٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تقرير لصحة ما صدر منه عليه الصلاة والسلام من التزوج بزينب وكأن هذا جواب عن سؤال وهو أن قائلاً لو قال هب أن الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابناً إذا كان لدعيه شيء حسن لا يليق بمروءته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفاً فقال الله تعالى {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } جواباً عن ذلك السؤال وتقريره هو أن دفع الحاجات على مراتب؛ دفع حاجة الأجانب ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي النسب ثم دفع حاجة الأصول والفصول ثم دفع حاجة النفس، والأول عرفاً دون الثاني وكذلك شرعاً فإن العاقلة تتحمل الدية عنهم ولا تتحملها عن الأجانب والثاني دون الثالث أيضاً وهو ظاهر بدليل النفقة والثالث دون الرابع فإن النفس تقدم على الغير وإليه أشار النبـي عليه الصلاة والسلام بقوله: « حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » تفسير : إذا علمت هذا فالإنسان إذا كان معه ما يغطي به إحدى الرجلين أو يدفع به حاجة عن أحد شقي بدنه، فلو أخذ الغطاء من أحدهما وغطى به الآخر لا يكون لأحد أن يقول له لم فعلت فضلاً عن أن يقول بئسما فعلت، اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر مثل ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ويترك رجله تبرد فإنه الواجب عقلاً، فمن يعكس الأمر يقال له لم فعلت، وإذا تبين هذا فالنبـي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمن من نفسه فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله مثل من يدهن شعره ويكشف رأسه في برد مفرط قاصداً به تربية شعره ولا يعلم أنه يؤذي رأسه الذي لا نبات لشعره إلا منه، فكذلك دفع حاجة النفس فراغها إلى عبادة الله تعالى ولا علم بكيفية العبادة إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام، فلو دفع الإنسان حاجته لا للعبادة فهو ليس دفعاً للحاجة لأن دفع الحاجة ما هو فوق تحصيل المصلحة وهذا ليس فيه مصلحة فضلاً عن أن يكون حاجة وإذا كان للعبادة فترك النبـي الذي منه يتعلم كيفية العبادة في الحاجة ودفع حاجة النفس مثل تربية الشعر مع إهمال أمر الرأس، فتبين أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً حرم على الأمة التعرض إليه في الحكمة الواضحة. ثم قال تعالى: {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تقريراً آخر، وذلك لأن زوجة النبـي صلى الله عليه وسلم ما جعلها الله تعالى في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبـي عليه الصلاة والسلام، فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت الزوجات في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره، فلو قال قائل كيف قال: {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } وقال من قبل: {وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ } إشارة إلى أن غير من ولدت لا تصير أماً بوجه، ولذلك قال تعالى في موضع آخر: { أية : إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ } تفسير : [المجادلة: 2] فنقول قوله تعالى في الآية المتقدمة: {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ } جواب عن هذا معناه أن الشرع مثل الحقيقة، ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة. كما أن امرأتين إذا ادعت كل واحدة ولداً بعينه ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد، وإن تبين أن التي حلفت دون البلوغ أو بكر ببينة لا يحكم لها بالولد، فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع، لا بل في بعض المواضع على الندور تغلب الشريعة الحقيقة، فإن الزاني لا يجعل أباً لولد الزنا. إذا ثبت هذا فالشارع له الحكم فقول القائل هذه أمي قول يفهم لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة. وأما قول الشارع (فهو) حق والذي يؤيده هو أن الشارع به الحقائق حقائق فله أن يتصرف فيها، ألا ترى أن الأم ما صارت أماً إلا بخلق الله الولد في رحمها، ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها، فإذا كان هو الذي يجعل الأم الحقيقية أماً فله أن يسمى امرأة أماً ويعطيها حكم الأمومة، والمعقول في جعل أزواجه أمهاتنا هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الابن، لأن الزوجة محل الغيرة والتنازع فيها، فإن تزوج الابن بمن كانت تحت الأب يفضي ذلك إلى قطع الرحم والعقوق، لكن النبـي عليه الصلاة والسلام أشرف وأعلى درجة من الأب وأولى بالإرضاء، فإن الأب يربـي في الدنيا فحسب، والنبـي عليه الصلاة والسلام يربـي في الدنيا والآخرة، فوجب أن تكون زوجاته مثل زوجات الآباء، فإن قال قائل: فلم لم يقل إن النبـي أبوكم ويحصل هذا المعنى، أو لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم فنقول لحكمة، وهي أن النبـي لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبـي عليه الصلاة والسلام، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » تفسير : ولذلك فإن المحتاج إلى القوت لا يجب عليه صرفه إلى الأب، ويجب عليه صرفه إلى النبـي عليه الصلاة والسلام، ثم إن أزواجه لهم حكم زوجات الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن، وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقية والرضاعية. ثم قال تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُوراً } إشارة إلى الميراث، وقوله: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } إشارة إلى الوصية، يعني إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم، فإن قيل فعلى هذا أي تعلق للميراث والوصية بما ذكرت نقول تعلق قوي خفي لا يتبين إلا لمن هداه الله بنوره، وهو أن غير النبـي عليه الصلاة والسلام في حال حياته لا يصير له مال الغير، وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته، والنبـي عليه الصلاة والسلام في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته كأن الله تعالى عوض النبـي عليه الصلاة والسلام عن قطع ميراثه بقدرته على تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه يرجع إليهم، حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم ولا يرجع إليهم فقال تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } يعني بينكم التوارث فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبـي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم الثاني: هو أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبـي عليه الصلاة والسلام أولي بالمؤمنين وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم إذا أراد أحد براً مع صديق فيوصي له بشيء فيصير أولى من قريبه وكأنه بالوصية قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا إلى من أريده، فكذلك الله تعالى جعل لصديقه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} فيه وجهان أحدهما: في القرآن وهو آية المواريث والوصية والثاني: في اللوح المحفوظ.
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} هذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت في صدر الإسلام؛ منها: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلّي على مَيّت عليه دَيْن، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «حديث : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن تُوُفِّيَ وعليه دَين فعليّ قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته»تفسير : أخرجه الصحيحان. وفيهما أيضاً «حديث : فأيكم ترك دَيْناً أو ضَياعاً فأنا مولاه»تفسير : . قال ابن العربيّ: فانقلبت الآن الحال بالذنوب، فإن تركوا مالاً ضُويق العصبة فيه، وإن تركوا ضياعاً أسلموا إليه؛ فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبيّ صلى الله عليه وسلم وتنبيهه؛ (ولا عِطْر بعد عَرُوس). قال ابن عطية: وقال بعض العلماء العارفين هو أوْلى بهم من أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا آخِذ بحُجَزِكم عن النارِ وأنتم تقتحمون فيها تقحّم الفَراش".تفسير : قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها، والحديث الذي ذُكر أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما مَثَلَي ومَثَل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفَراش يقعن فيه وأنا آخِذٌ بِحُجَزِكم وأنتم تَقَحّمُون فيه»تفسير : . وعن جابر مثله؛ وقال: «حديث : وأنتم تَفَلَّتُون من يدي»تفسير : . قال العلماء: الْحُجْزَة للسراويل، والمَعْقِد للإزار؛ فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. وهذا مثل لاجتهاد نبيَّنا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا، وحرصه على تخلّصنا من الهلكات التي بين أيدينا؛ فهو أوْلى بنا من أنفسنا؛ ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدوّنا اللعين بناصِرنا أحقر من الفِراش وأذلّ من الفَراش، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! وقيل: أولى بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أوْلى. وقيل: أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم؛ أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه. الثانية: قال بعض أهل العلم: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال: «حديث : فعليّ قضاؤه»تفسير : . والضَّياع (بفتح الضاد) مصدر ضاع، ثم جعل اسماً لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم، ومال لا قَيّم له. وسمّيت الأرض ضَيعة لأنها معرّضة للضياع، وتجمع ضِياعاً بكسر الضاد. الثالثة: قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} شرّف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين؛ أي في وجوب التعظيم والمبرّة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات. وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثاً كأمومة التَّبنِّي. وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات للناس. وسيأتي عدد أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم في آية التخيير إن شاء الله تعالى. واختلف الناس هل هنّ أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة؛ على قولين: فروى الشعبيّ عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أمّة؛ فقالت لها: لست لك بأمّ، إنما أنا أمّ رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح. قلت: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء؛ تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء. يدلّ عليه صدر الآية: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}، وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورةً. ويدلّ على ذلك حديث أبي هريرة وجابر؛ فيكون قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} عائداً إلى الجميع. ثم إن في مصحف أُبيّ بن كعب «وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم». وقرأ ابن عباس: «من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم». وهذا كلّه يوهن ما رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص، وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} قيل: إنه أراد بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشاً. وفيه قولان: أحدهما: أنه ناسخ للتوارث بالهجرة. حكى سعيد عن قتادة قال: كان نزل في سورة الأنفال {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72] فتوارث المسلمون بالهجرة؛ فكان لا يرث الأعرابيّ المسلم من قريبه المسلم المهاجِر شيئاً حتى يهاجر، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}. الثاني: أن ذلك ناسخ للتوارث بالحِلف والمؤاخاة في الدِّين؛ روى هشام بن عُروة عن أبيه عن الزبير: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نِعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم؛ فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخيت أنا كعب بن مالك، فجئت فوجدت السلاح قد أثقله؛ فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورِثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فرجعنا إلى موارثنا. وثبت عن عُروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الزّبير وبين كعب بن مالك، فارْتُثّ كعب يوم أُحُدٍ فجاء الزبير يقوده بزمام راحلته؛ فلو مات يومئذٍ كعب عن الضِّح والريح لورثه الزبير، فأنزل الله تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}. فبيّن الله تعالى أن القرابة أوْلى من الحِلْف، فتركت الوراثة بالحِلْف وورثوا بالقرابة. وقد مضى في «الأنفال» الكلام في توريث ذوي الأرحام. وقوله: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ الذي قضى فيه أحوال خلقه. و«مِنَ الْمُوْمِنِينَ» متعلق بـ«ـأَوْلَى» لا بقوله: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} بالإجماع؛ لأن ذلك كان يوجب تخصيصاً ببعض المؤمنين، ولا خلاف في عمومها، وهذا حلّ إشكالها؛ قاله ابن العربي. النحاس: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} يجوز أن يتعلق «مِنَ الْمُوْمِنِينَ» بـ«ـأُولُو» فيكون التقدير: وَأُولُو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين. ويجوز أن يكون المعنى أوْلَى من المؤمنين. وقال المهدوِيّ: وقيل إن معناه: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إلا ما يجوز لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُدعَين أمهات المؤمنين. والله تعالى أعلم. الخامسة: واختلف في كونهن كالأمهات في المَحْرَم وإباحة النظر؛ على وجهين: أحدهما: هنّ مَحْرَم، لا يحرم النظر إليهنّ. الثاني: أن النظر إليهن محرّم، لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظاً لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن، وكان من حفظ حقّه تحريمُ النظر إليهن؛ ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابناً لأختها من الرضاعة، فيصير مَحْرَماً يستبيح النظر. وأما اللاتي طلقهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: أحدها: ثبتت لهن هذه الحرمة تغليباً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لا يثبت لهن ذلك، بل هن كسائر النساء؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أثبت عصمتهن، وقال: «حديث : أزواجي في الدنيا هنّ أزواجي في الآخرة»تفسير : . الثالث: من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها وحَرُم نكاحها وإن طلقها؛ حفظاً لحرمته وحراسة لخلوته. ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة؛ وقد همّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوّجت فقالت: لم هذا! وما ضرب عَليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاباً ولا سُمّيت أمّ المؤمنين؛ فكفّ عنها عمر رضي الله عنه. السادسة: قال قوم: لا يجوز أن يُسَمَّى النبيّ صلى الله عليه وسلم أباً لقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ}. ولكن يقال: مِثل الأب للمؤمنين؛ كما قال: «حديث : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم...»تفسير : الحديث. خرجه أبو داود. والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أبٌ للمؤمنين، أي في الحرمة، وقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أي في النسب. وسيأتي. وقرأ ابن عباس: «مِنْ أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه». وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها وقال: حُكمها يا غلام؟ فقال: إنها في مصحف أُبيّ؛ فذهب إليه فسأله فقال له أُبَيّ: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصَّفْق بالأسواق؟ وأغلظ لعمر. وقد قيل في قول لوط عليه السلام {أية : هَؤُلآءِ بَنَاتِي} تفسير : [الحجر: 71]: إنما أراد المؤمنات؛ أي تزوّجوهن. وقد تقدّم. السابعة: قال قوم: لا يقال بناته أخوات المؤمنين، ولا أخوالهن أخوال المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعيّ رضي الله عنه: تزوّج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي أخت عائشة، ولم يقل هي خالة المؤمنين. وأطلق قوم هذا وقالوا: معاوية خال المؤمنين؛ يعني في الحرمة لا في النسب. الثامنة: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} يريد الإحسان في الحياة، والوصية عند الموت؛ أي إن ذلك جائز؛ قاله قتادة والحسن وعطاء. وقال محمد بن الحنفِيّة، نزلت في إجازة الوصية لليهوديّ والنّصرانيّ؛ أي يفعل هذا مع الولِيّ والقريب وإن كان كافراً؛ فالمشرك وَلِيّ في النسب لا في الدّين فيوصى له بوصية. واختلف العلماء هل يجعل الكافر وصيًّا؛ فجوّز بعضٌ ومنع بعض. وردّ النظر إلى السلطان في ذلك بعض؛ منهم مالك رحمه الله تعالى. وذهب مجاهد وابن زيد والرّماني إلى أن المعنى: إلى أوليائكم من المؤمنين. ولفظ الآية يَعْضُد هذا المذهب، وتعميم الوليّ أيضاً حسن. وولاية النسب لا تدفع الكافر، وإنما تدفع أن يلقى إليه بالموَدّة كولِيّ الإسلام. التاسعة: قوله تعالى: {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} «الْكتَابِ» يحتمل الوجهين المذكورين المتقدمين في «كِتَابِ اللَّهِ». و«مسْطُوراً» من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته أسطاراً. وقال قتادة: أي مكتوباً عند الله عز وجل ألاّ يرث كافرٌ مسلماً. قال قتادة: وفي بعض القراءة «كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوباً». وقال القُرَظِيّ: كان ذلك في التوراة.
ابن كثير
تفسير : قد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدماً على اختيارهم لأنفسهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [النساء: 65] وفي الصحيح: «حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين»تفسير : . وفي الصحيح أيضاً: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يا عمر حتى أكون أحب إِليك من نفسك» تفسير : فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : الآن ياعمر» تفسير : ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. وقال البخاري عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح، حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مؤمن إِلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إِن شئتم: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}، فأيما مؤمن ترك مالاً، فليرثه عصبته من كانوا، وإِن ترك ديناً أو ضياعاً، فليأتني، فأنا مولاه» تفسير : تفرد به البخاري، ورواه أيضاً في الاستقراض، وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله، ورواه أحمد من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً، فإِليّ، ومن ترك مالاً، فهو لورثته» تفسير : ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه. وقال تعالى: {وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ} أي: في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إِلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإِن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين؛ كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر، وهو من باب إِطلاق العبارة، لا إِثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء رضي الله عنهم، ونص الشافعي رضي الله عنه على أنه يقال ذلك، وهل يقال لهن: أمهات المؤمنين، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليباً؟ وفيه قولان، صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهما: أنهما قرآ: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم). وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِنما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلمكم، فإِذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه»تفسير : . وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عجلان، والوجه الثاني: أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 40]. وقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي: في حكم الله {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ} أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه؛ للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثاً عن الزبير بن العوام فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} وذلك أنا ــــ معشر قريش ــــ لما قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم وأورثناهم، فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد، وآخى عمر رضي الله عنه فلاناً، وآخى عثمان رضي الله عنه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير رضي الله عنه: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، والله يابني لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إِلى مواريثنا. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} أي: ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية. وقوله تعالى: {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا} أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير، قاله مجاهد وغير واحد، وإِن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إِلى ماهو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ } في حرمة نكاحهن {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ } ذوو القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } في الإِرث {فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ } أي من الإِرث بالإِيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام فنسخ {إِلاَّ } لكن {أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً } بوصية فجائز {كَانَ ذَلِكَ } أي نسخ الإرث بالإِيمان والهجرة بإرث ذوي الأرحام {فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا } وأريد بالكتاب في الموضعين اللّوح المحفوظ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أولى بهم من بعضهم ببعض لإرساله إليهم وفرض طاعته عليهم، وقاله مقاتل بن حيان. الثاني: أنه أولى بهم فيما رآه له بأنفسهم، قاله عكرمة. الثالث: أنه كان في الحرف الأول: هو أب لهم. وكان سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزاة تبوك أمرالناس بالخروج فقال قوم منهم نستأذن آباءنا وأمهاتنا فأنزل الله فيهم هذه الآية، حكاه النقاش. الرابع: أنه أولى بهم في قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم على ما رواه عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِن مُؤمنٍ إِلاَّ أَنَا أَولَى النَّاس بِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ اقْرَأُوا إِن شِئْتُم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كَانُوا، وَإِن تَرَكَ دَيناً أَوْ ضِيَاعاً فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ ". تفسير : {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} يعني من مات عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه هن كالأمهات في شيئين. أحدهما: تعظيم حقهن. الثاني: تحريم نكاحهن. وليس كالأمهات في النفقة والميراث. واختلف في كونهن كالأمهات في المحرم وإباحة النظر على الوجهين: أحدهما: هن محرم لا يحرم النظر إليهن لتحريم نكاحهن. الثاني: أن النظر إليهن محرم لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظاً لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن فكان من حفظ حقه تحريم النظر إليهن ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابناً لأختها من الرضاعة فيصير محرماً يستبيح النظر. وأما اللاتي طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: أحدها: تثبت لهن هذه الحرمة تغليباً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لا يثبت لهن ذلك بل هذه كسائر النساء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت عصمتهن وقال: أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة. الثالث: أن من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها ويحرم نكاحها وإن طلقها حفاظاً لحرمته وحراسة لخلوته ومن لم يدخل بها لم يثبت لها هذه الحرمة، وقد همّ عمر بن الخطاب برجم امرأة فارقها النبي صلى الله عليه وسلم فنكحت بعده فقالت: لم هذا وما ضرب عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاباً ولا سميت للمؤمنين أماً، فكف عنها. وإذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين فيما ذكرناه فقد اختلف فيهن هل هن أمهات المؤمنات على وجهين: أحدهما: أنهن أمهات المؤمنين والمؤمنات تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء. الثاني: أن هذا حكم يختص بالرجال المؤمنين دون النساء لاختصاص الحظر والإباحة بالرجال دون النساء. وقد روى الشعبي عن مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها يا أماه فقالت لست بأم لك أنا أم رجالكم. {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجرِينَ}. قيل إنه أراد بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشاً. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا ناسخ للتوارث بالهجرة حكى سعيد عن قتادة قال كان نزل في الأنفال {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتهِمْ مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} فتوارث المسلمون بالهجرة فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المهاجر المسلم شيئاً ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ}. الثاني: أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين روى هشام بن عمرو عن أبيه عن الزبير بن العوام قال أنزل فينا خاصة معشر قريش والأنصار لما قدمنا المدينة قدمناه ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد وآخيت أنا كعب بن مالك، فلما كان يوم أُحد قتل كعب بن مالك فجئت فوجدت السلاح قد أثقله فوالله لقد مات ما ورثه غيري حتى أنزل الله هذه الآية فرجعنا إلى مواريثنا. قوله تعالى: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: في القرآن، قاله قتادة. الثاني: في اللوح المحفوظ الذي قضى أحوال خلقه، قاله ابن بحر. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} يعني أن التوارث بالأنساب أولى من التوارث بمؤاخاة المؤمنين وبهجرة المهاجرين ما لم يختلف بالمتناسبين دين فإن اختلف بينهما الدين فلا توارث بينهما روى شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتِينِ ". تفسير : {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أراد الوصية للمشرك من ذوي الأرحام، قاله قتادة. الثاني: أنه عنَى الوصية للحلفاء الذي آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، قاله مجاهد. الثالث: أنه أراد الذين آخيتم تأتون إليهم معروفاً، قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أنه عنى وصية الرجل لإخوانه في الدين، قاله السدي. {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكَتَابِ مَسْطُوراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كان التوارث بالهجرة والمؤاخاة في الكتاب مسطوراً قبل النسخ. والثاني: كان نسخه بميراث أولي الأرحام في الكتاب مسطوراً قبل التوارث. الثالث: كان أن لا يرث مسلم كافرا في الكتاب مسطوراً. وفي {الْكِتَابِ} أربعة أوجه: أحدها: في اللوح المحفوظ، قاله إبراهيم التيمي. الثاني: في الذكر، قاله مقاتل بن حيان. الثالث: في التوراة أمر بني اسرائيل أن يصنعوا مثله في بني لاوي بن يعقوب حكاه النقاش. الرابع: في القرآن، قاله قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ} من بعضهم ببعض لإرساله إليهم وفرض طاعته، أو أولى بهم فيما رأه لهم منهم بأنفسهم، أو لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بالخروج إلى تبوك قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت، أو أولى بهم في قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة فمن ترك مالاً فليرثه عصبته وإن ترك ديْناً، أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه". {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} في حرمة نكاحهن وتعظيم حقوقهن دون النفقة والميراث، وفي إباحة النظر إليهن مذهبان هذا في اللائي مات عنهن، وفي إلحاقه مطلقاته بمن مات عنهن ثلاثة مذاهب يفرق في الثالث بين من دخل بهن ومن لم يدخل بهن وهل هن أمهات المؤمنات كالرجال فيه مذهبان، قالت امرأة لعائشة رضي الله تعالى عنها: يا أمَّه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنصار {وَالْمُهَاجرِينَ} قريش. نسخت التوارث بالهجرة لما نزل في الأنفال {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}تفسير : الآية [الأنفال: 72]. توارثوا بالهجرة فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المسلم المهاجر شيئاً فنسخ ذلك بقوله هل هنا {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}، أو نسخت التوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، قال الزبير: نزلت فينا خاصة قريش والأنصار قدمنا المدينة فآخينا الأنصار فأورثونا وأورثناهم فآخى أبو بكر خارجة بن زيد وآخيت كعب بن مالك فقُتِل يوم أُحد فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورثه أحد غيري حتى أنزل الله هذه الآية فرجعنا إلى مواريثنا. {فِى كِتَابِ اللَّهِ} القرآن، أو اللوح المحفوظ. {مِنَ الْمؤْمِنِينَ والْمُهَاجِرِينَ} أي التوارث بالأنساب أولى من التوارث بالمؤاخاة في الهجرة {تَفْعَلُوأْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا} بالوصية للمشرك من ذوي الأرحام، أو الوصية للحلفاء والذين آخى بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، أو الذين آخيتم فآتوا إليهم معروفاً في الحياة، أو وصية الرجل لإخوانه في الدين {مَسْطُوراً} كان التوارث بالهجرة والمؤاخاة في الكتاب مسطوراً قبل النسخ، أو كان نسخه بميراث ذوي الأرحام مسطوراً قبل التوارث، أو كان لا يرث مسلم كافراً في الكتاب مسطوراً. و {الْكِتَابِ} اللوح المحفوظ، أو القرآن، أو الذكر، أو التوراة، أمر بني إسرائيل أن يصنعوا مثله في بني لاوي بن يعقوب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أزالَ اللّه بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام منها أن النّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللّهُ تَعَالَىٰ؛ أنه أَوْلَىٰ بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يُحِبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرِهَتْ، وَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: «حديث : أَنَاْ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضِيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وَلِيُّهُ، ٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُم: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ...}».تفسير : * ت *: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أَوْلَىٰ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضِيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ».تفسير : قال ابن العربيِّ: في «أحكامه»: فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية. انتهى. قال * ع *: وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدوعهم إلى النجاة. قال * ع *: ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحُّمَ الفَرَاشِ».تفسير : قال عياض في «الشفا»: قال أهل التفسير في قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: ما أنفذه فيهم من أمر؛ فهو ماضٍ عليهم؛ كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس. انتهى، وشَرَّفَ تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النِّكَاحِ، وفي مصحف أُبَيّ بن كعبٍ: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» وقرأ ابن عباس «مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» ووافقه أُبَيٌّ عَلَىٰ ذلك. ثم حكم تعالى: بَأَن أُولى الأرْحَامِ بَعْضُهم أولى ببعض في التوارُث، مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوه الإسلام، و {فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} يُحْتَمَلُ أَن يُرِيْدَ القُرْآن أو اللوح المحفوظ. وقوله: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} متعلق بـ {أَوْلى} الثانية. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} يريدُ الأحسانَ في الحياةِ والصِّلَة والوَصِيَّةِ عند الموتِ و«الكتابُ المسطورُ»: يحتَمِلُ الوجْهَين اللذين ذكرنا.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس (وقتادة) وعطاء يعني إذا دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال ابن زيد. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى بينهم كما كنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه، وقيل: أولى بهم في الحمل على الجهاد وبَذْلِ النفس دونه، وقيل: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى الجهاد فيقول قومٌ: نذهب فنَسْتَأْذِنُ من آبائنا وأمهاتنا. فنزلت (الآية)، وروى أبو هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقرْءَوا إنْ شِئْتُمْ: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فَأَيُّمَا مؤمِن مَاتَ وتَرَكَ مالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دُنْيا أو ضياعاً فَلْيأْتني فَأَنَا مَوْلاَهُ"تفسير : . قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي مثل أمهاتهم وهو أب لهم وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}تفسير : [الأحزاب: 33] ولا يقال لبناتهن هن أخوات للمؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم وقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه - وهي أخت أم المؤمنين، واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات، قيل: كن أمهات المؤمنين جميعاً وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء. روى الشعبِيُّ عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أمُّ رِجَالِكُمْ فدل هذا على أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن. فصل قال ابن الخطيب: هذا تقرير آخر، وذلك لأن زوجة النبي - عليه السلام - ما جعلها الله في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي - عليه السلام - فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت زوجاته في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره. فإن قيل: كيف قال: وأزواجه أمهاتهم وقال من قبل: {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] فأشار إلى أن غير من ولدت لا تصير أمّاً بوجه، ولذلك قال في موضع آخر {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ}تفسير : [المجادلة: 2]؟. فالجواب: أن قوله تعالى في الآية المتقدمة: {أية : وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الأحزاب: 4] جواب عن هذا والمعنى أن الشرع مثل الحقيقة ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أن امرأتين (إذا) ادَّعَتْ كل واحدة ولداً (بعينه) ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع بل في بعض المواضع (على المندوب) تغلبُ الشريعة على الحقيقة فإن الزاني لا يجعل أباً لولدِ الزنا وإن كان ولده في الحقيقة وإذا كان كذلك فالشارع له الحكم فقول القائل: هذه أمي قول (يفهم) لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة وأما قول الشارع فهو حق فله أن يتصرف في الحقائق كم يشاء، ألا ترى أن الأم ما صارت أمَّا إلا بخلق الله الولد في رحمها ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها فإذا كان الذي يجعل الأم الحقيقة أمَّا فله أن يسمى أي امرأة أمَّا ويعطيها حكم الأمومة. على الابن لأن الزوجية تحصل الغيرة فإن تزوج بمن كانت تحت الأب يُفْضي إلى قطع الرحم والعقوق ولكن النبي - عليه الصلاة والسلام - يربي في الدنيا والأخرة فوجب أن يكون زجاته مثل زوجات الآباء. فإن قيل: فَلِمَ لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى أو لم يقل أزواج أبيكم؟. فالجواب: أن الحكمة فيه هو النبي (عليه السلام) (مما بينا) أنه إذا أراد زوجة واحدٍ من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي - عليه (الصلاة و) السلام - فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لما جعل أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدمة على الأب لقوله ( - عليه السلام -): "حديث : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ"تفسير : ولذلك فإن المحتاج (إلى القوت) لا يجب عليه صرفه إلى (الأب ويجب عليه صرفه إلى) النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إن أزواجه لهم حكم أزواج الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقة والرضاعة. قوله: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يعني في الميراث قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة قال الكلبي: إخاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس كان يُؤاخِي بين رجلين فإِذا مات أحَدُهُما وَرِثَهُ الأخَرُ دون عصبته حتى نزلت هذه الآية: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} في حكم الله من المؤمنين الذين آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم والمهاجرين يعني ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة فصارت بالقَرَابة وبعضهم يجوز فيه وجهين: أحدهما: أن يكون بدلاً من أولو. والثاني: أنه مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة خبر الأول. قوله: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يجوز أن يتعلق "بأُولِي" إلا أن أفعل التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في أولو والعمل فيها أولو لأنها شبيهة بالظرف ولا جائز أن يكون حالاً (من أولو) للفصل بالخَبَرِ ولأنه لا عامل فيها. قوله: "مِنَ المُؤْمِنِينَ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنها "من" الجارة للمفضول كهي في "زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْروٍ" والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب. والثاني: أنها للبيان جيء بها بياناً لأولى الأرحام فيتعلق بمحذوف أي (أَعْنِي) والمعنى وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرْثِ من الأَجانب. قوله: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ} هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى من معنى الكلام وفحواه إذا التقدير وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث وغيره لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيراً كان لكم ذلك وعدى تفعلوا (بإلى) لتضمنه معنى تدخلوا، وأراد بالمعروف الوصية للذين يتولونه من المُعاقِدِينَ يعني إن أوْصَيْتُم فغير الوارثين أولى وإذا لم تُوصُوا فالوارثون أولى بميراثكم وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة وأباح أن يوصي (لمن يتولاه) بما أحب ثُلُثَ ماله. قال مجاهد: أراد بالمعروف المعرفة وحفظ الحُرْمَة بحق الإيمان والهجرة يعني وأولو الأرحام من المُؤِمِنِينَ والمهاجرين أولى ببعض أي لا توارث بين المسلم والكَافِرِ ولا بين المهاجر وغير المهاجر {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} أي إلا أن تَعْرِضُوا لذوي قُرَابَاتِكُمْ بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة وهذا قول عطاءٍ وقتادةَ وعكرمة. فإن قيل: أي تعلق للميراث والوصية بما تقدم. فالجواب: قال ابن الخطيب وجوابه من وجهين: أحدهما: أن غير النبي في حال حياته لا يصير إليه مال الغير وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته والنبي - عليه السلام - في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لوَرثَتِهِ بعد وفاته فكأن الله تعالى عوض النبي عن قطع ميراثه بقدرته بأن له تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه النبي يرجع إليهم حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبي (عليه السلام) إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم، ولا يرجع إليهم فقال الله تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} يعني التوارث بينكم فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا وهو أنه أولى في حياته بما في أيديكم. الثاني: أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبي عليه السلام أولى فيصير أولى من قريبه فكأنه بالواقع قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا لمن أريده فكذلك جعل الله تعالى لنبيه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره ثم قال: {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} مكتوباً. قال القرطبي: أراد بالكتاب القرآن وهو آية المواريث والوصية وقيل: اللوح المحفوظ. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} الآية وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه السلام بالاتقاء وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} وأكده بالحكاية التي خشي (فيها) منهم، خفّف عنه لكي لا يخشى أَحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وأكده بوجه آخر فقال: "وإذْ أَخَذْنَا" كأنه قال: اتق الله ولا تخف أحداً واذكر أن الله (أخذ ميثاق) النبيين في أنهم مبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع والمراد من الميثاق العهد الذي بينه في إرسالهم وأمرهم بالتبليغ وأن يصدق بعضهم بعضاً قال مقاتل: أخذنا ميثاقهم على أن يدعوا الناس إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضاً وينصحوا لقومهم. قوله: "وإذْ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منصوباً "باذكر" أي اذْكُرْ إِذْ أَخَذْنَا. والثاني: أن يكون معطوفاً على مَحَلِّ: "في الكتاب" فيعمل فيه "مَسْطُوراً" أي كان مسطوراً في الكتاب (و) وقت أَخِذِنا. قوله: {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} خص هؤلاء الخمسةَ بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من الرُّسُلِ، وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أولهم في كتاب الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : كُنْتُ أَوَّلَ النبيّين في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِتفسير : قال قتادة وذلك قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} فبدأ به - صلى الله عليه وسلم - قال ابن الخطيب: وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمه فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم (عليه الصلاة والسلام) يقولون بفضله (وكانوا يتبعونه في الشعائر، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان)، وعلى هذا لو قال قائل: فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول: خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الأبوّة للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوحٌ فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنزال ولما كذّبوه أهلك قومه وأغرقوا، وأما ذكرعيسى بقوله: عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم؛ فهو إشارة إلى أنه لا أب له، إذ لو كان لوقع التعريفُ به. قوله: "مِيثَاقاً غَلِيظاً" هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا بتوكيده، قال المفسرون: عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا. قوله: "ليسألَ" فيها وجهان: أحدهما: أنها لام كي أي أخذنا ميثاقهم ليسأل المؤمنين عن صدقهم والكافرين عن تكذيبهم فاستغنى عن الثاني بذكر مُسَبِبَّهِ وهو قوله: "وأَعَدَّ" ومفعول صدقهم محذوف أي صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، ويجوز أن يكون "صِدْقِهِم" في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضاً أي عن تصديقهم الأنْبِيَاءَ. قوله: "وأَعَدَّ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على ما دل عليه "لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ"؛ إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين. والثاني: أنه معطوف على "أَخَذْنَا"؛ لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ "وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً". فصل قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عز وجل، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
البقاعي
تفسير : ولما نهى سبحانه عن التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك: {النبي} أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال {أولى بالمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية {من أنفسهم} فضلاً عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني {وأزواجه} أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته {أمهاتهم} أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء، لأنه لا محذور من جهة النساء، وذلك في الحرمة والإكرام، والتعظيم والاحترام، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الإحكام، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلاً، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص، لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئاً كان، لأن الأمر أمره والخلق خلقه، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم {أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} تفسير : [الملك: 14] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتي وأنا مولاه ". تفسير : ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها، ونهى عن التشتت والتشعب، وكان من ذلك أمر التبني، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديماً من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجاً إليها، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال، وهي قبل هذه السورة ترتيباً ونزولاً، وكان ما ذكر هنا فرداً داخلاً في عموم العبارة في تلك الآية، أعادها منا تأكيداً وتنصيصاً على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال: {وأولوا الأرحام} أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها {بعضهم أولى} بحق القرابة {ببعض} في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة {في كتاب الله} أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً. ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة، بين المفصل عليه فقال: {من} أي هم أولى بسبب القرابة من {المؤمنين} الأنصار من غير قرابة مرجحة {والمهاجرين} المؤمنين من غير قرابة كذلك، ولما كان المعنى: أولى في كل نفع، استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله، لافتاً النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف، فيحثهم ذلك على فعل المعروف: {إلا أن تفعلوا} أي حال كونكم موصلين ومسندين {إلى أوليائكم} بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقاً وفي المرض من الثلث تنجيراً أو وصية {معروفاً} تنفعونهم به، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقاً لذلك، ولا يكون ذو الرحم أولى منه، بل لا وصية لوارث. ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله، أعاد التنبيه على ذلك تأكيداً قلعاً لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفاً: {كان ذلك} أي الحكم العظيم {في الكتاب} أي القرآن في آخر سورة الأنفال {مسطوراً *} بعبارة تعمه، قال الأصبهاني: وقيل: في التوارة، لأن في التوراة: إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك: أثبت وصف الإيمان أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ووصف الهجرة ثانياً دليلاً على حذف النصرة أولاً. ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيراً على النفوس، ويفرق المجتمعين، ويقطع بين المتواصلين، ويباعد بين المتقاربين، قال مذكراً له صلى الله عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه، وتغيير مألوفاتهم بإلفه، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر: {وإذ} فعلم أن التقدير: اذكر ذلك - أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك، واذكر إذ {أخذنا} بعظمتنا {من النبيين ميثاقهم} في تبليغ الرسالة في المنشط والمكره، وفي تصديق بعضهم لبعض، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا {أية : لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} تفسير : [آل عمران: 81] وقولهم: أقررنا. ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه، ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال: {ومنك} أي في قولنا في هذه السورة {اتق الله واتبع ما يوحى إليك} وفي المائدة {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل، ولما أتم المراد إجمالاً وعموماً، وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئاً به بياناً لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع, تأكيداً للأمر وتعظيماً للمقام، لأن من علم له شركاً في أمر اجتهد في سبقه فيه, ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال: {ومن نوح} أول الرسل إلى المخالفين {وإبراهيم} أبي الأنبياء {وموسى} أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل {وعيسى ابن مريم} ختامهم، نسبه إلى أمه مناداة على من ضلَّ فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيماً للموثق فيه، وإشارة إلى مشقته، فقال مؤكداً بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المالوف: {وأخذنا منهم} أي بعظمتنا في ذلك {ميثاقا غليظاً} استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا. ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك اخذاً على أممهم، وكان الكفر معذباً عليه من غير شرط، والطاعة مثاباً عليها بشرط الإخلاص علله، معبراً بما هو مقصود السورة فقال ملتفتاً إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب: {ليسأل} أي يوم القيامة {الصادقين} أي في الوفاء بالعهد {عن صدقهم} هل هو لله خالصاً أو لا، تشريفاً لهم وإهانة وتبكيتاً للكاذبين، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه، والحال أنه أعد للصادقين ثواباً عظيم {وأعد للكافرين} أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق {عذاباً أليماً} فالآية، من محاسن رياض الاحتباك، وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب {أية : ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} تفسير : [المجادلة: 14] {أية : فيحلفون له كما يحلفون لكم} تفسير : [المجادلة: 18] وذكر ما هو أنكى لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً، أو ضياعاً، فليأتني فأنا مولاه ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"حديث : كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم سأل هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم. قال: هل ترك وفاء لدينه؟ فإن قالوا: نعم. صلى عليه، وإن قالوا: لا. قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله علينا الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك ديناً فإليّ، ومن ترك مالاً فللوارث ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول: "حديث : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. فأيما رجل مات وترك ديناً فإليّ، ومن ترك مالاً فهو لورثته ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً، فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير وقال: حديث : يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ". تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأزواجه أمهاتهم} قال: يعظم بذلك حقهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأزواجه أمهاتهم} يقول: أمهاتهم في الحرمة، لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ان طلق، ولا بعد موته. هي حرام على كل مؤمن مثل حرمة أمه. وأخرج ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمي فقالت: أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت: أنا أم الرجال منكم والنساء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" فقال: يا غلام حكها فقال: هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق. وأخرج الفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ هذه الآية "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم". وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في الحرف الأول "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم". وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: في القراءة الأولى "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم". وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} قال: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، والاعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً. فأنزل الله هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} قال: توصون لحلفائكم الذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنه في قوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم} قال: القرابه من أهل الشرك {معروفاً} قال: وصية ولا ميراث لهم {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} قال: وفي بعض القراءات "كان ذلك عند الله مكتوباً" أن لا يرث المشرك المؤمن. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة والحسن رضي الله عنه في قوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} قالا: إلا أن يكون لك ذو قرابة على دينك فتوصي له بالشيء، وهو وليك في النسب، وليس وليك في الدين.
ابو السعود
تفسير : . {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي في كلِّ أمرٍ من أمورِ الدِّينِ والدُّنيا كما يشهدُ به الإطلاقُ فيجبُ عليهم أنْ يكونَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أحبَّ إليهم من أنفسِهم وحكمُه أنفذَ عليهم من حكمِها وحقُّه آثرَ لديهم من حقوقِها وشفقتُهم عليه أقدمَ من شفقتِهم عليها. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أراد غزوةَ تبوكَ فأمرَ الناس بالخُروجِ فقال أنسٌ نستأذنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فنزلتْ. وقُرىء وهو أبٌ لهم أي في الدِّينِ فإنَّ كلَّ نبـيَ أبٌ لأمَتهِ من حيثُ إنَّه أصلٌ فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوةً {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ} أي منزلات منزلَة الأمَّهاتِ في التَّحريمِ واستحقاقِ التَّعظيمِ، وأما فيما عَدا ذلك فهنَّ كالأجنبـياتِ، ولذلك قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: لسنا أُمَّهاتِ النِّساءِ {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} أي ذُوو القراباتِ {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} في التَّوارث وهو نسخٌ لما كان في صدرِ الإسلامِ من التَّوراث بالهجرةِ والمُوالاة في الدِّينِ {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} في اللَّوح أو فيما أنزلَه وهو هذه الآيةُ أو آيةُ المواريثِ أو فيما فرضَ الله تعالى {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ} بـيانٌ لأولي الأرحامِ أو صلةٌ لأُولي أو أولُو الأرحامِ بحقِّ القرابةِ أَولى بالميراثِ من المؤمنينَ بحقِّ الدِّينِ ومن المهاجرينَ بحقِّ الهجرةِ {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} استئناءٌ من أعمِّ ما تُقدَّرُ الأولويَّةُ فيهِ من النَّفعِ. والمرادُ بفعلِ المعروفِ التَّوصيةُ أو منقطع {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا} أي كان ما ذُكر من الآيتينِ ثابتاً في اللَّوحِ أو القُرآنِ. وقيل في التَّوراةِ. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} أي اذكُر وقتَ أخذنا من النبـيـينَ كافَّةَ عهودِهم بتبليغِ الرِّسالةِ والدُّعاءِ إلى الدِّينِ الحقِّ {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} وتخصيصُهم بالذِّكرِ مع اندراجِهم في النبـيِّـينَ اندراجاً بـيناً للإيذانِ بمزيدِ مزيَّتِهم وفضلِهم وكونِهم من مشاهيرِ أربابِ الشَّرائعِ وأساطينِ أولي العزمِ من الرُّسلِ. وتقديمُ نبـيِّنا عليهم الصَّلاة والسَّلام لإبانةِ خطرهِ الجليلِ {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} أي عهداً عظيمَ الشَّأنِ أو مُؤكَّداً باليمينِ، وهذا هو الميثاقُ الأولُ بعينِه وأخذُه هو أخذُه. والعطفُ مبنيٌّ على تنزيلِ التغايرِ العنوانيِّ منزلَة التغايرِ الذَّاتيِّ تفخيماً لشأنِه كما في قوله تعالى: { أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [سورة هود: الآية 58] إثرَ قولِه تعالى: { أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا }تفسير : [سورة هود: الآية 58].
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[6] قال: من لم ير نفسه في ملك الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ير ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال لم يذق حلاوة سنته بحال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بالمؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الآية: 6]. قال سهل: من لم ير نفسه فى ملك الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع الأحوال ولا يذوق حلاوة سنته بحال؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم هو الأولى بالخلق من أنفسهم وأموالهم ألا ترى الله يقول: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ}. الإشارة من هذا: تقديم سُنته على هواك، والوقوفُ عند إشارته دون ما يتعلقُ به مُناك، وإيثار من تتوسل سبباً ونسباً على أعِزَّتِكَ ومَن والاكَ. {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}: ليكن الأجانبُ منك على جانب، ولتكن صلتك بالأقارب، وصلةُ الرحِم ليست بمقاربة الديار وتعاقب المزار، ولكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتي المكروه والمحبوب: شعر : أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت أشباحُنا بشآمٍ أو خراسان
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} نفس المؤمن تطلب خطها والنبى عليه الصلاة والسّلام يطلب حظ الله من انفسهم وحظ الحق منهم اولى من حظ انفسهم فيهم قال سهل من لم ير نفسه فى ملك الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ير ولاية الرسول عليه الصلاة والسّلام عليه فى جميع الاحوال لا يذوق حلاوة سنته بحال لان النبى هو الاولى بالخلق من انفسهم واموالهم الا ترى الله يقول النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم والنبى صلى الله عليه وسلم حديث : يقول لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه وولده وماله والناس اجمعين .
اسماعيل حقي
تفسير : {النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم} يقال فلان اولى بكذا اى احرى واليق: وبالفارسية [سزاوارتر] ـ روى ـ انه عليه السلام اراد غزوة تبوك فامر الناس بالخروج فقال ناس نشاور آباءنا وامهاتنا فنزلت والمعنى النبى عليه السلام احرى واجدر بالمؤمنين من انفسهم فى كل امر من امور الدين والدنيا كما يشهد به الاطلاق على معنى انه لو دعاهم الى شئ ودعتهم نفوسهم الى شئ آخر كان النبى اولى بالاجابة الى ما يدعوهم اليه من اجابة ما تدعوهم اليه نفوسهم لان النبى لا يدعوهم الا الى ما فيه نجاتهم وفوزهم واما نفوسهم فربما تدعوهم الى ما فيه هلاكهم وبوارهم كما قال تعالى حكاية عن يوسف الصديق عليه السلام {أية : ان النفس لامارة بالسوء} تفسير : فيجب ان يكون عليه السلام احب اليهم من انفسهم وامره انفذ عليهم من امرها وآثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه اقدم من شفقتهم عليها وان يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه فى الخطوب والحروب ويتبعوه فى كل ما دعاهم اليه: يعنى [بايدكه فرمان اورا ازهمه فرمانها لازمتر شناسند] وفى الحديث "حديث : مثلى ومثلكم كمثل رجل اوقد نارا فجعل الفراش والجنادب" تفسير : جمع جندب بضم الجيم وفتح الدال وضمها نوع من الجراد. والفراش جمع فراشة بفتح الفاء وهى دويبة تطير وتقع فى النار: وبالفارسية [بروانه] (يقعن فيها وهو يذب عنها) اى يدفع عن النار من الوقوع فيها (وانا آخذ بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة وهى معقد الازار وحجزة السراويل موضع التكة (عن النار) اى ادفع عن نار جهنم (وانتم تفلتون) بتشديد اللام اى تخلصون (من يدى) وتطلبون الوقوع فى النار بترك ما امرته وارتكاب ما نهيته وفى الحديث "حديث : ما من مؤمن الا وانا اولى به فى الدنيا والآخرة" تفسير : اى فى الشفقة (من انفسهم ومن آبائهم) وفى الحديث "حديث : لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه وولده وماله والناس اجمعين " تفسير : قال سهل قدس سره من لم ير نفسه فى ملك الرسول ولم ير ولايته عليه فى جميع احواله لم يذق حلاوة سننه بحال شعر : درد وعالم وظاهر اوست دوست دوستئ ديكران بربوى اوست دوستئ اصل بايد كرد وبس فرع را بهر جه دارد دوست كس اصل دارى فرع كوهر كزمباش تن بمان وجان بكيراى خواجه تاش تفسير : قال فى الاسئلة المقحمة والآية تشير الى ان اتباع الكتاب والسنة اولى من متابعة الآراء والاقيسة حسبما ذهب اليه اهل السنة والجماعة {وازواجه} [وزنان او] {امهاتهم} اى منزلات منازلهن فى وجوب التعظيم والاحترام وتحريم النكاح كما قال تعالى {أية : ولا ان تنكحوا ازواجه من بعده ابدا} تفسير : واما فيما عدا ذلك من النظر اليهن والخلوة بهن والمسافرة معهن والميراث فهن كالاجنبيات فلا يحل رؤيتهن كما قال تعالى {واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} ولا الخلوة والمسافرة ولا يرثن المؤمنين ولا يرثونهن. وعن ابى حنيفة رحمه الله كان الناس لعائشة رضى الله عنها محرما فمع ايهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك انتهى وقد سبق وجهه فى سورة النور فى قصة الافك فبان ان معنى هذه الامومة تحريم نكاحهن فقط ولهذا قالت عائشة رضى الله عنها لسنا امهات النساء اى بل امهات الرجال وضعف ما قال بعض المفسرين من انهن امهات المؤمنين والمؤمنات جميعا ولما ثبت التحريم خصوصا لم يتعد الى عشيرتهن فلا يقال لبناتهن اخوات المؤمنين ولا لاخوانهن واخواتهن اخوال المؤمنين وخالاتهم ولهذا قال الشافعى تزوج الزبير اسماء بنت ابى بكر وهى اخت ام المؤمنين ولم يقل هى خالة المؤمنين ثم ان حرمة نكاحهن من احترام النبى عليه السلام واحترامه واجب كذا احترام ورثته الكمل ولذا قال بعض الكبار لا ينكح المريد امرأة شيخه ان طلقها او مات عنها وقس عليه حال كل معلم مع تلميذه وهذا لانه ليس فى هذا النكاح يمن اصلا لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وان كان رخصة فى الفتوى ولكن التقوى فوق امر الفتوى فاعرف هذا. ورد مصحف ابىّ وقرأة ابن مسعود رضى الله عنهما [جنين بوده "وهواب لهم وازواجه امهاتهم" مراد شفقت تمام ورحمت لا كلام است]. وقال بعضهم اى النبى عليه السلام اب لهم فى الدين لان كل نبى اب لامته من حيث انه اصل فيما به الحياة الابدية ولذلك صار المؤمنون اخوة. قال الامام الراغب الاب الوالد ويسمى كل من كان سببا الى ايجاد شئ او اصلاحه او ظهوره ابا ولذلك سمى النبى عليه السلام ابا للمؤمنين قال الله تعالى {النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم} وفى بعض القراآت وهو "اب لهم" ـ وروى ـ حديث : انه قال عليه السلام لعلى رضى الله عنه "انا وانت ابو هذه الامة" تفسير : والى هذا اشار بقوله (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة الا سببى ونسبى) {واولوا الارحام} اى وذووا القرابات {بعضهم اولى ببعض} فى التوارث كان المسلمون فى صدر الاسلام يتوارثون بالموالاة فى الدين والمؤاخاة وبالهجرة لا بالقرابة كما كانت تولف قلوب قوم باسهام لهم فى الصدقات ثم نسخ ذلك لما قوى الاسلام وعز اهله وجعل التوارث بالقرابة {فى كتاب الله} اى فى اللوح المحفوظ او فى القرآن المنزل وهو هذه الآية او آية المواريث او فيما فرض الله كقوله كتاب الله عليكم وهو متعلق باولوا وافعل يعمل فى الجار والمجرور {من المؤمنين} يعنى الانصار {والمهاجرين} [وازمها جران كه حضرت بيغمبر ايشانرا بايكديكر برادرى داد] وهو بيان لاولى الارحام اى الاقرباء من هؤلاء بعضهم اولى ببعض بان يرث بعضهم بعضا من الاجانب اوصلة اولى اى اولوا الارحام بحق القرابة اولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية فى الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة. وفى التأويلات النجمية {النبى اولى بالمؤمنين من انفسهم} اى احق بهم فى توليدهم من صلبه فالنبى بمنزلة ابيهم {وازواجه امهاتهم} يشير الى ان امهاتهم قلوبهم وهن ازواجه يتصرف فى قلوبهم تصرف الذكور فى الاناث بشرط كمال التسليم ليأخذوا من صلب النبوة نطفة الولاية فى ارحام القلوب واذا حملوا النطفة صانوها من الآفات لئلا تسقط بادنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فانها تسقط الجنين فيرتدوا على اعقابهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ثم قال {واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض} يعنى بعد اولوية النبى عليه السلام اولوا الارحام فى الدين بعضهم اولى ببعض للتربية او بعد النبى عليه السلام اكابرهم من المؤمنين الكاملين اولى باصرغرهم من الطالبين {فى كتاب الله} اى فى سنة الله وتقديره للتوالد فى النشأة الثانية نيابة عن النبى عليه السلام {من المؤمنين} بالنشأة الاخرى {والمهاجرين} عما سوى الله انتهى {الا ان تفعلوا الى اوليائكم معروفا} استثناء من اعم ما تقدر الاولوية فيه من النفع كقولك القريب اولى من الاجنبى الا فى الوصية تريد احق منه فى كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك الا فى الوصية فالمراد بالاولياء من يوالونهم ويواخونهم وبفعل المعروف التوصية بثلث المال او اقل منه لا بما زاد عليه اى انهم احقاء فى كل نفع منهم الا فى الوصية لانه لا وصية لوارث ويجوز ان يكون الاستثناء منقطعا اى الاقارب احق بالميراث من الاجانب لكن فعل التوصية اولى للاجانب من الاقارب لانه لا وصية لوارث {كان ذلك} اى ما ذكر فى الآيتين من اولوية النبى عليه السلام وتوارث ذوى الارحام {فى الكتاب} متعلق بقوله {مسطورا} يقال سطر فلان كذا اى كتب سطرا سطرا وهو الصف من الكتابة اى مثبتا محفوظا فى اللوح او مكتوبا فى القرآن. اعلم انه لا توارث بين المسلم والكافر ولكن صحت الوصية بشئ من مال المسلم للذمى لانه كالمسلم فى المعاملات وصحت بعكسه اى من الذمى للمسلم ولذا ذهب بعضهم الى ان المراد بالاولياء هم الاقارب من غير المسلمين اى الا ان توصوا لذوى قرابتكم بشئ وان كانوا من غير اهل الايمان وذلك فان القريب الغير المسلم يكون كالاجنبى فتصح الوصية له مثله وندبت الوصية عند الجمهور فى وجوه الخير لتدارك التقاصير. وفى الزاهدى انها مباحة كالوصية للاغنياء من الاجانب ومكروهة كالوصية لاهل المعصية ومستحبة كالوصية بالكفارات وفدية الصيامات والصوات. وفى الآية اشارة الى ان النفس اذا تزكت عن الاخلاق الذميمة وتبدلت عداوتها وصارت من الاولياء بعد ان كانت من الاعداء فيواسيها ويعمل معها معروفا برفق من الارفاق كان ذلك المعروف فى حق النفس مسطورا فى ام الكتاب واما قبل التزكى فلا يرفق بها لانها عدوة الله ولا بد للعدو من الغلظة وترك المواساة ولهذا لم تصح الوصية للحربى لانه ليس من اهل البر فالوصية لمثله كتربية الحية الضارة لتلدغة: وفى المثنوى شعر : دست ظالم را ببر جه جاى آن كه بدست او نهى حكم وعنان توبدان بزمانى اى مجهول داد كه نزاد كرك را او شيرداد نقش بى عهدست كان رو كشتنيست او دنى وقبله كاه اود نيست تفسير : ومن الامثال كمجير ام عامر وكان من حديثه ان قوما خرجوا الى الصيد فى يوم حار فبينما هم كذلك اذ عرضت لهم ام عامر وهى الضبع فطردوها حتى الجأوها الى خباء اعرابى فاقتحمت فخرج اليهم الاعرابى فقال ما شأنكم قالوا صيدنا وطريدتنا قال كلا والذى نفسى بيده لا تصلون اليها ما ثبت قائم سيفى بيدى فرجعوا وتركوه فقام الى لقحة فحلبها وقرّب منها ذلك وقرب اليها ماء فاقبلت مرة تلغ من هذا ومرة من هذا حتى عاشت واستراحت فبينما الاعرابى قائم فى جوف بيته اذ وثبت عليه فبقرت بطنه وشربت دمه وتركته فجاء ابن عم له واذا به على تلك الصورة فالتفت الى موضع الضبع فلم يرها فقام اثرها فقال صاحبتى والله واخذ سيفه وكنانته واتبعها فلم يزل حتى ادركها فقتلها وانشأ يقول شعر : ومن يصنع المعروف مع غير اهله يلاق كما لا فى مجير ام عامر ادام لها حين استجات بقربة قراها بالبان اللقاح الغزائر فقل لذوى المعروف هذا جزاء من غدا يصنع المعروف مع غير شاكر تفسير : كذا فى حياة الحيوان نسأل الله العناية والتوفيق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {النبيُّ أولى بالمؤمنين} أي: أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم {من أنفسهم}، فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، فيجب عليهم أن يبذلوها دونه. ويجعلوها فداء منه. وقال ابن عباس وعطاء: يعني: "إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعةُ النبي صلى الله عليه وسلم أولى). أو: هو أولى بهم، أي: أرأف، وأعطف عليهم، وأنفع لهم، كقوله: {أية : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128] وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما من مؤمن إلا وأنَا أوْلَى الناس به في الدنيا والاخرة، اقرؤوا إن شئتم: {النبيُّ أوْلَى بالمؤمنين من أنْفُسِهِمْ} فأيُّمَا مُؤْمِن هَلَكَ، وتركَ مالاً؛ فلورَثَته ما كانوا، ومَن تَرَكَ دَيْناً أو ضَيَاعاً فليَأتني، فإني أنا مَوْلاه ". تفسير : وفي قراءة ابن مسعود "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم". وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته، ولذلك صار المؤمنون إخوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين، وأزواجه أمهاتهم، في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن، وهن فيما وراء ذلك - كالإرث وغيره - كالأجنبيات، ولهذا لم يتعدَّ التحريم إلى بناتهن. {وأولوا الأرحام} أي: ذوو القرابات {بعضهم أوْلى ببعض} في المواريث. وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرةِ، لا بالقرابة، ثم نسخ، وجعل التوارث بالقرابة. ذلك {في كتاب الله} أي: في حُكْم الله وقضائه، أو: في اللوح المحفوظ، أو: فيما فرض الله، فهم أولى بالميراث، {من المؤمنين} بحق الولاية في الدين، {و} من {المهاجرين} بحق الهجرة. وهذا هو الناسخ. قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، ولا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئاً. فنزلت. وقال الكلبي: آخى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الآخر، دون عصبته، حتى نزلت: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}؛ في حكمه، {من المؤمنين والمهاجرين}، ويجوز أن يكون {من المؤمنين}: بياناً لأولي الأرحام، أي: وأولو الأرحام، من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} أي: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفاً، وهو أن تُوصوا لمَن أحببتم من هؤلاء بشيء، فيكون له ذلك بالوصية، لا بالميراث؛ فالاستثناء منقطع. وعَدّى "تفعلوا" بإلى، لأنه في معنى تُسْنِدُوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون، والمهاجرون: المتقدمون الذين نسخ ميراثهم. {كان ذلك} أي: التوارث بالأرحام {في الكتاب مسطوراً} أي: اللوح المحفوظ، أو: القرآن. وقيل: في التوراة. الإشارة: متابعته عليه الصلاة والسلام، والاقتباس من أنواره، والاهتداء بهديه، وإيثار محبته، وأمره على غيره؛ لا ينقطع عن المريد أبداً، بدايةً ونهايةً؛ إذ هو الواسطة العظمى، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم وأسرارهم. فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه صلى الله عليه وسلم، وعلى يده، وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك في تربية المريدين، فهو جزء من الذي جاء به. وهم في ذلك بحسب النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم خلفاء عنه. وكل كرامة تظهر فهي معجزة له صلى الله عليه وسلم، وكل كشف ومشاهدة فمن نوره صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه: اعلم أن كل وَليّ لله تعالى إنما يأخذ ما يأخذ بِوَاسِطَةِ رُوحَانِيَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم مَن يعرف ذلك، ومنهم مَن لا يعرفه، ويقول: قال لي الله، وليس إلا تلك الروحانية. هـ. وهو موافق لما أشار إليه الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه، حيث قال: الوليّ إنما يكاشف بالمثال، كما يرى مثلاً البدر في الماء بواسطته، وكذلك الحقائق الغيبية، والأمور الإشهادية مجلوة وظاهرة في بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وله عياناً لا مثالاً. والوليّ لقربه منه ومناسبته له؛ لهديه بهديه، ومتابعته له يُكاشف بمثال ذلك فيه، فظهر الفرق وثبتت مزية النبي صلى الله عليه وسلم، وانتفى اللبس بين النبوة والولاية. قاله شيخ شيوخنا سيدي "عبد الرحمن العارف". قال القشيري: {النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم} الإشارة: تقديم سُنّته على هواك، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلقُ به مُناك، وإيثار مَن تتوسل به نسباً وسبباً على أعِزَّتكَ ومَن والاك، {وأولوا الأرحام..} الآية: ليكنْ الأجانبُ منك على جانب، ولتكن صلتك للأقارب وصلةُ الرحم ليس لمقاربة الدار وتعاقب المزار، وليكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتي المكروه والمحبوب. شعر : أرْوَاحُنا في مكانٍ واحد، وإن كانت أشْبَاحُناَ بِشَامٍ أوْ خُرَاسَانِ. هـ تفسير : ولما كان كل نبي أباً لأمته أخذ عليهم العهد في إرشادهم ونصحهم كما ينصح الأب إبنه، فقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...}.
الطوسي
تفسير : قرأ بن كثير والكسائي وحفص عن عاصم {الظنونا} بألف في الوقف دون الوصل. وقرأ نافع وابو جعفر وابو بكر عن عاصم وابن عامر - بالالف - فيهما وقرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة - بغير الف - فيهما وفي المصحف بألف. من أثبت الالف أثبته لأجل الفواصل التي يطلب بها تشاكل المقاطع، ولأن الألف ثابتة في المصاحف، فاتبعوا المصحف، ومن حذف قال: لأن هذا الألف يكون بدلا من التنوين في حال الوقف، فاذا دخلت الألف واللام اسقطت التنوين، فسقط ايضاً ما هو بدل منه، ولأن مثل ذلك إنما يجوز في القوافي وذلك لا يليق بالقرآن، قال الشاعر: شعر : اقلي اللوم عاذل والعتابا [وقولي ان اصبت لقد اصابا] تفسير : اخبر الله تعالى ان "النبي" صلى الله عليه وآله {أولى بالمؤمنين من أنفسهم} بمعنى احق بتدبيرهم، وبأن يختاروا ما دعاهم اليه. واحق بأن يحكم فيهم بما لا يحكم به الواحد في نفسه لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله، وهو اولى في ذلك واحق من نفس الانسان، لانها ربما دعته إلى اتباع الهوى، ولأن النبي صلى الله عليه وآله لا يدعو إلا إلى طاعة الله، وطاعة الله اولى ان تختار على طاعة غيره. وواحد الأنفس نفس، وهي خاصة الحيوان الحساسة المدركة التي هي انفس ما فيه. ويحتمل ان يكون اشتقاقه من التنفس، وهو التروح، لان من شأنها التنفس به، ويحتمل ان يكون مأخوذاً من النفاسة، لأنها اجل ما فيه واكرمه. ثم قال {وأزواجه أمهاتكم} والمعنى أنهن كالامهات في الحرمة، وتحريم العقد عليهن. ثم قال {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} أولوا الارحام هم أولوا الأنساب. لما ذكر الله أن ازواج النبي أمهاتهم في الحكم من جهة عظم الحرمة، قال {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} أي إلا ما بين الله في كتابه مما لا يجوز لازواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدعين أمهات المؤمنين. وقال قتادة: كان الناس يتوارثون بالهجرة فلا يرث الاعرابي المسلم المهاجر حتى نزلت الآية. وقيل: إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. ثم نسخ ذلك، فبين الله تعالى أن "أولى الأرحام بعضهم أولي ببعض" أي من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الأبعد، وظاهر ذلك يمنع أن يرث مع البنت والام احد من الأخوة والاخوات، لأن البنت والأم اقرب من الأخوة والاخوات، وكذلك يمنع أن يرث مع الاخت أحد من العمومة والعمات وأولادهم، لأنها اقرب، والخبر المروي في هذا الباب أن (ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر) خبر واحد مطعون على سنده، لا يترك لأجله ظاهر القرآن الذي بين فيه ان أولي الارحام الأقرب منهم اولى من الابعد {في كتاب الله من المؤمنين} الموآخين والمهاجرين. وقوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} استثناء منقطع، ومعناه لكن إن فعلتم إلى أوليائكم معروفاً من المؤمنين وحلفائكم ما يعرف حسنه وصوابه فهو حسن، ولا يكون على وجه نهى الله تعالى عنه، ولا أذن فيه. وقال مجاهد معروفاً من الوصية لهم بشيء، والعقل عنهم والنصرة لهم، ولا يجوز أن يكونوا القرابة المشركين على ما قال بعضهم، لقوله {أية : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار. وعندنا ان ذلك جائز للوالدين والولد. وقوله {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} يعني أن ما ذكره الله كان مكتوباً في الكتاب المحفوظ اثبته الله وأطلع عليه ملائكته لما لهم في ذلك من اللطف فلا يجوز خلاف ذلك، وقيل: مسطوراً في القرآن. و (من) يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون دخلت لـ {أولى} أي بعضكم اولى ببعض من المؤمنين. والثاني - أن يكون التقدير، وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث. وقوله {وإذ أخذنا من النبيين} تقديره واذكر يا محمد حين اخذ الله من النبيين ميثاقهم، قال ابن عباس: الميثاق العهد والميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا. وقوله {ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} يعني ما عهد الله تعالى إلى الانبياء المذكورين وأمرهم به من اخلاص العبادة له، وخلع الانداد من دونه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه، ونهاهم عن معاصيه، والاخلال بواجباته. وقال البلخي: معناه ما أمرهم الله به من أداء الرسالة والقيام بها. وقوله {ليسأل الصادقين عن صدقهم} قال مجاهد: معناه فعل ذلك ليسأل الأنبياء المرسلين ما الذي أجاب به اممكم، ويجوز ان يحمل على عمومه في كل صادق، ويكون فيه تهديد للكاذب، فان الصادق إذا سئل عن صدقه على اي وجه قال فيجازي بحسبه، فكيف يكون صورة الكاذب. ثم قال {وأعد للكافرين عذاباً أليماً} أي اعد لهم عذاباً مؤلماً، وهو عذاب النار - نعوذ بالله منها. ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} أي في حال ما جاءتكم جنود يعني يوم الاحزاب، وهو يوم الخندق حيث اجتمعت العرب على قتال النبي صلى الله عليه وآله قريش وغطفان وبنو قريظة وتضافروا على ذلك {فأرسلنا عليهم} اي فارسل الله تعالى عليهم نصرة لنبيه ونعمة على المؤمنين {ريحاً} استقبلتهم ورمت في اعينهم الحصباء واكفئت قدورهم واطفئت نيرانهم، وقلعت بيوتهم واطنابهم وارسل الله عليهم {جنوداً} من الملائكة نصرة للمؤمنين، روى ذلك يزيد بن رومان {لم تروها} اي لم تروا الملائكة أنتم بأعينكم، لانها اجسام شفافة لا يصح إدراكها {وكان الله بما تعملون بصيراً} من قرء بالياء اراد ان الله عالم بما يعمله الكفار. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين. ثم قال واذكر {إذ جاؤكم} يعني جنود المشركين {من فوقكم} وهم عيينة بن حصين بن بدر في اهل نجد {ومن أسفل منكم} وهم ابو سفيان في قريش وواجهتهم قريظة، وهو قول مجاهد: {وإذ زاغت الأبصار} أي اذكر إذ عدلت الابصار عن مقرها. قال قتادة معناه: شخصت من الخوف {وبلغت القلوب الحناجر} أي نأت عن أماكنها من الخوف. وقيل: قال المسلمون: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله. قال: نعم قولوا "حديث : اللهم استر عورتنا وأمن روعتنا" تفسير : فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصبا، فهزمهم الله بها، والحناجر جمع حنجرة، وهي الحلق، قيل: لأن الرئة عند الخوف تصعد حتى تلحق بالحلق {وتظنون بالله الظنونا} قال الحسن: كانت الظنون مختلفة، فظن المنافقون انه يستأصل، وظن المؤمنون انه سينصر. وقيل: كانت الريح شديدة البرد تمنع المشركين من الحرب وكانت الملائكة تفقد بعضهم عن بعض.
الجنابذي
تفسير : {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} مستأنف جوابٌ لسؤالٍ ناشٍ من نفى بنوّة زيد لمحمّد (ص) وانّ نسبة البنوّة لمحمّدٍ (ص) قولٌ بافواههم من غير حقيقةٍ له كأنّه قيل: اذا لم يكن لنسبة بنوّة زيدٍ الى محمّدٍ (ص) حقيقة فما النّسبة بينه وبين امّته حتّى يقال: انّه ابو امّته؟- فقال تعالى جواباً لهذا السّؤال: انّ المنفىّ هو الابوّة الجسمانيّة والاحكام الشّرعيّة القالبيّة من حرمة نكاح حليلة الابن انّما هى للابوّة والبنوّة الجسمانيّتين وامّا الابوّة الرّوحانيّة الّتى تحصل بحصول صورة من الاب فى وجود الابن بواسطة البيعة العامّة او الخاصّة وبتلك الصّورة يحصل نسبة الابوّة والبنوّة فانّما هى ثابتة له (ص) بالنّسبة الى كلّ الامّة، ولمّا كانت تلك الكيفيّة الحاصلة بالبيعة صورةً نازلةً منه (ص) وهى تصير الفعليّة الاخيرة للابن وشيئيّة الشّيء تكون بالفعليّة الاخيرة وتلك الفعليّة تكون اولى باسم ذلك الشّيء من سائر فعليّاته السّابقة لاستهلاكها تحت تلك الفعليّة وتكون تلك الفعليّة صورة نازلة من محمّد (ص) كان محمّدٌ (ص) اولى بمن باع معه احدى البيعتين من سائر فعليّاته التّى تنسب اليه وتكون نفسه عبارة عنها فالنّبىّ يكون اولى بالمؤمنين من انفسهم فى جميع ما ينسب اليهم من الاعمال والاقوال والاحوال والاخلاق والاحكام والآلام، ولا تظنّن انّه (ص) حينئذٍ يكون اولى بهم فى معاصيهم لانّ المعاصى ناشئة عن الحدود والنّقائص، والحدود والنّقائص انّما هى ناشئة من الفعليّات السّابقة وراجعة الى الاعدام لا الى الفعليّات فأنفسهم تكون اولى بها من الفعليّة الاخيرة وقد سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [البقرة:83] تحقيق وتفصيل تامّ للولادة الرّوحانيّة، ومن هذا يعلم انّ خلفاء محمّدٍ (ص) الّذين كانوا مأمورين بأخذ البيعة العامّة او الخاصّة عن الخلق كانوا اولى بمن بايعوا معهم من انفسهم مثل محمّدٍ (ص) وكانوا آباء لمن آمنوا بهم من غير فرقٍ ولذلك ورد: انّ الائمّة كانوا بعد محمّدٍ (ص) اولى بالمؤمنين مثل محمّدٍ (ص) من انفسهم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} قرأ الصّادق (ع) ههنا: وهو ابٌ لهم. بيان فى الابوّة الرّوحانيّة والقالبيّة اعلم، انّه (ص) لمّا صار بحسب مقام بشريّته محكوماً بحكم روحه بحيث لم يكن له بحسب مقام قالبه الاّ آثار روحه وكان نسبته الى امّته نسبة الابوّة كان جارياً على قالبه حكم الابوّة الرّوحانيّة فكان ازواجه بالنّسبة الى امّته مثل ازواج الآباء بالنّسبة الى الاولاد ولذلك كنّ محرّماتٍ على امّته وان كانت امّته بالنّسبة اليه بحسب مقام بشريّتهم غير محكومين بحكم الفعليّة الاخيرة الّتى كانوا بحسبها ابناءً له فلا يجرى على قوالبهم حكم ارواحهم ولم يكن ازواجهم بالنّسبة اليه مثل ازواج الابناء بالنّسبة الى الآباء، مع انّه (ص) بحسب قالبه حكمه بالنّسبة اليهم حكم الآباء بالنسبة الى الاولاد ولذلك قال تعالى شأنه: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 40] يعنى انّه ابٌ لجهاتهم الرّوحانيّة ورجالكم الّذين هم محكومون بحكم القوالب غير منسوبين اليه بالبنوّة فليس هو اباً لرجالكم القالبيّة وان كان اباً لامّته من حيث انّهم رجال روحانيّون آلهيّون ولذلك قال تعالى: النّبىّ اولى بالمؤمنين يعنى من حيث ايمانهم وازواجه امّهاتهم يعنى امّهات المؤمنين من حيث ايمانهم، لا يقال: ان كان الرّسول (ص) بحسب قالبه محكوماً بحكم زوجه فينبغى ان لا يجوز له نكاح نساء امّته ولا نكاح ازواج امّته لانّا نقول: هو (ص) محكومٌ بحسب قالبه بحكم روحه لكنّ امّته ليسوا محكومين بحكم ارواحهم فلم تكن امّته اولاداً له بحسب قوالبهم وشرف امومة المؤمنين وشرف مضاجعة الرّسول (ص) مانع من ان لا تكون ازواجه امّهاتٍ للامّة ومحرّماتٍ عليهم بحسب قوالبهم، ولكن ليس هذا الحكم اى جريان حكم النّسبة الرّوحانيّة على القوالب الجسمانيّة جارياً بين المؤمنين والمهاجرين يكون بعض منهم اولى ببعضٍ من قراباتهم الجسمانيّة فى الوصاية اوفى الامارة او فى الارث او غير ذلك بل {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} الجسمانيّة {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} فى ذلك من الاقرباء الرّوحانيّة {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} اى القرآن او مطلق كتبه المنزلة من السّماء او فى كتابه العلوىّ من اللّوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات او فى مفروض الله او فى احكام الرّسالة، وقد مضت الآية فى آخر سورة الانفال وقد ذكر ههنا موافقاً لما ورد فى الاخبار انّها نزلت لنسخ التّوارث بالهجرة والنّصرة لكن لا اختصاص لها بالتّوارث ولا بالامامة ولا بسائر الحقوق بل تجرى فى كلّ حقٍّ واحسانٍ وانفاقٍ، وما ورد ههنا انّها نزلت فى الامرة وانّها جرت فى ولد الحسين (ع) من بعده بيان لاهمّ مواردها {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} ذكر المهاجرين بعد المؤمنين من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ للاهتمام بالخاصّ ولفظة من بيان لاولى الارحام او هى التّفضيليّة {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} استثناء متّصل مفرّغ يعنى انّ اولى الارحام بعضهم اولى ببعضٍ فى كلّ الامور الاّ فى فعلتكم الى اوليائكم فى الدّين معروفاً فانّهم حينئذٍ يصيرون اولى بتلك الفعلة من اولى الارحام او فى كلّ حالٍ الاّ فى حال ان تفعلوا، او استثناء منقطع يعنى لكن فعلتكم الى اوليائكم معروفاً تكون حسناً والمراد بالفعلة المعروفة الوصيّة وجعل الاولياء اوصياء، او الوصيّة بشيءٍ للاولياء {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} اى فى الكتاب العلوىّ من اللّوحين او فى الكتاب التّدوينىّ الآلهىّ النّازل اليكم من القرآن والكتب السّالفة.
فرات الكوفي
تفسير : {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين6} فرات قال: حدثني علي بن حمدون معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين [والأنصار}، قال. أ، ب]: فأما أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم [فلم. أ، ب] يتزوجوا وأمّا أرحامه فنحن هم وأخذوا ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. [وتقدم في ذيل الآية 75 الأنفال عن زيد بن علي ما يرتبط بالآية].
اطفيش
تفسير : {النَّبي أولى} احق {بالمؤمنين} من الصحابة ومن بعدهم ومن قبلهم من الامم من الاناث والذكور {من أنفسهم} يطعمونه او يسقونه ويموتون جوعا او عطشا، ويعدونه بهلاك نفوسهم، وينصرونه بما يلحقهم به ضر، وقبل نصر انفسهم لانه يدعوهم الى ما هو حق من الله عز وجل، وصلاح لهم دنيا واخرى، وأجسادهم فيها نفوس تأمرهم بالسوء، وما يهلكهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والاخرة اقرءوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا أو إن ترك دينا أو ضياعا أي عيالاً فليأتي فأنا مولاه" تفسير : وخص العصبة بالذكر لانه لو ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لورثه بالتعصب. روى انه صلى الله عليه وسلم امر بالخروج الى تبوك فقال اناس: نستأذن آباءنا وامهاتنا، فنزلت الآية، وقد دخل آباءهم وأمهاتهم فى المؤمنين وفى انفسهم، ولا دليل ولا تبادر على ان المراد بالانفس النبى كما قيل انه المراد، وان المعنى انه احق بهم اكثر مما هو احق بنفسه {وأزواجُه أمهاتهم} كأمهاتهم فى تحريم النكاح، وفى استحقاق التعظيم لا فى الخلوة بهن، والنظر اليهن، وأرثهن ونحو ذلك، فهن كالاجنبيات، فلا يقال لأخواتهن خالات المؤمنين، ولا لأخوالهن اخوال المؤمنين الاصح. وزعم بعض انه يجوز النظر اليهن بلا شهوة، ولا يصح ما يروى عن جابر بن زيد انه خلا بعائشة رضى الله عنها، او لم يخل بها، وانه سألها حاشاها وحاشاه، عن كل ما بدا له، حتى سألها عن كيفية جماع النبى صلى الله عليه وسلم، كيف يجسر على ذلك، وكيف ترضى له هذا السؤال ولم تنهره عنه، وكيف تجيبه مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن ان يصف الرجل او المرأة ما فعل احدهما مع الاخر فى الجماع، وان قيل: سألها عن جماعه هكذا لا بقيد انه معها فجسارة ايضا حاشاه عنها: مع ان ما تخبر به اما عنها فهو ما تقدم، واما مع غيرها فانها لا تراه مع غيرها ولا يخبرانها، وان قيل عن الجماع ما اوصى به فلم يثبت انه اوصى بكيفية. وان اوصى فذلك منه رضى الله عنه جسارة حاشاه عنها، وقد روى مثل ذلك واعظم عن غير جابر ابن زيد فى كتب قومنا، وليس منه ان الصحابة اختلفوا، هل يجب الغسل بالوطء بلا انزال فسألوها؟ فقالت: فعل ذلك بى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمنا واغتسلنا معا بلا انزال، لان هذا امر سهل، لانه تبليغ شرع ولا بيان كيفية، فهو واجب. وعل كل حال لم تجبه ببيان ما يفعل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله ما اجابته ان شاء الله تعالى، ولو قال لها ما السنة؟ واخبرته بدون ان تقول فعلته معه لجاز مع كراهة لان بيان ذلك قد يحصل من امراة سألها فتجيبها، بان السنة كذا، فتخبر الامرأة جابرا مثلا. وروى ان امراة قالت لها: يا اماه، فقالت: انا ام الرجال لا النساء، رواه الطبرانى، وغيره قلت: لعل مرادها انا ام الرجال فى تحريم تزوجها، والمرأة لا تتزوج اخرى فهى امهن ايضا فى التعظيم، ويدل له ما روى عن ام سلمة رضى الله عنها قالت: انا ام الرجال منكم والنساء، وحكم الاية جار على من طلقها، وقيل لا كالتى ارادها، فقالت: اعوذ بالله منك، ولم تقصد سوءاً، ولكن غرها احد بان تقول ذلك فطلقها، وكالتى رأى فى كشحها برصا وطلقها، وقيل لا تجرى الآية الا على المدخول بها، تزوج الاشعث تلك المستعيذة، فهم عمر برجمهما فقالا: انه لم يدخل صلى الله عليه وسلم بها، وقالت ايضا: ما سميت اما اذ لم يدخل فتركها. واختلف فيمن اختارت نفسها قلت: الظاهر انه لا احترام لها لتركها اياه، ولو على القول بتحريم تزوجها، وزعم الشيعة انه صلى الله عليه وسلم امر عليا ان يطلق من شاء منهن بعد موته، وانه طلق عائشة يوم الجمل، وذلك كذب عليه صلى الله عليه وسلم، وعن على: ويجوز نكاح ازواج الانبياء قبله، وعن مجاهد كل نبى اب لامته لانه سبب الحياة الابدية، كما قال لوط فى نساء امته: "أية : هؤلاء بناتي" تفسير : [هود: 78، الحجر: 71] فى احد اوجه القراءة: وفى مصحف ابى: {وأزواجه امهاتهم} وهو اب لهم، وعن عكرمة فى النسخة الاولى: (وازواجه امهاتهم وهو ابوهم) ويلزم من الابوة اخوة المؤمنين والمؤمنات. {وأولوا الأرحام} أصحاب الارحام {بعضُهُم أولى ببعْضٍ} فى النفع مطلقا، وفى الارث على الترتيب، فالعصبة تقدم وهم من ذوى الارحام، اى القرابة وبعدهم ذوو الارحام الذين ليسوا عصبة، كالخالة وبنت البنت {في كتاب الله} بأولى، او حال من الضمير فى اولى، وكتاب الله اللوح المحفوظ، او قضاءه سبحانه، ومن لم يورث نحو الخال اذا لم يكن فارض او عاصب، قال: كتاب الله القرآن، والمراد آيات الارث فى سورة النساء {من المُؤمنين والمهاجرين} بيان لأولى الارحام، وفيه مجئ الحال من المبتدأ، ومن تفضيلية متعلقة بأولى، وهذا أولى، وكان التوارث بالهجرة والموالاة فى المدينة، ونسخ بآخر الانفال او بهذه الآية. {إلا أنْ تفَعَلُوا إلى أوليائكم} عدى بالى لتضمن معنى الايصال {معْروفاً} الا فعلكم الى اوليائكم معروفا، والاستثناء منقطع، والاولياء القرابة الذين لا يرثون: والمعروف ما يعطون فى الحياة، وما يوصى اليهم لما بعد الموت، وما قبل الا فى الارث والذين يرثون، فيجوز الايصاء لمشرك قريب او اجنبى، ولمن لم يهاجر، ولمن تبناه، فلهم ذلك بالايصاء لا بالارث، وقيل الاولياء من يلونه بقرابة او صحبة ممن ليس بوارث، لجواز الوصية للمشرك، او الاعطاء له فى الحياة، وذلك لا ينافى النهى عن اتخاذ الكفار اولياء، وشمل ذلك من ليس بوارث من المؤمنين، والمهاجرين والانصار. وعن مجاهد: المراد من والى بينهم النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والانصار، وقيل: المراد اليهود والنصارى، وقيل: القرابة من المشركين، واجازت الامامية الوصية للمشرك ان كان أبا او اما او ولدا، ويجوز ان يكون الاستثناء متصلا، والمستثنى منه محذوف، لجواز حذفه ولو فى غير التفريغ نحو: "أية : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله"تفسير : [البقرة: 143] الا ان اعتبر فى الكبر معنى الامتناع، فيكون التفريغ والتقدير اولو الارحام اولى بالارث، وكل نفع فى الحياة الا فعل الخير بالوصية، فيختص بغير الوارث. {كان ذلك} ما ذكر من دعائهم الى آبائهم، وأولوية النبى صلى الله عليه وسلم من انفسهم او ما يستحق من اول السورة الى هنا {في الكتاب} اللوح المحفوظ، او القضاء او التوراة {مسطورا} مثبتا بالاسطار، او مكتوبا فى الاسطار، اى فى مواضع معتبرة بالامتداد والتعدد، والتتابع يكتب فيها ويناسبها قراءة بعض، كان ذلك عند الله مكتوبا ان لا يرث المشرك المؤمن.
الالوسي
تفسير : {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } أي أحق وأقرب إليهم {مّنْ أَنفُسِهِمْ } أو أشد ولاية ونصرة لهم منها فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فإنها إما أمارة بالسوء وحالها ظاهر أو لا فقد تجهل بعض المصالح وتخفى عليها بعض المنافع وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور ويعلم من كونه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم كونه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كل من الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن أبـي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم النبـي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه» تفسير : ولا يلزم عليه كون الأنفس هنا مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [النساء: 29] لأن إفادة الآية المدعى على الظاهر ظاهرة أيضاً، وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه عليه الصلاة والسلام عليهم أنفذ من حكمها وحقه آثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها. وسبب نزول الآية على ما قيل ما روي من أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت، ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى حمل {أنفسهم} عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفاً. {وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات، وفرع على هذ القسطلاني في «المواهب» أنه لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين في الأصح، والطبرسي وهو شيعي أنه لا يقال لإخوانهن أخوال المؤمنين، ولا يخفى أنه يسر حسوا بارتغاء، وفي «المواهب» أن في جواز النظر إليهن وجهين أشهرهما المنع، ولكون وجه الشبه مجموع ما ذكر قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لامرأة قالت لها يا أمه: أنا أم رجالكم لا أم نسائكم أخرجه ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عنها، ولا ينافي هذا استحقاق التعظيم منهن أيضاً. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق التعظيم. والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبـي حاتم عن مقاتل فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في «الروضة»، وقيل: لا يثبت الحكم لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضاً، وصحح إمام الحرمين والرافعي في «الصغير» تحريم المدخول بها فقط لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولاً بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له: ولم هذا؟ وما ضرب عليَّ حجاب ولا سميت للمسلمين أماً فكف عنها، وذكر في «المواهب» أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج طريقين. أحدهما: طرد الخلاف والثاني: القطع بالحل، واختار هذا الإمام / والغزالي، وحكي القول بأن المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: لأن النبـي صلى الله عليه وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقى من يشاء من أزواجه ويطلق من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه عليه الصلاة والسلام وقد طلق رضي الله تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألفه سليمان بن عبد الله البحراني عليه من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمعٍ من الصحابة - حاشى رضي الله تعالى عنهم - فرأيت ما نصه: روى أبو منصور أحمد بن أبـي طالب الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» عن سعد بن عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا وابن مولانا روي لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولاً إلى عائشة وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك فأخبرنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبـي صلى الله عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال: وروى الطبرسي أيضاً في «الاحتجاج» عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه: والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريح في وقوع الطلاق اهـ ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعدله. وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولاً مرضياً عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده. وأخرج الفريابـي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أب لهم وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } وأخرج ابن أبـي حاتم عن عكرمة أنه قال: كان في الحرف الأول {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أبوهم} وفي مصحف أبـي رضي الله تعالى عنه كما روى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ وهو أب لهم} وإطلاق الأب عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضاً بل هو عليه الصلاة والسلام أحق بالأبوة منه وعن مجاهد كل نبـي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط {أية : هؤلاء بناتي}تفسير : [هود: 78] أنه أراد المؤمنات ووجه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ما قيل أخوة المؤمنين. ويعلم مما روي عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته عليه الصلاة والسلام وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في «المواهب» من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحد من أممهم. {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ } أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات / لا ما يقابلهم {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } في النفع بميراث وغيره من النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه وقضاه {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ } صلة لأولى فمدخول {مِنْ } هو المفضل عليه وهي ابتدائية مثلها في قولك: زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون بياناً لأولو الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، والأول هو الظاهر؛ وكان في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين فنسخ ذلك بآية آخر الأنفال أو بهذه الآية، وقيل: بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلا فهو لا يكون ناسخاً كما لا يخفى، ورفع {بعضهم } يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء و {فِى كِتَـٰبِ } متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالاً والعامل فيه معنى {أُوْلِى } ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون حالاً من {أُوْلُو } للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذاً. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع كأنه قيل: القريب أولى من الأجنبـي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفع من ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف فالأجنبـي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وإما استثناء منقطع بناءً على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل: لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفاً وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عاماً لما عدا الميراث، والمتبادر إلى الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء ومكي وكذا الطبرسي وجعل المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه. وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناءً على أن {مِنْ } فيما تقدم للابتداء لا للبيان، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم النبـي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبـي حاتم عن محمد بن الحنفية أنه قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال: الأولياء القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية؛ وحكى في «البحر» عن جماعة منهم الحسن وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبـي المؤمن والكافر وأن المعروف أعم من الوصية، وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبـي جماعة من الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبر لهم. وعدى {تَفْعَلُواْ } بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه قيل: إلا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفاً. {كَانَ ذَلِكَ } أي ما ذكر في الآيتين أعني {أية : ٱدْعُوهُمْ لأَِبَائِهِمْ }تفسير : [الأحزاب: 5] و {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو إلى ما بعد قوله تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ }تفسير : [الأحزاب: 4] أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث {فِى ٱلْكِتَـٰبِ } أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة {مَسْطُورًا } أي مثبتاً بالأسطار وعن / قتادة أنه قال في بعض القراءات: كان ذلك عند الله مكتوباً أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } استئناف بياني أن قوله تعالى: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم} تفسير : [الأحزاب: 4] وقوله {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5] كان قد شمل في أول ما شمله إبطال بنوّة زيد بن حارثة للنبيء صلى الله عليه وسلم فكان بحيث يثير سؤالاً في نفوس الناس عن مدى صلة المؤمنين بنبيئهم صلى الله عليه وسلم وهل هي علاقة الأجانب من المؤمنين بعضهم ببعض سواء فلأجل تعليم المؤمنين حقوق النبي وحرمته جاءت هذه الآية مبينة أن النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم. والمعنى: أنه أولى بكل مؤمن من أنفس المؤمنين. و{مِنْ} تفضيلية. ثم الظاهر أن الأنفس مراد بها جمع النفس وهي اللطيفة الإنسانية كقوله {أية : تعلم ما في نفسي}تفسير : [المائدة: 116]، وأن الجمع للتوزيع على كل مؤمن آيل إلى كل فرد من الأنفس، أي: أن النبي أولى بكل مؤمن من نفس ذلك المؤمن، أي: هو أشد ولاية، أي: قرباً لكل مؤمن من قرب نفسه إليه، وهو قرب معنوي يراد به آثار القرب من محبة ونصرة. فــــ {أوْلَىٰ} اسم تفضيل من الوَلْي وهو القرب، أي: أشد قرباً. وهذا الاسم يتضمن معنى الأحقية بالشيء فيتعلق به متعلِّقه ببناء المصاحبة والملابسة. والكلام على تقدير مضاف، أي: أولى بمنافع المؤمنين أو بمصالح المؤمنين، فهذا المضاف حذف لقصد تعميم كل شأن من شؤون المؤمنين الصالحة. والأنفس: الذوات، أي: هو أحق بالتصرف في شؤونهم من أنفسهم في تصرفهم في شؤونهم. ومن هذا المعنى ما في الحديث الصحيح من حديث : قول عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «لأنتَ أحبّ إليّ من كل شيء إلاّ من نفسي التي بين جنبَيّ» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه. فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحبّ إليّ من نفسي»تفسير : . ويجوز أن يكون المراد بالأنفس مجموع نوعهم كقوله: {أية : إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 164]، ويجوز أن يكون المراد بالأنفس الناس. والمعنى: أنه أولى بالمؤمنين من ولاية بعضهم لبعض، أي: من ولاية جميعهم لبعضهم على نحو قوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 85]، أي: يقتل بعضكم بعضاً، وقوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}تفسير : [النساء: 29]. والوجه الأول أقوى وأعمّ في اعتبار حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفيد أولويته بمن عدا الأنفس من المؤمنين بدلالة فحوى الخطاب. وأما الاحتمال الثاني فإنه لا يفيد أنه أولى بكل مؤمن بنفس ذلك المؤمن إلا بدلالة قياس الأدْوَن، ولذلك استثنى عمر بن الخطاب بادىء الأمر نفسه فقال: لأنت أحب إليّ إلا مِن نفسي التي بين جنبيّ. وعلى كلا الوجهين فالنبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من آبائهم وأبنائهم، وعلى الاحتمال الأول أولى بكل مؤمن من نفسه. وسننبه عليه عند قوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} فكانت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين بعد إبطال التبني سواء على جميع المؤمنين. وفي الحديث: «حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}»، تفسير : ولِما علمتَ من أن هذه الولاية راجعة إلى حرمته وكرامته تعلم أنها لا تتعدّى ذلك فيما هو من تصرفات الناس وحقوق بعضهم من بعض، مثل ميراث الميت من المسلمين فإن ميراثه لورثته، وقد بينه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيّما مؤمن ترك مالاً فليرثه ورثته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه). وهذا ملاك معنى هذه الآية. {وأزواجه أمهاتهم} عَطَف على حقوق النبي صلى الله عليه وسلم حقوقَ أزواجه على المسلمين لمناسبة جريان ذكر حق النبي عليه الصلاة والسلام فجعَل الله لهن ما للأمهات من تحريم التزوج بهن بقرينة ما تقدم من قوله {أية : وما جعَل أزواجَكُم اللائي تظّاهرون منهنّ أمهاتكم}تفسير : [الأحزاب: 4]. وأما ما عدا حكم التزوج من وجوه البر بهن ومواساتهن فذلك راجع إلى تعظيم أسباب النبي صلى الله عليه وسلم وحرماته ولم يزل أصحاب النبي والخلفاء الراشدون يتوخّون حُسن معاملة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويؤثرونهنّ بالخير والكرامة والتعظيم. وقال ابن عباس عند حمل جنازة ميمونة: «هذه زوج نبيئكم فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا» رواه مسلم. وكذلك ما عدا حكم الزواج من وجوه المعاملة غير ما يرجع إلى التعظيم. ولهذه النكتة جيء بالتشبيه البليغ للمبالغة في شبههن بالأمهات للمؤمنين مثل الإرث وتزوج بناتهن، فلا يُحسب أن تركاتهن يرثها جميع المسلمين، ولا أن بناتهن أخوات للمسلمين في حرمة التزوج بهن. وأما إطلاق وصف خال المؤمنين على الخليفة معاوية لأنه أخو أم حبيبة أم المؤمنين فذلك من قبيل التعظيم كما يقال: بنُو فلان أخوال فلان، إذا كانوا قبيلة أمه. والمراد بأزواجه اللائي تزوجهنّ بنكاح فلا يدخل في ذلك ملك اليمين، وقد قال الصحابة يوم قريظة حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيّي: أهي إحدى ما ملكت يمينه أم هي إحدى أمهات المؤمنين؟ فقالوا: ننظر، فإذا حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وإذا لم يحجبها فهي ما ملكت يمينه، فلما بنى بها ضرب عليها الحجاب، فعلموا أنها إحدى أمهات المؤمنين، ولذلك لم تكن مارية القبطية إحدى أمهات المؤمنين. ويشترط في اعتبار هذه الأمومة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بنى بالمرأة، فأما التي طلقها قبل البناء مثل الجَونية وهي أسماء بنت النعمان الكِندية فلا تعتبرمن أمهات المؤمنين. وذكر ابن العربي أن امرأة كان عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت في خلافة عمر فهَمَّ عمر برجمها. فقالت: لِمَ وما ضرَب عليّ النبي حجاباً ولا دُعيت أمَّ المؤمنين؟ فكفَّ عنها. وهذه المرأة هي ابنة الجَون الكندية تزوجها الأشعث بن قيس. وهذا هو الأصح وهو مقتضى مذهب مالك وصححه إمام الحرمين والرافعي من الشافعية. وعن مقاتل: يحرم تزوج كل امرأة عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يبن بها. وهو قول الشافعي وصححه في «الروضة»، واللآء طلّقهنُ الرسول عليه الصلاة والسلام بعد البناء بهن فاختلف فيهن على قولين، قيل: تثبت حرمة التزوج بهن حفظاً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: لا يثبت لهن ذلك، والأول أرجح. وقد أُكد حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بقوله تعالى: {أية : وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب}تفسير : [الأحزاب: 53]، وبتحريم تزوج إحداهن على المؤمنين بقوله (تعالى): {أية : ولا أن تنكِحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً}تفسير : [الأحزاب: 53]. وسيجيء بيان ذلك عند ذكر هاتين الآيتين في أواخر هذه السورة. وروي أن ابن مسعود قرأ بعدها: وهو أب لهم. وروي مثله عن أُبَيّ بن كعب وعن ابن عباس. وروي عن عكرمة: كان في الحرف الأول «وهو أبوهم». ومحملها أنها تفسير وإيضاح وإلا فقد أفاد قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} أكثر من مفاد هذه القراءة. {وَأُوْلُوا ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى الكِتَابِ مَسْطُوراً} أعقب نسخ أحكام التبنّي التي منها ميراث المتبنِّي مَن تبناه والعكس بإبطال نظيره وهو المَواخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال من الأنصار وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا نزل بالمدينة مع من هاجر معه، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلاً أخاً له من الأنصار فآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين الزبير وكعب بن مالك، وبين عبد الرحمان بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان وأبي الدرداء، وبين عثمان بن مظعون وأبي قتادة الأنصاري؛ فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زماناً كما يرث الإخوة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، كما نسخ التوارث بالتبنّي بآية {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5]، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب الجعلي. فالمراد بأولي الأرحام: الإخوة الحقيقيون. وعبر عنهم بأولي الأرحام لأن الشقيق مقدم على الأخ للأب في الميراث وهم الغالب، فبينت الآية أن أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث من ولاية المتآخين المهاجرين والأنصار فعمَّ هذا جميع أولي الأرحام وخُصص بقوله {من المؤمنين والمهاجرين} على أحد وجهين في الآيتين في معنى {مِن} وهو بمنزلة العام الوارد على سبب خاص وهو مطلق في الأولوية والمطلق من قبيل المجمل، وإذ لم يكن معه بيان فمحمل إطلاقه محمل العموم، لأن الأولوية حال من أحوال أولي الأرحام وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال، فالمعنى: أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في جميع الولايات إلا ما خصصه أو قيَّده الدليل. والآية مبيّنة في أن القرابة الحقيقية أرجح من الأخوة الجعلية، وهي مجملة في تفصيل ذلك فيما بين أولي الأرحام، وذلك مفصل في الكتاب والسنة في أحكام المواريث. وتقدم الكلام على لفظ {أولوا}عند قوله تعالى {أية : واتقون يا أولي الألباب} تفسير : في سورة البقرة (197). ومعنى {في كتاب الله} فيما كتبه، أي: فرضه وحكم به. ويجوز أن يراد به القرآن إشارة إلى ما تضمنته آية المواريث، وقد تقدم نظير هذه الآية في آخر سورة الأنفال. وتقدم الكلام في توريث ذوي الأرحام إن لم يكن للميت وارث معلوم سهمه. و{أولوا الأرحام} مبتدأ، و{بعضهم} مبتدأ ثان و{أوْلَى} خبرُ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول، و{في كتاب الله} متعلق بــــ {أوْلى}. وقوله {من المؤمنين والمهاجرين} يجوز أن يتعلق باسم التفضيل وهو {أولى} فتكون {مِن} تفضيلية. والمعنى: أولوا الأرحام أولى بإرث ذوي أرحامهم من إرث أصحاب ولاية الإيمان والهجرة بتلك الولاية، أي: الولاية التي بين الأنصار والمهاجرين. وأريد بالمؤمنين خصوصُ الأنصار بقرينة مقابلته بعطف {والمهاجرين} على معنى أصحاب الإيمان الكامل تنويهاً بإيمان الأنصار لأنهم سبقوا بإيمانهم قبل كثير من المهاجرين الذين آمنوا بعدهم فإن الأنصار آمنوا دَفعة واحدة لمّا أبلغهم نقباؤهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إياهم بعد بيعة العقبة الثانية. قال تعالى: {أية : والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم}تفسير : [الحشر: 9] أي: من قبل كثير من فقراء المهاجرين عدا الذين سبق إيمانهم. فالمعنى: كل ذي رحم أولى بإرث قريبه من أن يرثه أنصاري إن كان الميت مهاجراً، أو أن يرثه مهاجر إن كان الميت من الأنصار، فيكون هذا ناسخاً للتوارث بالهجرة الذي شرع بآية الأنفال (72): {أية : والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولاَيَتهم من شيء حتى يهاجروا}، تفسير : فتوارث المسلمون بالهجرة فكان الأعرابي المسلم لا يرث قريبه المهاجر، ثم نسخ بآية هذه السورة. ويجوز أن يكون قوله {من المؤمنين} ظرفاً مستقرّاً في موضع الصفة، أي: وأولوا الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين، بعضهم أولى ببعض، أي: لا يرث ذو الرحم ذا رحمه إلا إذا كانا مؤمنيْن ومهاجرين، فتكون الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة الذي شرع عند قدوم المهاجرين إلى المدينة، فلما نزلت هذه الآية رجعوا إلى مواريثهم فبينت هذه الآية أن القرابة أولى من الحلف والمواخاة، وأيّاً مَّا كان فإن آيات المواريث نسخت هذا كله. ويجوز أن تكون {من}بيانية، أي: وأولوا الأرحام المؤمنون والمهاجرون، أي: فلا يرث أولوا الأرحام الكافرون ولا يرث من لم يهاجر من المؤمنين لقوله تعالى: {أية : والذين كَفَروا بعضُهم أولياء بعض}تفسير : [الأنفال: 73] ثم قال: {أية : والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}تفسير : [الأنفال: 72]. والاستثناء بقوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} منقطع، و{إلا} بمعنى (لكنْ) لأن ما بعد {إلا} ليس من جنس ما قبلها فإن الأولوية التي أثبتت لأولي الأرحام أولوية خاصة وهي أولوية الميراث بدلالة السياق دون أولوية حسن المعاشرة وبذل المعروف. وهذا استدراك على ما قد يتوهم من قطع الانتفاع بأموال الأولياء عن أصحاب الولاية بالإخاء والحلف فبين أن الذي أُبطل ونسخ هو انتفاع الإرث وبَقي حكم المواساة وإسداء المعروف بمثل الإنفاق والإهداء والإيصاء. وجملة {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} تذييل لهذه الأحكام وخاتمة لها مؤذنة بانتهاء الغرض من الأحكام التي شُرعت من قوله {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5] إلى هنا، فالإشارة بقوله {ذلك} إلى المذكور من الأحكام المشروعة فكان هذا التذييل أعمّ مما اقتضاه قوله {بعضهم أوْلَى ببعض في كتاب الله}. وبهذا الاعتبار لم يكن تكريراً له ولكنه يتضمنه ويتضمن غيره فيفيد تقريره وتوكيده تبعاً وهذا شأن التذييلات. والتعريف في {الكِتَاب} للعهد، أي: كتاب الله، أي: ما كتبه على الناس وفرضه كقوله {أية : كتابُ الله عليكم}تفسير : [النساء: 24]، فاستعير الكتاب للتشريع بجامع ثبوته وضبطه التغيير والتناسي، كما قال الحارث بن حلزة:شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينــــ ــــقض ما في المهارق الأهواء تفسير : ومعنى هذا مثل قوله تعالى: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : في سورة الأنفال (75). فالكتاب: استعارة مكنية وحرف الظرفية ترسيخ للاستعارة. والمسطور: المكتوب في سطور، وهو ترشيح أيضاً للاستعارة وفيه تخييل للمكنية. وفعل {كان} في قوله {كان ذلك} لتقوية ثبوته في الكتاب مسطوراً، لأن {كان} إذا لم يقصد بها أن اسمها اتصف بخبرها في الزمن الماضي كانت للتأكيد غالباً مثل {أية : وكان الله غفوراً رحيماً}تفسير : [الأحزاب: 4] أي: لم يزل كذلك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. قال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع اهـ. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد بكون أزوجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الأحزاب: 53]، لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب وقوله تعالى: {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] ومعلوم أنهن رضي الله عنهن، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أنه هو صلى الله عليه وسلم أب لهم وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرءا: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو صلى الله عليه وسلم أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في رأفته ورحمته بهم: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]، وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 40]، ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" تفسير : وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "حديث : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" تفسير : يبين معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى. مسألة اعلم أن أهل العلم اختلفوا هل يقال لبنات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أخوات المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لإخوانهن كمعاوية، وعبد الله بن أبي أمية أخوال المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات؟ قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المسلمين، كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية، وأمثاله خال المؤمنين فيه قولان للعلماء رضي الله عنهم؟ ونص الشافعي رضي الله عنه، على أنه لا يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في الجمع المذكر السالم تغليباً فيه قولان؟ صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في ذلك أنه لا يطلق منه إلا ما ورد النص بإطلاقه، لأن الإطلاق المراد به غير الظاهر المتبادر يحتاج إلى دليل صارف إليه، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم: أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلب منهم هو أحق به من أنفسهم. وأزواجه أمهاتهم: في الحرمة وسواء من طلقت أو مات عنها منهن رضي الله عنهن. وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض: أي في التوارث من المهاجرين والمتعاقدين المتحالفين. إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً: بأن توصوا لهم وصيَّة جائزة وهي الثلث فأقل. كان ذلك في الكتاب مسطورا: أي عدم التوارث بالإِيمان والهجرة والحلف مكتوب في اللوح المحفوظ. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم: أي أذكر لقومك أخذنا من النبيين ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويدعوا إلى عبادته. ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى: أي وأخذنا بخاصة منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وقدم محمد صلى الله عليه وسلم في الذكر تشريفا وتعظيما له. وأخذنا منهم ميثاقا غليظا: أي شديداً والميثاق: العهد المؤكد باليمين. ليسأل الصادقين عن صدقهم: أي أخذ الميثاق من أجل أن يسأل الصادقين وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغ الرسالة تبكيتاً للكافرين بهم. وأعدّ للكافرين عذابا أليما: أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين عذابا أليماً أي موجعا. معنى الآيات: لما أبطل الله تعالى عادة التبنّي وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة الكلبي فكان يعرف بزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وأصبح بذلك يدعى بزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم تعالى كافة المؤمنين أن نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن أزواجه أمهاتهم في الحرمة فلا تحل امرأة النبي لأحد بعده صلى الله عليه وسلم، ومعنى أن {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلبه منهم هو أحق به من أنفسهم، وبذلك أعطى الله تعالى رسوله من الرفعة وعلوّ الشأن ما لم يُعط أحداً غيره جزاء له على صبره على ما أُخذ منه من بنوَّة زيد رضي الله عنه الذي كان يُدعَى بزيد بن محمد فأصبح يعرف بزيد بن حارثة. وقوله تعالى {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} يريد في الإِرث فأبطل تعالى بهذه الآية التوارث بالإِيمان والهجرة والحلف الذي كان في صدر الإِسلام وأصبح التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء لا غير. وقوله {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} التوارث بالأرحام أي بالقرابات مكتوب في اللوح المحفوظ وقوله {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} أي إلا أن توصوا بوصيّة جائزة وهي الثلث لأحد من المؤمنين والمهاجرين ومن حالفتم فلا بأس فهي جائزة ولا حرمة فيها، وقوله {كَانَ ذَلِكَ} أي المذكور من التوارث بالقرابات لا غير وجواز الوصيّة بالثلث لمن أبطل إرثهم بالإِيمان والهجرة والمؤاخاة، في اللوح المحفوظ وهو كتاب المقادير مسطوراً أي مكتوباً مسطراً فلا يحل تبديله ولا تغييره. وقوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} أي اذكر يا رسولنا لقومك أخذنا الميثاق وهو العهد المؤكد باليمين من النبيين عامة بأن يعبدوا الله وحده ويدعوا أُممهم إلى ذلك، ومن أُولي العزم من الرسل خاصة وهم أنت يا محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وقوله {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أُعيد اللفظ تكراراً لتقريره، وليرتب عليه قوله {لِّيَسْأَلَ} تعالى يوم القيامة {ٱلصَّادِقِينَ} وهم الأنبياء {عَن صِدْقِهِمْ} في تبليغ رسالتهم تقريعاً لأممهم الذين كفروا وكذبوا. فأثاب المؤمنين {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً وهو عذاب النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب تقديم ما يريده الرسول من المؤمن على ما يريده المؤمن لنفسه. 2) حرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن أُمهات المؤمنين وهو صلى الله عليه وسلم كالأب لهم. 3) بطلان التوارث بالمؤاخاة والهجرة والتحالف الذي كان في صدر الإِسلام. 4) جواز الوصيّة لغير الوارث بالثلث فأقل. 5) وجوب توحيد الله تعالى في عبادته ودعوة الناس إلى ذلك. 6) تقرير التوحيد بأخذ الميثاق به على كافة الأنبياء والمرسلين.
القطان
تفسير : اعلموا ايها المؤمنون أن النبيّ احرصُ على استقامة امركم وأحقّ بولايتكم من أنفسِكم، فعليكم ان تطيعوه وتتبعوا شرعه. وازواجُه مُنَزَّلاتٌ منازلَ أمهاتكم فعليكم ان توقّروهن ولا تتزوجوهن من بعده. وذوو القرابات أولى ببعض في امر الوراثة من المؤمنين والمهاجرين، (وكان المؤمنون يتوارثون كأنهم أسرة واحدة) لكن يجوز ان تعطوا بعضَ من والَيتم في الدين من المتّصلين بكم، او توصوا لهم بجزء من مالكم. كان هذا ثابتا في اللوح المحفوظ والقرآن. واذكر يا محمد حين أخذْنا على النبيّين عهدا، وأخذنا مثلَه عليك وعلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم بتبليغ الرسالة والدعوة الى الدين {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} عظيمَ الشأن. وسوف يسأل الله يوم القيامة جميع الانبياء عما قالوه لقومهم، وما لاقَوه منهم وأعدَّ للكافرين عذاباً أليما.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجُهُ} {أُمَّهَاتُهُمْ} {أُوْلُو} {كِتَابِ} {ٱلْمُهَاجِرِينَ} {ٰ أَوْلِيَآئِكُمْ} (6) - جَعَلَ اللهُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَوْلى بِالمُؤْمِنينِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَولاَيَتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى وِلاَيَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لاَ يَأَمُرُهُمْ إِلاَّ بِمَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَصَلاَحُهُمْ، أَمَّا النَّفْسُ فَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ، وَقَدْ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصَالِحِ. وَجَعَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ فِي مَقَامِ الأُمّهَاتِ لِلْمُؤْمِنينَ فِي الحُرْمَةِ والاحتِرَامِ. وَكَانَ التَّوَارُثُ فِي بَدْءِ الإِسْلامِ بِالحِلْفِ وَالمُؤَاخَاةِ بَينَ المُسلِمِينَ، فَكَانَ المُتآخِيَانِ يَتَوَارَثَانِ (وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَينِ نَسَباً) دُونَ سَائِرِ الأَقْرِبَاءِ، فَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالى هذا التَّعَامُلَ فِي هذهِ الآيةِ، وَرَدَّ المِيرَاثَ إِلى أَقْرِبَاءِ النَّسَبِ، فَجَعَلَ أُولِي الأَرْحَام بِحَقِّ القَرَابَةِ، أَولى بالمِيراثِ مِنَ المُؤمِنينَ بِحَقِّ الدِّينِ، والمُهَاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ. واسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هذا الحُكْمِ الوَصِيَّةَ (المَعْرُوفَ)، التي يُريدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُوصِيَ بِها إِلى أَحَدِ المُهَاجِرِينَ والمُؤْمِنينَ (أَوْلِيَائِكُمْ) فَإِنَّهُ فِي هذِهِ الحَالِ يَسْتَحِقُّها دُونَ ذَوِي الحُقُوقِ فِي المِيراثِ مِنْ أَقْرِبَاءِ النّسَبِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى: إِنَّ جَعْلَ ذَوِي الأَرْحَامِ بَعْضَهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في المِيراثِ هُوَ حُكْمٌ قَدَّرَهُ الله تَعَالَى، وَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِهِ الذِي لاَ يُبَدِّلُ وَلاَ يُغَيَّرُ. أَوْلى بِالمُؤْمِنينَ - أَرْأَفُ بِهِمْ، وَأَنْفَعُ لَهُمْ. أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ - مِثْلُهُنَّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهِنَّ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِنَّ. أُولُوا الأَرْحَامِ - ذَوُو القَرَابَاتِ.
الثعلبي
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ} أحقّ {بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أنْ يحكم فيهم بما شاء فيجوز حكمه عليهم. قال ابن عبّاس وعطا: يعني إذا دعاهم النبيّ (عليه السلام) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبيّ أولى بهم من طاعة أنفسهم، وقال مقاتل: يعني طاعة النبي (عليه السلام) أولى من طاعة بعضكم لبعض، وقال ابن زيد: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كما أنتَ أولى بعبدك، فما قضى فيهم من أمر، جار، كما أنّ كلّ ما قضيت على عبدك جار. وقيل: إنّه (عليه السلام) أولى بهم في امضاء الأحكام وإقامة الحدود عليهم لما فيه من مصلحة الخلق والبعد من الفساد. وقيل: إنّه أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقالت الحكماء: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لاِنَّ أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبيّ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وقال أبو بكر الورّاق: لأنّ النبيّ يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى، وقال بسام بن عبدالله العراقي: لأنَّ أنفسهم تحترس من نار الدُّنيا، والنبيّ يحرسهم من نار العُقبى. وروى سُفيان عن طلحة عن عطاء عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وهو أب لهم. وروى سفيان عن عمرو عن بجالة أو غيره قال: مَرَّ عمر بن الخطّاب بغلام وهو يقرأ في المصحف {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم} وهو أب لهم. فقال: يا غلام حُكّها. قال: هذا مصحف أبي، فذهب إليه فسأله، فقال: إنّه كان يلهيني القرآن ويُلهيكَ الصفق في الأسواق. وقال عكرمة: أُخبرت أنّه كان في الحرف الأوّل: وهو أبوهم. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي قال: أخبرني أبو عامر وشريح قالا: قال [فليح] بن سليمان، عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، عن النبيّ صلّى الله عليه، قال: "حديث : ما من مؤمن إلاّ وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم {النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} فأيّما مؤمن هلك وترك مالاً فليرثه عصبته مَنْ كانوا، وإن ترك دَيناً أو ضياعاً فليأتني فإنّي أنا مولاه ". تفسير : {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} يعني كأُمّهاتهم في الحرمة، نظيره قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} أي كالسماوات، وإنّما أراد الله تعالى تعظيم حقّهن وحرمتهن، وإنّه لا يجوز نكاحهن لا في حياة النبيّ صلّى الله عليه إنْ طلّق ولا بعد وفاته، هنّ حرام على كلّ مؤمن كحرمة أُمّهِ، ودليل هذا التأويل أنَّه لا يحرم على الولد رؤية الأُمّ، وقد حرّم الله رؤيتهنّ على الأجنبيين، ولا يرثنّهم ولا يرثونهنّ، فعلموا أنّهن أُمّهات المؤمنين من جهة الحرمة، وتحريم نكاحهنّ عليهم. روى سفيان، عن خراش، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت امرأة لعائشة: يا أُمّاه، فقالت: أنا لستُ بأُمَ لكِ إنّما أنا أُمّ رجالكم. قوله: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} يعني في الميراث. قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وخلط المؤمنين بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملك والقرابات. وقال الكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، وكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتّى نزلت هذه الآية: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} { فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين آخى رسول الله بينهم {وَٱلْمُهَاجِرِينَ} فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة، وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات، وقيل: أراد إثبات الميراث بالإيمان والهجرة. ثمّ قال: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} يعني: إلاّ أَنْ توصوا لذوي قرابتكم من المشركين فتجوز الوصية لهم، وإنْ كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول محمد بن الحنفية وقتادة وعطاء وعكرمة. وقال ابن زيد ومقاتل: يعني: إلاّ أنْ توصوا لاِوليائكم من المهاجرين. وقال مجاهد: أراد بالمعروف النُصرة وحفظ الحرمة لحقّ الإيمان والهجرة {كَانَ ذَلِكَ} الذي ذكرت من أنَّ أُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض، وأنَّ المشرك لا يرث المسلم {فِي ٱلْكِتَابِ} في اللوح المحفوظ {مَسْطُوراً} مكتوباً. وقال القرظي: في التوراة. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} على الوفاء بما حُمّلوا، وَأَنْ يبشر بعضهم ببعض ويصدّق بعضهم بعضاً. {وَمِنْكَ} يا مُحمّد {وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} وإنّما خَصّ هؤلاء الخمسة بالذكر في هذه الآية لأنّهم أصحاب الشرائع والكتب وأُولو العزم من الرسل وأئمّة الأُمم. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أخبرنا الحسين بن محمد، عن عبيدالله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن هارون بن محمد بن بكار، عن أبيه عن سعيد يعني ابن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه قال: "حديث : كنت أوّل النّبيّين في الخلق، وآخرهم في البعث"تفسير : ، قال: وذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَم} فبدأ به صلّى الله عليه وسلم قبلهم. {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالمعنى: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم فما بالكم بزيد؟ إذن: لستُم أحنَّ على زيد من الله، ولا من رسول الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نُزِع من زيد حين صار زيد ابن حارثة بعد أنْ كان زيدَ بن محمد. فلماذا تُغمِضون أعينكم عن فضل أعظم، ناله زيد من الله تعالى حين ذُكِر اسمه صراحة في قرآنه وكتابه العزيز الذي يُتْلَى ويُتعبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأيُّ وسام أعظم من هذا؟ فقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] قَوْل خالد يَخلُد معه ذِكْر زيد، وهكذا عوَّض الله زيداً عما فاته من تغيير اسمه. وقوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [الأحزاب: 6] ما المراد بهذه الأولوية من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: هي ارتقاءات في مجال الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولاً يُحسن إلى نفسه، ثم إلى القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابدأ بنفسك، ثم بمَنْ تعول ". تفسير : ويقولون: أوطان الناس تختلف باختلاف هِمَمها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدَّى الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله والإنسانية كلها. فرسول الله صلى الله عليه وسلم تعدَّى خيره إلى الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص؛ لذلك حديث : كان صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل من أمته وعليه دَيْن، وليس عنده وفاء لا يُصلِّي عليه ويقول: "صَلُّوا على أخيكم" . تفسير : والنظرة السطحية هنا تقول: وما ذنبه إنْ مات وعليه دَيْن؟ ولماذا لم يُصَلِّ عليه الرسول؟ قالوا: لم يمنع الرسولُ الصلاة عليه وقال: صَلُّوا على أخيكم؛ لأنه قال في حديث آخر: "حديث : مَنْ أخذ أموال الناس يريد أداءها - لم يَقُل أدّاها - أدى الله عنه ". تفسير : أما وقد مات دون أنْ يؤدي ما عليه، فغالب الظن أنه لم يكُنْ ينوي الأداء؛ لذلك لا أصلي عليه، فلما نزل قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [الأحزاب: 6] صار رسول الله يتحمل الدَّيْن عمَّنْ يموت من المسلمين وهو مدين، ويؤدي عنه رسول الله، وهذا معنى {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [الأحزاب: 6] فالنبي أَوْلى بالمسلم من نفسه. ثم ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام عمر: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من: نفسه، وماله، والناس أجمعين" تفسير : ولصدْق عمر - رضي الله عنه - مع نفسه قال: نعم يا رسول الله، أنت احبُّ إليَّ من أهلي ومالي، لكن نفسي .. فقال النبي صلى الله عليه السلام: "حديث : والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه"تفسير : . فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فَطِن إلى الجواب الصحيح، فلا بُدَّ أن الله أنطق رسوله بحُبٍّ غير الحب الذي أعرفه، إنه الحب العقلي، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليه من نفسه، والإنسان حين يحب الدواء المرَّ إنما يحبه بعقله لا بعاطفته، وكما تحب الولد الذكي حتى ولو كان ابناً لعدوك، أما ابنك فتحبه بعواطفك، وتحب مَنْ يثني عليه حتى لو كان غبياً مُتخلِّفاً. ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي رزقه الله بولد متخلف، وكَبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلاً، فكان الطالبون للعطاء يأتونه، فيُثْنون عَلى هذا الولد، ويمدحونه إرضاء لأبيه، وطمعاً في عطائه، مع أنهم يعلمون بلاهته وتخلُّفه، إلى أن احتاج واحد منهم، فنصحوه بالذهاب إلى هذا الغني، وأخبروه بنقطة ضَعْفه في ولده. وفعلاً ذهب الرجل ليطلب المساعدة، وجلس مع هذا الغني في البهو، وفجأة نزل هذا الولد على السُّلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البَلَه والتخلف، فنظر الرجل إلى صاحب البيت، وقال: أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال: نعم، قال: أراحك الله منه، والأرزاق على الله. وقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ..} [الأحزاب: 6] أي: أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، وعليه فخديجة رضي الله عنها أم لرسول الله بهذا المعنى؛ لأنه أول المؤمنين؛ لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة، إنما معاملة الأم الحانية. ألاَ تراها كيف كانت تحنُو عليه وتحتضنه أول ما تعرَّض لشدة الوحي ونزول الملَك عليه؟ وكيف كانت تُطمئنه؟ ولو كانت بنتاً صغيرة لاختلفَ الأمر، ولاتهمتْه في عقله. إذن: رسول الله في هذه المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة. وزوجاته صلى الله عليه وسلم يُعْتبرن أمهات للمؤمنين به؛ لأن الله تعالى قال مخاطباً المؤمنين: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ..} تفسير : [الأحزاب: 53] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائماً ضغائن وأحقاد. فالرجل يُطلِّق زوجته ويكون كارهاً لها، لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره مَنْ يتزوجها، وهذه كلها أمور لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت زوجة لرسول الله أن تكون فراشاً لغيره أبداً؛ لذلك جعلهن الله أمهات للمؤمنين جميعاً، وهذه الحرمة لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمَنْ كانت لها بنت فلتتزوج بمَنْ تشاء. إذن: لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويُقدِّره قدره أنْ يخلفه على امرأته. لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حَدٌّ معين، فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أنْ يحدد العدد في هذه المسألة، فأمر أنْ يُمسك الرجل أربعاً منهن، ثم يفارق الباقين، بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمسك تسعاً من الزوجات، وهذه المسألة أخذها المستشرقون مَأخذاً على رسول الله وعلى شرع الله، كذلك مَنْ لَفّ لَفَّهم من المسلمين. ونقول لهؤلاء: أنتم أغبياء، ومَنْ لفَّ لفكم غبي مثلكم؛ لأن هذا الاستثناء لرسول الله جاء من قول الله تعالى له: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ..} تفسير : [الأحزاب: 52]. يعني: إنْ ماتت إحداهن لا تتزوج غيرها، حتى لو مُتْنَ جميعاً لا يحل لك الزواج بغيرهن، في حين أن غيره من أمته له أنْ يتزوج بدل إحدى زوجاته، إنْ ماتت، أو إنْ طلقها، وله أنْ يُطلِّق منهن مَنْ يشاء ويتزوج مَنْ يشاء، شريطة ألاَّ يجمع منهن أكثر من أربع، فعلى مَنْ ضيَّق هذا الحكم؟ على رسول الله؟ أم على أمته؟ إذن: لا تظلموا رسول الله. ثم ينبغي على هؤلاء أنْ يُفرِّقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، فكَوْن رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعدَّّاهن إلى غيرهن، فالاستثناء هنا في المعدود، فلو انتهى هذا المعدود لا يحلّ له غيره، ولو كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون. ومن ناحية أخرى: حين يمسك الرجل أربعاً، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أنْ يتزوجن بغيره، لكن كيف بزوجاته صلى الله عليه وسلم إنْ طلق خمساً منهن، وهُنَّ أمهات المؤمنين، ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن؟ إذن: الخير والصلاح في أنْ تبقى زوجات الرسول في عصمته. وما دام {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..} [الأحزاب: 6] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أوْلى برسول الله من نفسه، ليردُّوا له هذه التحية، بحيث إذا أمرهم أطاعوه. ثم يقول تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب: 6]. كلمة {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} مأخوذة من الرحم، وهو مكان الجنين في بطن أمه، والمراد الأقارب، وجعلهم الله أوْلى ببعض؛ لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج. فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذا لوْن من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها؛ لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه، إلا مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار. وحين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث المهاجر أخاه الأنصارى، فلما أعزَّ الله الإسلام، ووجد المهاجرون سبيلاً للعيش أراد الحق سبحانه أنْ تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم تَعُدْ هناك ضرورة لأنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري. فقررت الآيات أن أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث، فقال سبحانه: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ..} [الأحزاب: 6] فقد استقرت أمور المهاجرين، وعرف كل منهم طريقه ورتَّب أموره، والأرحام في هذه الحالة أوْلَى بهذا الميراث. وقوله تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ ..} [الأحزاب: 6] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أنْ يحفظ بُضْعة اللقاء حتى من آدم عليه السلام؛ لأنك حين تتأمل مسألة خَلْق الإنسان تجد أننا جميعاً من آدم، لا من آدم وحواء. يُرْوى أن الحاجب دخل على معاوية، فقال له: رجل بالباب يقول: إنه أخوك، فقال معاوية: كيف لا تعرف إخوتي، وأنت حاجبي؟ قال: هكذا قال، قال: أدخله، فلما دخل الرجل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم، فقال معاوية: نعم، رحم مقطوعة، والله لأَكونَنَّ أول مَنْ يصلها. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ..} [الأحزاب: 6] الحق سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحاً، فمَنْ حضر منهم قسمة فَليكُنْ له منها نصيب على سبيل التطوع، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} تفسير : [النساء: 8]. وقوله سبحانه: {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} [الأحزاب: 6] أي: في أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب أي: القرآن. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عامة لموكب الرسل جميعاً: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : انا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الآية: 6]. قال: هو أَب لهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} [الآية: 6]. قال: يعني إِلى حلفائكم الذين والى بينهم رسول الله، من المهاجرين والأَنصار. {كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} [الآية: 6]. قال: يعني العقل والنصر بينهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} [الآية: 7]. يعني: النبي: صلى الله عليه [وسلم] {وَمِن نُّوحٍ}. يعني: في ظهر آدم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الآية: 8]. قال: يعني المبلِّغينَ المؤدين من الرسل. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عاصم في قوله: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} [الآية: 9]. قال: الأَحزاب عُيينة بن بدر، وأَبو سفيان بن حرب وقريظة. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الآية: 7]. قال: أَخذ منهم من الميثاق أَغلظ مما أَخذ من النبيين كلهم. يعني: ممن سمى في هذه الآية. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} [الآية: 9] قال: يعني ريح الصَّبَا، أُرسلت على الأَحزاب يوم الخندق حتى كفأَت قدورهم /61 و/ على أَفواهها ونزع فساطيطهم حتى أَظعنتهم، {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الآية: 9]. يعني: الملائكة. قال: ولم تقاتل الملائكة يومئذ. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ}. يعني: عيينة بن بدر في أَهل نجد، {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الآية: 10]: أَبو سفيان بن حرب. مواجهتكم قريظة.
الصابوني
تفسير : [2] الإرث بقرابة الرحم التحليل اللفظي {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ}: الإخبار بلفظ النبوّة مشعر بـ (التعظيم والتكريم) لمقامه الشريف صلى الله عليه وسلم وكلُّ ما ورد من الخطاب، أو الإخبار بلفظ النبوة، أو الرسالة فإنما هو لإظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مقامه، ومعنى (أولى) أي أحق وأجدر وهو (أفعل تفضيل)، لبيان أن حق الرسول أعظم الحقوق فهو أولى بالمؤمن من نفسه، ومهما كانت ولاية الإنسان على نفسه عظيمة فولايته صلى الله عليه وسلم عليها أعظم، وحكمه أنفذ، وحقه ألزم. {وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ}: أي منزّلات منزلة الأمهات في وجوب الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح أما فيما عدا ذلك من الأمور كالنظر إليهن، والخلوة بهن، وإرثهن فهنَّ كالأجنبيات. قال (ابن العربي): ولسن لهم بأمهات، ولكن أنزلن منزلتهن في الحرمة، وكلّ ذلك تكرمة للنبي صلى الله عليه وسلم وحفظاً لقلبه من التأذي بالغيْرة، وذلك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم. {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ}: أي أهل القرابة وأصحاب الأرحام. والأرحام جمع رَحِم وهو في الأصل مكان تكوّن الجنين في بطن أمّه ثم أطلق على القرابة. ومعنى الآية: أهل القرابة مطلقاً أحق بإرث قريبهم من المؤمنين والمهاجرين لأنّ لهم صلة القرابة به، وقوله تعالى: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} متعلّق (بأولى) أي أحق بالإرث من المؤمنين والمهاجرين، وليست متعلقة (بأولو الأرحام) نبَه عليه ابن العربي والقرطبي. {أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}: أي في التوارث، وقد كان الإرث في صدر الإسلام بالهجرة والمؤاخاة في الدين، فنسخ الله ذلك وجعل التوارث بالنسب والقرابة، روي عن الزبير رضي الله عنه أنه قال: لمّا قدمنا معشرَ قريش المدينة، قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم، فآخى أبو بكر (خارجة بن زيد) وآخيتُ (كعب بن مالك) فوالله لو قد مات عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ} فرجعنا إلى موارثنا. {فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ}: المراد بالكتاب هنا (القرآن العظيم) أي فيما أنزله في القرآن من أحكام المواريث وقيل: المراد به (اللوح المحفوظ)، والقول الأول أظهر وأرجح. {أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً}: المراد بالأولياء هنا هم (المؤمنون والمهاجرون) المذكورون في أول الآية والمراد بالمعروف (الوصية) والاستثناء في الآية هو (استثناء منقطع) على الرأي الراجح، ويصبح معنى الآية: أولو الأرحام أحق بالإرث من غيرهم فلا تورّثوا غير ذي رحم لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب بأن توصوا لهم فإنّ ذلك جائز بل هم أحق بالوصية من ذوي الأرحام الوارثين. {مَسْطُوراً}: أي مثبتاً بالأسطار في القرآن الكريم، أو حقاً مثبتاً عند الله تعالى لا يُمْحَى. المعنى الإجمالي أخبر الباري تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن مقام النبي الرفيع، وشرفه السامي فبيّن أنه أحق بالمؤمنين من أنفسهم، وأن حقه أعظم من حقوق أنفسهم عليهم، وأن أمره ينبغي أن يقدّم على كل أمر، وحبّه ينبغي أن يفوق كل حبّ، فلا يُعصى له أمر، ولا يُخالف في صغيرة أو كبيرة، لأنّ ذلك من مقتضى ولايته العامّة عليهم، فإذا دعاهم إلى الجهاد عليهم أن يلبّوا أمره مسرعين ولا ينتظروا أمر والد أو والدة، فإنه صلوات الله عليه بمنزلة الوالد لهم، لا يريد لهم إلا الخير، ولا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم. وكما شرّف الله رسوله الكريم فجعل حقه أعظم الحقوق كذلك فقد شرّف زوجات الرسول الطاهرات فجعلهن أمهات للمؤمنين فأوجب احترامهم وتعظيمهن، وحرّم نكاحهن على الرجال، إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظاً لحرمته في حياته وبعد وفاته، وذلك من الخصوصيات التي خصّ الله تعالى بها رسوله الكريم، ثم بيّن تعالى أن ذوي الأرحام أحق بإرث بعضهم البعض من الغير، فالقريب النسيب أحق بميراث قريبه من الأجنبي البعيد إلا إذا أراد الإنسان الوصية فإنّ الأجنبي يكون أحق من القريب لأنه لا وصية لوارث، وهذا الحكم ألا وهو توريث القريب دون الأجنبي هو حكم الله العادل الذي أنزله في دستوره وكتابه المبين، وجعله حكماً لازماً مسطّراً لا يُمْحى، والله تعالى أعلم. وجه الارتباط بالآيات السابقة في الآيات السابقة أمر الله المؤمنين بالتخلي عن التبني، كما أمر بدعوة الأبناء الأدعياء لآبائهم ونسبتهم إليهم، وقد كان الرسول الكريم متبنياً (زيد بن حارثة) فلما أمر بالتخلّي عنه وبدعوته إلى أبيه أصابت زيداً وحشة، فجاءت هذه الآية عقبها تسلية لزيد، ولبيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم إن تخلّى عن أبوته فإلى الولاية العامة، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعاً دون تفريق بين ابن من الصلب وغيره، لأن ولايته صلى الله عليه وسلم باقية دائمة، فالرسول أحق بالمؤمن من نفسه، وهو كذلك أحق من كل قريبٍ، فهو الآمر الناهي بما يحقق للناس السعادة، وهو (الأب الروحي) لكل مؤمن ومؤمنة، وزوجاته الطاهرات هن أمهات للمؤمنين، فلا ينبغي للمؤمن أن يحزن إن تخلّى النبي عن أبوّته من التبني لأن أبوّته الروحية باقية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على المؤمنين أن يكون الرسول أحبّ إليهم من أنفسهم، وأن يكون حكمه عليه السلام أنفذ من حكمها، وحقّه آثر لديهم من حقوقها وصدق عليه السلام حين قال: "حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين ". تفسير : اللهم ارزقنا محبته، وارزقنا اتباعه، واجعله شفيعاً لنا يوم الدين. سبب النزول 1- روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك أمر الناس بالتجهيز والخروج، فقال أناسٌ منهم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فأنزل الله تعالى فيهم {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. 2- وروى القرطبي في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرته جنازة سأل هل على صاحبها دين؟ فإن قالوا: لا، صلى عليها، وإن قالوا نعم قال: صلوا على صاحبكم، قال: فلما فتح الله عليه الفتوح قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا. وإن ترك ديناً، أو ضياعاً (عيالاً ضياعاً) فليأتني فأنا مولاه ". تفسير : قال ابن العربي: فانقلبت الآن الحالُ بسبب الذنوب. فإن تركوا مالاً ضويق العصبة فيه، وإن تركوا ضياعاً أُسْلِموا إليه.. فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتبيينه، ولا عطر بعد عروس. ملاحظة: الأول هو السبب والثاني أي ما رواه البخاري هو تفسير لمعنى الولاية فتنبّه. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: لم يذكر في الآية الكريمة ما تكون منه الأولوية بل أطلقت إطلاقاً ليفيد ذلك أولويته صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ثم إنه ما دام أولى من النفس فهو أولى من جميع الناس بالطريق الأولى. اللطيفة الثانية: ذكر الله تعالى أن أزواج النبي هنّ (أمهات المؤمنين) فيكون النبي صلى الله عليه وسلم على هذا هو الأب للمؤمنين وقد جاء في مصحف أبيّ بن كعب (وهو أب لهم) وقد سمع عمر هذه القراءة فأنكرها وقال: حكّها يا غلام (أي أمحها) فقال ابن عباس إنها في مصحف أبيّ، فذهب إليه عمر فسأله فقال له أبيّ: إنه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق. وأمّا قوله تعالى: {وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ} ففيه تشبيه يسمى (التشبيه البليغ) فقد حذف منه وجه الشبه وأداة الشبه وأصل الكلام: أزواجه مثل أمهاتهم في وجوب الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، وهذا كما تقول: محمد بحر أي أنه كالبحر في الجود والعطاء. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} مجاز بالحذف تقدير الكلام: أولى بميراث بعضٍ أو بنفع بعض كما قال الألوسي، وإنما يفهم تخصيص الأولوية هنا بالميراث من سياق الكلام إذ المسلمون جميعاً بعضهم أولى ببعض في التناصر والتراحم، يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم كما ورد في الحديث الشريف؛ فلا تكون الأولوية بين أولي الأرحام إلا بالإرث إذ لا وجه لتخصيصهم بالنصرة أو الجماعة أو التعاون فإن ذلك واجب لجميع المسلمين. تنبيه: جمهور المفسرين على أن (مِنْ) في قوله تعالى: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} هي (ابتدائية) وليست (بيانية) وأنّ المفضل عليه هم (المؤمنون والمهاجرون) والمفضّل هم {أُوْلُو ٱلأَرْحَامِ} كما تقول: زيد أفضل من عمرو، فالمفضّل زيد والمفضّل عليه هو عمرو، ويكون المعنى كما أسلفنا (أولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين). وأجاز الزمخشري أن تكون (مِنْ) (بيانية) ويكون المعنى: أولو الأرحام أي الأقرباء من المؤمنين والمهاجرين أحق بميراث بعضهم بعضاً من الأجانب، وقد ردّ هذا القول (ابن العربي) في كتابه "أحكام القرآن". وقال ما نصه: إن حرف الجر يتعلق (بأوْلى) لما فيه من معنى الفعل لا بقوله (أولو الأرحام) بإجماع لأن ذلك كان يوجب تخصيصها ببعض المؤمنين ولا خلاف في عمومها، وهذا حلّ إشكالها. وجوه القراءات قرأ الجمهور {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ}. قال أبو السعود: وقُرئ: "وأزواجُه أمّهاتُهم وهو أبٌ لهم" أي في الدين، فإنّ كلّ نبيّ أب لأمته من حيث إنه أصل فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة. أقول: هذه القراءة تحمل على أنها تفسير لقوله تعالى: {وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ} وهي قراءة عبد الله وكذلك في مصحف (أبيّ بن كعب) فإذا كان أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، فهو عليه السلام أبٌ للمؤمنين، ولا شك أن الأب الروحي أعظم قدراً من الأب الجسدي، وقد قال مجاهد: كل نبيِّ أبٌ لأمته، يعني في الدين. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} النبيّ مبتدأ و(أولى) خبر والجار والمجرور متعلق بـ (أولى) لأن أفعل التفضيل يعمل عمل الفعل. ثانياً: قوله تعالى: {وَأَزْوَٰجُهُ أُمَّهَٰتُهُمْ} مبتدأ وخبر، على حدّ قولهم: أبو يوسف أبو حنيفة، أي يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، والمعنى: إنهن بمنزلة الأم في التحريم، فلا يجوز لأحدٍ أن يتزوج بهنّ، احتراماً للنبي عليه السلام. أفاده ابن الأنباري. ثالثاً: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً} الاستثناء هنا يحتمل أن يكون متصلاً، ويحتمل أن يكون منقطعاً. فعلى الأول: يكون استثناءً من أعم الأحوال، ويكون المعنى: إن أولى الأرحام أولى بجميع وجوه النفع من غيرهم من المؤمنين والمهاجرين في جميع الأحوال. إلاّ أن يكون لكم في هؤلاء وصيٌ تريدون أن توصوا إليه فذلك جائز. وعلى الثاني: يكون تخصيص الأولوية بالميراث، ويكون المعنى: أولو الأرحام أولى بميراث بعضهم بعضاً، لكن إذا أسديتم إلى أوليائكم معروفاً فذلك جائز، بل هم أحق بالوصية من ذوي الأرحام، وهذا الوجه اختاره ابن الأنباري وغيره من العلماء. قال ابن الجوزي: وهذا الاستثناء ليس من الأول أي أنه ليس متصلاً بل هو منقطع والمعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفاً جائز، فالمعروف هٰهنا الوصية. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يجب على الإمام قضاء دين الفقراء من المسلمين؟ قال بعض أهل العلم إنه يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال ديون الفقراء اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قال في الحديث الشريف: "حديث : وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه.."تفسير : أي فعليّ قضاء دينه ورعاية أولاده، والإمام خليفة عن رسول الله يجب عليه قضاء ديون الفقراء من المسلمين. ولا شك أنّ هذا استنباط دقيق فعلى الدولة أن ترعى أمور الفقراء وتكفل مصالح الناس، وترعى شؤونهم وذريتهم. الحكم الثاني: هل زوجات الرسول أمهات للمؤمنين والمؤمنات؟ قال (ابن العربي): اختلف الناس هل هنّ أمهات الرجال والنساء؟ أم هنّ أمهات الرجال؟ خاصة على قولين: أ- فقيل إنه عام في الرجال والنساء. ب- وقيل إنه خاص بالرجال فقط. قال ابن العربي: وهو الصحيح، لأن المقصود بذلك إنزالهن منزلة أمهاتهم في الحرمة، والحلُّ غير متوقع بين النساء فلا يحجبن بينهن بحرمة، وقد روي أن امرأةً قالت لعائشة: يا أماه، فقالت لها: لستُ لك بأم إنما أنا أمّ رجالكم. قال القرطبي: قلتُ لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء، تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء، يدل عليه صدر الآية {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة، ويدل عليه قراءة أبيّ (وهو أب لهم) أقول: لعلّ الأرجح ما ذهب إليه القرطبي والله أعلم. الحكم الثالث: هل تثبت الحرمة لجميع زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؟ استدل العلماء على حرمة نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة وبقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} تفسير : [الأحزاب: 53] واختلف العلماء هل الحرمة ثابتة لكل زوجاته الطاهرات سواءً من طلّقت منهن ومن لم تطلّق؟ وسواءً أكانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها؟ على مذهبين: أ- ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله عليه وسلم سواءً طلَّقها أم لم يطلقها فيثبت الحكم لكلهن، وهذا ظاهر الآية الكريمة. ب- وصحّح إمام الحرمين قصر التحريم على المدخول بها فقط، واستدل بما روي أنّ (الأشعث بن قيس) نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله عنه، فهمّ برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولاً بها، فكفّ عنه، وفي رواية: أنه همّ برجمها فقالت: ولمَ هذا؟ وما ضُرِبَ عليّ حجاب، ولا سُمّيتُ للمسلمين أماً، فكفّ عنها. الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه إمام الحرمين من أنّ الحرمة قاصرة على المدخول بها فقط، فلو طلَّقها بعد الدخول تثبت لها الحرمة كذلك، أمّا مجرد العقد عليها فلا يوجب الحرمة كما هو الحال في شأن "المستعيذة" وهي التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد الدخول عليها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد عذتِ بمَعاذ فألحقها بأهلها، وكانت تقول: أنا الشقيّة، لأنها حرمت من ذلك الشرف الرفيع، شرف الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الحكم الرابع: هل يورّثُ ذوو الأرحام؟ المراد من قوله تعالى: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} أنّ أصحاب القرابة مطلقاً أولى بميراث بعض من الأجانب، وهذه الآية نسخت التوارث الذي كان بين المسلمين بسبب (المؤاخاة والنصرة) أو بسبب الهجرة، فقد كان المهاجريُّ يرث أخاه الأنصاري بعد موته، ثم نسخ الحكم وأصبح التوارث بالقرابة النسبية. وقد أخذ بعض الفقهاء من هذه الآية الكريمة أن (ذوي الأرحام) - وهم الذين ليسوا بأصحاب فروض ولا عصبات - كالخال والعمة وأولاد البنات وغيرهم أحق بالإرث من بيت مال المسلمين، وهذا هو مذهب (الحنفية) وجمهور الفقهاء، ودليلهم في ذلك أنّ الآية اقتضت بأنّ ذوي القرابة مطلقاً (سواء كانوا أصحاب فروض أم عصبات أم أصحاب قرابة رحمية) أحقُّ بالإرث من الأجانب، فالآية تشمل كل قريب للميت. كما استدلوا بأنّ بيت مال المسلمين تربطه مع الميت رابطة الأخوَّة في الدين، وذوو الأرحام تربطهم معه أخوَّة الدين مع شيء آخر وهو (قرابة الرحم) فأصبح لهم قرابتان: قرابة الدين، وقرابة الرحم، وهذا يشبه ما إذا مات إنسان عن أخ شقيق، وأخ لأب فإنّ المال كله يكون للشقيق لأنّ قرابته من جهتين: من جهة الأب ومن جهة الأم فتكون أقوى من قرابة الأخ لأب لأنه من جهة واحدة فكذلك (ذوو الأرحام). وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى عدم توريث (ذوي الأرحام) وقال: إن بيت مال المسلمين أحق بالإرث فيما إذا لم يكن للميت عصبة أو أصحاب فروض أو من يردّ عليه منهم فيصبح المال من نصيب المسلمين ويعطى لبيت المال، وحجته في ذلك أن التوريث لا بدّ فيه من نصّ في كتابٍ أو سنّة ولا يمكن أن يكون بالعقل أو الرأي ولم يرد في توريث (ذوي الأرحام) نصّ قاطع، فلا يورّثون إذاً ويكون الإرث لبيت المال. الترجيح: والصحيح هو ما ذهب إليه الحنفية وجمهور الفقهاء من توريث ذووي الأرحام فهو الظاهر من النصوص الشرعية في الكتاب والسنّة. والبحث مفصّل في علم الفرائض فليرجع إليه. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: ولاية النبي صلى الله عليه وسلم العامّة على جميع المؤمنين. ثانياً: حرمة نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيماً لشأنه. ثالثاً: تكريم النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته واجب على المسلمين. رابعاً: نسخ التوارث بالمؤاخاة والنصرة وجعله بالقرابة النسبية. خامساً: أحكام الشريعة الغراء منزلة من عند الله مسطّرة في القرآن العظيم. سادساً: توريث ذوي الأرحام مقدم على ميراث بيت مال المسلمين على الصحيح. خاتمة البحث: حكمة التشريع من حكمة الباري جلّ وعلا أن ربط بين أفراد المجتمع الإسلامي برباط (العقيدة والدين...) وعزّز تلك الروابط بـ (الأخوّة الإسلامية) التي هي مظهر القوة والعزة، وسبيل السعادة والنجاح. وقد كان التوارث في صدر الإسلام بسبب تلك الرابطة (رابطة العقيدة) و(رابطة الدين) وبسبب الهجرة والنصرة، فكان الأنصاري يرث أخاه المهاجري، ويرث المهاجري أخاه الأنصاري دون ذوي قرباه، حتى توثّقت بين المؤمنين روابط العقيدة والإيمان، وتمثّلت فيهم أخوة الإسلام {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10]، وأصبحت لحمة الإسلام أقوى من لحمة النسب، ورابطة الدين أقوى من رابطة الدم، وأصبح المسلمون كالجسد الواحد، وكالبنيان يشدّ بعضُه بعضاً. ثم نسخ الله تبارك وتعالى التوارث بين المؤمنين بسبب الدين، وبسبب الهجرة والنصرة، وجعل التوارث بسبب القرابة والنسب، وذلك تمشياً مع نظرة الإسلام المثلى، في توطيد دعائم الأسرة، لأنه أساس المجتمع الفاضل. فإذا تمكنت العلاقات الأخوية بين أفراد الأسرة تقوّي بنيان المجتمع. وإذا انحلّت هذه العلاقات، تزعزع المجتمع وانحلت أواصره. ولكنّ الله جل ثناؤه لم يورّث كلّ قريب، بل أوجب أن تكون مع القرابة رابطة الإيمان. فالابن إذا كان كافراً لا يرث أباه، والأخ غير المسلم لا يرث أخاه، وبذلك جمع الإسلام بين (رابطة الإيمان) و(رابطة النسب) وجعل القرابة غير نافعة إلا مع الإيمان. فحفظ للأسرة كرامتها، وللدين حرمته، وللقريب حقوقه، ونزل القرآن الكريم بحكمه العادل {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 75] وبقوله جل ثناؤه: {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ...}. وبذلك نُسِخَ الإرث بسبب الهجرة والنصرة، وأصبح بسبب النسب، بعد أن تقوّى الإيمان وتوطّدت دعائمه. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}... فأيُّما مؤمنٍ ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا. فمن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ".
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن صلة رحم الأبوة بالنبوة بقوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] أي أحق بهم في توليتهم من صلب النبوة من أنفسهم؛ لأنهم لا يقدرون على توليد أنفسهم في النشأة الثانية، كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه، فالنبي بمنزلة أبيهم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] يشير إلى أن أمهاتهم قلوبهم، وهنَّ أزواجه ليتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم؛ لتأخذوا من صلب النبي نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها من الآفات؛ لئلا تسقطوا بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فإنها تسقط الجنين فيرتدوا على أعقابهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. ثم قال {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6] يعني بعد أولوية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أولوا الأرحام في الدين بعضهم أولى ببعض للتربية بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكابرهم من المؤمنين الكاملين أولى بأصاغرهم من الطالبين {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: في سنة الله وتقديره للتوليد في النشأة الثانية عن النبي صلى الله عليه وسلم {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالنشأة الأخرى {وَٱلْمُهَاجِرِينَ} عما سوى الله {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ} [الأحزاب: 6] يشير إلى النفس إذا تزكت عن الخلاق الذميمة وتبدلت عداوتها، فصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيواسها ويعمل {مَّعْرُوفاً} برفق من الأفارق {كَانَ ذَلِكَ} المعروف في حق النفس مقداراً {فِي ٱلْكِتَابِ} عند الله {مَسْطُوراً} في أم الكتاب. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} [الأحزاب: 7] في الأزل وهم في كتم العدم مختفون {وَمِنْكَ} يا محمد أولا بالحبيبية {وَمِن نُّوحٍ} بالدعوة، {وَ} من {إِبْرَاهِيمَ} بالخلة، {وَ} من {مُوسَىٰ} بالمكالمة، {وَ} من {عِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} بالعبدية {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7] بالوفاء وبغلظة الميثاق يشير إلى أن غلظنا ميثاقهم بالتأييد والتوفيق للوفاء به. {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأحزاب: 8] في العهد والوفاء {عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8] لما صدقوا إظهاراً لصدقهم كما أثنى عليهم {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23] وكان سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب، والصدق أن لا يكون في أحوالكم شوب، ولا في أعمالكم عيب، ولا في اعتقادكم ريب ومن أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق، وفي الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب، وفي القول سلامته من المعارض، وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرؤ عن الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأحزاب: 8] المنكرين على هذه المقامات، المعرضين عن هذه الكرامات {عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب: 8] من الحسرات والغرامات. ثم أخبر عن كرمه مع العباد بإعطاء نعمه بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 9] يشير إلى أنواع نعمه الظاهرة والباطنة. أولها: الإيجاد من كتم العدم. وثانيها: إذ أخرجكم من العدم جعلكم أرواحاً مطهرة إنسانية {أية : فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] لا حيواناً أو نباتاً أو جماداً. وثالثها: يوم الميثاق شرفكم بخطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم إلى إصابة جوابه. ورابعها: أنعم عليكم بالنفخة الخامسة عند بعثك إلى القالب الإنساني؛ لئلا ينزلوا المنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها من المنازل إلى أن أنزلكم في المقام الإنسانية. وخامسها: عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحاً ثم صوركم في الأرحام وسواكم ثم نفخ فيه من روحه. وسادسها: شرف روحكم بتشريف إضافته إلى نفسه بقوله: {أية : مِن رُّوحِي} تفسير : [ص: 72] وما أعطى هذا التشريف لروح من أرواح الملائكة المقربين. وسابعها: {أية : أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً}تفسير : [النحل: 78] ثم بالإلهامات الربانية علمكم ما يحتاجون إليه من أسباب المعاش. وثامنها: ألهمكم فجوركم وتقواكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد للرجوع إلى المعاد. وتاسعها: أرسل إليكم الأنبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية إلى نور الخالقية. وعاشرها: أنعم عليكم بالإيمان ثم بالإيقان ثم بالإحسان ثم بالعرفان ثم بالعيان ثم بالعين ثم أتاكم من كل ما سألتموه {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] وذكر نعمة استعمالها في عبودية إذا شكر نعمة، وشكر النعمة رؤية النعمة أن يرى نعمة توفيقه لأداء شكره إلى أن نعجز عن أداء شكره، فإن نعمه غير متناهية وشكرك متناه، فرؤية العجز عن أداء الشكر حقيقة الشكر، ومن الشكر بذكر ما سلف من الذي دفع عنده وأنت بصدده من أنواع البلاء والمحن والمصائب والمكائد. فمن جملة ذلك قوله: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] به يشير إلى جنود الشياطين وجنود وصفات النفس وجنود الدنيا وزينتها {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} [الأحزاب: 9] من نكبات قهرها {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] من حفظنا وعصمتها {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب: 9] من الميل إلى الدنيا وشهواتها بصيراً بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد وهو لم يشعر، وكم من شغل كان بصدده فصده عنه وهو لم يعلم، وكم أمر عوقه والعبد يصبح وهو يعلم أن في تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره وبقوله: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} [الأحزاب: 10] يشير إلى الآفات السماوية أو {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الأحزاب: 10] من متولدات البشرية إذا أحاط بكم سرداق البلاء وأحدق بكم أحكام القضاء {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10] من تراكم البلاء وترادف النكبات، وقد ضاق نطاق طاقة البشرية من ضعف الإنسانية لولا أن تداركتكم العناية لأهلكتكم تعاقب النكابة {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} [الأحزاب: 10] وداخلكم كوامن الارتياب وبدا في سويدائكم جولان الشكوك؛ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً، ثم أنال عنهم جملتها وهون عليهم شدتها حتى تفرقت عن قلوبهم همومها فجرت ينابيع السكينة عنها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى المؤمنين، خبرًا يعرفون به حالة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة فقال: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أقرب ما للإنسان، وأولى ما له نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه عليه الصلاة والسلام، بذل لهم من النصح، والشفقة، والرأفة، ما كان به أرحم الخلق، وأرأفهم، فرسول اللّه، أعظم الخلق مِنَّةً عليهم، من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على يديه وبسببه. فلذلك، وجب عليهم إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس، مع مراد الرسول، أن يقدم مراد الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول، بقول أحد، كائنًا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه. وهو صلى اللّه عليه وسلم، أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده. فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام، لا في الخلوة والمحرمية، وكأن هذا مقدمة، لما سيأتي في قصة زيد بن حارثة، الذي كان قبل يُدْعَى: "زيد بن محمد" حتى أنزل اللّه {أية : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } تفسير : فقطع نسبه، وانتسابه منه، فأخبر في هذه الآية، أن المؤمنين كلهم، أولاد للرسول، فلا مزية لأحد عن أحد وإن انقطع عن أحدهم انتساب الدعوة، فإن النسب الإيماني لم ينقطع عنه، فلا يحزن ولا يأسف. وترتب على أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، أنهن لا يحللن لأحد من بعده، كما الله صرح بذلك: {أية : وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا}. تفسير : { وَأُولُو الأرْحَامِ } أي: الأقارب، قربوا أو بعدوا { بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } [أي]: في حكمه، فيرث بعضهم بعضًا، ويبر بعضهم بعضًا، فهم أولى من الحلف والنصرة. والأدعياء الذين كانوا من قبل، يرثون بهذه الأسباب، دون ذوي الأرحام، فقطع تعالى، التوارث بذلك، وجعله للأقارب، لطفًا منه وحكمة، فإن الأمر لو استمر على العادة السابقة، لحصل من الفساد والشر، والتحيل لحرمان الأقارب من الميراث، شيء كثير. { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } أي: سواء كان الأقارب مؤمنين مهاجرين وغير مهاجرين، فإن ذوي الأرحام مقدمون في ذلك، وهذه الآية حجة على ولاية ذوي الأرحام، في جميع الولايات، كولاية النكاح، والمال، وغير ذلك. { إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } أي: ليس لهم حق مفروض، وإنما هو بإرادتكم، إن شئتم أن تتبرعوا لهم تبرعًا، وتعطوهم معروفًا منكم، { كَانَ } ذلك الحكم المذكور { فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } أي: قد سطر، وكتب، وقدره اللّه، فلا بد من نفوذه.
همام الصنعاني
تفسير : 2315- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، في قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: [الآية: 6]، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، فأيّما رجل مات وترك ديناً فإليَّ، ومن ترك مَالاً فهو لورثته. 2316- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر: وفي حرف أُبَيّ بن كعب: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أب لهُم وأزواجه أمَّهاتُهم}. 2317- حدّثنا عبدا لرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن (بجالة التميمي)، قال: مَرَّ عُمر بغُلامٍ، وهو يقرأ: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم}: [الآية: 6]، قال: فقال عمرُ: احككها يا غلام! قال: أقرأنيها أُبَيٌّ، فأرسل إلى أُبَيّ بن كعب، فجاءه، قال: فَرَفَعَ صوته عليه، فقال أُبَيٌّ: كانَ يَشْغلني القُرْآن، إذ كان يُشغِلُكَ الصفق بالأسواق، فسكت عمر. 2318- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً}: [الآية: 6]، قال معمر، أخبرني قتادة، عن الحسن: إلاَّ أَنْ يكون لك ذو قرابة، ليس على دينك، فتوصي له بالشيء من مالك، هو وليك في النسب، وليس وَلِيكَ في الدين. 2319- قال عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لعطاء ما قوله: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً}: [الآية: 6]، قال: هو إعطاء المسلم الكافِرَ بينهما قرابة ووصيته له. 2320- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر، عن الكلبي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين، فكانوا يتوارثون بالهجرة، حتى نزلت: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ}: [الآية: 6]، فَجَمَعَ المؤمنين والمهاجرين، قال: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً}: [الآية: 6]، إلاَّ أن توصُوا لأوليائكم، يعني الذين كان النبي صلى اله عليه وسلم آخرى بينهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):