٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ }. في تفسير الآية مسائل: الأولى: في الفرق بين النداء والمنادى بقوله يا رجل ويا أيها الرجل، وقد قيل فيه ما قيل ونحن نقول قول القائل يا رجل يدل على النداء وقوله يا أيها الرجل يدل على ذلك أيضاً وينبىء عن خطر خطب المنادي له أو غفلة المنادى أما الثاني: فمذكور وأما الأول: فلأن قوله:(يا أي) جعل المنادى غير معلوم أولاً فيكون كل سامع متطلعاً إلى المنادى فإذا خص واحداً كان في ذلك إنباء الكل لتطلعهم إليه، وإذا قال يا زيد أو يا رجل لا يلتفت إلى جانب المنادى إلا المذكور إذا علم هذا فنقول {يا أَيُّهَا } لا يجوز حمله على غفلة النبـي لأن قوله {ٱلنَّبِىّ } ينافي الغفلة لأن النبـي عليه السلام خبير فلا يكون غافلاً فيجب حمله على خطر الخطب. المسألة الثانية: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبـي عليه السلام كان متقياً فما الوجه فيه؟ نقول فيه وجهان: أحدهما: منقول وهو أنه أمر بالمداومة فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس ههنا إلى أن أجيئك، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه والثاني: وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبـي لم يؤمر بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا. وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لابد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة بقوله: { أية : إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحِى إِلَىَّ } تفسير : [فصلت: 6] يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور الوجه الثاني: هو أن النبـي عليه الصلاة والسلام كل لحظة كان يزداد علمه ومرتبته حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركا للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله: {ٱتَّقِ ٱللَّهَ } على هذا أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: « حديث : من استوى يوماه فهو مغبون » تفسير : ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال: { أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] وأيضاً إلى هذا وقعت الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنه ليغان على قلبـي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة » تفسير : يعني يتجدد له مقام يقول الذي أتيت به من الشكر والعبادة لم يكن شيئاً، إذا علم هذا فالنبـي صلى الله عليه وسلم بحكم { أية : إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [فصلت: 6] كان قد وقع له خوف ما يسير من جهة ألسنة الكفار والمنافقين ومن أيديهم بدليل قوله تعالى: { أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] فأمره الله بتقوى أخرى فوق ما يتقيه بحيث تنسيه الخلق ولا يريد إلا الحق وزاد الله به درجته فكان ذلك بشارة له، في {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ } أنت ما بقيت في الدرجة التي يقنع منك بتقوى، مثل تقوى الآحاد أو تقوى الأوتاد بل لا يقنع منك إلا بتقوى تنسيك نفسك ألا ترى أن الإنسان إذا كان يخاف فوت مال إن هجم عليه غاشم يقصد قتله يذهل عن المال ويهرب ويتركه، فكذلك النبـي عليه الصلاة والسلام أمر بمثل هذه التقوى ومع هذه التقوى لا يبقى الخوف من أحد غير الله وخرج هذا مخرج قول القائل لمن يخاف زيد أو عمراً خف عمراً فإن زيداً لا يقدر عليك إذا كان عمرو معك فلا يكون ذلك أمراً بالخوف من عمرو فإنه يخاف وإنما يكون ذلك نهياً عن الخوف من زيد في ضمن الأمر بزيادة الخوف من عمرو حتى ينسيه زيداً. ثم قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } يقرر قولنا أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم. المسألة الثالثة: لم خص الكافرين والمنافقين بالذكر مع أن النبـي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن لا يطيع أحداً غير الله؟ نقول لوجهين أحدهما: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبـي عليه الصلاة والسلام الاتباع، ولا يتوقع أن يصير النبـي عليه السلام مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً والثاني: هو أنه تعالى لما قال: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } منعه من طاعة الكل لأن كل من طلب من النبـي عليه الصلاة والسلام طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبـي عليه الصلاة والسلام بأمر أمر إيجاب معتقداً على أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } إشارة إلى أن التقوى ينبغي أن تكون عن صميم قلبك لا تخفى في نفسك تقوى غير الله كما يفعله الذي يرى من نفسه الشجاعة حيث يخاف في نفسه ويتجلد فإن التقوى من الله وهو عليم، وقوله: {حَكِيماً } إشارة إلى دفع وهم متوهم وهو أن متوهما لو قال إذا قال الله شيئاً وقال جميع الكافرين والمنافقين مع أنهم أقارب النبـي عليه الصلاة والسلام شيئاً آخر ورأوا المصلحة فيه وذكروا وجهاً معقولاً فاتباعهم لا يكون إلا مصلحة فقال الله تعالى إنه حكيم ولا تكون المصلحة إلى في قول الحكيم، فإذا أمرك الله بشيء فاتبعه ولو منعك أهل العالم عنه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} ضُمّت «أيّ» لأنه نداء مفرد؛ والتنبيه لازم لها. و«النبيّ» نعت لأيّ عند النحويين؛ إلا الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأيّ. مكيّ: ولا يُعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشيء. النحاس: وهو خطأ عند أكثر النحويين؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة، والاحتيال له فيما قال أنه لما كان نعتاً لازماً سُمِّيَ صلة؛ وهكذا الكوفيون يسمّون نعت النكرة صلةً لها. ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر النحويين. وأجازه المازنيّ، جعله كقولك: يا زيدُ الظريفَ، بنصب «الظريف» على موضع زيد. مكيّ: وهذا نعت يستغنى عنه، ونعت «أيّ» لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع. وأيضاً فإن نعت «أيّ» هو المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحبّ إسلام اليهود: قُريظة والنَّضير وبني قَيْنُقَاع؛ وقد تابعه ناس منهم على النفاق، فكان يُلين لهم جانبَه؛ ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم؛ فنزلت. وقيل: إنها نزلت فيما ذكر الواحدي والقُشَيْرِيّ والثَّعلبيّ والماوَرْدِي وغيرهم في أبي سفيان بن حرب وعِكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان، نزلوا المدينة على عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين بعد أُحُد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح وطُعْمة بن أُبَيْرِق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا الّلات والعزّى ومَناة، وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها، ونَدَعُك وربّك. فشقّ على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني قد أعطيتهم الأمان» تفسير : فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة؛ فنزلت الآية. {يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} أي خَفِ الله. {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} من أهل مكة؛ يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة. {وَٱلْمُنَافِقِينَ} من أهل المدينة؛ يعني عبد الله بن أُبَيّ وطُعْمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نُهيت عنه، ولا تمل إليهم. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بكفرهم {حَكِيماً} فيما يفعل بهم. الزَّمخشريّ: وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السُّلَمِيّ قدِموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أُبَيّ ومُعَتّب بن قُشَير والجَدّ بن قيس، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفض ذكر آلهتنا. وذكر الخبر بمعنى ما تقدّم. وأن الآية نزلت في نقض العهد ونَبْذ الموادعة. «وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ» من أهل مكة. «وَالْمُنَافِقِينَ» من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروي ن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، ويزوّجه شيبةُ بن ربيعة بنته، وخوّفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع؛ فنزلت. النحاس: ودلّ بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } على أنه كان يميل إليهم استدعاءً لهم إلى الإسلام؛ أي لو علم الله عز وجل أن مَيْلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه؛ لأنه حكيم. ثم قيل: الخطاب له ولأمته.
البيضاوي
تفسير : مدينة وآيها ثلاث وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } ناداه بالنبي وأمره بالتقوى تعظيماً له وتفخيماً لشأن التقوى، والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعاً له عما نهى عنه بقوله: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } فيما يعود بوهن في الدين. روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم ابن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بالمصالح والمفاسد. {حَكِيماً } لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة. {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ} كالنهي عن طاعتهم. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فموحٍ إليك ما تصلح به أعمالك ويغني عن الاستماع إلى الكفرة، وقرأ أبو عمرو بالياء على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي أن الله خبير بمكايدهم فيدفعها عنك. {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } وكل أمرك إلى تدبيره. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } موكولاً إليه الأمور كلها. {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإِنساني أولاً ومنبع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد. {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} وما جمع الزوجية والأمومة في امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو جميل ابن أسد الفهري ذو القلبين، والزوجة المظاهر عنها كالأم ودعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن محمد، أو المراد نفي الأمومة والبنوة عن المظاهر عنها والمتبنى ونفي القلبين لتمهيد أصل يحملان عليه. والمعنى كما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل لم يجعل الزوجة والدعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أمه وابنه اللذين بينهما وبينه ولادة، وقرأ أبو عمرو «اللاي» بالياء وحده على أن أصله اللاء بهمزة فخففت وعن الحجازيين مثله، وعنهما وعن يعقوب بالهمز وحده، وأصل {تَظَـٰهَرُونَ} تتظاهرون فأدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ ابن عامر {تَظَـٰهَرُونَ} بالإدغام وحمزة والكسائي بالحذف وعاصم {تَظَـٰهَرُونَ} من ظاهر، وقرىء «تظهرون» من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد وتظهرون من الظهور. ومعنى الظهار: أن يقول للزوجة أنت علي كظهر أمي، مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقاً في الجاهلية وهو في الإِسلام يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها، وهو بمعنى حلف وذكر الظهر للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ذكره يقارب ذكر الفرج، أو للتغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء، وأدعياء جمع دعي على الشذوذ وكأنه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه. {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى ما ذكر أو إلى الأخير. {قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } لا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي. {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} ما له حقيقة عينية مطابقة له. {وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ} سبيل الحق. {ٱدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} أنسبوهم إليهم، وهو أفراد للمقصود من أقواله الحقة وقوله: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تعليل له، والضمير لمصدر {ٱدْعُوهُمْ} و {أَقْسَطُ} افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ في الصدق. {فَإِن لم تعلموا آباءهم} فتنسبوهم إليهم. {فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدّينِ } أي فهم إخوانكم في الدين. {وَمَوٰلِيكُمْ} وأولياؤكم فيه فقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان. {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم أو ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} لعفوه عن المخطىء. واعلم أن التبني لا عبرة به عندنا وعند أبي حنيفة يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن إلحاقه به. {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس، فلذلك أطلق فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها. روي: أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ناس نتسأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت. وقرىء «وهو أب لهم» أي في الدين فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة. {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: لسنا أمهات النساء. {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} وذوو القرابات. {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } في التوارث وهو نسخ لما كان في صدر الإِسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين. {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في اللوح أو فيما أنزل، وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيم فرضط الله. {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ } بيان لأولي الأرحام، أو صلة لأولي أي أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة. {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } استثناء من أعم ما يقدر الأولوية فيه من النفع والمراد بفعل المعروف التوصية أومنقطع {وَكَانَ ذٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا} كان ما ذكر في الآيتين ثابتاً في اللوح أو القرآن. وقيل في التوراة. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } مقدر باذكر وميثاقهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم. {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا عليه الصلاة والسلام تعظيماً له وتكريماً لشأنه. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } عظيم الشأن أو مؤكداً باليمين، والتكرير لبيان هذا الوصف تعظيماً له. {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما قالوه لقومهم، أو تصديقهم إياهم تبكيتاً لهم أو المصدقين لهم عن تصديقهم فإن مصدق الصادق صادق، أو المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم. {وَأَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً } عطف على {أَخَذْنَا } من جهة أن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لإِثابة المؤمنين، أو على ما دل عليه ليسأل كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } ريح الصبا. {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } الملائكة. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما سمع بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبينهم، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى بعث الله عليهم ريحاً باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في جوانب العسكر، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من حفر الخندق، وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة. {بَصِيراً} رائياً. {إِذْ جاءُوكم} بدل من إذا جاءتكم. {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان. {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش. {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ} مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصاً. {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} رعباً فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب. {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} الأنواع من الظن فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال والضعاف القلوب والمنافقون ما حكي عنهم، والألف مزيدة في أمثاله تشبيهاً للفواصل بالقوافي وقد أجرى نافع وابن عامر وأبو بكر فيها الوصل مجرى الوقف، ولم يزدها أبو عمرو وحمزة ويعقوب مطلقاً وهو القياس.
ابن كثير
تفسير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله، قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} أي: لا تسمع منهم، ولا تستشرهم، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} أي: من قرآن وسنة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي: فلا تخفى عليه خافية، وتوكل على الله، أي: في جميع أمورك وأحوالك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: وكفى به وكيلاً لمن توكل عليه، وأناب إِليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } دُمْ على تقواه {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ } فيما يخالف شريعتك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بما يكون قبل كونه {حَكِيماً } فيما يخلقه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } أي دم على ذلك، وازدد منه {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } أي الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. قال الواحدي: إنه أراد سبحانه بالكافرين أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها. قال: والمنافقين عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وسيأتي آخر البحث بيان سبب نزول الآية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } أي كثير العلم والحكمة بليغهما، قال النحاس: ودلّ بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } على أنه كان يميل إليهم: يعني: النبي صلى الله عليه وسلم استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى: أن الله عزّ وجلّ لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم لأنه حكيم، ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها، ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر بالتقوى، والنهي عن طاعة الكافرين، والمنافقين، والمعنى: أنه لا يأمرك أو ينهاك إلا بما علم فيه صلاحاً أو فساداً، لكثرة علمه وسعة حكمته. {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ } من القرآن، أي اتبع الوحي في كل أمورك، ولا تتبع شيئاً مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ولا من الرأي البحت؛ فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } تعليل لأمره باتباع ما أوحى إليك، والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لأمته، فهم مأمورون باتباع القرآن كما هو مأمور باتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ } على قراءة الجمهور بالفوقية للخطاب، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ أبو عمرو والسلمي وابن أبي إسحاق بالتحتية. {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } أي اعتمد عليه وفوّض أمورك إليه، وكفى به حافظاً يحفظ من توكل عليه. ثم ذكر سبحانه مثلاً توطئة وتمهيداً لما يتعقبه من الأحكام القرآنية، التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه فقال: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ }. وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتي، وقيل: هي مثل ضربه الله للمظاهر، أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمَّان، وكذلك لا يكون الدعيّ ابناً لرجلين. وقيل: كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا؛ فنزلت الآية لردّ النفاق، وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام كما لا يجتمع قلبان، والقلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلاً للعلم. {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ }، وقرأ الكوفيون وابن عامر: {اللائي} بياء ساكنة بعد همزة، وقرأ أبو عمرو والبزي بياء ساكنة بعد ألف محضة. قال أبو عمرو بن العلاء: إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرؤوا بها، وقرأ قنبل وورش بهمزة مكسورة بدون ياء. قرأ عاصم: {تظاهرون} بضم الفوقية وكسر الهاء بعد ألف مضارع ظاهر، وقرأ ابن عامر بفتح الفوقية والهاء وتشديد الظاء مضارع تظاهر، والأصل: تتظاهرون. وقرأ الباقون: "تظهرون" بفتح الفوقية وتشديد الظاء بدون ألف، والأصل تتظهرون. والظهار مشتق من الظهر، وأصله: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، والمعنى: وما جعل الله نساءكم اللائي تقولون لهنّ هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ولكنه منكر من القول وزور وكذلك {مَّا جَعَلَ } الأدعياء الذين تدّعون أنّهم {أَبْنَاءكُمْ } أبناء لكم. والأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدعي ابناً لغير أبيه، وسيأتي الكلام في الظهار في سورة المجادلة. والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم من ذكر الظهار، والادعاء، وهو مبتدأ. وخبره: {قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه ولا تأثير له، فلا تصير المرأة به أماً ولا ابن الغير به ابناً، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوّة. وقيل: الإشارة راجعة إلى الادّعاء، أي ادّعاؤكم أن ابناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له، بل هو مجرّد قول بالفم {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } الذي يحقّ اتباعه لكونه حقاً في نفسه لا باطلاً، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ } أي يدلّ على الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق وترك قول الباطل والزور. ثم صرّح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء فقال: {ٱدْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ } للصلب، وانسبوهم إليهم ولا تدعوهم إلى غيرهم، وجملة: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر {ادعوهم}. ومعنى {أقسط}: أعدل، أي أعدل كلّ كلام يتعلق بذلك، فترك الإضافة للعموم كقوله: الله أكبر، وقد يكون المضاف إليه مقدّراً خاصاً، أي أعدل من قولكم هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه. ثم تمم سبحانه الإرشاد للعباد فقال: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أي فهم إخوانكم في الدين وهم مواليكم، فقولوا: أخي ومولاي ولا تقولوا: ابن فلان، حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة. قال الزجاج ويجوز أن يكون مواليكم أولياءكم في الدين. وقيل: المعنى: فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحراراً، فقولوا: موالي فلان {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } أي لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد، {وَلَـٰكِنِ } الإثم فيـ{مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } وهو ما قلتموه على طريقة العمد من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك. قال قتادة: لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر للمخطىء ويرحمه ويتجاوز عنه، أو غفوراً للذنوب رحيماً بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلاً لغير أبيه خطأ. أو قبل النهي عن ذلك. ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة وخصوصية جليلة لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أي هو أحقّ بهم في كلّ أمور الدين والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم فضلاً عن أن يكون أولى بهم من غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدّموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدّموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدّموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم. وقيل: المراد بـ {أنفسهم} في الآية بعضهم، فيكون المعنى: أن النبيّ أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض. وقيل: هي خاصة بالقضاء، أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى به بينهم. وقيل: أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه، والأوّل أولى. {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } أي مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم، ومنزلات منزلتهنّ في استحقاق التعظيم؛ فلا يحلّ لأحد أن يتزوج بواحدة منهنّ كما لا يحلّ له أن يتزوج بأمه، فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهنّ وبالتعظيم لجنابهنّ، وتخصيص المؤمنين يدلّ على أنهنّ لسن أمهات نساء المؤمنين ولا بناتهنّ أخوات المؤمنين، ولا أخوتهنّ أخوال المؤمنين. وقال القرطبي: الذي يظهر لي أنهنّ أمهات الرجال والنساء تعظيماً لحقهنّ على الرجال والنساء كما يدلّ عليه قوله: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. قال: ثم إن في مصحف أبيّ بن كعب: "وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم"، وقرأ ابن عباس: "أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب وأزواجه أمهاتهم". ثم بين سبحانه أن القرابة أولى ببعضهم البعض فقال: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } المراد بأولي الأرحام: القرابات، أي هم أحقّ ببعضهم البعض في الميراث، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنفال، وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة. قال قتادة: لما نزل قوله سبحانه في سورة الأنفال: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72]، فتوارث المسلمون بالهجرة، ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وكذا قال غيره. وقيل: إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، و{فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } يجوز أن يتعلق بأفعل التفضيل في قوله: {أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } لأنه يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو حال من الضمير، أي كائناً في كتاب الله. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ أو القرآن أو آية المواريث، وقوله: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يجوز أن يكون بياناً لـ {أولوا الأرحام}، والمعنى: أن ذوي القرابات من المؤمنين {وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ } بعضهم أولى ببعض، ويجوز أن يتعلق بـ {أولي} أي وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب. وقيل: إن معنى الآية: وأولوا الأرحام ببعضهم أولى ببعض: إلا ما يجوز لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم من كونهم كالأمهات في تحريم النكاح، وفي هذا من الضعف ما لا يخفى. {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } هذا الاستثناء إما متصل من أعمّ العام، والتقدير: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كل شيء من الإرث وغيره، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً، من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز. قاله قتادة والحسن وعطاء ومحمد بن الحنفية. قال محمد بن الحنفية: نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني. فالكافر وليّ في النسب لا في الدين، فتجوز الوصية له، ويجوز أن يكون منقطعاً، والمعنى: لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به، ومعنى الآية: أن الله سبحانه لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصى لهم. وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة، والإشارة بقوله: {كَانَ ذَلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره، أي كان نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة، وردّه إلى ذوي الأرحام من القرابات {فِي ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا } أي في اللوح المحفوظ، أو في القرآن مكتوباً. وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قام النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم؟ فنزل: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ }. وأخرج ابن مردويه عنه من طريق أخرى بلفظ: صلى لله النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها، فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون، فقالوا: إن له قلبين، فنزلت. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضاً قال: كان رجل من قريش يسمى من دهائه ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ٱدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل. تفسير : وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه»تفسير : . وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه من حديث جابر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال: غزوت مع عليّ إلى اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير، وقال: «حديث : يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟"تفسير : قلت: بلى يا رسول الله، قال: "حديث : من كنت مولاه فعليّ مولاه» تفسير : . وقد ثبت في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين»تفسير : . وأخرج ابن سعد وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن عائشة؛ أن امرأة قالت لها: يا أمه، فقالت: أنا أمّ رجالكم ولست أمّ نسائكم. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت: أنا أمّ الرجال منكم والنساء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي في دلائله عن بجالة قال: مرّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: "النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم"، فقال: يا غلام حكها، فقال: هذا مصحف أبيّ، فذهب إليه فسأله، فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق. وأخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: "النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم".
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّنبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} وهذا وإن كان معلوماً من حاله ففي أمره به أربعة أوجه: أحدهما: أن معنى هذا الأمر الإكثار من اتقاء الله في جهاد أعدائه. الثاني: استدامة التقوى على ما سبق من حاله. الثالث: أنه خطاب توجه إليه والمراد به غيره من أمته. الرابع: أنه لنزول هذه الآية سبباً وهو ما روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة ليجددوا خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد بينه وبينهم فنزلوا عند عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس ومعتب بن قشير وائتمروا بينهم وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا عليه أموراً كره جميعها فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون أن يقتلوهم فأنزل الله: {يَأَيُّهَا الَّنبِيُّ اتقِ اللَّهَ} يعني في نقض العهد الذي بينك وبينهم إلى المدة المشروطة لهم. {وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ} من أهل مكة. {وَالْمُنَافِقِينَ} من أهل المدينة فيما دعوا إليه. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} يحتمل وجهين: أحدهما: عليماً بسرائرهم حكيماً بتأخيرهم. الثاني: عليماً بالمصلحة حكيماً في التدبير.
ابن عطية
تفسير : قوله: {اتق} معناه دم على التقوى، ومتى أمر أحد بشيء هو به متلبس فإنما معناه الدوام في المستقبل على مثل الحالة الماضية، وحذره تعالى من طاعة الكافرين وهم الملجون بالكفر والمنافقين، وهم المظهرون للإيمان وهم لا يبطنونه، وسبب الآية أنهم كانوا يتسخبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطلبات والإرادات ربما كان في إرادتهم سعي على الشرع وهم يدخلونها مدخل النصائح، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلقه العظيم وحرصه على استئلافهم ربما لاينهم في بعض الأمور، فنزلت الآية بسبب ذلك تحذيراً له منهم وتنبيهاً على عداوتهم والنوازل في طلباتهم كثيرة محفوظة، وقوله {إن الله كان عليماً حكيماً} تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي لا عليك منهم ولا من إيمانهم فالله عليم بما ينبغي لك حكيم في هدي من شاء وإضلال من شاء، ثم أمره تعالى باتباع ما يوحى إليه وهو القرآن الحكيم والاقتصار على ذلك، وقوله تعالى: {إن الله كان بما تعملون خبيراً} توعد ما، وقرأ أبو عمرو وحده "يعملون" بالياء، والتوعد على هذه القراءة للكافرين والمنافقين أبين، وقوله {كان} في هاتين الآيتين هي التي تقتضي الدوام، أي كان ويكون، وليست الدالة على زمن مخصوص للمضي، ثم أمره تعالى بالتوكل على الله في جميع أمره وأعلمه أن ذلك كاف مقنع، والباء في قوله {بالله} زائدة على مذهب سيبويه، وكأنه قال "وكفى الله"، وهي عنده نحو قولهم: بحسبك أن تفعل، وغيره يراها غير زائدة متعلقة بــ {كفى} على أنه بمعنى اكتف بالله، و"الوكيل" القائم بالأمر المغني فيه عن كل شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {أتَّقِ اللَّهَ} أكثِر من تقواه في جهاد عدوه، أو دُم على تقواك، أو الخطاب له والمراد أمته، أو نزلت لما قدم أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبو الأعور السُّلمي المدينة ليجددوا خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في عهد بينهم وبينه فنزلوا على ابن أُبي والجد بن قيس ومتعب بن قشير فتآمروا بينهم وأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فعرضوا عليه أموراً كرهها فَهمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بقتلهم فنزلت {أتَّقِ اللَّهَ} في عهدهم {وَلا تُطِعِ} كفار مكة ومنافقي أهل المدينة فيما دعوا إليه.
النسفي
تفسير : مدنية وهي ثلاث وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه لزرّ: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال: ثلاثاً وسبعين. قال: فوالذي يحلف به أبيّ إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم». أراد أبيّ أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضي الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض. {يا أيّها النّبيّ} وبالهمز: نافع أي يا أيها المخبر عنا المأمون على أسرارنا المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل «يا محمد» كما قال {يا آدم} {يا موسى} تشريفاً له وتنويهاً بفضله، وتصريحه باسمه في قوله {أية : محمد رسول الله}تفسير : [الفتح: 29] ونحوه لتعليم الناس بأنه رسول الله {اتّق الله} اثبت على تقوى الله ودم عليه وازدد منه فهو باب لا يدرك مداه {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ولا تساعدهم على شيء واحترس منهم فإنهم أعداء الله والمؤمنين. وروي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد فنزلوا على عبد الله بن أبيّ وأعطاهم النبي الأمان على أن يكلموه فقالوا: ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تنفع وتشفع، ووازرهم المنافقون على ذلك فهمّ المسلمون بقتلهم فنزلت. أي اتق الله في نقض العهد ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا {إنّ الله كان عليماً} بخبث أعمالهم {حكيماً} في تأخير الأمر بقتالهم. {واتّبع ما يوحى إليك من رّبّك} في الثبات على التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين {إنّ الله} الذي يوحي إليك {كان بما تعملون خبيراً} أي لم يزل عالماً بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع لأن المراد بقوله {اتبع} هو وأصحابه، وبالياء: أبو عمر وأي بما يعمل الكافرون والمنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم {وتوكّل على الله} أسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره {وكفى بالله وكيلاً} حافظاً موكولاً إليه كل أمر، وقال الزجاج: لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلاً. {مّا جعل الله لرجلٍ مّن قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الّـٰىء تظاهرون منهنّ أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم} أي ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة في رجل. والمعنى أنه تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر فعلاً من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً موقناً شاكاً في حالة واحدة. لم يحكم أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجاً له، لأن الأم مخدومة والمرأة خادمة وبينهما منافاة، وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابناً له لأن البنوة أصالة في النسب والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل. وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له فطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه وكانوا يقولون «زيد بن محمد»، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تحت زيد قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه فأنزل الله هذه الآية، وقيل: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان قلب معكم وقلب مع أصحابه. وقيل: كان أبو معمر أحفظ العرب فقيل له «ذو القلبين» فأكذب الله قولهم وضربه مثلاً في الظهار والتبني. والتنكير في {رجل} وإدخال «من» الاستغراقية على {قلبين} وذكر الجوف للتأكيد. {اللائي} بياء بعد الهمزة حيث كان: كوفي وشامي، {اللاء} نافع ويعقوب وسهل وهي جمع. {التي تُظاهِرون} عاصم من ظاهر إذا قال لامرأته «أنت علي كظهر أمي» {تَظَاهَرون} علي وحمزة وخلف. {تَظَّاهرون} شامي من ظاهر بمعنى تظاهر. غيرهم {تظّهّرون} من اظّهّر بمعنى تظهر. وعُدي بـ «من» لتضمنه معنى البعد لأنه كان طلاقاً في الجاهلية ونظيره «آلى من امرأته» لما ضمن معنى التباعد عدي بـ «من» وإلا فآلى في أصله الذي هو معنى حلف وأقسم ليس هذا بحكمه. والدعي فعيل بمعنى مفعول وهو الذي يدعي ولداً، وجمع على أفعلاء شاذاً لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء وشقي وأشقياء ولا يكون ذلك في نحو «رمي» و «سميّ» للتشبيه اللفظي. {ذلكم قولكم بأفواهكم} أي أن قولكم للزوجة هي أم وللدعي هو ابن قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له إذ الابن يكون بالولادة وكذا الأم {والله يقول الحقّ} أي ما حق ظاهره وباطنه {وهو يهدى السّبيل} أي سبيل الحق. ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق وهو قوله {ادعوهم لآبائهم هو أقسط} أعدل {عند الله} وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه. وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان. ثم انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث وصل الجملة الطلبية ثم فصل الخبرية عنها ووصل بينها، ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها ثم فصل بالطلبية {فإن لّم تعلموا آباءهم} فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم {فإخوانكم في الدّين ومواليكم} أي فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم في الدين فقولوا هذا أخي وهذا مولاي ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتموه بعد النهي. أولا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين، و «ما» في موضع الجر عطف على «ما» الأولى، ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على سبيل العموم ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده. وإذا وجد التبني فإن كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً منه ثبت نسبه منه وعتق إن كان عبداً له، وإن كان أكبر سناً منه لم يثبت النسب وعتق عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وعتق إن كان عبداً {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } لا يؤاخذكم بالخطأ ويقبل التوبة من المتعمد. {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أي أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه، أو هو أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم كقوله {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رؤوفٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبة: 128] وفي قراءة ابن مسعود {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وهو لهم، وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ} وذوو القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} في التوارث وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في حكمه وقضائه أو في اللوح المحفوظ أو فيما فرض الله {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ } يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وأن يكون لابتداء الغاية أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين أي الأنصار بحق الولاية في الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} الاستثناء من خلاف الجنس أي لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفاً جائز وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث. وعدي {تَفْعَلُواْ } بـ «إلى» لأنه في معنى تسدوا والمراد بالأولياء المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا } أي التوارث بالأرحام كان مسطوراً في اللوح. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } واذكر حين أخذنا من النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم {وَمِنْكَ } خصوصاً. وقدم رسول الله على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء لأنهم أولو العزم وأصحاب الشرائع، فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه {وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً } وثيقاً. وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه وإنما فعلنا ذلك {لّيسئل} الله { ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي الأنبياء {عَن صِدْقِهِمْ } عما قالوه لقومهم أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم لأن من قال للصادق صدقت كان صادقاً في قوله، أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم أممهم وهو كقوله {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} تفسير : [المائدة: 109] {وَأَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} بالرسل {عَذَاباً أَلِيماً } وهو عطف على {أَخَذْنَا } لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين عذاباً أليماً، أو على ما دل عليه {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبدالله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال"حديث : إني أعطيتهم الأمان"تفسير : . فقال عمر اخرجوا في لعنة الله وغضبه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة. فأنزل الله تعالى {يا أيها النبي اتق الله} أي دم على التقوى وقيل معناه اتق الله و لاتنقض العهد بينك وبينهم وقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ولا {تطع الكافرين} يعني من أهل مكة يعني أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين يعني من أهل المدينة عبدالله بن أبي وعبدالله بن سعد وطعمة {إن الله كان عليماً} أي بخلقه قبل أن يخلقهم {حكيماً} أي فيما دبره لهم {واتبع ما يوحى إليك من ربك} يعني من وفاء العهد وترك طاعة الكافرين والمنافقين {إن الله كان بما يعملون خبيراً وتوكل على الله} أي ثق بالله وكل أمرك إليه {وكفى بالله وكيلاً} يعني حافظاً لك وقيل كفيلاً برزقك. قوله تعالى {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} نزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمع فقالت قريش ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان, وكان يقول إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له يا أبا معمر ما حال الناس. فقال انهزموا فقال له فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك. فقال أبو معمر ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وعن أبي ظبيان قال: قلنا لابن عباس أرأيت قول الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ما عنى بذلك؟ قال "قام نبي الله صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة. فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترون أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فأنزل الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}" أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن قوله خطر خطرة يريد الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاة. قيل في معنى الآية أنه لما قال الله تعالى {يا أيها النبي اتق الله} فكان ذلك أمراً بالتقوى. فكأنه قال ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله، فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي الله بأحدهما وبالآخر غيره، وقيل إن هذا مثل ضربه الله تعالى للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، فكما لا يكون لرجل قلبان لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فالآخر فضله عليه محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا ما لا يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً عالماً جاهلاً موقناً شاكاً في حالة واحدة، وهما حالتان متنافيتان فكذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمان ولا يكون ولد واحد ابن رجلين. قوله تعالى {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} وصورة الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، يقول الله وما جعل نساءكم التي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكم منكر وزور وفيه كفارة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في سورة المجادلة. قوله تعالى {وما جعل أدعياءكم} يعني الذين تتبنونهم {أبناءكم} وفيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه الناس ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبدالمطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية ونسخ بها التبني {ذلكم قولكم بأفواهكم} أي لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد وادعاء النسب لا حقيقة له {والله يقول الحق} يعني قوله الحق {وهو يهدي السبيل} يعني يرشد إلى سبيل الحق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {بما يعملون خبيراً} على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو {اللائي} بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر. بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل {اللاي} بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" {تظاهرون} من المظاهرة عاصم {تظاهرون} بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف. مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون {تظهرون} بتشديد الظاء والهاء {بما يعملون بصيراً} على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير {وإذ زاغت} مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو {وزاغت} ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء {الظنونا} و {الرسولا} و{السبيلا} في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل. وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين. الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل {لا مقام} بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها. {لأتوها} مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و {يساءلون} بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون {يسألون} ثلاثياً. الوقوف: {والمنافقين} ط {حكيماً} ه {ربك} ط {خبيراً} ه {على الله} ط {وكيلاً} ط5 {في جوفه} ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين {أمهاتكم} ج لذلك {أبناءكم} ط {بأفواهكم} ط {السبيل} ه {عند الله} ج للشرط مع العطف {ومواليكم} ط {أخطأتم به} لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك {رحيماً} ه ط {أمهاتكم} ط {معروفاً} ه {مسطوراً} ه {عيسى ابن مريم} ص للعطف {غليظاً} ه {صدقهم} ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد {اليماً} ه {تروها} ط {بصيراً} ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة {يعملون} على الغيبة {الظنونا} ط {شديداً} ه {غروراً} ه {فأرجعوا} ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف {بعورة} ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على {عورة} وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف {فراراً} ه {يسيراً} ه {الأدبار} ط {مسؤلاً} ه {قليلاً} ه {رحمة} ط {ولا نصيراً} ه {إلينا} ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً {قليلاً} لا لأن ما بعده حال {عليكم} ج لعطف الجملتين المختلفتين {الموت} ج فصلاً بين تناقض الحالين {الخير} ط {أعمالهم} ط {يسيراً} ه {لم يذهبوا} ج {أنبائكم} ط {قليلا} ه. التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه. قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية. قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره. أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن. وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة. ومن تشريفات الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء {أية : يا آدم} تفسير : [البقرة: 35] {أية : يا موسى} تفسير : [طه: 11] {أية : يا عيسى}تفسير : [آل عمران: 55] {أية : يا داود} تفسير : [ص: 26] وإنما جاء في الأخبار {أية : محمد رسول الله} تفسير : [الفتح: 29] تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء{أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله} تفسير : [الأحزاب: 40] {أية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} تفسير : [آل عمران: 144] {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد}تفسير : [محمد: 2] لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله {أية : لقد جاءكم رسول} تفسير : [التوبة: 128] {النبي أولى بالمؤمنين} {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة}تفسير : [الأحزاب: 21] والمراد بقوله {اتق الله} واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء {أية : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ} تفسير : [الكهف: 110] يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم. يروى أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت. وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت. أي اتق الله في نقض العهد. {ولا تطع الكافرين} من أهل مكة {والمنافقين} من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه. {إن الله كان عليماً} بالصواب {حكيماً} فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه صلى الله عليه وسلم في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل {ما جعل الله لرجل من قلبين} كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه تعالى لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله {وما جعل أزواجكم} إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة. وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً. فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف. والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله {أية : القلوب التي في الصدور}تفسير : [الحج: 46] من زيادة التصوير للتأكيد. ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار. وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد. وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه. وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه. والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء". واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}تفسير : [الأحزاب: 40] وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين. وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني. وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في {رجل} وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة {ذلكم} النسب {قولكم بأفواهكم} إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب. وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب. ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال {ادعوهم لآبائهم} اي انسبوهم إليهم {فإن لم تعلموا آباءهم} فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين. ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي. ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده {وكان الله غفوراً} للخاطئ {رحيماً} للعامل ولا سيما إذا تاب. ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" تفسير : ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين. وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" تفسير : وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال {وأزواجه أمهاتهم} أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. ومن كمال عناية الله سبحانه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون أخوة. قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله {وأولوا الأرحام} الآية. وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى {في كتاب الله} في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال". وقوله {من المؤمنين} إما أن يتعلق بـ {ألوا الأرحام} أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ {أولى} أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة. ثم أشار إلى الوصية بقوله {إلا أن تفعلوا} أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية. والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث. قال أهل النظم: كأنه سبحانه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله {أولى بالمؤمنين} فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله تعالى كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده. ثم ما يفضل منه يكون لغيره {كان ذلك} الذي ذكر في الآيتين {في الكتاب} وهو القرآن أو اللوح {مسطوراً} والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة. ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله {وإذ أخذنا} اي اذكر وقت أخذنا في الأزل {من النبيين ميثاقهم} بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ. وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا صلى الله عليه وسلم لأفضليته. وإنما قدم نوحاً في قوله {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك}تفسير : [الشورى: 13] لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم. قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام. وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال {أية : ولنسألن المرسلين}تفسير : [الأعراف: 6] وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء {أية : وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} تفسير : [الآية: 21] هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" تفسير : ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال {ليسأل الصادقين عن صدقهم} الآية. وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي رضي الله عنه: حلالها حساب وحرامها عقاب. فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا {بلى} في جواب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً. ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله {أية : ولنسألن المرسلين}تفسير : [الأعراف: 6] وكقوله {أية : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} تفسير : [المائدة: 109] وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر. قال جار الله: قوله {وأعد} معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين. وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف. ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال {يا أيها الذين آمنوا اذكروا} الآية. وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير. وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط. ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم {و} أرسل {جنوداً لم تروها} وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. ومعنى {من فوقكم} من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان {ومن أسفل منكم} من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً. ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً. والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} كما حكينا عن معتب. ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة. فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف. {وإذ قالت طائفة منهم} كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها {لا مقام لكم} أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله تعالى بقوله {وما هي بعورة} ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال {إن يريدون إلا فراراً} ثم بين مصداق بقوله {ولو دخلت} اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها {ثم سئلوا الفتنة} أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين {لآتوها} والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء. ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله تعالى بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام. والضمير في قوله {وما تلبثوا بها إلا يسيراً} يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين. ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم. قوله {ولقد كانوا} الآية. عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن. وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل. ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً. عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب. ثم أكد التقرير المذكور بقوله {قل من ذا الذي يعصمكم} الآية. قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً. اي ومعتقلاً رمحاً. أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون واليهود {هلم إلينا} معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله {أية : قل هلم شهداءكم}تفسير : [الآية: 150] وقوله {ولا يأتون} معطوف على {القائلين} لأنه في معنى الذين يقولون. وقوله {إلا قليلاً} أي إلا إتياناً قليلاً كقوله {ما قاتلوا إلا قليلاً} لقلة الرغبة. وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت. وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله {فإذا ذهب الخوف} وجمعت الغنائم {سلقوكم} أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل. {أولئك} المنافقون {لم يؤمنوا} حقيقة وإن آمنوا في الظاهر {فأحبط الله أعمالهم} التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم {وكان ذلك} الذي ذكر من أعمال أهل النفاق {يسيراً} على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً. قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف. ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً. ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان. ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه {أن يأت الأحزاب} كرة ثانية تمنوا { أنهم بادون} أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم {يسألون عن أنبائكم} قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر {ولو كانوا فيكم} ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا {إلا قليلاً} إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة. التأويل: {اتق الله} من التكوين وكان عليه السلام متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد {وما جعل أزواجكم أمهاتكم} و {وأدعياءكم أبناءكم} فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه النسب الباقي كما قال "حديث : كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" تفسير : فحسبه الفقر ونسبه النبوة {ولكن ما تعمدت قلوبكم} بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم. وبعد النبي صلى الله عليه وسلم سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم} في الأزل {ومنك} يا محمد أولاً بالحبيبية {ومن نوح} بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق {ليسأل الصادقين} سؤال تشريف لا سؤال تعنيف. والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي {إذ جاءتكم جنود} الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها {من فوقكم} وهي الآفات السماوية {ومن أسفل منكم} وهي المتولدات البشرية. أو {من فوقكم} وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، {ومن أسفل منكم} هي الدواعي الشهوانية {فأرسلنا عليهم ريحاً} من نكبات قهرنا {وجنوداً لم تروها} من حفظنا وعصمتنا {وعاهدوا الله من قبل} الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ...} الآية. قوله: {ٱتَّقِ} معناه: دُمْ على التَّقْوَى، ومتى أُمر أحدُ بشيء وهو به مُتَلَبِّسٌ؛ فإنما معناه الدوامُ في المستقبلِ على مثل الحالةَ الماضِيةَ. وحذره تعالى من طاعة الكافرين والمنافقين تنبيهاً على عداوتِهم، وأَلاَّ يَطْمَئِنَّ إلى ما يُبْدُونَه من نَصَائِحِهم. والباء في قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} زائدةٌ على مذهب سِيبَوَيْهِ، وكأنه قال وكفى اللّه، وغيرُهُ يَرَاهَا غَيْرَ زائدةٍ متعلقَة بـ «كفى» على أنه بمعنى: اكتف باللّه. واختلف في السبب في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} فقال ابن عباس: سببُهَا أن بعضَ المنافقينَ قَال: إن محمداً له قلبَانِ، وقيل غير هذا. قال * ع *: ويظهَرُ مِنْ الآية بِجُمْلَتِهَا أنَّها نَفيٌ لأشْيَاءَ كانت العربُ تعتقِدُها في ذلك الوقتِ، وإعلام بحقيقةِ الأمرِ، فمنها أن العربَ كانتْ تَقُول: إن الإنسانَ له قلبٌ يأمره، وقلب ينهاه، وكان تضادُّ الخواطِر يحملُها على ذلك، وكذلك كانت العربُ تعتقد الزوجة إذا ظاهر منها بمنزلة الأم، وتراه طلاقاً، وكانت تعتقد الدَّعِيَّ المُتَبَنَّى ابْناً، فَنَفَى اللّه ما اعتقدوه من ذلك. وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} سببُها أمرُ زيد بن حارثة كانوا يَدْعُونَه: زيدَ بن مَحَمدٍ و {ٱلسَّبِيلَ} هنا سبيلُ الشرع والإيمان. ثم أمر تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء لآبائهم، أي: إلى آبائهم للصُّلْبِ، فمن جُهل ذلك فيه؛ كان مولىً وأَخاً في الدين، فقال الناسُ زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة، إلى غير ذلك و{أَقْسَطُ}: معناه: أعدل. وقوله عزَّ وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ...} الآية: رَفَعَ الحرجَ عَمَّنْ وَهِمَ وَنَسِيَ وأخْطَأَ، فَجَرَى على العَادَةِ من نسبة زيدٍ إلى محمدٍ، وغير ذلك. مما يشبهه، وأبقى الجناح في المُتَعَمِّدِ، والخطأُ مرفوعٌ عَنْ هذهِ الأمة عقابُه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ»تفسير : . وقال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : مَا أَخْشَىٰ عَلَيْكُمُ الخَطَأَ وَإنَّمَا أَخْشَى العَمْدُ».تفسير : قال السُّهَيْلِيُّ: ولَمَّا نزلت الآيةُ وامتثَلَهَا زيدُ فقال: أنا زيد بن حارثة؛ جَبَرَ اللّه وَحْشَتَهُ وشَرَّفَه بأن سَمَّاه باسْمِه في القرآن فقال: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} تفسير : [الأحزاب:37] ومَنْ ذَكَرَهُ سبحَانه باسْمِه في الذِّكْرِ الحكيم، حتى صَار اسمُه قرآناً يُتْلَىٰ في المحاريبِ، فقد نَوَّه بهِ غَايَةَ التَّنْوِيهِ، فَكَانَ فِي هذا تأنيسٌ له وَعِوَضٌ مِن الفَخْرِ بَأُبُوَّةِ سيِّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم له؛ أَلاَ تَرَىٰ إلى قول أُبي بن كعب حين قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ اللّهَ تَعَالَىٰ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا، فَبَكَىٰ أُبَيٌّ وَقَالَ: أَوَ ذُكِرْتُ هُنَالِكَ»تفسير : ، وكان بكاؤه من الفرح حِينَ أخْبِرَ أن اللّه تعالَىٰ ذَكَرَهُ؛ فكَيْفَ بمَنْ صَار اسمُه قرآناً يُتْلَىٰ مخَلَّداً لا يَبِيدُ، يتلُوهُ أهْلُ الدُّنْيَا إذا قرؤوا القرآن، وأهْل الجَنَّةِ كذلِكَ فِي الجِنَانِ، ثم زَادَهُ فِي الآية غَايةَ الإحْسَانِ أنْ قال: {أية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب:37] يعني بالإيمان؛ فدلَّ على أنه عند اللّه من أهل الجِنَانِ، وهذه فضيلةٌ أخرَىٰ هي غايةُ منتهَىٰ أمنية الأنْسَان، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: "يَا رَجُلُ" ويا أيُّهَا الرَّجُل، أن قوله: "يَا رَجُل" يدل على النداء، وقوله: "يا أيها الرجل" يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المنادى له أو غفلة المنادى فقوله: "يأيها" لا يجوز حمله على غفلة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن قوله: "النبي" ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب. فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عليه الصلاة والسلام - كان متقياً فما الوجه في قوله "اتق الله"؟. فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}تفسير : [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} أي دُم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم: "قُمْ قائماً" أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم. قوله: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً)} بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟. فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - الاتِّبَاع ولا يتوقع أن يصير النبي - صلى الله عليه وسلم - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً. الثاني: أنه (تعالى) لما قال: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً. قوله: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب. قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وبعده {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله "الكافرين والمنافقين" وأما الخطاب فلقوله: "يأيها النبي" لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله: شعر : 4068 - فَإِنْ شئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ................................ تفسير : وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله {إذ جاءتكم جنود} وأما الخطاب فلقوله {يا أيها الذين آمنوا}. قوله: {وتوكل على الله} أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده. وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فكذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري): قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي}) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع "التي" معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بياء ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم أبدلا الهمزة ياء وسكناها لصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين). (قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ). قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: "أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل" وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفوا سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وهذا الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق. قوله: "تَظَاهَرُونَ" قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع "ظَاهَرَ" وابن عامر "تَظَّاهَرون" بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع "تَظَاهَرَ" والأصل "تَتَظَاهَرُونَ" بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون "تَظَّهرُونَ" بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل "تَتَظَهَّرُونَ" بتاءين فأدغم نحو "تذكرون" وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: "الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ مِن نِسائِهِمْ" إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر. والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: "أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي" وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب "تَظهَّرُونَ" بفتح التاء والظاء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع "تَظَهَّر" مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن "تُظَهِّرُونُ" بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع "ظَهَّرَ" مشدداً وعن أبي عمرو "تَظْهَرُونَ" بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع "ظَهَرَ" مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ "الظَّهْرِ" كأخذ "لَبَّى" من التَّلْبِيَةِ، و "أفف" من أُفّ. وإنما عدي "بمن" لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ). فصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة. قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب فلما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ. قوله: "ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ" مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجرد قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن "أفعلاء" إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل. واعلم أن الله تعالى قال ههنا {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ} وقال في قوله: {أية : وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. قوله: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} أي قوله الحق {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً. قوله: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} (أي الذين ولدوهم {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّه} أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر. الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال): ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره. قوله: {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} يجوز في "ما" وجهان: أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ("ما") المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته. الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتداء والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه. قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
البقاعي
تفسير : فقال: {يا أيها النبي} عبر بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة - وهو آخر سنة خمس، غب وقعة الأحزاب - أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى أنه لم يبق من أمد كمال النصرة التي اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة إلا القليل وعبر به لاقتضاء مقصود السورة مقام النبوة الذي هو بين الرب وعبده في تقريبه وإعلائه إلى جنابه إذا قرئ بغير همز، وإن قرئ به كان اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله للجلي، وقال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: حقيقة النبوة ورود غيب ظاهر أي من الحق بالوحي لخاص من الخلق، خفي عن العامة منهم، ثم قد يختص مقصد ذلك الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته، فيكون نبياً غير رسول، وقد يرد عليه عند تمام أمره في ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولاً. والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق، وهي النبوة، والثانية قليلة الوقوع، فالرسل معشار معشار الأنبياء، وللنبوة اشتقاقان: أحدهما من النبأ وهو الخبر، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبئ ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو، وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم. فكان مطلعاً على علم ما ورد عليه من الغيب على حقيقته وكماله، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع، كان نبيئاً بالهمز، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبياً غير مهموز، فآدم عليه السلام مثلاً في علم الأسماء نبي بغير همز، وفي ما وراءه نبيء بهمز، وكذلك إبراهيم عليه السلام فيما أرى من الملكوت نبي غير مهموز, وفيما وراءه نبئ بهمز - انتهى - ولم يناده سبحانه باسمه تشريفاً لقدره، وإعلاء لمحله، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه، وقطعاً لشبه التعنت. ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط، أمره بالخوف فقال: {اتق الله} أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال كله والإكرام، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال. ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال: {ولا تطع الكافرين} أي الممانعين {والمنافقين} أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح، فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء، قال أبو حيان: وسبب نزولها أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود، فتابعه ناس منهم على النفاق، وكان يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة، فنزلت تحذيراً له منهم، وتنبيهاً على عداوتهم - انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم، فقال ملوحاً إلى أن لهم أغواراً في مكرهم ربما خفيت عليه صلى الله عليه وسلم، وأكد ترغيباً في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام: {إن الله} أي بعظيم كماله وعز جلاله {كان} أزلاً وأبداً {عليماً} شامل العلم {حكيماً} بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه، ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحي إليه، تنزيهاً لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة، وأمراً له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} ولما تحصل من السورتين من الإشارة إلى السوابق {أية : ولو شئنا لأتـينا كل نفس هداها} تفسير : [السجدة: 13] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم وصالحي أتباعه، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله، وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى، وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن محمود صفاتهم، ومنه {أية : محمد رسول الله والذين معه} تفسير : [الفتح: 29] - الآيات، فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ومهما كان الأمر والنهي، عدل في الغالب إلى الأعم، ومنه {يا أيها النبي اتق الله} {أية : يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} تفسير : [الأنفال: 65] {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} تفسير : [الطلاق: 1] {أية : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} تفسير : [التحريم: 1] {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} تفسير : [التوبة: 73] {أية : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات} تفسير : [الممتحنة: 12] وقد تبين في غير هذا، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله: {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} تفسير : [المائدة: 67] فوجه هذا أن قوله سبحانه {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} موقعه شديد، فعودل بذكره صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف، فهو من باب {أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] وفيه بعض غموض، وأيضاً فإنه لما قيل له "بلغ" طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول، والرسول مبلغ، ولا يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى: {أية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] فأمره وإن كان نهياً أوضح من الأول، لأنه تسلية له عليه السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فبابه راجع إلى ما يرد مدحاً مجرداً عن الطلب، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا. ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصاً وإجلالاً لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} - الآية، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً} والآية بعد ذلك، وهي قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا} - الآية، ومنها {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} فنزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن، ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية، ومنها الأمر بالحجاب {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب، وصانهن عن التبذل والامتهان، ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم، إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} ثم قال تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} - إلى قوله تعالى: {أجراً كريماً} وقوله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} وقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} - إلى قوله: {وأجراً عظيماً} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} - إلى قوله: {عظيماً} وقوله تعالى: {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} إلى قوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} وقوله تعالى مثنياً على المؤمنين بوفائهم وصدقهم {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} - إلى قوله: {وما بدلوا تبديلاً} وقوله: {وإثماً مبيناً} وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة الخوف الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيساً لا رفعاً, ومن هذا القبيل أيضاً ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم} - إلى قوله: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} وقوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال} إلى قوله: {وكان الله على كل شيء قديراً} وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها وبيانها على ما وضح الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفاً ونعمة، لا يقدر عظيم قدرها، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ - انتهى. ولما كان ذلك مفهماً لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر. وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق، قيده بقوله: {واتبع} أي بغاية جهدك. ولما اشتدت العناية هنا بالوحي، وكان الموحي معلوماً من آيات كثيرة، بني للمفعول قوله: {ما يوحى} أي يلقى إلقاء خفياً كما يفعل المحب مع حبيبه {إليك} وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم، ومهما نهاك عنه فكذلك، سواء كان إقبالاً عليهم أو إعراضاً عنهم أو غير ذلك. ولما أمره باتباع الوحي، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي، فقال مذكراً بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال، مؤكداً للترغيب كما تقدم، وإشارة إلى أنه مما يستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو: {إن الله} أي بعظمته وكماله {كان} دائماً {بما تعملون} أي الفريقان من المكايد وإن دق {خبيراً} فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثاً على الإخلاص، وتحقيقاً لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص، ونفياً لما قد يعتري النفوس من الزلزال، في أوقات الاختلال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {ولا تطع الكافرين} أبي بن خلف {والمنافقين} أبو عامر الراهب، وعبد الله بن أُبي بن سلول، والجد بن قيس.
ابو السعود
تفسير : (سورة الأحزاب مدنية وهى ثلاث وسبعون آية) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} في ندائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعنوانِ النُّبوةِ تنويهٌ بشأنِه وتنبـيهٌ على سموِّ مكانِه، والمرادُ بالتَّقوى المأمورِ به الثباتُ عليهِ والازديادُ منه فإنَّ له باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا يُنال مداهُ {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي المجاهرينَ بالكُفر {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} المُضمرين له أي فيما يعودُ بوهنٍ في الدِّينِ وإعطاء دنيَّةٍ فيما بـين المسلمينَ. (رُوي أنَّ أبا سفيانَ بنَ حربٍ وعكرمةَ بنَ أبـي جهلٍ وأبا الأعورِ السُّلَمي قدِمُوا عليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الموادعةِ التي كانتْ بـينه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبـينهم، وقامَ معهم عبدُ اللَّهِ بن أبـيَ ومعتب بن قُشير والجدُّ بنُ قيسٍ فقالُوا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أرفضْ ذكرَ آلهتِنا، وقل: إنَّها تشفعُ وتنفعُ وندعك وربَّك فشقَّ ذلك على النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنين وهمُّوا بقتلِهم فنزلتْ) أي اتقِ الله في نقضِ العهدِ ونبذِ الموادعةِ ولا تساعدِ الكافرينَ من أهلِ مكةَ والمنافقينَ من أهلِ المدينةِ فيما طلبُوا إليكَ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} مُبالغاً في العلمِ والحكمةِ فيعلم جميعَ الأشياءِ من المصالحِ والمفاسدِ فلا يأمرُك إلا بما فيه مصلحةٌ ولا ينهاك إلا عمَّا فيه مفسدةٌ ولا يحكم إلا بما تقتضيهِ الحكمةُ البالغةُ فالجملةُ تعليلٌ للأمرِ والنَّهي مؤكدٌ لوجوبِ الامتثالِ بهما {وَٱتَّبِعْ} أي في كلِّ ما تأتِي وتذر من أمورِ الدِّينِ {مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ} من الآياتِ التي من جُملتها هذه الآيةُ الآمرةُ بتقوى الله الناهيةُ عن مساعدةِ الكَفَرةِ والمنافقينَ. والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبـيةِ لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمرِ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} قيل: الخطابُ للرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والجمعُ للتَّعظيمِ وقيل: له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وللمؤمنينَ وقيلَ: للغائبـينَ بطريقِ الالتفاتِ ولا يخفى بعدُه نعم يجوزُ أنْ يكونَ للكلِّ على ضربٍ من التَّغليبِ، وأياً ما كانَ فالجملةُ تعليلٌ للأمرِ وتأكيدٌ لموجبه، أمَّا على الوجهينِ الأولينِ فبطريقِ الترغيبِ والتَّرهيبِ كأنَّه قيل: إنَّ الله خبـيرٌ بما تعملونَه من الامتثالِ وتركه فيرتب على كلَ منهما جزاءَه ثواباً وعقاباً وأمَّا على الوجهِ الأخيرِ فبطريقِ الترغيب فقط كأنَّه قيل: إنَّ الله خبـيرٌ بما يعملُه كلا الفريقينِ فيرشدك إلى ما فيهِ صلاحُ حالِك وانتظامُ أمرِك ويُطلعك على ما يعملونَه من المكايدِ والمفاسدِ ويأمُرك بما ينبغِي لك أنْ تعملَه في دفعِها وردِّها فلا بُدَّ من اتباعِ الوحيِ والعملِ بمقتضاه حتماً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} [الآية: 1]. قال ابن عطاء فى قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} يا أيها المخبر عن خبر صدق والعارف فى معرفة الحقيقة اتق الله أن يكون لك التفات إلى شىء سواى. وقال بعضهم: التقوى أن يتقى العبد رؤية التقوى فلا يرى العصمة إلاَّ من الله جل ذكره. وقال ذو النون رحمة الله عليه: التقوى مقسوم على الخطرة الفكرة والهمة والنية والعزم والقصد والحركة والعمل. وقال أبو عبد الله الروذبارى: التقوى مجانبة كل ما يبعدك عن الله. وقال أحمد بن حضرويه: أصل التقوى محاسبة النفس وأصل محاسبة النفس الخوف والرجاء. وقال الواسطى رحمة الله عليه: التقوى على الحقيقة هو تقوى القلب لأن النبى صلى الله عليه وسلم [قال]: "حديث : ألا إن التقوى ها هنا وأشار إلى القلب ". تفسير : سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازى يقول: سمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول: سمعت عبد الله بن السرى يقول: اتقوا الله عباد الله وأطيعوه فإنكم لا تعرفون الآية ولم تُكْرموا الإله. سمعت أبا العباس البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون رحمة الله عليه يقول: إن لله خالصة من خلقه وصفوة من عباده يعافون عنا إعظامًا لجلال الله وهيبة له أولئك هم المتقون. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: المتقى من اتقى رؤية تقواه سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: للتقوى ظاهر وباطن وظاهره محافظة الحدود وباطنه النية والإخلاص. سمعت أبا الحسين يقول: سمعت الجريرى يقول: من لم يحكم فيما بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة لا يصل الى الكشف والمشاهدة.
القشيري
تفسير : يا أيها المُشَرَّفُ حالاً، المُفَخَّمُ قَدْراً مِنَّا، المُعَلَّى رُتْبَةً من قِبَلِنا.. يا أيها المُرَقَّى إلى أعلى الرُّتَبِ بأسنى القُرَبِ.. يا أيها المُخَبِّرُ عنا، المأمونُ على أسرارنا، المُبَلِّغُ خطابَنا إلى أحبابنا.. اتقِ الله أن تلاحِظَ غَيراً معنا، أو تساكِنَ شيئاً من دوننا، أو تُثْبِتَ أحداً سوانا، أو تَتَوَهَّمَ شظيةً مِنَ الحدثان من سوانا. {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} [الأحزاب: 1] إشفاقاً منك عليهم، وطمعاً في إيمانهم بنا لو وافَقَتْهم في شيء أرادوه منك. والتقوى رقيبٌ على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم، وسَكَناتِهم، وحَرَكاتهم أن ينظروا إلى غيره - أو يُثْبِتوا معه غيره - إلا منصوباً لقدرته، مصرَّفاً بمشيئته، نافذاً فيه حُكْمُ قضيته. التقوى لجامٌ يكبحك عمَّا لا يجوز، زمامٌ يقودك إلى ما تحب، سوطٌ يسوقك إلى ما أُمِرْتَ به، شاخصٌ يحملك على القيام بحقِّ الله حِرْزٌ يعصمك مَنْ توَصل أعدائك إليك، عُوذَةٌ تشفيك من داء الخطأ. التقوى وسيلةٌ إلى ساحات كَرمه، ذريعةٌ تتوسل بها إلى عقوبة جوده.
البقلي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} كان عليه الصلاة والسّلام الطف خلق الله من الانبياء والمرسلين والملائكة والمقربين واعرفهم به ومن كمال معرفته طار بجناح الربوبية فى الربوبية وشاهد مشاهد الالوهية ففى كل شهود الله عنها لذة وحلاوة كادت ان توقفه عن طيرانه من جلال لذتها فخرق الله من نفسه ان يحتجب به عنه فينقطع عن سفر الازل الى الاباد قال ابن عطا اى ايها المخبر عنى خر صدق والعارف فى معرفته حقيقة اتق الله فى ان يكون لك التفات الى شئ سواه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها النبى} من النبأ وهو خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبه ظن وسمى نبيا لانه منبئ اى مخبر عن الله بما تسكن اليه العقول الزكية او من النبوة اى الرفعة لرفعة محل النبى عن سائر الناس المدلول عليه بقوله {أية : ورفعناه مكانا عليا} تفسير : ناداه تعالى بالنبى لا باسمه اى لم يقل يا محمد كما قال يا آدم ويا نوح ويا موسى ويا عيسى ويا زكريا ويا يحيى تشريفا فهو من الالقاب المشرفة الدالة على علو جنابه عليه السلام. وله اسماء والقاب غير هذا وكثرة الاسماء والالقاب تدل على شرف المسمى واما تصريحه باسمه فى قوله {أية : محمد رسول الله} تفسير : فلتعليم الناس انه رسول الله وليعتقدوه كذلك ويجعلوه من عقائدهم الحقة [در اسباب نزول مذكوراست كه ابو سفيان وعكرمة وابو الاعور بعد ازواقعه احد ازمكه بمدينه آمده در مركز نفاق يعنى وثاق ابن ابى نزول كردند وروزى ديكر ازرسول خدا درخواستند تاايشانرا امان دهد وباوى سخن كويند رسول خدا ايشانرا امان داد باجمعى ازمنافقان برخاستند بحضرت مصطفى عليه السلام آمدند وكفتند "ارفض ذكر آلهتنا وقل انها تشفع يوم القيامة وتنفع لمن عبدها ونحن ندعك وربك" اين سخن بدان حضرت شاق آمد روى مبارك درهم كشيد عبد الله ابن ابىّ ومقت بن قشير وجد بن قيس از منافقان كفتند يا رسول الله سخن اشراف عرب را باور كن كه صلاح كلى درضمن آنست فاروق رضى الله عنه حميت اسلام وصلابت دين دريافته قصد قتل كفره فرمود حضرت عليه السلام كفت اى عمر من ايشانرا بجان امان داده ام تونقض عهد مكن] فاخرجهم عمر رضى الله عنه من المسجد بل من المدينة وقال اخرجوا فى لعنة الله وغضبه فنزلت هذه الآية {اتق الله} فى نقض العهد ونبذ الامان واثبت على التقوى وزد منها فانه ليس لدرجات التقوى نهاية وانما حملت على الدوام لان المشتغل بالشئ لا يؤمر به فلا يقال للجالس مثلا اجلس امره الله بالتقوى تعظيما لشأن التقوى فان تعظيم المنادى ذريعة الى تعظيم شان المنادى له. قال فى كشف الاسرار يأتى فى القرآن الامر بالتقوى كثيرا لتعظيم ما بعده من امر او نهى كقول {أية : اتقوا الله وآمنوا برسوله} تفسير : وقول لوط {اتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى}. قال فى الكبير لا يجوز حمله على غفلة النبى عليه السلام لان قوله النبى ينافى الغفلة لان النبى خبير فلا يكون غافلا. قال ابن عطاء ايها المخبر عنى خبر صدق والعارف بى معرفة حقيقية اتق الله فى ان يكون لك الالتفات الى شئ سواى. واعلم ان التقوى فى اللغة بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية وعند اهل الحقيقة هو الاحتراز بطاعة الله من عقوبته وصيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل او ترك. قال بعض الكبار المتقى اما ان يتقى بنفسه عن الحق تعالى واما بالحق عن نفسه والاول هو الاتقاء باسناد النقائص الى نفسه عن اسنادها الى الحق سبحانه فيجعل نفسه وقاية له تعالى والثانى هو الاتقاء باسناد الكمالات الى الحق سبحانه فيجعل الحق وقاية لنفسه والعدم نقصان فهو مضاف الى العبد والوجود كمال فهو مضاف الى الله تعالى. وفى كشف الاسرار [آشنا باتقوى كسانند كه بيناه طاعت شوند ازهرجه معصيتست واز حرام بيرهيزند خادمان تقوى ايشانندكه ببناه احتياط شوند واز هرجه شهتست ببرهيزند عاشقان تقوى ايشانندكه از حسنات وطاعات خويش از روى ناديدن جنان برهيز كنند كه ديكران از معاصى] شعر : ما سواى حق مثال كلخنست تقوى ازوى جون حمام روشنست هركه در حمام شد سيماى او هست بيدا بررخ زيباى او تفسير : {ولا تطع الكافرين} اى المجاهرين بالكفر {والمنافقين} اى المضمرين له اى دم على ما انت عليه من انتفاء الطاعة لهم فيما يخالف شريعتك ويعود بوهن فى الدين وذلك ان رسول الله لم يكن مطيعالهم حتى ينهى عن اطاعتهم لكنه اكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه والاطاعة الانقياد وهو لا يتصور الابعد الامر. فالفرق بين الطاعة والعبادة ان الطاعة فعل يعمل بالامر لا غير بخلاف العبادة {ان الله كان} على الاستمرار والدوام لا فى جانب الماضى فقط {عليما} بالمصالح والمفاسد فلا يأمرك الا بما فيه مصلحة ولا ينهاك الاعما فيه مفسدة {حكيما} لا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة البالغة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبي} أي: المُشرِّف؛ حالاً، المفخم؛ قدراً، العلي؛ رتبة؛ لأن النبوة مشتقة من النَّبْوَةَ، وهو الارتفاع. أو: يا أيها المخبرُ عنا، المأمون على وحينا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: "يا آدم، يا موسى"؛ تشريفاً وتنويهاً بفضله، وتصريحُه باسمه في قوله: {أية : مُّحَمَدٌ رَّسُولُ اللهِ}تفسير : [الفتح: 29]، ونحوه، ليعلم الناس بأنه رسول الله. {اتقِ الله} أي: اثبت على تقوى الله، {ولا تُطع الكافرين والمنافقين}؛ لا تساعدهم على شيء، واحترس منهم؛ فإنهم أعداء لله وللمؤمنين. رُوي أن أبا سُفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السُّلمي، نزلوا المدينة على ابن أُبيّ، رأس المنافقين، بعد أُحد، وقد أعطاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن أبي سَرْح، وطُعْمَة بن أُبيْرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا؛ اللات، والعزى، ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لِمن عَبَدَها، وندعك وَرَبَّك. فشقّ على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: ائذن لنا، يا رسول الله، في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني قد أعطيتهم الأمان"تفسير : . فقال عمر: اخرُجوا في لعنة الله وغضبه، فخرجوا من المدينة، فنزلت. أي: اتق الله في نقض العهد، ولا تُطع الكافرين من أهل مكة، كأَبي سفيان وأصحابه، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا، {إن الله كان عليماً} بخبث أعمالهم، {حكيماً} بتأخير الأمر بقتالهم. {واتبع ما يوحى إليك من ربك} في الثبات على التقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين. أو: كل ما يوحى إليك من ربك، {إن الله كان بما تعملون خبيراً} أي: لم يزل عالماً بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع؛ لأن المراد بقوله: "اتبع": هو وأصحابه، وقرأ بالغيب، أبو عمرو، أي: بما يعمل الكافرون والمنافقون، من كيدهم لكم ومكرهم. {وتوكل على الله}؛ أَسْنِدْ أمرك إليه، وكِلْهُ إلى تدبيره. {وكفى بالله وكيلاً}؛ حافظاً موكولاً إليه كل أمر. وقال الزجاج: لفظه، وإن كان لفظ الخبر، فالمعنى: اكتفِ بالله وكيلاً. الإشارة: أُمر بتقوى الله، وبالغيبة عما يشغل عن الله، وبالتوكل على الله، فالتقوى أساس الطريق، والغيبة عن الشاغل: سبب الوصول إلى عين التحقيق، والتوكل زاد رفيق. قال القشيري بعد كلام: يا أيها المُرقَّى إلى أعلى المراتب، المُتَلقَّى بأسنى القُرَب والمناقب؛ اتقِ الله أن تلاحظ غَيْراً معنا، أو تُساكِن شيئاً دوننا، أو تُثبت شيئاً سوانا، {ولا تطع الكافرين}؛ إشفاقاً منك عليهم، وطمعاً في إيمانهم، بموافقتهم في شيء مما أرادوه منك. والتقوى رقيب على الأولياء، تمنعهم، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم، أن ينظروا إلى غيره، أو يُثْبِتُوا معه سواه، إلا منصوباً بقدرته، مصرَّفاً بمشيئته، نافذاً فيه حُكْمُ قضيته. التقوى لجامٌ يمنعك عمَّا لا يجوز، زمامٌ يقودك إلى ما تُحب، سوطٌ يسوقك إلى ما أمر به، حِرْزٌ يعصمك من تَوَصُّل عقابه إليك، عوذَةٌ تشفيك من داء الخطايا. التقوى وسيلةٌ إلى ساحة كرمه، ذريعةٌ يُتَوصَّلُ بها إلى عفوه وجوده. {واتبع ما يوحى إليك...}؛ لا تبتدع، واقتِد بما نأمرك، ولا تقتدِ، باختيارك، غَيْرَ ما نختار لك، ولا تُعَرِّج - أي: تقم - في أوطان الكسل، ولا تجنجْ إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بِكَ. "وتوكل" انسلخْ عن إهابك لنا، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغلك عن حُسْبَانِكَ معنا، واحذرْ ذهابَكَ عنا، ولا تُقَصِّرْ في خطابك معنا. ويقال: التوكل: تَخلُّقُ، ثم تَخلُّقٌ، ثم تَوَثُقٌ، ثم تَمَلُّقٌ، تحققٌ في العقيدة، وتخلقٌ بإقامة الشريعة، وتَوثُّقٌ بالمقسوم من القضية، وتملقٌ بين يديه بحُسْن العبودية. ويقال: التوكل: استواءُ القلب في العدم والوجود. هـ. والتقوى محلها القلب، ولا يحصل منتهاها إلأا بانفراد القلب إلى مولاه كما أبان ذلك بقوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع وأبو جعفر {اللاء} بهمزة ليس بعدها ياء، إلا أن ابا عمرو لين الهمزة. وقرأ ابن عامر واهل الكوفة بهمزة بعدها ياء، وقرأ {تظهرون} بفتح التاء مشددة الظاء بغير ألف - ابن كثير ونافع وابو عمرو - وقرأ عاصم إلا الكسائي عنه {تظاهرون} بضم التاء خفيفة الظاء والف بعدها. وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء والألف وفتح التاء. فمن قرأ {تظاهرون} بتشديد الظاء اراد تتظاهرون، فأدغم احدى التاءين في الظاء. ومن قرأ بغير الف مشدداً اراد تتظهرون، وادغم احدى التاءين في الظاء، وعاصم جعل الفعل بين اثنين. فقال {تظاهرون} بضم التاء وتخفيف الظاء مع الالف. وقرأ ابو عمرو {بما يعملون خبيراً} و {بما يعملون بصيراً} بالياء فيهما. الباقون بالتاء. وجه قراءة أبي عمرو قوله {ولا تطع الكافرين والمنافقين} بأن الله يعلم ما يفعلونه، فيجازيهم بحسبه، ووجه التاء الخطاب لهم. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع الأمة كما قال {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم} تفسير : فخصه بالخطاب، وأراد به جميع المكلفين، يأمرهم الله بتقواه، وتجنب معاصيه، وفعل طاعاته، فنهاهم عن طاعة الكافرين الذين يجحدون نعم الله ويتخذون معه إلهاً سواه، ومثل ذلك نهاه عن طاعة المنافقين ومتابعتهم لما يريدونه. وسبب نزول الآية أن أبا سفيان وجماعة من الكفار قدموا على النبي صلى الله عليه وآله المدينة، ودعوه إلى اشياء عرضوها عليه، فأراد المسلمون قتلهم. فأنزل الله سبحانه {يا أيها النبي اتق الله} في نقض العهد، وقتل هؤلاء الكفار {ولا تطع الكافرين} في ما يدعونك اليه ولا {المنافقين} في قتلهم ونقض العهد. والمنافق هو الذي يظهر الايمان ويبطن الكفر، والكافر هو الذي يظهر الكفر ويبطنه. ثم قال {إن الله كان عليماً حكيماً} في ما يوحيه اليك من أمرهم ويامرك بالطاعة وترك المعصية في متابعتهم في ما يريدونه ولما نهاهم عن متابعة الكفار والمنافقين قال {واتبع ما يوحى إليك من ربك} امره ان يتبع الذي يوحي الله اليه من أمره ونهيه، فعلى موجب هذه الآية لا يجوز لأحد أن يطيع الكفار والمنافقين، وإن دعوهم إلى الحق، ولكن يفعل الحق، لأنه حق لا لأجل دعائهم اليه {إن الله كان بما تعملون خبيراً} تهديداً لهم، لأن المراد أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسبها إن كان سوءاً عاقبكم، وإن كان طاعة أثابكم عليها. ومن قرأ - بالياء - أراد الاخبار عن الكفار والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله. ومن قرأ - بالتاء - خاطب الجميع. ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين فقال {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} أمرهم ان يتوكلوا على الله ويفوضوا أمورهم اليه، فان الله تعالى كاف في ما يوكل اليه. و (الوكيل) القائم بالتدبير لغيره بدعاء من له ذلك اليه، فالحكمة تدعو إلى أن الله تعالى القائم بتدبير عباده، فهو وكيل عليهم من أوكد الوجوه. ثم قال تعالى {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} قال ابن عباس: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فاكذبهم الله. وقال مجاهد وقتادة، وهو في رواية عن ابن عباس: أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وهو أبو معمر جميل بن اسد، فنزلت هذه الآية فيه. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذه الآية. وقال الزهري: هو مثل في ان هذا ممتنع كامتناع أن يكون ابن غيرك ابنك. وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه يحب بهذا قوماً ويحب بهذا اعداءهم. ولا يمكن أن يكون لانسان واحد قلبان في جوفه، لأنه كان يمكن أن يوصل إنسانان فيجعلان إنساناً واحداً، وقد يمكن أن يوصلا بما لا يخرجهما عن أن يكونا انسانين، وليس ذلك إلا من جهة القلب الواحد أن القلبين، لانه إذا جعل لهما قلبان يريد أحدهما بقلبه ما لا يريده الآخر ويشتهي ما لا يشتهي الآخر، ويعلم ما لا يعلم الآخر فهما حيان لا محالة، وليسا حياً واحداً. وقال الرماني: لا يجوز أن توجد الارادة والمعرفة في جزئين من القلب او أجزاء وانما يصح أن توجد في جزء واحد، قال: لان ما يوجد في جزئين بمنزلة ما يوجد في قلبين، وقد بطل أن يكون لانسان واحد قلبان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يوجد معنيان مختلفان في جزئين من القلب، لانهما وإن وجدا في جزئين فالحالان الصادران عنهما يرجعان إلى الجملة وهي جملة واحدة وليسا يوجبان الصفة للمحل الواحد فيتنافى، فعلى هذا لا يجوز أن يوجد في جزئين من القلب معنيان ضدان، لاستحالة اجتماع معناهما في الحي الواحد، ويجوز أن يوجد معنيان مختلفان او مثلان في جزئين من القلب ويوجبان الصفتين للحي الواحد، وعلى هذا القياس ليس يمتنع ان يوجد قلبان في جوف واحد إذا كان ما يوجد فيهما يرجع إلى حي واحد، وانما المتنافي أن يرجع ما يوجد منهما إلى حيين، وذلك محال. وقوله {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} أي ليس نساؤكم وأزواجكم إذا قلتم لهن أنتن علي كظهر أمي يصرن أمهاتكم على الحقيقة لان أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم وأرضعنكم. وقال قتادة: إذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر، وعليه الكفارة. وعندنا إن الظهار لا يقع إلا ان تكون المرأة طاهراً، ولم يقربها في ذلك الطهر بجماع، ويحضر شاهدان رجلان مسلمان، ثم يقول لها أنت علي كظهر أمي، ويقصد التحريم. فاذا قال ذلك حرم عليها وحرمت عليه أن يطأها حتى يكفر. وإن اختل شيء من شرائطه، فلا يقع ظهار أصلاً. وقوله {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} قال قتادة ومجاهد وابن زيد: نزلت في زيد بن حارثة، فانه كان يدعى ابن رسول الله، والادعياء جمع دعي، وهو الذي تبناه الانسان. وبين الله تعالى أن ذلك ليس بابن على الحقيقة، ولذلك قال في آية أخرى {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}تفسير : وقوله {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني أن قولكم في الدعي أنه ابن الرجل قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله. ثم قال {والله يقول الحق} في ما يبينه {وهو يهدي السبيل} يعني طريق الحق الذي يفضي بكم إلى الثواب. ثم أمر المكلفين بأن يدعوا الادعياء {لآبائهم} الذين ولدوهم وينسبونهم اليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم {أقسط} أي، فان ذلك اعدل عند الله، واقسط بمعنى أعدل {فإن لم تعلموا آباءهم} ولا تعرفوهم باعيانهم فهم {إخوانكم في الدين} أي في الملة فادعوهم بذلك {ومواليكم} أي بنو عمكم او لكم ولاءهم إذا كنتم اعتقمتموهم من رق. ثم قال {وليس عليكم جناح} اي حرج {في ما أخطأتم به} فنسبتموه إلى من انتمي اليه وإن الله لا يؤاخذكم به {ولكن ما تعمدت قلوبكم} فقصدتموه من ذلك واردتموه هو الذي تؤاخذون به، وموضع (ما) جر، تقديره ولكن في ما تعمدت قلوبكم {وكان الله غفوراً رحيماً} يغفر لكم ما لم تتعمدوا من ذلك، ويستره عليكم ويرحمكم بترك مؤاخذتكم به.
الجنابذي
تفسير : {يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} نداء له (ص) بايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او نداء له والحكم له (ص) وعلى اىّ تقديرٍ فهو تلطّف به وتعظيم لشأنه {ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} قيل: نزلت فى ابى سفيان وعكرمة بن ابى - جهلٍ وابى الاعور السّلمى قدموا المدينة ونزلوا على عبدالله بن اُبىّ بعد غزوة احدٍ بامانٍ من رسول الله (ص) ليكلّموه فقاموا وقام معهم عبدالله بن ابىّ وعبدالله بن سعد بن ابى سرحٍ وطعمة بن ابى رقّ فدخلوا على رسول الله فقالوا: يا محمّد (ص) ارفض ذكر آلهتنا الّلات والعزّى والمناة وقل: انّ لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربّك فشقّ ذلك على النّبىّ (ص) فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يا رسول الله (ص) فى قتلهم فقال: حديث : انّى اعطيتهم الامان تفسير : وامر رسول فأخرجوا من المدينة ونزلت الآية ولا تطع الكافرين من اهل مكّة والمنافقين من اهل مدينة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لا ينبغى النّهى عن اجابتهم فانّ فى اجابتهم مصالح عديدةً من استمالتهم وخمود نائرة الحرب وسلامة المسلمين وقوّتهم وشوكتهم بذلك ومخالطة المشركين معهم واستماع آيات الله منهم وغير ذلك فقال انّ الله كان عليماً بالمصالح المترتّبة على ما ينهى عنه دونكم {حَكِيماً} دقيقاً لطيفاً فى علمه وصنعه.
الأعقم
تفسير : {يا أيها النبي اتق الله} الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل قدما المدينة بأمان ونزلوا على عبد الله بن أبي ودخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسألوه أن يرفض ذكر آلهتهم، وأن يقول أن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك عليه وقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، وقيل: نزلت في وفد من ثقيف طلبوا أن يمتعهم باللات والعزى، قوله: {اتق الله} خطاب له (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد المكلفين، وقوله: اتق الله معناه داوم على التقوى {ولا تطع الكافرين والمنافقين} لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم رأياً ولا مشورة فإنهم أعداء الله وأعداء الدين والمؤمنين {إن الله كان عليماً حكيماً} بالصواب من الخطأ والمصلحة من المفسدة، وقوله: {حكيماً} لا يفعل شيئاً ولا يأمر به إلاَّ بداعي الحكمة {واتبع ما يوحى إليك} في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك، يعني ما يوحى اليك من القرآن والشرائع واعمل به {إن الله كان بما تعملون خبيراً} فيجازي كل أحد بعمله {وتوكل على الله} وأسند أمرك إليه {وكفى بالله وكيلاً} حافظاً موكولاً إليه كل أمر.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلّ: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ} أي: في الشرك بالله {وَالمُنَافِقِينَ} أي: ولا تطع المنافقين حتى تكون وليجة في الدين. والوليجة أن يدخل في دين الله ما يقارب به المنافقين. قال: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}. قوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} يعني العامّة. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} أي: وكفى به مُتَوَكِّلاً عليه. وقال في آية أخرى: (أية : وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) تفسير : [آل عمران: 173] أي: ونعم المتوكَّل عليه.
اطفيش
تفسير : {يا أيها النبي} ناداه بالنبي تعظيما وتشريفا له وجمع بين اسمه ورسول في حق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلاما بان ذلك المسمى محمدا هو رسول وتلقينا بأن يسموه رسول الله. {اتق الله} اي دم على التقوى فلا تطع الكافرين والمنافقين أو زد منها لا آخر لها واستعمال الفعل في الدوام عليه أو الزيادة منه مجاز، كما ان استعماله في الارادة او المشارفة مجاز وبذلك ينتفي تحصيل الحاصل. {ولا تطع الكافرين والمنافقين} في معصية ولا في مباح يرون أن طاعتك لهم في ذل منك وهون من الاسلام ولا غرض لهم الا مضارة المؤمنين فجانبهم. وكان صلى الله عليه وسلم يحب إسلام قريظة والنظير وبنى قينقاع وكلهم يهود، وقد بايعه ناس منهم وفي قلوبهم نفاق، فكان صلى الله عليه وسلم يلين جانبه لهم ويكرم صغيرهم وكبيرهم وكان يسمع منهم القبيح فيتجاوز فنزلت الآية. ورويحديث : ان أبا سفيان بن حرب لعنه الله وعكرمة بن أبي جهل وابن الأعور عمرو بن سفيان السلمي قدموا المدينة بعد اخذ في العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على عبدالله ابن ابي وقام عبدالله معهم ومعتب بن قشير والجد بن قيس وعبدالله بن سعد بن ابي السرح وطمعة بن ابيرق وجاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: ارفض ذكر الهتنا اللات والعزى ومناة وغيرها وقل انها تنفع وتشفع لعابدها وندعك والهك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فقال عمر رضي الله عنه حين قولهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ائذن لى في قتلهم. فقال: "اني اعطيتهم الامان". وقال عمر: اخرجوا في لعنة الله سبحانه وغضبه فأمره صلى الله عليه وسلم ان يخرجهم من المدينةتفسير : . فنزل: {يا أيها النبي اتق الله} في نقض العهد. {ولا تطع الكافرين} من اهل مكة. {والمنافقين} من أهل المدينة فيما طلبوك اليه. وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة ان يرجع عن دينه ويعطوه شطر اموالهم، وان يزوجه شيبة بن ربيعة ابنته، وخوفه منافقوا أهل المدينة حين كان في انهم يقتلونه ان لم يرجع فنزلت الآية المدنية حين كان في المدينة وقيل لفظ الخطاب له والمعنية به امته. {إن الله كان عليما} بالأشياء كلها قبل وجودها وبالمصالح والمفاسد والصواب والخطا. {حكيما} لا يفعل شيئا ولا يأمر به ولا ينهي عنه إلا لحكمة.
اطفيش
تفسير : {يا أيها النبَّي} تارة يناديه بالنبوة او الرسالة زيادة لتحقيقها وتفخيما له صلى الله عليه وسلم، وتارة يذكر اسمه محمدا وأحمد مع ذكر الرسالة، او الانزال ليه، فيعلم انه المراد بالنبوة والرسالة حيث لم يذكر معهما قيل: شعر : صلوا على المختار فهو شفيعكم فى يوم يبعث كل طفل أشيبا تفسير : وقيل: شعر : يا امة المصطفى يا أشرف الامم هذا نبيكم المخصوص بالكرم تفسير : وقيل: شعر : يا مؤمنين بخير الخلق كلهم صلوا على المصطفى يا سادة الامم تفسير : {اتَّق الله} بترك المعاصى، ومتابعة قومك، اى دم على ذلك، وهو تأكيد له ولمن معه، او بترك نقض العهد بينك وبين قومك {ولا تطع الكافرين} المشركين {والمنافقين} الذين وجدوا بألسنتهم، وأضمروا الشرك، فان النفاق يطلق على ذلك، ويطلق على فعل الموحد من قلبه ولسانه الكبيرة، وكلاهما واقع فى زمانه صلى الله عليه وسلم. روى ان الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب: عكرمة بن أبى جهل، وأبا الاعور عمرو بن سفيان السلمى، قدموا المدينة بعد احد، وقد اعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم الامان على ان يكلموه، ونزلوا على ابن ابى رأس المنافقين، وقام معهم عبدالله بن سعد بن ابى سرح، وطعمة بن أبيرق وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اترك ما تدعونا اليه نعطك شطر أموالنا، قال شيبة: وازوجك بنتى، وخوفه اليهود والمنافقين فى المدينة انه ان لم يرجع قتلوه، فنزلت الآية. وروى ان أبا سفيان، وعكرمة بن أبى جهل، وأبا الاعور، واسمه عمرو بن ابى سفيان السلمى، قدموا اليه فى زمان المعاهدة، وقام معهم من اهل المدينة عبدالله بن ابى، ومتعب بن قشير، والجد بن قيس، فقالوا: لا تذكر آلهتنا بسوء، وقل: انها تشفع وتنفع وتشفى، وندعك وربك، وشق ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حتى هموا بقتلهم، فنزلت الآية، نهيا لهم عن قتلهم. وقال عمر: دعنى يا رسول الله اقتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم وعلى آله: "حديث : قد أعطيتهم الأمان" تفسير : وقال عمر: اخرجوا فى لعنة الله وغضبه، وامره ان يخرجهم من المدينة، وقيل: نزلت فى وفد ثقيف اذ طلبوا منه ان يسلموا على ان يمتعهم باللات والعزى سنة، قالوا: لتعلم قريش فضلنا، وقدم الامر بالتقوى لان المؤمنين هموا بالقتل لا بالطاعة، واكد ذلك تأكيدا جمليا بقوله: {إنَّ الله كان عليما حكيما} عظيم العلم والحكمة، وكثيرهما فلا يأمرك او ينهاك الا على الوجه الحق.
الالوسي
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبـيُّ اتَّق الله} ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة / والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في «الكشاف»: إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله، وأوقع اسمه في الإخبار في قوله تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ }تفسير : [الفتح: 29] {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } تفسير : [آل عمران: 144] لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبّ } تفسير : [الفرقان: 30] {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] إلى غير ذلك. وتعقبه في «الكشف» بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ }تفسير : [الفتح: 29] ظاهر أما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ }تفسير : [آل عمران: 144] فلا، على أن قوله تعالى: {أية : وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}تفسير : [محمد: 2] ينقض ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحو منه، وحكى في القرآن باسمائهم دفعاً للإلباس، والأشبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم باسمه دل على أنه أعظم شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وفيه نظر. واختار الطيبـي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }تفسير : [التوبة: 43] وظاهر سياق ما بعد أن المعني بالأمر بالتقوى هو النبـي صلى الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها، وقيل: الازدياد منها فإن لها باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا ينال مداه. {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي المجاهرين بالكفر {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا النبـي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت، وذكر الثعلبـي والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان ابن حرب وعكرمة بن أبـي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبـي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل: إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت، وقيل: نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل: من قبيل التأكيد، وقيل: متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روى الواحدي، والثعلبـي، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك: إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهي عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلاً فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } مبالغاً في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه / مصلحة ولا ينهاك إلا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها. وقيل: المعنى إن الله كان عليماً بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيماً في هدي من شاء وإضلال من شاء فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم، وليس بشيء.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة تتناول قطاعاً حقيقياً من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويراً واقعياً مباشراً. وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ. والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبياً؛ ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزاً محدوداً، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير. أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره. ذلك كافتتاح السورة: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً. واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..}.. وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً، ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذاباً أليماً}.. والتعقيب على موقف المرجفين "يوم الأحزاب" التي سميت السورة باسمها. {أية : قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذن لا تمتعون إلا قليلاً. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة؟ ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. تفسير : ومثل قوله في صدد أحد التنظيمات الاجتماعية الجديدة، المخالفة لمألوف النفوس في الجاهلية: {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}.. تفسير : وأخيراً ذلك الإيقاع الهائل العميق: {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً }.. تفسير : ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة؛ ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة. كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وللنظام الإسلامي. والسورة تتولى جانباً من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة؛ وبيان أصولها من العقيدة والتشريع؛ كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها؛ وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد. وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف. كما تعرض دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم. ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بمواقف الكافرين والمنافقين واليهود؛ وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة. سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة؛ أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية.. ثم ما نشأ من الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية والتصورات الشعورية؛ وإقامتها على أساس ثابت يناسب تلك الآثار التي خلفتها الغزوات والغنائم في واقع الجماعة المسلمة. ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتساوق موضوعاتها المنوعة. وهذا وذلك إلى جانب وحدة الزمن التي تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة. تبدأ السورة ذلك البدء بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تقوى الله وعدم الطاعة للكافرين والمنافقين، واتباع ما يوحي إليه ربه، والتوكل عليه وحده. وهو البدء الذي يربط سائر ما ورد في السورة من تنظيمات وأحداث بالأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع هذا الدين وتوجيهاته. ونظمه وأوضاعه، وآدابه وأخلاقه.. أصل استشعار القلب لجلال الله، والاستسلام المطلق لإرادته؛ واتباع المنهج الذي اختاره، والتوكل عليه وحده والاطمئنان إلى حمايته ونصرته. وبعد ذلك يلقي بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية. مبتدئاً بإيقاع حاسم يقرر حقيقة واقعة: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.. يرمز بها إلى أن الإنسان لا يملك أن يتجه إلى أكثر من أفق واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهج واحد، وإلا نافق، واضطربت خطاه. وما دام لا يملك إلا قلباً واحداً، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجاً واحداً؛ وأن يدع ما عداه من مألوفات وتقاليد وأوضاع وعادات. ومن ثم يأخذ في إبطال عادة الظهار ـ وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}. ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشئ حقيقة وراءه، بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أماً بهذا الكلام.. ويثني بإبطال عادة التبني وآثاره: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} فلا يعودون بعد اليوم يتوارثون، ولا تترتب على هذا التبني آثاره الأخرى (التي سنفصل الحديث عنها فيما بعد). ويستبقي بعد ذلك أو ينشئ الولاية العامة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المؤمنين جميعاً، ويقدم هذه الولاية على ولايتهم لأنفسهم؛ كما ينشىء صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع المؤمنين: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}.. ثم يبطل آثار المؤاخاة التي تمت في أول الهجرة؛ ويرد الأمر إلى القرابة الطبيعية في الإرث والدية وما إليها: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين}. وبذلك يعيد تنظيم الجماعة الإسلامية على الأسس الطبيعية ويبطل ما عداها من التنظيمات الوقتية. ويعقب على هذا التنظيم الجديد، الذي يستمد من منهج الإسلام وحكم الله؛ بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم، وإلى الميثاق المأخوذ على النبيين، وعلى أولي العزم منهم بصفة خاصة. على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات، والمبادئ، والتوجيهات، لتقر في الضمائر والأخلاد. وهذا هو إجمال الشوط الأول في السورة. ويتناول الشوط الثاني بيان نعمة الله على المؤمنين، إذ رد عنهم كيد الأحزاب والمهاجمين. ثم يأخذ في تصوير وقعتي الأحزاب وبني قريظة تصويراً حياً، في مشاهد متعاقبة، ترسم المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة، والحوار بين الجماعات والأفراد. وفي خلال رسم المعركة وتطوراتها تجيء التوجيهات في موضعها المناسب؛ وتجيء التعقيبات على الأحداث مقررة للمنهج القرآني في إنشاء القيم الثابتة التي يقررها للحياة، من خلال ما وقع فعلاً، وما جاش في الأخلاد والضمائر. وطريقة القرآن الدائمة في مثل هذه الوقائع التي يتخذ منها وسيلة لبناء النفوس، وتقرير القيم، ووضع الموازين وإنشاء التصورات التي يريد لها أن تسود.. طريقة القرآن في مثل هذه الوقائع أن يرسم الحركة التي وقعت، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة، ويسلط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها. ثم يقول للمؤمنين حكمه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف، وتنمية الصواب والاستقامة. وربط هذا كله بقدر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود. وهكذا نجد وصف المعركة يبدأ بقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً}.. تفسير : ويتوسطها قوله. {أية : قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة. ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. تفسير : وبقوله: {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}.. تفسير : ويختمها بقوله: {أية : ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً }.. تفسير : وهذا إلى جانب عرض تصورات المؤمنين الصادقين للموقف، وتصورات المنافقين والذين في قلوبهم مرض عرضاً يكشف عن القيم الصحيحة والزائفة من خلال تلك التصورات: {أية : وإذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}.. {أية : ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.. تفسير : ثم تجيء العاقبة بالقول الفصل والخبر اليقين: {أية : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً }.. تفسير : بعد ذلك يجيء قرار تخيير أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اللواتي طالبنه بالتوسعة في النفقة عليهن بعدما وسع الله عليه وعلى المسلمين من فيء بني قريظة العظيم وما قبله من الغنائم. تخييرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورضين هذا المقام الكريم عند الله ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وآثرنه على متاع الحياة. ومن ثم جاءهن البيان عن جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وفي العذاب إن ارتكبن فاحشة مبينة. وعلل هذه المضاعفة بمقامهن الكريم وصلتهن برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونزول القرآن في بيوتهن وتلاوته، والحكمة التي يسمعنها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستطرد في بيان جزاء المؤمنين كافة والمؤمنات. وكان هذا هو الشوط الثالث. فأما الشوط الرابع فتناول إشارة غير صريحة إلى موضوع تزويج زينب بنت جحش القرشية الهاشمية بنت عمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زيد بن حارثة مولاه. وما نزل في شأنه أولاً من رد أمر المؤمنين والمؤمنات كافة إلى الله، ليس لهم منه شيء، وليس لهم في أنفسهم خيرة. إنما هي إرادة الله وقدره الذي يسير كل شيء، ويستسلم له المؤمن الاستسلام الكامل الصريح: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً}.. ثم يعقب حادث الزواج حادث الطلاق؛ وما وراءه من إبطال آثار التبني، الذي سبق الكلام عليه في أول السورة. إبطاله بسابقة عملية؛ يختار لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشخصه، لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية، وصعوبة الخروج عليها. فيقع الابتلاء على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحملها فيما يحمل من أعباء الدعوة وتقرير أصولها في واقع المجتمع، بعد تقريرها في أعماق الضمير: {أية : فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً }.. تفسير : وبهذه المناسبة يوضح حقيقة العلاقة بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين كافة: {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين }.. تفسير : ويختم هذا الشوط بتوجيهات للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من المؤمنين.. {أية : ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً }.. تفسير : ويبدأ الشوط الخامس ببيان حكم المطلقات قبل الدخول. ثم يتناول تنظيم الحياة الزوجية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيبين من يحل له من النساء المؤمنات ومن يحرمن عليه. ويستطرد إلى تنظيم علاقة المسلمين ببيوت النبي وزوجاته، في حياته وبعد وفاته. وتقرير احتجابهن إلا على آبائهن أو أبنائهن أو إخوانهن أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن. وإلى بيان جزاء الذين يؤذون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أزواجه وبيوته وشعوره؛ ويلعنهم في الدنيا والآخرة. مما يشي بأن المنافقين وغيرهم كانوا يأتون من هذا شيئاً كثيراً. ويعقب على هذا بأمر أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين كافة أن يدنين عليهن من جلابيبهن {أية : ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}.. تفسير : وبتهديد المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة بإغراء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم وإخراجهم من المدينة كما خرج من قبل بنو قينقاع وبنو النضير، أو القضاء عليهم كما وقع لبني قريظة أخيراً. وكل هذا يشير إلى شدة إيذاء هذه المجموعة للمجتمع الإسلامي في المدينة بوسائل شريرة خبيثة. والشوط السادس والأخير في السورة يتضمن سؤال الناس عن الساعة، والإجابة على هذا التساؤل بأن علم الساعة عند الله، والتلويح بأنها قد تكون قريباً. ويتبع هذا مشهد من مشاهد القيامة: {أية : يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا}.. تفسير : ونقمتهم على سادتهم وكبرائهم الذين أطاعوهم فأضلوهم: {أية : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً }.. تفسير : ثم تختم السورة بإيقاع هائل عميق الدلالة والتأثير: {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً. ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفوراً رحيماً }.. تفسير : وهو إيقاع يكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشرية، وعلى عاتق الجماعة المسلمة بصفة خاصة؛ وهي التي تنهض وحدها بعبء هذه الأمانة الكبرى. أمانة العقيدة والاستقامة عليها. والدعوة والصبر على تكاليفها، والشريعة والقيام على تنفيذها في أنفسهم وفي الأرض من حولهم. مما يتمشى مع موضوع السورة، وجوها؛ وطبيعة المنهج الإلهي الذي تتولى السورة تنظيم المجتمع الإسلامي على أساسه. والآن نتناول السورة بالتفصيل بعد هذا الإجمال السريع. {يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً. واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيراً. وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً}.. هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير. إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام.. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرّفهم ويصرّف الأرض، كما يصرّف الكواكب والأفلاك؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام.. ومن ثم كان التوجيه الأول في السورة التي تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين بتشريعات وأوضاع جديدة، هو التوجيه إلى تقوى الله. وكان القول موجهاً إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القائم على تلك التشريعات والتنظيمات.. {يا أيها النبي اتق الله}.. فتقوى الله والشعور برقابته واستشعار جلاله هي القاعدة الأولى، وهي الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ. وهي التي يناط بها كل تكليف في الإسلام وكل توجيه. وكان التوجيه الثاني هو النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع توجيههم أو اقتراحهم، والاستماع إلى رأيهم أو تحريضهم: {ولا تطع الكافرين والمنافقين}.. وتقديم هذا النهي على الأمر باتباع وحي الله يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين في المدينة وما حولها كان في ذلك الوقت عنيفاً، فاقتضى هذا النهي عن اتباع آرائهم وتوجيهاتهم، والخضوع لدفعهم وضغطهم. ثم يبقى ذلك النهي قائماً في كل بيئة وكل زمان، يحذر المؤمنين أن يتبعوا آراء الكافرين والمنافقين إطلاقاً، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة. ليبقى منهجهم خالصاً لله، غير مشوب بتوجيه من سواه. ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة ـ كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف ـ فإن الله هو العليم الحكيم؛ وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته: {إن الله كان عليماً حكيماً}.. وما عند البشر إلا قشور، وإلا قليل! والتوجيه الثالث المباشر: {واتبع ما يوحى إليك من ربك}. فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع. والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير: {واتبع ما يوحى إليك من ربك}. فالوحي {إليك} بهذا التخصيص. والمصدر {من ربك} بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع.. والتعقيب: {إن الله كان بما تعملون خبيراً}.. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون؛ وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير. والتوجيه الأخير: {وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً}.. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم؛ وألق بأمرك كله إلى الله، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته.. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفيء إليها القلب؛ فيعرف عندها حدوده، وينتهي إليها؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين. وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه ـ مع مخالفة الكافرين والمنافقين ـ هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد؛ وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله، وإلى الله، وعلى الله. {وكفى بالله وكيلاً}. ويختم هذه التوجيهات بإيقاع حاسم مستمد من مشاهدة حسية: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.. إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوّم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه. ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث؛ ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع.. فهذا الخليط لا يكوّن إنساناً له قلب. إنما يكون مزقاً وأشلاء ليس لها قوام! وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقاً، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيراً كان هذا الموقف أم كبيراً. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية، أو يتصور تصوراً، غير محكوم في هذا كله بعقيدته ـ إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه ـ لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد. لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله: فعلت كذا بصفتي الشخصية. وفعلت كذا بصفتي الإسلامية! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات. أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصور واحد للحياة، وميزان واحد للقيم. وتصوره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء. وبهذا القلب الواحد يعيش فرداً، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. ويعيش سراً وعلانية. ويعيش عاملاً وصاحب عمل. ويعيش حاكماً ومحكوماً. ويعيش في السراء والضراء.. فلا تتبدل موازينه، ولا تتبدل قيمه، ولا تتبدل تصوراته.. {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.. ومن ثم فهو منهج واحد، وطريق واحد، ووحي واحد، واتجاه واحد. وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين، ولا يخدم سيدين، ولا ينهج نهجين، ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئاً من هذا إلا أن يتمزق ويتفرق ويتحول إلى أشلاء وركام! وبعد هذا الإيقاع الحاسم في تعيين المنهج والطريق يأخذ في إبطال عادة الظهار وعادة التبني. ليقيم المجتمع على أساس الأسرة الواضح السليم المستقيم: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم. وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. وكان الله غفوراً رحيماً}.. كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. أي حرام محرمة كما تحرم عليّ أمي. ومن ساعتئذ يحرم عليه وطؤها؛ ثم تبقى معلقة، لا هي مطلقة فتتزوج غيره، ولا هي زوجة فتحل له. وكان في هذا من القسوة ما فيه؛ وكان طرفاً من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها، وسومها كل مشقة وعنت. فلما أخذ الإسلام يعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة؛ ويعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى؛ ويوليها من عنايته ما يليق بالمحضن الذي تنشأ فيه الأجيال.. جعل يرفع عن المرأة هذا الخسف؛ وجعل يصرف تلك العلاقات بالعدل واليسر. وكان مما شرعه هذه القاعدة: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}.. فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة، وهي أن الأم أم والزوجة زوجة؛ ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة! ومن ثم لم يعد الظهار تحريماً أبدياً كتحريم الأم كما كان في الجاهلية. وقد روي أن إبطال عادة الظهار شرع فيما نزل من "سورة المجادلة" عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجه خولة بنت ثعلبة، "حديث : فجاءت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشكو تقول؛: يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني. حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـما أراك إلا قد حرمت عليه. فأعادت ذلك مراراً. فأنزل الله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله}"تفسير : ، {والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً. وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ـ من قبل أن يتماسا ـ ذلكم توعظون به. والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا؛ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} فجعل الظهار تحريماً مؤقتاً للوطء ـ لا مؤبداً ولا طلاقاً ـ كفارته عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. وبذلك تحل الزوجة مرة أخرى، وتعود الحياة الزوجية لسابق عهدها. ويستقر الحكم الثابت المستقيم على الحقيقة الواقعة: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}.. وتسلم الأسرة من التصدع بسبب تلك العادة الجاهلية، التي كانت تمثل طرفاً من سوم المرأة الخسف والعنت، ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها، تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي. هذه مسألة الظهار. فأما مسألة التبني، ودعوة الأبناء إلى غير آبائهم، فقد كانت كذلك تنشأ من التخلخل في بناء الأسرة، وفي بناء المجتمع كله. ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع العربي، والاعتزاز بالنسب، فإنه كانت توجد إلى جانب هذا الاعتزاز ظواهر أخرى مناقضة في المجتمع، في غير البيوت المعدودة ذات النسب المشهور. كان يوجد في المجتمع أبناء لا يعرف لهن آباء! وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه. يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب. وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون. ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه، ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه، ويدخل في أسرته. وكان هذا يقع بخاصة في السبي، حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات؛ فمن شاء أن يلحق بنسبه واحداً من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وعرف به، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها. ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي. وهو من قبيلة عربية. سبي صغيراً في غارة أيام الجاهلية؛ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ـ رضي الله عنها ـ فلما تزوجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهبته له. ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاختار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأعتقه، وتبناه، وكانوا يقولون عنه: زيد بن محمد. وكان أول من آمن به من الموالي. فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه.. أبطل عادة التبني هذه؛ ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية.. علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية. وقال: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}.. {ذلكم قولكم بأفواهكم}.. والكلام لا يغير واقعاً، ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم، وعلاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي! {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}.. يقول الحق المطلق الذي لا يلابسه باطل. ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تقال بالفم. {وهو يهدي السبيل} المستقيم، المتصل بناموس الفطرة الأصيل، الذي لا يغني غناءه سبيل آخر من صنع البشر، يصنعونه بأفواههم. بكلمات لا مدلول لها من الواقع. فتغلبها كلمة الحق والفطرة التي يقولها الله ويهدي بها السبيل. {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}.. وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه. عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه ويكون امتداداً له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده. وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه؛ و يقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد؛ كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها! وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة. ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع. وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق.. وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل، ضعيف، مزور الأسس، لا يمكن أن يعيش! ونظراً للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية والفوضى الجنسية كذلك، التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد يسر الإسلام الأمر ـ وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها ـ فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكاناً للأدعياء في الجماعة الإسلامية، قائماً على الأخوة في الدين والموالاة فيه: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}.. وهي علاقة أدبية شعورية؛ لا تترتب عليها التزامات محددة، كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات ـ وهي التزامات النسب بالدم، التي كانت تلتزم كذلك بالتبني ـ وذلك كي لا يترك هؤلاء الأدعياء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني. وهذا النص: {فإن لم تعلموا آباءهم}.. يصور لنا حقيقة الخلخلة في المجتمع الجاهلي. وحقيقة الفوضى في العلاقات الجنسية. هذه الفوضى وتلك الخلخلة التي عالجها الإسلام بإقامة نظام الأسرة على أساس الأبوة. وإقامة نظام المجتمع على أساس الأسرة السليمة. وبعد الاجتهاد في رد الأنساب إلى حقائقها فليس على المؤمنين من مؤاخذة في الحالات التي يعجزون عن الاهتداء فيها إلى النسب الصحيح: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به؛ ولكن ما تعمدت قلوبكم}.. وهذه السماحة مردها إلى أن الله سبحانه وتعالى يتصف بالغفران والرحمة، فلا يعنت الناس بما لا يستطيعون: {وكان الله غفوراً رحيماً}.. ولقد شدد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التثبت والتأكد من النسب لتوكيد جدية التنظيم الجديد الذي يلغي كل أثر للتخلخل الاجتماعي الجاهلي. وتوعد الذين يكتمون الحقيقة في الأنساب بوصمة الكفر. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم. حدثنا ابن علية. عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال أبو بكرة: رضي الله عنه ـ قال الله عز وجل: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}.. فأنا ممن لا يعرف أبوه؛ فأنا من إخوانكم في الدين.. قال أبي (من كلام عيينة بن عبد الرحمن): والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لانتمى إليه. وقد جاء في الحديث: " حديث : من ادعى إلى غير أبيه ـ وهو يعلم ـ إلا كفر"تفسير : .. وهذا التشديد يتمشى مع عناية الإسلام بصيانة الأسرة وروابطها من كل شبهة ومن كل دخل؛ وحياطتها بكل أسباب السلامة والاستقامة والقوة والثبوت. ليقيم عليها بناء المجتمع المتماسك السليم النظيف العفيف. بعد ذلك يقرر إبطال نظام المؤاخاة كما أبطل نظام التبني. ونظام المؤاخاة لم يكن جاهلياً؛ إنما هو نظام استحدثه الإسلام بعد الهجرة، لمواجهة حالة المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهليهم في مكة؛ ومواجهة الحالة كذلك بين المسلمين في المدينة ممن انفصلت علاقاتهم بأسرهم نتيجة لإسلامهم.. وذلك مع تقرير الولاية العامة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقديمها على جميع ولايات النسب؛ وتقرير الأمومة الروحية بين أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجميع المؤمنين: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم؛ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً. كان ذلك في الكتاب مسطوراً}.. لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، تاركين وراءهم كل شيء، فارين إلى الله بدينهم، مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى، وذخائر المال، وأسباب الحياة، وذكريات الطفولة والصبا، ومودات الصحبة والرفقة، ناجين بعقيدتهم وحدها، متخلين عن كل ما عداها. وكانوا بهذه الهجرة على هذا النحو، وعلى هذا الانسلاخ من كل عزيز على النفس، بما في ذلك الأهل والزوج والولد ـ المثل الحي الواقع في الأرض على تحقق العقيدة في صورتها الكاملة، واستيلائها على القلب، بحيث لا تبقى فيه بقية لغير العقيدة. وعلى توحيد الشخصية الإنسانية لتصدق قول الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.. كذلك وقع في المدينة شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت، وظل آخرون فيها على الشرك. فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم. ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية؛ وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية. وكان المجتمع الإسلامي لا يزال وليداً، والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس، من أن تكون نظاماً مستنداً إلى أوضاع مقررة. هنا ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة، تغطي على كل العواطف والمشاعر، وكل الأوضاع والتقاليد، وكل الصلات والروابط. لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة التي تربط القلوب، وتربط ـ في الوقت ذاته ـ الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة والقبيلة؛ فتقوم بينها مقام الدم والنسب، والمصلحة والصداقة والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام، فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة. لا بنصوص التشريع، ولا بأوامر الدولة؛ ولكن بدافع داخلي ومد شعوري. يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية. وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس، حيث لم يكن مستطاعاً أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع. نزل المهاجرون على إخوانهم الأنصار، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم؛ فاستقبلوهم في دورهم وفي قلوبهم، وفي أموالهم. وتسابقوا إلى إيوائهم؛ وتنافسوا فيهم حتى لم ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة. إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين في إيوائهم من الأنصار. وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس، وطيب خاطر، وفرح حقيقي مبرأ من الشح الفطري، كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة! وآخى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار. وكان هذا الإخاء صلة فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد. وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم، فكان يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها. وارتفع المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية؛ وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد ـ شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام ـ وقام هذا المد في إنشاء المجتمع الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة. بل بما هو أكثر. وكان ضرورياً لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها. وإن مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف، حتى توجد الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة، التي توفر الضمانات الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها. وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع الطبيعية. وإن الإسلام ـ مع حفاوته بذلك المد الشعوري، واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائماً فوارة دائماً، مستعدة للفيضان. لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية، للنفس البشرية لا على أساس الفورات الاسثنائية، التي تؤدي دورها في الفترات الاستثنائية؛ ثم تترك مكانها للمستوى الطبيعي، وللنظام العادي، متى انقضت فترة الضرورة الخاصة. ومن ثم عاد القرآن الكريم ـ بمجرد استقرار الأحوال في المدينة شيئاً ما بعد غزوة بدر، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وقيام أوضاع اجتماعية مستقرة بعض الاستقرار، ووجود أسباب معقولة للارتزاق، وتوفر قدر من الكفاية للجميع على إثر السرايا التي جاءت بعد غزوة بدر الكبرى، وبخاصة ما غنمه المسلمون من أموال بني قينقاع بعد إجلائهم.. عاد القرآن الكريم بمجرد توفر هذه الضمانات إلى إلغاء نظام المؤاخاة من ناحية الالتزامات الناشئة من الدم والنسب، مستبقياً إياه من ناحية العواطف والمشاعر، ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب ـ كما هي أصلاً في كتاب الله القديم وناموسه الطبيعي: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً. كان ذلك في الكتاب مسطوراً}.. وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم، بل على قرابة النفس!: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.. وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنسبة لجميع المؤمنين: {وأزواجه أمهاتهم}.. وولاية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه؛ ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته! جاء في الصحيح: "حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" تفسير : . وفي الصحيح أيضاً "حديث : أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الآن يا عمر " تفسير : . وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حباً فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحياناً أنه طوّع مشاعره، وراض نفسه، وخفض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعاً لا يملك انفعاله معه، فإن ملكه كمن في مشاعره، وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها؛ ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيراً لها، أو عيباً لشيء من خصائصها، أو نقداً لسمة من سماتها، أو تنقصاً لصفة من صفاتها. وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره! والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية؛ أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون الله ومساعدته. وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكفي أن عمر ـ وهو من هو ـ قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي. وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم. جاء في الصحيح.. "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا. وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه"تفسير : . والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه؛ ويعول عياله من بعده إن كانوا صغاراً. وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال، ولا إلى فورة شعورية استثنائية. مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء. فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته؛ أو أن يهبه في حياته.. {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً}.. ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى، ويقرر أن هذه إرادة الله التي سبق بها كتابه الأزلي: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً}.. فتقر القلوب وتطمئن؛ وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم. بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية؛ وتسير في يسر وهوادة؛ ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد. ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان، كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة. وبمناسبة ما سطر في كتاب الله، وما سبقت به مشيئته، ليكون هو الناموس الباقي، والمنهج المطرد، يشير إلى ميثاق الله مع النبيين عامة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأولي العزم من الرسل خاصة، في حمل أمانة هذا المنهج، والاستقامة عليه، وتبليغه للناس، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها؛ وذلك حتى يكون الناس مسؤولين عن هداهم وضلالهم وإيمانهم وكفرهم، بعد انقطاع الحجة بتبليغ الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم؛ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً. ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذاباً أليماً}.. إنه ميثاق واحد مطرد من لدن نوح ـ عليه السلام ـ إلى خاتم النبيين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ميثاق واحد، ومنهج واحد، وأمانة واحدة يتسلمها كل منهم حتى يسلمها. وقد عمم النص أولاً: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم}.. ثم خصص صاحب القرآن الكريم وصاحب الدعوة العامة إلى العالمين: {ومنك}.. ثم عاد إلى أولي العزم من الرسل، وهم أصحاب أكبر الرسالات ـ قبل الرسالة الأخيرة ـ {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم}.. وبعد بيان أصحاب الميثاق عاد إلى وصف الميثاق نفسه: {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً}.. ووصف الميثاق بأنه غليظ منظور فيه إلى الأصل اللغوي للفظ ميثاق ـ وهو الحبل المفتول ـ الذي استعير للعهد والرابطة. وفيه من جانب آخر تجسيم للمعنوي يزيد إيحاءه للمشاعر.. وإنه لميثاق غليظ متين ذلك الميثاق بين الله والمختارين من عباده، ليتلقوا وحيه، ويبلغوا عنه، ويقوموا على منهجه في أمانة واستقامة. {ليسأل الصادقين عن صدقهم}.. والصادقون هم المؤمنون. فهم الذين قالوا كلمة الصدق، واعتنقوا عقيدة الصدق. ومن سواهم كاذب، لأنه يعتقد بالباطل ويقول كلمة الباطل. ومن ثم كان لهذا الوصف دلالته وإيحاؤه. وسؤالهم عن صدقهم يوم القيامة كما يسأل المعلم التلميذ النجيب الناجح عن إجابته التي استحق بها النجاح والتفوق، أمام المدعوين لحفل النتائج! سؤال للتكريم، وللإعلان والإعلام على رؤوس الأشهاد، وبيان الاستحقاق، والثناء على المستحقين للتكريم في يوم الحشر العظيم! فأما غير الصادقين. الذين دانوا بعقيدة الباطل، وقالوا كلمة الكذب في أكبر قضية يقال فيها الصدق أو يقال فيها الكذب. قضية العقيدة. فأما هؤلاء فلهم جزاء آخر حاضر مهيأ، يقف لهم في الانتظار: {وأعد للكافرين عذاباً أليماً}...
ابن عاشور
تفسير : افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وندائه بوصفه مُؤذِنٌ بأن الأهم من سوق هذه السورة يتعلق بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد نودي فيها خمس مرات في افتتاح أغراض مختلفة من التشريع بعضها خاص به وبعضها يتعلق بغيره وله ملابسة به. فالنداء الأول: لافتتاح غرض تحديد واجبات رسالته نحو ربه. والنداء الثاني: لافتتاح غرض التنويه بمقام أزواجه واقترابه من مقامه. والنداء الثالث: لافتتاح بيان تحديد تقلبات شؤون رسالته في معاملة الأمة. والنداء الرابع: في طالعَة غرض أحكام تزوجه وسيرته مع نسائه. والنداء الخامس: في غرض تبليغه آداب النساء من أهل بيته ومن المؤمنات. فهذا النداء الأول افتتح به الغرض الأصلي لبقية الأغراض وهو تحديد واجبات رسالته في تأدية مراد ربه تعالى على أكمل وجه دون أن يفسد عليه أعداء الدين أعماله، وهو نظير النداء الذي في قوله {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}تفسير : [المائدة: 67] الآية، وقوله: {أية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : [المائدة: 41] الآيات. ونداء النبي عليه الصلاة والسلام بوصف النبوءة دون اسمه العلم تشريف له بفضل هذا الوصف ليُربأ بمقامه عن أن يخاطب بمثل ما يخاطب به غيره ولذلك لم يناد في القرآن بغير {يا أيها النبي}أو {أية : يا أيها الرسول}تفسير : [المائدة: 67] بخلاف الإخبار عنه فقد يجيء بهذا الوصف كقوله {أية : يوم لا يُخزِي الله النبي}تفسير : [التحريم: 8] {أية : وقال الرسول يا رب}تفسير : [الفرقان: 30] {أية : قل الأنفال لله والرسول}تفسير : [الأنفال: 1] {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}تفسير : [الأحزاب: 6]، ويجيء باسمه العلم كقوله {أية : ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم}تفسير : [الأحزاب: 40]. وقد يتعين إجراء اسمه العلم ليوصف بعده بالرسالة كقوله تعالى {أية : محمد رسولُ الله}تفسير : [الفتح: 29] وقوله {أية : وما محمد إلا رسولٌ}تفسير : [آل عمران: 144]. وتلك مقامات يقصد فيها تعليم الناس بأن صاحب ذلك الاسم هو رسول الله، أو تلقين لهم بأن يسمُّوه بذلك ويدْعوه به، فإن علم أسمائه من الإيمان لئلا يلتبس بغيره، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لي خمسة أسماءٍ: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» تفسير : تعليماً للأمة. وقد أنهى أبو بكر ابن العربي أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبعة وستين وأنهاها السيوطي إلى ثلاثمائة. وذكر ابن العربي أن بعض الصوفية قال: أسماء النبي ألفَا اسم كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}تفسير : [الأحزاب: 45]. والأمر للنبيء بتقوى الله توطئة للنهي عن اتّباع الكافرين والمنافقين ليحصل من الجملتين قصرُ تقواه على التعلق بالله دون غيره، فإن معنى {لا تطع} مرادف معنى: لاَ تَتَّقِ الكافرين والمنافقين، فإن الطاعة تقوى؛ فصار مجموع الجملتين مفيداً معنى: يأيها النبي لا تتق إلا الله، فعدل عن صيغة القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص على أنه قصر إضافي أريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين لأنه لو اقتصر على أن يُقال: لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى النبي صلى الله عليه وسلم ربه أمر معلوم، فسلك مسلك الإطناب لهذا، كقول السموْأل:شعر : تَسِيل على حدّ الظُبات نفوسنا وليستْ على غير الظُبات تسيل تفسير : فجاء بجملتي إثبات السيلان بقَيْدٍ ونفيه في غير ذلك القيد للنص على أنهم لا يكرهون سيلان دمائهم على السيوف ولكنهم لا تسيل دماؤهم على غير السيوف. فإن أصل صيغة القصر أنها مختصرة من جملتي إثبات ونفي، ولكون هذه الجملة كتكملة للتي قبلها عطفت عليها لاتحاد الغرض منهما. وقد تعين بهذا أن الأمر في قوله {اتّقِ الله} والنهي في قوله {ولا تُطِعِ الكافرين والمنافقين} مستعملان في طلب الاستمرار على ما هو ملازم له من تقوى الله، فأشعر ذلك أن تشريعاً عظيماً سيلقى إليه لا يخلو من حرج عليه فيه وعلى بعض أمته، وأنه سيلقى مطاعن الكافرين والمنافقين. وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أقوالهم ليَيْأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي صلى الله عليه وسلم ويلحّون عليه بالطلبات نصحاً تظاهراً بالإسلام. والمراد بالكافرين المجاهرون بالكفر لأنه قوبل بالمنافقين، فيجوز أن يكونوا المشركين كما هو غالب إطلاق هذا الوصف في القرآن والأنسبُ بما سيعقبه من قوله {أية : مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْن في جوفه}تفسير : [الأحزاب: 4] إلى آخر أحكام التبنِّي، والموافق لما روي في سبب نزولها على ضعف فيه سنبينه؛ ويجوز أن يكونوا اليهودَ كما يقتضيه ما يروى في سبب النزول، ولو حمل على ما يعمّ نوعي الكافرين المجاهرين لم يكن بعيداً. والطاعة: العمل على ما يأمر به الغير أو يشير به لأجل إجابة مرغوبة. وماهيتها متفاوتة مقول عليها بالتشكيك، ووقوع اسمها في سياق النهي يقتضي النهي عن كل ما يتحقق فيه أدنى ماهيتها، مثل أن يعدل عن تزوج مُطَلَّقة متبناه لقول المنافقين: إن محمداً ينهَى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج زوج ابنه زيد بن حارثة، وهو المعنى الذي جاء فيه قوله تعالى: {أية : وتَخشى الناسَ والله أحق أن تَخشاه}تفسير : [الأحزاب: 37]، وقوله: {أية : ولا تطِع الكافرين والمنافقين ودَعْ أذاهم}تفسير : [الأحزاب: 48] عقب قضية امرأة زيد. ومثل نقض ما كان للمشركين من جعل الظهار موجباً مصير المظاهرَة أُمًّا للمُظاهِر حراماً عليه قربانها أبداً، ولذلك أردفت الجملة بجملة {إن الله كان عليماً حكيماً} تعليلاً للنهي. والمعنى: أن الله حقيق بالطاعة له دون الكافرين والمنافقين لأنه عليم حكيم فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح. ودخول {إنّ} على الجملة قائم مقام فاء التعليل ومغنٍ غناءها على ما بُيّن في غير موضع، وشاهده المشهور قول بشار:شعر : بَكِّرَا صَاحِبَيّ قبل الهجير إن ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : وقد ذكر الواحدي في «أسباب النزول» والثعلبي والقشيري والماوردي في «تفاسيرهم»: أن قوله تعالى {ولا تُطِعِ الكافرين والمنافقين} نزل بسبب أنه بعد وقعة أُحُد جاء إلى المدينة أبو سفيان بن حرب وعكرمة ابن أبي جهل وأبو الأعور السُّلَمي عَمرُو بن سفيان من قريش وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمان في المدينة وأن ينزلوا عند عبد الله بن أبيّ بن سلول ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أُبيّ ومعتِّب بن قُشير، والجدّ بن قيس، وطمعةَ بن أُبَيْرِق فسألوا رسول الله أن يترك ذكر آلهة قريش، فغضب المسلمون وهَمّ عُمر بقتل النفر القرشيين، فمنعه رسول الله لأنه كان أعطاهم الأمان، فأمرهم أن يخرجوا من المدينة فنزلت هذه الآية، أي: اتق الله في حفظ الأمان ولا تطع الكافرين (وهم النفر القرشيون) والمنافقين (وهم عبد الله بن أبّي ومن معه). وهذا الخبر لا سند له ولم يعرج عليه أهل النقد مثل الطبري وابن كثير.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} [الإسراء: 39] الآية وما دلت عليه آية الأحزاب هذه، من أن الخطاب الخاص لفظه بالنبي صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه جميع الأمة، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} تفسير : [المائدة: 32] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- يا أيها النبى: استمر على ما أنت عليه من تقوى الله، ولا تقبل رأيا من الكافرين والمنافقين، إن الله محيط علما بكل شئ، حكيم فى أقواله وأفعاله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اتق الله: أي دم على تقواه بامتثالك أوامره واجتنابك نواهيه. ولا تطع الكافرين: أي المشركين فيما يقترحون عليك. والمنافقين: أي الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر بما يخوفونك به. إن الله كان عليما حكيما: أي عليما بخلقه ظاهراً وباطناً حكيماً في تدبيره وصنعه. واتبع ما يوحى إليك من ربك: أي تقيد بما يشرع لك من ربك ولا تلتفت إلى ما يقوله خصومك لك من اقتراحات أو تهديدات. وتوكل على الله: أي فوض أمرك إليه وامض في ما أمرك به غير مبالٍ بشيء. معنى الآيات: لقد واصل المشركون اقتراحاتهم التي بدأوها بمكة حتى المدينة وهي عروض المصالحة بينه وبينهم بالتخلي عن بعض دينه أو بطرد بعض أصحابه، والمنافقون قاموا بدورهم في المدينة بتهديده صلى الله عليه وسلم بالقتل غيلة إن لم يكف عن ذكر آلهة المشركين في هذا الظرف بالذات نزل قوله تعالى {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} ناداه ربّه تعالى بعنوان النبوة تقريرا لها وتشريفا له ولم يناده باسمه العلم كما نادى موسى وعيسى وغيرهما بأسمائهم فقال {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي اتق الله فخفه فلا تقبل اقتراح المشركين ولا ترهب تهديد المنافقين بقتلك إن الله كان وما يزال عليما بكل خلقه وما يحدثون من تصرفات ظاهرة أو باطنة حكيما في تدبيره وتصريفه أمور خلقه وعباده فهو تعالى لعلمه وحكمته لا يخذلك ولا يتركك، ولا يُمكن أعداءك وأعداءه منك بحال وقوله {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} من تشريعات خاصة وعامة ولا تترك منها صغيرة ولا كبيرة إذ هي طريق فوزك وسُلم نجاحط أنت وأمتك تابعة لك في كل ذلك، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} هذه الجملة تعليلية تحمل الوعد والوعيد إذ علم الله بأعمال العباد صالحها وفاسدها يستلزم الجزاء عليها فمتى كانت صالحة كان الجزاء حسناً وفي هذا وعده ومتى كانت فاسدة كان الجزاء سوءاً وفي هذا الوعيد. وقوله {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أمر تعالى رسوله وأُمته تابعة له أن يتوكل على الله في أمره ويمضي في طريقه منفذاً أحكام ربه غير مبال بالكافرين ولا بالمنافقين، وأعلمه ضمناً أنه كافيه متى توكل عليه وكفى بالله كافيا ووكيلا حافظاً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب تقوى الله تعالى بفعل المأمور به وترك المنهي عنه. 2) حرمة طاعة الكافرين والمنافقين فيما يقترحون أو يهددون من أجله. 3) وجوب اتباع الكتاب والسنة والتوكل على الله والمضي في ذلك بلا خوف ولا وجل.
القطان
تفسير : اتق الله: اعمل صالحا وأطع الله. وتوكل على الله: اعمل وفوض أمورك اليه. وكيلا: حافظا. في هذه الآيات الكريمة توجيهٌ للنبيّ الكريم ان يستمر على تقواه حتى يكونَ قُدوةً للمؤمنين، وان لا يُخدع بالكافرين والمنافقين بل يظل حذِرا منهم ومن مكايدهم، وأن يعملَ بما يوحيه الله إليه ومن ثم يتوكّل على الله ويفوّض جميع أموره اليه، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} يحفظُه ويحرسه ويمنع عنه كلَّ شرّ، وقد فَعل. قراءات: قرأ ابو عمرو: بما يعملون خبيرا، والباقون: بما تعملون بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَٰأَيُّهَا} {ٱلْكَافِرِينَ} {َٱلْمُنَافِقِينَ} (1) - يَا أَيُّها النبيُّ اسْتَمِرَّ على ما أنْتَ عليهِ مِن تَقْوَى اللهِ، وَالعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَاجْتَنِبْ مَعْصِيَتَهُ مَخَافَةَ عِقَابِهِ وعذابِهِ، ولا تُطِعِ الكَافِرينَ والمُنافِقينَ فيمَا يَطْلُبُونَهُ مِنْكَ، وَلاَ تَسْمَعْ مِنْهُمْ، ولا تَسْتَشِرْهُمْ، واللهُ تَعالى عَليمٌ بما تُضْمِرُهُ نُفوسُهُمْ، وما تَنْطَوِي عليهِ جَوانِحُهُمْ - وَهُمْ يُظْهِرُون لَك النُّصْحَ - من الحِقْدِ والعَدَاوَةِ. واللهُ تَعَالى حِكَيمٌ في شَرْعِهِ وتَدْبِيرِهِ. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِه الآيةِ أَنَّ بعضَ سَرَاةِ قريشٍ عَرَضُوا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعْطُوه نِصْفَ أموالِهِمْ على أنْ يَرْجِعَ عنْ دَعْوَتِهِ، وَهَدَّدَهُ اليهودُ والمُنافقونَ بالقَتْلِ إِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْ هَذِهِ الدَّعوةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هذِه الآيةَ). اتَّقِ اللهَ - دُمْ على تَقْوَاهُ أو ازْدَدْ مِنْها.
الثعلبي
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الاعور عمرو بن [أبي] سفيان السلمي، وذلك أنّهم قدموا المدينة فنزلوا على عبدالله بن أُبي رأس المنافقين بعد قتال أحُد، وقد أعطاهم النبيّ صلّى الله عليه الأمان على أنْ يُكلّموه، فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عمر ابن الخطّاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومنات وقل: إنّ لها شفاعة ومنفعة لمن عَبَدَها وندعك وربّك، فشقّ على النبي صلّى الله عليه قولهم، فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يارسول الله في قتلهم، فقال النبي (عليه السلام): "حديث : إنّي قد أعطيتهم الأمان"تفسير : ، فقال عمر بن الخطّاب: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبيّ صلّى الله عليه عمر أنْ يُخرجهم من المدينة فأنزل الله عزّ وجلّ {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ]}. {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} من أهل مكّة يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة {وَٱلْمُنَافِقِينَ} عبد الله بن أُبي وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} بالياء. أبو عمرو، وغيره بالتاء. {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أخبرني ابن فنجويه، عن موسى بن علي [عن الحسن ابن علويه]، عن إسماعيل بن عيسى، عن المسيب، عن شيخ من أهل الشام قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وفد من ثقيف فطلبوا إليه أن [يمتعهم] باللات والعزّى سنة وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك، فَهَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنزل الله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآيات. قوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} نزلت في أبي معمر جميل [بن معمر] بن حبيب بن عبدالله الفهري، وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلاّ وله قلبان. وكان يقول: إنّ لي قلبين أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد، فلمّا كان يوم بدر وهُزم المشركون وفيهم يومئذ أبو معمر تلقّاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلِّق إحدى نعليه بيده والأُخرى في رِجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأُخرى في رجلك، فقال له أبو معمر: ما شعرت إلاّ أنّهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وقال الزهري ومقاتل: هذا مثل ضربه الله للمُظاهر من امرأته، وللمتبنّي ولد غيرهِ، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أُمّه حتى يكون له أُمّان، ولا يكون ولد أحد ابن رجُلين. قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي} قرأ أبو جعفر وأبو عمر ووَرش بغير مدّ ولا همز، ممدودة مهموزة بلا ياء، نافع غير ورش {ٱللاَّئِي} وأيّوب ويعقوب والأعرج، وأنشد: شعر : من اللاّءِ لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفّلا تفسير : وقرأ أهل الكوفة والشام بالمدّ والهمز وأثبات الياء واختاره أبو عبيد للاشباع واختلف فيه، عن ابن كثير وكلّها لغات معروفة {تُظَاهِرُونَ} بفتح التاء وتشديد الظاء شامي. بفتح التاء وتخفيف الظاء كوفي غير عاصم، واختاره أبو عبيد بضمّ التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء عاصم والحسن. قال أبو عمرو: هذا منكر لأنّ المظاهرة من التعاون والآية نزلت في أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم أخي عبادة، وفي امرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك يقول الله تعالى: مَا جَعَلَ نساءكم اللاتي تقولون: هنّ علينا كظهور أمّهاتنا في الحرام كما تقولون، ولكنّها منكم معصية وفيها كفّارة وأزواجكم لكم حلال، وسنذكر القصّة والحكم في سورة المجادلة إن شاء الله. قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ} يعني من تبنّيتموه {أَبْنَآءَكُمْ} نزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ودّ، كان عبداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبنّاه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب في الإسلام، فجعل الفقير أخاً للغني ليعود عليه، فلمّا تزوّج النبي صلّى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدي وكانت تحت زيد بن حارثة، فقالت اليهود والمنافقون: تَزَوج محمّد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات وقال: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} ولا حقيقة له، يعني قولهم: زيد ابن محمّد {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ * ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْْ} الذين ولدوهم {هُوَ أَقْسَطُ} أعدل {عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} إنْ كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم. أنبأني عقيل بن محمد الجرجاني، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن،عن أبيه، قال: قال أبو بكر: قال الله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فأنا ممّن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال: قال أُبي إنّي لأظنّه لو علم أنَّ أباه كان حماراً لانتمى إليه {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه، وقال قتادة: يعني أنْ تدعوه لغير أبيه وهو يرى أنّه كذلك {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فنسبتموه إلى غير أبيه بعد النهي، وأنتم تعلمون أنّه ليس بابنهِ. ومحلّ ما في قوله: {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} خفض ردّاً على (ما) التي في قوله: {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ومجازهُ: ولكن فيما تعمّدت قلوبكم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن ادّعى إلى غير أبيه أو إلى غير أهل نعمته فعليهِ لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين ". تفسير : وأخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو صالح، حدّثني الليث، حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان ممّن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنّى سالماً وأنكحهُ ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار فتبنّاه، كما تبنّى رسول الله صلّى الله عليه زيداً وكان مَن تبنّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتّى نزلت {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} الآية.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ..} [الأحزاب: 1] نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنادي هو الحق سبحانه، رسول الله لقبه، واسمه محمد، واسمه أحمد كما ذُكر في القرآن، والإنسان حين يُولَد يُوضع له اسم يدل على مُسمَّاه، بحيث إذا أطلقه الواضع انصرف إلى المسمى، والقوم الذين سُمُّوا لهم محيط يُعرفون فيه، وغيرهم بنفس الأسماء لهم محيط آخر، فمحمد هذا المحيط غير محمد هذا المحيط. وتعريف الإنسان يكون بالاسم أو بالكُنْية أو باللقب، فالاسم هو العلم الذي يُوضع لمسمّى ليُعلَم به ويُنادَى به، ويُميّز عن غيره، أما الكنية فاسم صُدِّر بأب أو أم كما نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين، فإنْ سُمِّي به بدايةً وجُعِل عَلَماً على شخص فهو اسم، وليس كنية، أما اللقب فما أشعر برفعة أو ضِعةً كما تقول: فلان الشاعر أو الشاطر .. إلخ. فإذا أُطِلق الاسم الواحد على عدة مسميات، بحيث لا تتميز بعضها عن بعض وجب أنْ تُوصَف بما يميزها كأسرة مثلاً عشقتْ اسم محمد فسمَّتْ كل أولادها (محمد) فلا بُدَّ أن نقول: محمد الكبير، محمد الصغير، محمد الأوسط .. إلخ. ورسول الله صلى الله عليه وسلم له اسم وكُنْية ولقب، أما اسمه فمحمد وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ..} تفسير : [آل عمران: 144]. {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 40]. {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29]. {أية : وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ..} تفسير : [محمد: 2]. وورد باسم أحمد في موضع واحد هو: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ..} تفسير : [الصف: 6] وسبق أنْ تكلَّمنا في علة هذه التسمية. أما كنيته: فأبو القاسم، ولقبه: رسول الله. وهكذا استوفى سيدنا رسول الله العَلَمية في أوضاعها الثلاثة: الاسم، والكُنْية، واللقب. واللقب يضعه أيضاً الأب أو الأم أو الناس المحيطون بالإنسان، إما يدل على الرفعة تفاؤلاً بأنه سيكون له شأن، أو يدل على الضِّعَة، وهذه في الغالب تحدث في الأولاد الذين يُخاف عليهم العين، فيختارون لهم لقباً يدل على الحِطّة والضِّعة وما أشبهه (بالفاسوخة) يُعلِّقونها على الصغار مخافة العين. أما لقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختاره له ربه عز وجل، وطبيعي أنْ يأتي لقبه صلى الله عليه وسلم مُشْعِراً برفعة أيما رفعة، فهي ليست عند الخلق فحسب، إنما رفعةَ عند الخالق، فلما وُلِد رسول الله أسماه جده بأحب الأسماء عنده، وقال: سمَّيْته محمداً ليُحمد في الأرض وفي السماء. ولما وُلِد القاسم كُنِّي به رسول الله فقيل: أبو القاسم، فلما اختاره الله للرسالة وللسفارة بينه تعالى وبين الخَلْق لقّبه برسول الله وبالنبي، وهذان اللقبان على قدر عظيم من الرفعة لو جاءت من البشر، فما بالك وهي من عند الله، فأنت حين تضع المقاييس تضعها على قَدْر معرفتك وإمكاناتك. فالرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله ونبي الله بمقاييس الله، فهو إذن مُشرّف عندكم، مُشرَّف عند مَنْ أرسله و {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..} تفسير : [الأنعام: 124]. فأحبُّ شيء في الإعلام برسول الله أن نقول: محمد، أو أبو القاسم، أو رسول الله، أو النبي، والحق سبحانه حين نادى رسوله صلى الله عليه وسلم لم يُنَاده باسمه أبداً، فلم يقُلْ يا محمد، إنما بلقبه الذي يُشعر برفعته عند الحق سبحانه، فقال في ندائه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ..} تفسير : [الأنفال: 65]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ..} تفسير : [المائدة: 41]. ولو تتبعت نداء الله للرسل من لَدُنْ آدم عليه السلام لا تجد رسولاً نُودِي بغير اسمه إلا محمد صلى الله عليه وسلم. أما لفظ (محمد) فقد ورد في القرآن، لكن في غير النداء، ورد على سبيل الإخبار بأن محمداً رسول الله. وحتى في الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم أخبر الله عنه بلقبه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128]. وقال: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30]. إذن: في النداء استقل بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، أما في الإخبار فلا بُدَّ أنْ يذكر اسمه (محمد رسول الله)، وإلا فكيف يعرف أنه رسول الله؟ فيخبر به أولاً اسماً ومُسمّى. ونُودِي صلى الله عليه وسلم بيٰأيها النبي، ويٰأيها الرسول تعظيماً له صلى الله عليه وسلم، ونحن حين نريد أنْ نُعظِّم مَنْ ننادي نسبق الاسم بمقدمات، نقول: يا سيدي فلان، يا فضيلة الشيخ، يا صاحب العزة .. إلخ. وقد تقدمتْ (أَيُّهَا) على المنادي هنا؛ لأن الاسم المنادى المحلَّى بأل لا يُنادى مباشرة إلا في لفظ الجلالة (الله) فنقول: يا الله، فكأن الحق سبحانه توحَّد حتى في النداء، هذا في نداء المفرد. والحق سبحانه نادى رسوله بيٰأيها النبي، ويٰأيها الرسول، الرسول هو سفير بين الله وبين خَلْقه؛ ليُبلغهم منهجه الذي يريد أنْ تسير عليه حياتهم فالرسول مُبلِّغ، أما النبي فمُرْسَل أيضاً من قِبلَ الحق سبحانه، لكن ليس معه شرع جديد، إنما يسير على شرع مَنْ سبقه من الرسل، أما فهو فقدوة وأُسْوة سلوكية لقومه. ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الأمرين معاً، فهو نبي ورسول له خصوصيات أُمِر بها، ولم يُؤْمَر بتبليغها - وهذه مسائل خاصة بالنبوة - وله أمور أخرى أُمِر بها، وأُمِر بتبليغها. ومعلوم من أقوال العلماء أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول بالمعنى الاصطلاحي، وإلا فَهُم جميعاً مُرْسَلون من قِبَل الله. وكلمة (النبي) مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام، فالخبر يكون من البشر للبشر، فإنْ كان من خالق البشر فهو نبأ أي: أمر عظيم ينبغي الاهتمام به، وأصْله من النَّبْوَة، وهي الشيء العالي المستدير في وسط شيء مسْتَوٍ. فحين تقول: رأيتُ فلاناً اليوم، هذا لا يُسمَّى نبأ إنما خبر؛ لذلك قال سبحانه: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2] أي: الخبر الهائل الذي هزَّ الدنيا كلها، وملأ الأسماع، وزلزل العروش. ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم {ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] سبق أنْ قُلْنا: إن الكلام العربي مُقسَّم إلى خبر وإنشاء، فالخبر نسبة كلامية كانت قبل النطق بها نسبة ذهنية، وبعد النطق بها كلامية، فإنْ كان لها معنى ومدلول فهي نسبة واقعية، والخبر هو القول الذي يُوصَف بالصدق إنْ طابق الواقع، ويُوصَف بالكذب إن خالف. أما الإنشاء فهو مقابل الخبر يعني: قوْلٌ لا يُوصَف بصدق ولا بكذب، كأن تقول لإنسان: قِفْ، فهذا أمر لا يقال لقائله: صادق، ولا كاذب. فقوله تعالى لنبيه {ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] هذه نسبة كلامية من الله لرسوله، ليحدث مدلول هذا الأمر، وهو التقوى، لكن أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير تقي حتى يأمره ربه بالتقوى؟ نقول: ليس بالضرورة أنْ يكون الرسول عصى، فيأمره الله بتقواه، لكن الحق سبحانه ينشئ مع رسوله كلاماً بداية دون سابقة عصيان. أو: أنه الأمر الأول بالتقوى كما تقول لولدك في بداية الدراسة: اجتهد وذاكر دروسك، وأنت تعرف أنه مجتهد، لكن لا بُدَّ من تقرير المبدأ في بداية الأمر. ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلاثة: ماضٍ وحال ومستقبل، فإذا طلب من شخص فعل شيء هو مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [النساء: 136]. فالحق سبحانه يأمرهم بالإيمان، مع أنه وصفهم وخاطبهم بلفظ الإيمان؛ لأن المعنى: أنتم آمنتم قبل أنْ أُكلمكم، وهذا الإيمان السابق لكلامي ماضٍ، وأنا أريد منكم أنْ تُحدِثوا إيماناً جديداً، حالاً ومستقبلاً، أريد أنْ تُجدِّدوا إيمانكم، وأنْ تستَمروا عليه. فمعنى {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] أي: واصل تقواك حالاً، كما فعلتها سابقاً، وواصلها مستقبلاً، فلا تنقطع عنها أبداً. أو: أن تقوى الله أمر يلصق الإنسانَ بربه، والله كلَّف بأشياء، ثم أباح لك من جنس التكليف أشياء، فإذا قال الله لرسوله {ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] فهي غير قوله لنا: اتقوا الله، فالأمر لنا نحن بالتقوى، أي: نفِّذ ما فُرِض عليك، أما في حق رسول الله فهي بمعنى: ادخل في مقام الإحسان، وجدِّده دائماً؛ لأن مراقي القبول من الله لا تنتهي، كما أن كمالات العطاء في الله لا تنتهي. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استوى يوماه فهو مغبون" تفسير : أي: من استوى يومه مع أمسه في قُرْبه من الله فهو خاسر، لماذا؟ لأنه ينبغي للمؤمن أنْ يزيد في قُرْبه وفي مودته، وعلاقته بالله يوماً بعد يوم؛ لأن نِعَم الله عليك متوالية تستوجب شكراً متوالياً، وحمداً دائماً. كما أن الحق سبحانه لا يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق، إذن: فالتقوى بالنسبة لرسول الله غير التقوى بالنسبة لسائر الخَلْق، التقوى في حق رسول الله مجالها أوسع، وللرسول مع الله فيوضات لا تنتهي. لذلك حين يناديك ربك للصلاة في كل يوم خمس مرات، فاعلم أن فضله عليك غير مكرر، بل فضله متجدد، فعطاؤه لك في الظهر غير عطائه لك في العصر، غير عطائه لك في المغرب، وهكذا تكون التقوى عملاً متواصلاً ممتداً. ولذلك يحذرنا أهل الخير أن نداوم مع الله في شيء من الطاعة، ثم نقصر عنها، كذلك يحذرنا الشرع أنْ ننذر لله ما لا نستطيع الوفاء به، لأنك بالنذر تفرض على نفسك الطاعة، فأجمِلْ بك أنْ تظل في مقام التطوع، إنْ خفّت نفسك للطاعة أدِّها، وإنْ قصُرت فلا شيء عليك. وكونك تفرض على نفسك شيئاً من الطاعات من جنس ما فرض الله عليك. يعني: أنك أحببتَ الطاعة وحَلَتْ لك العبادة، حتى زدتَ الله منها، فقلت مثلاً: نذرتُ لله أن أصلي من الركعات كذا، أو أتصدَّق بكذا من المال؛ لأنك رأيتَ في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من الله فزدْتَ منها. والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلاة أنْ نسعى للمسجد، مع أن الأرض كلها مسجد وكلها طهور، لكن المسجد خُصِّص للصلاة، فينبغي أنْ تُؤدَّى فيه، وأنت في صلاة ما دُمْتَ تسعى للصلاة، فمَنْ كان بعيد البيت عن المسجد عليه أنْ يأتي الصلاة في سكينة ووقار، ولا يخرج عن هذا السَّمْت حتى وإنْ تأخر عن تكبيرة الإحرام. وقد ورد في حديث سيدنا رسول الله: "حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتموا ". تفسير : وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان: مطلوب الإيمان هو ما فرضه الله عليك، وجاء في الحديث القدسي: "حديث : ما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إلىّ مما افترضته عليه ". تفسير : فإنْ أردتَ أن تتقرب إلى الله فتقرَّب إليه بما يحب، ومن جنس ما فرضه عليك، فالله أمرك بصلاة وصيام وزكاة، فإنْ حَلَتْ لك هذه العبادات فزدْ منها فوق ما فرضه الله عليك، وحين تزيد اعرف أنه مسَّتْكَ نورانية الإشراق في العبادة فقلت: الله يستحق مني فوق ما كلَّفني، وهذا هو مقام الإحسان. وسبق أنْ تحدثنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 15-18]. وهل فرض الله على عبده ألاَّ يهجع إلا قليلاً من الليل؟ لا بل لك أنْ تُصلي العشاء، وتنام حتى صلاة الفجر، كذلك في الاستغفار، أما الذي لا يهجع من الليل إلا قليلاً ويقوم في السَّحَر للاستغفار، فلا بُدَّ أنه حَلَتْ له العبادة، وحلا له الوقوف في حضرة ربه - عز وجل - فدخل في مقام الإحسان. ثم الإحسان نوعان: إحسان كم، وإحسان كيف، إحسان الكم بأنْ تزيد على ما فُرِض عليك، فتصلي فوق الفرض وتُزكِّي فوق الفرض، أما إحسان الكيف فبأنْ تخلص في عبادتك لله، وأنْ تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك يعني: إذا لم يكُن لديك الإشراق والشفافية التي تريك الله، فلا أقلَّ من أنْ تعبده على أنه يراك. وساعة تدخل في مقام الإحسان فأنت حرٌّ إذن فيما تقدم من الإحسان، كما قال سبحانه: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ..} تفسير : [التوبة: 91] على حسب ما تخفّ نفسك للطاعة، خفَّتْ لخمس ركعات، خفَّتْ لعشر، خفَّت لخمسة بالمائة في الزكاة، خفَّتْ لعشرة .. إلخ أنت حر. ألا ترى أن الحق سبحانه لما تكلم عن هذا المقام قال: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19] أما في الزكاة المفروضة فقال: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} تفسير : [المعارج: 24]. إذن {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] أي: تقوى تناسب مقامك من ربك؛ لأن عطاءات الله سبحانه لا تتناهى، كما أن كمالاته لا تتناهى، لذلك كان سيدنا رسول الله يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ولما سألته السيدة عائشة: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً ". تفسير : يعني: العبادة لا تكون لمجرد الثواب والمغفرة، إنما هناك درجات وارتقاءات أخرى. والتقوى: قلنا أنْ تجعل بينك وبين ما يمكن أنْ ينشأ منه ضرر لك وقاية، لكن كيف نجعل بيننا وبين ربنا سبحانه وقاية، ومهمة التقوى أن تندمج مع الله في معيته؟ هذا في حق مَنْ يتحكم جيداً في نفسه، ويحملها على منهج الله. قالوا: لأن لله تعالى صفات جلال وصفات جمال، ولكل صفة منها مطلوب، فالله تعالى غفور رحيم، وهو أيضاً سبحانه القهار الجبار المنتقم، الله سبحانه هو الضار وهو النافع، إذن: فصفات الجمال هي التي تُؤتِي الإنسان الخير الذي يحبه، وصفات الجلال هي التي تتسلط على مَنْ يخالف. فعلى العبد دائماً أنْ يظل خائفاً من صفات الجلال راجياً صفات الجمال. إذن: تقوى الله تكون بأنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية؛ لأنك لستَ مطيقاً لهذه الصفات، ولا تطيق مسَّة خفيفة من النار، وهي جند من جنود الله فاحذرها. وعرفنا في مسألة الشفاعة أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، وأن الله يُشفِّع بعض المؤمنين، ويُشفِّع الأنبياء والملائكة، ثم بعد ذلك تبقى شفاعة أرحم الراحمين، فكيف يشفع الله عند الله؟ قالوا: أي تشفع صفات الجمال عند صفات الجلال، فحين يذنب العبد ذنباً تتسلط عليه صفات الجلال لتعاقبه، فتتصدى لها صفات الجمال، وتشفع عندها لتسقط ما لها عنده من حق. ثم يقول سبحانه مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} [الأحزاب: 1] فهل حين يتقي رسول الله ربه أيطيع الكافرين والمنافقين؟ قالوا: جمع القرآن بين الأمر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين على الالتزام، تقول: أكرم فلاناً وفلاناً أيضاً، فلم تقل لا تكرم إلا فلاناً، إذن: فعطف لا تُطع الكافرين والمنافقين على {ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 1] بالالتزام. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء جاء على نظام كوني أعده الله تعالى لخَلْقه، وحين خلق الله الخَلْق أخذ على الإنسانية كلها بكل أفرادها من آدم إلى أن تقوم الساعة - أخذ عليهم العهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172] فشهدوا لله تعالى قبل أنْ تتهيأ لهم المعاصي والشهوات. فإذا أصابت الناسَ غفلةٌ أو نسُوا هذا العهد بعث الله لهم من رسله مَنْ يُذكِّرهم؛ لذلك خُوطِب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ..} تفسير : [الرعد: 7]. وقال سبحانه عن الرسل: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ..} تفسير : [النساء: 165] يعني: ليسوا منشئين تقوى وطاعة، إنما مذكرون بقضية معلومة سَلَفاً من الأزل، وما هم إلا مبشرين بالثواب لمن أطاع، ومنذرون بالعذاب لمن عصى، والحق سبحانه يريد من عباده أن يكونوا على ذكر دائم لهذه الحقيقة وألاَّ يغفلواعنها. والغفلة تأتي إما من شهوة النفس أو كسلها عن مطلوب شاق للعبادة أو وسوسة من غير مطيع في أذنك، سواء أكان من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، كما قال تعالى: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [الأنعام: 112]. وقلنا: إن المنحرف يحسد المستقيم على استقامته، لكنه لا يستطيع أنْ يتحمل تبعات هذه الطاعة، فلا أقلَّ من أنْ يحاول أنْ يجذب المستقيم إليه، فيوسوس له ويصرفه عن صفة الكمال التي له؛ لذلك حين يوسوس لك صاحبك بشيء من معصية الله فأول شيء ينبغي أنْ تفطن إليه أنه يكرهك، ولا يريد لك الخير الذي يعجز هو عن إدراكه، فهو لا يريد لك أنْ تتميز عليه بشيء. إذن: الكافرون والمنافقون الذي يصادمون دعوة الرسل لم يقدروا على أنْ يحملوا أنفسهم على منهج الله، ولا أنْ يلتزموا كما التزم المؤمنون، فلا أقلَّ من أنْ يحولوا بين المؤمنين وبين المنهج الجديد الذي جاء به رسول الله. وقلنا: إن الرسول لم يأتِ إلا لضرورة، هي انطماس معالم المنهج عند المرسل إليهم، وانعدام الرادع في النفس البشرية أولاً ثم في المجتمع ككل، فالإنسان حين يغفل تُذكِّره النفس اللوامة وتردُّه عن المعصية، فإذا ما ضعف سلطان هذه النفس تحكمتْ فيه النفس الأمَّارة بالسوء وصرفتْه عن الخير كله، فلم يَبْقَ له رادع إلا في المجتمع الإيماني الذي يقوم بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه هي ميزة الخيرية في هذه الأمة التي قال الله فيها: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 110]. فإذا انطمس هذا المبدأ في المجتمع أيضاً حتى لم يَعُدْ فيه آمر بمعروف ولا نآهٍ عن منكر، فلا بُدَّ أنْ تتدخّل السماء بإيقاظ جديد برسول جديد، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها وشرفها برسولها أن الله منحها هذه الخيرية، بحيث لا يعدم فيها الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر أبداً؛ لذلك لا يجيء رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها أمة مأمونة. ولا بُدَّ للأمة التي توفرتْ لها هذه المناعة الجماعية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر أنْ يكون لها وَعْيٌ إيماني وفهم جيد لهذه المهمة، وقد وردت فيها مذكرة الإيضاح التفسيرية من سيدنا رسول الله حين قال: "حديث : مَنْ رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". تفسير : فالمشرِّع قدَّر عدم الاستطاعة، فجعل لكل خطوة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر مجالاً: متى أُغيِّر المنكر بيدي؟ ومتى أُغيره بلساني؟ ومتى أغيره بقلبي؟ أغيره بيدي فيمن أملك الولاية عليه، حيث أتمكن من التغيير، فإنْ كان المُنْكَر ممن لا ولايةَ لي عليه، فعلىَّ أنْ أغيره بلساني في ضوء قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125] بالأسلوب الحسن الجميل، لكن تجد بعض الدعاة يدعون على غير بصيرة، فيغفلون مسألة الاستطاعة، ولا يجعلون لعدم الاستطاعة مجالاً، ويميلون إلى تغيير المنكر كله باليد، وهذا مخالف لأمر رسول الله. فإنْ توقعتَ أنْ يصيبك ضرر فلتغير المنكر بقلبك؛ لأن الهدف أن تستقطب المنحرف إلى جهة الاعتدال، وهذا لا يتم إلا باللين وبالرفق حتى لا تجمع عليه شدتين: الأولى أنْ تُخرِجه مما يألف، والثانية: أنْ تُخرِجه عما يألفه بما يكرهه. ويخطئ الكثيرون في فهم تغيير المنكر بالقلب فيظنون مثلاً أن تقول في نفسك: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك وأنا أنكره، هذا مجرد إنكار باللسان والله لا يريد كلمة تخرج من أفواههم، إنما يريد منا عمل القلب الذي يتبعه عمل الجوارح، فقالبك في هذا الإنكار تابع لقلبك. فحين ترى مَنِ استشرى في العصيان والطغيان وأنت لا تقدر على نهيه، لا بيدك ولا بلسانك، ولا تستطيع مواجهته، فعليك أن تكون كارهاً لعمله معرضاً عنه، مهملاً له، فلا تجامله في حزن ولا تُهنِّئه في فرح ولا تساعده إن احتاج .. إلخ. عليكْ أنْ تعزله عن مجتمعك، فإذا فعل معه الجميع هذا الفعل، وسلكوا معه هذا المسلك سقط واحده وارتدع. لذلك لم نر النبي صلى الله عليه وسلم صنع سجناً للمسلمين المخالفين، إنما جعل سجنهم في عزل المجتمع الإيماني لهم، أو سجن المجتمع عنهم، لا يكلمهم ولا يتعامل معهم، حتى الزوجة عزلها الشرع عن زوجها لا يقربها حتى يقضي الله في أمره. أتذكرون قصة كعب بن مالك، وكيف عزله المجتمع الإيماني وكان من الثلاثة الذين خُلِّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، حتى قاطعه أقرب الناس إليه، فلما تسوَّر الحديقة على ابن عمه وقال: تعلم أني أحب رسول الله فلم يرد عليه. وتأتي زوجة هلال إلى رسول الله وقد كان أحد الثلاثة أيضاً، وتقول: يا رسول الله، إن هلالاً رجل كبير السن، ليس له ما للرجال في النساء، فقال لها: اخدميه لكن لا يقربنك. وقد ظل هؤلاء في هذه العزلة حتى أن القرآن قال فيهم: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ..} تفسير : [التوبة: 118]. هكذا التزم المسلمون الأوائل بشرع الله، واستطاعوا لا نقول سجن المخالف، إنما سجن المجتمع عنه، وهذه المسألة هي سبب الأزمة التي تعيشها بلدنا الآن، فالمجرم الذي يعيش بيننا، أليس معلوماً لأهل المنزل الذي يعيش فيه، بل لأهل الحي والشارع؟ فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر فقال له: أعطني كذا فقال: لا ليس عندي وقاطعه؟ هل سلَّم واحد منهم على شخص، فلم يردّ عليه السلام؟ إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، ويتحمل الإثم عليها؛ لأنه تستَّر على هؤلاء، لدرجة أن نقول: إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين. وينبغي قبل أنْ نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" تفسير : ولم يقل على سلطان جائر. فقبل أنْ نفضحه ونُشنَّع عليه يجب أنْ نتكلم معه، وأنْ ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير، وتريد أنْ ترده إلى الجادة فيقبل منك، وعلى الأقل لا يضرك، إنما آفتنا أننا نُشنِّع على المجرم، وربما نُحمِّله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له. لذلك قال العربي في صفات الناس: إنْ علموا الخير أخفوه، وإنْ علموا الشر أذاعوه، وإنْ لم يعلموا كذبوا. إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقاً لقلبك، وهذه لا تُكلِّفك شيئاً، على خلاف التغيير باليد أو باللسان؛ لذلك وصفه رسول الله بأضعف الإيمان، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف. وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف الناس من المجرمين وتملّقوهم وتودَّدوا إليهم ربما لاتقاء شَرِّهم، ولم لا يزداد المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟ لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنما على العاقلة أي: على جميع العائلة لأنها المنوط بها تقويم أبنائها، والأخذ على أيدي المنحرف منهم؛ لأنها هي التي ستتحمل العاقبة، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع. والحق - سبحانه وتعالى - حين وضع المنهج الذي يُنظِّم حياة الخَلْق يريد سبحانه الخير لخلقه، وهو سبحانه صاحب الخير ولا ينتفع منه بشيء، فلو أن الخَلْق جميعاً كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في مُلْك الله شيئاً. ثم هو سبحانه خلق الإنسان، وحدد مهمته في الحياة، ووضع له قانون صيانته فيها، كما أن صانع الآلة يحدد الهدف منها قبل صناعتها، وحدد لها قانون صيانتها، فالذي صنع الغسالة مثلاً رأى كيف تتعب المرأة في عملية غسيل الملابس، فصنع هذه الآلة لتقوم بهذه المهمة، ولم يحدث أنْ صنع صانع آلة، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أنْ تُستخدم. لذلك، فَشَلُ العالم كله يأتي من أن الخَلْق يريدون أنْ يحددوا مهمة الإنسان، ويضعوا له قانون صيانته، ويغفلون أنه صنعة الله، والذي يحدد مهمة الصَّنْعَة هو صانعها. والحق سبحانه حدَّد لنا مهمتنا في الحياة قبل أنْ يستدعينا إليها، واقرأ إنْ شئتَ قوْلَ ربك: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-3]. فالحق سبحانه قبل أنْ يخلق الإنسان وضع له المنهج، وحدَّد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه الكريم، كما يحدد الصانع مهمة صَنْعته أولاً، فإنْ حدث في هذه الصنعة عَطَب فيجب أنْ تُردَّ إلى الصانع، وإلى قانون الصيانة بافعل ولا تفعل؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح صنعته ويضمن سلامتها، واقرأ إنْ شئتَ: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. ويقول تعالى: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ..} تفسير : [النساء: 59] إذن: فآفة المجتمع البشري أولاً: أنه يريد أن يُحدِّد لخَلْق الله مهمتهم، وأن يتدخل في صنعة ليست صنعته. ثانياً: حين يفسد المجتمع يجعلون له قوانين إصلاحية من عندهم، وهل تركنا الله بدون منهج، وبدون قانون صيانة؟ لقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا إذا حزبه أمر أو عَزَّ عليه شيء يُهْرع إلى ربه، ويقف بين يديه في الصلاة، كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص، فيصلح لك ما فيه من عطب، وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي. أما الحق سبحانه فغيب، فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب، بحيث لا تدري أنت كيف أصلحك، المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك - عز وجل - تعود مُنْشرح الصدر، راضياً طِّيب النفس. الحق سبحانه يقول لرسوله: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} [الأحزاب: 1] لأنهم أهل فساد يمارسونه وينتفعون به؛ لذلك لا بُدَّ أنْ يصادموا الحق، وأنْ يعترضوا طريقه، وأساس الفساد في الكون أنْ يحب الإنسان أنْ يأخذ خير غيره، وأن يكون دمه من عرق الآخرين، فإذا جاء مَنْ يعدل هذا الميزان المائل وقفوا له بالمرصاد؛ لأن دعوته تتعارض ومنافعهم. والحق سبحانه بيَّن لنا على مدى موكب الرسل جميعاً أنه ما من رسول إلا كان له أعداء ومعاندون، لكن سنة الله في الرسل أنْ تكون لهم الغَلَبة في نهاية الأمر، كما قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. إذن: فالله تعالى يريد منا الاستقامة على منهجه، وأهل الفساد يريدون الانحراف عن هذا المنهج، واقرأ: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ..} تفسير : [الأنعام: 153] يعني: استقامة على إطلاقها، فمَنْ منكم يرينا فيه التواءً أو اعوجاجاً؟ {أية : فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 153]. فالصراط المستقيم واحد، وسبيل الحق واحد، أما الباطل والفساد فله سُبُل شتى، وقد نبهنا سيدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه القضية حين خَطَّ للصحابة خطاً واحداً مستقيماً، وعلى جانبيه خطوطاً، ثم تلا: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..} تفسير : [الأنعام: 153]. وتعلَّمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فلو خَطَّ مهندس طريقاً مستقيماً بين بلدين مثلاً تراه لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة الأخرى عدة كيلو مترات. إذن: الطريق المستقيم هو الذي يُسهِّل لك السفر، ويقرب لك المسافة، أما السبل المتعددة فإنها تهدر مجهودك وتشقُّ عليك، حتى أنت في لغتنا العامية تقول لصاحبك: (تعال دغُري) أو تقول (بلاش لف ودوران) كذلك يقول لك ربك: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ..} تفسير : [الأنعام: 153]. وإن كان طريق الحق واحداً، فطرق الضلال متعددة، فواحد فساده من ناحية المال، وواحد من ناحية النساء، وواحد يفسده المنصب والسلطان .. إلخ. فإذا ما جاء رسول من عند الله يكبح جماح هؤلاء لا بُدَّ أن يتصادموا معه؛ لذلك ينبه الحق - تبارك وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم: أول مراتب التقوى أن تتقي الله وحده، ثم لا تُطِع الكافرين والمنافقين؛ لأنهم يريدون أنْ يأخذوك للشر والله يريدك للَخير. وقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} [الأحزاب: 1] تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتكَ فيه أمر من الله؛ لذلك حديث : نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأَي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال له: يا رسول الله، أهذا منزلٌ أنزلكه الله، أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو الحرب والمكيدة"، فقال: إذن هذا ليس لك بمنزل . تفسير : وقد أشار سلمان الفارسي على رسول الله بحفر الخندق فأخذ بمشورته، والقاعدة الشرعية تقول: لا اجتهاد مع النص، فإذا لم يكُنْ في المسألة نصٌّ فلا مانع من أنْ تطيع المؤمنين الناصحين لك، المشيرين عليك بالخير. فالحق سبحانه لم يمنع عن رسوله نُصْح الناصحين، ولم يحرمه مشورة أهل الرأي. وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم: أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ وإجابة هذا السؤال في قوله تعالى: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 159]. فللحاكم أنْ يسمع المشورة، وأنْ يقارن بين الآراء ويفاضل بينها، ثم يكون له وحده القرار النهائي {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ ..} تفسير : [آل عمران: 159] أي: أنت وحدك. وفي العالم المعاصر نرى الأنظمة إذا احتاجت إلى أَخْذ الآراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي به الرئيس، وهذا لا يصح، فالآراء تنير للرئيس الطريق، وتوضح له الصورة، وله هو القرار الأخير؛ لأن الحيثية التي انتخبته من خلالها أنك تشهد له بالتفوق، إذن: فهو الذي يرجح أحد الآراء. وفَرْق بين المشورة والتفويض، فحين يُفوِّض رئيس الدولة شخصاً أو هيئة لدراسة أمر من الأمور، أو اتخاذ قرار، فهي صاحبة الرأي، وحين تعرض عليه ما توصلتْ إليه يعطيها الموافقة؛ لأنه فوَّضها في هذا الأمر، إذن: التفويض يجيز لك اتخاذ القرار، أمَّا المشورة فتقف عند عرض الرأي فحسب. والرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يريد الخروج لغزوة أُحُد، لكن لما شاور صحابته أشاروا عليه بالخروج لما عندهم من العزة والحماس لنصرة دين الله، وظلوا برسول الله حتى استعد للحرب، ولبس لها ملابسها، ثم عادوا إلى رأيه صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما كان لنبي يلبس لامة الحرب ... ". تفسير : وحدث ما حدث في أُحُد ولم ينتصر المسلمون، أما أبو بكر رضي الله عنه - فلم يستمع لمشورة المسلمين في حرب الردة وصمَّم عليها، وقال: والله لأقاتلنهم ولو بالذر يعني: بالحصى، وانتصر الصِّديق، وإليه يرجع الفضل في إنقاذ دين الله من فتنة كادت تذهب به. إذن: فاجعلوا من اختيار الله لرسوله صلى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم مُرجِّحاً، فيأخذ منكم جميع الآراء، ويستشيركم، ثم ينفذ هو ما يراه مناسباً. وهنا فَرْق بين الكافرين والمنافقين، ولدينا بعض المصطلحات التي ينبغي أن نكون على علم بمدلولها: الإيمان والكفر والنفاق والجحد. الإيمان: الإنسان منا له قلب يحمل النوايا، وله قالب يعبر عنها، كما قال الشاعر: شعر : إنَّ الكَلاَم لَفِي الفُؤادِ وإنَّمَا جُعِلَ اللسَانُ عَلَى الفُؤادِ دَليلاً تفسير : فالإيمان هو الحق الذي يعتقده القلب، ويقتنع به، ويوافقه اللسان والقالب، أما إنْ وافق اللسان القلب في الباطل فهذا هو الكفر. لذلك قلنا: إن الكافر منطقي مع نفسه؛ لأنه نطق بما في قلبه، لكنه غير منطقي مع الحق لأنه جحده بقلبه وجحده بلسانه، فليس عنده اختلاف بين القلب واللسان. أما النفاق فهو أنْ يعتقد القلب الكفر ويضمره، ويعلن اللسان كلمة الإيمان، فالمنافق يخالف لسانُه قلبَه، فهو غير منطقي لا مع الحق ولا مع نفسه؛ لذلك كان المنافق في الدَّرْك الأسفل من النار، لأنه أشرُّ من الكافر. لذلك لما طلب سيدنا رسول الله من القوم أنْ يقولوا: لا إله إلا الله قالتها القلة المؤمنة، وامتنعت الكثرة الكافرة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها، وإلا لَقَالوها من بداية الأمر، وانتهت المواجهة بين الإيمان والكفر، فعدم نُطْقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها. أما الجاحد فعلى النقيض من المنافق، فهو مقتنع في نفسه، لكنه لا يقدر على النطق بما يقتنع به من الحق؛ لذلك يقول تعالى عنهم: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} تفسير : [النمل: 14]. ولما طال الجدل بينهم وبين رسول الله قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] بدل أن يقولوا: فاهدنا إليه. وبعد أنْ قالوا في القرآن أنه سحر، وأنه أساطير الأولين .. إلخ زهق باطلهم، وكشف الله جحودهم، حين حكى قولهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن لا غبارَ عليه وهو حق، لولا أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولو نزل على عظيم من عظماء مكة أو المدينة لآمنَّا به، وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن، والقرآن يستوجب أنْ يؤمنوا أيضاً بمحمد. ومعلوم أن الإسلام صاح صيحته الأولى في أُذن مَنْ؟ في أذن كفار مكة وسادة قريش والجزيرة كلها، وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين العرب جميعاً لقيامهم على خدمة الحجيج، ووقوع بلادهم على طرق التجارة بين الشمال والجنوب. إذن: الإسلام لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الأولى، إنما اختار السادة، لكن الله تعالى لم يشأ أنْ ينتصر الإسلام في مكة؛ لأنه لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال: قوم من قريش تعصَّبوا لواحد منهم ليسودوا به العالم كما سادوا الجزيرة. لذلك لما أعلن سيدنا رسول الله دعوته بين قومه أسرعوا إليه يقولون: يا محمد إنْ كنتَ تريد مُلْكاً ملّكناك علينا، وإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا .. فقال قولته المشهورة: "حديث : والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أنْ أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله، أو أهلك دونه ". تفسير : فشاء الله أن تكون الصرخة الأولى في أذن السادة أصحاب الكلمة والسلطة في مكة، وأن تكون نصرة الدين في المدينة، لتعلم الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وليست العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد. ونفهم أيضاً من قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} [الأحزاب: 1] أن غير الكافرين وغير المنافقين لا يكون لهم أمر يُطاع مع أمر رسول الله؛ لأن المؤمن برسول الله يتلقَّى من رسول الله. لذلك يُعَدُّ من الخطأ بمكان أن نقول: كيف فعل رسول الله كذا وكذا؟ فنناقشه ونستدرك عليه صلى الله عليه وسلم، وكيف تجعل من نفسك أيها المؤمن ميزاناً وحَكَماً يحكم على أفعال الرسول ويضعها في الميزان؟ كمن يناقشون مثلاً مسألة تعدد الزوجات، ويصل بهم الحدُّ إلى انتقاد رسول الله، وكأنه يُجري له محاكمة. وكيف نعارض رسول الله في هذا، والله تعالى لم يعارضه، ولم يُقِلْه من مسألة الرسالة، بل ارتضى الله فِعْل رسوله وباركه، فلا تجعل من نفسك مقياساً على رسول الله؛ لأن الأصل أنه هو المقياس الذي نقيس عليه أفعالنا، فنسأل: أفعل رسول الله ذلك أم لم يفعل؟ فإنْ فعل فعلنا. ومن هذا المنطلق سُمِّي الصِّديق صِدِّيقاً، فلما حدَّثوه أن رسول الله يخبر أنه أتى بيت المقدس في ليلة قال: إنْ كان قال فقد صدق. والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما يُبيِّن له طبيعتهم، وحقيقة عدائهم له، فهُمْ غير مخلصين له، وعليه أن يتهم أمرهم إنْ أمروه ويتهم نهيهم إنْ نَهوْه، وكيف يُخلِصون في أمره أو نهيه، وقد جاء ليصادم سيادتهم، ويكسر جبروتهم وكفرهم؟ وهَبْهم مخلصين لك لأنك من قريش، ويريدون نصرتك فينقصهم في نُصْحهم لك العلم والحكمة، فلا يصح إذن أنْ تقارن بين طاعة الله وطاعة هؤلاء، مهما كانوا مخلصين لك. كما نلحظ أن القوم فعلاً طلبوا من رسول الله أشياء، فكأن الله نبهه قبل أنْ يطلبوا منه إلى ما يُطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم، والطاعة فيها مطيع ومطاع، وهم يريدون ان يكونوا مطاعين، ورسول الله طائع ممتثل لأمرهم، لكن كيف تقلب المسألة بهذا الشكل، وما جاء رسول الله إلا ليُشرِّع للناس فيطيعوه، فهو الذي يأمر، وهو الذي يُطاع. فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والأعور السلمي وانضم إليهم وفد ثقيف، جاءوا جميعاً إلى المدينة واجتمعوا بعبد الله بن أُبيٍّ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وقد أمَّنهم رسول الله فقالوا: يا محمد كُفَّ عن آلهتنا: اللات والعزى ومناة، واشهد بأن شفاعتهم تُقبل عند الله، ونريد أن تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب، فمتِّعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ذلك، ونتركك وشأنك مع ربك. فنهاه الله {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} [الأحزاب: 1] لأنك لا ينبغي أن تتراجع أمامهم في شيء أبداً، وإلاّ لكنتَ خاضعاً لهذه السيادة المزعومة، ولأعطيتهم الفرصة حين تطاوعهم؛ لأنْ يقولوا: لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين، وأنت المهدي. ثم إن هذا الأمر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة وليدة تحتاج إلى مهادنة مع أعدائها، وربما يقول قائل: ولِمَ لم يهادنهم رسول الله حتى يشتدَّ عود الدعوة، فهم سادة القوم وأصحاب الكلمة والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة، ويرفض أن يعتمد رسول الله إلا على الله؛ لذلك قال في الآية بعدها: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 3]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الأحزاب: 1] فالعلم غير الحكمة، العلم أن تعلم القضايا، أمّا الحكمة فأنْ تُوظِّف هذه القضايا في أماكنها، فالعلم وحده لا يكفي، فالصفتان متلازمتان متكاملتان، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} تفسير : [القصص: 26]. فالقوي إنْ كان خائناً لم تنفعك قوته، كذلك إنْ كان الأمين ضعيفاً فلا تنفعك أمانته؛ لذلك لما اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من أهل العراق، يقول: إن استعملتُ عليهم القوي يَفْجُروه، وإن استعملتُ عليهم الضعيف يُهينَوه، فقال له: إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه فجوره، فقال له أمير المؤمنين: ما دُمْتَ قد عرفتََ هذا فلا أُوَلِّي عليهم غيرك. إذن: فالعلم يعطيك قضايا الخير كله، والحكمة أنْ تضع الشيء في موضعه، والقضية في مكانها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {أَدْعِيَآءَكُمْ} جمع دعيّ وهو الولد المتبنَّى من أبناء الغير قال في اللسان: والدَّعيُ: المنسوب إلى غير أبيه، قال الشاعر: شعر : دعيُّ القوم ينصرُ مدَّعيهِ لِيُلْحقه بذي النَّسب الصَّميم أبي الإِسلامُ لا أبَ لي سِواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم تفسير : {أَقْسَطُ} أعدلُ يقال: أقسطَ الرجلُ إذا عدل، وقسطَ إذا ظلم، والقسطُ: العدلُ. {مَسْطُوراً} أي مسطَّراً مكتوباً لا يُمحى. {مِيثَاقَهُمْ} الميثاقُ: العهد المؤكد بيمين أو نحوه. {ٱلْحَنَاجِرَ} جمع حَنْجرة وهي نهاية الحلقوم مدخل الطعام والشراب. {يَثْرِبَ} اسم المدينة المنورة وسمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة. {عَوْرَةٌ} خالية من الرجال غير محصَّنة يقال: دارٌ مُعْورة إذا كان يسهل دخولُها، قال الجوهري: العَوْرة كلُّ خلل يُتخوف منه في ثَغر أو حرب. {أَقْطَارِهَا} جمع قُطْر وهو الناحية والجانب. {يَعْصِمُكُمْ} يمنعكم. {ٱلْمُعَوِّقِينَ} المثبطين مشتق من عاقه إذا صرفه. سَبَبُ النّزول: أ - روي أن رجلاً من قريش يُدعى "جميل بن مَعْمر" كان لبيباً حافظاً لما يسمع, فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه فأنزل الله {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ..} الآية. ب - وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك أمر الناس بالتجهز والخروج لها، فقال أناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فأنزل الله {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ..} الآية. التفسِير: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} النداء على سبيل التشريف والتكرمة لأن لفظ النبوة مشعر بالتعظيم والتكريم أي اثبتْ على تقوى الله ودُمْ عليها، قال أبو السعود: في ندائه صلى الله عليه وسلم بعنوان النبوة تنويهٌ بشأنه، وتنبيهٌ على سمو مكانه، والمراد بالتقوى المأمور به الثباتُ عليه والازديادُ منه، فإِنَّ له باباً واسعاً ومكاناً عريضاً لا يُنال مداه {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} أي ولا تطع أهل الكفر والنفاق فيما يدعونك إليه من اللين والتساهل، وعدم التعرض لآلهتهم بسوء، ولا تقبل أقوالهم وإِن أظهروا أنها نصيحة، قال المفسرون: دعا المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض ذكر آلهتهم بسوء، وأن يقول إن لها شفاعة، فكره صلى الله عليه وسلم ذلك ونزلت الآية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي إنه تعالى عالم بأعمال العباد وما يضمرونه في نفوسهم، حكيم في تدبير شؤونهم {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} أي واعمل بما يوحيه إليك ربك من الشرع القويم، والدين الحكيم، واستمسك بالقرآن المنزل عليك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي خبيرٌ بأعمالكم لا تخفى عليه خافية من شئونكم، وهو مجازيكم عليها {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} أي اعتمد عليه، والجأ في جميع أمورك إليه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي حسبك أن يكون الله حافظاً وناصراً لك ولأصحابك، ثم ردَّ تعالى مزاعم الجاهليين ببيان الحق الساطع فقال: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} أي ما خلق الله لأحدٍ من الناس أياً كان قلبين في صدره، قال مجاهد: نزلت في رجلٍ من قريش كان يُدعى "ذا القلبين" من دهائه, وكان يقول: إنَّ في جوفي قلبين أعقل بكلِ واحدٍ منهما أفضل من عقل محمد {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} أي وما جعل زوجاتكم اللواتي تظاهرون منهنَّ أمهاتكم، قال ابن الجوزي: أعلمَ تعالى أن الزوجة لا تكونُ أُماً، وكانت الجاهلية تُطلّق بهذا الكلام وهو أن يقول لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} أي وما جعل الأبناء من التبني الذين ليسوا من أصلابكم أبناءً لكم حقيقةً {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} أي دعاؤهم أبناء مجرد قول بالفم لا حقيقة له من الواقع {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} أي والله تعالى يقول الحقَّ الموافق للواقع، والمطابق له من كل الوجوه {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أي يرشد إلى الصراط المستقيم، والغرضُ من الآية التنبيهُ على بطلان مزاعم الجاهلية، فكما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، فكذلك لا يمكن أن تصبح الزوجة المظاهر منها أماً، ولا الولد المتبنَّى ابناً، لأن الأم الحقيقية هي التي ولدته، والابن الحقيقي هو الذي وُلد من صلب الرجل، فكيف يجعلون الزوجات المظاهر منهن أمهات؟ وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناءً لهم مع أنهم ليسوا من أصلابهم؟ ثم أمر تعالى بردّ نسب هؤلاء إلى آبائهم فقال: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} أي انسبوا هؤلاء الذين جعلتموهم لكم أبناء لآبائهم الأصلاء {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} أي هو أعدلُ وأقسط في حكم الله وشرعه قال ابن جرير: أي دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله وأصدقُ وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أي فإِن لم تعرفوا آباءهم الأصلاء فتنسبوهم إليهم فهم إخوانكم في الإِسلام {وَمَوَالِيكُمْ} أي أولياؤكم في الدين، فليقل أحدكم: يا أخي ويا مولاي يقصد أخوَّة الدين وولايته، قال ابن كثير: أمر تعالى بردّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عُرفوا، فإِن لم يُعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: "حديث : أنت أخونا ومولانا"تفسير : وقال ابن عمر: ما كنا ندعو "زيد ابن حارثة" إلا زيد بن محمد حتى نزلت {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي وليس عليكم أيها المؤمنون ذنبٌ أو إثم فيمن نسبتموهم إلى غير آبائهم خطأً {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي ولكنَّ الإِثم فيما تقصدتم وتعمدتم نسبته إلى غير أبيه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة, يعفو عن المخطئ ويرحم المؤمن التائب، ثم بيَّن تعالى شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم فقال: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي هو عليه السلام أرأف بهم وأعطف عليهم، وأحقُّ بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ وطاعته أوجب {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي وزوجاتُه الطاهرات أمهات المؤمنين في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهنَّ قال أبو السعود: أي منزّلات منزلة الأمهات، في التحريم واستحقاق التعظيم، وأما فيما عدا ذلك فهنَّ كالأجنبيات {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} أي أهل القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} أي أحقُّ بالإِرث من المهاجرين والأنصار في شرع الله ودينه {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} أي إلاّ أن تحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين والمهاجرين في حياتكم، أو توصوا إليهم عند الموت فإِن ذلك جائز، وبسط اليد بالمعروف مما حثَّ الله عباده عليه قال المفسرون: وهذا نسخٌ لما كان في صدر الإِسلام من توارث المسلمين من بعضهم بالأخوة الإِيمانية وبالهجرة ونحوها {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} أي كان حكم التوارث بين ذوي الأرحام مكتوباً مسطراً في الكتاب العزيز لا يبدل ولا يُغير، قال قتادة: أي مكتوباً عند الله عز وجل أَلاَّ يرث كافر مسلماً {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} أي اذكر وقت أخذنا من النبيين عهدهم المؤكد باليمين، أن يفوا بما التزموا، وأن يصدِّق بعضهم بعضاً, وأن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالاتهم {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي وأخذنا منك يا محمد الميثاق ومن نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء هم أولو العزم ومشاهير الرسل، وإِنما قدَّمه صلى الله عليه وسلم في الذكر لبيان مزيد شرفه وتعظيمه، قال البيضاوي: خصَّهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع، وقدَّم نبينا عليه الصلاة والسلام تعظيماً له وتكريماً لشأنه وقال ابن كثير: بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبياناً لعظم مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي وأخذنا من الأنبياء عهداً وثيقاً عظيماً على الوفاء بما التزموا به من تبليغ الرسالة {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} أي ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الصادقين عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، قال الصاوي: والحكمة في سؤال الرسل مع علمه تعالى بصدقهم هو التقبيح على الكفار يوم القيامة وتبكيتهم وقال القرطبي: وفي الآية تنبيه على أن الأنبياء إذا كانوا يُسألون يوم القيامة فكيف بمن سواهم؟ وفائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال تعالى لعيسى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ}تفسير : [المائدة: 116] {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} أي وأعد الله للكافرين عذاباً مؤلماً موجعاً، بسبب كفرهم وإِعراضهم عن قبول الحق، ثم شرع تعالى في ذكر "غزوة الأحزاب" وما فيها من نِعَمٍ فائضة، وآيات باهرة للمؤمنين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا فضله وإِنعامه عليكم {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} أي وقت مجيء جنود الأحزاب وتألبهم عليكم، قال أبو السعود: والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة وبني النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلام بإِقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإِشارة "سلمان الفارسي" ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندقُ بينه وبين المشركين، واشتد الخوف وظنَّ المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق في المنافقين حتى قال "معتب بن قشير" يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} أي فأرسلنا على الأحزاب ريحاً شديدة وجنوداً من الملائكة لم تروهم وكانوا قرابة ألف قال المفسرون: بعث الله عليهم ريحاً عاصفاً وهي ريح الصبا في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم، وكفأت قدورهم، وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل الله الملائكة فزلزلتهم ـ ولم تقاتل ـ بل ألقت في قلوبهم الرعب {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي وهو تعالى مطلع على ما تعملون من حفر الخندق، والثبات على معاونة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} أي حين جاءتكم الأحزاب من فوق الوادي يعني من أعلاه قبل المشرق، ومنه جاءت أسد وغطفان {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي ومن أسفل الوادي يعني أدناه قِبل المغرب، ومنه جاء قريش وكنانة وأوباش العرب، والغرضُ أن المشركين جاءوهم من جهة المشرق والمغرب، وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم، وأعانهم يهود بني قريظة فنقضوا العهد مع الرسول وانضموا إلى المشركين، فاشتد الخوف، وعظُم البلاء ولهذا قال تعالى {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} أي وحين مالت الأَبصار عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصاً لشدة الهول والرعب {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تبلغ الحناجر، وهذا تمثيلٌ لشدة الرعب والفزع الذي دهاهم، حتى كأن أحدهم قد وصل قلبه إلى حنجرته من شدة ما يلاقي من الهول {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة، قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يُستأصلون، وظنَّ المؤمنون أنهم يُنصرون، فالمؤمنون ظنوا خيراً، والمنافقون ظنوا شراً، وقال ابن عطية: كاد المؤمنون يضطربون ويقولون: ما هذا الخُلف للوعد؟ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فتعجلوا ونطقوا وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي في ذلك الزمان والمكان امتحن المؤمنون واختبروا، ليتميز المخلص الصادق من المنافق قال القرطبي: وكان هذا الابتلاءُ بالخوف والقتال، والجوع والحصر والنزال {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} أي وحرّكوا تحريكاً عنيفاً من شدة ما دهاهم، حتى لكأن الأرض تتزلزل بهم وتضطرب تحت أقدامهم، قال ابن جزي: وأصل الزلزلة شدةُ التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب وتزعزعها {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي واذكر حين يقول المنافقون، والذين في قلوبهم مرض النفاق، لأن الإِيمان لم يخالط قلوبهم {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} أي وما وعدنا الله ورسوله إلا باطلاً وخداعاً، قال الصاوي: والقائل هو "معتب بن قشير" الذي قال: يعدنا محمدٌ بفتح فارس والروم، وأحدُنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً، ما هذا إلا وعد غرور، يغرنا به محمد {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي واذكر حين قالت جماعة من المنافقين وهم: أوس بن قيظي وأتباعه، وأُبيُّ بن سلول وأشياعه {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ} أي يا أهل المدينة لا قرار لكم هٰهنا ولا إقامة {فَٱرْجِعُواْ} أي فارجعوا إلى منازلكم واتركوا محمداً وأصحابه {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} ويستأذن جماعة من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم في الإِنصراف متعللين بعلل واهية {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي غير حصينة فنخاف عليها العدوَّ والسُّراق {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} تكذيب من الله تعالى لهم أي ليس الأمر كما يزعمون {إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} أي ما يريدون بما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الهرب من القتال، والفرار من الجهاد، والتعبيرُ بالمضارع {وَيَسْتَأْذِنُ} لاستحضار الصورة في النفس، فكأن السامع يبصرهم الآن وهم يستأذنون، ثم فضحهم تعالى وبيَّن كذبهم ونفاقهم فقال: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي ولو دخل الأعداء على هؤلاء المنافقين من جميع نواحي المدينة وجوانبها {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} أي ثم طلب إليهم أن يكفروا وأن يقاتلوا المسلمين لأعطوها من أنفسهم {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} أي لفعلوا ذلك مسرعين، ولم يتأخروا عنه لشدة فسادهم، وذهاب الحق من نفوسهم، فهم لا يحافظون على الإِيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، وهذا ذمٌ لهم في غاية الذم {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} أي ولقد كان هؤلاء المنافقون أعطوا ربهم العهود والمواثيق من قبل غزوة الخندق وبعد بدر ألا يفروا من القتال {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أي وكان هذا العهد منهم جديراً بالوفاء لأنهم سيسألون عنه، وفيه تهديدٌ ووعيد، قال قتادة: لما غاب المنافقون عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدرٍ من الكرامة والنصر، قالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} أي قل يا أيها النبي لهؤلاء المنافقين، الذين يفرون من القتال طمعاً في البقاء وحرصاً على الحياة، إن فراركم لن يطوّل أعماركم ولن يؤخر آجالكم، ولن يدفع الموت عنكم أبداً {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ولئن هربتم وفررتم فإِذاً لا تمتعون بعده إلا زمناً يسيراً، لأن الموت مآل كل حي، ومن لم يمت بالسيفِ مات بغيره {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي من يستطيع أن يمنعكم منه تعالى {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي إن قدَّر هلاككم ودماركم، أو قدَّر بقاءكم ونصركم؟ {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي وليس لهم من دون الله مجير ولا مغيث، فلا قريب ينفعهم ولا ناصر ينصرهم {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} أي لقد علم الله تعالى ما كان من أمر أولئك المنافقين، المثبطين للعزائم، الذين يعّوقون الناس عن الجهاد، ويصدونهم عن القتال {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي والذين يقولون لإِخوانهم في الكفر والنفاق: تعالوا إلينا واتركوا محمداً وصحبه يهلكوا ولا تقاتلوا معهم، قال تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ولا يحضرون القتال إلا قليلاً منهم رياءً وسمعة، قال الصاوي: لأن شأن من يثبّط غيره عن الحرب ألاّ يفعله إلا قليلاً لغرضٍ خبيث وقال في البحر: المعنى: لا يأتون القتال إلا إتياناً قليلاً، يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه، فقتالُهم رياء ليس بحقيقة {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي بخلاء عليكم بالمودة والشفقة والنصح لأنهم لا يريدون لكم الخير {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي فإِذا حضر القتال رأيت أولئك المنافقين في شدة رعب لا مثيل لها، حتى إنهم لتدور أعينهم في أحداقهم كحال المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حَذراً وخَوراً، قال القرطبي: وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يميناً وشمالاً محدّداً بصره، وربما غُشي عليه من شدة الخوف {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} أي فإِذا ذهب الخوف عنهم وانجلت المعركة آذوكم بالكلام بألسنة سليطة، وبالغوا فيكم طعناً وذماً، قال قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون: أعطونا أعطونا فإِنا قد شهدنا معكم، ولستم أحقَّ بها منا، فأما عند البأس فأجبن قومٍ وأخذلهم للحق، وأمّا عند الغنيمة فأشح قوم وأبسطهم لساناً {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} أي خاطبوكم بما خاطبوكم به حال كونهم أشحة أي بخلاء على المال والغنيمة {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر من صفات السوء، لم يؤمنوا حقيقةً بقلوبهم وإِن أسلموا ظاهراً {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها بسبب كفرهم ونفاقهم، لأن الإِيمان شرط في قبول الأعمال {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي وكان ذلك الإِحباط سهلاً هيناً على الله، ثم أخبر تعالى عنهم بما يدل على جبنهم فقال: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} أي يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب ـ وهم كفار قريش ومن تحزب معهم ـ بعد انهزامهم لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد انصرفوا {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ} أي وإِن يرجع إليهم الكفار كرة ثانية للقتال يتمنوا لشدة جزعهم أن يكونوا في البادية من الأعراب ـ لا في المدينة معكم ـ حذراً من القتل وتربصاً للدوائر {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أي يسألون عن أخباركم وما وقع لكم فيقولون: أهلك المؤمنون؟ أغلب أبو سفيان؟ ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ولو أنهم كانوا بينكم وقت القتال واحتدام المعركة ما قاتلوا معكم إلا قتالاً قليلاً، لجبنهم وذلتهم وحرصهم على الحياة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير لإِفادة الاستغراق والشمول {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ} وإِدخال حرف الجر الزائد لتأكيد الاستغراق، وذكر الجوف {فِي جَوْفِهِ} لزيادة التصوير في الإِنكار. 2- جناس الاشتقاق {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}. 3- الطباق بين {أَخْطَأْتُمْ ..و.. تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} وبين {سُوۤء ..و.. رَحْمَةً} لأن المراد بالسوء الشر، وبالرحمة الخير. 4- التشبيه البليغ {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} حُذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغاً، وأصل الكلام وأزواجه مثل أمهاتهم في وجوب الاحترام والتعظيم، والإِجلال والتكريم. 5- المجاز بالحذف {أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} أي أولى بميراث بعض. 6- ذكر الخاص بعد العام للتشريف {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة النبيين ولكنه خصهم بالذكر تنويهاً بشأنهم وتشريفاً لهم. 7- الاستعارة {مِّيثَاقاً غَلِيظاً} استعار الشيء الحسي ـ وهو الغلظُ الخاص بالأجسام ـ للشيء المعنوي وهو بيان حرمة الميثاق وعظمه وثقل حمله. 8- الالتفات {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ} وغرضه التبكيت والتقبيح للمشركين. 9- الطباق بين {مِّن فَوْقِكُمْ ..و.. أَسْفَلَ مِنكُمْ}. 10- التشبيه التمثيلي {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. 11- المبالغة في التمثيل {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} صوَّر القلوب في خفقانها واضطرابها كأنها وصلت إلى الحلقوم. 12- الكناية {لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} كناية عن الفرار من الزحف. 13- الاستعارة المكنية {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} شبَّه اللسان بالسيف المصلت وحذف ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق بمعنى الضرب على طريق الاستعارة المكنية، ولفظ {حِدَادٍ} ترشيح. 14- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً .. مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} ونحوه وهو يزيد في رونق الكلام وجماله، لما له من وقع رائع، وجرْس عذب. تنبيه: خاطب الله تعالى الأنبياء بأسمائهم فقال {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا}تفسير : [هود: 48]، {أية : يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}تفسير : [الصافات: 104ـ105]، {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}تفسير : [الأعراف: 144] ولم يخاطب الرسول إلا بلفظ النبوة والرسالة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنفال: 64]، {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [المائدة: 67] الخ ولا نجد في القرآن العظيم كله نداءً له باسمه، وإِنما النداء بلفظ النبوة والرسالة، وفي هذا تفخيم لشأنه، وتعظيم لمقامه، وإشارة إلى أنه سيد الأولين والآخرين، وإِمام الأنبياء والمرسلين، وتعليم لنا الأدب معه صلى الله عليه وسلم، فلا نذكره إلا مع الإِجلال والإِكرام، ولا نصفه إلا بالوصف الأكمل {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}تفسير : [النور: 63]، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [الحجرات: 3] الآية. لطيفَة: إن قيل: ما الفائدة بأمر اللهِ رسوله بالتقوى وهو سيد المتقين؟ فالجواب أنه أمرٌ بالثبات والاستدامة على التقوى كقوله {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ}تفسير : [النساء: 136] أي اثبتوا على الإِيمان وكقول المسلم: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الفاتحة: 6] وهو مهتد إليه وغرضه ثبتنا على الصراط المستقيم، أو نقول: الخطاب للرسول والمراد أمته.
الصابوني
تفسير : [1] التبني في الجاهلية والإسلام التحليل اللفظي {ٱتَّقِ ٱللَّهَ}: أي أثبت على تقوى الله ودم عليها، والتقوى لفظ جامع يراد منه فعلُ كلّ خير، واجتنابُ كل شر، وأصله من (الوقاية) بمعنى الحفظ والصيانة. قال في "اللسان": التقوى، والإتّقاء، والتّقاة، والتّقيّة كله واحد، ورجل تقيّ: معناه يقي نفسه من العذاب والمعاصي بالعمل الصالح. قال ابن الوردي: شعر : واتّقِ اللَّهَ فتقوى اللَّهِ مَا جاورتْ قلبَ امرئٍ إلاّ وصَل ليس من يقطعُ طرقاً بطَلاً إنَما مَنْ يَتَّق اللَّهَ البطل تفسير : {ٱلْكَٰفِرِينَ}: جمع كافر، وهو الجاحد لنعم الله، مشتق من (الكَفْر) وهو الستر، وكل من ستر شيئاً فقد كفره، ولهذا يسمّى الزارع (كافراً) لأنه يستر الحب في الأرض ومنه قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20] أي أعجب الزرّاع. ويسمى الليل كافراً لأنه يستر بظلامه الأشياء. وفي الصحاح: والكافر: الليلُ المظلم لأنه يستر بظلمته كل شيء، وكفر النعمة جحدها. وقال الجوهري: ومن ذلك سُمّي الكافر كافراً لأنه ستر نعم الله عز وجلّ، ونعمُه آياته الدالة على توحيده. قال بعض العلماء: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله أصلاً، ولا يعترف به، ويكفر بقلبه ولسانه. وكفر جحود وهو أن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه، ككفر إبليس، وكفر أهل الكتاب {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. وكفر عناد وهو: أن يعترف بقلبه، ويقرّ بلسانه ولا يدين به حسداً وبغياً ككفر أبي جهل وأضرابه. وكفر نفاق وهو: أن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه فلا يعتقد بما يقول وهو فعل المنافقين. {وَٱلْمُنَٰفِقِينَ}: جمع منافق وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، مشتق من (النَّفَق) وهو سَرَب في الأرض، والنافقاء: جُحْرُ الضبّ واليربوع، قال أبو عبيد: سمّي المنافق منافقاً للنّفق وهو السّرَب في الأرض، وقيل: إنما سُمّي منافقاً لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه. فإذا طُلِبَ خرج من القاصعاء، فهو يدخل من (النافقاء) ويخرج من (القاصعاء) أو بالعكس، وهكذا يفعل المنافق يدخل في الإسلام ثمّ يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه. وقال في "اللسان": وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق، وهو اسم اسلاميّ لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويُظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً. {وَكِيلاً}: الوكيل: الحافظ، الكفيل بأرزاق العباد، والمتوكل على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره، فيركن إليه وحده، ولا يتوكل على غيره، وفي التنزيل: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفرقان: 58] وتوكّلَ بالأمر إذا ضمن القيام به. والتوكل: اللجوء والاعتماد يقال: وكلتُ أمري إلى فلان أي ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه قال تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3]. والمعنى: اعتمد على الله والجأ إليه، وكفى به حافظاً وكفيلاً. قال أبو السعود: {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} أي فوّض جميع أمورك إليه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي حافظاً موكلاً إليه كل الأمور. {تُظَٰهِرُونَ}: نزل القرآن الكريم والعرب يعقلون من هذا التركيب (ظاهر من زوجته) أنه قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، وكان الظّهار عندهم طلاقاً، فلما جاء الإسلام نُهوا عنه، وأُوجِبت الكفارة على من ظاهر من امرأته. قال في "اللسان": وأصل الظّهار مأخوذ من الظَّهْر، وإنما خصّوا الظهر دون البطن والفخذ، لأنّ الظهر موضع الركوب، فكأنه قال: ركوبك للنكاح عليّ حرام كركوب أمي للنكاح، فأقام الظهر مقام الركوب، وهذا من لطيف الاستعارات للكناية. {أَدْعِيَآءَكُمْ}: جمع دَعيّ، وهو الذي يُدعى ابناً وليس بابن، وهو التبني الذي كان في الجاهلية وأبطله الإسلام، وقد تبنّى عليه السلام (زيد بن حارثة) قبل النبوة لحكمة جليلة نبينها بعد إن شاء الله. قال في "اللسان": والدّعي: المنسوب إلى غير أبيه، والدِّعوة بكسر الدال: ادّعاء الولد الدّعيّ غير أبيه، وقال ابن شُميل: الدَّعوة بالفتح في الطعام، والدِّعوة بالكسر في النسب. وقد أنكر بعضهم هذه التفرقة. وقال الشاعر: شعر : دعيّ القوم ينصرُ مدّعيه ليُلحقه بذي النسب الصّميم أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقَيْسٍ أو تميم تفسير : {أَقْسَطُ}: بمعنى أعدل أفعل تفضيل، يقال: أقْسَط إذا عدل، وقَسَط إذا جار وظلم، فالرباعي (أقسط) يأتي اسم الفاعل منه (مُقْسِط) بمعنى عادل ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9] والثلاثي (قَسَط) يأتي اسم الفاعل منه (قاسط) بمعنى جائر ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15] فكأنّ الهمزة في أقسط للسلب، كما يقال: شكا إليه فأشكاه، أي أزال شكواه. والقِسط: العدل قال تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الرحمٰن: 9]. {وَمَوَٰلِيكُمْ}: أي أولياؤكم في الدين، جمع مولى وهو الذي بينه وبين غيره حقوق متبادلة كما بين القريب وقريبه، والمملوك سيّده. ومعنى الآية: فإن لم تعرفوا آباءهم أيها المؤمنون فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه، فليقل أحدكم: يا أخي، أو يا مولاي، يقصد بذلك الأخوّة والولاية في الدين. {غَفُوراً}: يغفر ذنوب عباده، ويكفّر عنهم السيئات إذا تابوا {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]. {رَّحِيماً}: بعباده ومن رحمته أنه رفع الإثم عن المخطئ، ولم يؤاخذه على خطئه. المعنى الإجمالي أمر الله تبارك وتعالى نبيّه الكريم بالتقوى واجتناب المحارم، وحذّره من طاعة الكفار والمنافقين، لأنهم أعداء الله ورسوله، وأعداء المؤمنين، لا يؤتمنون على شيء، ولا يستشارون في أمر، فظاهرهم غير باطنهم، وصورتُهم غير حقيقتهم، لذلك ينبغي الحذر منهم، وعدم الاستجابة لهم، والإعراض عنهم لأنهم فسقة خارجون عن طاعة الله عز وجلّ. والخطاب وإن كان في صورته موجهاً للنبي عليه السلام، لكنّه في الحقيقة تعليم للأمة، وإرشاد لها؛ لتسلك طريق التقوى، وتعمل بهدي القرآن. وقد استحدث أهل الجاهلية بدعاً غريبة، ومنكراتٍ كثيرة، زعموا أنّها من الدين، فنزل القرآن الكريم مبطلاً لهذه البدع، مغيّراً تلك الخرافات والأباطيل، بالحق الساطع، والبرهان القاطع، مقرراً الأمر على أساس المنطق السليم. يقول الله تعالى ما معناه: "يا أيها النبي تحل بالتقوى، وتمسّك بطاعة الله، ولا تطع أهل الكفر والنفاق فيما يدعونك إليه من اللين والتساهل وعدم التعرض لآلهتهم بسوء، فإنّ الله عالم بأحوال العباد، لا تخفى عليه خافية، واتّبْع ما يوحيه إليك ربك، من الشرع القويم، والدين الحكيم، ولا تخش وعيد أحدٍ من المشركين، فإنّ الله معك فتوكل عليه، والجأ في جميع أمورك إليه، فهو الحافظ والناصر. ثم ردّ تعالى مزاعم أهل الجاهلية، وما هم عليه من ضلالٍ وعنادٍ، فبيّن أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، فكذلك لا يمكن أن تصبح الزوجة المظاهر منها أماً، ولا الولد المتبنّى ابناً، لأن الأم الحقيقية هي التي ولدته {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] والابن الحقيقي هو الذي جاء من صلب ذلك الرجل فلا يمكن لإنسان أن يكون له أبوان، فكيف يزعمون أنّ هؤلاء الزوجات أمهات!! وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناءً لهم، مع أنهم ليسوا من أصلابهم!! ذلك هو محض الكذب والافتراء على الله، والله يقول الحق ويهدي إلى أقوم طريق. ثم أمر تعالى بنسبة هؤلاء إلى آبائهم، لأنه أعدل وأقسط فقال: فإن لم تعرفوا - أيها المؤمنون - آباءهم، فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه، فليقل أحدكم: يا أخي ويا مولاي يقصد أخوّة الدين وولايته، وليس عليكم ذنب فيما أخطأتم به ولكنّ الذنب والإثم فيما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً، يغفر لعباده زلاتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم. سبب النزول روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة أسباباً عديدة نذكر أصحها وأجمعها: أولاً: رُوي أنّ أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ، ومُعتّب بن قُشَيْر، والجدّ بن قيس، فتكلموا فيما بينهم، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه إلى أمرهم، وعرضوا عليه أشياء، وطلبوا منه أن يرفض ذكر (اللاَّت والعُزّى) بسوء. وأن يقول: إنّ لها شفاعة، فكره صلى الله عليه وسلم ذلك، ونزلت هذه الآية: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ}. ثانياً: وروي أنّ رجلاً من قريش يُدعى (جميل بن مَعْمَر الفِهْري) كان لبيباً، حافظاً لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلاّ وله قلبان في جوفه، وكان يقول: "إن لي قلبين أعقل بكلّ واحدٍ منهما أفضل من عقل محمد"، فلمّا كان يوم بدر، وهُزِم المشركون - وفيهم يومئذٍ جميل بن مَعْمر - تلقَّاه (أبو سفيان) وهو معلّق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، قال: فما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعَرْتُ إلاّ أنهما في رجليّ!! فعرفوا يومئذٍ أنه لو كان له قلبان لما نسيَ نعله في يده فأنزل الله تعالى {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...} الآية. ثالثاً: وروى السيوطي عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تبنّى (زيد بن حارثة) وأعتقه قبل الوحي، فلمّا تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون: تزوّج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها فنزل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} الآية. رابعاً: وروى البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما كنّا ندعو (زيد بن حارثة) إلاّ زيد بن محمد، حتى نزلت الآية الكريمة {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ...}. وجوه القراءات أولاً: قرأ الجمهور {إنّ اللَّهَ بما تَعْملون} بتاء الخطاب، وقرأ أبو عمرو (يعملون) بياء الغَيْبة، قال أبو حيّان: وعلى قراءة أبي عمرو يجوز أن يكون من باب الالتفات. ثانياً: قرأ الجمهور {اللاّئي تُظَاهرون منهنّ} بالهمز وياء بعدها، وقرأ (أبو عمرو) بياء ساكنة (واللايْ) بدلاً من الهمزة، وهي لغة قريش وقرأ (ورش) بياء مختلسة الكسرة. ثالثاً: قرأ الجمهور {تُظَاهرون منهنّ} بضم التاء، وفتح الظّاء، من ظاهر وقرأ (أبو عمرو) بشدّ الظاهر {تَظّاهرون} وقرأ هارون (تَظْهَرون) بفتح التاء والهاء، وقد ذكر أبو حيّان في تفسيره "البحر المحيط" أنّ فيها تسع قراءات. رابعاً: قرأ الجمهور {وهو يَهْدي السّبيلَ} بفتح الياء مضارع هدى، وقرأ قتادة (يُهَدِّي) بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الدال... وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ} جعل هنا بمعنى (خلق) فهي تنصب مفعولاً واحداً، بخلاف قوله {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} فإنها بمعنى: (صيّر) تنصب مفعولين، وقوله: (من قلبين) مِنْ صلة (أي زائدة) و(قلبين) مفعول جعل، و(في جوفه) متعلق بجَعَل. ثانياً: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ}... الحقّ: منصوب لوجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً لـ (يقول). والثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره: والله يقول القول الحق. ثالثاً: قوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (ما) يجوز فيها وجهان: الجرّ بالعطف على (ما) في قوله تعالى: {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}. والرفعُ على الابتداء وتقديره: ولكنْ ما تعمدت قلوبكم يؤاخذكم به. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: نادى الله تعالى نبيّه بلفظ النبوة {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} كما ناداه جلّ ثناؤه بوصف الرسالة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}تفسير : [المائدة: 41] ونداءُ اللَّهِ تعالى لنبيّه الكريم بلفظ (النبوة) أو وصف (الرسالة) فيه تعظيم لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى أفضليته عليه السلام على جميع الأنبياء. كما فيه تعليم لنا الأدب معه، فلا نذكره إلاّ بالإجلال والإكرام، ولا نصفه إلاّ بما يدل على التوقير والتعظيم {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً...}تفسير : [النور: 63]. قال أبو حيان في تفسيره "البحر المحيط" ما نصُّه: "نداء النبي صلى الله عليه وسلم بـ (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول) هو على سبيل التشريف والتكرمة، والتنويه بمحلّه وفضيلته، وجاء نداء غيره باسمه كقوله: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داود، يا عيسى.. وحيث ذكره على سبيل الإخبار عنه بأنه رسوله، صرّح باسمه فقال: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [الفتح: 29] {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} تفسير : [آل عمران: 144] أعلم أنّه رسوله. ولقّنهم أن يسمّوه بذلك. وحيث لم يقصد الإعلام بذلك جاء اسمه كما جاء في النداء - يعني بوصف النبوة أو الرسالة - كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ} تفسير : [الفرقان: 30] وقوله: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6]. اللطيفة الثانية: فإن قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيّد المتقين؟! فالجواب أنه أمرٌ بالاستدامة على التقوى كقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 136] أي اثبتوا على الإيمان، وقوله: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] بمعنى ثبتنا على الصراط المستقيم. وقيل: إن الأمر خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم موجه إليه في الظاهر. والمراد به أمته، بدليل صيغة الجمع التي ختمت بها الآية الكريمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. قال الإمام الفخر رحمه الله: "الأمرُ بالشيء لا يكون إلاّ عند عدم اشتغال المأمور، بالمأمور به، إذ لا يصلُح أن يقال للجالس: اجلس، وللساكت: اسكت، والنبيّ عليه السلام كان متقياً لله فما الوجه فيه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أمر بالمداومة، فإنه يصح أن يقول القائلُ للجالس: اجلس هٰهنا إلى أن أجيئك، ويقول القائلُ للساكت: قد أصبتَ فاسكتْ تسلَمْ، أي دمْ على ما أنتَ عليه. والثاني: أن النبيّ عليه السلام كلّ لحظة كان يزداد علمُه ومرتبتُه، فكان له في كل ساعة تقوى متجدّدة. فقوله: (اتق الله) يراد منه الترقي الدائم، فحاله فيما مضى كأنه بالنسبة إلى ما هو فيه ترك للأفضل، فناسب الأمر به صلى الله عليه وسلم بالتقوى. اللطيفة الثالثة: السرّ في تقديم القلبين في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ} على بقية الأمور التي كان يعتقد بها أهل الجاهلية، هو أنه بمثابة ضرب مثل، والمثلُ ينبغي أن يكون أظهر وأوضح، فهناك أمور ثلاثة باطلة هي من مخلّفات الجاهلية، فكونُ الرجل له قلبان أمر لا حقيقة له في الواقع، وجعلُ (المُظَاهَر) منها أمّاً أو كالأم في الحرمة المؤبدة من مخترعات الجاهلية، وجعل (المتبنّى) ابناً في جميع الأحكام مما لا يقرّه شرع. ولمّا كان أظهرَ هذه الأمور في البعد عن الحقيقة كونُ الرجل له قلبان، قدّم الله جلّ ثناؤه ذلك، وضربه مثلاً للظهار، والتبني. فكأنّ الآية تقول: كما لا يكون لرجلٍ قلبان، لا تكون المظاهَرُ منها أمّاً، ولا المتبنّى ابناً، والله أعلم بأسرار كتابه. اللطيفة الرابعة: التنكير في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ} وإدخال (مِنْ) على الجملة بعده في قوله (مِنْ قلبين) يفيد العموم والاستغراق، ومعنى الآية: ما خلقَ اللَّه لرجلٍ إطلاقاً، أي رجلٍ كان قلبين في جوفه. فهو نفي للشيء بطريق (التأكيد والاستغراق). وذكرُ الجوف وإن كان من المعلوم أنّ القلب لا يكون إلا بالجوف لزيادة التصوير في الإنكار، والتكذيب للمدّعى، فهو كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46]. فإذا سمع الإنسان ذلك، تصوّر لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين. فسارع عقله إلى إنكاره. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ} فيه إشارة لطيفة إلى أنّ هذا القول مجرّد كلام صادر من الأفواه فقط، وليس له ظلّ من الحقيقة أو مصداق من الواقع. كما نقول: (هذا حبرٌ على ورق) أي ليس له وجود أو تطبيق. قال الزمخشري: (من المعلوم أنّ القول لا يكون إلا بالفم. فلماذا ذكر قوله (بأفواهكم)؟ الجواب: أنّ فيه إشارة إلى أنّ هذا القول. ليس له من الحقيقة والواقع نصيب. إنما هو مجرد ادعاء باللسان. وقول مزعوم باطل نطقت به شفاههم دون أن يكون له نصيب من الصحة) والله أعلم. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} الآية. قال الإمام الفخر: فيه إشارة إلى معنى لطيف. وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل. وإمّا عن شرع. وفي الدّعي (الولد المتبنّى) لم توجد الحقيقة. ولا ورد الشرع. فإنّ قولهم: هذه زوجة الابن المتبنّى فتحرم. والله تعالى يقول: هي لك حلال. فقولهم لا اعتبار به لأنه قول من الأفواه مجرد عن الحقيقة كأصوات البهائم، وقول الله حق فيجب اتباعه. وهو خير من أقوالكم التي عن قلوبكم. فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التي بأفواهكم!؟. اللطيفة السابعة: صيغة (فعيل) في اللغة العربية تفيد المبالغة، فقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 17] إنما يقصد به المبالغة، لأن الصيغة تقتضي ذلك، ففرق في التعبير بين قولك (عالم، وعليم، وعلاّم) فالأولى ليس فيها إلا إثبات العلم، وأما الثانية والثالثة ففيهما المبالغة، لأنّ (فعّال وفعيل) من صيغ المبالغة كما قال ابن مالك: شعر : فَعَالٌ أو مِفْعَالٌ أو فَعُولُ في كَثْرةٍ عن فَاعِلٍ بديلُ فيستحقّ مالَهُ منْ عَمَل وفي فَعِيلٍ قلّ ذا وفعِل تفسير : فالمراد في الآية الكريمة من لفظه (عليم) أنه جلّ جلاله قد أحاط علمه بكل الأشياء، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. و(الحكيم) المبالغ في الحكمة الذي تناهت حكمته فشملت الأمر العظيم والشيء اليسير وكل ما جاء على ذلك الوزن إنما يقصد به المبالغة فتدبره. اللطيفة الثامنة: كانت العرب تزعم أنّ كل لبيبٍ أريب له في جوفه قلبان، وقد اشتهر (جميل بن مَعْمر) عند أهل مكة بذكائه وقوة حفظه، فكانوا يسمونه بذي القلبين، وكانوا يخصونه بالمديح في أشعارهم كما قال بعض الشعراء: شعر : وكيفَ ثَوَائي بالمدينَةِ بعدَما قَضَى وَطْراً منها جميلُ بن مَعْمر تفسير : وكان هذا الجهول يقول: أنا أذكى من محمد وأفهم منه. فلمّا بلغته هزيمة بدر طاش لبه، وحدّث أبا سفيان بحديثٍ كان فيه كالمختل. وهو يحمل إحدى نعليه بيده، والأخرى يلبسها في رجله وهو لا يدري، فظهر للناس كذبه. وافتضح على رؤوس الأشهاد أمره. اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}.. أفعل التفضيل ليس (على بابه) لأنّ نسبتهم إلى غير آبائهم ظلم وعدوان، فلا يقصد إذن التفضيل وإنما يقصد به الزيادة مطلقاً. والمعنى: دعاؤهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق نهايته. وهو القسط والعدل في حكم الله تعالى وقضائه.. وجوّز بعضهم أن يكون (على بابه) جارياً على سبيل التهكّم بهم. والمعنى: دعاؤهم لغير آبائهم إذا كان فيه خير وعدل فهذا أقسط وأعدل ويكون ذلك جارياً مجرى التهكم والله أعلم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل تقع المعصية من الأنبياء؟ من المعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. فإنّ (العصمة) من صفاتهم. فلا يمكن أن تقع معصية من الأنبياء أو تحصل منهم مخالفة لأوامر الله عز وجلّ. لأنهم القدوة للخلق وقد أُمِرْنا باتّباعهم. فلو جاز عليهم الوقوع في المعصية لأصبحت طاعتهم غير واجبة أو أصبحنا مأمورين باتباعهم في الخير والشر. لذلك عصمهم الله من الذنوب والآثام، فكل ما ورد في القرآن الكريم مما ظاهره يخالف (عصمة الأنبياء) فلا بدّ من فهمه على الوجه الصحيح حتى لا يتعارض مع الأصل العام. فقوله تعالى هنا {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ} لا يفهم منه أنه صلى الله عليه وسلم مال إلى طاعتهم، أو أحبّ موافقتهم على ما هم عليه من نفاقٍ وضلال. وإنما هو تحذيرٌ للأمة جاء في صورة خطابٍ للرسول عليه السلام ومما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} حيث جاء بصيغة الجمع وقد عرفت ما فيه. الحكم الثاني: هل الظهار محرّم في الشريعة الإسلامية؟ دلت الآيات الكريمة على أن الظهار كان من العادات المتّبعة في الجاهلية وكان من أشدّ أنواع الطلاق. حيث تثبت به (الحرمة المؤبدة) وتصبح الزوجة المظاهَرُ منها - في اعتقادهم - أماً كالأم من النسب، فأبطل الإسلام ذلك، واعتبره بهتاناً وضلالاً، وحرّم الظهار ولكنه جعل حرمته مؤقتة إلى أن يكفّر عن ظهاره. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} تفسير : [المجادلة: 2] فالظهار في الإسلام منكر ولكن له كفارة يتخلص بها الإنسان من الإثم، وستأتي أحكام الظهار مفصّلة إن شاء الله عند تفسير سورة المجادلة. الحكم الثالث: هل يجوز التبني في الإسلام؟ كما أبطل الإسلام الظهار أبطل (التبني) وجعله محرماً في الشريعة الإسلامية لأن فيه نسبة الولد إلى غير أبيه. وهو من الكبائر التي توجب السخط واللعنة فقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله تعالى منه صَرْفاً ولا عدلاً ". تفسير : وجاء في الحديث الصحيح: "حديث : ليس من رجلٍ ادّعى لغير أبيه وهو يعلم إلاّ كفر ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ادّعى إلى غير أبيه - وهو يعلم أنه غير أبيه - فالجنة عليه حرام ". تفسير : قال في "تفسير روح المعاني": "وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعلّ ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية.. وأما إذا لم يكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل (التحنن والشفقة) يا ابني، وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة". وقال (ابن كثير) في تفسيره: (فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبُّب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية بدليل ما روي عن (ابن عباس) رضي الله عنهما قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: أُبَيْنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس). كما نادى النبي صلى الله عليه وسلم أنساً فقال له: يا بنيّ. الحكم الرابع: ما المراد بالخطأ والعمد في الآية الكريمة؟ نفى الله سبحانه وتعالى الجُناح (الإثم) عمن أخطأ، وأثبته لمن تعمّد دعوة الرجل لغير أبيه وقد اختلف المفسرون في المراد من (الخطأ والعمد) في الآية الكريمة على قولين: أ- ذهب (مجاهد) إلى أنّ المراد بالخطأ هنا ما كان قبل ورود النهي والبيان، والعمد ما كان بعد النهي والبيان. ب- وذهب (قتادة) إلى أن الخطأ هنا ما كان عن غير قصد فقد أخرج (ابن جرير) عن قتادة أنه قال في الآية: (لو دعوت رجلاً لغير أبيه، وأنت ترى أي (تظنّ) أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمّدت وقصدتَ دعاءه لغير أبيه) أي فعليك فيه الإثم. فعلى الرأي الأول يكون المراد بالخطأ الذي رفع عنهم فيه الإثم هو تسميتهم (الأدعياء) أبناء قبل ورود النهي. وأنّ العمد الذي ثبت فيه الإثم هو ما كان بعد ورود النهي، ويصبح معنى الآية: ليس عليكم إثم أو حرج فيما فعلتموه من التبني في الجاهلية قبل أن تعرفوا أحكام الإسلام، ولكن الحرج والإثم فيما فعلتموه بعد الإسلام، وبيان الأحكام. وعلى الرأي الثاني يكون المراد بالخطأ ما وقع منهم عن غير قصد أو تعمد، والعمد ما كان عن إصرار وقصد، ويصبح معنى الآية: ولا جناح عليكم فيما سبق إليه اللّسان على سبيل الغلط من نسبة الإنسان إلى غير أبيه بطريق الخطأ أو النسيان، وأمّا ما تقصّدتم نسبته إلى غير أبيه مع علمكم بأنّ هذا الولد من غيره فعليكم الإثم والحرج. وقد رجّح أبو حيّان في تفسيره "البحر المحيط" الرأي الثاني، وضعّف الأول وقال: (قوله تعالى: {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} قيل: المراد به رفع الحرج عنهم فيما كان قبل النهي، وهذا ضعيف، لا يوصف بالخطأ ما كان قبل النهي. وقيل: فيما سبق إليه اللسان، إمّا على سبيل الغلط، أو على سبيل التحنّن والشفقة، إذ كثيراً ما يقول الإنسان للصغير: يا بني، كما يقول للكبير: يا أبي على سبيل التوقير والتعظيم). الحكم الخامس: ما هو حكم الاستلحاق في الشريعة الإسلامية؟ الاستلحاق الذي أباحه الإسلام، ليس من التبنّي المحرم المنهيّ عنه في شيء، فإنّ من شرط الحلّ في الاستلحاق الشرعي أن يعلم (المستلحق) بكسر الحاء أنّ (المستلحَق) بفتح الحاء ابنه. أو يظنّ ذلك ظناً قوياً، وحينئذٍ شرع له الإسلام استلحاقه. وأحلّه له. وأثبت نسبه منه. بشروط مبينة في كتب الفقه. أمّا التبنّي المنهيّ عنه فهو دعوى الولد مع القطع بأنه ليس ابنه، وأين هذا من ذاك؟ الحكم السادس: هل يباح قول: يا أخي أو يا مولاي؟ ظاهر الآية الكريمة {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ} أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يُعْرف أبوه: يا أخي، أو يا مولاي، إذا قصد الأخوّة في الدين، والولاية فيه، لا أخوّة النسب وقرابته، فإن الله تعالى جعل المؤمنين إخوة {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10] ومعلوم أنه لا يراد بها أخوّة النسب فدلّ على جواز قول المسلم: هذا أخي يقصد بها أخوّة الإسلام وقرابة الدّين. وخصّ بعض العلماء ذلك بما إذا لم يكن المدعوّ فاسقاً. وكان دعاؤه بـ (يا أخي) أو (يا مولاي) تعظيماً له فإنه يكون حراماً، لأننا نُهينا عن تعظيم الفاسق، فمثل هذا يُدْعى باسمه، أو بقولك: يا عبد الله، أو يا هذا، ففي الحديث الشريف (لا تقولوا للمنافق يا سيّد، فإنه إن يك سيّداً فقد أغضبتم ربكم). ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - تقوى الله عز وجل زاد المؤمن. ووصية الله في الأولين والآخرين. ثانياً - من شروط الإيمان التوكل على الله، والالتجاء إليه في جميع الأحوال والأوقات. ثالثاً - الخرافات والأساطير ليس لها وجود في شريعة الإسلام ولذلك حذّر الإسلام منها. رابعاً - ادعاء أنّ الرجل الأريب اللبيب له في جوفه قلبان دعوى باطلة مخالفة للشرع والعقل. خامساً - الاعتقاد بأن الزوجة (المظاهَر منها) تصبح أماً من مزاعم الجاهلية الجهلاء. سادساً - حرمة (التبنّي) في الإسلام، ووجوب دعوة الأبناء ونسبتهم إلى آبائهم. سابعاً - جواز قول الإنسان يا (أخي) ويا (مولاي) إذا قصد أخوّة الدين وولايته. ثامناً - الله تعالى رحيم لا يؤاخذ العبد على ما صدر منه عن خطأ بل يعفو عنه ويغفر. خاتمة البحث: حكمة التشريع "بدعة التبني في الجاهلية" أشرقت شمس الإسلام على الإنسانية، والأمة العربية لا تزال تتخبّط في ظلمات الجاهلية، وتعيش في ضلالات وأوهام، وتعتقد بخرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان، هي من بقايا مخلّفات (العصر الجاهلي) التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. وما كان الإسلام ليتركهم في ضلالهم يتخبَّطون، وفي سَكْرتهم يعمهون دون أن ينقذهم مما هم فيه من سفهٍ، وجهالة، وكفر، وضلالة!! فكان من رحمة الله تعالى أن انتشل الأمة العربية، من أوحال الجاهلية. وخلّصها من تلك العقائد الزائغة، والأوهام الباطلة، وغذاها بلَبَان الإيمان، حتى أصبحت خير أُمّة أُخْرجت للناس. ولقد كانت (بدعة التبنّي) من أظهر بدع الجاهلية، وتفشّت هذه البدعة حتى أصبحت ديناً متوارثاً، لا يمكن تعطيله أو تبديله لأنه دين الآباء والأجداد، {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]. كان العربي في الجاهلية. يتبنّى الرجل منهم ولد غيره، فيقول له: (أنتَ ابني أرثك وترثني) فيصبح ولده وتجري عليه أحكام البنوّة كلها. من الإرث، والنكاح، والطلاق، ومحرمات المصاهرة، وغير ذلك مما يتعلق بأحوال الابن الصلبي على الوجه الشرعي المعروف. ولحكمةٍ يريدها الله عزّ وجلّ ألهم نبيّه الكريم - قبل البعثة والنبوة - أن يتبنى أحد الأبناء. جرياً على عادة العرب في التبني. ليكون ذلك تشريعاً للأمة في إنهاء حكم التبني. وإبطال تلك البدعة المنكرة، التي درج عليها العرب ردحاً طويلاً من الزمن. فتبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الأبناء، هو (زيد بن حارثة) وأصبح الناس منذ ذلك الحين يدعونه (زيد بن محمد) حتى نزل القرآن الكريم بالتحريم فتخلّى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبنّيه، وعاد نسبه إلى أبيه فأصبح يدعى زيد بن حارثة بن شرحبيل. أخرج البخاري ومسلم في "صحيحهما" عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حديث : إنّ زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما كنّا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شرحبيل ". تفسير : أما سبب تبنّيه عليه السلام لزيد قبل البعثة - مع كراهته الشديدة لعادات الجاهلية - فهو لحكمةٍ يريدها الله، ولقصةٍ من أروع القصص حدثت معه عليه الصلاة والسلام. وخلاصة القصة: أنّ زيداً كان مع أمه عند أخواله من بني طي، فأغارت عليهم قبيلة من قبائل العرب، فسلبتهم أموالهم وذراريهم - على عادة أهل الجاهلية في السلب والنهب - فكان زيد من ضمن من سُبي فقدموا به مكة فباعوه، فاشترته السيدة (خديجة بنت خويلد) فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُعْجِبَ بنبوغه وذكائه، فوهبته له فبقي عند رسول الله عليه السلام يخدمه ويرعى شؤونه. وكان أبوه (حارثة بن شرحبيل) بعد سبيه يبكي عليه الليل والنهار، وينشد فيه الأشعار، وقد ذكر العلامة القرطبي قصيدةً طويلة من شعر حارثة في الحنين لولده مطلعها: شعر : بكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فعل أحيٌ يُرَجّى أم أتى دونه الأجلُ تُذكّرُنِيْهِ الشمسُ عند طُلوعِها وتَعْرضُ ذِكْراه إذا غرْبُها أفل تفسير : وبلغ (حارثةَ) الخبرُ بأنّ ولده عند محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، فقدم مع عمه، حتى دخل على رسول الله، فقال يا محمد: إنكم أهل بيت الله، تفكّون العاني وتطعمون الأسير، ابني عندك فامنن علينا فيه، وأحسن إلينا في فدائه، فإنك ابن سيّد قومه، ولك ما أحببت من المال في فدائه!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيكم خيراً من ذلك، قالوا ما هو؟ قال: أخيّره أمامكم، فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء، وإن اختارني فما أنا بالذي أرضى على من اختارني فداءً، فقالوا: أحسنتَ فجزاك الله خيراً. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا زيد: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، فقال يا زيد: هذا أبوك، وهذا عمك، وأنا من عرفت، فاختر من شئت منا، فدمعت عينا زيد وقال: ما أنا بمختارٍ عليك أحداً أبداً، أنت مني بمنزلة الوالد والعم. فقال له أبوه وعمه: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية؟ فقال زيد: لقد رأيت من هذا الرجل من الإحسان، ما يجعلني لا استطيع فراقه وما أنا بمختار عليه أحداً أبداً. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس وقال: اشهدوا أنّ زيداً ابني أرثه، ويرثني.. فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامة زيد عليه صلى الله عليه وسلم. فلم يزل في الجاهلية يدعى (زيد بن محمد) حتى نزل القرآن الكريم. {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} فدُعي زيد بن حارثة. ونزل قوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ...} تفسير : [الأحزاب: 40] الآية. وانتهى بذلك حكم التبني. وبطلت تلك البدعة المستحدثة بتشريع الإسلام الخالد.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآية هذه السورة مدنية * وسبب نزولها روي أنه لما قدم المدينة وكان يحب إسلام اليهود فبايعه ناس منهم على النفاق وكان يلين لهم جانبه وكانوا يظهرون النصائح في طرق المخادعة ولخلقه الكريم وحرصه على ائتلافهم ربما كان يسمع منهم فنزلت تحذيراً له منهم وتنبيهاً على عداوتهم * ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة وهو أنه حكى أنهم يستعجلون الفتح وهو الفصل بينهم وأخبر أنه يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم فأمره في أول هذه السورة بتقوى الله تعالى ونهاه عن طاعة الكفار والمنافقين فيما أرادوا به. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بالصواب من الخطأ والمصلحة من المفسدة. {حَكِيماً} لا يضع الأشياء إلا في مواضعها منوطة بالحكمة. {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ} روي أنه كان في بني فهر رجل منهم يقال له أبو معمر جميل بن أسد يدعي أن له قلبين ويقال له ذو القلبين وكان يقول: أنا أذكى من محمد وأفهم فلما بلغته هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل فنزلت. {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ} لم يجعل تعالى الزوجة المظاهر منها اما لأن الأم محترمة مخفوض لها جناح الذل والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوك وهما حالتان متنافيتان وقرىء: اللائي واللائي واللاء واللاي وقرىء: تظاهرون بالتاء للخطاب وفي المجادلة بالياء للغيبة مضارع ظاهر وبشد الظاء والهاء وشد الظاء وألف بعدها. {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} كانوا في الجاهلية وصدراً من الإِسلام إذا تبنى الرجل ولد غيره صار يرثه وأدعياء جمع دعى ودعي بمعنى مفعول وقياسه أن يجمع على فعلى كقتيل وقتلى لكنهم شبهوه بتقى فجمعوه على افعلاء كتقي وأتقياء. {ذَٰلِكُمْ} أي دعاؤهم أبناء مجرد قول لا حقيقة لمدلوله إذ لا يواطىء اللفظ الاعتقاد إذ يعلم حقيقة أنه ليس ابنه. {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} أي ما يوافق ظاهراً أو باطناً. {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أي سبيل الحق وهو قوله: ادعوهم لآبائهم والضمير في هو عائد على المصدر المفهوم من قوله: ادعوهم أي دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله أي أعدل ولما أمر بأن يدعى المتبنى لأبيه ان علم قالوا: زيد بن حارثة ومواليكم ولذلك قالوا سالم مولى أبي حذيفة فإِخوانكم خبر مبتدأ محذوف تقديره هم إخوانكم. {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي فيما ليس صواباً وهو تبني من ليس ابناً له وما عطف بقوله ولكن ما أخطأتم وقيل ما موصولة في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره فيه الجناح والتعمد هنا نسبة الولد إلى الشخص بعد النهي عن ذلك. {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} كونه صلى الله عليه وسلم أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم إذ هو يدعوهم إلى النجاة وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ومنه قوله عليه السلام: حديث : أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش . تفسير : {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي مثل أمهاتهم في التوقير والإِحترام وفي بعض الأحكام من تحريم نكاحهن وغير ذلك مما جرين فيه مجرى الأجانب وظاهر قوله وأزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة عليه السلام من طلقها ومن لم يطلقها ومن دخل بها ومن لم يدخل بها وقيل لا يثبت هذا الحكم لمطلقته وقيل من دخل بها تثبت حرمتها قطعاً وهم عمر رضي الله عنه برجم إمرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكحت بعده فقالت له: ولم هذا وما ضرب علي حجاباً ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها * كان أولاً بالمدينة توارث باخوة الإِسلام وبالهجرة، ثم حكم تعالى بأن أولي الأرحام أحق في التوارث من الأخ في الإِسلام أو بالهجرة. {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي في اللوح المحفوظ أو في القرآن من المؤمنين والمهاجرين أي ولى من المؤمنين الذين كانوا يتوارثون بمجرد الإِيمان ومن المهاجرين الذين كانوا يتوارثون بالهجرة وهذا هو الظاهر فيكون من هي كهي في زيد أفضل عمرو والظاهر عموم قوله: إلى أوليائكم فيشمل جميع أقسامه من قريب وأجنبي من المؤمنين يحسن إليه ويصله في حياته ويوصي له إذا مات وهذا الاستثناء في قوله إلا أن تفعلوا هو ما يفهم من الكلام أي وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في النفع بالميراث وغيره وعدي بإِلى لأن المعنى إلى أن يوصلوا إلى أوليائكم. {كَانَ ذَلِكَ} إشارة إلى ما في الآيتين. {مَسْطُوراً} أي مثبتاً بالاسطار هذه الجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام ولما كان ما سبق أحكام عن الله تعالى وكان فيها أشياء مما كانت في الجاهلية وأشياء في الإِسلام نسخت أتبعه بقوله: وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم أي في تبليغ الشرائع والدعاء إلى الله تعالى فلست بدعا في تبليغك الرسالة عن الله تعالى وخص هؤلاء الخمسة بالذكر بعد دخولهم في جملة النبيين قيل هم أولو العزم لشرفهم وفضلهم على غيرهم وقدم محمد صلى الله عليه وسلم فيهم لكونه أفضلهم وأكثرهم تابعاً وقدم نوح عليه السلام في آية الشورى في قوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الشورى: 13] الآية لأن إيراده على خلاف الإِيراد هنا أورده على طريق وصف دين الإِسلام بالأصالة فكأنه قال: شرع الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير والميثاق الثاني هو الأول وكرر لأجل صفته والغلظ من صفة الأجسام واستعير للمعنى مبالغة في حرمته وعظمته وثقل تحمله. {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ} أي المؤمنين التابعين الرسل وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب في ليسأل وفي واعد واللام هي لام كي. {عَن صِدْقِهِمْ} أي عن إيمانهم واتباعهم الرسل. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} ذكرهم نعمته عليهم في غزوة الخندق وما اتصل بها في أمر بني قريظة وقد استوفى ذلك أهل السير ونذكر منها ما له تعلق بالآيات التي نفسرها وإذ معمولة لنعمة أي انعامه عليكم وقت مجيء الجنود والجنود كانوا عشرة آلاف قريش ومن تابعهم من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان وبنو أسد يقودهم طليحة وغطفان يقودهم عيينة وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل وسليم يقودهم أبو الأعور واليهود النضير يقودهم رؤساؤهم حي بن أخطب وابنا أبي الحقيق وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنبذه بسعي حي لبني أخطب قيل فاجتمعوا خمسة عشر ألفاً وهم الأحزاب ونزلوا المدينة فحفر الخندق بإِشارة سلمان وهو من عمل الفرس وظهرت للرسول صلى الله عليه وسلم به تلك المعجزة العظيمة من كسر الصخرة التي أعوزت الصحابة ثلاث فرق ظهرت مع كل فرقة برقة أراه الله تعالى منها مدائن كسرى وما حولها ومدائن قيصر وما حولها ومدائن الحبشة وما حولها وبشر بفتح ذلك وأقام الذراري والنساء بالآطام وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ثلاث آلاف فنزلوا بظهر سلع والخندق بينهم وبين المشركين وكان ذلك في شوال سنة خمس قاله ابن إسحٰق: وقال مالك سنة أربع قيل وبعث الله تعالى الصبا لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم فأضرت بهم هدمت عليهم بيوتهم وأطفأت نيرانهم وقطعت حبالهم وأكفأت قدورهم ولم يمكنهم معها قرار وبعث الله تعالى مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل نحو فعلهما. {مِّن فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادي من قبل المشرق غطفان. {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} من أسفل الوادي من قبل المغرب وتخربوا وقالوا نكون جملة حتى نستأصل محمداً فنصره الله عليهم * وزيغ الأبصار ميلها عن مستوى نظرها فعل الواله الجزع. {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} قيل إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع والغضب أو الغم الشديد ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ومن ثم قيل للجبان انتفخ سحره * والظنون جمع لما اختلفت متعلقاته جمع وإن كان لا ينقاس عند سيبويه جمع المصدر إذا اختلفت متعلقاته وينقاس عند غيره وقد جاء الظنون جمعاً في أشعارهم أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بآل فاطمة الظنونا، وهنالك ظرف مكان للعبيد هذا أصله فيحمل عليه إذ في ذلك الذي وقع فيه الحصار والقتال ابتلى المؤمنون والعامل فيه ابتلى وقيل زلزلوا فثبتوا وصبروا حتى نصروا وحركوا إلى الفتنة فعصموا. {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} وهم المظهرون الإِيمان المبطنون الكفر * والذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإِيمان الذين لم يتمكن الإِيمان في قلوبهم فهم على حرف والعطف دال على التغاير نبه عليهم على جهة الذم لما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصخرة وبرقت تلك البوارق وبشر بفتح فارس والروم واليمن والحبشة قال معتب بن قشير يعدنا محمد أن يفتتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً أي أمراً يغمرنا به ويوقعنا فيه بشىء لا طاقة لنا به وقولهم ما وعدنا الله ورسوله هو على سبيل الهزء إذ لو اعتقدوا أنه رسوله حقيقة ما قالوا هذه المقالة فالمعنى ورسوله على زعمكم وزعمهم وفي معتب ونظرائه نزلت هذه الآية. {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين. {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} أي في حومة القتال والممانعة. {فَٱرْجِعُواْ} إلى بيوتكم ومنازلكم أمروهم بالهروب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل فارجعوا كفاراً إلى دينكم الأول وأسلموه إلى أعدائه. {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} هو أوس بن قَبْظي استأذن في الدخول إلى المدينة عن إتفاق من عشيرته. {يَقُولُونَ} حال أي قائلين. {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي منكشفة للعدو وقيل خالية السراق أعور المنزل انكشف وقال ابن عباس الفريق بنو حارثة وهم كانوا عاهدوا الله أن لا يولوا الأدبار اعتذروا بأن بيوتهم عورة معرضة للعدو ممكنة للسراق لأنها غير محرزة ولا محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ويرجعوا إليه فأكذبهم الله تعالى بأنهم لا يخافون ذلك وإنما يريدن الفراز وقرىء لا مقام بضم الميم أي لا موضع إقامة وبفتح الميم أي موضع قيام وثبوت والضمير في دخلت الظاهر عودة على البيوت لأنها أقرب مذكور رأى ولو دخلها الأحزاب الذين يفرون خوفاً منهم والثالث على أهاليهم وأولادهم. {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ} أي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر ومقاتلة المسلمين لآتوها أي لجأوا إليها وقرىء لأتوها بالقصر معناه لجاؤوها وبالمد لأعطوها. {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} قدر ما يكون السؤال والجواد من غير توقف * وعاهدوا أجرى مجرى اليمين ولذلك يتلقى بقوله لا يولون الادبار وجواب هذا القسم على الغيبة عنهم على المعنى ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب لا نولي الأدبار والذين عاهدوا هم بنو حارثة وبنو سلمة وهما الطائفتان اللتان هما بالفشل يوم أحد ثم تابوا وعاهدوا أن لا يفروا فوقع يوم الخندق من بين حارثة ذلك الاستئذان. {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ} خطاب توبيخ وإعلام أن الفرار لا ينجي من القدر وأنه تنقطع أعمارهم في يسير من المدة وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن فررتم من الموت أو القتل. لا ينفعكم الفرار لأن مجيء الأجل لا بد منه وإذا هنا يليها حرف عطف فلا يتحتم أعمالها بل الفصيح أن لا تنصب ومن ذا استفهام ركبت ذا مع من وفيه معنى النفي أي لا أحد يعصمكم من الله. {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ} كانوا أي المنافقون يثبطون إخوانهم من ساكني المدينة عن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم وقال أبو زيد انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب فوجد شقيقه عنده شواء ونبيذ فقال له أنت ها هنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف فصاح هلم فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً فقال كذبت والذي يحلف به ولأخبرته بأمرك فذهب ليخبره فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية وهلم تقدم الكلام عليه في الأنعام قال الزمخشري: وهلموا إلينا أي قربوا أنفسكم إلينا قال: وهو صوت سمي به فعل متعد مثل أحضر وقرب انتهى * الذي عليه النحويون في هلم ان هلم ليس صوتاً وإنما هو مركب من ها التي للتنبيه والميم وهو مذهب البصريين وقيل من هل وأم والكلام في ترجيح المختار منهما مذكور في النحو وأما قوله: سمي به فعل متعد ولذلك قدّر هلم إلينا أي قربوا أنفسكم إلينا فالنحويون يقولون انه متعد ولازم فالمتعدي كقوله: قل هلم شهداءكم أي أحضروا شهداءاكم واللازم كقوله: هلم إلينا أي اقبلوا إلينا.
الجيلاني
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيَّد من عند العليم الحكيم مقتضى نبوتك التي صرت بها خاتماً لدائرة النبوة والرسالة، متمماً لمكارم الأخلاق، مكملاً لأمر التشريع والتدوين: التقوى والتحفظ من مقتضيات الأراء الباطلة، والأهواء الفاسدة، والتحصن بالله والثقة إليه، وجعله وقايتك عند نزول البلاء وهجوم الأعداء {ٱتَّقِ ٱللَّهَ} حق تقاته، واجتنب عما لا يرضى به ربك مطلقاً {وَلاَ تُطِعِ} في حال من الأحوال أمر {ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} الذين خاصموا معك في إسرارهم وإعلانهم، ولا تتبع أهواءهم الفاسدة وآراءهم الباطلة، وابتغ فيما آتاك الله من مقتضيات استعدادك، وما تفضل عليك امتناناً لك؛ لرضاء الله والفوز بشرف لقاء الله {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {كَانَ عَلِيماً} في حضرةة علمه الحضوري بقابليتك وبمقتضياتها {حَكِيماً} [الأحزاب: 1] في إفاضة ما يعينك وينبغي لك، ويليق بشأنك. {وَ} بعدما جعلت ربك وقاية نفسك، واتخذته وكيلاً لشأنك وأمرك {ٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} تأييداً لك، وتدبيراً لأمورك وأحوالك، ولا تلتفت إلى هذيانات من عاداك، ولا تبال بمكرهم وحيلهم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} الرقيب عليك وعليهم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من المخائل الفاسدة، والتلبيسات الباطلة المتعلقة لمقتك وهلاكك {خَبِيراً} [الأحزاب: 2] يكفيك مؤنة شرورهم ومكرهم، ويغلبك عليهم ويظهر دينك على الأديان كلها. {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} أيها المتحصن بكنف حفظه وجواره، وثق بكرمه ولطفه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} أي: كفى بالله المراقب عليك في جميع أحوالك {وَكِيلاً} [الأحزاب: 3] لك يراقبك ويحفظظ من شرور من قصد مقتك، وهجومهم عليك، ومكرهم معك، وكن في نفسك متوجهاً إلى ربك، مخلصاً فيه، مائلاً بوجه قلبك إلى قبلة وجهه الكريم، ولا تفلتفت إلى من سواه ولا تُخطر ببالك غيره؛ إذ لا يسع في القلب الواحد إلا همٌّ واحد. ولهذه الحكمة العليَّة {مَّا جَعَلَ} وخلق {ٱللَّهُ} العليم الحكيم، المتقن في أفعاله {لِرَجُلٍ} واحد {مِّن قَلْبَيْنِ} مشعرين مدركين {فِي جَوْفِهِ} حتى لا يتفتت ميله، ولا يتعدد قبلة مقصده ومرماه، وإن خلق له عينين وأذنين ويدين وغيرهما {وَ} كذا {مَا جَعَلَ} الله العليم الحكيم {أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ} وتقولون لهن: أنت عليَّ كظهر أمي {أُمَّهَاتِكُمْ} حقيقة؛ ليترتب عليها أحكام الأمهات من التحريم، وعدم القربان والفراش معها وغيرها {وَمَا جَعَلَ} أيضاً {أَدْعِيَآءَكُمْ} أي: الأجانب الذين تدعونهم أبناءً من إفراط المحبة والمودة {أَبْنَآءَكُمْ} حقيقةً؛ حتى يترتب عليهم أحكام الأبناء من الميراث والمحرمية، وحرمة زوجتهم وابنتهم وغير ذلك من الأحكام. {ذَٰلِكُمْ} أي: الأمور الثلاثة المذكورة {قَوْلُكُم} أي: مجرد قول صدر عن ألسنتكم وتكلمتكم {بِأَفْوَاهِكُمْ} لا حقيقة لها سوى الاشتهار {وَٱللَّهُ} المدبر لأموركم، المصلح لأحوالكم {يَقُولُ ٱلْحَقَّ} أي: الحكم الثابت المتحقق عنده سبحانه، المترتب عليه أحكامه إرشاداً لكم، وإصلاحاً لحالكم {وَ} كيف لا {هُوَ} بمقتضى ألوهيته وربوبيته {يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] السوي والصراط المستقيم إلى عباده الذين انحرفوا عن سبل السلامة، وطرق الاستقامة في الوقائع والأحكام.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} كلام قديم وخطاب أزلي، وهو صلى الله عليه وسلم الأبد في كتم العدم بلا هو، وكان الأمر أمر التكوين فأسمعه الله تعالى في العدم كما أسمع السماوات والأرض، وهما في العدم {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11] ولما كان الأمر إليهما أمر التكوين فأجاباه بلسان الكينونة، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب بأمر التكوين أفق الله أجاب الله بلسان الكينونية: اتقيت الله، فكان في الأزل إلى الأبد كما كان متقياً، ولما قال تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1] لم يكن مطيعاً لهم من الأزل إلى الأبد كما كان نبياً من الأزل إلى الأبد لقوله: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين" تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} [الأحزاب: 1] بحالك {حَكِيماً} [الأحزاب: 1] فيما قدر لك {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} [الأحزاب: 2] وهذا أيضاً من التكوين يعني اتبع إلى الأبد ما يوحى بالخطاب الأزلي من ربك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 2-3] توكلاً أزلياً أبدياً {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب: 3] لك فيما أنعم عليك بنعمة النبوة وهذه النعمة التي لا يمكنك تحصيلها بالأصالة، فهو حصلها لك بالوكالة وبقوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4] يشير إلى أن القلب صدق درة المحبة، والمحبة أمانتي التي عرضتها {أية : عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72] وأمرتكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فأهلها أمانة المحبة حضرة جلالي فلا تخوني في أمانتي أي: فلا تحبوا غيري، ولا تكونوا ممن يتخذون الله أنداداً يحبونهم كحب الله أي يصرفون محبة الله في الأنداد وكونوا كالذين آمنوا وهم {أية : أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165] يعني أهل الإيمان ما خانوا في أمانة المحبة وردوها إلى أهلها. فمعنى الآية أن القلب واحد والمحبة واحدة فلا تصلح إلا لمحبوب واحد من غير شريك فإنه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل محبة بالشركة وبقوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} [الأحزاب: 4] يشير إلى أن في القرابة النسبية خواص لا توجد في القرابة السببية وهي مما أودع الله فيها بالحكمة البالغة وعليها أحكام مبنية من الشريعة والطريقة والحقيقة {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23] فلا سبيل لأحد أن يضع في الأزواج بالظهار ما وضع الله في الأمهات، ولا أن تضع الإجابة بالمني ما وضع الله في الأبناء، فإن الولد سر أبيه كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} [الأحزاب: 4] فما لم يجعل الله ليس مقدور أحد أن يجعله {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} [الأحزاب: 4] لا حقيقة له {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] أي: اسم كل شيء مناسب لمعناه كما هدى آدم بتعليم الأسماء كلها وخصه بهذا العلم دون الملائكة المقربين {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 5] فيما اختصهم به بقوله: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] يشير إلى أن آباءهم الحقيقة الذين ولدوهم من أرحام قلوبهم في عالم الملكوت وهي النشأة الثانية من الأنبياء {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: 5] في معرفة الإنسان، فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه النسبة الباقية كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حسب ونسب تتقطع إلا حسبي ونسبي" تفسير : فحسبه الفقر، ونسبه النبوة {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته، وأنتم تعلمون أن يكون مخالفته قطع رحم الأبوة {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 5] فيما صدر عنكم بغير قصدكم في قطع الرحم الحقيقي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يا أيها الذي منَّ اللّه عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها، أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأدِّ إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق. ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر، قد أظهر العداوة للّه ورسوله، ولا منافق، قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده. فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى، وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب. { وَ } لكن { اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } فإنه هو الهدى والرحمة، وَارْجُ بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم، من الخير والشر. فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على اللّه، بأن تعتمد على ربك، اعتماد من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين، الذي أمرت به، وثق باللّه في حصول ذلك الأمر على أي: حال كان. { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } توكل إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصًا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصًا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع. وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وقد سهل اللّه [عليه] ما كان يصعب على فحول الرجال وباللّه المستعان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):