Verse. 3538 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

اُدْعُوْہُمْ لِاٰبَاۗىِٕہِمْ ہُوَاَقْسَطُ عِنْدَ اؘ۝۰ۚ فَاِنْ لَّمْ تَعْلَمُوْۗا اٰبَاۗءَہُمْ فَاِخْوَانُكُمْ فِي الدِّيْنِ وَمَوَالِيْكُمْ۝۰ۭ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَاۗ اَخْطَاْتُمْ بِہٖ۝۰ۙ وَلٰكِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوْبُكُمْ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ غَفُوْرًا رَّحِـيْمًا۝۵
OdAAoohum liabaihim huwa aqsatu AAinda Allahi fain lam taAAlamoo abaahum faikhwanukum fee alddeeni wamawaleekum walaysa AAalaykum junahun feema akhtatum bihi walakin ma taAAammadat quloobukum wakana Allahu ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

لكن «ادعوهم لآبائهم هو أقسطُ» أعدل «عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم» بنو عمكم «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به» في ذلك «ولكن» في «ما تعمدت قلوبكم» فيه أي بعد النهي «وكان الله غفورا» لما كان من قولكم قبل النهي «رحيما» بكم في ذلك.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لاِبَائِهِمْ } أرشد وقال: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } أي أعدل فإنه وضع الشيء في موضعه وهو يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي أعدل كل كلام كقول القائل الله أكبر وثانيهما: أن يكون ما تقدم منوياً كأنه قال ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد وقال: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} يعني قولوا لهم إخواننا وأخو فلان فإن كانوا محررين فقولوا مولى فلان، ثم قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } يعني قول القائل لغيره يا بني بطريق الشفقة، وقول القائل لغيره يا أبـي بطريق التعظيم، فإنه مثل الخطأ ألا ترى أن اللغو في اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان فكذلك سبق اللسان في قول القائل ابني والسهو في قوله ابني من غير قصد إلى إثبات النسب سواء، وقوله: {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } مبتدأ خبره محذوف يدل عليه ما سبق وهو الجناح يعني ما تعمدت قلوبكم فيه جناح {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر الذنوب ويرحم المذنب وقد ذكرنا كلاماً شافياً في المغفرة والرحمة في مواضع، ونعيد بعضها ههنا فنقول المغفرة هو أن يسترد القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته حتى أن العبد إذا ستر عيب سيده مخافة عقابه لا يقال إنه غفر له، والرحمة هو أن يميل إليه بالإحسان لعجز المرحوم إليه لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه، وكذا من أحسن إلى غيره رجاء في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال رحمه، إذا علم هذا / فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلساً عاجزاً فرحمه وأعطاه ما كفاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه ولم يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} نزلت في زيد بن حارثة، على ما تقدّم بيانه. وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، دليل على أن التَّبَنِّي كان معمولاً به في الجاهلية والإسلام، يُتوارث به ويتناصر، إلى أن نسخ الله ذلك بقوله: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} أي أعدل. فرفع الله حكم التَّبَنِّي ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأوْلى والأعدل أن يُنسب الرجل إلى أبيه نَسَباً؛ فيقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلَده وظَرْفه ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان يُنْسب إليه فيقال فلان ابن فلان. وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبنّي، وهو من نسخ السنّة بالقرآن؛ فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلا وَلائه، فإن لم يكن له وَلاء معروف قال له يا أخي؛ يعني في الدين، قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10]. الثانية: لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبنّي فإن كان على جهة الخطأ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}. وكذلك لو دعوت رجلاً إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس؛ قاله قتادة. ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبنّي كالحال في المِقْداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب التبنّي، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود؛ فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبنّاه في الجاهلية وعرف به. فلما نزلت الآية قال المِقْداد: أنا ابن عمرو؛ ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه. ولم يُسمع فيمن مضى من عَصَّى مُطْلِق ذلك عليه وإن كان متعمداً. وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يدعى لأبي حذيفة. وغير هؤلاء ممن تُبُنِّي وانْتُسِب لغير أبيه وشُهِر بذلك وغَلب عليه. وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة؛ فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمّداً عصى لقوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي فعليكم الجناح. والله أعلم. ولذلك قال بعده: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي «غَفُوراً» للعمد، و«رَحِيماً» برفع إثم الخطأ. الثالثة: وقد قيل: إن قول الله تبارك وتعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ} مُجْمَل؛ أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم، وكانت فُتْيَا عطاء وكثيرٍ من العلماء. على هذا إذا حلف رجل ألاّ يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه، فأخذ منه ما يرى أنه جيّد من دنانير فوجدها زيوفاً أنه لا شيء عليه. وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلّم على فلان فسلّم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك. و«ما» في موضع خفض ردًّا على «ما» التي مع «أَخْطَأْتُمْ». ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ؛ والتقدير: ولكن الذي تؤاخَذون به ما تَعمّدت قلوبكم. قال قتادة وغيره: من نسب رجلاً إلى غير أبيه، وهو يرى أنه أبوه، خطأً فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح. وقيل: هو أن يقول له في المخاطبة: يا بنيّ؛ على غير تَبَنٍّ. الرابعة: قوله تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} «بِأَفْوَاهِكُمْ» تأكيد لبطلان القول؛ أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود، إنما هو قول لسانيّ فقط. وهذا كما تقول: أنا أمشي إليك على قَدَم؛ فإنما تريد بذلك المبرّة. وهذا كثير. وقد تقدّم هذا المعنى في غير موضع. {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ} «الحقّ» نعت لمصدر محذوف؛ أي يقول القول الحق. و{يَهْدِي} معناه يبين؛ فهو يتعدى بغير حرف جرّ. الخامسة: الأدعياء جمع الّدعيّ، وهو الذي يدعى ابناً لغير أبيه أو يدّعِي غير أبيه؛ والمصدر الدِّعْوة بالكسر؛ فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصُّلْب، فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مَوْلًى وأخاً في الدِّين. وذكر الطبريّ أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال: أنا ممن لا يُعرف أبوه، فأنا أخوكم في الدِّين ومولاكم. قال الراوي عنه: ولو علم ـ واللَّهِ ـ أن أباه حمار لانتمى إليه. ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة: نُفَيع بن الحارث. السادسة: روى الصحيح عن سعد بن أبي وَقّاص وأبي بكرة كلاهما قال: سَمِعَتْه أذناي ووعاه قلبي محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام»تفسير : . وفي حديث أبي ذرّ أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليس مِن رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر".

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱدْعُوهُمْ لأَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ } أعدل {عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوٰلِيكُمْ } بنو عمكم {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } في ذلك {وَلَٰكِن } في {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } فيه وهو بعد النهي {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما كان من قولكم قبل النهي {رَّحِيماً } بكم في ذلك.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخاً في الدين، فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة إلى غير ذلك. وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال: أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم، قال الراوي: ولو علم والله أن أباه حماراً لا نتمى إليه. قال الفقيه الإمام القاضي: ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث، و {أقسط} معناه أعدل، وقال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة، وقوله تعالى: {وليس عليكم جناح} الآية رفع للحرج عمن وهم ونسي وأخطأ فجرى على العادة من نسبة زيد إلى محمد وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص، وقوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} يريد لما مضى من فعلهم في ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تطرد في كل شيء، وقالت فرقة "خطأهم" فيما كان سلف من قولهم ذلك. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لا يتصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي وإنما "الخطأ" هنا بمعنى النسيان وما كان مقابل العمد، وحكى الطبري عن قتادة أنه قال: "الخطأ" الذي رفع الله تعالى فيه الجناح أن تعتقد في أحد أنه ابن فلان فتنسبه إليه وهو في الحقيقة ليس بابنه، والعمد هو أن تنسبه إلى فلان وأنت تدري أنه ابن غيره، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أخشى عليكم النسيان. وإنما أخشى العمد" تفسير : . وقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين} الآية أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت في صدر الإسلام منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذكر الله تعالى أنه {أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحب النبي أكثر من نفسه حسب حديث عمر بن الخطاب، ويلزمه أن يمتثل أوامره أحبت نفسه ذلك أو كرهت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: "حديث : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فعلي، أنا وليه، اقرؤوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}"تفسير : ، وقال بعض العلماء العارفين: هو أولى بهم من أنفسهم لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال الفقيه الإمام القاضي: ويؤيد هذا قوله عليه السلام "حديث : أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش" تفسير : . وشرف تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن رضي الله عنهن بخلاف الأمهات، قال مسروق قالت امرأة لعائشة رضي الله عنها: يا أمه، فقالت لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم. وفي مصحف أبيّ بن كعب "وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم"، وقرأ ابن عباس "من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم"، وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها، فقيل له إنها في مصحف أبيّ فسأله فقررها أبيّ وأغلظ لعمر، وقد قيل في قول لوط عليه السلام: {أية : هؤلاء بناتي} تفسير : [هود: 78] إنما أراد المؤمنات، أي تزوجوهن، ثم حكم بأن أولي الأرحام أحق مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوة الإسلام وبالهجرة، فإنه كان بالمدينة توارث في صدر الإسلام بهذين الوجهين اختلفت الرواية في صفته وليس لمعرفته الآن حكم فاختصرته، ورد الله تعالى المواريث على الأنساب الصحيحة، وقوله تعالى: {في كتاب الله} يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: {من المؤمنين} متعلق بــ {أولى} الثانية، وهذه الأخوة والهجرة التي ذكرنا، وقوله تعالى: {إلا أن تفعلوا} يريد الإحسان في الحياة والصلة والوصية عند الموت، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنيفة، وهذا كله جائز أن يفعل مع الولي على أقسامه، والقريب الكافر يوصي له بوصية، واختلف العلماء هل يجعل هو وصياً، فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر في ذلك إلى السلطان بعض، منهم مالك بن أنس رضي الله عنه، وذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره إلى أن المعنى إلى أوليائكم من المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعضد هذا المذهب، وتعميم لفظ الولي أيضاً حسن كما قدمناه، إذ ولاية النسب لا تدفع في الكافر، وإنما يدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام. و {الكتاب} الذي سطر ذلك فيه يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، و {مسطوراً} من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته إسطاراً ومنه قول العجاج "في الصحف الأولى التي كان سطراً"، قال قتادة وفي بعض القراءة "كان ذلك عند الله مكتوباً".

ابن عبد السلام

تفسير : {أَقْسَطُ} أعدل قولاً وحكماً. {فَإِخْوَانُكُمْ} فانسبوهم إلى أسماء إخوانكم كعبد الله وعبد الرحمن وغيرهما، أو قولوا أخونا فلان ومولانا فلان، أو إن لم يعرف نسبهم كانوا إخوانا في الدين إن كانوا أحراراً وموالي إن كانوا عتقاء {أَخْطَأْتُمْ بِهِ} قبل النهي و {مَّا تَعَمَّدَتَ قُلُوبُكُمْ} بعد النهي في هذا وغيره، أو ما سهوتم به وما تعمدته قلوبكم قصدته، أو ما أخطأتم أن تدعوه إلى غير أبيه "ظاناً أنه أبوه وما تعمدت قلوبكم أن تدعوه إلى غير أبيه عالماً بذلك" {غَفُوراً} لما كان في الشرك {رَّحِيماً} بقبول التوبة في الإسلام.

الخازن

تفسير : {ادعوهم لآبائهم} يعني الذين ولدوهم فقولوا زيد بن حارثة {هو أقسط عند الله} يعني أعدل عند الله (ق) عن ابن عمر قال: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} الآية {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين} يعني فهم إخوانكم {ومواليكم} أي كانوا محررين وليسوا ببنيكم أي فسموهم بأسماء إخوانكم في الدين، وقيل معنى مواليكم أولياؤكم في الدين {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} أي قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه {ولكن ما تعمدت قلوبكم} أي من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي وقيل فيما أخطأتم به أن تدعوه إلى غير أبيه وهو يظن أنه كذلك {وكان الله غفوراً رحيماً}. (ق) عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام"تفسير : قوله عز وجل {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته وقال ابن عباس إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح لأن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، ورسول الله صلى الله عليه سلم يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وقيل هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية. (ق) عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه"تفسير : . عصبة الميت من يرثه سوى من له فرض مقدر وقوله أو ضياعاً أي عيالاً وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع. قوله تعالى {وأزواجه أمهاتهم} يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن هن أخوال المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعي تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين ولم يقل هي خالة المؤمنين، وقيل إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن أمهات المؤمنين والمؤمنات الرجال والنساء وقيل كن أمهات الرجال دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه. فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم. فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما هو تحريم نكاحهن {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} يعني في الميراث قيل كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وقيل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس فكان يؤاخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت {وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض} وقيل في معنى الآية لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر {في كتاب الله} أي في حكم الله {من المؤمنين} الذين آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بينهم {والمهاجرين} يعني أن ذوي القرابات أولى بعضهم ببعض فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت الموارثة بينهم بالقرابة {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} يعني الوصية للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالخلف والإخاء والهجرة، أباح أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ماله، وقيل أراد بالمعروف النصر وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة، وقيل معناه إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة {كان ذلك} أي الذي ذكر من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض {في الكتاب} أي في اللوح المحفوظ وقيل في التوراة {مسطوراً} أي مكتوباً مثبتاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر‏:‏ حديث : أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد‏.‏ حتى نزل القرآن ‏ {‏ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله‏} ‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل ‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة ‏"حديث : ‏أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدراً تبنى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورثه من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك ‏{‏ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم‏} ‏ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخاً في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن سالماً كان يدعى لأبي حذيفة رضي الله عنه، وإن الله قد أنزل في كتابه {‏ادعوهم لآبائهم‏} ‏ وكان يدخل عليَّ، وأنا وحدي، ونحن في منزل ضيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ارضعي سالماً تحرمي عليه‏ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان من أمر زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيء، فأصيب في غلمة من طيء، فقدم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها، فأوصته عمته خديجة رضي الله عنها أن يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً ان قدر عليه، فلما جاء وجد زيداً يباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه فقدم به عليها وقال لها‏:‏ إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة اعجبها، فأخذته فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ظرفه، فاستوهبه منها فقالت‏:‏ هو لك فإن أردت عتقه فالولاء لي، فأبى عليها فوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أمسك قال‏:‏ فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم‏. ثم إنه خرج في إبل طالب إلى الشام، فمر بأرض قومه‏.‏ فعرفه عمه، فقام إليه فقال‏:‏ من أنت يا غلام‏؟‏ قال‏:‏ غلام من أهل مكة‏.‏ قال‏:‏ من أنفسهم‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فحر أنت أم مملوك‏؟‏ قال‏:‏ بل مملوك قال‏:‏ لمن‏؟‏ قال‏:‏ لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له‏:‏ أعربي أنت أم عجمي‏؟‏ قال‏:‏ بل عربي قال‏:‏ ممن أهلك‏؟‏ قال‏:‏ من كلب قال‏:‏ من أي كلب‏؟‏ قال‏:‏ من بني عبدود قال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ ابن من أنت‏؟‏ قال‏:‏ ابن حارثة بن شراحيل قال‏:‏ وأين أصبت‏؟‏ قال‏:‏ في أخوالي قال‏:‏ ومن أخوالك‏؟‏ قال‏:‏ طي قال‏:‏ ما اسم أمك‏؟‏ قال‏:‏ سعدي‏.‏ فالتزمه وقال ابن حارثة‏:‏ ودعا أباه وقال‏:‏ يا حارثة هذا ابنك‏.‏ فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه قال‏:‏ كيف صنع مولاك إليك‏؟‏ قال‏:‏ يؤثرني على أهله وولده، ورزقت منه حباً، فلا أصنع إلا ما شئت‏.‏ فركب معه وأبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة‏:‏ يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه، وعند بيته‏.‏ تفكون العاني، وتطعمون الأسير‏.‏ ابني عبدك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فإنك ابن سيد قومه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حديث : أعطيكم خيراً من ذلك قالوا‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏: أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه قالوا‏:‏ جزاك الله خيراً فقد أحسنت، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا زيد اتعرف هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ هذا أبي وعمي وأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: فأنا من قد عرفته، فإن اخترتهم فأذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم فقال زيد‏:‏ ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً، أنت مني بمكان الوالد والعم قال له أبوه وعمه‏:‏ يا زيد تختار العبودية على الربوبية‏؟‏ قال‏:‏ ما أنا بمفارق هذا الرجل‏. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال‏:‏ اشهدوا أنه حر، وإنه ابني يرثني وأرثه‏، فطابت نفس أبيه وعمه، لما رأوا من كرامته عليه، فلم يزل زيد في الجاهلية يدعى‏:‏ زيد بن محمد‏.‏ حتى نزل القرآن ‏{ادعوهم لآبائهم‏} ‏ فدعي زيد بن حارثة ‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن شيبة عن الحسن بن عثمان رضي الله عنه قال‏:‏ حدثني عدة من الفقهاء وأهل العلم قالوا‏:‏ كان عامر بن ربيعة يقال له‏:‏ عامر بن الخطاب وإليه كان ينسب، فأنزل الله فيه، وفي زيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو ‏ {‏ادعوهم لآبائهم‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال‏:‏ قال الله ‏{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ فإنا ممن لا يعلم أبوه، وأنا من اخوانكم في الدين‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏{‏ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله‏} ‏ أعدل عند الله ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم‏} ‏ فإذا لم تعلم من أبوه فإنما هو أخوك في الدين ومولاك‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم‏} ‏ قال‏:‏ إن لم تعرف أباه فأخوك في الدين ومولاك مولى فلان‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية يقول‏:‏ إن لم تعلموا لهم آباء تدعوهم إليهم فانسبوهم اخوانكم في الدين إذ تقول‏:‏ عبد الله، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأشباههم من الأسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم‏} ‏ يقول‏:‏ أخوك في الدين ومولاك مولى بني فلان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏ادعوهم لآبائهم‏} ‏ لم يعرفوا لسالم أباً ولكن مولى أبي حذيفة إنما كان حليفاً لهم‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {‏وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به‏} ‏ قال‏:‏ هذا من قبل النهي في هذا وغيره ‏ {‏ولكن ما تعمدت قلوبكم‏} ‏ بعد ما أمرتم وبعد النهي‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به‏.‏‏.‏‏.‏‏} قال‏:‏ لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس، ولكن ما أردت به العمد‏. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ‏والله ما أخشى عليك الخطأ، ولكن أخشى عليك العمد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إني لست أخاف عليكم الخطأ، ولكن أخاف عليكم العمد‏ "‏‏.

القشيري

تفسير : راعُوا أنسابهم، فإن أردتم غير النسبة فالأخوّةُ في الدِّين تجمعكم، وقرابةُ الدِّين والشكلية أولى من قرابة النَّسَبِ، كما قالوا: شعر : وقالوا قريبٌ من أبٍ وعمومةٍ فقلتُ: وإخوانُ الصفاء الأقاربُ نُناسبهم شكلاً وعِلماً وأُلفةً وإن باعدتهم في الأصول المناسبُ

اسماعيل حقي

تفسير : {ادعوهم لآبائهم} يقال فلان يدعى لفلان اى ينسب اليه ووقوع اللام ههنا للاستحقاق. قال بعضهم [اين آيت براى زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى بود] سبى صغيرا وكانت العرب فى جاهليتها يغير بعضهم على بعض ويسبى فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له وطلبه ابوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتقه ورباه كالاولاد وتبناه قبل الوحى وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب وكان يدعى زيد ابن محمد وكذا يدعى المقداد بن عمرو البهرانى المقداد ابن الاسود وسالم مولى ابى حذيفة سالم ابن ابى حذيفة وغير هؤلاء ممن تبنى وانتسب لغير ابيه [ودر صحيح بخارى از ابن عمر منقولست كه نمى كفتيم الازيد ابن محمد تا اين آيت آمد وما اورا زيد بن حارثة كفتيم] فالمعنى انسبوا الادعياء الى الذين ولدوهم فقولوا زيد بن حارثة وكذا غيره: وبالفارسية [مردانرا به بدران باز خوانيد] {هو} اى الدعاء لآبائهم فالضمير لمصدر ادعوا كما فى قوله {أية : اعدلوا هو اقرب للتقوى} تفسير : {اقسط عند الله} القسط بالكسر العدل وبالفتح هو ان يأخذ قسط غير وذلك غيره انصاف ولذلك قيل قسط الرجل اذا جار واقسط اذا عدل ـ حكى ـ ان امرأة قال للحجاج انت القاسط فضربها وقال انما اردت القسط بالفتح واقسط افعل تفضيل قصد به الزيادة المطلقة والمعنى بالغ فى العدل والصدق: وبالفارسية [راسترست ودادتر]. وفى كشف الاسرار هو اعدل واصدق من دعائم اياهم لغير آبائهم {فان لم تعلموا} [بس اكرندانيد ونشناسيد] {آباءهم} [بدران ايشانرا تانسبت دهيد بآنها]. قال بعضهم متى عرض ما يحيل معنى الشرط جعلت ان بمعنى اذ واذ يكون للماضى فلا منافاة ههنا بين حرفى الماضى والاستقبال. قال البيضاوى فى قوله تعالى {أية : فان لم تفعلوا} تفسير : ان تفعلوا جزم بلم فانها لما صيرته اى المضارع ماضيا صارت كالجزء منه وحرف الشرط كالداخل على المجموع وكأنه قال فان تركتم الفعل ولذلك ساغ اجتماعهما اى حرف الشرط ولم {فاخوانكم فى الدين} اى فهم اخوانكم فى الدين يعنى من اسلم منهم {ومواليكم} واولياؤكم فيه اى فادعوهم بالاخوة الدينية والمولوية وقولوا هذا اخى وهذا مولاى بمعنى الاخوة والولاية فى الدين فهو من الموالاة والمحبة. قال بعضهم [ايشانرا برادر مى خوانيد واكر شمارا مولاست يعنى آزاد كرده مولى ميخوانيد] ويدل عليه ان ابا حذيفة اعتق عبدا يقال له سالم وتبناه وكانوا يسمونه سالم ابن ابى حذيفة كما سبق فلما نزلت هذه الآية سموه سالما مولى ابى حذيفة {وليس عليكم جناح} اى اثم يقال جنحت السفينة اى مالت الى احد جانبيها وسمى الاثم المائل بالانسان على الحق جناحا ثم سمى كل اثم جناحا. وقال بعضهم انه معرب كناه على ما هو عادة العرب فى الابدال ومثله الجوهر معرّب كوهر {فيما اخطأتم به} بقطع الهمزة لان همزة باب الافعال مقطوعة اى فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهى او بعده على سبق اللسان او النسيان. وقال ابن عطية لا تتصف التسمية بالخطأ إلا بعد النهى والخطأ العدول عن الجهة. وفرق بين الخاطئ والمخطئ فان من يأتى بالخطأ وهو يعلم انه خطأ فهو خاطئ فاذا لم يعلم فهو مخطئ يقال اخطأ الرجل فى كلامه وامره اذا ازل وهفا وخطأ الرجل اذا ضل فى دينه وفعله ومنه {أية : لا يأكله الا الخاطئون} تفسير : والمعنى: بالفارسية [دران جيزى كه خطا كرديد بآن] {أية : ولكن ما تعمدت قلوبكم} تفسير : اى ولكن الجناح فيما قصدت قلوبكم بعد النهى على ان ما فى محل الجر عطفا على ما اخطأتم او ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح على ان محل ما الرفع على الابتداء محذوف الخبر وفى الحديث "حديث : من دعى الى غير ابيه وهو يعلم انه غير ابيه فالجنة عليه حرام" تفسير : {وكان الله غفورا رحيما} بليغ المغفرة والرحمة يغفر لخطيئتى ويرحم. وسمع عمر رضى الله عنه رجلا يقول اللهم اغفر خطاياى فقال يا ابن آدم استغفر العمد واما الخطأ فقد تجاوز لك عنه. يقول الفقير هذا لا يخالف الآية لان المخطئ اذا قصر ووقع فى اسباب ادّته الى الخطأ كأن مظنة المغفرة ومحل الرحمة ثم المتبنى بقوله هو ابنى اذا كان مجهول النسب واصغر سنا من المتبنى ثبت نسبه منه وان كان عبدا له عتق مع ثبوت النسب وان كان لا يولد لمثله لم يثبت النسب ولكنه يعتق عند ابى حنيفة خلافا لصاحبيه فانه لا يعتق عندهما لان كلامه محال فيلغو واما معروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبنى وان كان عبدا عتق. واعلم ان من نفى نسب الدعى عنه لا يلزمه شئ اذ هو ليس بابن له حقيقة واما اذا نفى نسب ولده الثابت ولادته منه فيلزمه اللعان لانه قذف منكوحته بالزنى وان كذب نفسه يحد واللعان باب من الفقه فليطلب هناك. ثم اعلم ان النسب الحقيقى ما ينسب الى النبى صلى الله عليه وسلم فانه النسب الباقى كما قال "حديث : كل حسب ونسب ينقطع الاحسبى ونسبى" تفسير : فحسبه الفقر ونسبه النبوة فينبغى ان لا يقطع الرحم عن النبوة بترك سننه وسيرته فان قطع الرحم الحقيقى فوق قطع الرحم المجازى فى الاثم اذ ربما يقطع الرحم المجازى اذا كان الوصل مؤديا الى الكفر او المعصية كما قال تعالى {وان جاهداك على ان تشرك بى} الخ شعر : جون نبود خويش را ديانت وتقوى قطع رحم بهتر ازمودت قربى تفسير : واما قطع الرحم الحقيقى فلا مساغ له اصلا والاب الحقيقى هو الذى يقدر على التوليد من رحم القلب بالنشأة الثانية يعنى فى عالم الملكوت وهم الانبياء والورثة من كمل الانبياء فاعرف هذا وانتسب نسبة لاتنقطع فى الدنيا والآخرة قال عليه السلام "حديث : كل تقى نقى آلى" تفسير : جعلناالله واياكم من هذا الآل

الجنابذي

تفسير : {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} بان تقولوا زيد بن حارثة دون غير آبائهم وان كان الغير يدعونهم ابناءهم {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} اعدل من غير شوب ظلمٍ وتجاوز عن الحقّ {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} فادعوهم اخواناً {وَمَوَالِيكُمْ} فادعوهم احباباً {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} بدعائهم الى غير آبائهم قبل النّهى او بعد النّهى بالنّسيان عن النّهى او بسبق اللّسان {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} اى فيما تعمّدت قلوبكم او ما تعمّدت قلوبكم مبتدءٌ خبره محذوف {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} يغفر للمخطئ وللمتعمّد بعد التّوبة ويرحمه تفضّلاً منه عليه.

الهواري

تفسير : قال: {ادْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ} أي: هو أعدل عند الله {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أي: قولوا وليُّنا فلان، وأخونا فلان. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج، أي: إثم {فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ} أي: إن أخطأ الرجل بعد النهي فنسبه إلى الذي تبنّاه ناسياً فليس عليه في ذلك إثم. {وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: أن تدعوهم إلى غير آبائهم الذين ألحقهم الله بهم متعمّدين لذلك. وهو تفسير الحسن. وقال مجاهد: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ} أي: ما كان قبل النهي في هذا وغيره [{وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: بعد النهي في هذا وغيره] {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. قوله: {النَّبِيُّ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}. قال مجاهد: هو أبوهم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [أي: في التحريم مثل أمهاتهم: ذكروا عن مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أُمَّهْ. فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أُمُّ رجالكم]. قال: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ}. وقد كان نزل قبل هذه الآية في سورة الأنفال: (أية : وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) تفسير : [الأنفال: 72] فتوارث المسلمون بالهجرة. وكان الأعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر المسلم شيئاً فنسختها هذه الآية: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ}، فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. ذكروا عن أبي أمامة الباهلي قال: لا يتوارث أهل ملتين شتى. ذكروا عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: حديث : لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر . تفسير : ذكروا عن الزهري أن أبا طالب مات وترك طالباً وجعفراً وعليّاً وعقيلاً فورثه طالب وعقيل، ولم يرثه جعفر ولا علي. قال: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم} أي: إلى قراباتكم من أهل الشرك {مَّعْرُوفاً} يعني بالمعروف الوصية. قال بعضهم: جازت لهم الوصيّة ولا ميراث لهم. ثم رجع إلى قوله: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} فقال: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} أي: مكتوباً، أي: لا يرث كافر مسلماً. وقد قال عليه السلام: حديث : لا يرث المسلم الكافر .

اطفيش

تفسير : {ادعُوهم} انسبوا ادعياءكم {لآبائهم} من ولدهم خاصة {هُو} اى دعاءهم لآبائهم {أقسْط عنْد الله} خارج عن التفضيل، اى عدل بليغ فى الصدق عند الله، او باق عليه على وجه التهكم بهم ان دعاءهم لأنفسهم عدل، ولآبائهم اعدل {فإن لم تعْلموا آبائهم} فلم تجدوا دعاءهم اليهم {فإخْوانُكم} فهم اخوانكم فقد علمتم انهم اخوانكم {في الدين} فسموهم بالاخوة فيه، فعل كذا اخى فى الدين فلان، او جاء فلان فى الدين، ويا فلان اخى فى الدين ونحو ذلك {ومواليكم} اولياءكم فيه، جاء مولاى فلان، اى اخى فيه، لا بمعنى العبودية والعتق، وبعد نزول الآية يقولون: سالم مولى حذيفة، وقيل: مواليكم بنو اعمامكم، وقيل: معتقوكم وزيادة الاخوة والمولوية على اسمهم تطيب لأنفسهم، ولم اسمع بصبية او امراة تبينت. {ولَيسَ عليْكُم جُناحٌ} اثم {فيما أخطأتُم به} من تسميتهم بأبناكم قبل نزول التحريم، ولا إثم على مسلم فيما فعل قبل نزول تحريمه، مما لا يعلم من الدين بالضرورة {ولكن مَّا تَعمدت قلُوبكُم} بعد النهى، وما موصولة او شرطية، يقدر فعليه فيه جناح، ولا يجوز ان تكون معطوفة بلكن، لانها لا تكون عاطفة بعد الواو، ولا الواو، لانها لا تكون عاطفة قبل لكن، وخرج بالتعمد النسيان والغلط، فلا جناح فيهما، والتعمد الذى ليس على ما وردت عليه الآية كقولك لصغير السن: يا بنى حيث لا يتوهم هو او غيره انك ابوه وهو الصحيح، ومنعه بعض، وكرهه بعض، وقولك لإنسان: يا بنى تظنه ابنك، او يا ابن فلان تظنه ابنه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد"تفسير : رواه ابن مردويه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رجع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه" تفسير : رواه ابن ماجه، فلو اكره جبار أحدا ان يقول فى غير ابنه انه ابنى، او فى غير ابن فلان انه ابن فلان لجاز ان يقول. {وكان الله غفوراً} للعامد التائب {رحيماً} به اذ غفر له، او ينعم عليه زيادة على المغفرة، والمغفرة على الذنب، وهو هنا كبير فيكفر كفر فسق من ادعى غير ولده، ويكفر ذلك ان ابلغ وقبل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفر بكم نسبتكم إلى غير آبائكم" تفسير : وكان يتلى قرآنا ثم نسخ لفظه لا حكمه، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفر من تبرأ من نسب وان دق أو ادعى نسباً لا يعرف"تفسير : رواه الطبرانى.

الالوسي

تفسير : {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَائِهِمْ } أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم، أخرج الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم حديث : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَائِهِمْ } الخ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شراحيلتفسير : ، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طي فأصيب في نهب من طي فقدم به سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته خديجة أو يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً إن قدر عليه فلما قدم وجد زيداً يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها: إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما رأته خديجة فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها فأعجب النبـي عليه الصلاة والسلام ظرفه فاستوهبه منها. فقالت أهبه لك فإن أردت عتقه فالولاء لي فأبى عليها عليه الصلاة والسلام فأوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أمسك قال: فشب عند النبـي صلى الله عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل لأبـي طالب بأرض الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال: من أنت يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة قال: من أنفسهم؟ قال: لا قال: فحر أنت أم مملوك قال: بل مملوك قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له: أعرابـي أنت أم عجمي؟ قال: عربـي قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود قال: ويحك ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شراحيل قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي قال: ومن أخوالك؟ قال طي قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى فالتزمه وقال: ابن حارثة ودعا أباه فقال: يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة: يا محمد أنتم أهل حرم الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك فامنن علينا وأحسنت إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيكم خيراً من ذلك قالوا: وما هو؟ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني فكفوا عنه فقال: جزاك الله تعالى خيراً فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا زيد أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبـي وعمي وأخي فقال عليه الصلاة والسلام: فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد: ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً أنت معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه: أيا زيد أتختار العبودية؟ قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال: اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامته عليه الصلاة والسلام فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ٱدْعُوهُمْ لأَِبَائِهِمْ } فدعي زيد بن حارثة، وفي بعض / الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان. {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }تفسير : [المائدة: 8]، و {أَقْسَطُ } أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن المقام يقتضي ذلك الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه عز وجل. وجوز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه زور لا عدل فيه أصلاً على سبيل التهكم. {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ } أي تعرفوا {ءابَاءهُمُ } فتنسبوهم إليهم {فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم {فِى ٱلدّينِ وَمَوٰلِيكُمْ } أي وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وبهذا المعنى قيل لسالم بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه قبل، وقيل: {مواليكم} أي بنو أعمامكم، وقيل: معتقوكم ومحرروكم وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي إثم {فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي. {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } أي ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد النهي على أن {مَا } في محل الجر عطفاً على (ما) من {فِيمَا أَخْطَأْتُمْ } وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف عليه، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه: إنه حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل أخيه ليكون العطف على المرفوع. وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وإن لا فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما أخطأتم أو ولكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن (ما) في موضع رفع على الابتداء وخبره جمل مقدرة، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد النسبة في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ }تفسير : [البقرة: 283] وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه الفريابـي وابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد، وقيل: كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد، والمعنى لا إثم عليكم إذ قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتهم أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه. وجوز أن يراد بقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد»تفسير : وحديث ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام «حديث : وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه»تفسير : ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده. والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيداً لامتثال ما ندبوا إليه مع إدماج حكم مقصود في نفسه، وجعلها بعضهم عطفاً مؤولاً بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآبائهم وهو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين / فتأثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة. وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة. وفي «حواشي الخفاجي على تفسير البيضاوي» البنوة وإن صح فيها التأويل كالأخوة لكن نهي عنها بالتشهبية بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأولى أن يقال في تعليل النهي: سداً لباب التشبه بالكفرة بالكلية، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من ارتضيه عن «فتاوى ابن حجر الكبرى»، وحكم التبنـي بقوله: هو ابني إن كان عبداً للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره، وعند الشافعي لا عبرة بالتنبي فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وتحقيق ذلك في موضعه. ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلاً منهما مباح مطلقاً حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك، وقيل: لما أن فيه تعظيمه وهو حرام، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضاً، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقاً ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكراً وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني للإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } فيغفر للعامد إذا تاب {رَّحِيماً } ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطىء، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان وأبو داود عن سعد بن أبـي وقاص أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام»تفسير : . وأخرج الشيخان أيضاً «حديث : من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً»تفسير : وأخرجا أيضاً «حديث : ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر»تفسير : . وأخرج الطبراني في «الصغير» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كفر من تبرأ من نسب وإن دق أو ادعى نسباً لا يعرف»تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار. هذ ومناسبة قوله تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ }تفسير : [الأحزاب: 4] الخ لما قبله أنه شروع في ذكر شيء من الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل، وقيل: إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن أبـي مسلم أنه متصل بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ }تفسير : [الأحزاب: 1] حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فإما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل هو متصل ـ بلا تطع واتبع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن / واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل: هو متصل بقوله تعالى: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 3] من حيث إنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل: وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم، ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل: إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ } الخ ضرب مثلاً للظهار والتبني أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أماً والمتبنى ابناً، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبـي: إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد، وجعل سبحانه قوله جل وعلا: {ذٰلِكُمْ } فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له، ثم ذيل سبحانه وتعالى الكل بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ }تفسير : [الأحزاب: 4] وتعقبه في «الكشف» بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل {ٱدْعُوهُمْ لأِبَائِهِمْ } الآية شاهدا صدق بأن الأول مضروب للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقاً فإدخاله في قرن مسألة التبني استطراداً هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له كالأول. وانتصر الخفاجي للجماعة فقال: لو كان مثلاً للتبني فقط لم يفصل منه، وكون القلبين لرجل وجعل المتبني ابناً في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضاً فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفته لما روى عنهم انتهى، ويد الله تعالى مع الجماعة. وبين الطيبـي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى هٰهنا فقال: إن الاستهلال بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 1] دال على أن الخطاب مشتمل على التبنية على أمر معتنى بشأنه لائح فيه معنى التهييج والإلهاب، ومن ثم عطف عليه {وَلاَ تُطِعِ } كما يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك واتبع ناصرك، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس، ثم أمر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورهم، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه، وعلل قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بقوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } تفسير : [الأحزاب: 1] تتميماً للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه، وعلل قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ }تفسير : [الأحزاب: 2] بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }تفسير : [الأحزاب: 2] تتميماً أيضاً أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الرائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافىء كلاً ما يستحقه، وذيل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } بقوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 3] تقريراً وتوكيداً على منوال فلان ينطق والحق أبلج يعني من حق من يكون كافياً لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه، وفصل قوله تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ }تفسير : [الأحزاب: 4] على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم وتمحلاتهم، وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم } الخ فذلكة لتلك الأقوال آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلاً عن أن يطاع، ثم وصل تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ }تفسير : [الأحزاب: 4] الخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في {وَلاَ تُطِعِ} {واتبع} وفصل قوله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لأِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } وقوله تعالى: {ٱلنَّبِىّ } [الأحزاب: 6] الخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى / السبيل القويم انتهى فتأمل ولا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بالشروع في المقصود من التشريع لإبطال التبنّي وتفصيل لما يحق أن يجريه المسلمون في شأنه. وهذا الأمر إيجاب أبطل به ادعاء المتبني متبناه ابناً له. والمراد بالدعاء النسب. والمراد من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ذلك، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم. واللام في {لآبائهم} لام الانتساب، وأصلها لام الاستحقاق. يقال: فلان لفلان، أي: هو ابنه، أي: ينتسب له، ومنه قولهم: فلان لِرَشْدَةٍ وفلان لِغَيَّةٍ، أي: نسبَه لها، أي: من نكاح أو من زنا، وقال النابغة:شعر : لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حارب تفسير : أي: من أبناء صاحبي القبرين. وقال علقمة بن عبد يمدح الملك الحارث:شعر : فلست لأنْسِي ولكن لِمَلاك تنزل من جو السماء يصوب تفسير : وفي حديث أبي قتادة: «صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملاً أمَامة ابنة بنته زينبَ ولأبِي العاص بن ربيعة» فكانت اللامُ مغنية عن أن يقول وابنة أبي العاص. وضمير {هو أقسط عند الله} عائد إلى المصدر المفهوم من فعل {ادعوهم لآبائهم}أي: الدعاء للآباء. وجملة {هو أقسط} استئناف بياني كأنَّ سائلاً قال: لماذا لا ندعوهم للذين تبنوهم؟ فأجيب ببيان أن ذلك القسط فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة، أي: هو قسط كامل وغيره جورٌ على الآباء الحق والأدعياء، لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق. والغرض من هذا الاستئناف تقرير ما دل عليه قوله {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4] لتُعلم عناية الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية في التبنّي، ولتطمئن نفوس المسلمين من المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ينزع منهم إلفاً ألفوه. ولهذا المعنى الدقيق فرع عليه قوله: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}، فجَمَع فيه تأكيداً للتشريع بعدم التساهل في بقاء ما كانوا عليه بعذر أنهم لا يعلمون آباء بعض الأدعياء، وتأنيساً للناس أن يعتاضوا عن ذلك الانتساب المكذوب اتصالاً حقاً لا يفوت به ما في الانتساب القديم من الصلة، ويتجافى به عما فيه من المفسدة فصاروا يدعون سالماً متبنى أبي حذيفة: سالماً مولى أبي حذيفة، وغيرَه، ولم يشذ عن ذلك إلا قول الناس للمقداد بن عمرو: المقداد بن الأسود، نسبة للأسود بن عبد يغوث الذي كان قد تبنّاه في الجاهلية كما تقدم. قال القرطبي: لما نزلت هذه الآية قال المقدادُ: أنا المقداد ابن عمرو، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِقَ ذلك عليه ولو كان متعمداً اهــــ. وفي قول القرطبي: ولو كان متعمداً، نظر، إذ لا تمكن معرفة تعمد من يُطلق ذلك عليه. ولعله جرى على ألسنة الناس المقدادُ بن الأسود فكان داخلاً في قوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} لأن ما جرى على الألسنة مظنة النسيان، والمؤاخذة بالنسيان مرفوعة. وارتفاع {إخوانُكم} على الإخبار عن مبتدأ محذوف هو ضمير الأدعياء، أي: فهم لا يَعْدُون أن يوصفوا بالإخوان في الإسلام إن لم يكونوا مواليَ أو يوصفوا بالموالي إن كانوا مواليَ بالحلف أو بولاية العتاقة وهذا استقراء تام. والإخبار بأنهم إخوان وموال كناية عن الإرشاد إلى دعوتهم بأحد هذين الوجهين. والواو للتقسيم وهي بمعنى (أو) فتصلح لمعنى التخيير، أي: فإن لم تعلموا آباءهم فادعوهم إن شئتم بإخوان وإن شئتم ادعوهم موالي إن كانوا كذلك. وهذا توسعة على الناس. و{في} للظرفية المجازية، أي: إخوانكم أخوة حَاصِلة بسبب الدّين كما يجمع الظرف محتوياته، أو تجعل {في} للتعليل والتسبب، أي: إخوانكم بسبب الإسلام مثل قوله تعالى: {أية : فإذا أوذي في الله}تفسير : [العنكبوت: 10]، أي: لأجل الله لقوله تعالى: {أية : إنما المؤمنون إخوة}تفسير : [الحجرات: 10]. وليس في دعوتهم بوصف الأخوة ريبة أو التباس مثل الدعوة بالبُنوّة لأن الدعوة بالأخوة في أمثالهم ظاهرة لأن لوصف الأخوة فيهم تأويلاً بإرادة الاتصال الديني بخلاف وصف البنوة فإنما هو ولاء وتحَالف فالحقُّ أن يُدْعَوا بذلك الوصف، وفي ذلك جبر لخواطر الأدعياء ومن تَبنَّوْهم. والمراد بالولاء في قوله {ومواليكم} ولاء المحَالفة لا ولاء العتق، فالمحالفة مثل الأخوة. وهذه الآية ناسخة لما كان جارياً بين المسلمين ومن النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المُتَبَنَّيْن إلى الذين تبنوهم فهو من نسخ السنة الفعلية والتقريرية بالقرآن. وذلك مراد من قال: إن هذه الآية نسخت حكم التبنّي. قال في «الكشاف»: «وفي فصل هذه الجمل ووصلها من الحسن والفصاحة ما لا يغْبَى عن عالم بطرق النظم». وبيّنه الطيبي فقال: يعني في إخلاء العاطف وإثباته من الجمل من مفتتح السورة إلى هنا. وبيانُه: أن الأوامر والنهي في {أية : اتق}تفسير : [الأحزاب: 1] {أية : ولاَ تطع}تفسير : [الأحزاب: 1] {أية : واتّبع}تفسير : [الأحزاب: 2] {أية : وتَوكل}تفسير : [الأحزاب: 3]، فإن الاستهلال بقوله: {أية : يا أيها النبي اتق الله} تفسير : [الأحزاب: 1] دال على أن الخطاب مشتمل على أمر معْنِيَ شأنه لائح منه الإلهاب، ومن ثم عَطف عليه {ولا تطع}كما يعطف الخاص على العام، وأردَف به النهي، ثم أمَر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين، ثم عَقَّب كلا من تلك الأوامر بما يطابقه على سبيل التتميم، وعلل {ولا تطع الكافرين} بقوله {أية : إن الله كان عليماً حكيماً}تفسير : [الأحزاب: 1] تتميماً للارتداع، وعلل قوله {واتبع ما يوحى إليك} بقوله {أية : إن الله كان بما تعملون خبيراً}تفسير : [الأحزاب: 2] تتميماً، وذَيل قوله {وتوكل على الله} بقوله {أية : وكفى بالله وكيلاً}تفسير : [الأحزاب: 3] تقريراً وتوكيداً على منوال: فلان ينطق بالحَق والحقُ أبلج، وفصل قوله {أية : ما جعَل الله لرجل من قلبين في جوفه}تفسير : [الأحزاب: 4] على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم. وقوله: {أية : ذلكم قولكم بأفواهكم}تفسير : [الأحزاب: 4] فذلكة لتلك الأحوال آذنت بأنها من البطلان وحقيق بأن يذم قائله. ووَصل قوله {أية : والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4] على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في المجمل في {ولا تطع} و{اتبع}، وفَصل قوله {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} وقوله {أية : النبي أولى بالمؤمنين}تفسير : [الأحزاب: 6]، وهلم جرّاً إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم اهــــ. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} عطف على جملة {ادعوهم لآبائهم} لأن الأمر فيها للوجوب فهو نهي عن ضده لتحريمه كأنه قيل: ولا تدعوهم للذين تبنوهم إلا خطأ. والجناح: الإثم، وهو صريح في أن الأمر في قوله {ادعوهم لآبائهم} أمر وجوب. ومعنى {فيما أخطأتم به} ما يجري على الألسنة خارجاً مخرج الغالب فيما اعتادوه أن يقولوا: فلان ابن فلان للدّعي ومتبنيه، ولذلك قابله بقوله {ولكن ما تعمّدت قلوبكم} أي: ما تعمدته عقائدكم بالقصد والإرادة إليه. وبهذا تقرر إبطال حكم التبني وأن لا يقول أحد لِدَعِيِّه: هو ابني، ولا يقول: تبنيت فلاناً، ولو قاله أحد لم يكن لقوله أثر ولا يعتبر وصية وإنما يعتبر قولُ الرجل: أنزلت فلاناً منزلة ابن لي يرث ما يرثه ابني. وهذا هو المسمى بالتنزيل وهو خارج مخرج الوصية بمناب وارث إذا حمله ثلث الميت. وأما إذا قال لمن ليس بابنه: هو ابني، على معنى الاستلحاق فيجري على حكمه إن كان المنسوبُ مجهول النسب ولم يكن الناسب مريداً التلطف والتقريب. وعند أبي حنيفة وأصحابه من قال: هو ابني، وكان أصغر من القائل وكان مجهول النسب سناً ثبت نسبه منه، وإن كان عبده عَتق أيضاً، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب ولكنه يعتق عليه عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه فقالا: لا يعتق عليه. وأما معروف النسب فلا يثبت نسبه بالقائل فإن كان عبداً يعتق عليه لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب فلو قال لعبده: هو أخي، لم يعتق عليه إذا قال: لم أرِدْ به أخوة النسب لأن ذلك يطلق في أخوة الإسلام بنص الآية، وإذا قال أحد لدعيّه: يا بني، على وجه التلطف فهو ملحق بالخطأ ولا ينبغي التساهل فيه إذا كانت فيه ريبة. وقوله {ادعوهم لآبائهم} يعود ضمير أمره إلى الأدعياء فلا يشمل الأمرُ دعاء الحفدة أبناء لأنهم أبناء. وقد حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحَسن رضي الله عنه: «إنّ ابني هذا سيّد» تفسير : وقال: «حديث : لا تُزْرِموا ابني» تفسير : أي: (لا تقطعوا عليه بوله). وكذلك لا يشمل ما يقوله أحد لآخر غير دعيٍ له: يا ابني، تلطّفاً وتقرباً، فليس به بأس لأن المدعو بذلك لم يكن دعياً للقائل ولم يزل الناس يدعون لداتهم بالأخ أو الأخت، قال الشاعر:شعر : أنتِ أختي وأنت حرمة جاري وحرام عليّ خون الجوار تفسير : ويَدعون من هو أكبر باسم العم كثيراً، قال النمر بن تولب:شعر : دعاني الغواني عَمَّهن وخلتُني لي اسم فلا أدعى به وهو أول تفسير : يريد: أنهن كنّ يدعونه: يا أخي. ووقوع {جناح} في سياق النفي بــــ {ليس} يقتضي العموم فيفيد تعميم انتفاء الإثم عن العمل الخطأ بناء على قاعدة عدم تخصيص العام بخصوص سببه الذي ورد لأجله وهو أيضاً معْضود بتصرفات كثيرة في الشريعة، منها قوله تعالى: {أية : ربنا لا تؤاخذنا إن نسِينا أو أخطأنا}تفسير : [البقرة: 286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أُكرِهُوا عليه»تفسير : . ويفهم من قوله {ادعوهم لآبائهم} النهيُ عن أن ينسب أحد إلى غير أبيه بطريق لحن الخطاب. وفي الحديث: «حديث : من انتسب إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يَقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»تفسير : . ويخرج من النهي قول الرجل لآخر: أنت أبي وأنا ابنك على قصد التعظيم والتقريب وذلك عند انتفاء اللبس، كقول أبي الطيب يُرقق سيف الدولة:شعر : إنما أنتَ والد والأبُ القا طع أحنَى من واصل الأولاد تفسير : وجملة {أية : إن اللَّه كان غفوراً رحيماً}تفسير : [الأحزاب: 24] تعليل نفي الجناح عن الخطأ بأن نفي الجناح من آثار اتصاف الله تعالى بالمغفرة والرحمة بخلقه.

د. أسعد حومد

تفسير : {لآبَآئِهِمْ} {آبَاءَهُمْ} {فَإِخوَانُكُمْ} {مَوَالِيكُمْ} (5) - يَنْسَخُ اللهُ تَعالى في هذهِ الآيةِ حُكْم التَّبَنِّي الذِيْ كَانَ مَعْمُولاً بهِ في الجاهليةِ، فقدْ كانَ التَّبَنِّي جَائِزاً وظَلَّ حُكْمُ التَّبَنِّي سَارِياً في ابْتِدَاءِ أَمْرِ الإِسْلامِ، فكانَ الرَّجُلُ يتبنَّى وَلَدَ غيرِهِ، فَيُصْبحُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَلَدِ مِنَ الصُّلْبِ، في أمورِ النَّسَبِ والمِيراثِ... ولكنَّ اللهَ تَعَالى نَسَخَ حُكْمَ التَّبَنِّي في هذهِ الآيةِ. وأمَرَ المؤمنينَ بِرَدِّ نِسْبَةِ الأدْعِيَاءِ (الأَولادِ بالتَّبَنِّي) إلى آبائِهِمْ الحَقِيقِيِّينَ، لأنَّ هذَا هُوَ العَدْلُ والقِسْطُ والبِرُّ. (فَعَلَيْهِمْ أَن يَقُولُوا زَيْدُ بنُ حَارِثَة لا زَيْدُ بنُ محمدٍ)، أمَّا إذا كَانَ الولدُ المُتَبَنَّى لا يُعرَفُ أبُوه لِيُنْسَبَ إليهِ، فَعَلى المؤمنينَ أنْ يَعُدُّوا هؤلاءِ الأَدْعياءِ إخْوَاناً لَهُمْ في الدِّينِ - إنْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا في الإِسْلامِ - وأنْ يَعُدُّوهُمْ موالِيَهُمْ إن كانُوا مُحَرَّرِينَ (فيُقَالُ سَالِمُ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ). وَلاَ حَرَجَ على المُؤْمِنِين فيما اخْطَؤُوا فيهِ من نِسْبَةِ بَعْضِ هؤُلاءِ الأَدْعياءِ إلى غَيْرِ آبَائِهِمْ، بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الجهْدِ في البَحْثِ والاسْتِقْصَاءِ، أو فِيما يَسْبِقُهُمْ بهِ لِسَانُهُمْ، ولكنَّ الحَرَجَ والإِثمَ والمُؤاخَذَةَ تَقَعُ على منْ يَفْعَلُونَهُ مُتَعَمِّدينَ بهِ الباطِلَ. واللهُ غفورٌ لذَنْبِ مَنْ تَابَ أو أخْطَأ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وهو رحيمٌ بهِ فَلا يُعاقِبُهُ مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ. أقْسَطُ - أَعْدَلُ. مَوالِيكُمْ - أولياؤُكُمْ في الدِّينِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ ..} [الأحزاب: 5] يعني: قولوا: زيد بن حارثة، لكن كيف يُنزع من زيد هذا التاج وهذا الشرف الذي منحه له سيدنا رسول الله؟ نعم، هذا صعب على زيد - رضي الله عنه - لكنه {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 5] لا عندكم أنتم. و {أَقْسَطُ ..} [الأحزاب: 5] أفعل تفضيل، نقول هذا قِسْط وهذا أقسط، مثل عدل وأعدل، ومعنى ذلك أن الذي اختاره رسول الله من نسبة زيد إليه يُعَدُّ قِسْطاً وعدلاً بشرياً، في أنه صلى الله عليه وسلم أحسَّ بالبنوة وصار أباً لمن اختاره وفضَّله على أبيه. لكن الحق سبحانه يريد لنا الأقسط، والأقسط أنْ ندعو الأبناء لآبائهم {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ..} [الأحزاب: 5] أي: نُعرِّفهم بأنهم إخواننا في الدين. ومعنى الموالي: الخدم والنصراء الذين كانوا يقولون لهم "العبيد"، فالولد الذي لا نعرف له أباً هو أخ لك في الله تختار له اسماً عاماً، فنقول مثلاً في زيد: زيد بن عبد الله، وكلنا عبيد الله تعالى. والبنوة تثبت بأمرين: بالعقل وبالشرع، فالرجل الذي يتزوج زواجاً شرعياً، وينجب ولداً، فهو ابنه كوناً وشرعاً، فإذا زَنَت المرأة - والعياذ بالله - على فراش زوجها، فالولد ابن الزوج شَرْعَاً لا كوناً؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر. كذلك في حالة الزوجة التي تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها أو بعد طلاقها، لكنها تنجب لستة أشهر، فتقوم هنا شبهة أن يكون الولد للزوج الأول، لذلك يُعَدُّ ابناً شَرْعاً لا كوناً؛ لأنه وُلد على فراشه. فإن جاء الولد من الزنا - والعياذ بالله - في غير فراش الزوجية فهو ابنه كوناً لا شرعاً؛ لذلك نقول عنه "ابن غير شرعي". كما أن في قوله تعالى: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 5] تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو قال تعالى: هو قسْط لكان عمل النبي إذن جَوْراً وظلماً، لكن أقسط تعني: أن عمل النبي قِسْط وعَدْل. وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ..} [الأحزاب: 5] يُخْرجنا من حرج كبير في هذه المسألة، فكثيراً ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا: يا بني على سبيل العطف والتودد، ونقول لكبار السن: يا أبي فلان احتراماً لهم. فالحق سبحانه يحتاط لنا ويُعفينا من الحرج والإثم، لأننا نقول هذه الكلمات لا نقصد الأُبوّة ولا البنوة الحقيقية، إنما نقصد تعظيمَ الكبار وتوقيرهم، والعطف والتحنُّن للصغار، فليس عليكم إثْمٌ ولا ذَنْبٌ في هذه المسألة، إنْ أخطأتم فيها، والخطأ هو ألاَّ تذهب إلى الصواب، لكن عن غير عَمْد. وإذا كان ربنا - تبارك وتعالى - قد رفع عنا الحرج، وسمح لنا باللغو حتى في الحلف بذاته سبحانه، فقال: {أية : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} تفسير : [المائدة: 89] فكيف لا يُعفينا من الحرج في هذه المسألة؟ ثم يقول سبحانه: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 5] سبق أنْ قُلْنا: أن الفعل إذا أُسْنِد إلى الحق سبحانه انحلَّ عنه الزمن، فليس مع الله تعالى زمن ماض، وحاضر ومستقبل، وهو سبحانه خالق الزمن. لذلك نقول: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 5] يعني: كان ولا يزال غفوراً رحيماً؛ لأن الاختلاف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الأغيار، والحق سبحانه لا يطرأ عليه تغيير. لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه مُتقلِّب، ويقول أهل المعرفة: تغيَّروا من أجل ربكم - يعني: من الانحراف إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم، أنت تتغير من أجل الله، لكن الله لا يتغير من أجل أحد، وما دام الحق سبحانه كان غفوراً رحيماً، وهو سبحانه لا يتغير، فبالتالي سيبقى سبحانه غفوراً رحيماً. وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائماً بين هذين الوصفين غفور ورحيم؛ لأن الغفر سَلْب عقوبة الذنب، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غُفِر، كأن تُمسِك في بيتك لصاً يسرق، فلك أنْ تذهب به للشرطة، ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله، وتستر عليه، وبيدك أنْ تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة. وقد عُولجَتْ هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 126] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة؛ لأنك لا تستطيع أبداً تقرير هذه المثلية، ولا تضمن أبداً إذا عاقبتَ أنْ تعاقب بالمثل، ولا تعتدي؛ لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة، لكي لا تُدخِل نفسك في متاهة اعتداء جديد، يُوجب القصاص منك. وسبق أنْ حكْينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدِّد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلاً من لحمه، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي، وذكر ما كان بينهما من شروط، فأقرَّه القاضي على شرطه، لكن ألهمه الله أنْ يقول للمرابي: نعم خُذْ رطلاً من لحمه، لكن بضربة واحدة، فإنْ زِدْتَ عنها أو نقصْتَ وفَّيناها من لحمك أنت، عندها تراجع المرابي، وتنازل عن شَرْطه. إذن: أجاز لك الشرع القصاصَ بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ، ثم يفتح لك الحق سبحانه باب العفو والصفح في المرحلة الثانية: {أية : وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التغابن: 14]. ثم يُفسرها بحيثية أخرى، فيقول سبحانه: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالاً غضبياً ينتج عنه ردّ فعل انتقامي، وجعلتُ غضبي في قلبي، وكظمتُه في نفسي، وهذه المرحلة الأولى، أما الثانية فتُخرِج ما في نفسك من غَيْظ وغضب وتتسامح وتعفو. ثم المرحلة الثالثة أنْ ترتقي إلى مرتبة الإحسان، فتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك، وهذه رحمة، والرحمة؛ أنْ يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه، فإنْ كان الأمر بعكس ذلك فلا تُسمَّى رحمة، كأن يميلَ العبدُ بإحسان إلى سيده. هذه صور أتتْ فيها الرحمة بعد المغفرة، وهذا هو الأصل في المسألة، وقد تأتي الرحمة قبل المغفرة، كأنْ تُمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مُكْره على ذلك، وليس عليه أمارات الإجرام، فيرقّ له قلبك، وتمتد يدك إليه بالمساعدة، ثم تطلق سراحه، وتعفو عنه، فالرحمة هنا أولاً وتبعتها المغفرة. بعد ذلك لقائل أنْ يقول: ما موقف زيد بعد أنْ أبطل الله تعالى التبني، فصار زيدَ بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أنْ سُلِب هذه النعمة وحُرِم هذا الشرف؟ أضِفْ إلى ذلك ما يلاقيه من عنتَ المرجفين، وألسنة الذين يُوغرون صدره، ويُوقِعون بينه وبين رسول الله، وهو الذي اختاره على أبيه. لا شكَّ أن الجرعة الإيمانية التي تسلَّح بها زيد جعلتْه فوق هذا كله، فقد تشرَّب قلبه حبّ رسول الله، ووقر في نفسه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 36]. ثم تأتي الآيات لتوضح للناس: لستم أحنَّ على زيد من محمد، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم أوْلى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم، لا بزيد وحده. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...}.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سمعتم حقيقة القول في أدعياءكم وحقيته {ٱدْعُوهُمْ} أي: سموهنم أدعياءكم بأسمائهم، وانسبوهم حين دعائكم وندائكم :إيها {لآبَآئِهِمْ} المولدين لهم حقيقة لا إلى الداعي إن علموا آباءهم الأصلية النسلية {هُوَ} أي: انتسابهم إلى آبائهم {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} وأقوم بين المؤمنين، وأقرب إلى الصدق، وأبعد عن الكذب والفرية؛ إذ كثيراً ما اشتهر دعيٌّ باسم من تبناه فأراد أن يأخذ منه الميراث، فعليكم ألاَّ تنسبوهم إلاَّ لآبائهم الحقيقيين {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ} لتنسبوهم إليهم {فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أي: فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم فيه كسائر المؤمنين، فخاطبوهم مثل خطاب بعضكم بعضاً، فقولوا له: يا أخي، ويا صاحبي، ووليي في الدين وغير ذلك. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {جُنَاحٌ} إثم ومؤاخذة {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي: بقولكم هذا ونسبتكم هذه إذا صدرت عنكم هفوةً على سبيل الخطأ والنسيان، سواء كان قبل ورورد النهي أو بعده {وَلَـٰكِن} تؤاخذون في {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} وصدرت عنكم هذا قصداً؛ إذ قصدكم به يؤدي إلى الافتراء، وتضييع حقوق المؤمنين {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} في حق من أخطأ ونسي ثمَّ ذكر فتاب {رَّحِيماً} [الأحزاب: 5] عليه يقبل توبته، ويغفر ذاته. ثمَّ أشار سبحانه إلى تأديب كل من الأمم مع نبيه المؤيَّد من عنده سبحانه بأنواع التأييدات، والمعجزات الخارقة للعادات، المبعوث إليهم؛ لإرشادهم وتكميلهم، وأمرهم بحسن الأدب معهم والمحافظة على خدمتهم وحرمتهم. وكيف لا يحسنون الأدب من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - إذ كل نبي بالنسبة إلى أمته كالأب المشفق العطوف معهم، بل هو خير آبائهم يرشدهم إلى ما هو أصلح لهم في دينهم الذي هو حياتهم الحقيقية، فلهم أن يكونوا معه في مقام التذلل والانكسار التام، والانخفاض المفرط بأضعاف ما وجب عليهم من حقوق الولد النسبي؛ إذ آثار تربية الأنبياء مؤبدة مخلدة، وآثار تربية هؤلاء الآباء متناهية منقطعة، وإن ترتب على تأديبهم وانخافضهم معه من المثوبة الأخروية، فإنما هي راجعة إلى تربية نبيهم. ولا شك أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وأكملهم في التربية والإرشاد، فيكون أبوته أيضاً أكمل، وإشفاقه ومرحمته لأمته التي هي أفضل الأمم أتم وأوفر؛ لذلك قال سبحانه: {ٱلنَّبِيُّ} أي: هذا النبي المؤيَّد المبعوث إلى كافة الأمم، المتمم لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، المكمل لمعالم الدين مراسم المعرفة واليقين {أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} وأحق لهم أن يرجحوا جانبه على نفوسهم، ويختاروا غبطته {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} إذ نسبة تربيته إلى أجسادهم كنسبة تربية الأب المشفق المحافظ ابنه عن جميع ما لا يعنيه، المراقب له في جميع أحواله؛ ليوصله إلى الحياة الأبدية، والبقاء الأزلية السرمدية. ونسبة تربيته نفوسهم المدبرة لأبدانهم، وإن كانت هي أيضاً بتوفيق الله وإقداره إنما هي مقصورة إلى حفظ أجسامهم؛ لئلا تنهم وتنخرم، ولا تزول عنها الحياة المستعارة، وشتان ما بين النسبتين {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي: وبعدما ثبت أن تربيته صلى الله عليه وسلم شاملة، وأبوته كاملة صارت أزواجه اللاتي في حجوره صلى الله عليه وسلم وحضانته أمهات المؤمنين في الدين، وحرمتهن أعظم وأولى من حرمة أمهاتهم النسبية؛ إذ هن أتباع له صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيسري الأدب معه إليهن، وهن أيضاً في أنفسهن من الكمالات اللائقة لأنواع الحرمات والكرامات، ومن جملتها: لياقتهن بشرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم. فعليكم أيها المؤمنون ألاَّ تنكحوا أزواجه أبداً؛ إذ هن أمهاتكم {وَ} بعدما سمعتم أيها السامعون المؤمنون أن النبي خير آبائكم في الدين، وأزواجه فُضليات أمهاتكم أيضاً فيه، وسائر المؤمنات والمؤمنين إخوانك وأخواتكم في الدين، لا تظنوا أن حكم أبوته صلى الله عليه وسلم وأمومتهن - رضي الله عنهن - وأخوَّة المؤمنين تسري في أحكام الميراث والعصوبة أيضاً، بل {أُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} والأقارب المنتمين إليكم بالقرابة النسبية على تفاوت طباقتهم ذكوراً أو إناثاً {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ} وأحق شرعاً {بِبَعْضٍ} أي: بأخذ الميراث من بعض؛ يعني: هم أصحاب الفروض والعصبات يأخذون متروكات المتوفى عنهم، ويحرزونها؛ لقرابتهم النسبية على مقتضى والعصبات يأخذون متروكاً المتوفى عنهم، ويحرزونها؛ لقرابتهم النسبية على مقتضى سهامهم المقدرة {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} المنزل عليكم، الموافق لما في حضرة علمه ولوح قضائه من المنبي وأزواجه. وأجانب {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} وإن كانوا إخواناً في الدين لا يأخذون من أموالهم شيئاً بلا قرابة نسبية {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ} أي: المؤمنون منكم، وتخرجون من أموالهم على الوجه المشروع المستحسن {إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ} في الدين مع كونهم أجانب لكم {مَّعْرُوفاً} أي: وصية مشروعة مستحسنة عقلاً وشرعاً، غير مؤدية إلى إحراز التركة وتحريم الورثة، وهي التي لا تكون أزيد من ثلث المال {كَانَ ذَلِكَ} أي: إخراج الوصية على الوجه المعروف {فِي ٱلْكِتَابِ} الذي يُتلى عليكم، وفيما قبلة من الكتب المتلوة على الأمم الماضين {مَسْطُوراً} [الأحزاب: 6] مثبتاً، فللموصي له أن يأخذها على مقتضى ما ثبت في حكم الله وكتابه. {وَ} كيف لم يحسنوا الأدب أولئك المؤمنون الماضون مع أنبيائهم، وهؤلاء معك، مع أنَّا ما بعثنا الأنبياء والرسل؛ إلا لإرشاد المؤمنين، وهدايتهم إلى توحيدنا، وإيصالهم إلى زلال تفريدنا، وعلى ذلك أخذنا العهود والمواثيق المؤكدة من الأنبياء تأكيداً وإلزاماً، اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين؛ ليحافظوا على ما أُمروا {إِذْ أَخَذْنَا مِنَ} عموم {ٱلنَّبِيِّيْنَ} المبعوثين إلى الأمم الماضين {مِيثَاقَهُمْ} أي: عهودهم الوثيقة المؤكدة {وَ} خصوصاً {مِنْكَ} يا أكمل الرسل {وَمِن نُّوحٍ} النجي {وَإِبْرَاهِيمَ} الخليل {وَمُوسَىٰ} الكليم {وَعِيسَى} الصفي الخالص عن كدر الناسوت من قبل الأب؛ لأنه {ٱبْنِ مَرْيَمَ} لم يمسها ذكر من بني نوعها، بل إنما ولدته بلا أب إرهاصاً لها، ومعجزةً لابنها. خصَّ هؤلاء سبحانه بالذكر اهتماماً بشأنهم - صلوات الله عليهم - {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ} كرره تأكيداً ومبالغةً؛ أي: كل واحد منهم، وممن لم نذكر أساميهم من ذوي الغزائم الخالصة {مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7] أي: عهداً وثيقاً مؤكداً على ألاَّ تتهاونوا، ولا تتكاسلوا في إرشاد العباد وإبعادهم عن الجور والفساد، وإيصالهم إلى ما أعددنا لهم من المراتب العليَّة والدرجات السنيَّة. وأنزلنا عليهم الكتب والصحف المشتملة على الأوامر والأحكام المقربة لتوحيدنا، والعبر والنواهي المعبدة عن الكفر والضلال، وأمرناهم أيضاً بتيين الأوامر والنواهي إلى أممهم وتنبيهها عليهم؛ ليتفطنوا على فطرتهم التي جُبلوا عليها في عالم الغيب؛ وليتميز عندهم الحق الحقيق بالاتباع من الباطل الزاهق الزائل. كل ذلك {لِّيَسْأَلَ} سبحانه في النشأة الأخرى عن أنبيائه ورسله - صلوات الله عليهم - عن أحوال العباد {ٱلصَّادِقِينَ} الممتثلين بأوامر الله، المجتنبين عن نواهيه {عَن صِدْقِهِمْ} وأخلاصهم في أعمالهم ونيَّاتهم فيها، وأحوالهم ومواجيدهم واعتقادهم، وتلقيهم لقبول الحق والمحافظة عليه؛ ليشهد الأنبياء لهم فيفوزوا إلى ما أعد لهم من المراتب والمقامات، وأنواع السعادات والكرامات، مع أن علمه سبحانه بحالهم بغني عن شهادتهم؛ ليسأل أيضاً سبحانه عن عناد العباد المصرين على الجور والفساد، المجترئين على الله بالخروج عن حدوده وعن مقتضيات أحكامه؛ ليشهدوا - صلوات الله عليهم - فيساقوا صاغرين مهانين إلى ما أعد الله لهم من الدركات والهوية الجهنمية {وَ} اعلموا أن الله سبحانه {أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} الجاحدين لأوامر الله ونواهيه المنزلة في كتبه على رسله {عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب: 8] لا عذاب أشد إيلاماً منه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} [5] 417 - أخبرنا الحسن بنُ محمدٍ قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني موسى بن عُقبة، أنَّ سالم بن عبد الله، حدَّثَهُ عن عبد اللهِ بن عُمَرَ، عن زيد بن حارثة، مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: ما كُنَّا ندعوهُ إلاَّ زيد بن محمدٍ، حتى نزلت {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ}.

همام الصنعاني

تفسير : 2313- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}: [الآية: 5]، قال قتادة: لو دعوت رجلاً لغير أبيه، وأنت تَرَى أنه أبوه، لم يكن عَلَيْك بأس، قال: وسمع عُمَرُ بن الخطاب رجُلاً يقُولُ: اللهم اغفر لي خطاياي، فقال: استغفر الله للعمد، فأمال الخطأ فقد تجوز عنه. قال، وكان يقول: ما أخافُ عليكم الخطأ ولكني أخاف عليكم العمد، ومَا أخاف عليكم العيلة، ولكني أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف عليكم أن تزدروا أعمالكم ولكني أخاف عليكم أنْ تستكثِروها. 2314- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: وكان يقال: ثلاث لا يهلك عليهن ابن آدم: الخطأ، والنسيان، وما أُكِرُوا عليه.