٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : يقرر ما ذكرنا من أنه حكيم فاتباعه هو الواجب، ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } لما قال إنه عليم بما في قلوب العباد بين أنه عالم خبير بأعمالكم فسووا قلوبكم وأصلحوا أعمالكم. ثم قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } يعني اتق الله وإن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كفى به دافعاً ينفع ولا يضر معه شيء وإن ضر لا ينفع معه شيء. ثم قال تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } قال بعض المفسرين الآية نزلت في أبـي معمر كان يقول لي قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد فرد الله عليه بقوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ }، وقال الزمخشري قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ } أي ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين، وكلاهما ضعيف بل الحق أن يقال إن الله لما أمر النبـي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } فكان ذلك أمراً له بتقوى لا يكون فوقها تقوى ومن يتقي ويخاف شيئاً خوفاً شديداً لا يدخل في قلبه شيء آخر ألا ترى أن الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكأن الله تعالى قال يا أيها النبـي اتق الله حق تقاته، ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حى يتقي بأحدهما الله وبالآخرة غيره فإن اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقي الذي يدعي أنه يتقي الله حق تقاته، ثم ذكر للنبـي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي أن يتقي أحداً ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب زوجة زيد حيث قال الله تعالى: { أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] يعني مثل تلك التقوى لا ينبغي أن تدخل في قلبك ثم لما ذكر النبـي عليه الصلاة والسلام بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء. فقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } أي وما جعل الله دعي المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوي على اندفاع القبح وهو قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ } أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم أنت علي كظهر أمي فلا تصير هي أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء، وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها من جديد، فإذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي أو كظهر أمي لا يوجب صيرورة الزوجة أماً كذلك قول القائل للدعي أنت أبـي لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله أو ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغي أن تخاف أحداً. ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } فيه لطيفة وهو أن الكلام المعتبر على قسمين أحدهما: كلام يكون عن شيء كان فيقال: والثاني: كلام يقال فيكون كما قيل والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئاً جعله الله كما قالوه وكلاهما صادر عن قلب والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار أو نباح الكلب، لأن الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه والذي لا يكون عن قلب وروية لا اعتماد عليه، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن يحترز من التخلق بأخلاقها، فقول القائل: هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلاماً فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير، واللطيفة هي أن الله تعالى ههنا قال: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } وقال في قوله: { أية : وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع فإذا قال فلان ابن فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم يعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني فلقيام الفراش ونقول إنه ابنه وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق لأن أباه مشهور ظاهر ووجه آخر فيه وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن فتحرم وقال الله تعالى هي لك حلال، وقولهم لا اعتبار به فإنه بأفواههم كأصوات البهائم، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله: {وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ } يؤكد قوله: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } يعني يجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } فيه لطيفة وهو أن الكلام الذي بالفم فحسب يشبه صوت البهائم الذي يوجد لا عن قلب، ثم إن الكلام الذي بالقلب قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً، لأن من يقول شيئاً عن اعتقاد قد يكون مطابقاً فيكون حقاً، وقد لا يكون فيكون باطلاً، فالقول الذي بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً لأنه يتبع الوجود، وقول الله حق لأنه يتبعه الوجود فإنه يقول عما كان أو يقول فيكون، فإذن قول الله خير من أقوالكم التي عن قلوبكم فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التي بأفواهكم، فإذن لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغي وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبـي عليه الصلاة والسلام بزينب لم يكن حسناً يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم. ثم قال تعالى: {وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ } إشارة إلى أن اتباع ما أنزل الله خير من الأخذ بقول الغير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} يعني القرآن. وفيه زَجْر عن اتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص. والخطاب له ولأمته. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} قراءة العامة بتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ السلَمِيّ وأبو عمرو وابن أبي إسحاق: «يعملون» بالياء على الخبر؛ وكذلك في قوله: {أية : بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } تفسير : [الأحزاب: 9]. {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ} أي اعتمد عليه في كل أحوالك؛ فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} حافظاً. وقال شيخ من أهل الشام: قدِم على النبيّ صلى الله عليه وسلم وفد من ثَقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللاّت سنةً ـ وهي الطاغية التي كانت ثَقيف تعبدها ـ وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا عندك؛ فهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } أي كافياً لك ما تخافه منهم. و«بِالِلَّهِ» في موضع رفع لأنه الفاعل. و«وَكِيلاً» نصب على البيان أو الحال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ } أي القرآن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } وفي قراءة (يعملون)بالتحتانية.
القشيري
تفسير : اتبعْ ولا تبتدع، واقتدِ بما نأمرك به، ولا تهتدِ باختيارك غير ما نختار لك، ولا تُعرِّج أوطان الكسل، ولا تجنح إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لكَ، وقم بنا لا بِكَ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ} عرفه مكان الوحى منه اليه معرفة حقيقة لا معرفة ابهام فان من موجبات معرفة الوحى ان لا يكون للنفس والقياس فيه سبيل ولا يدخل فيه حظ النفس بحال بل فيه اتباع حقيقى بلا اعوجاج ولا اضطراب وقال سهل قطعه بذلك عن اتباع اعدائه وامره بالاتباع فى كل احواله يعلم ان اصح الطريق شريعة الاتباع والاقتداء وقال الاستاذ اى ايها المشرف حالا المفهم قدر امنا الملقى رتبة من قبلنا يا ايها المرقى الى اعلى الرتب الملقى باسنى القرب يا ايها المخبر عنا المامون على اسرارنا المبلغ خطابنا الى احبابنا اتق الله ان تر حظ خيرنا منعنا ونستاكن شيئا من دوننا وقال فى قوله واتتبع ما يوحى اليه اتبع ولا تبدع واقتد بما امرك ولا تبتدع باختيارك غير ما اختياره لك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتبع} فى كل ما تأتى وما تذر من امور الدين {ما يوحى اليك من ربك} فى التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك اى فاعمل بالقرآن لا برأى الكافرين. قال سهل قطعه بذلك عن اتباع اعدائه وامره بالاتباع فى كل احواله ليعلم ان اصح الطريق شريعة الاتباع والاقتداء لا طريقة الابتداع والاستبداد شعر : من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راه قطع اين مرحله بامرغ سليمان كردم تفسير : {ان الله كان بما تعملون} من الامتثال وتركه وهو خطاب للنبى عليه السلام والمؤمنين {خبيرا} [آكاه وخبر دار] فيرتب على كل منهما جزاءه ثوابا او عقابا فهو ترغيب وترهيب
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ} دون ما يقولون لك {مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} يا امّة محمّدٍ او يا محمّد (ص) وامّته {خَبِيراً} وقرئ بالغيبة.
اطفيش
تفسير : {واتبع ما يوحى إليك من ربك} وهو القرآن المشتمل على النهي عن طاعتهم وغيرها من المعاصي وعن نقض العهد. {إن الله كان بما تعملون خبيرا} يوحي اليك ما هو مصلحة لك ولا حاجة لكم الا الاستمتاع من الكفرة. وقرأ ابو عمرو {بما يعملون} بالتحتية على ان الضمير للمنافقين وقيل لهم وللكفرة فهو يدفع عنك كيدهم ومكرهم.
اطفيش
تفسير : {واتَّبع} انت وأصحابك {ما يُوحَى إليْك من ربك} مرادف فى المعنى لقوله: (اتق الله) الا ان فسر اتق الله بترك نقض العهد، فيكون هذا اعم، وعلل ذلك بقوله: {إنَّ الله كان بما تعْمَلون خَبيرا} الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والجمع تعظيم اى فهو يرشدك الى ما فيه الصلاح، فلا بد من اتباع الوحى او له ولاصحابه، لان المراد بقوله عز وجل: {اتبع} هو والصحابة، او الخطاب للكافرين والمنافيقن على طريق الالتفات اى خبيرا بمكرهم، فخالفهم باتباع الوحى اولهم وللنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، تغليبا للخطاب، اى خبيرا بعملكم وعملهم، فيخبرك بكيدهم، ويأمرك بمخالفته باتباع الوحى، ويدل له قراءة ابى عمرو بالمثتاة التحتية.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ} عطف على ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص، أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى الله تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين، والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } قيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم، وقال أبو البقاء: إنما جاء بالجمع لأنه عنى بقوله تعالى: {اتَّبِعُ مَا يِوحَى } الخ اتبع أنت وأصحابك؛ وقيل: للغائبين من الكفرة المنافقين وبطريق الالتفات، ولا يخفى بعده. نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب، وأياً ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه قيل على الأول: إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه الصلاح فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتماً، وعلى الثاني إن الله تعالى خبير بما يعمل الكفرة والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما يدفعه فلا بد من اتباع ما يوحيه جل وعلا إليك، وعلى الثالث إن الله تعالى خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك ويطلعك على كيدهم ومكرهم ويأمرك جل شأنه بما يدفع ذلك ويرده فلا بد من اتباع وحيه تعالى والعمل بموجبه. وقرأ أبو عمرو {يَعْمَلُونَ } بياء الغيبة على أن الضمير للكفرة والمنافقين. وجوز كونه عاماً فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : هذا تمهيد لما يرد من الوحي في شأن أحكام التبنِّي وما يتصل بها، ولذلك جيء بالفعل المضارع الصالح للاستقبال، وجرد من علامة الاستقبال لأنه قريب من زمن الحال. والمقصود من الأمر باتباعه أنه أمرٌ باتباع خاص تأكيد للأمر العام باتباع الوحي. وفيه إيذان بأن ما سيوحَى إليه قريباً هو مما يشق عليه وعلى المسلمين من إبطال حكم التبنّي لأنهم ألِفوه واستقر في عوائدهم وعاملوا المتبنيْنَ معاملة الأبناء الحق. ولذلك ذيلت جملة {واتبع ما يوحى إليك} بجملة {إن الله كان بما تعملون خبيراً} تعليلاً للأمر بالاتباع وتأنيساً به لأن الله خبير بما في عوائدكم ونفوسكم فإذا أبطل شيئاً من ذلك فإن إبطاله من تعلق العلم بلزوم تغييره فلا تتريثوا في امتثال أمره في ذلك، فجملة {إن الله كان بما تعملون خبيراً} في موقع العلة فلذلك فصلت لأن حرف التوكيد مغنٍ غناء فاء التفريع كما مرّ آنفاً. وفي إفراد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله {واتبع} وجمعه بما يشمله وأمتَه في قوله {بما تعملون} إيماء إلى أن فيما سينزل من الوحي ما يشتمل على تكليف يشمل تغيير حالة كان النبي عليه الصلاة والسلام مشاركاً لبعض الأمة في التلبس بها وهو حكم التبنّي إذ كان النبي متبنياً زيد بن حارثة من قبل بعثته. وقرأ الجمهور {بما تعملون} بتاء الخطاب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة لأن هذا الأمر أعلق بالأمة. وقرأ أبو عمرو وحده {بما يعملون} بالمثناة التحتية على الغيبة على أنه راجع للناس كلهم شامل للمسلمين والكافرين والمنافقين ليفيد مع تعليل الأمر بالاتّباع تعريضاً بالمشركين والمنافقين بمحاسبة الله إياهم على ما يبيتونه من الكيد، وكناية عن إطلاع الله رسوله على ما يعلم منهم في هذا الشأن كما سيجيء {أية : لئن لم يَنْتَهِ المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنُغْرِينَّك بهم} تفسير : [الأحزاب: 60]، أي: لنطلعنك على ما يكيدون به ونأذنك بافتضاح شأنهم. وهذا المعنى الحاصل من هذه القراءة لا يفوت في قراءة الجمهور بالخطاب لأن كل فريق من المخاطبين يأخذ حظه منه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 2- واتبع الوحى الذى ينزل عليك من ربك، إن الله الذى يوحى إليك خبير بدقائق ما تعمل - أنت - ويعمل الكافرون والمنافقون. 3- وفوض جميع أمورك إلى الله، وكفى بالله حافظاً موكولاً إليه كل أمر. 4- ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه، وما جعل زوجة أحدكم حين يقول لها: أنت علىَّ كظهر أمِّى أُمَّا له، وما جعل الأولاد الذين تتبنوهم أبناء لكم يأخذون حكم الأبناء من النسب. ذلكم - أى جعْلِكُم الأدعياء أبناء - قول يصدر من أفواهكم لا حقيقة له، فلا حكم يترتب عليه، والله يقول الأمر الثابت المحقق، ويرشدكم إليه، وهو - وحده سبحانه - يهدى الناس إلى طريق الصواب. 5- انْسِبُوا هؤلاء الأولاد لآبائهم الحقيقيين هو أعدل عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم المنتسبين بحق إليهم فهم إخوانكم فى الدين ونصراؤكم، ولا إثم عليكم حين تنسبونهم إلى غير آبائهم خطأ، ولكن الإثم فيما تقصده قلوبكم بعد أن تبيَّن لكم الأمر. والله يغفر لكم خطأكم، ويقبل توبة متعمدكم. 6- النبى - محمد - أحق ولاية بالمؤمنين، وأرحم بهم من نفوسهم، فعليهم أن يحبوه ويطيعوه، وأزواجه أمهاتهم فى التوقير وحرمة التزوج بهن بعده، وذوو القرابات أولى من المؤمنين والمهاجرين بأن يتوارثوا فيما بينهم فرضا فى القرآن. لكن يجوز أن تقدموا إلى مَنْ وَاليتم فى الدين من غير الأقارب معروفاً، فتعطوه - براً وعطفاً عليه - أو توصوا له بجزء من مالكم. كان ذلك التوارث بالأرحام فى الكتاب مقررا لا يعتريه تبديل.
د. أسعد حومد
تفسير : (2) - واعْمَلْ بِمَا يُوحِيهِ إليكَ رَبُّكَ، ولا تَلْتَفِتْ إِلى أقْوَالِ الكَافِرِينَ والمُنَافِقين وتَهْدِيدَاتِهِمْ، فاللهُ خبيرٌ بما تَعْمَلُهُ أنتَ وأَصْحَابُكَ، وبِما يَعْمَلُهُ، الكُفَّارُ والمُنَافِقُون، ولا يَخْفَى عليهِ شيءٌ منْهُ، ثُمَّ يَجْزِيكُم على أَعْمَالِكُمْ يومَ القِيَامَةِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَراً فَشَرّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ هنا نهياً بين أمرين: الأول {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1] والآخر: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ ..} [الأحزاب: 2] وبينهما النهي: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1] ووقوع هذا النهي بين هذين الأمرين ترتيب طبيعي؛ لأنك إذا اتقيتَ الله ستُعلي منهج الحق، وهذا يؤذي أهل الباطل وأهل الفساد المستفيدين به، فلا بُدَّ أنْ يأتوا إليك يوسوسون في أُذنك ليصرفوك عن منهج ربك، وعليك إذن أنْ ترد الأمر إلى ما يوحى إليك وأنْ تتبعه. وقلنا: إن الوحي: إعلام بخفاء، فإنْ كان علانية فلا يُعَدُّ وحياً، ولله تعالى في وحيه وسائل كثيرة مع جميع خَلْقه، فيوحي سبحانه إلى الجماد؛ لأنه قادر على أن يخاطب الجماد، كما في قوله سبحانه وتعالى عن الأرض: {أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 4-5]. ويوحي إلى النحل: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} تفسير : [النحل: 68]. ويُوحي إلى غير رسول أو نبي: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..} تفسير : [المائدة: 111]. وقال: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} تفسير : [القصص: 7]. هذا هو الوحي في معناه العام، أما الوحي الخاص فيكون من الله تعالى لرسول مُرْسَل من عنده إلى الخَلْق، وله طرق متعددة، فمرةَ يكون بالنفث في الروع، ومرة يكون بالوحي بكلام لا يُرى قائله، ولا يُعرف مصدره، ومرة يكون عن طريق رسول ينزل به من الملائكة. يقول تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ..} تفسير : [الشورى: 51]. والقرآن الكريم لم يأْتِ بالإلهام ولا بالكلام من وراء الغيب والحُجُب، إنما جاء عن طريق رسول مَلَك نزل به على رسول الله، فثبت القرآن من هذا الطريق. ولا بُدَّ في هذه المسألة من التقارب بين الرسول الملَك، والرسول البشر، فلكل منهما طبيعته الخاصة، ولكي يلتقيا لا بُدَّ من أمرين: إما أنْ يرتفع البشر إلى مرتبة الملائكية بحيث يستقبل منها، أو ينزل الملَك إلى مرتبة البشرية بحيث يستطيع أنْ يُلقنها. لذلك جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام نزل إلى مجلس رسول الله في صورة بشرية ليُعلِّم الناس أمور دينهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي تأخذه قشعريرة، ويتصبب جبينه عرقاً، حينما يأتيه جبريل بالوحي، وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية، فكان صلى الله عليه وسلم يبلغ به الجهد حتى يقول: زمِّلوني زمِّلوني، دثِّروني دثِّروني. وإذا جاءه الوحي وهو جالس مع أصحابه وركبته على ركبة أحدهم يشعر لها بثقل كأنها الجبل، أو يأتيه الوحي وهو على دابة فكانت تئط، لذلك فتر عن رسول الله الوحي بعد فترة ليستريح من هذا الإجهاد، وتبقى له حلاوة ما أُوحي إليه، فيتشوق إليه من جديد. وبعدها خاطبه ربه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1-4]. والهدف حينما يكون غالياً، والغاية سامية يهون في سبيلها كل جهد، وقد عاد الوحي إلى رسول الله بعد شوق، وخاطبه ربه بقوله: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 4-5]. إذن: ثبت القرآن بالوحي عن طريق الرسول الملَك، ولم يثبت بالإلهام أو النفث في الرَّوْع، أو الكلام من وراء حجاب، يقول تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ..} تفسير : [الشورى: 52]. والوحي هنا: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ ..} [الأحزاب: 2] مِنْ مَنْ؟ {مِن رَبِّكَ ..} [الأحزاب: 2] ولم يقل مثلاً رب الخلق، نعم هو سبحانه رب الخَلْق جميعاً، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فهو رب الخلق من باب أَوْلَى، وكلمة (ربك) تدل على الحب وعلى الاهتمام، وأنه تعالى لن يخذلك أبداً، وما اتصاله بك إلا للخير لك ولأمتك. ثم يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الأحزاب: 2] الخبير مَنْ وصل إلى منتهى العلم الدقيق، ومنه قولنا: اسأل أهل الخبرة. يعني: لا يسأل أهل العلم السطحي، فالخبير هو الذي لا يغيب عنه شيء. وتلحظ أن الآية السابقة خُتمتْ بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [الأحزاب: 1] أي: عليماً بما يُشرِّع، حكيماً يضع الأمر في موضعه، وقال هنا: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الأحزاب: 2] أي: بما ينتهي إليه أمرك مع التشريع، استجابةً أو رفضاً، فربُّك لن يُشرِّع لك ثم يتركك، إنما يَخْبُر ما تصنع، ولو حتى نوايا القلوب. فالخبرة تدل على منتهى العلم وعلى العلم الواسع، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى في قصة لقمان: {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} تفسير : [لقمان: 16]. فالخبرة تدل على العلم الواسع الذي لا تفوته جزئية مهما صغرت، واللطف هو التغلغل في الأشياء مهما كانت دقيقة، وقلنا: إن الشيء كلما لَطُفَ عَنُفَ. فكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن، فمهما صُودِمتَ من خصومك، ومهما تألَّبوا عليك، فربُّك من ورائك لم يتخلى عنك، وهؤلاء الخصوم خَلْقي، وأنا معطيهم الطاقات المفكرة والطاقات العاقلة والطاقات المتآمرة، وسوف أنصرك عليهم في كل مرحلة من مراحل كيدهم لك. لذلك لم يقووا عليك مناظرة ولا جدلاً، ولم يقدروا عليك حين بيَّتوا لك ليضربوك ضربة رجل واحد، فيتفرق دمك بين القبائل، وخرجتَ من بينهم سالماً تحثو التراب على رؤوسهم، حتى لما استعانوا عليك بالسحر وبالجن أخبرتُك بما يدبرون لك، ولم أُسِلْمْك لكيدهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):