٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قال مجاهد: نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه، وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد. قال: وكان من فِهْر. الواحديّ والقُشَيْرِيّ وغيرهما: نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلاً حافظاً لما يسمع. فقالت قريش: ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد. فلما هُزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر، رآه أبو سفيان في العير وهو معلّق إحدى نَعْلَيْه في يده والأخرى في رجله؛ فقال أبو سفيان: ما حال الناس؟ قال انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجليّ؛ فعرفوا أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وقال السُّهَيْلِيّ: كان جميل بن معمر الجُمَحيّ، وهو ابن معمر ابن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، واسم جمح: تَيْم؛ وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية، وفيه يقول الشاعر:شعر : وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وَطَراً منها جَمِيلُ بن معمر تفسير : قلت: كذا قالوا جميل بن معمر. وقال الزمخشريّ: جميل بن أسد الفهري. وقال ابن عباس: سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمداً له قلبان؛ لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأوّل؛ فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل. وقيل: نزلت في عبد الله بن خَطَل. وقال الزهريّ وابن حبّان: نزل ذلك تمثيلاً في زيد بن حارثة لما تبنّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فالمعنى: كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين. قال النحاس: وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة؛ وهو من منقطعات الزهريّ، رواه معمر عنه. وقيل: هو مثل ضرب للمُظاهر؛ أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المُظاهر أمَّه حتى تكون له أُمّان. وقيل: كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب يأمرني بكذا؛ فالمنافق ذو قلبين؛ فالمقصود ردّ النفاق. وقيل: لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب، كما لا يجتمع قلبان في جوف؛ فالمعنى: لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب. ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر، والله أعلم. الثانية: القلب بَضْعة صغيرة على هيئة الصَّنَوْبَرة، خلقها الله تعالى في الآدميّ وجعلها محلاً للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهيّ، ويضبطه فيه بالحفظ الرّباني، حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئاً. وهو بين لَمَّتَين: لَمَّة من المَلك ولَمَّةٌ من الشيطان؛ كما قال صلى الله عليه وسلم. خرّجه الترمذيّ، وقد مضى في «البقرة». وهو محل الخَطَرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة، ومجرى الانزعاج والطمأنينة. والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار؛ وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز، والله أعلم. الثالثة: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدّم ذكرهم؛ أي إنما هو قلب واحد، فإمّا فيه إيمان وإمّا فيه كفر؛ لأن درجة النفاق كأنها متوسطة، فنفاها الله تعالى وبيَّن أنه قلب واحد. وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية، متى نسي شيئاً أو وهم. يقول على جهة الاعتذار: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. الرابعة: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} يعني قول الرجل لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أمّي. وذلك مذكور في سورة «المجادلة» على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة. وروى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}حديث : وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مَسْبِيَّا من الشام، سبته خيل من تِهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خُويلد، فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبنّاه، فأقام عنده مدّة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث: «خَيِّراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء». فاختار الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه؛ فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه» وكان يطوف على حِلَق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفاتفسير : . وكان أبوه لما سبي يدور الشام ويقول:شعر : بكيتُ على زيدٍ ولم أدر ما فعل أحَيٌّ فيُرجَى أم أتى دونه الأجَلْ فوالله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدِي السَّهلُ أم غالك الجبل فياليت شعري! هل لك الدهرَ أَوْبَةٌ فحسبي من الدنيا رجوعُك لي بَجَلْ تُذَكِّرُنِيه الشمس عند طلوعها وتَعْرِض ذكراه إذا غَرْبُهَا أفَلْ وإن هَبّت الأرياح هَيَّجْنَ ذِكرَه فياطول ما حُزْنِي عليه وما وَجَلْ سَأُعْمِل نَصّ العِيسِ في الأرض جاهداً ولا أسأل التَّطواف أو تسأمُ الإبل حياتِيَ أو تأتِي عليّ منيّتي فكل امرىء فانٍ وإن غَرّه الأملْ تفسير : فأخبر أنه بمكة؛ فجاء إليه فهلك عنده. وروي أنه جاء إليه فخيّره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف. وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاءٌ عند قوله: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] إن شاء الله تعالى. وقتل زيد بُمؤْتَةَ من أرض الشام سنة ثمانٍ من الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمّره في تلك الغزاة، وقال: «حديث : إن قُتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة»تفسير : . فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. حديث : ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نَعْي زيد وجعفر بكى وقال: «أخَوَاي ومؤنساي ومحدِّثاي».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي أمراً معروفاً حسياً، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولاتصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي، أماً له، كذلك لا يصير الدعي ولداً للرجل إِذا تبناه فدعاه ابناً له، فقال: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} كقوله عز وجل: {أية : نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] الآية. وقوله تعالى: {مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} هذا هو المقصود بالنفي، فإِنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ} كما قال تعالى في أثناء السورة: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} وقال ههنا: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ} يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً، فإِنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} قال سعيد بن جبير: {يَقُولُ ٱلْحَقَّ} أي: العدل، وقال قتادة: {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أي: الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له: ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير: وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير عن قابوس، يعني: ابن أبي ظبيان، قال: إِن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن} ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: قلباً معكم، وقلباً معهم؟ فأنزل الله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن صاعد الحراني، عن عبد بن حميد، وعن أحمد بن يونس، كلاهما عن زهير، وهو ابن معاوية، به. ثم قال: وهذا حديث حسن، وكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير به. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثل: يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله عز وجل: {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إِلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر. قال البخاري رحمه الله: حدثنا مُعلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر قال: إِن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إِلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن موسى بن عقبة به. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة رضي الله عنهما: يارسول الله إِنا كنا ندعو سالماً ابناً، وإِن الله قد أنزل ما أنزل، وإِنه كان يدخل علي، وإِني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : أرضعيه تحرمي عليه» تفسير : الحديث، ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقال عز وجل: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} تفسير : [الأحزاب: 37] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم {أية : وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} تفسير : [النساء: 23] احترازاً عن زوجة الدعي؛ فإِنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة، فمنزل منزلة ابن الصلب شرعاً؛ بقوله صلى الله عليه وسلم في "الصحيحين": «حديث : حرِّموا من الرضاعة ما يحرم من النسب»تفسير : ، فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية؛ بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إِلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العُرني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدّمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: «حديث : أُبَيْنِيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» تفسير : قال أبو عبيدة وغيره: أُبَيْنِيَّ تصغير ابني، وهذا ظاهر الدلالة، فإِن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر. وقوله: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضاً ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن الجعد أبي عثمان البصري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يابني» ورواه أبو داود والترمذي. وقوله عز وجل: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إِلى آبائهم إِن عرفوا، فإِن لم يعرفوا، فهم إِخوانهم في الدين ومواليهم، أي: عوضاً عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة رضي الله عنها تنادي: ياعم ياعم فأخذها علي رضي الله عنه، وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم في أيهم يكفلها؟ فكل أدلى بحجة، فقال علي رضي الله عنه: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي، يعني: أسماء بنت عميس، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: «حديث : الخالة بمنزلة الأم» تفسير : وقال لعلي رضي الله عنه: «حديث : أنت مني وأنا منك»تفسير : . وقال لجعفر رضي الله عنه: «حديث : أشبهت خلقي وخلقي»تفسير : . وقال لزيد رضي الله عنه: «حديث : أنت أخونا ومولانا» تفسير : ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه صلى الله عليه وسلم حكم بالحق، وأرضى كلاً من المتنازعين. وقال لزيد رضي الله عنه: «حديث : أنت أخونا ومولانا»تفسير : . كما قال تعالى: {فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال أبو بكرة رضي الله عنه: قال الله عز وجل: {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ ءَابَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ} فأنا ممن لا يعرف أبوه، فأنا من إِخوانكم في الدين، قال أبي: والله إِني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لانتمى إِليه، وقد جاء في الحديث: «حديث : من ادعى إِلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر» تفسير : وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ ءَابَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ}. ثم قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي: إِذا نسبتم بعضهم إِلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإِن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ، ورفع إِثمه؛ كما أرشد إِليه في قوله تبارك وتعالى آمراً عباده أن يقولوا: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة: 286] وثبت في "صحيح مسلم": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: قد فعلت»تفسير : . وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإِن اجتهد فأخطأ، فله أجر»تفسير : . وفي حديث آخر: «حديث : إِن الله تبارك وتعالى رفع عن أمتي الخطا، والنسيان، وما يكرهون عليه» تفسير : وقال تبارك وتعالى ههنا: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي: وإِنما الإثم على من تعمد الباطل؛ كما قال عز وجل: {حديث : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] الآية. وفي الحديث المتقدم: «حديث : ليس من رجل ادعى إِلى غير أبيه، وهو يعلمه، إِلا كفر»تفسير : . وفي القرآن المنسوخ: (فإِنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم). قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن بن عبيد بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم: أنه قال: إِن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: (ولا ترغبوا عن آبائكم؛ فإِنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فإِنما أنا عبد الله، فقولوا: عبده ورسوله» تفسير : وربما قال معمر: «حديث : كما أطرت النصارى ابن مريم» تفسير : ورواه في الحديث الآخر: «حديث : ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } ردّاً على من قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱلَّٰىءِ} بهمزة وياء وبلا ياء {تَظَهَّرُونَ } بلا ألف قبل الهاء وبها، والتاء الثانية في الأصل مدغمة في الظاء {مِنْهُنَّ } يقول الواحد مثلاً لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي {أُمَّهَٰتِكُمْ } أي كالأمهات في تحريمها بذلك المعدّ في الجاهلية طلاقاً، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذكر في سورة (المجادلة)[2:58-4] {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ } جمع دعيّ وهو من يدعى لغير أبيه ابنا له {أَبْنَاءكُمْ } حقيقة {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } أي اليهود والمنافقين لما قالوا لما تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم،قالوا تزوّج محمد امرأة ابنه، فأكذبهم الله تعالى في ذلك {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } في ذلك {وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ } سبيل الحق.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ} فيه ستة أقاويل: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه إن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فأنزل الله هذه تكذيباً لهم؛ قاله ابن عباس ويكون معناه ما جعل الله لرجل من جسدين. الثاني: أن رجلاً من مشركي قريش من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد وكذب فنزلت فيه، قاله مجاهد. ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من عقلين. الثالث: أن جميل بن معمر ويكنى أبا معمر من بني جُمَح كان أحفظ الناس لما يسمع وكان ذا فهم ودهاء فقالت قريش ما يحفظ جميل ما يحفظ بقلب واحد إن له قلبين فلما كان يوم بدر وهزموا أفلت وفي يديه إحدى نعليه والأخرى في رجليه فلقيه أبو سفيان بشاطىء البحر فاستخبره فأخبره أن قريشا قتلوا وسمى من قتل من أشرافهم، قال له: إنه قد ذهب عقلك فما بال نعليك إحداهما في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما كنت أظنها إلا في رجلي فظهر لهم حاله فنزلت فيه الآية، قاله السدي ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من فهمين. الرابع: أن رجلاً كان يقول إن لي نفسين نفساً تأمرني ونفساً تنهاني فنزل ذلك فيه،قاله الحسن ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من نفسين. الخامس: أنه مثل ضربه الله لزيد بن حارثة حين تبناه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقه فلما نزل تحريم التبنّي منع من ادعائه ولداً ونزل فيه {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنَ قَلْبِينِ} يقول: ما جعل الله لرجل من أبوين، كذلك لا يكون لزيد أبوين حارثة ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل بن حيان. وفيه إثبات لمذهب الشافعي في نفي الولد عن أبوين ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من أبوين. السادس: معناه: أنه لا يكون لرجل قلب مؤمن معنا وقلب كافر علينا لأنه لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب واحد ويكون معناه: ما جعل الله لرجل من دينين، حكاه النقاش. {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّلآئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} وهو أن يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي، فهذا ظهار كانوا في الجاهلية يحرمون به الزوجات ويجعلونهن في التحريم كالأمهات فأبطل الله بذلك أن تصير محرمة كالأم لأنها ليست بأم وأوجب عليه بالظهار منها إذا صار فيه عامداً كفارة ذكرها في سورة المجادلة ومنعه من إصابتها حتى يكفر وسنذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب. {وَمَا جَعلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} يعني بذلك أدعياء النبي. قال مجاهد كان الرجل في الجاهلية يكون ذليلاً فيأتي ذا القوة والشرف فيقول: أنا ابنك فيقول نعم فإذا قبله واتخذه ابناً أصبح أعز أهله وكان زيد بن حارثة منهم قد تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كان يصنع أهل الجاهلية فلما جاءت هذه الآية أمرهم الله أن يلحقوهم بآبائهم فقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} في الإسلام. {ذَلِكُم قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ} أن امرأته بالظهار أُمُّه وأن دَعيه بالتبني ابنه {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} في أن الزوجة لا تصير في الظهار أُمّاً والدعيُّ لا يصير بالتبني ابناً. {وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} يعني في إلحاق النسب بالأب، وفي الزوجة أنها لا تصير كالأم. قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبآئِهِمْ} يعني التبني: قال عبد الله بن عمر ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} قال السدي فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حارثة وعرف كل نسبه فأقرّوا به وأثبتوا نسبه. {هُوَ أَقْسَطُ عِنَد اللهِ} أي أعدل عند الله قولاً وحكماً. {فَإِنَ لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَهُمْ فإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فانسبوهم إلى أسماء إخوانكم ومواليكم مثل عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد العزيز، قاله مقاتل بن حيان. الثاني: قولوا أخونا فلان وولينا فلان، قاله يحيى بن سلام. وروى محمد بن المنكدر قال: جلس نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم جابر بن عبد الله الأنصاري فتفاخروا بالآباء فجعل كل واحد منهم يقول أنا فلان بن فلان حتى انتهوا إلى سلمان فقال أنا سلمان ابن الإسلام فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال صدق سلمان وأنا عمر بن الإسلام وذلك قوله: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. الثالث: إنه إن لم يُعرف لهم أب ينسبون إليه كانوا إخواناً إن كانوا أحراراً، وموالي إن كانوا عتقاء كما فعل المسلمون فيمن عرفوا نسبه وفيمن لم يعرفوه فإن المقداد بن عمرو كان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث الزهري فرجع إلى أبيه وسفيان بن معمر كانت أمه امرأة معمر في الجاهلية فادعاه ابناً ثم أسلم سفيان وشهد بدراً فنسب إلى أبيه ونسبه في بني زريق من الأنصار. وممن لم يعرف له أب سالم، مولى أبي حذيفة ونسب إلى ولاء أبي حذيفة. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأَتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما أخطأتم قبل النهي وما تعمدت قلوبكم بعد النهي في هذا وغيره، قاله مجاهد. الثاني: ما أخطأتم به ما سهوتم عنه، وما تعمدمت قلوبكم ما قصدتموه عن عمد، قاله حبيب بن أبي ثابت. الثالث: ما أخطأتم به أن تدعوه إلى غير أبيه، قاله قتادة. {وَكَانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً} أي غفوراً عما كان في الشرك، رحيماً بقبول التوبة في الإسلام.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في السبب في قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}، فقال ابن عباس سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمداً له قلبان، لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فنفاه الله تعالى عنه، وقال ابن عباس أيضاً بل سببه أنه كان في قريش في بني فهر رجل فهم يدعي أن له قلبين ويقال له ذو القلبين، قال الثعلبي وهو ابن معمر وكان يقول: أنا أذكى من محمد وأفهم، فلما وقعت هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل، فنزلت الآية بسببه ونفياً لدعواه، وقيل إنه كان ابن خطل، قال الزهري جاء هذا اللفظ على جهة المثل في زيد بن حارثة والتوطئة لقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}، أي كما ليس لأحد قلبان كذلك ليس دعيه ابنه. قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر من الآية أنها بجملتها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت وإعلام بحقيقة الأمر، فمنها أن بعض العرب كانت تقول: إن الإنسان له قلبان قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك، ومن هذا قول الكميت: [الطويل] شعر : تذكر من أنا ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الثلة الإبل تفسير : والناس حتى الآن يقولون إذا وصفوا أفكارهم في شيء ما يقول لي أحد قلبي كذا ويقول الآخر كذا، وكذا كانت العرب تعتقد الزوجة إذا ظوهر منها بمنزلة الأم وتراه طلاقاً وكانت تعتقد الدعي المتبني ابناً فأعلم الله تعالى أنه لا أحد بقلبين، ويكون في هذا أيضاً طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم، أي إنما هو قلب واحد، فإما حله إيمان وإما حله كفر لأن درجة النفاق كأنها متوسطة يؤمن قلب ويكفر الآخر، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد، وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية متى نسي شيئاً أو وهم يقول على جهة الاعتذار {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}، أي إذا نسي قلبه الواحد يذكره الآخر، وكذلك أعلم أن الزوجة لا تكون أماً وأن الدعي لم يجعله ابناً، وقرأ نافع وابن كثير "اللاء" دون ياء، وروي عن أبي عمرو وابن جبير "اللاي" بياء ساكنة بغير همز، وقرأ ورش بياء ساكنة مكسورة من غير همز، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وطلحة والأعمش بهمزة مكسورة بعدها ياء، وقرأ ابن عامر "تظّاهرون" بشد الظاء وألف، وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة "تُظاهرون" بضم التاء وتخفيف الظاء، وأنكرها أبو عمرو وقال: إنما هذا في المعاونة. قال القاضي أبو محمد: وليس بمنكر ولفظة ظهار تقتضيه، وقرأ الكسائي وحمزة وأبو بكر عن عاصم "تَظَاهرون" بفتح التاء والظاء مخففة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "تظّهّرون" بشد الظاء والهاء دون ألف، وقرأ يحيى بن وثاب "تُظْهِرون" بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء، وفي مصحف أبيّ بن كعب "تتظهرون" بتاءين، وكانت العرب تطلق تقول أنت مني كظهر أمي فنزلت الآية وأنزل الله تعالى كفارة الظهار، وتفسير الظهار وبيانه أثبتناه في سورة المجادلة، وقوله {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} الآية سببها أمر زحديث : يد بن حارثة كانوا يدعونه زيد بن محمد، وذلك أنه كان عبداً لخديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام معه مدة ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم- وذلك قبل البعث-: "خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء"، فخيراه فاختار الرق مع محمد على حريته وقومه، فقال محمد عليه السلام: "يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه"تفسير : ، فرضي بذلك أبوه وعمه وانصرفا. وقوله تعالى: {بأفواهكم} تأكيد لبطلان القول، أي أنه لا حقيقة له في الوجود إنما هو قول فقط، وهذا كما تقول أنا أمشي إليك على قدم، فإنما تؤكد بذلك المبرة وهذا كثير، و {يهدي} معناه يبين، فهو يتعدى بغير حرف جر، وقرأ قتادة "يُهَدّي" بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، و {السبيل} هو سبيل الشرع والإيمان، وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص يقفون "السبيلا" ويطرحونها في الوصل، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالألف وصلاً ووقفاً، وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف وصلاً ووقفاً، وهذا كله في غير هذا الموضع، واتفقوا هنا خاصة على طرح الألف وصلاً ووقفاً لمكان ألف الوصل التي تلقى اللام.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ} كان الرسول صلى الله عليه وسلم قائماً يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فنزلت إكذاباً لهم فالمراد بالقلبين جسدين، أو قال قرشي من بني فهر: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد فنزلت إكذاباً له فيكون المراد بالقلبين عقلين، أو قال رجل: إن لي نفسين نفساً تأمرني ونفساً تنهاني فنزلت فيه "ح"، أو كان جميل بن معمر الجمحي أحفظ الناس لما يسمع ذا فهم ودهاء فقالت قريش: ما يحفظ ما يسمعه بقلب واحد وإن له قلبين فانهزم يوم بدر بيده إحدى نعليه والأخرى في رجله فلقي أبا سفيان بشاطىء البحر فأخبره بمن قتل من أشرافهم. فقال: إنه قد ذهب عقلك فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك. فقال: ما كنت أظنها إلا في يدي فظهر لهم حاله ونزلت فيه، أو ضرب ذلك مثلاً لزيد لما تبناه الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكون لرجل أبوان حتى يكون زيد بن محمد وابن حارثة، أو لا يكون لرجل قلب مؤمن معنا وقلب كافر علينا لأنه لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب واحد فيكون معناه ما جعل الله لرجل من دينين {أَدْعِيَآءَكُمْ} كان الذليل في الجاهلية يأتي القوي الشريف فيقول أنا ابنك فيقول نعم فإذا قبله واتخذه ابناً أصبح أعز أهله وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة على تلك العادة فنزلت {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ} في الجاهلية {أَبْنَآءَكُمْ} في الإسلام. {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم} في المُظَاهر عنها وابن التبني {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} في أنها ليست بأم ولا الدعي بابن.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين؟ قلباً معكم، وقلباً معهم. فأنزل الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين، فأنزل الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رجل من قريش يسمى من دهائه ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبين. كان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إن رجلاً من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين، اعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمح، يقال له: جميل بن معمر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها، فخطرت منه كلمة، فسمعها المنافقون، فأكثروا فقالوا: إن له قلبين. ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة؟ إن له قلباً معكم، وقلباً مع أصحابه، فنزلت {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} إلى قوله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري في قوله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلاً يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان الرجل يقول لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. فقال الله {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} وكان يقال: زيد بن محمد. فقال الله {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} أي ما جعلها أمك، وإذا ظاهر الرجل من امرأته فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفارة {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} يقول: ما جعل دعيك ابنك. يقول: إن ادعى رجل رجلاً فليس بابنه. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} قال: نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}[4] قال: المتوجه إلى الله عزَّ وجلَّ قصداً من غير التفات، فمن نظر إلى شيء سوى الله فما هو بقاصد إلى ربه، وإن الله تعالى يقول: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}[4] قيل: قلب يقبل به على ربه، وقلب يدبر به أمور الدنيا. وللعقل طبعان: طبع للدنيا وطبع للآخرة مؤتلف بطبع نفس الروح، فطبع الآخرة منطبع بطبع نفس الروح، وطبع الدنيا مؤتلف بالنفس الشهوانية. ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تكلني إلى نفسي طرفة عين"تفسير : ، فإن العبد ما دام مشتغلاً بنفسه فهو محجوب عن الله عزَّ وجلَّ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الآية: 4]. قال سهل: التوجه الى الله قصدًا من غير التفات فمن نظر إلى شىء سوى الله فما هو بقاصد إلى ربه فإن الله يقول: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} قلب يقبل به على ربه وقلب يدبر به أمر دنياه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. القلبُ إذا اشتغل بشيء شُغِلَ عما سواه، فالمشتغلُ بما مِنَ العَدَم منفصلٌ عمن له القِدَمُ، والمتصل بقلبه بمن نعته القِدَم مشتغلٌ عمَّا من العدَم.. والَليل والنهار لا يجتمعان، والغيبُ والغيرُ لا يلتقيان. {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}. اللائي تظاهرتم منهن لَسْنَ أمهاتكم، والذين تبنيتم ليسوا بأبنائكم، وإن الذي صرتم إليه من افترائكم، وما نسبتم إلينا من آرائكم فذلك مردودٌ عليكم، غيرُ مقبولٍ منكم، وإن أمسكتم عنه بعد البيان نجوتم، وإن تمادَيتم بعد ما أعْلِمْتم. أطلت المحنةُ عليكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} ان الله سبحانه اخبر القلب واحد لا يحتاج الى -----فان القلب خلق على استعداد قبول وقائع انوار جميع الذات والصفات وفيه عقل -------بحقيقتها ونفس هى مجرى الاقدار الفعلية القهرية من الله وفيه روح لطيف وقدس مخاطب من الله بجميع طرق المعارف وفيه سر هو مرأة كشوفات الغيب فاذا هوى القلب ميادين ربوبيتنا الازل والابد لا يحتاج الى شئ سواه فانه الكون الاصغر بالصورة وفى المعنى الكون الاكبر ومن عرفه فقد عرف الحق وعرف ما دونه من العرش الى الثرى فالقلب الحقيقى ما لم يكن بينه وبين الحق حجاب ولا يكون ليشغل بشئ سوى الله قال الصادق قلب يرى به امور الدنيا وقلب يعلم امور الأخرة وذو القلب -----السليم من كان قلبه حرا من الاشتغال بشئ سوى الحق {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} ما صدر من الحق فهو حق حقيقى لا يشرب بشئ من الحدثان من الهواجس والوسواس وهو يهدى بنفسه العارف الى سبيل معرفة الصفات ثم الى طرق معرفة الذات قال جعفر والله يقول الحق لانه الحق ومنه بدت الحقائق وكلامه حق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه} جعل بمعنى خلق والرجل مخصوص بالذكر من الانسان والتنكير ومن الاستغراقية لافادة التعيمم والقلب مضغة صغيرة فى هيئة الصنوبرة خلقها الله فى الجانب الايسر من صدر الانسان معلقة بعرف الوتين وجعلها محلا للعلم وجوف الانسان بطنه كما فى اللغات وذكره لزيادة التقرير كما فى قوله تعالى {أية : ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور}تفسير : : والمعنى بالفارسية [الله تعالى هيج مردرا دو دل نيافريد اندرون وى زيرا كه قلب معدن روح حيوانى ومنبع قوتها ست بس يكى بيش نشايد زيرا كه روح حيوانى يكيست] وفيه طعن على المنافقين كما قاله القرطبى يعنى ان الله تعالى لم يخلق للانسان قلبين حتى يسع احدهما الكفر والضلال والاصرار والانزعاج والآخر الايمان والهدى والانابة والطمأنينة فما بال هؤلاء المنافقين يظهرون ما لم يضمروه وبالعكس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان المنافقون يقولون ان لمحمد قلبين قلبا معنا وقلبا مع اصحابه فاكذبهم الله. وقال بعضهم هذا رد ما كانت العرب تزعم من ان للعاقل المجرب للامور قلبين ولذلك قيل لابى معمر ذى القلبين وكان من احفظ العرب وادراهم واهدى الناس الى طريق البلدان وكان مبغضا للنبى عليه السلام وكان هو او جميل بن اسد يقول فى صدرى قلبان اعقل بهما افضل مما يعقل محمد بقلبه [كفت در سينه من دودل نهاده اند تادانش ودر يافت من بيش از در يافت محمد باشد] وكان الناس يظنون انه صادق فى دعواه فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم فيهم وهو يعدو فى الرمضاء واحدى نعليه فى يده والاخرى فى رجله فلقيه ابو سفيان وهو يقول اين نعلى اين نعلى ولا يعقل انها فى يده فقال له احدى نعليك فى يدك والاخرى فى رجلك فعلموا يومئد انه لو كان له قلبان ما نسى نعله فى يده. ويقول الفقير اما ما يقال بين الناس لفلان قلبان فليس على حقيقته وانما يريدون بذلك وصفه بكمال القوة وتمام الشجاعة كأنه رجلان وله قلبان. وفى الآية اشارة الى ان القلب خلق للمحبة فقط فالقلب واحد والمحبة واحدة فلا تصلح الا لمحبوب واحد لا شريك له كما اشار اليه من قال شعر : دلم خانه مهريارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس فمن اشتغل بالدنيا قالبا وقلبا ثم ادعى حب الآخرة بل حب الله فهو كاذب فى دعواه جمشيد جز حكايت جام از جهان نبرد زنهار دل مبند براسباب دنيوى تفسير : {وما جعل ازواجكم} نساءكم جمع زوج كما ان الزوجات جمع زوجة والزوج افصح وان كان الثانى اشهر: وبالفارسية [ونساخته زنان شمارا] {واللآئى} جمع التى {تظاهرون منهن} اى تقولون لهن انتن علينا كظهور امهاتنا اى فى التحريم فان معنى ظاهر من امرأته قال لها انت علىّ كظهر امى فهو مأخوذ من الظهر بحسب اللفظ كما يقال لبى المحرم اذا قال لبيك واقف الرجل اذا قال اف وتعديته بمن لتضمنه معى التجنب وكان طلاقا فى الجاهلية وكانوا يجتنبون المطلقة: يعنى [طلاق جاهليت اين بود كه بازن خويش ميكفتند] انت علىّ كظهر امى اى انت علىّ حرام كبطن امى فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذى ذكره يقارب ذكر الفرج وانما جعلوا الكناية بالظهر عن البطن لانه عمود البطن وقوام البنية {امهاتكم} اى كامهاتكم جمع ام زيدت الهاء فيه كما زيدت فى احراق من اراق وشدت زيادتها فى الواحدة بان يقال امه. والمعنى ما جمع الله الزوجية والامومة فى امرأة لان الام مخدومة لا يتصرف فيها والزوجة خادمة يتصرف فيها والمراد بذلك نفى ما كانت العرب تزعمه من ان الزوجة المظاهر منها كالام. قال فى كشف الاسرار [جون اسلام آمد وشريعت راست رب العالمين براى اين كفارت وتحلت بديد كرد وشرع آنرا اظهار نام نهاد] وهو فى الاسلام يقتضى الطلاق والحرمة الى اداء الكفارة وهى عتق وقبة فان عجز صام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان ولا شئ من الايام المنهية وهى يوما العيد وايام التشريق فان عجز اطعم ستين مسكينا كل مسكين كالفطرة او قيمة ذلك. وقوله انت على كظهر امى لا يحتمل غير الظهار سواء نوى او لم ينو ولا يكون طلاقا او ايلاء لانه صريح فى الظهار. ولو قال انت علىّ مثل امى فان نوى الكرامة اى ان قال اردت انها مكرمة على كامى صدق او الظهار فظهار او الطلاق فبائن وان لم ينو شيئا فليس شئ. ولو قال انت علىّ حرام كامى ونوى ظهارا او طلاقا فكما نوى. ولو قال انت علىّ حرام كظهر امى ونوى طلاقا وايلاء فهو ظهار وعندهما ما نوى ولا ظهار الا من الزوجة فلا ظهار من امته لان الظهار منقول عن الطلاق لانه كان طلاقا فى الجاهلية ولا طلاق فى المملوك. ولو قال لنسائه انتن علىّ كظهر امى كان مظاهرا منهن وعليه لكل واحدة كفارة وان ظاهر من واحدة مرارا فى مجلس او مجالس فعليه لكل ظهار كفارة كما فى تكرار اليمين فكفارة الظهار واليمين لا تتداخل بخلاف كفارة شهر رمضان وسجدة التلاوة اى اذا تكررت التلاوة فى موضع لا يلزم الا سجدة واحدة {وما جعل ادعياءكم} جمع دعى فعيل بمعنى مفعول وهو الذى يدعى ولدا ويتخذ ابنا اى المتبنى بتقديم الباء الموحدة على النون: وبالفارسية [كسى را به بسرى كرفتن] وقياسه ان يجمع على فعلى كجرحى بان يقال دعيا فان افعلاء مختص بفعيل بمعنى فاعل مثل تقى واتقياء كأنه شبه فعيل بمعنى مفعول فى اللفظ بفعليل بمعنى فاعل فجمع جمعه {ابناءكم} حقيقة فى حكم الميراث والحرمة والنسب اى ما جعل الله الدعوة والبنوة فى رجل لان الدعوة عرضه والبنوة اصل فى النسب ولا يجتمعان فى الشئ الواحد وهذا ايضا رد ما كانوا يزعمون من ان دعى الرجل ابنه فيجعلون له من الميراث مثل نصيب الذكر من اولادهم ويحرمون نكاح زوجته اذا طلقها ومات عنها ويجوز ان يكون نفى القلبين لتمهيد اصل يحمل عليه نفى الامومة عن المظاهر منها والبنوة عن المتبنى. والمعنى كما لم يجعل الله قلبين فى جوف واحد لادائه الى التناقض وهو ان يكون كل منهما اصلا لكل القوى وغير اصل كذلك لم يجعل الزوجة امّا والدعىّ ابنا لاحد يعنى كون المظاهر منها امّا وكون الدعىّ ابنا اى بمنزلة الام والابن فى الآثار والاحكام المعهودة بينهم فى الاستحالة بمنزلة اجتماع قلبين فى جوف واحد. وفيه اشارة الى ان فى القرابة النسبية خواص لا توجد فى القرابة السببية فلا سبيل لاحد ان يضع فى الازواج بالظهار ما وضع الله فى الامهات ولا ان يضع فى الاجانب بالتبنى ما وضع الله فى الابناء فان الولد سر ابيه فما لم يجعل الله فليس فى مقدور احد ان يجعله {ذلكم} [اين مظاهره را مطلقه ودعى را ابن خواندن] او هو اشارة الى الاخير فقط لأنه المقصود من سياق الكلام اى دعاؤكم الدعى بقولكم هذا ابنى {قولكم بافواهكم} فقط لا حقيقة له فى الاعيان كقول الهارب فاذا هو بمعزل عن احكام البنوة كما زعمتم والافواه جمع فم واصل فم فوه بالفتح مثل ثوب واثواب وهو مذهب سيبويه والبصريين وفوه بالضم مثل سوق واسواق وهو مذهب الفراء حذفت الهاء حذفا غير قياسى لخفائها ثم الواو لاعتلالها ثم ابدلت الواو المحذوفة ميما لتجانسهما لانهما من حروف الشفة فصار فم. قال الراغب وكل موضع علق الله فيه حكم القول بالفم فاشارة الى الكذب وتنبيه على ان الاعتقاد لا يطابقه {والله يقول الحق} اى الكلام المطابق للواقع لان الحق لا يصدر الا من الحق وهو ان غير الابن لا يكون ابنا {وهو يهدى السبيل} اى سبيل الحق لا غيره فدعوا اقوالكم وخذوا بقوله هذا. والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك وما فيه سهولة. وفى التأويلات النجمية {والله يقول الحق} فيما سمى كل شئ بازاء معناه {وهو يهدى السبيل} الى اسم كل شئ مناسب لمعناه كما هدى آدم عليه السلام بتعليم الاسماء كلها وخصصه بهذا العلم دون الملائكة المقربين. قال بعض الكبار اعلم ان آداب الشريعة كلها ترجع الى ما نذكره وهو ان لا يتعدى العبد فى الحكم موضعه فى جوهر كان او فى عرض او فى زمان او مكان او فى وضع او فى اضافة او فى حال او فى مقدار او عدد او فى مؤثر او فى مؤثر فيه. فاما اولاها فى الجوهر فهو ان يعلم العبد حكم الشرع فى ذلك فيجريه فيه بحسنه. واما ادب العبد فى الاعراض فهو ما يتعلق بافعال المكلفين من وجوب وحظر واباحة ومكروه وندب. واما ادبه فى الزمان فلا يتعلق الا باوقات العبادات المرتبطة بالاوقات فكل وقت له حكم فى المكلف ومنه ما يضيق وقته ومنه ما يتسع. واما ادبه فى المكان كمواضع العبادات مثل بيوت الله فيرفعها عن البيوت المنسوبة الى الخلق ويذكر فيها اسمه. واما ادبه فى الوضع فلا يسمى الشئ بغير اسمه ليغير عليه حكم الشرع بتغيير اسمه فيحلل ما كان محرما ويحرم ما كان محللا كما فى حديث "حديث : سيأتى على امتى زمان يظهر فيه اقوام يسمون الخمر بغير اسمها" تفسير : اى فتحا لباب استحلالها بالاسم وقد تفطن لما ذكره الامام مالك رحمه الله فسئل عن خنزير البحر فقال هو حرام فقيل له انه من جملة سمك البحر فقال انتم سميتوه خنزيرا فانسحب عليه حكم التحريم لاجل الاسم كما سموا الخمر نبيذا او ابريزا فاستحلوها بالاسم وقالوا انما حرم علينا ما كان اسمه خمرا. واما ادب الاضافة فهو مثل قول الخضر عليه السلام {أية : فاردت ان اعيبها} تفسير : وقوله {أية : فاردنا ان يبدلهما ربهما} تفسير : وذلك للاشتراك بين ما يحمد ويذم وقال {أية : فاراد ربك} تفسير : لتخليص المحمدة فيه فان الشئ الواحد يكتسب ذما بالنسبة الى جهة ويكتسب حمدا بالاضافة الى جهة اخرى وهو هو بعينه وانما يغير الحكم بالنسبة. واما ادب الاحوال كحال السفر فى الطاعة وحال السفر فى المعصية فيختلف الحكم بالحال. واما الادب فى الاعداد فهو ان لا يزيد فى افعال الطهارة على اعضاء الوضوء ولا ينقص وكذلك القول فى اعداد الصلوات والزكوات ونحوها وكذلك لا يزيد فى الغسل عن صاع والوضوء عن مد. واما ادبه فى المؤثر فهو ان يضيق القتل او الغضب مثلا الى فاعله ويقيم عليه الحدود. واما اجبه فى الموثر فيه كالمقتول قودا فينظر هل قتل بصفة ما قتل به او بامر آخر وكالمغصوب اذا وجد بغير يد الذى باشر الغصب فهذه اقسام آداب الشريعة كلها فمن عرفها واجراها كان من المهتدين الى السبيل الحق والمحفوظين عن الضلال المطلق فاعرف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ما جعل اللهُ لرجلِ من قلبين في جوفه}؛ فيؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، أو: يتقي بأحدهما ويعصي بالآخر، أو: يُقبل على الله بأحدهما ويُقبل على الدنيا بالآخر، بل ما للعبد إلا قلب واحد، إن أقبل به على الله؛ أدبر عمن سواه، وإن أقبل به على الدنيا، أدبر عن الله. قيل: الآية مثل المنافقين، أي: إنه لا يجتمع الكفر والإيمان، وقيل: لا تستقر التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية: يظهر من الآية، بجملتها، أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر فيها، فمنها: أن العرب كانت تقول: الإنسان له قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تَضَادُّ الخواطر يحملها على ذلك.. الخ كلامه. قال النسفي: والمعنى: أنه تعالى لم يجعل للإنسان قلبين؛ لأنه لا يخلو: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فَضْلَةٌ، غير مُحْتاَج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك، فيؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً، عالماً ظانّاً، موقناً شاكّاً في حالة واحدة. هـ. وكانت العرب تعتقد أيضاً أن المرأة المظاهَرَ منها: أُمًّا، فردّ ذلك بقوله: {وما جعل أزواجَكم اللائي تُظاهرون منهن أمهاتِكم} أي: ما جمع الزوجية والأمومة في امرأة واحدة؛ لتضاد أحكامهما؛ لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة. وكانت تعتقد أن الدّعي ابن، فردّ عليهم بقوله: {وما جعل أدعياكم أبناءكم} أي: لم يجعل المُتَبَنَّى من أولاد الناس ابناً لمَن تبناه؛ لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، لا غير، ولا يجتمع في شيء واحد أن يكون أصيلاً وغير أصيل. ونزل هذا في "زيد بن حارثة"، وهو رجل من كلب، سُبي صغيراً، فاشتراه حكيم بن حزام، لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، فطلبه أبوه وعمه، وجاءا بفدائه، فخُيَّر، فاختار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبنّاه. وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينب؛ وكانت تحت زيد - على ما يأتي - قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، قلب معكم، وقلب مع أصحابه. وقيل: كان "أبو مَعْمَر" أحفظ العرب، فقيل: ذو القلبين، فأكذب اللهُ قولَهم. والتنكير في رجل، وإدخال "مِن" الاستغراقية على "قلبين"، وذكر الجوف للتأكيد. و"اللائي": جمع "التي". وفيها قراءات: "اللاء"؛ بالهمزة مع المد والقصر، وبالتسهيل، وبالياء، بدلاً من الهمز. وأصل {تظاهرون}: تتظاهرون، فأدغم. وقرأ عاصم بالتخفيف؛ منْ: ظَاَهَر. ومعنى الظهار: أن تقول للزوجة: أنت عليّ كظهر أمي. مأخوذ من الظهر، وتعديته بمن؛ لتضمنه معنى التجنُّب؛ لأنه كان طلاقاً في الجاهلية. وهو في الإسلام يقتضي الحرمة حتى يُكفَّر، كما يأتي في المجادلة. والأدعياء: جمع دعي، فقيل: بمعنى مفعول، وهو الذي يُدعى ولداً، وجمعه على أَفْعِلاَء: شاذ؛ لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل؛ كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء. ولا يكون في ذلك نحو رَمِيَّ وسَمي، على الشذوذ. وكأنه شبهه بفعيل بمعنى فاعل، فَجُمِعَ جَمْعَهُ. {ذلكم قولُكُم بأفواهكم}؛ إذ إن قولكم للزوجة: أُمًّا، والدعيّ: هو ابن، قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له، إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم. {واللهُ يقولُ الحقِّ}؛ ما له حقيقة عينية، مطابقة له ظاهراً وباطناً {وهو يهدي السبيلَ}؛ سبيل الحق. ثم بيّن ذلك الحَقَّ، وهدى إلى سبيله، فقال: {أدعوهم لآبائهم}؛ انسبوهم إليهم. {هو}، أي: الدعاء {أقْسَطُ}؛ أعدل {عند الله}. بيّن أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في العدل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل؛ ضمّه إليه، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده، من ميراثه. وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان. {فإن لم تعلموا آباءهم} أي: فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم، {فإِخوانُكُم في الدين ومواليكم} أي: فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه، {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك، مخطئين جاهلين، قبل ورود النهي، أو بعده، نسياناً. {ولكن ما تعمَّدَتْ قلوبُكم} أي: ولكن الإثم فيما تعمِّدتموه بعد النهي. أو: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بنيّ، على سبيل الخطأ، أو: الشفقة، ولكن إذا قلتموه متعمدين على وجه الانتساب. {وكان الله غفوراً رحيماً}؛ لا يؤاخذكم بالخطأ، ويقبل التوبة من المعتمِّد. الإشارة: العبد إنما له قلب واحد، إذا أقبل به على مولاه؛ أدبر عن ما سواه، وملأه اللهُ تعالى بأنواع المعارف والأسرار، وأشرقت عليه الأنوار، ودخل حضرة الحليم الغفار، وإذا أقبل به على الدنيا؛ أدبر عن الله، وحُشي بالأغيار والأكدار، وأظلمت عليه الأسرار، وطبع فيه صور الكائنات، فّحُجِبَ عن المُكَوِّنِ. وكان مأوى للخواطر والوساوس، فلم يَسْوَ عند الله جناح بعوضة. قال القشيري: القلب إذا اشتغل بشيء؛ اشتغل عما سواه، فالمشتغلُ بما مِنَ العَدَمِ؛ منفصلٌ عَمن له القِدَمُ، والمتصل بقلبه بِمَنْ نَعْتُهُ القِدَم؛ مشتغلٌ عمِّا من العدم، والليل والنهار لا يجتمعان، والغيبُ والغيرُ لا يلتقيان. هـ. وقوله تعالى: {وما جعل أزواجكم...} الآية، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى أنَّ مَنْ ظاهَرَ الدنيا، وتباعد عنها؛ لا يحل له أن يرجع، ويتخذّها أُمًّا؛ في المحبة والخدمة. وقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم..}: تشير إلى أنه لا يحل أن يَدَّعِيَ الفقيرُ حالاً، أو مقاماً، ما لم يتحقق به، وليس هو له، أوْ: يَنْسِبَ حِكْمَةً أوْ عِلْماً رفيعاً لنفسه، وهو لغيره، {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}. وقوله: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين..}: إخوان الدين أّوْلَى، وإخوان الطريق أحب وأصفى. قال القشيري: وقرابةُ الدين، في الشكلية، أولى من قرابة النَّسَب، وأنشدوا. شعر : وَقَالُوا: قَرِيبٌ مِنْ أبٍ وَعُمُومَةٍ فَقُلْتُ: وَإخْوَانُ الصَّفَاءِ الأقارِبُ مَنَاسِبُهُمْ شَكْلاً وَعِلْماً وأُلفة وَإنْ بَاعَدَتْنَا فِي الأُصُولِ التَّنَاسُبُ تفسير : ثم ذكر أبوّة النبي صلى الله عليه وسلم وأمومة أزواجه لجميع أمَّته، فقال: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ...}.
الجنابذي
تفسير : {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ناشٍ عن الحصر المستفاد من قوله: لا تطع الكافرين واتّبع ما يوحى اليك كأنّه قيل: لا منافاة بين اتّباع الموحى وبين المداراة مع الكافرين واتّباع ما يشيرون اليه فقال: ما جعل {لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} يحبّ ويتّبع الله بهذا ويحبّ ويتّبع بذاك الكافر، وقيل: نزلت فى ابى معمّر حميد بن معمّر بن حبيب الفهرىّ وكان لبيباً حافظاً لما يسمع وكان يقول: انّ فى جوفى لقلبين اعقل بكلّ واحدٍ منهما افضل من عقل محمّد (ص) ثمّ انهزم يوم بدر مع من انهزم واحدى نعليه فى يده والاخرى فى رجله، فقيل له فى ذلك فقال: ماشعرت الاّ انّهما فى رجلى فعرفوا يومئذٍ انّه لم يكن له الاّ قلبٌ واحدٌ وعن علىّ (ع) انّه: لا يجتمع حبّنا وحبّ عدوّنا فى جوف انسانٍ انّ الله لم يجعل لرجلٍ قلبين فى جوفه، فيحبّ بهذا ويبغض بهذا، وعن الصّادق (ع) فمن كان قلبه متعلّقاً فى صلٰوته بشيءٍ دون الله فهو قريبٌ من ذلك الشّيء بعيد عن حقيقة ما اراد الله منه فى صلٰوته، ثمّ تلا هذه الآية {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} زعمت العرب انّ من قال لزوجته: انت علىّ كظهر امّى صارت زوجته كأمّه فى حرمة المواقعة فقال تعالى ردّاً عليهم: ما جعل ازواجكم (الآية) {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} الدّعىّ كالغنىّ من تبنّيته فعيل بمعنى المفعول ومن كان متّهماً فى نسبه، نزلت فى زيد بن حارثة الكلبىّ عتيق رسول الله (ص) وسبب ذلك على ما نقل عن القمى عن الصّادق (ع) انّ رسول الله (ص) اشترى زيداً بعد تزويجه خديجة (ع) فلمّا نُبّئ (ص) دعا زيداً الى الاسلام فأسلم وكان يدعى مولى محمّدٍ (ص) فاتى حارثة ابا طالب (ع) وقال له: قل لابن اخيك: امّا ان يبيعه، وامّا ان يفاديه، وامّا ان يعتقه، فلمّا قال ذلك ابو طالب (ع) لرسول ا لله (ص) قال: هو حرّ لوجه الله فليذهب حيث شاء، فقام حارثة واخذ بيد زيدٍ وقال: يا بنىّ الحق بشرفك وحسبك فقال: لست افارق رسول الله (ص) ابداً فغضب ابوه وقال: يا معشر - قريش اشهدوا انّى بريء منه وليس هو ابنى فقال رسول الله (ص): اشهدوا انّ زيداً ابنى ارثه ويرثنى وكان يدعى زيد بن محمّدٍ (ص) فلمّا هاجر رسول الله (ص) زوّجه زينب بنت جحشٍ وأبطأ عنه يوماً فأتى رسول الله (ص) منزله فاذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهرٍ لها، فنظر اليها رسول الله (ص) وكانت جميلةً فوقعت فى قلب رسول الله (ص) فقال: سبحان خالق النّور وتبارك الله احسن الخالقين، ثمّ رجع وجاء زيد الى منزله فأخبرته زينب بما وقع فقال زيد: هل لك ان اطلّقك حتّى يتزوّجك رسول الله؟. فقالت: اخشى ان تطلّقنى ولم يتزوّجنى رسول الله (ص) فجاء زيد الى رسول الله فقال: هل لك ان اطلّق زينب حتّى تتزوّجها؟- فقال: لا، اذهب واتّق الله وامسك عليك زوجك ثمّ حكى الله عزّ وجلّ فقال: امسك عليك زوجك واتّق ا لله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى النّاس والله احقّ ان تخشاه فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها (الى قوله) وكان امر الله مفعولاً فزوّجه الله تعالى من فوق عرشه فقال المنافقون: يحرّم علينا نساء ابنائنا ويتزوّج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله عزّ وجلّ فى هذا: وما جعل ادعياءكم ابناءكم (الى قوله) يهدى السّبيل وسيأتى فى هذه السّورة اخبار اُخر فى كيفيّة تزويج رسول الله (ص) زينب لزيدٍ ولنفسه {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} من غير اعتقادٍ لكم به ومن غير حقيقةٍ له فى الواقع فلا تأثير لهذا القول فى ترتّب الاحكام الشّرعيّة {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} الثّابت الّذى له حقيقة فى نفس الامر و ينبغى ان يعتقد {وَهُوَ} لا غيره {يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} الى الحق.
الأعقم
تفسير : {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} نزلت في معمر كان رجلاً من أحفظ العرب، وقيل: هو جميل بن أسيد الفهري، وكان يقول: لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبي سفيان وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب، فقال: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلي، فأكذب الله قوله وقولهم، وعن ابن عباس: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم الله تعالى، وقيل: سها في صلاته فقال اليهود: له قلبان قلبٌ مع أصحابه وقلبٌ معكم {وما جعل أزواجكم اللاّئي تظاهرون منهن} الآية نزلت في قصة أوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة لما ظاهر منها وقصته في المجادلة، وكان ذلك طلاق الجاهلية يقول الرجل: أنت عليّ كظهر أمي، فإنها لا تحرم كتحريم الأم ولكن تكون معصية وفيه الكفارة وللظهار أحكام يذكرها الفقهاء {وما جعل أدعياءكم} يعني من تدعونه ولداً وهو ثابت النسب من غيركم لا يصير ولداً، والآية نزلت في زيد بن حارثة وكان عبداً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعتقه فلما تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش وكانت قبل ذلك عند زيد قالت اليهود والمنافقون تزوج محمد بامرأة ابنه فأنزل الله هذه الآية: {ذلكم قولكم بأفواهكم} هذا ابني لا غير تقولون بألسنتكم ما لا حقيقة له {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} يدل على طريق الحق {ادعوهم لآبائهم} أي انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوا على فراشهم {هو أقسط عند الله} أعدل في القول: لأن الانسان نسابته إلى المدعي كذب {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين} لأن المؤمنين أخوة {ومواليكم} في أصدقائكم، وقيل مواليكم في وجوب النصرة {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} يعني إذا نسبتم أحداً إلى الجدّ ظنّاً منكم أنه أباه فلا حرج {ولكن ما تعمدت قلوبكم} فنسبتموه إلى غيركم مع علمكم بخلافه فإذا كان خطأ فلا حرج {وكان الله غفوراً رحيماً} لعفوه عن الخطأ، عن العمد إذا تاب العامد {النبي أولى بالمؤمنين} في كل شيء من أمور الدين والدنيا {من أنفسهم} ولهذا أطلق ولم يقيّد فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة من نفسه، اقرأوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}" تفسير : {وأزواجه أمهاتهم} نسبته لهن بالأمهات وفي بعض الأحكام وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن، قال الله تعالى: {أية : ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً} تفسير : [الأحزاب: 53] {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} أي ذوي الأرحام القرابات بعضهم أولى ببعض في المواريث {في كتاب الله} في اللوح أو فيما أوحى الله إلى نبيه وهو في هذه الآية أو فيما فرض {من المؤمنين والمهاجرين} يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى ببعض، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية أي أولو الأرحام نحو القرابة أولى بالميراث من المؤمنين نحو الولاية في الدين ومن المهاجرين نحو الهجرة {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك في الكتاب مسطوراً} قيل: توصلوهم، وقوله: {في الكتاب} يعني اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن مكتوباً مسطوراً {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} قيل: على ما حملوا والعمل به {ومنك} يا محمد وإنما قدم لشرفه {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} قيل: هو العهد واليمين بالله على الوفاء بما حُمِّلوا والقيام بما حملوا من الرسالة ودعاء الخلق وتبليغ الشرائع والصبر على الأذى {ليسأل الصادقين عن صدقهم} يعني ليسأل الله يوم القيامة عند توافق الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم وشهادتهم فشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين، أو ليسأل الصادقين الأنبياء ما الذي أجابهم به أمتهم [أممهم]، وقيل: ليسأل الصادقين ليزيدهم سرورا بإظهاره ويسأل الكاذبين توبيخاً وليظهر جزاءهم {وأعد للكافرين عذاباً أليماً}.
الهواري
تفسير : قوله: {مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} تفسير مجاهد أن رجلاً من المشركين من بني فهر قال: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد [وكذب]. وتفسير الكلبي أن رجلاً من قريش يقال له جميل كان حافظاً لما يسمع؛ فقالت قريش: ما يحفظ جميل ما يحفظ بقلب واحد، إن له لقلبين. قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}. وهو إذا قال الرجل لأمه: أنتِ عليّ كظهر أمي لم تكن عليه كأمه في التحريم فتحرم عليه أبداً، ولكن عليه الكفّارة. وكفّارة الظّهار في أول سورة المجادلة: (أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) تفسير : [المجادلة: 3-4]، وكان الظهار عندهم في الجاهلية طلاقاً فجعل الله فيه الكفّارة. قال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} كان الرجل في الجاهلية يكون ذليلاً فيأتي الرجلَ ذا القوّة والشرفِ فيقول: أنا ابنك، فيقول: نعم، فإذا قَبِله واتَّخذه ابناً أصبح أعزَّ أهلها. وكان زيد بن حارثة منهم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنَّاه يومئذ على ما كان يُصنَع في الجاهلية، وكان مولىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما جاء الإِسلام أمرهم الله أن يُلحِقوهم بآبائهم فقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ}. {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني ادّعاءَهُمْ هؤلاء، وقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمّي. قال: {وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} أي: يهدي إلى الهدى. وقوله: {الحَقَّ} في هذا الموضع أنه أمر هؤلاء المُدَّعِينَ أن يُلحِقوا هؤلاء المُدَّعِيْنَ بآبائهم.
اطفيش
تفسير : {ما جَعَل} خلق {اللهُ لرجلٍ مِن قلبَيْن في جَوفه} قيل لانه لا يخلو اما ان يفعل بهذا القلب كل ما يفعل الاخر: فأحدهما لا حاجة اليه، واما ان يفعل به ما لا يفعل بالاخر، فيكون راضيا كارها، جاهلا عالما، بخلاف اليدين مثلا فانه يحتاج اليهما معا فى العمل الواحد من الاعمال، وذكر القلب يغنى عن ذكر الجوف، لكن ذكر لتأكيد التصوير كانه مشاهد كقوله تعالى: "أية : ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" تفسير : [الحج: 46] ومن صلة فى المفعول به، واذا لم يكن للرجال قلبان فأولى ان لا يكونا للمرأة والصبى قبل كبره. نزلت فى انه صلى الله عليه وسلم سها فى صلاته، وقال كلمة بلا عمد فقال من يصلى معه من المنافقين له: قلبان: قلب قلب معكم، وقلب مع اصحابه، الا ترون الى كلامه فى الصلاة، روى مثله احمد والترمذى والطبرى عن ابن عباس، او نزلت فى ابى معمر الفهرى، يقول اهل مكة: له قلبان لقوة حفظه، وهو جميل بن أسد، او ابن أسيد بالتصغير، وسماه ابن دريد عبدالله بن وهب، وزعم بعض ان ذا القلبين جميل ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحى، وقيل حارثة ابن حذافة، وكان ابو معمر يقول: ان لى قلبين افهم باحدهما اكثر مما يفهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومر منهزما يوم بدر بأبى سفيان، فساله فقال: ان الناس ما بين مقتول ومنهزم، وقال: ما بال احدى نعليك فى رجلك والاخرى فى يدك؟ فقال: ما ظنتها الا فى رجلى، فأكذب الله قوله وقولهم فيه، واسلم بعد. او نزلت فى جماعة يقولون: لى نفس تأمرنى ونفس تنهانى، او نزلت فى هؤلاء كلهم، وقيل: من حق التقوى الى امرت بها ان لا يكون فى قلبك تقوى غير الله تعالى لانه ليس للمرء قلبان يتقى بواحد ربا، وبالاخر غيره، وقيل: مثال بان لا يكون لرجل امان، ولا يكون رجل واحد ابنا لرجلين، كما لا يكون له قلبان، فذلك نهى عن الظهار. {وما جَعَل} صير {أزواجكم اللائي تَظاهرون منهنَّ أمَّهاتِكم} الاصل تتظاهرون، ابدلت التاء الثانية طاء، وادغمت فى الظاء، ومعنى تظاهر انت ظهر امى مثلا، كأفف قال: أف، ولبى قال: لبيك، وكان الظهار طلاق الجاهلية، والظهر فى كلامهم ذلك بحسب الاصل مجاز عن البطن، لان الجماع من جهة البطن، والعلاقة الجوار، ولان الظهر عمود البطن، او ذكروا الظهر لانه محل الركوب، والمرأة تركب عند الجماع من جهة البطن، والمعنى انت محرمة على لا أركبك، كما لا أركب ظهر الام، او لان جماع المرأة فى قلبها من ظهرها حرام عندهم، وقيل: كنوا بالظهر عن البطن لانهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه، ولا سيما فى الام، ويقال: ظاهرها وظاهر منها، وقيل: من لتضمن معنى التباعد. {وما جَعَل} صير {ادعياءكم} الصبيان الذين تدعون انهم ابناءكم عمدا على معرفة من الناس، انهم ليسوا ابناءكم، وتحكمون لهم بأحكام الابن فى الارث، والتزوج والتزويج، والانفاق وتجلى زوج المدعى للمدعى والعكس، وغير ذلك، والمفرد دعى، والقياس دعوى كجريح وجرحى، ولكن أشبه فعيل بمعنى من فعل اللام، فجمع جمعه كولى وأولياء، وتقى وأتقياء، واصله دعيو بكسر العين، واسكان الياء، قلبت الواو ياء، وادغمت الياء فى الياء، فعيل بمعنى مفعول. {أبناءَكم} كأبناكم، وكانوا يتبنون فى الجاهلية وصدر الاسلام، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة تحقيقا زيد بن حارثة، فيدعى زيد بن محمد، والخطاب عامر بن ربيعة وابو حذيفة سالما مولاه، ونزلت الآية عامة، وقيل: نزلت فى زيد بن حارثة، والحكم عام، ونهاهم الله عز وجل عن التسمية، وما يبنى عليها لا على ما يبنى عليها فقط. روى مسلم، والبخارى، والترمذى، والنسائى باسنادهم متصلا الى ابن عمر ان زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه الا زيد ابن محمد صلى الله عليه وسلم، حتى نزل القرآن: "أية : ادعوهم لآبائهم" تفسير : [الأحزاب: 5] الخ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : انت زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى" تفسير : ومن قال لعبده: انت ابنى فقد اعتقه، وكانت كتب الحديث غير موجودة فى مضاب، ورأى مالكى عالم من اهل مكة مضابيا ينسخ شرح النيل فى مكة، ولم يجد فيه الحديث كثيرا، فأعطانى البخارى ومسلما، والترمذى وابن ماجه، والنسائى وابا داود، وغير ذلك، وأنا حاضر فى مكة، فانتفعت بتلك الكتب، كما انتفعت بصحيح الربيع بن حبيب، فجمعت منها وفاء الضمانة، وجامع الشمل، فى حديث خير الرسل، وما خالفونا فى الاصول، والشئ بالشئ يذكر، لما ذكرت ذلك المالكى تذكرت ان جابر بن زيد قيل له: ان مالك بن انس راى الهلال وحده فى جملة الناس فقال لعل على حاجبيه شيئا، فامسحوا حاجبيه فمسحوهما وقالوا: انظر فنظر وقال لم اره. {ذَلكُم} ما ذكر من جعل الادعياء ابناء او هذا، وجعل الازواج امهات، او هذان وجعل قلبين فى جوف رجل واحد، وهو اعم فائدة، والوجه الثانى انسب بالاول، لان فيه التسمية متبادرة نعم، هى فى الثالث الا انها غير مذكورة، ولا متبادرة بل يقال خارجا: فلان ذو قلبين والاول اظهر لقوله بعد ذلك: "أية : ادعوهم لآبائهم" تفسير : [الأحزاب: 5] وقوله: "أية : فإن لم تعلموا آبائهم" تفسير : الأحزاب: 5] {قولُكم بأفْواهِكُم} لا حقيقة له، فلا يبنى عليه حكم ارث، وما ذكر بعده. اوصت خديجة رضى الله عنها حكيم بن حزام بن خويلد ان يشترى لها غلاما ظريفا عربيا: فاشترى لها زيدا من عكاظ، وقال: ان لم يعجبك فهو لى، فأعجبها فتزوجها صلى الله عليه وسلم، فاستوهبها فوهبته على ان لها الولاء ان اعتقه، فابى فوهبته بلا شرط، فشب عنده صلى الله عليه وسلم فرآه عمه فى ابل مر بها الى الشام لأبى طالب فى ارض قومه، فسأله مستقصيا فقال: انا مملوك لمحمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، عربى من كلب من بنى عبد ود وانا، ابن حارثة بن شراحيل، اصبت فى اخوالى طيئ، واسم امى سعدى، فقال لحارثة: هذا ابنك؟ فقال له: كيف مولاك؟ قال: يقدمنى على عياله وولده، فركب ابوه وعمه واخوه اليه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد انتم اهل حرم الله وبيته وجيرانه، تكفون العانى، وتطعمون الاسير، هذا ابنى عندك، وانت ابن سيد قومه، نفديه منك بما احببت فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير من ذلك ان يختاركم فتأخذوه بلا فداء ان اختاركم، يا زيد من هؤلاء؟ فقال: هذا ابي وهذا عمي، وهذا اخي ولا اختار احداً عليك انت مقام ابي وعمي، فقالا: اتختار العبودية؟ قال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم لحرصهما: اشهدكما انه حر يرثني وأرثه وانه ابني" تفسير : فطابا نفسا، وقيل سمع به فى مكة فجاءوا لذلك. {والله يقول الحق} الثابت فى نفس الامر، فدعوا قولكم اليه {وهُو يَهْدي السَّبيل} الحق يهيئه لمن شاء.
الالوسي
تفسير : {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في «المختارة» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قام النبـي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فنزلت، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا: إن له قلبين ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة إن له قلباً معكم وقلباً مع أصحابه فنزلت، وقال مقاتل في «تفسيره» وإسماعيل بن أبـي زياد الشامي وغيرهما: نزلت في أبـي معمر الفهري كان أهل مكة يقولون: له قلبان من قوة حفظه وكانت العرب تزعم أن كل لبيب أريب له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا أشتهر بين أهل مكة بذي القلبين وهو على ما في «الإصابة» جميل بن أسيد مصغر الأسد، وقيل: ابن أسد مكبراً وسماه ابن دريد عبد الله بن وهب، وقيل: إن ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح الجمحي وهو المعني بقوله: وكيف ثوائى البيت وقد تقدم في تفسير سورة لقمان، والمعول على ما في «الإصابة»، وحكي أنه كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما / أكثر مما يفهم محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبـي سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله وقولهم. وعن الحسن أنه كان جماعة يقول الواحد منهم: نفس تأمرني ونفس تنهاني فنزلت. والجعل بمعنى الخلق و(من) سيف خطيب، والمراد ما خلق سبحانه لأحد أو لذي قلب من الحيوان مطلقاً قلبين فخصوص الرجل ليس بمقصود وتخصيصه بالذكر لكمال لزوم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأما الصبيان فمآلهم إلى الرجولية، وقوله سبحانه: {فِى جَوْفِهِ } للتأكيد والتصوير كالقلوب في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنِ تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ }تفسير : [الحج: 46] وذكر في بيان عدم جعله تعالى قلبين في جوف بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بالقلب المضغة الصنوبرية أن النفس الناطقة وكذا الحيوانية لا بد لها من متعلق ومتعلقها هو الروح وهو جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية لأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد مما لا يلي جهة الدماغ والشد لا يمنع إلا نفوذ الأجسام، والتجارب الطبية أيضاً شاهدة بذلك، وحيث إن النفس واحدة فلا بد من عضو واحد يكون تعلقها به أولاً ثم بسائر الأعضاء بواسطته. وقد ذكر غير واحد أن أول عضو يخلق هو القلب فإنه المجمع للروح فيجب أن يكون التعلق أولاً به ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء فمنبع القوى بأسرها منه وذلك يمنع التعدد إذ لو تعدد بأن كان هناك قلبان لزم أن يكون كل منهما أصلاً للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلول واحد، ولا يخفى على من له قلب أن هذا مع ابتنائه على مقدمات لا تكاد تثبت عند أكثر الإسلامين من السلف الصالح والخلف المتأخرين ولو بشق الأنفس أمر إقناعي لا برهان قطعي، على أن للفلسفي أيضاً له فيه مقالاً، وقد يفسر القلب بالنفس بناء على أن سبب النزول ما روي عن الحسن إطلاقاً للمتعلق على المتعلق وقد بينوا وحدة النفس وأنه لا يجوز أن تتعلق نفسان فأكثر ببدن بما يطول ذكره، وللبحث فيه مجال فليراجع، ثم إن هذا التفسير بناء على أن سبب النزول ما ذكر غير متعين بل يجوز تفسير القلب عليه بما هو الظاهر المتبادر أيضاً، وحيث أن القلب متعلق النفس يكون نفي جعل القلبين دالاً على نفي النفسين فتدبر. {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ } إبطال لما كان في الجاهلية من إجراء أحكام الأمومة على المظاهر منها، والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ويستعمل في معان مختلفة راجعة إليه معنى ولفظاً بحسب اختلاف الأغراض فيقال ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره حقيقة وكذا إذا غايظته باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره وظاهرت بين ثوبين إذا لبست أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهراً للثوب، ويقال: ظاهر من زوجته إذ قال لها أنت علي كظهر أمي نظير لبـى إذ قال لبيك وأفف إذ قال أفٍ، وكون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازاً لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازاً أيضاً والمراد منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقاً منهم. وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد ونحوه مما فيه معنى المجانبة ويتعدى بمن، والظهر في ذلك مجاز على ما قيل عن البطن لأنه إنما يركب البطن فقوله: كظهر أمي بمعنى كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه / عموده، قال ابن الهمام: لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقال الأزهري معناه: خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذا غشيت فهو كناية تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشي، والمعنى أنت محرمة عليَّ لا تركبين كما لا يركب ظهر الأم وقيل: خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً عندهم فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ، وقيل: كنوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه سيما في الأم وما شبه بها، وليس بذاك. وهو في الشرع تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية وزاد في «النهاية» قيد الاتفاق ليخرج التشبيه بما لا يحل النظر إليه ممن اختلف في تحريمها كالبنت من الزنا وتحقيق الحق في ذلك في «فتح القدير»، وخص باسم الظهار تغليباً للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، وركنه اللفظ المشتمل على ذلك التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة، وتمام الكلام فيه في كتب الفروع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ذلك في محله. وقرأ قالون وقنبل هنا وفي المجادلة والطلاق {اللاء} بالهمز من غير ياء، وورش بياء مختلسة الكسرة، والبزي وأبو عمرو {اللاي} بياء ساكنة بدلاً من الهمزة وهو بدل مسموع لا مقيس وهي لغة قريش، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم {تظـاهرون} بفتح التاء وتخفيف الظاء وأصله تتظاهرون فحذفت إحدى التاءين. وقرأ ابن عامر {تظـاهرون} بفتح التاء وتشديد الظاء وأصله كما تقدم إلا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ الحسن {تظهرون} بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشد الهاء المكسورة مضارع ظهر بتشديد الهاء بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية {تظهرون} بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء مضارع أظهر، وقرأ هارون عن أبـي عمرو و {تظهرون} بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع ظهر بتخفيف الهاء، وفي مصحف أبـي {تتظهرون} بتاءين ومعنى الكل واحد. {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } إبطال لما كان في الجاهلية أيضاً وصدر من الإسلام من أنه إذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت أحكام البنوة عليه، وقد تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة زيد بن حارثة والخطاب عامر بن ربيعة وأبو حذيفة مولاه سالماً إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد أن قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ } الخ، نزلت في زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. و {أدعياء} جمع دعي وهو الذي يدعي ابناً فهو فعيل بمعنى مفعول وقياسه أن يجمع على فعلي كجريح وجرحى لا على أفعلاء فإن الجمع عليه قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل كتقي وأتقياء فكأنه شبه به في اللفظ فحمل عليه وجمع جمعه كما قالوا في أسير وقتيل أسراء وقتلاء، وقيل: إن هذا الجمع مقيس في المعتل مطلقاً، وفيه نظر. {ذٰلِكُمْ } قيل: إشارة إلى ما يفهم من الجمل الثلاث من أنه قد يكون قلبان في جوف والظهار والادعاء. وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرتين، وقيل: إلى ما يفهم من الأخيرة {قَوْلُكُم بِأَفْوٰهِكُمْ } فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الواقع ونفس الأمر فإذن هو بمعزل عن القبول أو استتباع الأحكام كما زعمتم. / {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } الثابت المحقق في نفس الأمر {وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ } أي سبيل الحق فدعوا قولكم وخذوا بقوله عز وجل. وقرأ قتادة على ما في «البحر» {يهدى } بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، وفي «الكشاف» أنه قرأ {وَهُوَ ٱلَّذِى يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ}.
ابن عاشور
تفسير : {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ فِى جَوْفِه} استئناف ابتدائي ابتداءَ المقدمة للغرض بعد التمهيد له بما قبله، والمقدمة أخص من التمهيد لأنها تشتمل على ما يوضح المقصد بخلاف التمهيد، فهذا مقدمة لِما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه مِما يوحَى إليه وهو تشريع الاعتبار بحقائق الأشياء ومعانيها، وأن مواهي الأمور لا تتغير بما يلصق بها من الأقوَال المنافية للحقائق، وأن تلك الملصقات بالحقائق هي التي تحجب العقول عن التفهم في الحقائق الحق، وهي التي تَرِينُ على القلوب بتلبيس الأشياء. وذُكر ها هنا نوعان من الحقائق: أحدهما: من حقائق المعتقدات لأجل إقامة الشريعة على العقائد الصحيحة، ونبذ الحقائق المصنوعة المخالفة للواقع لأن إصلاح التفكير هو مفتاح إصلاح العمل، وهذا ما جعل تأصيله إبطال أن يكون الله جعل في خلق بعض الناس نظاماً لم يجعله في خلق غيرهم. وثاني النوعين: من حقائق الأعمال لتقوم الشريعة على اعتبار مواهي الأعمال بما هي ثابتة عليه في نفس الأمر إلا بالتوهم والادعاء. وهذا يرجع إلى قاعدة أن حقائق الأشياء ثابتة وهو ما أُشير إليه بقوله تعالى: {وما جَعَل أزواجكم اللاّئي تَظَّهَّرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق}، أي: لا يقول الباطل مثل بعض أقوالكم من ذلك القبيل. والمقصود: التنبيه إلى بطلان أمور كان أهل الجاهلية قد زعموها وادّعوها. وابتدىء من ذلك بما دليل بطلانه الحس والاختبار ليعلم من ذلك أن الذين اختلقوا مزاعم يشهد الحس بكذبها يهون عليهم اختلاق مزاعم فيها شُبه وتلبيس للباطل في صورة الحق فيتلقى ذلك بالإذعان والامتثال. والإشارة بقوله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} إلى أكذوبة من تكاذيب الجاهلية كانوا يزعمون أن جميل بن معمر (ويقال: ابن أسد) بن حبيب الجُمحي الفهري (وكان رجلاً داهية قوي الحفظ) أن له قلبين يعملان ويتعاونان وكانوا يدْعونه ذَا القلبين يريدون العقلين لأنهم كانوا يحسبون أن الإدراك بالقلب وأن القلب محل العقل. وقد غرّه ذلك أو تغارر به فكان لشدة كفره يقول: «إن في جوفي قلبين أعمَل بكل واحد منهما عَملاً أفضل من عمل محمد». وسمّوا بذي القلبين أيضاً عبد الله بن خطل التيمي، وكان يسمى في الجاهلية عبد العزى وأسلم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ثم كفر وقتل صبراً يوم فتح مكة وهو الذي تعلق بأستار الكعبة فلم يعفُ عنه، فنفت الآية زعمهم نفياً عاماً، أي: ما جعل الله لأي رجل من الناس قلبين لا لجميل بن معمر ولا لابن خطل، فوقوع {رجل} وهو نكرة في سياق النفي يقتضي العموم، ووقوع فعل {جعل} في سياق النفي يقتضي العموم لأن الفعل في سياق النفي مثل النكرة في سياق النفي. ودخول {مِن} على {قلبين} للتنصيص على عموم قلبين في جوف رجل فدلت هذه العمومات الثلاثة على انتفاء كل فرد من أفراد الجعل لكل فرد مما يطلق عليه أنه قلبان، عن كل رجل من الناس، فدخل في العموم جميل بن معمر وغيره بحيث لا يدعى ذلك لأحد أيّاً كان. ولفظ {رجل} لا مفهوم له لأنه أُريد به الإنسان بناء على ما تعارفوه في مخاطباتهم من نوط الأحكام والأوصاف الإنسانية بالرجال جرياً على الغالب في الكلام ما عدا الأوصاف الخاصة بالنساء يعلم أيضاً أنه لا يدعى لامرأة أن لها قلبين بحكم فحوى الخطاب أو لحن الخطاب. والجعل المنفي هنا هو الجعل الجبلي، أي: ما خَلَق الله رجلاً بقلبين في جوفه وقد جعل إبطال هذا الزعم تمهيداً لإبطال ما تواضعوا عليه من جعْل أحدٍ ابناً لمن ليس هو بابنه، ومِن جَعْل امرأة أمّاً لمن هي ليست أمه بطريقة قياس التمثيل، أي أن هؤلاء الذين يختلقون ما ليس في الخلقة لا يتورعُون عن اختلاق ما هو من ذلك القبيل من الأبوة والأمومة، وتفريعهم كل اختلاقهم جميع آثار الاختلاق، فإن البنوة والأمومة صفتان من أحوال الخلقة وليستا مما يتواضع الناس عليه بالتعاقد مثل الولاء والحلف. فأما قوله تعالى{أية : وأزواجه أمهاتهم} تفسير : [الأحزاب: 6] فهو على معنى التشبيه في أحكام البرور وحرمة التزويج؛ ألا ترى ما جاء في الحديث: «حديث : أن رسول الله لما خطب عائشة من أبي بكر قال له أبو بكر: يا رسول الله إنما أنا أخوك، فقال رسول الله: أنت أخي وهي لي حلال»، تفسير : أي أن الأخوة لا تتجاوز حالة المشابهة في النصيحة وحسن المعاشرة ولا تترتب عليها آثار الأخوة الجبلية لأن تلك آثار مرجعها إلى الخلقة فذلك معنى قوله «أنت أخي وهي لي حلال». والجوف: باطن الإنسان صدره وبطنه وهو مقر الأعضاء الرئيسية عدا الدماغ. وفائدة ذكر هذا الظرف زيادة تصوير المدلول عليه بالقلب وتجليه للسامع فإذا سمع ذلك كان أسرع إلى الاقتناع بإنكار احتواء الجوف على قلبين، وذلك مثل قوله: {أية : ولكن تَعْمَىٰ القُلوبُ التي في الصُّدور}تفسير : [الحج: 46] ونحوه من القيود المعلومة؛ وإنما يكون التصريح بها تذكيراً بما هو معلوم وتجديداً لتصوره، ومنه قوله تعالى: {أية : وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : وقد تقدم في سورة الأنعام (38). {وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُم} عطف إبطال ثان لبعض مزاعمهم وهو ما كان في الجاهلية أن الرجل إذا أراد فراق زوجه فراقاً لا رجعة فيه بحال يقول لها: «أنتِ عليّ كظهر أمي» هذه صيغته المعروفة عندهم، فهي موجبة طلاق المرأة وحرمة تزوجها من بعد لأنها صارت أُمّاً له، وليس المقصود هنا تشريع إبطال آثار التحريم به لأن ذلك أُبطل في سورة المجادلة وهي مما نزل قبل نزول سورة الأحزاب كما سيأتي؛ ولكن المقصود أن يكون تمهيداً لتشريع إبطال التبني تنظيراً بين هذه الأوهام إلاّ أن هذا التمهيد الثاني أقرب إلى المقصود لأنه من الأحكام التشريعية. و(اللاَّء): اسم موصول لجماعة النساء فهو اسم جمع (التي)، لأنه على غير قياس صِيغ الجمع، وفيه لغات: اللاّءِ مكسور الهمزة أبداً بوزن البابِ، واللاّئي بوزن الداعي، والاَّءِ بوزن باب داخلة عليه لام التعريف بدون ياء. وقرأ قالون عن نافع وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر (اللاءِ) بهمزة مكسورة غير مشبعة وهو لغة. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف {واللائِي} بياء بعد الهمزة بوزن الدّاعي، وقرأه أبو عمرو والبزّي عن ابن كثير ويعقوب و{اللاّيْ} بياء ساكنة بعد الألف بدلاً عن الهمزة وهو بدل سماعي، قيل: وهي لغة قريش. وقرأ ورش بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع المد والقصر. وروي ذلك عن أبي عمرو والبَزّي أيضاً. وذِكر الظهر في قولهم: أنت عليّ كظهر أمي، تخييل للتشبيه المضمر في النفس على طريقة الاستعارة المكنية إذ شبه زوجه حين يغشاها بالدابة حين يركبها راكبها، وذكر الظهر تخييلاً كما ذُكر أظفار المنية في بيت أبي ذؤيب الهذلي المعروف، وسيأتي بيانه في أول تفسير سورة المجادلة. وقولهم: أنت عليَّ، فيه مضافٌ محذوف دل عليه ما في المخاطبة من معنى الزوجية والتقدير: غَشَيَانُك، وكلمة «عليّ» تؤذن بمعنى التحريم، أي: أنت حرام عليّ، فصارت الجملة بما لحقها من الحذف علامة على معنى التحريم الأبدي. ويعدى إلى اسم المرأة المراد تحريمها بحرف (مِن) الابتدائية لتضمينه معنى الانفصال منها. فلما قال الله تعالى {اللائي تُظّاهّرون منهن} علم الناس أنه يعني قولهم: أنت عليّ كظهر أمي. والمراد بالجعل المنفي في قوله {وما جعل أزواجكم اللائي تُظاهرون منهن أمهاتكم} الجعل الخَلْقي أيضاً كالذي في قوله: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}، أي: ما خلقهن أمهاتكم إذ لسن كذلك في الواقع، وذلك كناية عن انتفاء الأثر الشرعي الذي هو من آثار الجعل الخَلْقي لأن الإسلام هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى: {أية : إن أمهاتُهم إلا اللاّئي ولدْنهم}تفسير : [المجادلة: 2] وقد بسط الله ذلك في سورة المجادلة وبه نعلم أن سورة المجادلة هي التي ورد فيها إبطال الظهار وأحكام كفارته فنعلم أن آية سورة الأحزاب وردت بعد تقرير إبطال الظهار فيكون ذكره فيها تمهيداً لإبطال التبنّي بشبه أنّ كليهما ترتيب آثار ترتيباً مصنوعاً باليد غير مبني على جعل إلهي. وهذا يوقننا بأن سورة الأحزاب نزلت بعد سورة المجادلة خلافاً لما درَج عليه ابن الضريس وابن الحصار وما أسنده محمد بن الحارث بن أبيض عن جابر بن زيد مما هو مذكور في نوع المكي والمدني في نوع أول ما أنزل من كتاب «الإتقان». وقال السيوطي: في هذا الترتيب نظر. وسنذكر ذلك في تفسير سورة المجادلة إن شاء الله. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {تَظَّهَّرون} بفتح التاء وتشديد الظاء مفتوحة دون ألف وتشديد الهاء مفتوحة. وقرأ حفص عن عاصم {تُظَاهِرون} بضم التاء وفتح الظاء مخففة وألف وهاء مكسورة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف: {تَظَاهرون} بفتح التاء وفتح الظاء مخففة بعدها ألف وفتح الهاء. {وَمَا جَعَلَ أدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُم} هذا هو المقصود الذي وُطِّىء بالآيتين قبله، ولذلك أسهب الكلام بعده بتفاصيل التشريع فيه. وعطفت هاته الجملة على اللتين قبلها لاشتراك ثلاثتها في أنها نفت مزاعم لا حقائق لها. والقول في المراد من قوله: {ما جَعَل} كالقول في نظيره من قوله {وما جَعَل أزواجكم اللاّئي تظاهرون منهن أمهاتكم}. والمعنى: أنكم تنسبون الأدعياء أبناءً فتقولون للدعيّ: هو ابن فلان، للذي تبناه، وتجعلون له جميع ما للأبناء. والأدعياء: جمع دَعِيّ بوزن فَعيل بمعنى مفعول مشتقاً من مادة الادّعاء، والادّعاء: زعم الزاعم الشيء حقاً له من مال أو نسب أو نحو ذلك بصدق أو كذب، وغلب وصف الدعيّ على المدّعي أنه ابن لمن يُتحقق أنه ليس أباً له؛ فمن ادعى أنه ابن لمن يحتمل أنه أب له فذلك هو اللحيق أو المستلْحق، فالدعي لم يجعله الله ابناً لمن ادّعاه للعِلم بأنه ليس أباً له، وأما المستلحَق فقد جعله الله ابناً لمن استلحقه بحكم استلحاقه مع إمكان أبوته له. وجُمع على أفْعِلاء لأنه معتل اللام فلا يجمع على فَعْلَى، والأصح أن أفْعِلاَء يطّرد في جمْع فعيل المعتل اللام سواء كان بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول. نزلت هذه الآية في إبطال التبني، أي: إبطال ترتيب آثار البنوة الحقيقية من الإرث، وتحريم القرابة، وتحريم الصهر، وكانوا في الجاهلية يجعلون للمتبنَّى أحكام البنوة كلها، وكان من أشهر المتبنَيْنَ في عهد الجاهلية زيدُ ابن حارثة تبناه النبي صلى الله عليه وسلم وعامر بن ربيعة تبناه الخطاب أبو عُمر بن الخطاب، وسالم تبناه أبو حذيفة، والمقدادُ بن عمرو تبناه الأسودُ بن عبد يغوث، فكان كل واحد من هؤلاء الأربعة يدعى ابناً للذي تبنّاه. وزيد بن حارثة الذي نزلت الآيةُ في شأنه كان غريباً من بني كَلْب من وبَرة، من أهل الشام، وكان أبوه حارثة توفي وترك ابنيه جبلة وزيداً فبقيا في حجر جدهما، ثم جاء عماهما فطلبا من الجدّ كفالتهما فأعطاهما جبلة وبَقي زيد عنده فأغارت على الحي خيل من تهامة فأصابت زيداً فأخذ جدّه يبحث عن مصيره، وقال أبياتاً منها:شعر : بكيت على زيد ولم أدر ما فعلْ أحيٌّ فيرجى أم أتى دونه الأجل تفسير : وأنه علم أن زيداً بمكة وأن الذين سَبوه باعوه بمكة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خُويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم فوهبته خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم فأقام عنده زمناً ثم جاء جده وعمه يرغبان في فدائه فأبى الفداء واختار البقاء على الرق عند النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ أشهد النبي قريشاً أن زيداً ابنه يرث أحدهما الآخر فرضي أبوه وعمه وانصرفا فأصبح يُدعَى: زيد بن محمد، وذلك قبل البعثة. وقتل زيد في غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة. {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيل} استئناف اعتراضي بين التمهيد والمقصود من التشريع وهو فذلكة كما تقدم من الجمل الثلاث التي نفت جعلهم ما ليس بواقع واقعاً، ولذلك فصلت الجملة لأنها تتنزل منزلة البيان بالتحصيل لما قبلها. والإشارة إلى مذكور ضمناً من الكلام المتقدم، وهو ما نفي أن يكون الله جعله من وجود قلبين لرجل، ومن كون الزوجة المظاهَر منها أُمّاً لمن ظاهر منها، ومن كون الأدعياء أبناء للذين تبنوهم. وإذ قد كانت تلك المنفيات الثلاثة ناشئة عن أقوال قالوها صح الإخبار عن الأمور المشار إليها بأنها أقوال باعتبار أن المراد أنها أقوال فحسب ليس لمدلولاتها حقائق خارجية تطابقها كما تطابق النِسَب الكلامية الصادقة النِسبَ الخارجية، وإلاّ فلاَ جدوى في الإخبار عن تلك المقالات بأنها قول بالأفواه. ولإفادة هذا المعنى قيّد بقوله {بأفواهكم} فإنه من المعلوم أن القول إنما هو بالأفواه فكان ذكر {بأفواهكم} مع العلم به مشيراً إلى أنه قول لا تتجاوز دلالته الأفواه إلى الواقع ونفس الأمر فليس له من أنواع الوجود إلا الوجودُ في اللسان والوجودُ في الأذهان دون الوجود في العيان، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 100] أي: لا تتجاوز ذلك الحد، أي: لا يتحقق مضمونها في الخارج وهو الإرجاع إلى الدنيا في قول الكافر: {أية : رب ارجعون لَعَلِّيَ أعملُ صالحاً فيما تركت}تفسير : [المؤمنون: 99 ــــ 100]، فعلم من تقييده {بأفواهكم}أنه قول كاذب لا يطابق الواقع وزاده تصريحاً بقوله {والله يقول الحق} فأومأ إلى أن قولهم ذلك قول كاذب. ولهذا عطفت عليه جملة {والله يقول الحق} لأنه داخل في الفذلكة لما تقدم من قوله {ما جعل الله} الخ. فمعنى كونها أقوالاً: أن ناساً يقولون: جميل له قلبان، وناساً يقولون لأزواجهم: أنت كظهر أمي، وناساً يقولون للدعي: فلان ابن فلان، يريدون مَن تبناه. وانتصب {الحقَ} على أنه صفة لمصدر محذوف مفعول به لــــ {يقول}. تقديره: الكلام الحق، لأن فعل القول لا ينصب إلا الجمل أو ما هو في معنى الجملة نحو {أية : إنها كلمةٌ هو قائلها} تفسير : [المؤمنون: 100]، فالهاء المضاف إليها (قائل) عائدة إلى {كلمة} وهي مفعول أضيف إليها. وفي الإخبار عن اسم الجلالة وضميره بالمسندَيْن الفعليَيْن إفادة قصر القلب، أي: هو يقول الحق لا الذين وضعوا لكم تلك المزاعم، وهو يهدي السبيل لا الذين أضلوا الناس بالأوهام. ولما كان الفعلان متعديين استفيد من قصرهما قصرُ معموليهما بالقرينة، ثم لما كان قول الله في المواضع الثلاثة هو الحق والسبيل كان كناية عن كون ضده باطلاً ومجهلة. فالمعنى: وهم لا يقولون الحق ولا يهدون السبيل. و{السبيل}: الطريق السابلة الواضحة، أي: الواضح أنها مطروقة فهي مأمونة الإبلاغ إلى غاية السائر فيها. وإذا تقرر أن تلك المزاعم الثلاثة لا تعدو أن تكون ألفاظاً ساذجة لا تحقق لمدلولاتها في الخارج اقتضى ذلك انتفاء الأمرين اللذين جعلا توطئة وتمهيداً للمقصود وانتفاء الأمر الثالث المقصود وهو التبني، فاشترك التمهيد والمقصود في انتفاء الحقية، وهو أتم في التسوية بين المقصود والتمهيد. وهذا كله زيادة تحريض على تلقي أمر الله بالقبول والامتثال ونبذ ما خالفه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}. في هذا الحرف أربع قراءات سبعية: قرأه عاصم وحده: تظاهرون بضم التاء وتخفيف الظاء بعدها ألف فهاء مكسورة مخففة، وقرأه حمزة والكسائي: تظاهرون بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة مخففة، فألف فهاء مفتوحة مخففة، وقرأه ابن عامر: وحده كقراءة حمزة والكسائي: إلا أن ابن عامر يشدد الظاء، وهما يخففانها، وقرأه نافع وابن كثير، وأبو عمرو: تظهرون بفتح التاء بعدها ظاء فهاء مفتوحتان مشددتان بدون ألف، فقوله تعالى: تظاهرون، على قراءة عاصم مضارع ظاهر بوزن فاعل، وعلى قراءة حمزة، والكسائي فهو مضارع تظاهر بوزن تفاعل حذفت فيه إحدى التاءين على حد قوله في الخلاصة: شعر : وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تاكتبين العبر تفسير : فالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين وعلى قراءة ابن عامر، فهو مضارع تظاهر أيضاً، كقراءة حمزة والكسائي، إلا أن إحدى التاءين، أدغمت في الظاء، ولم تحذف وماضيه اظاهر كادارك، واثاقلتم، وادارأتم، بمعنى تدارك. إلخ. وعلى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو فهو مضارع تظهر على وزن تفعل، وأصله تتظهرون بتاءين، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء، وماضيه: اظهر نحو اطيرنا وازينت بمعنى: تطيرنا، وتزينت، كما قدمنا إيضاحه في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الأعراف: 117] و [الشعراء: 45] فعلم مما ذكرنا أن قولهم ظاهر من امرأته، وتظاهر منها، وتظهر منها كلها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، يعني أنها حرام عليه، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في الجاهلية. وقد بين الله جل وعلا في قوله هنا: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}، أن من قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي: لا تكون أماً له بذلك، ولم يزد هنا على ذلك، ولكنه جل وعلا أوضح هذا في سورة المجادلة، فبين أن أزواجهم اللائي ظاهروا منهم لسن أمهاتهم، وأن أمهاتهم هن النساء التي ولدنهم خاصة دون غيرهن، وأن قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي منكر من القول وزور. وقد بين الكفارة اللازمة في ذلك عند العود وذلك في قوله تعالى: {أية : الَّذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمُ} تفسير : [المجادلة: 2ـ4]. فقوله تعالى في آية الأحزاب هذه: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} كقوله تعالى في سورة المجادلة: {أية : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2]، وقد رأيت ما في سورة المجادلة، من الزيادة والإيضاح لما تضمنته آية الأحزاب هذه. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: قد علمت من القرآن أن الإقدام على الظهار من الزوجة حرام حرمة شديدة كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} تفسير : [المجادلة: 2] فما صرح الله تعالى، بأنه منكر وزور فحرمته شديدة كما ترى. وبين كونه كذباً وزوراً بقوله: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] وقوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} [الأحزاب: 4]. وأشار بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} تفسير : [المجادلة: 2] أن من صدر منه منكر الظهار وزوره، إن تاب إلى الله من ذلك توبة نصوحاً غفر له ذلك المنكر والزور، وعفا عنه، فسبحانه ما أكرمه، وما أحلمه. المسألة الثانية: في بيان العود الذي رتب الله عليه الكفارة في قوله: {أية : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3] وإزالة إشكال في الآية. اعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميماً للفائدة. ففي دفع إيهام الاضطراب ما نصه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3]. لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معاً يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معاً. وقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس. اعلم أولاً: أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري، وحكاه ابن عبد البَرَّ عن بكير بن الأشج، والفراء، وفرقة من أهل الكلام وقال به شعبة: من أن معنى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} هو عودهم إلى لفظ الظهار، فيكررونه مرة أخرى قول باطل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مراراً. والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار، وما زعمه بعضهم أيضاً من أن الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: "والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما قالوا" سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضاً لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب، إلا لدليل. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : كذاك تريب لإيجاب العمل بما له الرجحان مما يحتمل تفسير : وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم. فنقول وبالله تعالى نستعين: معنى العود عند مالك فيه قولان، تؤولت المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح. الأول: أنه العزم على الجماع فقط. الثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معاً، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية. لأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع، أو عليه مع الإمساك، وبين الإعتاق قبل المسيس. وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة، وهو واقع في القرآن كقوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة: 6] أي أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [النحل: 98] أي أردت قراءته: {أية : فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 98] الآية. ومعنى العود عند الشافعي: أن يمسكها بعد المظاهرة زماناً يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلق، وعليه فلا إشكال في الآية أيضاً، لأن إمساكه إياها الزمن المذكور، لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح. ومعنى العود عند أحمد: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه. أما العزم فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به، وأما على القول بأنه الجماع. فالجواب: أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه. الكف عن المسيس مرة أخرى، حتى يكفر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير، لأن الآية على هذا القول، إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر، وأما الإقدام على المسيس الأول، فحرمته معلومة من عموم قوله تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3]. ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: هو العزم على الوطء، وعليه فلا إشكال كما تقدم. وما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن مالك من أنه حكى عنه أن العود الجماع، فهو خلاف المعروف من مذهبه، وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرر في فروع الحنيفة من أنه العزم على الوطء كما ذكرنا، وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة رحمهم الله. وقال بعض العلماء: المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، والمراد بالمسيس في قوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3] خصوص الجماع وعليه فلا إشكال، ولا يخفى عدم ظهور هذا القول. والتحقيق عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير لعموم قوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}، وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء، قائلاً: إن المراد بالمسيس في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} نفس الجماع لا مقدماته، وممن قال بذلك: الحسن البصري، والثوري، وروي عن الشافعي في أحد القولين. وقال بعض العلماء اللام في قوله: لما قالوا بمعنى في أي يعودون فيما قالوا بمعنى يرجعون فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الواهب العائد في هبته" تفسير : الحديث. وقيل اللام بمعنى: عن: أي يعودون عما قالوا: أي يرجعون عنه، وهو قريب مما قبله. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطئ بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير. ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: لما قال "حديث : إذا التقا المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. وقالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" تفسير : فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإنسان. فإن قيل: ظاهر الآية المتبادر، منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه، لأن الظاهر المتبادر من قوله: لما قالوا أنه صيغة الظهار، فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى. فالجواب: أن المعنى: لما قالوا أنه حرام عليهم، وهو الجماع، ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} تفسير : [مريم: 80] أي ما يقول إنه يؤتاه من مال وولد في قوله: {أية : لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77]، وما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير، يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى، حتى يكفر، هو التحقيق خلافاً لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس كما روي عن الزهرين وسعيد بن جبير، وأبي يوسف، ولمن قال: تلزم به كفارتان كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكره بعضهم عن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي. ولمن قال تلزمه ثلاث كفارات، كما رواه سعيد بن منصور، عن الحسن، وإبراهيم. والعلم عند الله تعالى. انتهى بطوله من [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب]. المسألة الثالثة: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه لو قال لها: أنت عليَّ كظهر ابنتي، أو أختي، أو جدتي، أو عمتي أو أمي من الرضاع، أو أختي من الرضاع أو شبهها بعضو آخر غير الظهر، كأن يقول: أنت عليَّ كرأس ابنتي أو أختي إلخ، أو كبطن من ذكر، أو فرجها، أو فخذها أن ذلك كله ظهار، إذ لا فرق في المعنى بينه، وبين أنت عليَّ كظهر أمي، لأنه في جميع ذلك شبه امرأته بمن هي في تأبيد الحرمة كأمه، فمعنى الظهار محقق الحصول في ذلك. قال ابن قدامة في المغني: وهذا قول أكثر أهل العلم منهم: الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو جديد قولي الشافعي. وقال في القديم: لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة لأنها أم أيضاً، لأن اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم، فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه، ولنا أنهن محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم، فأما الآية فقد قال فيها: {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} تفسير : [المجادلة: 2] وهذا موجود في مسألتنا، فجرى مجراه، وتعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها إذا كانت مثلها. الضرب الثالث: أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب، كالأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء، والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن فهو ظهار أيضاً، والخلاف فيها كالتي قبلها، ووجه المذهبين ما تقدم، ويزيد في الأمهات المرضعات دخولها في عموم الأمهات فتكون داخلة في النص، وسائرهن في معناها، فثبت فيهن حكمها. انتهى من المغني. وهو واضح كما ترى. فرعان يتعلقان بهذه المسألة الأول: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريماً موقتاً، كأخت امرأته، وعمتها وكالأجنبية، فقال بعض أهل العلم: هو ظهار وهو قول أصحاب مالك، وهو عندهم من نوع الكناية الظاهر، وهو إحدى الروايتين، عن أحمد واختارها الخرقي، والرواية الأخرى عن أحمد: أنه ليس بظهار، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وحجة القول الأول: أنه شبه امرأته بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم، لاشتراك الجميع في التحريم، لأن مجرد قوله: أنت علي حرام، إذا نوى به بالظهار، يكون ظهاراً على الأظهر. والتشبيه بالمحرمة تحريم، فيكون ظهاراً. وحجة القول الثاني: أن التي شبه بها امرأته، ليست محرمة على التأبيد، فلا يكون لها حكم ظهر الأم إلا إن كان تحريمها مؤبداً كالأم، ولما كان تحريمها غير مؤبد كان التشبيه بها ليس بظهار كما لو شبهها بظهر حائض، أو محرمة من نسائه، وأجاب المخالفون عن هذا: بأن مجرد التشبيه بالمحرمة يكفي في الظهار لدخوله في عموم قوله: {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} تفسير : [المجادلة: 2]، قالوا: وأما الحائض، فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج، والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة، وليس في وطء واحدة منهما حد بخلاف مستألتنا. انتهى من المغني مع تصرف يسير لا يخل بالمعنى. وقال صاحب المغني: واختار أبو بكر: أن الظهار لا يكون إلا من ذوات المحرم من النساء، قال: فبهذا أقول. وقال بعض العلماء: إن شبه امرأته بظهر الأجنبية، كان طلاقاً. قاله بعض المالكية اهـ. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على الأصول، هو قول من قال: إنه يكون مظاهراً، ولو كانت التي شبه امرأته بظهرها غير مؤبدة التحريم، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم، لأن مدار الظهار على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة وذلك حاصل بتشبيهها بأمرأة محرمة في الحال، ولو تحريماً مؤقتاً لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: في حكم ما لو قال لها: أنت عليَّ كظهر أبي أو ابني أو غيرهما من الرجال، لا أعلم في ذلك نصاً من كتاب، ولا سنة. والعلماء مختلفون فيه. فقال بعضهم: لا يكون مظاهراً بذلك، قال ابن قدامة في المغني: وهو قول أكثر العلماء، لأنه شبيه بما ليس بمحل للاستمتاع فأشبه ما لو قال: أنت عَلَيَّ كما زيد، وهل فيه كفارة؟ على روايتين: إحداهما: فيه كفارة، لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله. والثانية: ليس فيه شيء، ونقل ابن القاسم عن أحمد، فيمن شبه امرأته بظهر الرجال، لا يكون ظهاراً، ولم أره يلزم فيه شيء، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع، أشبه التشبيه بمال غيره. وقال بعضهم: يكون مظاهراً بالتشبيه بظهر الرجل. وعزاه في المغني لابن القاسم صاحب مالك، وجابر بن زيد. وعن أحمد روايتان، كالمذهبين المذكورين، وكون ذلك ظهاراً هو المعروف عند متأخري المالكية. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل. والصحيح عند جماعات من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولاً إن كانت له حقيقة شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية ثم اللغوية، وعن أبي حنيفة: أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية، وقال: لأن العرفية، وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع. القول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما فيكون اللفظ مجملاً لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بنية أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : واللفظ محمول على الشرعي إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجد بحث عن المجاز في الذي انتخب ومذهب النعمان عكس ما مضى والقول بالإجمال فيه مرتضى تفسير : وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علَيَّ كظهر أبي مثلاً لا ينصرف في الحقيقة العرفية، إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته، لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا، يقتضي التحريم فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار، والظاهر أن قوله: أنت عليَّ كالميتة والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلك، كقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أبي فيجري على حكمه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته أنت عَلَيَّ حرام، أو إن دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها فيها للعلماء نحو عشرين قولاً كما هو معروف في محله. وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق. وإيضاح ذلك: أن قوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي معناه: أنت عَلَيَّ حرام: وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: انت عَلَيَّ كظهر أمي، ولا يخفى أن أنت عَلَيَّ حرام مثلها في المعنى كما ترى. وقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس: وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي. أنهم قالوا: التحريم ظهار. اهـ. وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين، والاستغفار لقوله: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] وقوله: {أية : وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 218] و [آل عمران: 129] و [النساء: 25] و [الأنفال: 70] و [التوبة: 27] و [الحديد: 12] و [الممتحنة: 7] و [التحريم: 1] بعد قوله: لم تحرم الآية. المسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي لا فرق بينه وبين قوله: أنت عليّ كظهر أمي فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو واضح كما ترى. المسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليَّ كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهاراً إلا أن ينوي به الظهار، لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها مشهوراً، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء. قاله في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار والقول قوله في نيته. قاله في المغني. وأما إن لم ينو شيئاً فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر هو صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي، لأن اللفظ المذكور، لا يتعين للظهار لا عرفاً ولا لغة، إلا لقرينة تدل على قصده الظهار. قال ابن قدامة في المغني: ووجه الأول يعني القول بأن ذلك ظهار أنه شبه امرأته بجملة أمه، فكان مشبهاً لها بظهرها، فيثبت الظهار كما لو شبهها به منفرداً. والذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا فأنت عَلَيَّ مثل أمي، أو قال ذلك حال الخصومة، والغضب فهو ظهار، لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد للامتناع من شيء أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه، ولأن كونها مثل أمه في صفتها أو كرامتها لا يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها وهو الظهار، وإن عدم هذا فليس بظهار، لأنه محتمل لغير الظهار احتمالاً كثيراً. فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. انتهى محل الغرض من المغني، وهو الأظهر فلا ينبغي العدول عنه والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي أنه إن قال: الحل عَلَيَّ حرام أو ما أحل الله علي حرام، أو ما أنقلب إليه حرام وكانت له امرأة أنه يكون مظاهراً، وذلك لدخول الزوجة في عموم الصيغ المذكورة. قال في المغني: نص على ذلك أحمد في الصور الثلاث اهـ. وهو ظاهر. وهذا على أقيس الأقوال، وهو كون التحريم ظهاراً، وأظهر القولين عندي فيمن قال: ما أحل الله من أهل ومال حرام على أنه يلزمه الظهار، مع لزوم ما يلزم في تحريم ما أحل الله من مال، وهو كفارة يمين عند من يقول بذلك، وعليه فتلزمه كفارة ظهار وكفارة يمين. وهذا الذي استظهرنا هو الذي اختاره ابن عقيل خلافاً لما نقله في المغني عن أحمد ونصره من أنه يكفي فيه كفارة الظهار عن كفارة اليمين والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: أظهر أقوال أهل العلم عندي، فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام كظهر أمي، أو أنت عليّ كظهر أمي حرام: أنه يكون مظاهراً مطلقاً، ولا ينصرف للطلاق، ولو نواه، لأن الصيغة صريحة للظهار. المسألة التاسعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت طالق كظهر أمي، أن الطلاق إن كان بائناً بانت به، ولا يقع ظهار بقوله: كظهر أمي، لأن تلفظه بذلك وقع، وهي أجنبية فهو كالظهار من الأجنبية، وإن كان الطلاق رجعياً، ونوى بقوله كظهر أمي الظهار كان مظاهراً، لأن الرجعية زوجة يلحقها الظهار والطلاق، وإن لم ينوبه الظهار، فلا يكون ظهاراً، لأنه أتى بصريح الطلاق أولاً، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له، وصريح الطلاق لا ينصرف إلى الظهار. ونقل في المغني هذا الذي استظهرنا عن القاضي. وقال: وهو مذهب الشافعي. وأما لو قدم الظهار على الطلاق فقال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي طالق، فالأظهر وقوع الظهار والطلاق معاً سواء كان الطلاق بائناً أو رجعياً، لأن الظهار لا يرفع الزوجية، ولا تحصل به البينونة، لأن الكفارة ترفع حكمه، فلا يمنع وقوع الطلاق على المظاهر منها. والعلم عند الله تعالى. المسألة العاشرة: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن شبه أي عضو من امرأته بظهر أمه، أو بأي عضو من أعضائها، فهو مظاهر لحصول معنى تحريم الزوجة بذلك. وسواء كان عضو الأم يجوز له النظر إليه كرأسها ويدها أو لا يجوز له كفرجها وفخذها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ورواية أخرى: أنه لا يكون مظاهراً، حتى يشبه جملة امرأته، لأنه لو حلف بالله لا يمس عضواً معيناً منها لم يسر إلى غيره من أعضائها، فكذلك المظاهرة، ولأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، وعن أبي حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والفرج فهو ظهار، وإن شبهها بما يجوز النظر إليه، كاليد والرأس فليس بظهار، لأن التشبيه بعضو يحل النظر كالتشبيه بعضو زوجة له أخرى، فلا يحصل به الظهار، وإنما استظهرنا أنه ظهار مطلقاً، لأن معنى التحريم حاصل به، فهو في معنى صريح الظهار فقولهم: ولا هو في معنى المنصوص ليس بمسلم، بل هو في معناه، وقياسه على حلفه بالله لا يمس عضواً معيناً منها ظاهر السقوط، لأن معنى التحريم يحصل ببعض، والحلف عن بعض لا يسري إلى بعض آخر، كما ترى. وقول أبي حنيفة: إنه العضو الذي يحل النظر إليه: لا يحصل الظهار بالتشبيه به غير مسلم أيضاً، لأنه وإن جاز النظر إليه فإن التلذذ به حرام، والتلذذ هو المستفاد من عقد النكاح، فالتشبيه به مستلزم للتحريم، والظهار هو نفس التحريم بواسطة التشبيه بعضو الأم المحرم. واعلم أن القول بأن الظهار يحصل بقوله: شعرك، أو ريقك، أو كلامك علَيَّ كظهر أمي، له وجه قوي من النظر، لأن الشعر من محاسن النساء التي يتلذذ بها الأزواج كما بيناه في سورة الحج، وكذلك الريق فإن الزوج يمصه ويتلذذ به من امرأته، وكذلك الكلام كما هو معروف. وأما لو قال لها: سعالك أو بصاقك، أو نحو ذلك عَلَيَّ كظهر أمي، فالظاهر أن ذلك ليس بشيء، لأن السعال والبصاق وما يجري مجراهما، كالدمع ليس مما يتمتع به عادة والعلم عند الله تعالى. المسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيمن قال لأمته: أنت عَلَيَّ كظهر أمي، أو قال ذلك لأم ولده، فقال بعض أهل العلم: لا يصح الظهار من المملوكة، وهو مروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وقال بعضهم: يصح الظهار من الأمة أم ولد كانت أو غيرها، وهو مذهب مالك وهو مروي أيضاً عن الحسن، وعكرمة والنخعي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن يسار، والزهري، والحكم، والثوري، وقتادة، وهو رواية عن أحمد، وعن الحسن، والأوزاعي: إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلا فلا. وعن عطاء: إن ظاهر من أمته، فعليه نصف كفارة الظهار من الحرة. واحتج الذين قالوا: إن الأمة لا يصح الظهار منها بأدلة: منها: أنهم زعموا أن قوله: يظاهرون من نسائهم يختص بالأزواج دون الإماء. ومنها: أن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تدخل فيه الأمة قياساً على الطلاق. ومنها: أن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، ومحل الطلاق الأزواج دون الإماء. ومنها: أن تحريم الأمة تحريم لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين كتحريم سائر ماله عند من يقول: بأن تحريم المال فيه كفارة يمين كما تقدم في سورة الحج. قالوا: ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته مارية، فلم يلزمه ظهار بل كفارة يمين، كما قال تعالى في تحريمه إياها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]، ثم قال: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] الآية. واحتج القائلون بصحة الظهار من الأمة بدخولها في عموم قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [المجادلة: 3] قالوا: وإماؤهم من نسائهم، لأن تمتعهم بإمائهم من تمتعهم بنسائهم قالوا: ولأن الأمة يباح وطؤها، كالزوجة فصح الظهار منها كالزوجة، قالوا: وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم} تفسير : [التحريم: 1] نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم شرب العسل في القصة المشهورة، لا في تحريم الجارية وحجة الحسن والأوزاعي، وحجة عطاء كلتاهما واضحة مما تقدم. وقال ابن العربي المالكي في قول مالك وأصحابه: بصحة الظهار من الأمة، وهي مسألة عسيرة علينا، لأن مالكاً يقول: إذا قال لأمته أنت علي حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم قوله: من نسائهم، لأنه أراد من محللاتهم. والمعنى فيه: أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد، فصح في الأمة أصله الحلف بالله تعالى اهـ. منه. بواسطة نقل القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يبعد بمقتضى الصناعة الأصولية، والمقرر في علوم القرآن: أن يكون هناك فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة. وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى: {أية : لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1] جاء في بعض الروايات الصحيحة في السنن وغيرها، أنه نزل في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته مارية أم إبراهيم، وإن كان جاء في الروايات الثابتة في الصحيحين: أنه نزل في تحريمه العسل الذي كان شربه عند بعض نسائه، وقصة ذلك مشهورة صحيحة، لأن المقرر في علوم القرآن أنه إذا ثبت نزول الآية في شيء معين، ثم ثبت بسند آخر صحيح أنها نزلت في شيء آخر معين غير الأول، وجب حملها على أنها نزلت فيهما معاً، فيكون لنزولها سببان، كنزول آية اللعان في عويمر، وهلال معاً. وبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1] الآية نزل في تحريمه صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه، وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهاراً منها وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، وقد قال ابن عباس: لما بين أن فيه كفارة يمين: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]، ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن تحريمه جاريته كفارة يمين، لأن الله تعالى قال: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] بعد تحريمه جاريته المذكورة في قوله: {أية : لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1] ومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التحريم: 2] بعد قوله: لم تحرم، وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم جاريته قال مع ذلك: "حديث : والله لا أعود إليها" تفسير : وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2]، ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية، واليمين المذكورة، مع التحريم في قصة الجارية قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم. التابعي المشهور، لكنه أرسله. اهـ. وكذلك رواه عنه ابن جرير. وقال ابن كثير في تفسير: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح وساق السند المذكور عن عمر رضي الله عنه، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: {لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم جاريته، فالفرق بين تحريم الجارية، والزوجة ظاهر، لأن آية لم تحرم دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهاراً وآية: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المجادلة: 3] الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة لأن معنى {يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِم} على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت عَلَيَّ كظهر أمي معناه أنت عليَّ حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار، لأن أنت عليَّ كظهر أمي، وأنت عليَّ حرام معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين أو الاستغفار كما تقدم، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه. وقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولاً، وسنذكرها هنا باختصار ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء الله تعالى. القول الأول: هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل، لا يترتب عليه شيء. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وهو إحدى الروايتين، عن أبن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، والشعبي، وداود وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية. اختاره أصبغ بن الفرج. وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه سَمِعَ ابن عباس يقول: إذا حَرَّم امرأته، فليس بشيء، وقال: (لقد كان لَكُمْ في رَسُولِ الله أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وصح عن مسروق أنه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد. وصح عن الشعبي في تحريم المرأة لهو أهون عَلَيَّ من نعلي. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج ابن منهال: إن رجلاً جعل امرأته عليه حراماً، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال حميد قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} تفسير : [الشرح: 7ـ8]. وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. اهـ. منه. واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} تفسير : [النحل: 116]. وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 87] وعموم قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 150]. وعموم قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1] الآية. وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"تفسير : ، ومعلوم أن تحريم ما أحل الله ليس من أمرنا. القول الثاني:أن التحريم ثلاث تطليقات، قال في إعلام الموقعين: وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والحسن البصري، ومحمد عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقضى فيها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي، وقال: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك: وقال في زاد المعاد: وروي عن الحكم بن عتبية ثم قال: قلت الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر: أن في ذلك كفارة يمين، وذكر في الزاد أيضاً: أن ابن حزم نقل عن علي الوقف في ذلك، وحجة هذا القول بثلاث أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراماً عليه. القول الثالث: أنها حرام عليه بتحريمه إياها: قال في إعلام الموقعين: وصح هذا أيضاً عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقاً بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضاً علي رضي الله عنه، فإما أن يكون عنه روايتان، وإما أن يكون أراد تحريم الثلاث، وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم، ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. القول الرابع: الوقف. قال في إعلام الموقعين: صح ذلك أيضاً عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو قول الشعبي، وحجة هذا القول: أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به، وهو الطلاق وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه فوجب الوقف للاشتباه. القول الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين. قال في الإعلام: وهذا قول طاوس والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن اهـ. وحكى هذا القول أيضاً عن النخعي وإسحاق وابن مسعود وابن عمرو حجة هذا القول، أن التحريم كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقاً، وإن لم ينوه كان يميناً لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1] إلى قوله تعالى: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2]. القول السادس: أنه إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يميناً فهو يمين، وإن لم ينو شيئاً فهو كذبة لا شيء فيها، قاله سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه، وحجة هذا القول، أن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيته. القول السابع: مثل هذا إلا أنه إن لم ينو شيئاً فهو يمين يكفرها، وهو قول الأوزاعي. وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2]. القول الثامن مثل هذا أيضاً، إلا أنه إن لم ينو شيئاً فواحدة بائنة إعمالاً للفظ التحريم، هكذا ذكر هذا القول في: إعلام الموقعين ولم يعزه لأحد. وقال صاحب نيل الأوطار: وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي. القول التاسع: أن فيه كفارة الظهار. قال في إعلام الموقعين: وصح ذلك عن ابن عباس أيضاً، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهاراً وجعله منكراً من القول وزوراً، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهراً، فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار، وهذا أقيس الأقوال وأفقهها، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال، التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد وحكمه إلى الله تعالى، فإذا قال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي أو قال: أنت عَلَيَّ حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وقد كذب، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرام، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار. القول العاشر: أنه تطليقة واحدة: وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة، فحمل اللفظ عليها، لأنها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة. القول الحادي عشر: أنه ينوي فيما أراد من ذلك، فيكون له نيته في أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريماً بغير طلاق فيمين مكفرة. قال ابن القيم: وهو قول الشافعي. وحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله، فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريماً مجرداً كان امتناعاً منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين اهـ. وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو القول الخامس. قال في نيل الأوطار: وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري حكاه عنه ابن القيم نفسه. القول الثاني عشر: أنه ينوي في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقاً فهو مؤل، وإن نوى الكذب فليس بشيء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة، وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة، فاعتبرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب دين، ولم يقبل في الحكم بل يكون مؤلياً، ولا يكون ظهاراً عنده نواه، أو لم ينوه ولو صرح به فقا: أعني بها الظهار لم يكن مظاهراً انتهى من إعلام الموقعين. وقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ذكر كلام ابن القيم: الذي ذكرناه آنفاً إلى قوله: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه هكذا قال ابن القيم: وفي الفتح عن الحنفية: أنه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقاً فهي يمين ويصير مؤلياً اهـ. القول الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين. قال ابن القيم في إعلام الموقعين: صح ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم رضي الله عنهم. وحجة هذا القول ظاهر القرآن العظيم، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقيناً فلا يجوز جعل تحلة الإيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله. اهـ منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن ابن القيم أراد بكلامه هذا أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وأن قوله: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] نازل في تحريم الحلال المذكور في قوله تعالى: {أية : لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1] وما ذكره من شمول قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم} لقوله: {لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} على سبيل اليقين. والجزم لا يخلو عندي من نظر لما قدمنا عن بعض أهل العلم من أن قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} نازل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود لما حرم على نفسه لا في أصل التحريم، وقد أشرنا للروايات الدالة على ذلك في أول هذا البحث. القول الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة. قال ابن القيم: وصح ذلك أيضاً عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من التابعين. وحجة هذا القول أنه لما كان يميناً مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ووجه تغليظها، تضمنها تحريم ما أحل الله، وليس إلى العبد. وقول المنكر والزور، وإن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه، فغلظت كفارته بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين، أو بإطعام ستين مسكيناً. القول الخامس عشر: أنه طلاق ثم إنها كانت غير مدخول بها، فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها. وإن كانت مدخولاً به فثلاث، وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك. وحجة هذا القول: أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يرتب عليه حكمه وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث. وبعد: ففي مذهب مالك خمسة أقوال هذا أحدها: وهو مشهورها. والثاني: أنها ثلاث بكل حال نوى الثلاث أو لم ينوها اختاره عبد الملك في مبسوطه. والثالث: أنها واحدة بائنة مطلقاً حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك. والرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والخامس: أنه ما نواه من ذلك مطلقاً، سواء قبل الدخول أو بعده، وقد عرفت توجيه هذه الأقوال. انتهى من إعلام الموقعين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: المعروف أن المعتمد من هذه الأقوال عند المالكية: اثنان وهما القول بالثلاث، وبالواحدة البائنة، وقد جرى العمل في مدينة فاس بلزوم الواحدة البائنة في التحريم. قال ناظم عمل فاس: شعر : وطلقة بائنة في التحريم وحلف به لعرف الإقليم تفسير : ثم قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهاراً، وإن نوى التحريم كان تحريماً لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقاً، وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة. والثاني: لا يتعلق به شيء. والثالث: أنه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة، وفي حق الحرة كناية، قالوا: إن أصل الآية إنما ورد في الأمة، قالوا فلو قال: أنت عَلَيَّ حرام، وقال أردت بها الظهار والطلاق. فقال ابن الحداد: يقال له عين أحد الأمرين، لأن اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معاً، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما، قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقاً أنكره فقال: الحل عليك حرام والنية نيتي لا نيتك ما لي عليك شيء فقال: الحل عَلَيَّ حرام والنية في ذلك نيتك ما لك عندي شيء كانت النية نية الحالف لا المحلف، لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع ثم قال: وأما تحرير مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه، وإن لم ينوه إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين، فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه، إلا أن ينوي به الطلاق، أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة: أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يميناً، ولا طلاقاً كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي، فإن اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصله بقوله: أعني به الطلاق، فهل يكون طلاقاً أو ظهاراً؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهاراً كما لو قال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي أعني به الطلاق، أو التحريم، إذا التحريم صريح في الظهار. والثانية: أنه طلاق، لأنه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه، فعلى هذه الرواية، إن قال: أعني به طلاقاً طلقت واحدة، وإن قال: أعني به الطلاق، فهل تطلق ثلاثاً أو واحدة، على روايتين مأخذهما هل اللام على الجنس أو العموم، وهذا تحرير مذهبه وتقريره، وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم، كان ظهاراً ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يميناً مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس، فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكراً من القول وزوراً، وكان أولى بكفارة الظهار من شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يميناً من الأيمان كما لو حلف بالتزام الحج والعتق والصدقة، وهذا محض القياس والفقه ألا ترى أنه إذا قال: لله علي أن أعتق، أو أحج، أو أصوم، لزمه، ولو قال: إن كلمت فلاناً فلله علي ذلك على وجه اليمين، فهو يمين وكذلك لو قال: هو يهودي أو نصراني كفر بذلك، ولو قال: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني كان يميناً. وطرد هذا بل نظيره من كل وجه أنه إذا قال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي كان ظهاراً، فلو قال: إن فعلت كذا، فأنت عَلَيَّ كظهر أمي كان يميناً، طرد هذا أيضاً إذا قال: أنت طالق كان طلاقاً ولو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق كان يميناً، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان، وبالله التوفيق، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي مع كثرتها وانتشارها: أن التحريم ظهار، سواء كان منجزاً أو معلقاً، لأن المعلق على شرط من طلاق أو ظهار يجب بوجود الشرط المعلق عليه، ولا ينصرف إلى اليمين المكفرة على الأظهر عندي، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال مالك في الموطأ: فقال القاسم بن محمد: إن رجلاً جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إن هو تزوجها، ألا يقربها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ. ثم قال: وحدثني عن مالك: أنه بلغه أن رجلاً سأل القاسم بن محمد وسليمان بن يسار عن رجل تظاهر من امرأة قبل أن ينكحها، فقالا: إن نكاحها فلا يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ. والمعروف عن جماهير أهل العلم أن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وكذلك الظهار. وأما الأمة فالأظهر أن في تحرمها كفارة اليمين أو الاستغفار، كما دلت عليه آية سورة التحريم كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا في العبد والذمي هل يصح منهما ظهار؟ وأظهر أقوالهم عندي في ذلك: أن العبد يصح منه الظهار، لأن الصحيح دخوله في عموم النصوص العامة، إلا ما أخرجه منه دليل خاص، كما تقدم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر تفسير : وعليه فهو داخل في عموم قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [المجادلة: 3] ولا يقدح في هذا أن قوله: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المجادلة: 3] لا يتناوله، لأنه مملوك لا يقدر على العتق لدخوله في قوله: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} تفسير : [المجادلة: 4] فالأظهر صحة ظهار العبد وانحصار كفارته في الصوم، لعدم قدرته على العتق والإطعام، وأن الذمي لا يصح ظهاره، لأن الظهار منكر من القول وزور يكفره الله بالعتق أو الصوم أو الإطعام، والذمي كافر والكافر لا يكفر عنه العتق أو الصوم أو الإطعام ما ارتكبه من المنكر والزور لكفره، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في الظهار الموقت كأن يقول: أنت عَلَي كظهر أمي شهراً، أو حتى ينسلخ شهر رمضان مثلاً فقال بعض أهل العلم: يصح الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة، ولا يكون عائداً بالوطء بعد انقضاء الوقت. قال في المغني: وهذا قول أحمد وبه قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة والثوري، وإسحاق، وأبو ثور وأحد قولي الشافعي، وقوله الأخير لا يكون ظهاراً وبه قال ابن أبي ليلى، والليث، لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقاً، وهذا لم يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاوس: إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة، وإن بر وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهاراً مطلقاً، لأن هذا اللفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب الأقوال عندي للصواب في هذه المسألة قول من قال إن الظهار الموقت يصح ويزول بانقضاء الوقت، لأنه جاء ما يدل عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وبعض طرقه لا يقل عن درجة الحسن، وإن أعلّ عبد الحق وغيره بعض طرقه بالإرسال، لأن حديثاً صححه بعض أهل العلم أقرب للصواب مما لم يرد فيه شيء أصلاً. قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء المعنى قالا: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال ابن العلاء بن علقمة بن عياش، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر قال ابن العلاء البياضي قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يُتَّايَع بي، حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر. الحديث بطوله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بعتق رقبة، فذكر أنه لا يجد رقبة، فأمره بصيام شهرين فذكر أنه لا يقدر، فأمره بإطعام ستين مسكيناً، فذكر كذلك فأعطاه صلى الله عليه وسلم صدقة قومه بني زريق من التمر، وأمره أن يطعم وسقا منها ستين مسكيناً ويستعين بالباقي. ومحل الشاهد من الحديث: أنه ظاهر من امرأته ظهاراً مؤقتاً بشهر رمضان، وجامع في نفس الشهر الذي جعله وقتاً لظهاره، فدل ذلك على أن الظهار الموقت يصح، ويلزم ولو كان توقيته لا يصح لبين صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان يتأبد ويسقط حكم التوقيت لبينه صلى الله عليه وسلم لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه. وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان الحديث، ثم قال الترمذي بعد أن ساقه هذا الحديث حسن، يقال سلمان بن صخر، ويقال سلمة بن صخر البياضي والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم في كفارة الظهار ا. هـ. وهذه الطريق التي أخرج بها الترمذي هذا الحديث غير طريق أبي داود التي أخرجه بها وكلتاهما تقوي الأخرى، والظاهر أن إسناد الترمذي هذا لا يقل عن درجة الحسن، وما ذكروه من أن علي بن المبارك المذكور فيه، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان أحدهما سماع، والآخر إرسال، وأن حديث الكوفيين عنه فيه شيء لا يضر الإسناد المذكور، لأن الرواي عنه فيه وهو هارون بن إسماعيل الخزاز بصري لا كوفي، ولما ساق المجد في المنتقى حديث سلمة بن صخر المذكور قال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال حديث حسن. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وأخرجه أيضاً الحاكم، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وقد أعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمه، وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وفي إسناده أيضاً محمد بن إسحاق. اهـ. كلام الشوكاني. وقد علمت إن الإسناد الذي ذكرنا عن الترمذي ليس فيه سليمان بن يسار، ولا ابن إسحاق، فالظاهر صلاحية الحديث للاحتجاج، كما ذكره الترمذي وغيره. وبذلك تعلم أن الصواب في هذه المسألة إن شاء الله هو ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة عشرة: الأظهر عندي أنه لو قال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي إن شاء الله أساء الأدب، ولا تلزمه الكفارة، وأن الاستثناء بالمشيئة يرفع عنه حكم الكفارة، كما يرفع كفارة اليمين بالله، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة عشرة: الأظهر أنه إن مات أو ماتت، أو طلقها قبل التكفير لم يلزمه شيء، وأنه إن عاد فتزوجها بعد الطلاق لا يجوز له مسيسها، حتى يكفر لأن الله أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث بالعود، فلا يعود إلا بعد التكفير، ولا وجه لسقوط الكفارة بالطلاق فيما يظهر، مع أن بعض أهل العلم يقول: إن كان الطلاق بعد الظهار بائناً، ثم تزوجها لم تلزمه كفارة، وهو مروي عن قتادة: وبعضهم يقول: إن كانت البينونة بالثلاث، ثم تزوجها بعد زوج لم تلزمه الكفارة لسقوطها بالبينونة الكبرى، كما أسقطها صاحب القول الذي قبله بالبينونة الصغرى، والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة عشرة: إذا ظاهر من نسائه الأربع بكلمة واحدة كأن يقول لهن: أنتن علَيَّ كظهر أمي، فقال بعض أهل العلم: تكفي في ذلك كفارة واحدة. قال في المغني: ولا خلاف في هذا في مذهب أحمد وهو قول علي وعمر وعروة وطاوس، وعطاء وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في القديم، وقال الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد: عليه لكل امرأة كفارة، لأنه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن فوجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو أفردها به، ولنا عموم قول عمر وعلي رضي الله عنهما، رواه عنهما الأثرم، ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعاً ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى، وفارق ما إذا ظاهر منها بكلمات فإن كل تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، وها هنا الكلمة واحدة، فالكفارة واحدة ترفع حكمها وتمحو إثمها، فلا يبقى لها حكم. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقيس القولين الاكتفاء بكفارة واحدة، وأحوطهما التكفير عن كل واحدة منهن، وأما إن ظاهر منهن بكلمات متعددة بأن قال: لكل واحدة منهن بانفرادها أنت عَلَيَّ كظهر أمي، فالأظهر تعدد الكفارة لأن كل كلمة من تلك الكلمات منكر من القول وزور، فكل واحدة منها تقتضي كفارة. قال في المغني: وهذا قول عروة وعطاء، وقال أبو عبد الله بن حامد: المذهب رواية واحدة في هذا. قال القاضي: المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو عبد الله، قال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنه تجزئه كفارة واحدة، واختار ذلك، وقال هذا الذي قلناه اتباعاً لعمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، وربيعة وقبيصة، وإسحاق، لأن كفارة الظهار حق لله تعالى فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد، وعليه يخرج الطلاق، ولنا أنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة كما لو كفر ثم ظاهر، ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى، فلا تكفرها كفارة واحدة ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة، فتتعدد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل، ويفارق الحد، فإنه عقوبة، تدرأ بالشبهات. انتهى منه. وقد علمت أن أظهر الأقوال عندنا تعدد الكفارة في هذه المسألة. وأما إن كرر الظهار من زوجته الواحدة فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، أنه إن كان كرره قبل أن يكفر عن الظهار الأول، فكفارة واحدة تكفي، وإن كان كفر عن ظهاره الأول، ثم ظاهر بعد التكفير، فعليه كفارة أخرى لظهاره الواقع بعد التكفير والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة عشرة: اعلم أن كفارة الظهار هي التي أوضحها الله تعالى بقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَة} إلى قوله: {أية : فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} تفسير : [المجادلة: 3-4]. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في الرقبة، في كفارة الظهار، هل يشترط فيها الإيمان أو لا يشترط فيها؟ فقال بعضهم: لا يشترط فيها الإيمان، فلو أعتق المظاهر عبداً ذمياً مثلاً أجزأه، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وأصحابه، وعطاء، والثوري، والنخعي، وأبو ثور، وابن المنذر وهو إحدى الروايتين عن أحمد قاله في المغني. وحجة أهل هذا القول أن الله تعالى قال في هذه الآية الكريمة: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَة} ولم يقيدها بالإيمان، فوجب أن يجزئ ما تناوله إطلاق الآية، قالوا: وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله في كتابه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وممن قال باشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار: مالك، والشافعي، والحسن، وإسحاق، وأبو عبيدة، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد. قاله في المغني: واحتج لأهل هذا القول بما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد. وقد بينا مسألة حمل المطلق على المقيد في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ {أية : وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} تفسير : [النساء: 92] الآية. بقولنا فيه. وحاصل تحرير المقام في مسألة تعارض المطلق والمقيد: أن لها أربع حالات: الأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما معاً كتحريم الدم، فإن الله قيده في سورة الأنعام، بكونه مسفوحاً في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] وأطلقه عن القيد بكونه مسفوحاً في سورة النحل والبقرة والمائدة، قال في النحل: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [النحل: 115] وقال في البقرة: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 173] وقال في المائدة: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} تفسير : [المائدة: 3] الآية. وجمهور العلماء يقولون: بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معاً، ولذلك كانوا لا يرون بالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم بأساً، لأنه دم غير مسفوح، قالوا: وحمله عليه أسلوب من أساليب اللغة العربية، لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالاً على المثبت، ومنه قول قيس بن الخطيم الأنصاري: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : فحذف راضون لدلالة راض عليه. وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب تفسير : والأصل: فإني غريب وقيار أيضاً غريب، فحذف إحدى الكلمتين لدلالة الأخرى عليها. وقول عمرو بن أحمر الباهلي: شعر : رماني بأمر كنت معه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني تفسير : يعني كنت برئياً منه، وكان والدي بريئاً منه أيضاً. وقول النابغة الجعدي: شعر : وقد زعمت بن وسعد بأني وما كذبوا كبير السن فاني تفسير : يعني زعمت بنو سعد أني فان وما كذبوا إلخ. وقالت جماعة من أهل الأصول: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس، لا بدلالة اللفظ وهو أظهرها. وقيل: بالعقل، وهو أضعفها وأبعدها. الحالة الثانية: هي أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، كالمسألة التي نحن بصددها، فإن الحكم في آية المقيد وآية المطلق واحد، وهو عتق رقبة في كفارة، ولكن السبب فيهما مختلف، لأن سبب المقيد قتل خطأ، وسبب المطلق ظهار، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد، عند الشافعية، والحنابلة وكثير من المالكية، ولذا شرطوا الإيمان في كفارة الظهار حملاً لهذا المطلق على المقيد، خلافاً لأبي حنيفة، ومن وافقه قالوا: ويعتضد حمل هذا المطلق عن المقيد بقوله صلى الله عليه وسلم في قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه "أعتقها فإنها مؤمنة" ولم يستفصله عنها، هل هل كفارة أو لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال في مراقي السعود: شعر : ونزلن ترك الاستفصال منزلة العموم في الأقوال تفسير : الحالة الثالثة: عكس هذه: وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم، فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد، وقيل: لا، وهو قول أكثر العلماء، ومثلوا له بصوم الظهار، وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما مختلف، لأن أحدهما تكفير بصوم والآخر تكفير بإطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع، وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع، وهو الإطعام، فلا يحمل هذا المطلق على هذا المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، مثلوا لذلك بإطهام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه من قبل أن يتماسا، مع أن عتقه وصومه قد قيدا بقوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 3]، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإطعام قبل المسيس، ومثل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين حيث قيد بقوله: {أية : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] مع إطلاق الكسوة عن القيد بذلك، في قوله: أو كسوتهم فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم. الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معاً، ولا حمل في هذه إجماعاً وهو واضح، وهذا فيما إذا كان المقيد واحداً، أما إذا ورد مقيدان بقيدين مختلفين، فلا يمكن حمل المطلق على كليهما لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حمل المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له، فلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه إذ لا ترجيح بلا مرجح، ومثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق، مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع في قوله تعالى: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} تفسير : [المجادلة: 4] وصوم التمتع مقيد بالتفريق في قوله تعالى: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم} تفسير : [البقرة: 196]، واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع، لأن كلا من صوم الظهار واليمين صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع. وقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات لم ثتبت لإجماع الصحابة، على عدم كتب متتابعات في المصاحف العثمانية، ومثال كونهما ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن الله تعالى قال فيه {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تفسير : [البقرة: 185] ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار بالتتابع. وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما بل يبقى على الاختيار. إن شاء تابعه، وإن شاء فرقه والعلم عند الله تعالى. انتهى من [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] مع زيادة يسيرة للإيضاح. الفرع الثاني: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة الظهار، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب، تمسكاً بإطلاق الرقبة في قوله تعالى: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المجادلة: 3]، قال: ظاهره ولو معيبة، لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء. وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب. قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيناً، لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً بيناً، فلا يجزئ الأعمى، لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين، لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي،فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا. قالوا: ولا يجوز المجنون جنوناً مطبقاً، لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني، ثم قال: وبهذا كله قال الشافعي ومالك، وأبو ثور وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى، لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر، من يد واحدة، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك. وإن قطعت كل واحدة من يد جاز، لأن من نفع الكفين باق وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها، فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين، وإن كان من غير الإبهام لم يمنع، لأن منفعتها لا تذهب، فإنها تصير كالأصابع القصار، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحد منها أنملة لم يمنع، وإن قطع من الإصبع أنملتان فهو كقطعها، لأن يذهب بمنفعتها، وهذا جميعه مذهب الشافعي أي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ويده جميعاً من خلاف أجزأت لأن منفعة الجنس باقية، فأجزأت في الكفارة كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق: أي من جانب واحد لم يجز، لأن منفعة المشي تذهب، ولنا أن هذا يؤثر في العمل، ويضر ضرراً بيناً. فوجب أن يمنع إجزاءها كما لو قطعتا من وفاق، ويخالف العور فإنه لا يضر ضرراً بيناً، والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس، فإنه لو ذهب شمه أو قطعت أذناه معاً أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس. ولا يجزئ الأعرج إذا كان عرجاً كثيراً فاحشاً، لأنه يضر بالعمل، فهو كطع الرجل إلى أن قال: ويجزئ الأعور في قولهم جميعاً. وقال أبو بكر: فيه قول الآخر: إنه لا يجزئ، لأنه نقص يمنع التضحية والإجزاء في الهدي، فأشبه العمى، والصحيح ما ذكرناه. فإن المقصود تكميل الأحكام وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل فأشبه قطع إحدى الأذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضرراً بيناً ويمنع كثيراً من الصنائع، ويذهب بمنعفة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين. فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما. وأما الأضحية والهدي، فإنه لا يمنع منهما مجرد العور، وإنما يمنع انخساف العين وذهاب العضو المستطاب، ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك وزفر: لا يجزئ، لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين، ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإشارة والأخرس إذا فهمت إشارته وفهم الإشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ، لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل، وهذا المنصوص عليه عن أحمد، لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيراً من الأحكام مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقصين فيه وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الأجزاء أن الإشارة تقوم مقام الكلام في الإفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره. وأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن كان غير مرجو الزوال لم يجز. وأما نضو الخلق يعني النحيف المهزول خلقة، فإن كان يتمكن من العمل أجزأ وإلا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صواباً. وكذلك يجزئ من يخنق في بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء والكبير الذي يقدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى. ثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، وإذا قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد الزنا لكمال العتق فيهم ولا يجزئ عتق المغصوب، لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره، لأنه لا تعلم حياته فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ينقطع خبره أجزأ عتقه، لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق الحمل، لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضاً وجوده وحياته. ولا عتق أم الولد، لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها. وقال طاوس والبتي: يجزئ عتقها، لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئاً. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة. ومعلوم أن مذهب مالك رحمه الله: اشتراط الإيمان في رقبة الظهار، واشتراط سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته عتق من غير إجزاء عن الكفارة. ولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة أو الأصبعين أو الأصابع أو الإبهام أو الأذنين، أو أشل أو أجذم أو أبرص، أو أصم أو مجنون. وإن أفاق أحياناً ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج ولا يابس الشق ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضاً يشرف به على الموت ولا الهرم هرماً شديداً ولا الأعرج عرجاً شديداً، ولا رقيق مشترى بشرط العتق لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإجزاء وعدمه. ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركاً له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده، لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلاً لرقبة الظهار، لم يجزه على ظاهر المدونة لتبعيض العتق إن كان معسراً وقت عتق النصف الأول، ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم، إن كان موسراً وقت عتق النصف الأول، ولو أعتق ثلاث رقاب عن أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء. لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن. ويجزئ عند المالكية عتق المغصوب والمريض مرضاً خفيفاً، والأعرج عرجاً خفيفاً، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا انتهى. ومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإيمان في كفارة الظهار كما تقدم ولم يجزئ عنده الأعمى ولا مقطوع اليدين معاً أو الرجلين معاً، ولا مقطوع إبهامي اليدين ولا الأخرس ولا المجنون ولا أم الولد، ولا المدبر، ولا المكاتب، إن أدى شيئاً من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئاً أجزأ عنده، وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين اهـ. وقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في كلام صاحب المغني ناقلاً عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإطالة. الفرع الثالث: اعلم أنه قد دل الكتاب والسنة والإجماع، على أن الصوم لا يجزئ في الظهار إلا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك. الفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له رقبة يحتاج إليها لكونه زمناً أو هرماً أو مريضاً، أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. قال بعضهم: وككونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: لا يلزمه الإعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم نظراً لحاجته إلى الرقبة الموجودة عنده. قال في المغني: وبهذا قال الشافعي أي وأحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجاً إليها أو لم يكن، لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام، ألا يجد رقبة بقوله: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ} تفسير : [المجادلة: 4] وهذا واجد وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه لم يلزمه شراؤها. وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: يلزمه، لأن وجدان ثمنها كوجدانها. ولنا أن ما استغرقته حاجة الإنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى الصيام كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمناً أو هرماً لا يستغني عن خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. إن كانت الرقبة فاضلة عن ذلك، لزم إعتاقها، وإلا فلا. والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنياً إلا أن ماله غائب. فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريباً لم يجز الانتقال إلى الصوم، لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيداً جاز الانتقال إلى الصوم، لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمناً طويلاً فيه إضرار بكل من الزوجين، وفي الحديث "حديث : لا ضرر ولا ضرار" تفسير : خلافاً لبعض أهل العلم في ذلك. الفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه لم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} تفسير : [المجادلة: 4] الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلا فلا، والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعهما أي موالاة صيام أيامه من غير فصل بينهما. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال: أحدها: لا يفتقر لنية، لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة. والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة، لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطاً وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين. والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها، لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعاً عبادة واحدة. لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك ومذهب أحمد عدم الاحتياج إلى نية التتابع مطلقاً، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة. الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد. قال في المغني: وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي والحكم والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: أفطر بفعله فلزمه الاستئناف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك ولا ينقطع حكم التتابع، لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك والله جل وعلا يقول: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] ويقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : ، وإن كان يمكنه التحرز عن الإفطار الذي قطع به التتابع كالإفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان، لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشويق، فإن التتابع ينقطع بذلك، لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر لقدرته على تأخير السفر عن الصوم كعكسه، ولقدرته أيضاً على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى، وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر لقوله تعالى: {أية : فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} تفسير : [المجادلة: 4] وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى. تنبيه الأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهن في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، والمرض دون غيره كالإفطار للسفر والنفاس، لأن النفاس يمكن التحرز عنه بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين أو شهر، لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. والله تعالى أعلم. الفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلاً، في أثناء صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم. اعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمداً انقطع تتابع صومه إجماعاً، ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر منها أو غيرها وهذا لا نزاع فيه، وكذلك لو أكل أو شرب عمداً في نهار الصوم المذكور، وأما إن كان جماعه ليلاً في زمن صوم الكفارة، فإن كانت المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع التتابع، لأن وطء غير المظاهر منها ليلاً زمن الصوم مباح له شرعاً، ولا يخل يتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه، وأما إن كان التي وطئها ليلاً زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: {أية : فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 4] فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهاراً ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف. وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق، وإن وطء ليلاً، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائماً، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بني أو استأنف. انتهى محل الغرض من كلام صاحب المغني، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي. لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع، لأن الله تعالى قال: {أية : فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} تفسير : [المجادلة: 4]، وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعاً كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى: {أية : مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 4] لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل، ومما يوضحه ما ذكرنا آنفاً في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم عند الله تعالى. الفرع العاشر: اعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسياً. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع أو لا يعذر به ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسياً وهذا مذهب مالكن وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عند أحمد، ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان وقال بعضهم: يعذر بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسياً وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسياً، فأشبه ما لو أكل ناسياً. اهـ. وهذا القول له وجه قوي من النظر، لأن الله تعالى يقول: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 5] الآية، وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] قال الله تعالى: نعم قد فعلت ". تفسير : الفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهاراً لم ينقطع التتابع، لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع، لأن أصل الإفطار لسبب غيره، وإن كانت الموطوءة نهاراً هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلاً، وقد تكلمنا عليه قريباً، قال ذلك صاحب المغني، ووجهه ظاهر، وقال أيضاً؛ وإن لمس المظاهر منها أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام، وإلا فلا يقطع والله تعالى أعلم. اهـ. ووجهه ظاهر أيضاً. الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكيناً، وقد نص الله تعالى على ذلك بقوله: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} تفسير : [المجادلة: 4]. ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع صاحبها الصبر عنه، ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} تفسير : [المجادلة: 1] الآيات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يعتق رقبة يعني زوجها أوساً قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ قالت: يا رسول الله: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً" تفسير : الحديث، ومحل الشاهد منه أنها لما قالت: له: إنه شيخ كبير اقتنع صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عذر في الانتقال، عن الصوم إلى الإطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه، والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج. وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقاً في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقاً من أن أصيب في ليلتي شيئاً فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار. الحديث وفيه قال "حديث : فصم شهرين متتابعين، قال: قلت يا رسول الله وهل أصابني من أصابني إلا في الصوم. قال: فتصدق" تفسير : ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: صم شهرين أخبره أن جماعه في زمن الظهار، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع، لأنه ظاهر من امرأته، خوفاً من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإطعام، وهذا ظاهر. وقال ابن قدامة في المغني: بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفاً، وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما. الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه لا يجزئ في الإطعام أقل من إطعام ستين مسكيناً وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافاً لأبي حنيفة القائل: بأنه لو أطعم مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مداً، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يوماً. وإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر، لأن قوله تعالى: مسكيناً تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح، ولا يخف أن نفع ستين مسكيناً أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يوماً، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة من دعاء واحد، وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالباً من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى، وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه: {أية : فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} تفسير : [المجادلة: 4] لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: مسكيناً، وبذلك يتحقق أن الإطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى، وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في أصولهم لما يسمونه التأويل البعيد والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : فجعل مسكين بمعنى المد عليه لائح سمات البعد تفسير : الفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام: اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو القمح مداً وثلثي قد، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير، لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر، قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان براً، وإن اقتاتوا تمراً ومخرجاً في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه. وقال شارحه المواق: ابن يونس ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلا ثلثاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله مالك، قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمراً أو شعيراً أطعم منه المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه، ومذهب أبي حنيفة: أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً كاملاً من تمر أو شعير. ومذهب الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مداً طلقاً ومعلوم: أن المد النبوي ربع الصاع، قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مداً من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي اهـ. ومذهب أحمد: أنه يعطي كل مسكين مداً من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير.اهـ. وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين، ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين، أعطوا مداً من حنطة بالمد الأصغر مد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو هريرة: يطعم مداً من أي الأنواع كان، وبهذا قال الأوزاعي وعطاء، والشافعي. لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه (يعني المظاهر) خمسة عشر صاعاً من شعير إطعام ستين مسكيناً. وروى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي صلى الله عليه وسلم. أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال: "حديث : خذه وتصدق به" تفسير : وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه، ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال مدان من قمح: مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي، لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي من القمح مدان ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمة بن صخر رضي الله عنه "حديث : فأطعم وسقاً من تمر ". تفسير : رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما، وروى الخلال بإسناده، عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر" تفسير : وفي رواية أبي داود، والعَرَق ستون صاعّاً. وروى ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس قال: "كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس فمن لم يجد فنصف صاع من بر". وروى الأثرم بإسناده، عن عمر رضي الله عنه قال: أطعم عني صاعاً من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر، ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعاً من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر. ولنا ما روى الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر "حديث : أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر" تفسير : وهذا نص ويدل على أنه مد بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفاً فكان يدل على أنه نصف صاع من التمر والشعير، ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخولة امرأة أوس بن الصامت "اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكيناً". وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك " تفسير : وروى أبو داود بإسناده، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعاً. فعرقان يكونان ثلاثين صاعاً لكل مسكين نصف صاع، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية الأذى. فأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعاً فوق ضعفها، وقال غيرها أصح منها، وفي الحديث ما يدل على الضع، لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، فلو كان العرق ستين صاعاً لكانت مائة وعشرين صاعاً ولا قائل به، وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعاً فقال: تصدق به. فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سواه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله. وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعاً، وليس ذلك مذهباً لأحد، فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه، وحديث أوس أخي عبادة بن الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه على أنه حجة لنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عرقاً، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعاً ثلاثين صاعاً، وسائر الأخبار نجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز. وحمل أخبارنا على الإجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس: راوي بعضها ومذهبه: أن المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة، وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإجماع الذي نقله سليمان بن يسار والله اعلم. انتهى بطوله من المغني لابن قدامة، وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية: والعرق ستون صاعاً، هذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضاً محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفاً أن العرق يسع خمسة عشراً صاعاً، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه.اهـ منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما يعطي المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها. وأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه، لأنه أحوطها في الخروج من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس عشر: في كيفية الإطعام وجنس الطعام ومستحقه، أما مستحقه فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: {أية : فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} تفسير : [المجادلة: 4] والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير كعكسه. وأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعام، وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية عن أحمد، وعلى هذا القول لو غدى المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة. لم يجزئه حتى يملكهم إياه. وأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء والعشاء أقل من القدر الواجب له، أنه يجزئه، لأنه داخل في معنى قوله: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينا} وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد، وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام مشهورة. وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة. ومعلوم أن أهل العلم اختلفوا في طعام كفارة الظهار فقال بعضهم: المجزئ في ذلك هو ما يجزئ في صدقة الفطر، سواء كان هو قوت المكفر أو لا؟ ولا يجزئه غير ذلك ولو كان قوتاً له. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أن جميع الحبوب التي هي قوت بلد المظاهر يجزئه الإخراج منها، لأنها هي طعام بلده، فيصدق على من أطعم منها المساكين، أنه أطعم ستين مسكيناً، فيدخل ذلك في قوله تعالى: {أية : فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينا} تفسير : [المجادلة: 4] ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في كفارة اليمين في قوله تعالى: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] وهذا مذهب الشافعي واختيار أبي الخطاب من الحنابلة. الفرع السادس عشر: اعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإطعام لا يجب فيه التتابع، لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع، ولأن أكثر أهل الأصول، على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم كما هو معروف في محله. الفرع السابع عشر: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإطعام، هل يلزمه إعادة ما مضى من الإطعام، لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض أهل العلم: لا يلزمه ذلك لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، فلم يوجب الاستئناف، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب مالك: فهو أنه يستأنف الإطعام لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب الاستئناف كالصيام والأول أظهر، لأن الواقع من الإطعام قبل جماعه يحتاج بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه وليس موجوداً. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها أنت عَلَيَّ كظهر أبي، وقالت: إن تزوجت فلاناً، فهو عَلَيَّ كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهاراً منها أو لا؟ فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهاراً. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة وبه قال الزهري والأوزاعي وروي عن الحسن والنخعي. إلا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اهـ. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، لأن الله جل وعلا لم يجعل لها شيئاً من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها عليها، كما لا يخفى. تنبيه اعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة. اختلفوا فيما يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب. الأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة. والثاني: أن عليها كفارة يمين. والثالث: لا شيء عليها، واحتج من قال بأن عليها كفارة ظهار، وهو رواية عن أحمد: بأنها قالت منكراً من القول وزوراً، فلزمها أن تكفر عنه كالرجل، وبما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة بنت طلحة قال: إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو عَلَيَّ كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها الكفارة، وبما روى علي بن مسهر عن الشيباني، قال: كنت جالساً في المسجد، أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت فقال: أنا مولى عائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن الزبير، فقالت: هو عَلَيَّ كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، فاستفتت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ كثير. فأمروها أن تعتق رقبة، وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. وروى سعيد هذين الأثرين مختصرين اهـ من المغني. وانظر إسناد الأثرين المذكورين. وأما الذين قالوا: تلزمها كفارة يمين، وهو قول عطاء، فقد احتجوا بأنها حرمت على نفسها زوجها وهو حلال لها، فلزمتها كفارة اليمين اللازمة في تحريم الحلال المذكورة في قوله تعالى: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] بعد قوله: {أية : لِمَ تُحَرِّم مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَك} تفسير : [التحريم: 1]. وأما الذين قالوا: لا شيء عليها، ومنهم الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، فقد احتجوا بأنها قالت: منكراً من القول وزوراً، فلم يوجب عليها كفارة، كالسب والقذف ونحوهما من الأقوال المحرمة الكاذبة. وأظهر أقوالهم عندنا: أن من يرى في تحريم الحلال كفارة يمين يلزمها على قوله كفارة يمين، ومن يرى أنه لا شيء فيه، فلا شيء عليها على قوله، وقد قدمنا أهل العلم في تحريم الحلال في الحج، وفي هذا المبحث. اهـ. واعلم أن الذين قالوا: تجب عليها كفارة الظهار، قالوا: لا تجب عليها حتى يجامعها وهي مطاوعة له، فإن طلقها أو مات أحدهما قبل الوطء، أو أكرهها على الوطء فلا كفارة عليها، لأنها يمين، فلا تجب كفارتها قبل الحنث كسائر الأيمان، وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير، لأنه حق له عليها، فلا يسقط بيمينها، ولأنه ليس بظهار انتهى من المغني وهو ظاهر، ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة، ومن أراد استقصاء ذلك فهو في كتب فروع المذاهب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه: أي لم يخلق الله رجلاً بقلبين كما ادعى بعض المشركين. تظاهرون منهن أمهاتكم: يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. وما جعل أدعياءكم أبناءكم: أي ولم يجعل الدعيَّ إبناً لمن ادّعاه. ذلكم قولكم بأفواهكم: أي مجرد قول باللسان لا حقيقة له في الخارج فلم تكن المرأة أماً ولا الدعي ابنا. هو أقسط عند الله: أي أعدل. فإخوانكم في الدين ومواليكم: أي أُخوة الإِسلام وبنو عمكم فمن لم يعرف أبوه فقولوا له: يا أخي أو ابن عمي. ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به: أي لا حرج ولا إثم في الخطأ، فمن قال للدعي خطأ يا ابن فلان فلا إثم عليه. ولكن ما تعمدت قلوبكم: أي الاثم والحرج في التعمد بأن ينسب الدعي لمن ادعاه. وكان الله غفوراً رحيما: ولذا لم يؤاخذكم بالخطأ ولكن بالتعمد. معنى الآيات: لما كان القلب محط العقل والإِدراك كان وجود قلبين في جوف رجل واحد يحدث تعارضاً يؤدي إلى الفساد في حياة الإِنسان ذي القلبين لم يجعل الله تعالى لرجل قلبين في جوفه كما ادعى بعض أهل مكة أن أبا معمر جميل بن معمر الفهري كان له قلبان لما شاهدوا من ذكائه ولباقته وحذقه وغره ذلك فقال إن لي قلبين أعقل بهما أفضل من عقل محمد صلى الله عليه وسلم فكانت الآية رداً عليه قال تعالى {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} وفيه إشارة إلى أنه لا يجمع بين حب الله تعالى وحب أعدائه وطاعة الله وطاعة أعدائه، وقوله، {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} أي لم يجعل الله تعالى المرأة المظاهر ومنها أُماً لمن ظاهر منها كأن يقول لها أنت عليّ كظهر أُمي وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار محُرِّماً للزوجة كالأم فأبطل الله تعالى ذلك وبيّن حكمه في سورة المجادلة، وأن من ظاهر من امرأته يجب عليه كفارة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. وقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} أي لم يجعل الله الدعيّ إبناً إذ كانوا في الجاهلية وفي صدر الإِسلام يطلقون على المتبنَّي إبناً فيترتب على ذلك كامل حقوق البنوة من حرمة التزوج بامرأته إن طلقها أو مات عنها، وقوله {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} أي ما هو إلا نطق بالفم ولا حقيقة في الخارج له إذ قول الرجل للدعيّ أنت ولدي لم يُصيِّرة ولده وقول الزوج لزوجته أنت كأمي لم تكن أماً له. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} فلا يطلق على المظاهر منها لفظ أم، ولا على الدعي لفظ ابن، {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أي الأقوم والأرشد سبحانه لا إله إلا هو. وقوله تعالى في الآية [5] من هذا السياق {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} أي ادعوا الأدعياء لآبائهم أي انسبوهم لهم يا فلان بن فلان. فإِن دعوتهم إلى آبائهم أقسط وأعدل في حكم الله وشرعه. {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} فادعوهم باسم الإِخوة الإِسلامية فقولوا هذا أخي في الإِسلام. {وَمَوَالِيكُمْ} أي بنو عمكم فادعوهم بذلك فقولوا يا بن عمي وإن كان الدعي ممن حررتموه فقولوا له مولاي {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي إثم أو حرج {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} من قول أحدكم للدعي يا ابن فلان لمن ادعاه خطأ لسان بدون قصد، أو ظناً منكم أنه إبنه وهو في الواقع ليس ابنه ولكن الاثم في التعمد والقصد المتعمد، وقوله {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي غفوراً لمن تاب رحيما لم يعاجل بالعقوبة من عصى لعله يتوب ويرجع. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) إبطال التحريم بالظهار الذي كان في الجاهلية. 2) إبطال عادة التبنّي، وما يترتب عليها من حرمة نكاح امرأة المتبنّى. 3) وجوب دعاء الدعي المتبنَّى بأبيه إن عُرف ولو كان حماراً. 4) إن لم يعرف للمدعي أب دُعي بعنوان الإِخوة الإِسلامية، أو العمومة أو المولوية. 5) رفع الحرج والإِثم في الخطأ عموما وفيما نزلت في الآية الكريمة خصوصا وهو دعاء الدعي باسم مُدعيه سبق لسان بدون قصد، أو بقصد لأنه يرى أنه ابنه وهو ليس ابنه.
القطان
تفسير : تظاهِرون: تقولون للمرأة: انتِ عليَّ كظهر أمي، وكانت عادةً في الجاهلية، اذا قال الرجل لزوجته هذا القول حرُمت عليه ابداً. فجاء الاسلام وأبطل هذه العادة وجعل الحرمة مؤقتة وعليها غرامة. الأدعياء مفردها دعي: هو الذي يتبناه الانسان. وكان ذلك معمولا به في الجاهلية وصدرِ الاسلام ثم حَرُم بهذه الآيات. السبيل: طريق الحق. أقسط: اعدل. مواليكم: أولياؤكم. المولى له عدة معان: المولى الربّ، والمالك، والولي المحب، والصاحب، والجار، والقريب من العصبة كالعم وابن العم ونحو ذلك، والمعتِق والعبد.... {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} حتى يطيعَ بأحدِهما ويعصي بالآخر، وكان العرب في الجاهلية يقولون: للرجل الذكيّ قَلْبان، وهذه خرافة. وما جعل زوجةَ أحدِكم حين يقول لها: أنتِ عليَّ كظهرِ أمّي، أُمّاً له حقيقة، فأبطِلوها، وعلى من تفوّه بها كفّارة. {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ.... } حرم الإسلام ان يتخذ الانسانُ ولداً او بنتا ويقول هذا ابني، أرِثه ويرثني، وأمرنا ان ندعوهم لآبائهم، فاذا لم نعلم آباءهم فانهم إخواننا في الدّين وموالينا واحبابنا. ويرفع الله عنا الحرج بما أخطأنا به: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ويحذّرنا من ان نتعمد الأعمالَ الممنوعة، ومع هذا فانه غفور رحيم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع: اللاءِ بهمزة مكسورة بدون ياء. والباقون: اللائي بهمزة بعدها ياء. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو: تَظَّهَّرون، بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء المفتوحتين. وقرأ ابن عامر: تظّاهرون، بفتح التاء وتشديد الظاء بعدها الف. وقرأ عاصم: تُظاهِرون، بضم التاء وفتح الظاء بدون تشديد كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجَكُمُ} {ٱللاَّئِي} {تُظَاهِرُونَ} {أُمَّهَاتِكُمْ} {بِأَفْوَاهِكُمْ} (4) - وَكَما أنَّ اللهَ تَعَالى لمْ يَجْعَلْ لإِنْسَانٍ قَلْبَينِ فِي صَدْرِه، وكَمَا أَنَّ زوْجَةَ الرجُلِ لا تَصِيرُ أُمَّهُ بمُجَرِّدِ مُظَاهَرَتِهِ منْها، وقولِهِ لَها: (أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، كَذَلِكَ لا يَصِيرُ الدَّعِيُّ ابْناًَ لمَنْ تَبَنَّاهُ، بِمُجَرَّدِ ادِّعَاءِ الرجلِ المُتَبَنِّي أَنَّ الوَلَدَ المُتَبَنَّي (الدَّعِيَّ) ابنُهُ بالتَّبَنِّي. وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِه: أنتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ودعوةُ الرجلِ الولدَ المُتَبَنّى أنَّهُ ابنُهُ، إنَّما هوَ قَولُ هؤلاءِ القَائِلين بأفَواهِهِمْ، ولا حَقيِقَةَ لَهُ في الوَاقِعِ ولا حُكْمَ، فَلا تَصِيرُ الزوجةُ أُمّاً لِزَوْجِها، ولا يَثْبُتُ بِدَعْوى البُنُوَّةِ نَسَبُ الوَلَدِ المُتَبَنَّى لمَنْ تَبَنَّاهُ. واللهُ يقولُ الحقَّ والصِّدْقَ، ويَهْدِي عِبَادَهُ إلى سبيلِ الرَّشَادِ، فَدَعُوا ما تَقُولونَ أنْتُمْ وما تَدَّعُونَ، وخُذُوا بقولِهِ تَعَالى. تُظَاهِرُونَ منْهُنَّ - تُحَرِّمُونَهُنَّ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِكُمْ. أَدْعِيَائِكُمْ - مَنْ تَتَبَنَّوْنَهُمْ من أبْنَاءِ غَيْرِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ترتبط هذه الآية بالآيات قبلها، فقد ذكر الله تعالى معسكرين: معسكراً يحب أنْ يُطاع، فقال تعالى لرسوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1] وقال: {أية : وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 2] وبينهما معسكر آخر نُهِي رسول الله عن طاعته {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1]. إذن: نحن هنا أمام معسكرين: واحد يمثل الحق في أجلى معانيه وصوره، وآخر يمثل الباطل، وللقلب هنا دَوْر لا يقبل المواربة، إما أنْ ينحاز ويغلب صاحب الحق، وإما أنْ يغلب جانب الباطل، وما دمت أنت أمام أمرين متناقضين لا يمكن أنْ يجتمعا، فلا بُدَّ أن تُغلِّب الحق؛ لأن الله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ..} [الأحزاب: 4] إما الحق وإما الباطل، ولا يمكن أن تتقي الله وتطيع الكافرين والمنافقين؛ لأن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد. ومعلوم أن القلب هو أهم عضو في الجسم البشري فإذا أصيب الإنسان بمرض مثلاً يصف له الطبيب دواءً، الدواء يُؤخذ عن طريق الفم ويمرُّ بالجهاز الهضمي، ويحتاج إلى وقت ليتمثل في الجسم، فإنْ كانت الحالة أشدَّ يصف حقنة في العضل، فيصبُّ الدواء في الجسم مباشرة، فإنْ كان المرض أشد يُعْطَى حقنة في الوريد لماذا؟ ليصل الدواء المطلوب جاهزاً إلى الدم مباشرة، ليضخه القلب إلى جميع الأعضاء في أسرع وقت. إذن: فالدم هو الذي يحمل خصائص الشفاء والعافية إلى البدن كله، والقلب هو (الموتور) الذي يؤدي هذه المهمة؛ لذلك عليك أنْ تحتفظ به في حالة جيدة، بأن تملأه بالحق حتى لا يفسده الباطل. وسبق أنْ أوضحنا أن الحيز الواحد لا يمكن أنْ يسع شيئين في وقت واحد فما بالك إنْ كانا متناقضين؟ وقد مثَّلْنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إنْ أردتَ أن تملأها بالماء لا بُدَّ أنْ يخرج منها الهواء أولاً ليدخل مكانه الماء. كذلك الحال في المعاني، فلا يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبداً، وليس لك أنْ تجعل قلباً للحق وقلباً للباطل؛ لأن الخالق جعل لك قلباً واحداً، وجعله محدوداً لا يسع إلا إيمانك بربك، فلا تزاحمه بشيء آخر. ويُرْوَى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهوراً باللسَنِ والذكاء، فكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل محمد، فشاء الله أنْ يراه أبو سفيان وهو منهزم بعد بدر، فيقول له: يا جميل، ما فعل القوم؟ قال: منهم مقتول ومنهم هارب، قال: وما لي أراك هكذا؟ قال: مالي؟ قال: نعل في كفِّك، ونعل في رِجْلك، قال: والله لقد ظننتهما في رجلي، فضحك أبو سفيان وقال له: فأين قلباك؟ وإذا كان القلب هو المضخة التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والأعضاء حاملاً معه الغذاء والشفاء والعافية، كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب، يحملها الدم كذلك إلى الجوارح والأعضاء، فتتجه جميعها إلى طاعة الله، فالرِّجْل تسعى إلى الخير، والعين لا تنظر إلا إلى الحلال، والأذن تسمع القول فتتبع أحسنه، واللسان لا ينطق إلا حقاً. فكل الجوارح إذن لا تنضح إلا الحق الذي تشرَّبته من طاقات الخير في القلب. لذلك يُعلِّمنا سيدنا رسول الله هذا الدرس، فيقول: "حديث : إن في الجسد مضغة، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". تفسير : ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألة اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة للحديث عن قضايا المتناقضات التي شاعتْ عند العرب، فيقول سبحانه: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ..} [الأحزاب: 4]. وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته، يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي، ومعلوم أن ظهر الأم مُحرَّم على الابن حرمة مؤبدة، لذلك كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلاق، فلما جاء الإسلام لم يجعلها طلاقاً، إنما جعل لها كفارة كذب؛ لأن الزوجة ليست أماً لك، وحدد هذه الكفارة إما: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً، أو صيام ستين يوماً. وهذه المسألة تناولتها سورة (قد سمع) {أية : ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ..} تفسير : [المجادلة: 2] أي: كذباً؛ لأن الزوجة لا تكون أماً. فالحق سبحانه جاء بمتناقض، وأدخل فيه متناقضاً آخر، فكما أن القلب الواحد لا تجتمع فيه طاعة الله وطاعة الكافرين والمنافقين، فكذلك الزوجة لا تكون أبداً أماً، فهي إما أم، وإما زوجة. كذلك وُجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني، فكان الرجل يستوسم الولد الصغير، أو يرى فيه علامات النجابة فيتبناه، فيصير الولد ابناً له، يختلط ببيته كولده، ويرثه كما يرثه ولده، وله عليه كل حقوق الابن. وهذه متناقضة أيضاً كالسابقة، فكما أن الرجل لا يكون له قلبان، وكما أن الزوجة لا تكون أماً بحال، كذلك المتبنَّى لا يكون ولداً، فيقول سبحانه: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ..} [الأحزاب: 4]. الدعيُّ: هو الذي تدعى أنه ابنٌ وليس بابن، وكان هذا شائعاً عند العرب، وأراد الله سبحانه أنْ يبطل هذه العادة، ومثلها مسألة الظِّهار، فألغى القرآن هذه العادات، وقال: ضعوا كل شيء موضعه، فجعل للظهار كفارة، ونهى عن التبني بهذه الصورة. والحق سبحانه ساعةَ يريد أنْ يلغي حكماً يقدم صاحب الدعوى نفسه ليطبق هو أمام الناس؛ لذلك جعل سيدنا رسول الله يبدأ بنفسه، ويبطل التبني الذي عنده. تعلمون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة، وكان لها منزلة عند رسول الله، وقد اشترى لها حكيم بن حزام عبداً من سوق الرقيق هو زيد بن حارثة، وكان من بني كلب، سرقه اللصوص من أهله، وادعوْا أنه عبد فباعوه، ثم أهدتْه السيدة خديجة لسيدنا رسول الله، فصار مولىً لرسول الله، يخدمه طيلة عدة سنوات، وما بالكم بمَنْ يكون في خدمة رسول الله؟ لقد أحبَّ زيدٌ رسول الله، وعَشِق خدمته، وقال عن معاملته صلى الله عليه وسلم له: "حديث : لقد خدمتُ رسول الله عشر سنين، فما قال لشيء فعلتُه: لِمَ فعلتَه، ولا لشيء تركتُه لِمَ تركتَه ". تفسير : وفي يوم من الأيام، رآه واحد من بني كَلْب في طرقات مكة، فأخبر أهله به، فأسرع أبو زيد إلى مكة يبحث عن ولده، فدلُّوه عليه، وأنه عند محمد، فذهب إلى سيدنا رسول الله، وأخبره خبر ولده، وطلب منه أنْ يعود معه إلى بني كلب. ولكن، ما كان رسول الله ليتخلَّى عن خادمه الذي يحبه كل هذا الحب، فقال لأبيه: خيِّره، فإنِ اختاركم فخذوه، وإن اختارني فأنا له أبٌ، فلما خيَّروه - قال سيدنا زيد: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحداً. عندها أحب رسول الله أن يكافئه على هذا الموقف، وعلى تمسّكه بخدمته، فتبنّاه كما تتبنى العرب، وسمَّوْه بعدها: زيد بن محمد. فلما أراد الحق سبحانه أنْ يبطل التبني بدأ بمتبنَّى رسول الله، ليكون هو القدوة لغيره في هذه المسألة، فكيف أبطل الله تعالى هذه البنوة؟ كان سيدنا رسول الله قد زوَّج زيداً من ابنة عمته زينب بنت جحش، أخت عبدالله بن جحش، وقد تعب رسول الله في إقناع عبدالله وزينب بهذه الزيجة التي رفضتها زينب، تقول: كيف أتزوج زيداً وهو عبد وأنا سيدة قرشية؟ ثم تزوجته إرضاءً لرسول الله، وعملاً بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 36]. لكنها بعد الزواج تعالتْ عليه، أنها من السادة، وهو من العبيد، فكَرِه زيد ذلك، ولم يُطِقْ فأحبَّ أنْ يطلقها، فذهب إلى رسول الله وشكا إليه ما كان من زينب، وعرض عليه رغبته في طلاقها. فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، فعاوده مرة أخرى فقال له: أمسك عليك زوجك فعاوده زيد، عندها علم رسول الله أن رغبتهما في الطلاق، وكراهيتهما للحياة الزوجية أمر قدري، أراده الله لحكمة، ولأمر تشريعي جديد، شاء الله أنْ يُوقِع البغض بين زيد وزينب، فبُغْض زينب لزيد كان تعالياً واستكباراً، وبُغْض زيد لزينب كان اعتزازاً بالنفس. ولكي يبطل الحق سبحانه تبنَّي رسول الله لزيد قضى بأن يتزوَّج رسول الله من زينب بعد طلاقها من زيد، ومعلوم أن امرأة الابن تحرم على أبيه، فزواج سيدنا رسول الله من زينب يعني أن زيداً ليس ابناً لرسول الله، ويبطل عادة التبني، والأثر المترتب على هذه العادة. وقد أحسَّ رسول الله بشيء في نفسه، وتردَّد في هذا الزواج مخافة أنْ يقول الناس، إن محمداً أوعز إلى زيد أنْ يُطلِّق زينب ليتزوجها هو، كما يقول بعض المستشرقين الآن، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يضمر حبَّ زينب في نفسه، وهذا كلها افتراءات على رسول الله، فالذي يحب امرأة لا يسعى جاهداً لأنْ تتزوج من غيره، وحين يريد زوجها أنْ يُطلِّقها لا يقول له: أمسِكْ عليك زوجك. ثم لا ينبغي لأحد أنْ يخوض فيما أخفاه رسول الله في نفسه، من أنه عاشق أو مُحِبٌّ، لكن انظر فيما أبداه الله، فالذي أبداه الله هو الذي يُخفيه رسول الله، واقرأ: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تفسير : [الأحزاب: 37]. إذن: الذي كان يُخفيه رسول الله هو أنه يخاف أنْ تتكلَّم به العرب، وأنْ تقول فيه مَا لا يليق به في هذه المسألة. ويقول تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] لماذا؟ {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. وهكذا قرَّر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول الله. والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة، تُقوِّض بناء الأسرة، وتهدم كيانها، تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق، فالولد المتبنّي يعيش في الأسرة كابنها، تعامله الأم على أنه ابنها، وهو غريب عنها، كذلك البنت تعامله على أنه أخوها، وهو ليس كذلك، وفي هذا من الفساد مَا لا يخفى على أحد. وأيضاً، فكيف يكون الأب الذي جعله الله سبباً مباشراً لوجودك وتأتي أنت لتردَّ هذه السببية، وتنقلها إلى غير صاحبها، وأنت حين تنكر النبوة السَّببية في أبيك فمن السهل عليك - إذن - أنْ تنكر المسبِّب الذي خلق أولاً، ولِمَ لا وقد تجرأت على إنكار الجميل. وكذلك الذي ينكر البنوة السببية يتجرأ على أنْ ينسب الأشياء إلى غير أهلها، فينسب العبادة لغير مستحقها، وينسب الخَلْق لغير الخالق. وإلا، فلماذا يحثُّنا الحق دائماً على برِّ الوالدين؟ ولماذا قرن بين عبادته سبحانه وبين الإحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من كتابه العزيز، فقال سبحانه: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [النساء: 36] وقال: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23]. قالوا: لأن الأب هو سبب الوجود المباشر، فإذا لم تبره، وأنكرتَ أبوته وتمردْتَ عليها، فلعلَّك تتمرد أيضاً على سبب الوجود الأصلي، فالوالدان لهما حق البر والإحسان، حتى لو كانا كافرين. لذلك، لما سُئِل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، أيزني المؤمن، قال: نعم، أيكذب المؤمن؟ قال: لا؟. فالشرع حين يضع للجريمة حَدّاً وعقوبة، فهذا إيذان بأنها ستحدث في المجتمع المسلم، أما الكذب فلم يضع له الشارع حدّاً، مع أنه أشد من السرقة، وأعظم من الزنى، لماذا؟ قالوا: لأن المؤمن لا يُتصوَّر منه الكذب، ولا يجترئ هو عليه؛ لأنه إنْ عُرِف عنه الكذب وقال أمامك: أشهد أنْ لا إله إلا الله يمكنك أنْ تقول له: أنت كاذب. ثم يقول الحق سبحانه: {ذَٰلِكُمْ ..} [الأحزاب: 4] أي: ما تقدَّم من جَعْل الزوجة أماً، أو جَعْل الدَّعي ابناً، فالزوجة لا تكون أبداً أماً؛ لأن الأم هي التي ولدتْ، كذلك لا يكون للولد إلا أب واحد {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ..} [الأحزاب: 4] وهل يكون القول إلا بالأفواه؟ فماذا أضافتْ الأفواه هنا؟ قالوا: نعم، القول بالفم، لكن أصله في الفؤاد، وما اللسان إلا دليل على ما في الفؤاد، كما قال الشاعر: شعر : إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤاد وَإنَّما جُعِلَ اللسَانُ علَى الفُؤَادِ دَليلاً تفسير : إذن: لا بدَّ أنْ يكون الكلام نسبة في القلب، منها تأتي النسبة الكلامية، فهل ما تقولونه له واقع، هل الزوجة تكون أماً؟ وهل الولد الدعيُّ يكون ابناً. فهذا كلام من مجرد الأفواه، لا رصيد له في القلب ولا في الواقع، فهو - إذن - باطل، أما الحق فما يقوله الحق سبحانه {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقاً للكائن الواقع. فالإنسان قد يتكلم بكلام استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده، وهو كلام غير صحيح، فحين يخبر بهذا الكلام لا يُسمَّى كاذباً لأنه أخبر على وَفْق اعتقاده، مع أن الخبر كاذب، فهناك فَرْق بين كذب الخبر، وكذب المخبر. فالحق سبحانه يعاملنا في الأمر المعتقد في القلب: إنْ كان له واقع، فهو صِدْق في الخبر، وصِدْق في المخبر، وإنْ كان المعتقد لا واقعَ له فهو كذب في الخبر، وصدق في المخبر. إذن: الأمر المعتقد يكون حقاً، إنْ كان له واقع، ويكون كاذباً إنْ لم يكُنْ له واقع، فإذا لم يكُنْ هناك اعتقاد في القلب أصلاً فهو مجرد كلام بالفم، وهذا أقل مرتبةً من القول الذي تعتقده وهو غير واقع. فمعنى {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} [الأحزاب: 4] أي: الواقع الذي يجب أنْ يعتقد، والإعجاز هنا ليس في أن الله تعالى يقول الحق الواقع بالفعل، إنما ويخبر بالشيء فيقع في المستقبل على وَفْق ما أخبر سبحانه. واقرأ قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. فالحق سبحانه صادق حين يقول ما كان، ويصدق حين يقول ما سيكون. والحق سبحانه حين يقول: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ..} [الأحزاب: 4] كأنه يقول: قارنوا بين قولين: قَوْل بالأفواه، وقول بالواقع والاعتقاد، وإذا كان قَوْل الله أقوى من الاعتقاد فقط فهو من باب أَوْلَى أقوى من القول بالأفواه فقط. وقوله تعالى: {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] يهدي السبيل إلى القول الحق. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الآية: 4]. قال: قال رجل من بني فهر: إِن في جوفي لقلبين أَعقل بواحد منهما أَفضل من عقل محمد صلى الله عليه [وسلم]، وكذب. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} [الآية: 4]. قال: نزلت في زيد بن حارثة، وكان النبي، صلى الله عليه [وسلم] تبناه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}. قال: هذا قبل النهي في هذا وغيره {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الآية: 5]. قال: العمد ما أَتى بعد البيان والنهي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعاتب تعالى [عباده] عن التكلم بما ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا لا حقيقة له من الأقوال، ولم يجعله الله تعالى كما قالوا،فإن ذلك القول منكم كذب وزور، يترتب عليه منكرات من الشرع. وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، والإخبار بوقوع ووجود، ما لم يجعله اللّه تعالى. ولكن خص هذه الأشياء المذكورة، لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال: { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا عن أحد: إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية. { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ } بأن يقول أحدكم لزوجته: "أنت عَليَّ كظهر أمي أو كأمي" فما جعلهن اللّه { أُمَّهَاتِكُمْ } أمك من ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك، حرمة وتحريمًا، وزوجتك أحل النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر؟ هذا أمر لا يجوز، كما قال تعالى: {أية : الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا }. تفسير : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ } والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدعيه، وهو ليس له، أو يُدْعَى إليه، بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام. فأراد اللّه تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل باطل وكذب، لا يوجد في شرع اللّه، ولا يتصف به عباد اللّه. يقول تعالى: فاللّه لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من غيركم، فلا جعل اللّه هذا كهذا. { ذَلِكُمْ } القول، الذي تقولون في الدعي: إنه ابن فلان، الذي ادعاه، أو والده فلان { قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } أي: قول لا حقيقة له ولا معنى له. { وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ } أي: اليقين والصدق، فلذلك أمركم باتباعه، على قوله وشرعه، فقوله، حق، وشرعه حق، والأقوال والأفعال الباطلة، لا تنسب إليه بوجه من الوجوه، وليست من هدايته، لأنه لا يهدي إلا إلى السبيل المستقيمة، والطرق الصادقة. وإن كان ذلك واقعًا بمشيئته، فمشيئته عامة، لكل ما وجد من خير وشر. ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل فقال: { ادْعُوهُمْ } أي: الأدعياء { لآبَائِهِمْ } الذين ولدوهم { هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } أي: أعدل، وأقوم، وأهدى. { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ } الحقيقيين { فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } أي: إخوتكم في دين اللّه، ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من تبناهم حتم، لا يجوز فعلها. وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ما يعلم منهم، وهو أخوة [الدين] والموالاة، فلا تظنوا أن حالة عدم علمكم بآبائهم، عذر في دعوتهم إلى من تبناهم، لأن المحذور لا يزول بذلك. { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } بأن سبق على لسان أحدكم، دعوته إلى من تبناه، فهذا غير مؤاخذ به، أو علم أبوه ظاهرًا، [فدعوتموه إليه] وهو في الباطن، غير أبيه، فليس عليكم في ذلك حرج، إذا كان خطأ، { وَلَكِنْ } يؤاخذكم بـ { مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } من الكلام، بما لا يجوز. { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } غفر لكم ورحمكم، حيث لم يعاقبكم بما سلف، وسمح لكم بما أخطأتم به، ورحمكم حيث بيَّن لكم أحكامه التي تصلح دينكم ودنياكم، فله الحمد تعالى.
همام الصنعاني
تفسير : 2310- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}: [الآية: 4], قال: بلغنا أن ذلك كان في شأن زيد بن حارثة، ضُرِبَ له مثلاً، يقول: ليس ابن رَجُلٍ آخَر ابنُكَ. 2311- حدّثنا معمر، وقال قتادة: كانَ رَجُلٌ لا يسمع شيئاً إلا وَعَاهُ، فقال الناس: ما يعي هذا إلا أنَّ له قلبين، قال: وكان يُسَمَّى ذا القَلْبَيْن، قالله الله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. 2312- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن، كان الرجل يقول: إنَّ نَفْساً تأمرني بكذا، ونَفْساً تأمرني بكذا، فقال الله تعالى: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):