظَرون" - بفتح الظاء -. وقيل في معناه: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقّاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني: أنّهم هالكون لا محالة. إشارة يحتمل أن يكون المراد: انتظر الفتح الحقيقي، والخلاص من آلام الدنيا وعداوة أهلها، وكيد الأعداء، وملاقاة الأصدقاء ومشاهدة أرواح الأنبياء وملائكة الله في السماء، فإن الأرواح والملائكة ينتظرون قدومك عند الإرتقاء إلى الملك الأعلى الذي بيده ملكوت الأشياء. خاتمة في فضل السورة وعدد آياتها وموقع نزولها عن أبيّ بن كعب حديث : عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: من قرأ {الۤـمۤ * تَنزِيلُ} [السجدة:1 - 2]، و {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [الملك:1] فكأنّما أحيى ليلة القدر . تفسير : وروى ليث عن جابر قال: حديث : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا ينام حتى يقرأ {الۤـمۤ * تَنزِيلُ} [السجدة:1 - 2] و {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [الملك:1]تفسير : ، قال ليث: فذكرت ذلك لطاووس، قال: فضّلتا على كل سورة في القرآن، ومن قرأهما كتب له ستون حسنة ومحي عنه ستون سيئة ورفع له ستون درجة. وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قرأ سورة السجدة في كل ليلة جمعة، أعطاه الله كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمد وأهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلم). وفي الكشّاف أنه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): من قرأ {الۤـمۤ * تَنزِيلُ} في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام. وعدد آياتها تسع وعشرون آية بصري وثلاثون عند الباقين، والاختلاف في الآيتين: ألم - كوفي جديد، حجازي، شامي. وهي مكية ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة، وهي: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ}تفسير : [السجدة:18] - إلى تمام الآيات.
اطفيش
تفسير : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} قال ابن عباس: نسخت بآية السيف والتحقيق انه لم تنسخ ولكن المعنى لا يبال بتكذيبهم. {وَانتَظِرْ} موعدي لك بالنصر. {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} بك حوادث الزمان كموت وقتل وغلبة عليك وقيل انتظر عذابنا لهم فانهم منتظرون ذلك، وقرأ ابن السميفع منتظرون بفتح الظاء اخفاه بأن يكون هلاكهم منتظرا بفتح الظاء او ان الملائكة في السماء تنتظر هلاكهم اللهم بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وبالسورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {فأعرض عنهْم} لا تشتغل بجدالهم، ولا تبال بتكذبيهم، وهذا مما يؤمر به ولو بعد الامر بالقتال فلا حاجة الى انه منسوخ بآية القتال {وانْتَظر} ان تنصر عليهم، ويهلكوا او انتظر عذابنا لهم {إنَّهم منتظرون} النصرة عليكم فتربصوا انا معكم متربصون، او منتظرون هلاككم، اى هو عليهم آت، ولا بد ولو لم يعرفوا به، ولم يؤمنوا به: كقوله تعالى: "أية : هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" تفسير : [البقرة: 210] الآية، او ينزل استعجالهم منزلة الانتظار، والله الموفق.
الالوسي
تفسير : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، وعن ابن عباس أن ذلك منسوخ بآية السيف، ولا يخفى أنه يحتمل أن المراد الإعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين فلا يتعين النسخ. {وَٱنتَظِرْ } النصرة عليهم وهلاكهم {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } قال الجمهور: أي الغلبة عليكم كقوله تعالى: {أية : فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ }تفسير : [التوبة: 52] وقيل: الأظهر أن يقال: إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ }تفسير : [البقرة: 210] الآية، ويقرب منه ما قيل: وانتظر عذابنا لهم إنهم منتظرون أي هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون فإن استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة. وقرأ اليماني {مُنتَظِرُونَ } بفتح الظاء اسم مفعول على معنى أنهم أحقاء أن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة عليهم السلام ينتظرونه والمراد أنهم هالكون لا محالة. هذا ومن باب الإشارة: قوله تعالى: {أية : مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ }تفسير : [السجدة: 4] فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها، وقوله سبحانه: {أية : يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ }تفسير : [السجدة: 5] فيه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره عز وجل لا أثر له فطوبـى لمن رزق الرضا بتدبير الله تعالى واستغنى به عن تدبيره {ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئاً من المخلوقات، وقد حكي أن نوحاً عليه السلام بصق على كلب أجرب فأنطق الله تعالى الكلب فقال: يا نوح أعبتني أم عبت خالقي فناح عليه السلام لذلك زماناً طويلاً فالأشياء كلها حسنة كل في بابه والتفاوت إضافي، وفي قوله تعالى: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ }تفسير : [السجدة: 7] إلى آخر الآية بعد قوله سبحانه: {ٱلَّذِى أَحْسَنَ } الخ إشارة إلى التنقل في أطوار الحسن والعروج في معارجه فكم بين الطين والإنسان السميع البصير العالم فإن الإنسان مشكاة أنوار الذات والصفات والطين بالنسبة إليه كلا شيء {أية : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [السجدة: 15] إشارة إلى حال كاملي الإيمان وعلو شأن السجود والتسبيح والتحميد والتواضع لعظمته عز وجل {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } إشارة إلى سهرهم في مناجاة محبوبهم وملاحظة جلاله وجماله، وفي قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ } أي من المعارف وأنواع الفيوضات {أية : يُنفِقُونَ} تفسير : [السجدة: 16] إشارة إلى تكميلهم للغير بعد كمالهم في أنفسهم وذكر القوم أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا والعذاب الأكبر العذاب على ذلك. وقال بعضهم: الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر، وقيل: الأول حرمان المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف، وقيل: الأول الهوان والثاني الخذلان {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ }تفسير : [السجدة: 24] فيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون المرشد عليه من الأوصاف وهو الصبر على مشاق العبادات وأنواع البليات وحبس النفس عن ملاذ الشهوات والإيقان بالآيات فمن يدعي الإرشاد وهو غير منصف بما ذكر فهو ضال مضلل {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30] فيه إشارة إلى أنه ينبغي الإعراض عن المنكرين المستهزئين بالعارفين والسالكين إذا لم ينجع فيهم الإرشاد والنصيحة وإلى أنهم هالكون لا محالة فإن الإنكار الذي لا يعذر صاحبه سم قاتل وسهم هدفه المقاتل نعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور بحرمة حبيبه الأكرم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ}. جاء معناه موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} تفسير : [الطور: 30ـ31] ومعلوم أن التربص هو الانتظار. وقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} تفسير : [الأنعام: 158] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : (30) - فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُسْتَهْزِئِينَ، وَبَلِّغْ رِسَالَتَكَ كَمَا أَمَرَكَ بهِ رَبُّكَ، وَلاَ تُبَالِ بِهِمْ، وانْتَظِرْ مَا سَيَفْعَلُه اللهُ بِهِمْ، فإِنَّ اللهَ سَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَعَانَدَكَ، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا المعنى كما نقول في العامية (اديني عرض كتافك) أي: انصرف عنهم، فلم يَعُدْ بينك وبينهم لقاءٌ، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع، ولم يَبْقَ لهم إلا السيف يردعهم، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عَقِّبْ بعدَها وَعيداً فَإنْ لَمْ يُغْنِ أَغَنَتْ عَزَائمهُ تفسير : فقد بلَّغهم رسول الله وأنذرهم، لقد بشَّرهم بالجنة لمن آمن، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا. إذن: شعر : فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أو حَدّ مُرْهَف تفسير : فالعاقل الوحي يقنعه، والجاهل السيف يردعه. وقوله سبحانه: {وَٱنتَظِرْ ..} [السجدة: 30] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة، وقلنا: إن وعد الله محقق، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده، أما الإنسان فعليه حين يَعِد أنْ يتنبه إلى بشريته، وأنه لا يملك شيئاً من أسباب تنفيذ ما وعد به. لذلك يُعلِّمنا ربنا: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 24] وتعليق أمرك على مشيئة الله عز وجل يحميك أن تكون كاذباً إذا لم تَفِ بما وعدتَ به، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر، إنما يملكها خالق البشر سبحانه، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة. وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلاً: سأقابلك غداً أو سأفعل لك كذا وكذا، نعم أنت صادق وتنوي الوفاء، لكنك لا تملك في الغد سبباً واحداً من أسباب الوفاء، فلربما طرأ لك طارئ، أو منعك مانع، وربما تغيَّر رأيك .. إلخ. وفَرْق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه {وَٱنتَظِرْ ..} [السجدة: 30] وبين {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30] فانتظار رسول الله لشيء محقق، له رصيد من القوة والقدرة، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة شيطان، لا رصيدَ لها من قوة إنفاذ. ومعنى {أية : إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} تفسير : [السجدة: 31] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه، وهذا حمق منهم، فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مُؤيَّد من الله مُرْسَل من قِبَله لهدايتهم، وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ثم يُسْلمه أو يخذله، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة مهما قويتْ شوكة المعاندين لهم. إذن: لا سبيلَ إلى ذلك، ولا سبيلَ أيضاً إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه. وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ (التربص) في قوله تعالى: {أية : تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} تفسير : [الطور: 31]. وفي قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ..} تفسير : [التوبة: 52] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حُسْنيين: إما النصر والغلبة عليكم، وساعتها ندحركم ونُذلكم. أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 52]. يعني: تربَّصوا بنا، فنحن أيضاً نتربص بكم، لكن فَرْق بين تربُّصنا وتربُّصكم. وهذه السورة سميت (السجدة) أولاً: لأن بها سجدة تلاوة ينبغي أن نسجد الله شكراً عندها، والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق - تبارك وتعالى - فإذا جاءت هذه الآية التي تهز كيان الإنسان يعلمنا ربنا أن ننفعل لهزَّة الكيان، وأن نسارع بالسجود، ولا ننتظر سجودنا بعد ذلك في الصلاة. فكأن في هذه الآية آمراً قوياً وسراً عظيماً استدعى أنْ نُخرِج السجود عن موقعه بأمر مَنْ شرع السجود الأول. إذن: لا بُدَّ أن في آيات سجود التلاوة طاقاتٍ جميلة من نِعَم الله تُذكِّرني به. والحق سبحانه يريد أنْ يشعر الخَلْق أنهم يستقبلون نعماً جديدة، لا يكفي في شكرها السجود الرتيب الذي نعرفه، فيشرع لها سجوداً خاصاً بها. وفي السورة أيضاً بعض الإشارات التي وقف عليها العارفون وقالوا: إنها تضع نماذج لصيانة النفس الإنسانية، وعدم بُعْدها عن حكمة خالقها، ومن هذه الإشارات أن العين ترى الأشياء فتقول: هذا حسن، وهذا قبيح، ذلك من مجرد الشكل الخارجي، لكن على المرء أنْ يتأمل الأشياء ويعرف معنى القبح. القبح ليس ما قَبُحَ في نظرك، إنما القبيح الذي يُخرِج الحُسْن التكليفي عن مناطه؛ لأن الخالق - عز وجل - خلق كل شيء جميلاً، كما قال سبحانه: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ..} تفسير : [السجدة: 7]. فإذا قَبُحَ الشيء في نظرك فاعلم أنك نظرتَ إلى جانب الشكل، وأهملتَ جوانب أخرى، وقُلْ إنني لم أتوصل إلى سرِّ الجمال فيه. وسبق أنْ قُلْنا: إن الخالق سبحانه نثر المواهب بين خَلْقه بحيث تجد مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فلا تنظر إلى جانب واحد فتقول: هذا غني، وهذا فقير، لكن انظر إلى الجوانب الأخرى. ويُرْوَى أن سيدنا نوحاً عليه السلام رأى كلباً أجرب فبصق عليه، فأنطق الله الكلب الأجرب، وقال له: أتعيبني أم تعيب خالقي؟ والمعنى أنه خلقني لحكمة، ولمعنى من المعاني. وصدق القائل: شعر : للِقُبْح وَقْتٌ فِيهِ يَظْهر حُسْنُه وَيُحمد مَنْ غشَّ البناءَ لَدَى الهَدْمِ تفسير : كذلك نثر الحق سبحانه حكمه، ونثر خيره في كتابه، فلا تغني آية عن آية، ولا تغني كلمة عن كلمة، ولا حرف عن حرف، لكن البصائر التي تَتلَقَّى عن الله هي التي تستطيع أنْ تقف على أسرار الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):