Verse. 3540 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَاِذْ اَخَذْنَا مِنَ النَّـبِيّٖنَ مِيْثَاقَہُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوْحٍ وَّاِبْرٰہِيْمَ وَمُوْسٰى وَعِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ۝۰۠ وَاَخَذْنَا مِنْہُمْ مِّيْثَاقًا غَلِيْظًا۝۷ۙ
Waith akhathna mina alnnabiyyeena meethaqahum waminka wamin noohin waibraheema wamoosa waAAeesa ibni maryama waakhathna minhum meethaqan ghaleethan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم» حين أخرجوا من صلب آدم كالذرّ جمع ذرة وهي أصغر النمل «ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم» بأن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته وذكر الخمسة من عطف الخاص على العام «وأخذنا منهم ميثاقا غليظا» شديدا بالوفاء بما حملوه وهو اليمين بالله تعالى ثم أخذ الميثاق.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبـي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1] وأكده بالحكاية التي خشى فيها الناس لكي لا يخشى فيها أحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: { أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] أكده بوجه آخر وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ } كأنه قال اتق الله ولا تخف أحداً واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من الميثاق المأخوذ من النبيين إرسالهم وأمرهم بالتبليغ. المسألة الثانية: خص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم كان العرب يقولون بفضله وكانوا يتبعونه في الشعائر بعضها، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان، وعلى هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوح فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنذار ولهذا أهلك قومه وأغرقوا. المسألة الثالثة: في كثير من المواضع يقول الله: { أية : عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } تفسير : [البقرة: 87] { أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } تفسير : [المائدة: 17] إشارة إلى أنه لا أب له إذ لو كان لوقع التعريف به، وقوله: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } غلظ الميثاق هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال تعالى: { أية : ولنسألن المرسلين } تفسير : [الأعراف: 6] وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله فهو ميثاق، فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون ذلك تغليظاً للميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يمكن أن يقال بأن المراد من قوله تعالى: { أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } تفسير : [النساء: 21] هو الإخبار بأنهم مسؤلون عنها كما قال النبـي عليه الصلاة والسلام: « حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته » تفسير : وكما أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء جعل الأنبياء قائمين بأمور أمتهم وإرشادهم إلى سبيل الرشاد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} أي عهدهم على الوفاء بما حمّلوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدّق بعضهم بعضاً؛ أي كان مسطوراً حين كتب الله ما هو كائن، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء. {وَمِنْكَ} يا محمد {وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} وإنما خصّ هؤلاء الخمسة وإن دخلوا في زمرة النبيّين تفضيلاً لهم. وقيل: لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وأولُو العزم من الرسل وأئمة الأمم. ويحتمل أن يكون هذا تعظيماً في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين؛ أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع، أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أي كان في ابتداء الإسلام توارثٌ بالهجرة، والهجرة سبب متأكد في الدّيانة، ثم توارثوا بالقرابة مع الإيمان وهو سبب وكِيد؛ فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخِذ عليهم المواثيق؛ فلا تُداهنوا في الدين ولا تمالئوا الكفار. ونظيره: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ـ إلى قوله ـ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}تفسير : [الشورى: 13]. ومِن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار. وقيل: أي النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطوراً ومأخوذاً به المواثيق من الأنبياء. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي عهداً وثيقاً عظيماً على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضاً. والميثاق هو اليمين بالله تعالى؛ فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأوّل باليمين. وقيل: الأوّل هو الإقرار بالله تعالى، والثاني في أمر النبوّة ونظير هذا قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} تفسير : [آل عمران: 81] الآية. أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نبيّ بعده. وقدّم محمداً في الذكر لما روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} قال: «كنت أوّلَهم في الخلق وآخرَهم في البعث»تفسير : . وقال مجاهد: هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء: أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إِقامة دين الله تعالى، وإِبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إِرسالهم، وكذلك هذا، ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضاً في هذه الآية، وفي قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13] فذكر الطرفين، والوسط الفاتح، والخاتم، ومن بينهما على الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فبدأ في هذه الآية بالخاتم؛ لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} الآية. قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدأ بي قبلهم» تفسير : سعيد بن بشير فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به مرسلاً، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتاده موقوفاً، والله علم. وقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم موقوف وحمزة فيه ضعف، وقد قيل: إِن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم عليه الصلاة والسلام، كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إِليهم، يعني: ذريته، وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لو سويت بين عبادك، فقال: إِني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} وهذا قول مجاهد أيضاً، وقال ابن عباس: الميثاق: الغليظ العهد. وقوله تعالى: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل. وقوله تعالى: {عَن صِدْقِهِمْ} أي: من أممهم {عَذَاباً أَلُيماً} أي: موجعاً، فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم، وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء، وإِن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال؛ كما يقول أهل الجنة: {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } حين أُخرجوا من صلب آدم، كالذّرّ جمع ذَرَّة: وهي أصغر النمل {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } بأن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته، وذكر الخمسة من عطف الخاص على العام {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَٰقاً غَلِيظاً } شديداً بالوفاء بما حُمِّلُوهُ وهو اليمين بالله تعالى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } العامل في الظرف محذوف، أي واذكر، كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله، واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين. قال قتادة: أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصاً أن يصدق بعضهم بعضاً، ويتبع بعضهم بعضاً. وقال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضاً، وأن ينصحوا لقومهم. والميثاق هو اليمين، وقيل: هو: الإقرار بالله، والأوّل أولى، وقد سبق تحقيقه. ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ولغيرهم، فقال: {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل؛ لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل، وتقديم ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا يخفى. قال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذرّ. ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ فقال: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } أي عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا وما أخذه الله عليهم، ويجوز: أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرّتين، فأخذ عليهم في المرّة الأولى مجرّد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد. ثم أخذه عليهم ثانياً مغلظاً مشدّداً، ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } تفسير : [آل عمران: 81]. واللام في قوله: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } يجوز أن تكون لام كي، أي لكي يسأل الصادقين من النبيين عن صدقهم في تبليغ الرسالة إلى قومهم، وفي هذا وعيد لغيرهم؛ لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم؟ وقيل: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما في قوله: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6] ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي فعل ذلك ليسأل {وَأَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً } معطوف على ما دل عليه {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } إذ التقدير: أثاب الصادقين وأعدّ للكافرين، ويجوز أن يكون معطوفاً على {أخذنا} لأن المعنى: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ليثيب المؤمنين وأعدّ للكافرين. وقيل: إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأوّل، ومن الأوّل ما أثبت مقابله في الثاني، والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعدّ لهم عذاباً أليماً. وقيل: إنه معطوف على المقدّر عاملاً في ليسأل كما ذكرنا، ويجوز أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } وتكون جملة: {وَأَعَدَّ }، مستأنفة لبيان ما أعدّه للكفا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } هذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معها خوف من أحد وقوله: {عليكم} متعلق بالنعمة إن كانت مصدراً أو بمحذوف هو حال، أي كائنة عليكم، ومعنى: {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } حين جاءتكم جنود، وهو ظرف للنعمة، أو للمقدّر عاملاً في {عليكم}، أو لمحذوف هو اذكر، والمراد بالجنود: جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزوه إلى المدينة، وهي الغزوة المسماة «غزوة الخندق» وهم: أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف، وعيينة بن حصن الفزاري ومن معه من قومه غطفان وبنو قريظة والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوّال سنة خمس من الهجرة، قاله ابن إسحاق. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كانت في سنة أربع. وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } معطوف على {جاءتكم}. قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم، ويدلّ على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : والمراد بقوله: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } الملائكة. قال المفسرون: بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه: يا بني فلان هلمّ إليّ، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } قرأ الجمهور: {تعملون} بالفوقية، أي بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه، وقرأ أبو عمرو بالتحتية أي بما يعمله الكفار من العناد لله ولرسوله، والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة. {إِذْ جَاؤوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ } "إذ" هذه وما بعدها بدل من "إذ" الأولى، والعامل في هذه هو العامل في تلك. وقيل: منصوبة بمحذوف هو: اذكر، ومعنى {مّن فَوْقِكُمْ }: من أعلى الوادي، وهو من جهة المشرق، والذين جاؤوا من هذه الجهة هم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن وسيدهم عوف بن مالك، وأهل نجد، وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضمّ إليهم عوف بن مالك وبني النضير، ومعنى {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ }: من أسفل الوادي من جهة المغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش، وسيدهم أبو سفيان بن حرب، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حييّ بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق، ومعهم عامر بن الطفيل، وجملة: {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ } معطوفة على ما قبلها، أي مالت عن كل شيء، فلم تنظر إلا إلى عدوّها مقبلاً من كل جانب. وقيل: شخصت دهشاً من فرط الهول والحيرة {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } جمع حنجرة، وهي جوف الحلقوم، أي ارتفعت القلوب عن مكانها، ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها، وهو الذي نهايته الحنجرة، لخرجت، كذا قال قتادة. وقيل: هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب، وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان ولا خرجت عن موضعها ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها. قال الفراء: والمعنى: أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتدّ خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره. {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } أي الظنون المختلفة، فبعضهم ظنّ النصر ورجا الظفر، وبعضهم ظنّ خلاف ذلك. وقال الحسن: ظنّ المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه، وظنّ المؤمنون أنه ينصر. وقيل: الآية خطاب للمنافقين، والأولى ما قاله الحسن. فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على الإطلاق أعمّ من أن يكون مؤمناً في الواقع أو منافقاً واختلف القراء في هذه الألف في {الظنونا}: فأثبتها وصلاً ووقفا نافع وابن عامر وأبو بكر، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي، وتمسكوا بخط المصحف العثماني وجميع المصاحف في جميع البلدان فإن الألف فيها كلها ثابتة، واختار هذه القراءة أبو عبيد إلا أنه قال: لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهنّ بل يقف عليهنّ، وتمسكوا أيضاً بما في أشعار العرب من مثل هذا. وقرأ أبو عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب بحذفها في الوصل والوقف معاً، وقالوا: هي من زيادات الخط، فكتبت كذلك، ولا ينبغي النطق بها. وأما في الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره. وقرأ ابن كثير والكسائي وابن محيصن بإثباتها وقفاً، وحذفها وصلاً، وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف في علم النحو، وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله: {الرسولا} {والسبيلا} كما سيأتي آخر هذه السورة. {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } الظرف منتصب بالفعل الذي بعده. وقيل: بـ {تظنون}، واستضعفه ابن عطية، وهو ظرف مكان، يقال: للمكان البعيد هنالك، كما يقال: للمكان القريب: هنا، وللمتوسط هناك. وقد يكون ظرف زمان، أي: عند ذلك الوقت ابتلي المؤمنون، ومنه قول الشاعر:شعر : وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت فهناك يعترفون أين المفزع؟ تفسير : أي في ذلك الوقت، والمعنى: أن في ذلك المكان، أو الزمان اختبر المؤمنون بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال؛ ليتبيّن المؤمن من المنافق {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } قرأ الجمهور: {زلزلوا} بضم الزاي الأولى وكسر الثانية على ما هو الأصل في المبنيّ للمفعول، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بكسر الأولى، وروى الزمخشري عنه أنه قرأ بإشمامها كسراً، وقرأ الجمهور: {زلزالاً} بكسر الزاي الأولى، وقرأ عاصم والجحدري وعيسى بن عمر بفتحها. قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح. نحو: قلقلته قلقالاً، وزلزلوا زلزالاً، والكسر أجود. قال ابن سلام: معنى {زلزلوا}: حرّكوا بالخوف تحريكاً شديداً. وقال الضحاك: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق. وقيل: المعنى: أنهم اضطربوا اضطراباً مختلفاً، فمنهم من اضطرب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه. {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } معطوف على {إذ زاغت الأبصار}، والمرض في القلوب هو: الشك والريبة، والمراد بـ {المنافقون}: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وبـ {الذين في قلوبهم مرض}: أهل الشك، والاضطراب. {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } من النصر والظفر {إِلاَّ غُرُوراً } أي باطلاً من القول، وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلاً من أهل النفاق والشك، وهذا القول المحكي عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون المذكورة، أي كان ظنّ هؤلاء هذا الظنّ، كما كان ظنّ المؤمنين النصر وإعلاء كلمة الله. {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي: من المنافقين. قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين. وقال السديّ: هم: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وقيل: هم أوس بن قبطي وأصحابه. والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والقول الذي قالته هذه الطائفة هو قوله: {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ } أي لا موضع إقامة لكم، أو لا إقامة لكم ها هنا في العسكر. قال أبو عبيد: يثرب اسم الأرض، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها قال السهيلي: وسميت يثرب، لأن الذي نزلها من العمالقة اسمه يثرب بن عبيل، قرأ الجمهور: "لا مقام لكم" بفتح الميم، وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة بضمها، على أنه مصدر من أقام يقيم، وعلى القراءة الأولى هو اسم مكان {فَٱرْجِعُواْ } أي إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء المنافقون: ليس ها هنا موضع إقامة، وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة. {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ } معطوف على {قالت طائفة منهم} أي يستأذنون في الرجوع إلى منازلهم، وهم: بنو حارثة، وبنو سلمة، وجملة: {يَقُولُونَ } بدل من قوله: {يستأذن} أو حال أو استئناف جواباً لسؤال مقدّر، والقول الذي قالوه هو قولهم: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي ضائعة سائبة ليست بحصينة ولا ممتنعة من العدوّ. قال الزجاج: يقال: عور المكان يعور عوراً وعورة، وبيوت عْورة وعِورة، وهي مصدر. قال مجاهد ومقاتل والحسن: قالوا: بيوتنا ضائعة نخشى عليها السرّاق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدوّ، ولا نأمن على أهلنا. قال الهروي: كل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة، والعورة في الأصل: الخلل فأطلقت على المختل، والمراد: ذات عورة، وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي: "عورة" بكسر الواو، أي قصيرة الجدران. قال الجوهري: العورة كل حال يتخوّف منه في ثغر أو حرب. قال النحاس: يقال أعور المكان: إذا تبينت فيه عورة، وأعور الفارس: إذا تبين منه موضع الخلل، ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ } فكذّبهم الله سبحانه فيما ذكروه، والجملة في محل نصب على الحال، ثم بيّن سبب استئذانهم وما يريدونه به، فقال: {إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } أي ما يريدون إلا الهرب من القتال. وقيل: المراد: ما يريدون إلا الفرار من الدين {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا } يعني بيوتهم أو المدينة، والأقطار: النواحي جمع قطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: لو دخلت عليهم بيوتهم أو المدينة من جوانبها جميعاً لا من بعضها، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة، واستبيحت ديارهم، وهتكت حرمهم، ومنازلهم {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ } من جهة أخرى عند نزول هذه النازلة الشديدة بهم {لآتَوْهَا } أي لجاؤوها أو أعطوها، ومعنى الفتنة هنا: إما القتال في العصبية، كما قال الضحاك، أو الشرك بالله والرجعة إلى الكفر الذي يبطنونه ويظهرون خلافه، كما قال الحسن. قرأ الجمهور: {لآتوها} بالمدّ، أي لأعطوها من أنفسهم، وقرأ نافع وابن كثير بالقصر، أي لجاؤوها {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا إِلاَّ يَسِيراً } أي بالمدينة بعد أن أتوا الفتنة إلا تلبثاً يسيراً حتى يهلكوا، كذا قال الحسن والسديّ والفراء والقتيبي. وقال أكثر المفسرين: إن المعنى: وما احتسبوا عن فتنة الشرك إلا قليلاً، بل هم مسرعون إليها راغبون فيها، لا يقفون عنها إلاّ مجرّد وقوع السؤال لهم، ولا يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة مع أنها قد صارت عورة على الحقيقة، كما تعلّلوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة، ولم تكن إذ ذاك عورة. ثم حكى الله سبحانه عنهم ما قد كان وقع منهم من قبل، من المعاهدة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات في الحرب، وعدم الفرار عنه فقال: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلآدْبَـٰرَ } أي من قبل غزوة الخندق ومن بعد بدر، قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ، وهم: بنو حارثة وبنو سلمة {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْؤُولاً } أي مسؤولاً عنه، ومطلوباً صاحبه بالوفاء به، ومجازي على ترك الوفاء به. {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ } فإن من حضر أجله مات أو قتل فرّ أو لم يفرّ {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً بعد فرارهم إلى أن تنقضي آجالهم، وكل ما هو آت فهو قريب قرأ الجمهور: {تمتعون} بالفوقية، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية الساجي عنه بالتحتية. وفي بعض الروايات «لا تمتعوا» بحذف النون إعمالاً لـ "إذن"، وعلى قراءة الجمهور هي ملغاة. {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } أي هلاكاً أو نقصاً في الأموال وجدباً ومرضاً {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً } يواليهم، ويدفع عنهم {وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم من عذاب الله. وقد أخرج الطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني: أن أعرابياً قال: يا رسول الله، أيّ شيء كان أوّل نبوّتك؟ قال: "حديث : أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً }، ودعوة إبراهيم قال:{وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} [البقرة: 29]، وبشرى عيسى ابن مريم" تفسير : ورأت أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، متى أخذ ميثاقك؟ قال: «حديث : وآدم بين الروح والجسد»تفسير : . وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الدلائل عنه قال: قيل: يا رسول الله، متى كنت نبياً؟ قال: «حديث : وآدم بين الروح والجسد»تفسير : . وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها. وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } الآية قال: "حديث : كنت أوّل النبيين في الخلق وآخرهم في البعث"تفسير : فبدأ به قبلهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: {مِيثَـٰقَهُمْ } عهدهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } قال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج الحاكم وصحّحه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا؛ نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أشدّ ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ } فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون ونحن ثلثمائة، أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلا حتى مرّ عليّ وما عليّ جنة من العدوّ ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي، فقال: "حديث : من هذا؟" تفسير : فقلت: حذيفة، قال: "حديث : حذيفة؟"تفسير : ، فتقاصرت إلى الأرض، فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، قال: "حديث : قم"تفسير : . فقمت، فقال: "حديث : إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم"تفسير : ، قال: وأنا من أشدّ القوم فزعاً وأشدّهم قرّاً، فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته"تفسير : ؛ قال: فوالله ما خلق الله فزعاً ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئاً؛ فلما وليت قال: "حديث : يا حذيفة لا تحدثنّ في القوم شيئاً حتى تأتيني"تفسير : ، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل، ثم دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيل الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبراً، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم، ثم خرجت نحو النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق، أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارساً معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون، وأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وأبو الشيخ وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب، فقالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: إن الحرّة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : ، فذلك قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : . وأخرج البخاري وغيره عن عائشة في قوله: {إِذْ جَاؤوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ } الآية قالت: كان ذلك يوم الخندق. وفي الباب أحاديث في وصف هذه الغزوة، وما وقع فيها، وقد اشتملت عليها كتب الغزوات والسير. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب، وهي المدينة تنفي البأس كما ينفي الكير خبث الحديد»تفسير : . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة، هي طابة» تفسير : ولفظ أحمد «إنما هي طابة» وإسناده ضعيف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ } قال: هم بنو حارثة قالوا: {بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي: مختلة نخشى عليها السرق. وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا } قال: لأعطوها: يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ميثاقهم على قومهم أن يؤمنوا بهم، قاله ابن عباس. الثاني: ميثاق الأمم على الأنبياء أن يبلغوا الرسالة إليهم، قاله الكلبي. الثالث: ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً، قاله قتادة. {وَمِنكَ وَمِن نَّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِنَ نُّوحٍ} قال "حديث : كُنتُ أَوَّلَهُم فِي الخَلْقِ وَآخِرَهُم في البَعْثِ ". تفسير : {وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثاقاً غَلِيظاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الميثاق الغليظ تبليغ الرسالة. الثاني: يصدق بعضهم بعضاً. الثالث: أن يعلنوا أن محمداً رسول الله، ويعلن محمد أنه لا نبي بعده. وفي ذكر من سمى من الأنبياء مع دخولهم في ذكر النبيين وجهان: أحدهما: تفضيلاً لهم. الثاني: لأنهم أصحاب الشرائع. قوله تعالى: {لِّيَسْأَلَ الصَادِقِينَ عَنَ صِدْقِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، حكاه النقاش. الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم، حكاه النقاش ابن عيسى. الثالث: ليسأل الأنبياء عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم، حكاه ابن شجرة. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة.

ابن عطية

تفسير : {إذ} يحتمل أن تكون ظرفاً لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون {إذ} متعلقة بقوله {أية : كان ذلك في الكتاب مسطوراً}تفسير : [الأحزاب: 6]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول، وهذا "الميثاق" المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا فأخذ الله تعالى حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضاً وبجميع ما تتضمنه النبوءة، وروي نحوه عن أبيّ بن كعب، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها، وذكر الله تعالى {النبيين} جملة، ثم خصص بالذكر أفراداً منهم تشريفاً وتخصيصاً، إذ هؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، ذكره الثعلبي، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفاً خاصاً له أيضاً، وروي عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث"تفسير : ، وكرر "أخذ الميثاق" لمكان الصفة التي وصف بها قوله {غليظاً} إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوتها، واللام في قوله {ليسأل} متعلقة بــ {أخذنا}، ويحتمل أن تكون لام كي، أي بعثت الرسل وأخذت عليها المواثيق في التبليغ لكي يجعل الله خلقه فرقتين، فرقة صادقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة والتقرير كما قال لعيسى عليه السلام "أأنت قلت للناس" فتجيبه بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها فيثيبها على ذلك، وفرقة كفرت فينالها ما أعد لها من العذاب الأليم ويحتمل أن تكون اللام في قوله {ليسأل} لام الصيرورة، أي أخذ المواثيق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا والأول أصوب، والصدق في هذه الآية يحتمل أن يكون المضاد للكذب في القول، ويحتمل أن يكون من صدق الأفعال واستقامتها، ومنه عود صدق وصدقني السيف والمال، وقال مجاهد {الصادقين} في هذه الآية أراد بهم الرسل، أي يسألهم عن تبليغهم، وقال أيضاً أراد المؤدين المبلغين عن الرسل وهذا كله محتمل، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} الآيات إلى قوله تعالى: {أية : يا أيها النبي قل لأزواجك} تفسير : [الأحزاب: 28]. نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر، فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود، وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرضوهم على ذلك، وأجمعت قريش السير إلى المدينة، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة، واتصل الخبر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه، وكان أمراً لم تعهد العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه، فورد الأحزاب من قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف عليهم أبو سفيان بن حرب، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر ابن الطفيل، إلى غير هؤلاء، فحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على ما قال بن إسحاق، وقال مالك كانت سنة أربع، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدنة وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن هذا الحصار داخلهم بنو النضير، فغدروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهوده، وصاروا له حزباً مع الأحزاب، فضاق الحال على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر ويعد النصر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر بمنعة الخندق وبما رأوا من جلد المؤمنين، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث، وقيل غير هذا، فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه، فكان ذلك حاجزاً بينهم، ثم إن الله تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه عليه السلام على الكفار، وهجمت بيوتهم، وأطفأت نارهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار، وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل مثل فعلها، وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر، فانصرفوا خائبين فهذه الجنود التي لم تر. وقرأ الحسن "وجَنوداً" بفتح الجيم، وقرأ الجمهور "تعملون" بالتاء فكأن في الآية مقابلة لهم، أي أنتم لم تروا جنوده وهو بصير بأعمالكم يبين في هذا القدرة والسلطان، وقرأ أبو عمرو وحده "يعملون" بالياء على معنى الوعيد للكفرة، وقرأ أبو عمرو أيضاً بالتاء وهما حسنتان، وروي عن أبي عمرو "لم يروها" بالياء من تحت، قال أبو حاتم قراءة العامة "لم تروها" بالتاء من فوق، "يعملون" بالياء من تحت، وروي عن الحسن ونافع "تِعلمون" بالتاء مكسورة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِيثَاقَهُمْ} على قومهم أن يؤمنوا بهم "ع"، أو ميثاق الأمم على الأنبياء أن يبلغوهم، أو ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً {وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث " تفسير : وخص هؤلاء بالذكر تفضيلاً، أو لأنهم أصحاب الشرائع. {مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تبليغ الرسالة، أو أن يصدق بعضهم بعضاً، أو أن يعلنوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول ويعلن محمد أن لا رسول بعده.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} أي على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضاً ويبشر بعضهم ببعض، وقيل على أن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وينصحوا لقومهم {ومنك} يعني يا محمد {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر تشريفاً له وتفضيلاً. ولما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه سلم قال "حديث : كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث"تفسير : . قال قتادة وذلك قول الله {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} فبدأ به صلى الله عليه وسلم {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أي عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا من تبليغ الرسالة {ليسأل الصادقين عن صدقهم} يعني أخذ ميثاقهم لكي يسأل الصادقين يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه سبحانه وتعالى صادقون تبكيت من أرسلوا إليهم وقيل ليسأل الصادقين عن صدقهم عن عملهم لله عز وجل وقيل ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم {وأعد للكافرين عذاباً أليماً} قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} وذلك حين حوصر المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أيام الخندق {إذ جاءتكم جنود} يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير {فأرسلنا عليهم ريحاً} يعني الصبا قال عكرمة قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل. فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور"تفسير : . وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه، قوله تعالى {وجنوداً لم تروها} يعني الملائكة، ولم تقاتل ملائكة يومئذ فبعث الله عز وجل تلك الليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل حي يقول يا بني فلان النجاء النجاء هلموا إلي فإذا اجتمعوا عنده قال النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث الله عليهم من الرعب {وكان الله بما تعملون بصيراً}. ذكر غزوة الخندق وهي الأحزاب قال: البخاري قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع من الهجرة. وروى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال: دخل حديث بعضهم في بعض أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهو ابن قيس وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه سلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال الله تعالى فيهم {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}تفسير : [النساء: 51] إلى قوله {أية : وكفى بجهنم سعيراً}تفسير : [النساء: 55]. قال فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه سلم. فاجتمعوا على ذلك ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان وقيساً وغيلان فاجتمعوا على ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وإن قريشاً قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي وكان أو مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يومئذ حر. فقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا ضربنا خندقاً علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه. وروي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت ". تفسير : قال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا، حتى إذا كنا تحت أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة حتى كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها أمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال حديث : فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال يا رسول الله خرجت لنا صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبنا منها شيء قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه سلم مع سلمان إلى الخندق واستند على شق الخندق وأخذ عليه الصلاة والسلام المعول من سلمان وضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها يعني المدينة، حتى كأنه مصباح في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق حتى أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه سلم فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه وأخذ بيد سلمان ورقي فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم وقال: أرأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق البرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور قيصر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا تفسير : فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا قال: فنزل القرآن: {أية : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}تفسير : [الأّحزاب: 12]. وأنزل الله: {أية : قل اللهم مالك الملك}تفسير : [آل عمران: 26] الآية (ق) عن أنس قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال "حديث : اللهم إن العيش عيش الآخرة؛ فاغفر للأنصار والمهاجرة"تفسير : فقالوا مجيبين له: شعر : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا تفسير : عن البراء بن عازب قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب وهو يقول: شعر : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا تفسير : ويرفع بها صوته. "وفي رواية قد وارى التراب بياض إبطيه" رجعنا إلى حديث ابن إسحاق قال "لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجمتع الأسيال من دومة من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نعمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فرفعوا إلى الآطام, وخرج عدو الله حييّ بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وكان قد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ يا كعب افتح لنا فقال: ويحك يا حييّ إنك امرؤ مشؤوم إني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً فقال: ويحك افتح أكلمك قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا خوفاً أن آكل معك فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نعمى إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه. فقال: له كعب جئتني والله بذلّ الدهر وبجام قد يهرق ماؤه ويرعد ويبرق ليس فيه شيء دعني ومحمداً وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء. فلم يزل حييّ بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه من الله عهداً وميثاقاً لئن رجعت قريش ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد العهد وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف. فقال: حديث : انطلقوا حتى تنظروا ما بلغنا عن هؤلاء القوم أحق أم لا فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا للناستفسير : ، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عقد بيننا وبينه ولا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلاً عنده حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا وقالوا: عضل والقارة لغدر، عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمينتفسير : ، وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. وقال: أوس بن قيظي أحد بني حارثة يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو، وذلك على الملأ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون عليها بعضاً وعشرين ليلة قريباً من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى، فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه. فقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا. قال حديث : بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهمتفسير : . فقال: له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأصنام لا نعبد الله ولا نعرفه ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة واحدة إلا قرى أو بيعاً فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه سلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبدالله بن ضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم، فمروا على بني كنانة فقالوا تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكاناً من الخندق ضيقاً وضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله، قال علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما. قال: أجل قال له علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك. قال: إني أدعوك إلى النزال قال: ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال علي: لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل علي علي فتناولا وتجاولا فقتله علي وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار أصابه سهم فمات بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة. فقال: يا معشر العرب قتله أحسن من هذه فنزل إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لا حاجة لنا في جسدهم وثمنه فشأنكم به تفسير : فخلى بينهم وبينه قالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة وكان من أحرز حصون المدينة و كانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربة وهو يقول: شعر : لا بأس بالموت إذا حان الأجل تفسير : فقالت: له أمه الحق يا بني فقد والله أجزت. قالت عائشة: يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت اسبغ مما هي وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. قالت: فرمي سعد يومئذ بسهم فقطع منه الأكحل رماه خباب بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة. قال سعد: عرق الله وجهك في النار، ثم قال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فابقني لها فإنه لا قوم أحب لي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قال محمد بن إسحاق: فيما بلغه أن صفية بنت عبد المطلب كانت في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون في نحر عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آتٍ، قالت: فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قلت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئاً اعتجرت ثم أخذت عموداً ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن. فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه حاجة يا بنت عبد المطلب قالوا: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فأمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعةتفسير : . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديماً لهم في الجاهلية. فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بين و بينكم، قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشاً وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وإن قريشاً وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره وإن قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين هذا الرجل والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به، إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً حتى تناجزوه، قالوا لقد أشرت برأي ونصح ثم خرج حتّى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمداً فقد بلغني أمر رأيت حقاً عليَّ أن أبلغكم نصحاً لكم فاكتموا علي. قالوا نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فنضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم. فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعث إليكم يهود يلتمسون رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت قال فاكتموا علي. قالوا نفعل فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثلما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان ممن صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان. فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً. وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً فإننا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان تعلمن والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحقّ فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إن والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً فأبوا عليهم. وخذل الله عز وجل بينهم وبعث عليهم الريح في ليل شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل قوم ليلاً. وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وروى غيره عن إبراهيم التيمي عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي. قال: كيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد. قال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه وفعلنا معه وفعلنا فقال حذيفة: يا ابن أخي لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حديث : من يذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة تفسير : فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوناً من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوناً من الليل ثم التفت إلينا فقال: حديث : هل من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنةتفسير : فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حذيفة ولم يكن لي بد من القيام حين دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لبيك يا رسول الله، وقمت حتى أتيته فأخذني بيدي ومسح رأسي ووجهي ثم قال حديث : ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئاً حتى ترجع إلي. ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحتهتفسير : . فأخذت سهمي وشددت على أسلابي انطلقت أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء قال وأبو سفيان قاعد يصطلي فأخذت سهماً فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحدثن حدثاً حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء قام فقال يا معشر قريش ليأخذ كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو؟ فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟؟ فقال سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن فلان من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل: ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما سلم أخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفء فأدفأني النبي صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى عليَّ طرف ثوبه وألصق صدري ببطن قدميه، فلم أزل نائماً حتى أصبحت فلما أصبحت، قال: قم يا نومان.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَٰقَهُمْ} المعنى واذكر إذ أخذنا من النبيين، وهذا الميثاق. قال الزجاج وغيره: إنه الذي أخذ عليهم وَقْتَ استخراج البَشَرِ من صلب آدم. كالذر، بالتبليغ وبجميعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النبوَّة. وروي نحوُه عَنْ أُبَيِّ بْنُ كعب. وقالت فرقة: بل أشار إلى أَخذ الميثاقِ عليهم وَقْتَ بَعْثِهِم وإلقاءِ الرسالة إليهم، وذكر تَعَالَى النبيينَ جملةً، ثم خَصَّصَ أولِي العَزْمِ منهم تشريفاً لهم، واللام في قوله {لِّيَسْئَلَ} يحتمل أن تَكونَ لاَم كَي، أو لامَ الصَّيْرُورَة.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏} ‏ قال‏:‏ في ظهر آدم ‏{‏وأخذنا منهم ميثاقاً غليظا‏ً}‏ قال‏:‏ أغلظ مما أخذه من الناس ‏{‏ليسأل الصادقين عن صدقهم‏} قال‏:‏ المبلغين من الرسل المؤدين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أخذ الله على النبيين خصوصاً أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يتبع بعضهم بعضاً‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني رضي الله عنه‏:‏ حديث : ‏ أن أعرابياً قال‏:‏ يا رسول الله ما أول نبوّتك‏؟‏ قال‏: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا ‏{‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظا‏ً} ودعوة أبي إبراهيم قال {‏وابعث فيهم رسولاً منهم} ‏[‏البقرة: 129‏]‏ وبشارة المسيح ابن مريم، ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها‏:‏ أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام‏ . تفسير : وأخرج الطيالسي والطبراني وابن مردويه عن أبي العالية رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى، وكلتا يدي الرحمن يمين، فأما أصحاب اليمين فاستجابوا إليه فقالوا‏:‏ لبيك ربنا وسعديك قال ‏{‏ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏}‏ [‏الأعراف: 172‏]‏ فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم‏:‏ يا رب لم خلطت بيننا فإن ‏{‏لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون‏}‏‏‏ [المؤمنون: 63] قال‏:‏ أن يقولوا يوم القيامة ‏{إنا كنا عن هذا غافلين‏}‏‏ [الأعراف: 172] ثم ردهم في صلب آدم عليه السلام فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، فقال قائل‏:‏ فما العمل إذا‏ً؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏يعمل كل قوم لمنزلتهم، فقال‏:‏ ابن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ إذن نجتهد يا رسول الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"حديث : قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك‏؟‏ قال‏:‏ "‏وآدم بين الروح والجسد"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ متى استنبئت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق"‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قيل يا رسول الله متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والجسد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ميسرة الفخر رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : ‏قلت يا رسول الله متى كنت نبياً‏؟‏ قال‏: وآدم بين الروح والجسد ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ "حديث : ‏‏قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوّة‏؟‏ قال‏:‏ بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم عن الصنابحي قال‏: ‏"حديث : ‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ متى جعلت نبياً‏؟‏ قال: "‏وآدم منجدل في الطين" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن أبي الجدعاء رضي الله عنه قال‏:‏ "‏حديث : ‏‏قلت يا رسول الله متى جعلت نبيا‏؟‏ قال‏: وآدم بين الروح والجسد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه‏‏"حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا‏ً؟‏ قال‏: وآدم بين الروح والطين‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ‏ {‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏}‏. قال: "بدىء بي في الخير. وكنت آخرهم في البعث". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح}قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : ‏كنت أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ‏ {‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏}‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : أولهم نوح، ثم الأول فالأول‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله {‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال ‏"حديث : ‏كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدئ به قبلهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ خيار ولد آدم خمسة‏:‏ نوح‏.‏ وإبراهيم‏.‏ وموسى‏.‏ وعيسى‏.‏ ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ميثاقهم‏} ‏ عهدهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ‏ {‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏} قال‏:‏ إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم‏. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : ليس من عالم إلا وقد أخذ الله ميثاقه يوم أخذ ميثاق النبيين، يدفع عنه مساوىء عمله لمحاسن عمله، إلا أنه لا يوحي إليه‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} [الآية: 7]. قال بعضهم: أخذ ميثاق النبيين بالعموم على لسان السفراء والوسائط وأخذ ميثاق الرسول صلى الله عليه وسلم كفاحًا مشافهة بلا واسطة فأظهر الأنبياء مواثيقهم لعمومها وأخفى النبى ميثاقه لأنه فى محل الخصوص فأخبر الله تعالى عنه فى كتابه بقوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم تعجبًا فقال: "حديث : لو تعلمون ما أعلم"تفسير : وكذلك مواثيق خصائص الأحباب تكون سرًا لا يطلع عليها سواهم.

القشيري

تفسير : أخذَ ميثاق النبيين وقتَ استخراج الذرية من صُلب آدم - فهو الميثاق الأول، وكذلك ميثاق الكلِّ. ثم عند بَعْثِ كلِّ رسول ونُبُوَّةِ كلِّ نبيِّ أخذ ميثاقة، وذلك على لسانِ جبريل عليه السلام، وقد استخلص الله سبحانه نبيَّنا عليه السلام، فأسمعه كلامَه - بلا واسطة - ليلةَ المعراج. وكذلك موسى عليه السلام -أخذ الميثاق منه بلا واسطة ولكن كان لنبينا - صلى الله عليه وسلم - زيادة حال؛ فقد كان له مع سماع الخطاب كشفُ الرؤية. ثم أخذ المواثيق من العُبَّاد بقلوبهم وأسرارهم بما يخصهم من خطابه، فلكلِّ من الأنبياء والأَولياء والأكابر على ما يُؤهلهم له، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر"تفسير : وغيرُ عمر مشارِكٌ لعمر في خواص كثيرة، وذلك شيء يتمُّ بينهم وبين ربِّهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} الميثاق الغليظ الذى اخذ الله من الانبياء ميثاق المحبة ان لا يشتغل احد منهم بغيره من العرش الى الثرى ويوافق بعضهم بعضا فيما اخبر الحق بلسانهم من نفسه فاخذا ميثاق من الجميع بالوسايط ومن نبينا صلى الله عليه وسلم كفاجا بلا واسطة بين فضله على الجميع ثم بين فضل شيخ الانبياء وفضل الخليل والكليم وعيسى عليهم السّلام وقال بعضهم اخذ ميثاق النبين بالعموم على لسان السقر والوسائط واخذ ميثاق الرسول مشافهة بلا واسطة فاظهر الانبياء مواثيقهم لعمومها واخفى النبى صلى الله عليه وسلم ميثاق لانه فى محل الخصوص فاخبر الله عنها كفاية بقوله فاوحى الى عبده ما اوحى اخبر النبى صلى الله عليه وسلم تعجبا وقال او تعلمون واعلم كذلك مواثيق خصائص الاحباب يكون سر لا يطلع عليهم سواهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ اخذنا من النبيين} اى واذكر يا محمد لقومك او ليكن ذكر منك يعنى لا تنس وقت اخذنا من الانبياء كافة عند تحميلهم الرسالة {ميثاقهم} الميثاق عقد يؤكد بيمين اى عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء الى الدين الحق {ومنك} اى واخذنا منك يا حبيبى خاصة وقدم تعظيما واشعارا بانه افضل الانبياء واولهم فى الخلق وان كان آخرهم فى البعث وفى الحديث "حديث : انا سيد ولد آدم ولا فخر" تفسير : اى لا قول هذا بطريق الفخر {ومن نوح} شيخ الانبياء واول الرسل بعد الطوفان {وابراهيم} الخليل {وموسى} الكليم {وعيسى بن مريم} روح الله خصهم بالذكر مع اندراجهم فى النبيين للايذان بمزيد فضلهم وكونهم من مشاهير ارباب الشرائع واساطين اولى العزم من الرسل {واخذنا منهم} اى من النبيين {ميثاقا غليظا} اى عهدا وثيقا شديدا على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالات واداء الامانات وهذا هو الميثاق الاول بعينه والتكرير لبيان هذا الوصف {ليسأل الصادقين عن صدقهم} متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان ما هو داع الى ما ذكر من اخذ الميثاق وغاية له لا باخذنا فان المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان الغرض منه بيانا قصديا كما ينبئ عنه تغيير الاسلوب بالالتفت الى الغيبة. والمعنى فعل الله ذلك ليسأل يوم القيامة الانبياء الذين صدقوا عهودهم عما قالوا لقومهم: يعنى [از راستئ ايشان در سخن كه باقوم كفته اند] ـ روى ـ فى الخبر انه يسأل القلم يوم القيامة فيقول ما فعلت بامانتى فيقول يا رب سلمتها الى اللوح ثم يصير القلم يرتعد مخافة ان لا يصدقه اللوح فيسأل اللوح فيقر بان القلم قد ادى الامانة وانه قد سلمها الى اسرافيل فيقول لاسرافيل ما فعلت بامانتى التى سلمها اليك اللوح فيقول سلمتها الى جبريل فيقول لجبريل ما فعلت بامانى فيقول سلمتها الى انبيائك فيسأل الانبياء فيقولون سلمناها الى خلقك فذلك قوله {ليسأل الصادقين عن صدقهم} قال القرطبى اذا كان الانبياء يسألون فكيف من سواهم شعر : دران روز كز فعل برسند وقول اولوا العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبيا توعذر كنه را جه دادى بيا تفسير : وفى مسألة الرسل والله يعلم انهم لصادقون التبكيت للذين كفروا بهم واثبات الحجة عليهم ويجوز ان يكون المعنى ليسأل المصدقين للانبياء عن تصديقهم لان مصدق الصادق صادق. وفى الاسئلة المقحمة ما معنى السؤال عن الصدق فان حكم الصدق ان يثاب عليه لا ان يسأل عنه والجواب ان الصدق ههنا هو كلمة الشهادتين وكل من تلفظ بهما وارتسم شعائرهما يسأل عن تحقيق احكامهما والاخلاص فى العمل والاعتقاد بهما كما قال الراغب ليسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله ففيه تنبيه على انه لا يكفى الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل شعر : ازعشق دم مرن جونكشتى شهيد عشق دعوئ اين مقام درست ازشهادتست تفسير : وفى المثنوى شعر : وقت ذكر غزو وشمشيرش دراز وقت كروفر تيغش جون يياز تفسير : قال الجنيد قدس سره فى الآية ليسأل الصادقين عن صدقهم اى عنده لا عندهم انتهى وهذاالذى فسره معنى لطيف فان الصدق والاسلام عند الخلق سهل ولكن عند الحق صلب فنسأل الله ان يجعل صدقنا واسلامنا حقيقيا {واعد} [واماده كرد وساخت] {للكافرين} المكذبين للرسل {عذابا اليما} [عذابى دردناك ودردنماى] وهو عطف على ما ذكر من المضمر وعلى ما دل عليه ليسأل الخ كأنه قال فاثاب المؤمنين واعد للكافرين عذابا اليما. وفى التأويلات النجمية {واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم} فى الازل وهم فى كتم العدم مختفون {ومنك} يا محمد اولا بالحبيبية {ومن نوح} بالدعوة {و} من {ابراهيم} بالخلة {و} من {موسى} بالمكالمة {و} من {عيسى بن مريم} بالعبدية {واخذنا منهم ميثاقا غليظا} بالوفاء وبغلظة الميثاق يشير الى انا غلظنا ميثاقهم بالتأييد والتوفيق للوفاء به {ليسأل الصادقين} فى العهد والوفاء به {عن صدقهم} لما صدقوا اظهارا كما اثنى بقوله {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : فكان سؤال تشريف لاسؤال تعنيف ايجاب لا سؤال عتاب. والصدق ان لا يكون فى احوالك شوب ولا فى اعمالك عيب ولا فى اعتقادك ريب. ومن امارات الصدق فى المعاملة وجود الاخلاص من غير ملاحظة مخلوق. وفى الاحوال تصفيتها من غير مداخلة اعجاب. وفى القول السلامة من المعاريض. وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس. وفيما بينك وبين الله ادامة التبرى من الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازى شوقا الى الوجود الحقيقى واعد للكافرين المنكرين على هذه المقامات المعرضين عن هذه الكرامات عذابا اليما من الحسرات والغرامات انتهى. قال البقلى ان الله تعالى اراد بذلك السؤال ان يعرّف الخلق شرف منازل الصادقين فرب قلب يذوب من الحسرة حيث ما عرفهم وما عرف قدرهم قال تعالى {أية : ذلك يوم التغابن} تفسير : وصدقهم استقامة اسرارهم مع الحق فى مقام المحبة والاخلاص. قال سهل يقول الله لهم لمن عملتم وماذا اردتم فيقولون لك عملنا واياك اردنا فيقول صدقتم فوعزته لقوله لهم فى المشاهدة صدقتم ألذ عندهم من نعيم الجنة شعر : لذت شيرينئ كفتار جانان لذتيست كز دماغ جان كى بيرون شود برحالتست تفسير : قال فى كشف الاسرار [مصطفى را عليه السلام برسيدند كه كمال در جيست جواب داد كه كفتار بحق وكردار بصدق. وكفته اند صدق را دو درجه است يكى ظاهر ويكى باطن اما ظاهر سه جيزاست دردين صلابت ودر خدمت سنت ودر معاملت خشيت. وآنجه باطنست سه جيزاست آنجه كويى كنى وبآنجه نمايى دارى وآنجه كه دارى دهى وباشى]. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اسوداد الوجوه من الحق المكروه كالغيبة والنميمة وافشاء السر فهو مذموم وان كان صدقا فلذلك قال تعالى {ليسأل الصادقين عن صدقهم} اى هل اذن لهم فى افشائه اولا فما كل صدق حق انتهى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ أخذنا}؛ حين أخذنا {من النبيين ميثاقهم} بتبليغ الرسالة، والدعاء إلى الدين القيم، وإرشاد العباد ونصحهم. وقيل: أخذه عليهم في عالم الذر. قال أُبيّ بن كعب: لما أخرج الله الذرية، كانت الأنبياء فيهم مثل السُرُج، عليهم النور، فخُصُّوا بميثاقٍ وأخذ الرسالة والنبوة، وقال القشيري: أخذ الميثاق الأوَل وقت استخراج الذرية من صُلب آدم، عندَ بعثة كل رسول، ونُبُوَّة كل نبيٍّ، أخذ ميثاقه، وذلك على لسان جبريل عليه السلام، ومنَ اختصه بإسماعه كَلاَمَهُ بلا واسطة ملك كنبينا ليلة المعراج، وموسى - عليهما السلام - فأخذ الميثاق منهم بلا واسطة، وكان لنبينا - عليه الصلاة والسلام - زيادة حال؛ بأن كان مع سماع الخطاب كشف الرؤية. ثم أخذ المواثيق من العباد بقلوبهم وأسرارهم. هـ. قال في الحاشية: والذي يظهر: أن أخذ الميثاق منهم مباشرة لا بوحي، وذلك في الغيب، ولذلك قدّم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه النور الأول قبل آدم، ثم انتقل إلى ظهره، وحينئذ، فأخذ الميثاق هنا غيبي، ولذلك قدّمه. وفي قوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ...}تفسير : [الشورى: 13]؛ في عالم الظهور، فلذلك قدّم نوحاً، وثنَّى بنبينا؛ لأن نوحاً أول أُولي العزم، ونبينا خاتمهم. والله أعلم. هـ. والحاصل: أن أخذ الميثاق كان مرتين؛ في عالم الغيب وفي عالم الشهادة. وهل المراد به هنا الأول أو الثاني؟ قولان. {ومنك ومن نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ابنِ مريم}، قال النسفي: وقدَّم رسول الله صلى اله عليه وسلم على نوح ومَن بعده؛ لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء؛ لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلمَّا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء قُدّم عليهم، ولولا ذلك لقدّم مَن قدمه زمانه. هـ {وأخذنا منهم ميثاقا غليظاً}؛ وثيقاً. وأعاد ذكر الميثاق؛ لانضمام الوصف إليه. وإنما فعلنا ذلك {ليَسْألَ} اللهُ {الصادقين} أي: الأنبياء: {عن صِدْقِهم}؛ عما قالوه لقومهم، وهل بلغوا ما كلفهم به. وفيه تبكيت للكفار، كقوله: {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 6]، أو: ليسأل المصدّقين للأنبياء عن تصديقهم: هل كان بإخلاص أم لا؟ لأن مَن قال للصادق: صدقت؛ كان صادقاً في قوله. أو: ليسأل الأنبياء: ما الذي أجابتهم أممهم؟ وهو كقوله: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}تفسير : [المائدة: 109]، {وأعَدَّ للكافرين} بالرسل {عذاباً أليماً}، وهو عطف على "أخذنا"، لأن المعنى: أن الله تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالدعوة إلى دينه؛ لأجل إثابة المؤمنين، وأعَدَّ للكافرين عذاباً أليماً. أو: على ما دلّ عليه: {ليسأل الصادقين}، كأنه قال: فأثاب المؤمنين، وأعدَّ للكافرين عذاباً أليماً. الإشارة: كما أخذ الله الميثاق على الأنبياء والرسل؛ أخذ الميثاق على العلماء والأولياء. أمّا العلماء؛ فعلى تبيين الشرائع وتغيير المناكر، وألا تأخذهم في الله لومة لأئم، وأما أخذه على الأولياء؛ فعلى تذكير العباد وإرشادهم إلى معرفة الله، وتربية مَن تعلّق بهم، وسياسة الخلق، ودلالتهم على الحق، فمَن قصَّر من الفريقين استحق العتاب. قال القشيري: فلكلِّ من الأولياء والأكابر حال، على ما يؤهلهم له؛ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد كان في الأمم مُحَدِّثون، وإن يكُن في أمتي فَعُمر"تفسير : ،وغير عُمَر مشارك لعُمر في خواص كثيرة، وذلك سر بينهم وبين ربِّهم. ثم قال: قوله تعالى: {ليَسْأل الصادقين عن صدقهم}؛ سؤال تشريف لا تعنيف، وإيجاب لا عتاب، والصدقُ: ألا يكون في أحوالك شَوْبٌ، ولا في اعتقادك ريب، ولا في عملك عَيْبٌ، ويقال: من أمارات الصدق في المعاملة. وجودُ الإخلاص من غير ملاحظة، وفي الأحوال: تصفيتُها [من غير مداخلة الحجاب]، وفي القول: سلامته من المعاريض، فيما بينك وبين نفسك. وفيما بينك وبين الناس: تباعدٌ في التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله: إدامة التبرَّي من الحَوْل والقوة، ومواصلة الاستقامة، وحفظ العهود معه على الدوام. في التوكل: عدَم الانزعاج عند الفَقْدِ، وزوالِ البِشْر بالوجد، وفي الأمر بالمعروف: التحرُّز من تخلل المداهنة، قليلها وكثيرها، وألاَّ يترك ذلك لِفَزَعٍ ولا طَمَع، ولكن تَشْرَبُ مما تَسْقي، وتتصف بما تأمر، وتنتهي عما تَزْجُر. ويقال: الصدق: أن يهتدي إليك كل أحد، ويكون عليك، فيما تقول وتضمر، اعتماد. ويقال: الصدق: ألا تجنحَ إلى التأويلات. انتهى كلام القشيري. ثم شرع في غزة الأحزاب التي هي المقصودة من السوّرة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا} عطف على فى كتاب الله او على فى الكتاب، او على مقدّر والتّقدير: النّبىّ اولى بالمؤمنين فى ذلك الزّمان وفى وقت اخذنا ميثاق النّبيّين، او التّقدير اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى هذا الزّمان ووقت اخذ الميثاق من النّبيّين، او معطوف على مقدّر تقديره: تذكّر ذلك واذكر اذ اخذنا {مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} فى هذا العالم بأخذ الانبياء واوصيايهم (ع) بالبيعة منهم الميثاق او فى عالم الذّرّ بأخذنا بانفسنا ميثاقهم {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} ذكر هؤلاء الخمسة بعد ذكر الانبياء عموماً للاهتمام بشأنهم لكونهم اولى العزم من الانبياء (ع) {وَأَخَذْنَا} جملة حاليّة بتقدير قد، او عطف على اخذنا، او مستأنف على مجيء الواو للاستيناف {مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} ضمير منهم راجع الى النّبيّين (ع) او الى المخصوصين المذكورين بعد النّبيّين.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} أي: في صلب آدم في تفسير الكلبي، أي: أن يبلّغوا الرسالة. قال: {وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي: بتبليغ الرسالة. وبعضهم يقول: وأن تعلموا أن محمداً رسول الله، وتصديق ذلك عنده في قوله: (أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) تفسير : [الزخرف: 45] أي: جبريل فإنه كان يأتيهم بالرسالة، أي: هل أرسلنا من رسول إلا بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وتفسير الحسن في هذه الآية في آل عمران مثل هذه الآية: (أية : وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ) تفسير : [آل عمران: 81] قال: أخذ الله على النبيّين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمداً من النبيّين فإنه لا نبيّ بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدّق بالأنبياء كلّهم، ففعله صلى الله عليه وسلم. ذكروا عن بعض أهل التفسير أنه كان إذا تلا هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كنت أوّل النبيين في الخلق وآخرهم في البعث . تفسير : ذكروا عن مطرّف بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى كتبت نبوّتك؟ قال: حديث : بين الطين وبين الروح من خلق آدم .

اطفيش

تفسير : {وإذ أخذنا} أى واذكر اذا اخذنا. {من النبيين ميثاقهم} جميعا. {ومنك} قدمه لأنه اولهم في الخلق والاخذ والتقديم من عطف السابق على اللاحق لبيان افضليته والاول اولى. فقد روي عنه: "حديث : اني اول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا" تفسير : رواه قتادة، كما روي انه قال: "حديث : انا نبي وآدم بين الطين والماء ". تفسير : {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم} حين اخرجناهم من ظهر آدم كالنمل الصغار بأن يعبدوا الله ويدعوا الى عبادته ولقد وفوا بالميثاق الأنبياء ولو كانوا غير مرسلين كانوا يدعون الى عبادة الله وتوحيده وهذا الدعاء غير دعاء المرسل فان دعاء المرسل ان يدعوا الى الله ويبين لهم انه رسول الله وقد يأمر بالقتال او المراد بالنبيين النبيون المرسلون او المراد اخذ الميثاق على الايمان والعبادة وعطف الخمسة مع دخولهم في النبيين عطف خاص على عام تشريفا لهم فانهم اصحاب الكتب والشرائع واولوا العزم وقيل اخذ عنهم الميثاق ان يؤمنوا ويطيعوا ويبشر بعضهم ببعض ويصدق به وتلك اقوال الجمهور ومنهم الزجاج وابي بن كعب وقالت فرقة اشار الى اخذ الميثاق عليهم وقت بعثهم وإلقاء الرسالة اليهم. {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} هو الميثاق المذكور ولكن كرر لبيان انه غليظ ويجوز ان يكون باب التجريد البديعي كأنه قيل اخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا كما تقول لقيت بزيد الاسد وذلك تأكيدا ومبالغة والغليظ العظيم الشأن أو الشديد بالوفاء بما حملوه المؤكد باليمين بالله وأصل الغلظ فى الاجسام استعير لجلالة الشأن.

اطفيش

تفسير : {وإذْ أخَذنا مِن النَبيين} اذ مفعول به، اى واذكر اذ اخذنا، والعطف عطف قصة على اخرى، او على اتق، او على توكل او ظرف متعلق بمعطوف على "أية : مسطورا" تفسير : [الأحزاب: 6] اى ثابتا اذ اخذنا من النبيين، والوقت فى جميع الاوجه وقت استخراج ذرية آدم منه كالذر {ميثاقهم ومنْكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهيم ومُوسى وعيسى ابن مَريم} عطف ذلك كله على النبيين عطف خاص على عام، فالهاء فى ميثاقهم قبل ذكرهم عائدة اليهم، لانه فى نية التقديم، كما عادت الى النبيين، او يقدر لهم ميثاقا عطفا على معمولى عامل، اى ومنك ومن نوح الخ ميثاقهم، او ميثاقا، وخصوا بالذكر لزيادة التشريف وهم اولو العزم مع نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قدم مع انه آخرهم لزيادة التشريف له عليهم، وأيضا هو مقدم عليهم خلقا لروحه ونوره، واثباتا لنبوته فى اللوح، وفى الضياء عن أبى بن كعب، عن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : بدئ بي الخلق وأنا أخيرهم"تفسير : وعن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بدئ بي الخلق وأنا أخير الانبياء في البعث"تفسير : وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد" تفسير : فلا دليل فيه على تقديم نبوته. {وأخَذنا مِنهُم} من نوح ومن بعده فى الآية، او من النبيين عموما، ومن ذكر خصوصا {ميثاقا غليظا} عظيم الشأن قويا، وهذا الاخذ وقت الخروج كالذر، وهذا تأكيد للأول، وسوغ العطف تنزيل التغاير بذكر الوصف منزلة التغاير الذاتى، لما وصفه بالغلظ كان كغير الاول، كما قال: "أية : فلما جاء أمرنا نجينا هوداً" تفسير : [هود: 58]الخ، وقال: "أية : ونجيناهم من عذاب غليظ" تفسير : [هود: 58] وقيل: الميثاق الغليظ اليمين، فهو غير الميثاق الاول زائد عليه، وعلى كل حال اخذ الله على الانبياء ان يؤمن كل بالاخر، ويتابعه، وبأن يؤمنوا بان محمد صلى الله عليه وسلم الله، وانه لا نبى بعده.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ } مقدر باذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفاً على خبر {كان} وهو بعيد وإن كان قريباً، ولما كان ما سبق متضمناً أحكاماً شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل: {وَإِذْ } الخ أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذر، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضاً واتباع بعضهم بعضاً، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضاً والإعلان بأن محمداً رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبـي بعده. {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْن مَرْيَمَ } تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجاً بيناً للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع. واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبـي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبـي عاصم والضياء في «المختارة» عن أبـي بن كعب مرفوعاً «بدىء بـي الخلق وكنت آخرهم في البعث»، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»تفسير : ، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حديث : قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسدتفسير : ، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى [13] أعني قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } تفسير : الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن المنير: السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } أي عهد عظيم الشأن أو وثيقاً قوياً وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: {أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [هود: 58] إثر قوله سبحانه: {أية : جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ }تفسير : [هود: 58] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل: وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقاً غليظاً مثلاً، وقال سبحانه ما في النظم الكريم، وقيل: الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله {أية : يا أيها النبي اتق الله ولا تُطِع الكافرين والمنافقين} تفسير : [الأحزاب: 1] إلى قوله: {أية : وكفى بالله وكيلاً}تفسير : [الأحزاب: 3] فلذلك تضمن الأمر بإقامة الدين على ما أراده الله تعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى نبذ سنن الكافرين الصرحاء والمنافقين من أحكام الهوى والأوهام. فلما ذكر ذلك وعقب بمثل ثلاثة من أحكام جاهليتهم الضالة بما طال من الكلام إلى هنا ثُني عنان الكلام إلى الإعلام بأن الذي أمره الله به هو من عهود أخذها الله على النبيئين والمرسلين من أول عهود الشرائع. وتربط هذا الكلام بالكلام الذي عطف هو عليه مناسبة قوله: {أية : كان ذلك في الكتاب مسطوراً}تفسير : [الأحزاب: 6]. وبهذا الارتباط بين الكلامين لم يُحتج إلى بيان الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيئين، فعُلم أن المعنى: وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم بتقوى الله وبنبذ طاعة الكافرين والمنافقين وباتباع ما أوحى الله به. وقوله {أية : إن الله كان عليماً حكيماً}تفسير : [الأحزاب: 1] {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً} فلما أمر النبي بالاقتصار على تقوى الله وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين، أُعلم بأن ذلك شأن النبيئين من قبله، ولذلك عطف قوله {ومنك}عقب ذكر النبيئين تنبيهاً على أن شأن الرسل واحد وأن سنة الله فيهم متحدة، فهذه الآية لها معنى التذييل لآية {أية : يا أيها النبي اتق الله ولا تُطع الكافرين والمنافقين}تفسير : [الأحزاب: 1] الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات الثلاث المتقدمة. وقوله {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} الآيتين لهما موقع المقدمة لقصة الأحزاب لأن مما أخذ الله عليه ميثاق النبيئين أن ينصروا الدين الذي يرسله الله به، وأن ينصروا دين الإسلام، قال تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لَتُؤْمِنُنَّ به ولتنصرُنّه}تفسير : [آل عمران: 81] فمحمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالنصرة لدينه بمن معه من المسلمين لقوله في هذه الآية: {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً} وقال في الآية الآتية في الثناء على المؤمنين الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه {أية : ليجزي الله الصادقين بِصدْقِهم ويعذِّب المنافقين} تفسير : الآية[الأحزاب: 24]. وقد جاء قوله: {وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم} جارياً على أسلوب ابتداء كثير من قصص القرآن في افتتاحها بــــ {إذْ} على إضمار (اذكر). و{إذْ} اسم للزمان مجرد عن معنى الظرفية. فالتقدير: واذكر وقتاً، وبإضافة {إذ} إلى الجملة بعده يكون المعنى: اذكر وقتَ أخذِنا ميثاقاً على النبيين. وهذا الميثاق مجمل هنا بينته آيات كثيرة. وجُماعها أن يقولوا الحق ويبلِّغوا ما أمروا به دون ملاينة للكافرين والمنافقين، ولا خشية منهم، ولا مجاراة للأهواء، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم. وأن الله واثقهم ووعدهم على ذلك بالنصر. ولما احتوت عليه هذه السورة من الأغراض مزيد التأثر بهذا الميثاق بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم وشديد المشابهة بما أخذ من المواثيق على الرسل من قبله. ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى هنا: {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}تفسير : [الأحزاب: 4] وقوله في ميثاق أهل الكتاب {أية : ألَمْ يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} تفسير : في سورة الأعراف (169). وفي تعقيب أمر الرسول بالتقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين والتثبيت على اتّباع ما يوحى إليه، وأمره بالتوكل على الله، وجعلها قبل قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود}تفسير : [الأحزاب: 9] الخ.. إشارة إلى أن ذلك التأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه إذ ردّ عنهم أحزاب الكفار والمنافقين بغيظهم لم ينالوا خيراً ما هو إلا أثر من آثار الميثاق الذي أخذه الله على رسوله حين بعثه. والميثاق: اسم العهد وتحقيق الوعد، وهو مشتق من وثق، إذا أيقن وتحقق، فهو منقول من اسم آلة مجازاً غلب على المصدر، وتقدم في قوله تعالى: {أية : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} تفسير : في سورة البقرة (27). وإضافة ميثاق إلى ضمير النبيئين من إضافة المصدر إلى فاعله على معنى اختصاص الميثاق بهم فيما أُلزموا به وما وعدهم الله على الوفاء به. ويضاف أيضاً إلى ضمير الجلالة في قوله {أية : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به}تفسير : [المائدة: 7]. وقوله {ومنك ومن نوح} الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن هؤلاء المذكورين أفضل الرسل، وقد ذُكر ضمير محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم إيماء إلى تفضيله على جميعهم، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في الوجود. ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف (من) عليه بخصوصه، ثم أدخل حرف (مِن) على مجموع الباقين فكان قد خصّ باهتمامين: اهتمام التقديم، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم السلام. وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم {أية : ما وصَّى به نوحاً}تفسير : [الشورى: 13] على {أية : والذي أوحينا إليك}تفسير : [الشورى: 13] طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله تعالى: {أية : شَرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم} تفسير : الآية [الشورى: 13]. وجملة {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أعادت مضمون جملة {وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم} لزيادة تأكيدها، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ، أي: عظيماً جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظَمٌ فلما وصف هذا بــــ {غليظاً} أفاد أن له عظماً خاصاً، وليعلّق به لام التعليل من قوله {لِيَسْأل الصادقين}. وحقيقة الغليظ: القويّ المتين الخلق، قال تعالى: {أية : فاستغلظ فاستوى على سوقه}تفسير : [الفتح: 29]. واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ من كل صنف هو أمكنُه في صفات جنسه. واللام في قوله {ليسأل الصادقين عن صدقهم} لام كي، أي: أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدِّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفاً. وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيين وهي آخر العِلل حصولاً فأشعر ذكرُها بأن لهذا الميثاق عِللاً تحصل قبل أن يُسْأل الصادقون عن صدقهم، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك هو ما يُسأل العاملون عن عمله من خير وشرٍ. وضمير {يسأل} عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة. والمراد بالصادقين أمم الأنبياء الذين بلغهم ما أُخذ على أنبيائهم من الميثاق، ويقابلهم الكافرون الذين كذبوا أنبياءهم أو الذين صدقوهم ثم نقضوا الميثاق من بعد، فيشملهم اسم الكافرين. والسؤال: كناية عن المؤاخذة لأنها من ثواب جواب السؤال أعني إسداء الثواب للصادقين وعذاب الكافرين، وهذا نظير قوله تعالى {أية : لا يُسْألُ عمّا يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23]، أي: لا يتعقب أحد فعله ولا يؤاخذه على ما لا يلائمه، وقول كعب بن زهير:شعر : وقيل: إنك منسوب ومسؤول تفسير : وجملة {وأعد للكافرين} عطف على جملة {ليسأل الصادقين} وغُيّر فيها الأسلوب للدلالة على تحقيق عذاب الكافرين حتى لا يتوهم أنهم يسألون سؤال من يُسْمَع جوابُهم أو معذرتُهم، ولإفادة أن إعداد عذابهم أمر مضى وتقرر في علم الله.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ من النبيين ميثاقهم ثم خص منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم، ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 81-82] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم في الكلام على قصة الخضر، وقد بين جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص الخسمة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13]. وبما ذكرنا تعلم: أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه. وقوله في هذه الآية الكريمة: ومنك ومن نوح من عطف الخاص على العام، وقد تكلمنا عليه مراراً والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 7- واذكر حين أخذنا من النبيين السابقين ميثاقهم - بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم - ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم عهدا عظيم الشأن. 8- ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء عمَّا قالوه لقومهم، وأعد للكافرين بالرسل عذاباً أليما. 9- يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله وفضله عليكم حين جاءتكم الأحزاب يوم الخندق فأرسلنا عليهم ريحا عاصفة باردة وملائكة لم تروها نشرت الرعب فى قلوبهم، وكان الله بصيرا بأعمالكم وصِدْق نياتكم، فتولى الدفاع عنكم. 10- حين جاءوكم من أعلى الوادى ومن أسفله، حين مالت الأبصار عن مستوى نظرها، وارتفعت القلوب إلى منتهى الحلقوم فزعاً واضطراباً، وأنتم فى ذلك الوقت العصيب تذهب بكم الظنون فى وعد الله كل مذهب. 11- فى ذلك الوقت امتحن المؤمنون بالصبر على الإيمان، واضطربوا بالخوف اضطراباً شديداً. 12- واذكر ما حدث من المنافقين ومرضى القلوب بالريب حين يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا وعداً باطلاً قصد به التغرير بنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلنَّبِيِّيْنَ} {مِيثَاقَهُمْ} {إِبْرَاهِيمَ} {مِّيثَاقاً} (7) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أولي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ هُمْ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبراهيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ العَهْدَ والمِيثَاقَ عَلَى هؤلاءِ الرُّسُلِ، وَعَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ فِي إِبلاغِ رِسَالَةِ اللهِ لِلنَّاسِ، وَإِقَامَةِ دِينِ اللهِ، وفي التَّعاوُنِ والتَّنَاصُر {أية : أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}. تفسير : وَأَعْلَمَ اللهُ تَعَالى الرُّسُلَ والأَنبياءَ أَنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي إِبلاغِ الرِّسَالةِ {أية : وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}، تفسير : فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ مِيثاقاً غَلِيظاً، عَظِيمَ الشَّأْنِ. مِيثَاقَهُمْ -العَهْدَ عَلَى الوَفَاءِ بِمَا حَمَلُوا. مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً وَثيقاً قَوِياً عَلَى الوَفَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (إذ، إذا) ظرف لحدث، تقول: إذا جاءك فلان فأكرمه، فالإكرام مُعلّق بالمجيء، والمعنى هنا: واذكر إذْ أخذ الله من النبيين ميثاقهم، وهذه قضية عامة في الرسل جميعاً، ثم فصَّلها الحق سبحانه بقوله: {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ..} [الأحزاب: 7]. الميثاق: هو العهد يُؤخذ بين اثنين، كالعهد الذي أخذه الله تعالى أولاً على الخَلْق جميعاً، وهم في مرحلة الذَّرِّ، والذي قال الله عنه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. فما العهد الذي أخذه الله على النبيين؟ العهد هنا هو: الاصطفاء والاختيار من الله لبشر أنْ يكون رسولاً وسفيراً بين الله تعالى والخلق، وحين يصطفي الله رسولاً ليبلِّغ الناس شرع الله، هذا الاصطفاء لا يرد، إذن، فهو عرض مقبول، وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهداً وميثاقاً من الله تعالى بأنْ يحمل رسالة الله إلى الخَلْق، فهي - إذن - مسألة إيجاب وقبول. فقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ ..} [الأحزاب: 7] الآخذ هو الحق سبحانه، والمأخوذ منه هم النبيون، والميثاق: العهد الموثَّق، والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على أمر يُحقِّق الصالح عندهما معاً، ولو اختلف واحد منهما ما تَمَّ العقد، فإنْ كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما يراه لنفسه في العقد. فإنْ كان الميثاق من الأعلى إلى الأدنى فهو الذي يأخذ العهد للأدنى، لماذا؟ لأنك جعلتَه في مرتبة أنْ يعطي عهداً، ويُوثق بينك وبينه أشياء؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 7]. والمواثقة مفاعلة بين الطرفين: أنتم واثقتُموه به وهو واثقكم به؛ لأن الرسل حين يختارهم الله، لا شكَّ أنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالته، فإذا اختار الله رسولاً، فقبول الرسول للرسالة ارتضاء منه بما يريده الله من العهد. وهل رأينا رسولاً في موكب الرسالات عُرِضَتْ عليه الرسالة فرفضها؟ إذن: قبول الرسالة كأنه العهد، جاء من طرف واحد في إملاء شروطه؛ لأنه الطرف الأعلى، وحيثية التوثيق في أن الله اختاره، وجعله أهْلاً للاصطفاء للرسالة. لذلك رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - لما اصطفاه الله للرسالة آنس من نفسه أنها مسألة كبيرة بالنسبة له، لكن لم يردَّها، إنما طلب من الله أنْ يسانده في هذه المسئولية أخوه هارون، فقال للحق سبحانه وتعالى: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ..} تفسير : [القصص: 34]. فلم يقل: أنا لا أصلح لهذه المسألة، إنما أذعن لأمر الله، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ومسألة العقدة التي في لسانه يستعين عليها بأخيه. إذن: كلمة (الميثاق) تدور حول الشيء المؤكَّد الموثَّق، ومنه قوله تعالى عن الأعداء: {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ..} تفسير : [محمد: 4]. ثم يأتي تفصيل هذه القضية العامة: {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ..} [الأحزاب: 7]. قوله (مِنْكَ) أي من سيدنا رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن لماذا قدَّم محمداً صلى الله عليه وسلم على نوح عليه السلام، وهو الأب الثاني للبشرية كلها بعد آدم عليه السلام؟ نعلم أن البشرية كلها من سلالة آدم عليه السلام، إلى أنْ جاء عهد نوح عليه السلام، فانقسموا إلى مؤمن وكافر، ثم جاء الطوفان ولم يَبْقَ على وجه الأرض إلا نوح ومَنْ آمن به، فكان هو الأب الثاني للبشر بعد سيدنا آدم. لذلك يقول البعض: إن نوحاً عليه السلام رسالته عامة، كما أن رسالة محمد عليه الصلاة والسلام عامة. ونقول: عمومية نوح كانت لمن آمن به ولأهل السفينة في زمن معلوم ومكان محدد، أما رسالة محمد فهي عامة في كل الزمان، وفي كل المكان. أما تقديم ذكر محمد صلى الله عليه وسلم أولاً؛ لأن الواو هنا عادة لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، إنما هي لمطلق الجمع، ثم قدم رسول الله لأنه المخاطب بهذا الكلام، ومن إكرامه الله لرسوله أنْ يبدأ به في مثل هذا المقام، ثم لهذا التقديم ملحظ آخر نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم عن نفسه "حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ". تفسير : ثم يخصُّ بالذكر هنا نوحاً؛ لأنه الأب الثاني للبشر، ثم إبراهيم وموسى وعيسى، فإبراهيم، لأن العرب كانت تؤمن به، وتعلم أنه أبو الأنبياء، وتُقدِّر علاقته بالكعبة ورَفْع قواعدها، وأنه قدوة في مسألة الذَّبْح والسَّعي وغيرها. وموسى وعيسى؛ لأن اليهودية والمسيحية ديانتان معاصرتان لدعوة رسول الله، حيث كان اليهود في المدينة، والنصارى في نجران، وهما أهل الكتاب الذين كان بينهم وبين رسول الله مواقف شتى، وكانت لهم في الجزيرة العربية السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة العمرانية والسيادة الحربية، وكأنهم هم أصحاب هذه البلاد. ومن العجيب أن هؤلاء كان الله سبحانه - في ميثاقهم مع أنبيائهم - يدخرهم ليشهدوا لمحمد بصِدْق دعوته؛ لذلك كانوا يستفحتون بمحمد على الذين كفروا ويقولون لعبدة الأصنام: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه، ونقتلكم به قتْل عاد وإرم، فكانوا يعرفون زمان رسول الله وموطنه، وأنه سيُبعث في أرض ذات نخل، ومن صفاتها كذا وكذا، لذلك لما قطَّعهم الله في الأرض أمماً وشتتهم، جاء المشتغلون منهم بالعلم إلى يثرب ينتظرون بعثته صلى الله عليه وسلم. لذلك يقول تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. إذن: فأهل الكتاب كان من المفترض فيهم أنْ يشهدوا لرسول الله بِصدْق الرسالة، لكن يحكي القرآن عنهم بعد هذا كله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. فكيف إذن تم هذا التحول؟ وكيف تنقلب عقيدة القلب إلى تمرُّد القالب؟ قالوا: إنها السلطة الزمنية التي أحبوا أنْ تبقى، وأنْ تدوم لهم. فقد بُعِث الرسول وهم أهل مال وتجارة وأهل حِرَف وعمارة، وخافوا من رسول الله ومن الدين الجديد أن يسلبهم هذه المكانة، وأنْ يقضي على هذه السيادة، لذلك قال القرآن عنهم: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [البقرة: 90]. لهذا خصَّ بالذكْر هنا موكب الأنبياء موسى وعيسى عليهما السلام. ونلحظ أن السياق ذكر موسى عليه السلام، ولم يذكر له أباً، أما في عيسى عليه السلام فقال: {وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ..} [الأحزاب: 7] وهذا دليل على أنه يؤكد الأصالة في الإنجاب، فالأب هو الأصل إنْ وَجِد مع الزوجة، فإنْ لم يوجد الأب فالأبوة للزوجة؛ لذلك نسب عليه السلام إلى أمه. وجاءت هذه المسألة لتبرهن على طلاقة القدرة الإلهية، فمسألة الخَلْق ليست عملية ميكانيكية تخضع لقانون، إنما هي قدرة الله التي خلقتْ آدم بدون أب ولا أم، وخلقت حواء من أب دون أم، وخلقتْ عيسى عليه السلام من أم بدون أب، وخلقتْ سائر الخَلْق من أب وأم، وهكذا استوفى الخَلْق القسمة العقلية في كل صورها. وقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7] أي: من الأنبياء، والميثاق الغليظ أي المؤكد، فقد وسّعه الله وأكده حينما أخبر أنبياءه ورسله أنهم سيُضطهدون وسيُحاربون من أممهم. لذلك لم يُوصَف الميثاق بأنه غليظ إلا في هذا الموضوع، وفي علاقة الرجل بالمرأة حين يطلقها، وقد فرض لها مهراً، فينبغي أنْ يُؤديه إليها، ولو كان قنطاراً، يقول سبحانه: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 21]. فسمّى الميثاق بين الزوجين ميثاقاً غليظاً أي: قوياً ومتيناً؛ لأنه في العِرْض، ولم يُوصَف الميثاق فيما دون ذلك بأنه غليظ. وهذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الرسل المذكِّرين المبشِّرين المنذرين جاء تفصيله في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. والشيء الذي شهد الله عليه لا يحتاج إلى قضاء، لكن لماذا أخذ الله هذا العهد؟ قالوا: لأن الذي لا يؤمن بإله ليس لديه دين يتعصَّب له حين يأتي رسول جديد، لكن من الصَّعب على الإنسان أن يكون له دين، ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه، وهنا تكمن المشقة التي يعانيها الرسل. لذلك قال الله تعالى للرسل: من تمام ميثاقكم أن تقولوا لأقوامكم إذا جاءكم رسول مُصدِّق لما معكم لتُؤمنن به ولتنصرنه، ثم أقررهم على ذلك، وأشهدهم عليه فشهدوا، والمعنى: إياكم أن تتركوا أممكم التي تؤمن بكم بدون أنْ تضعوا لهم هذه القاعدة، ففيها الوقاية لهم. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيَسْئَلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه أخذ من النبيين عمومًا، ومن أولي العزم -وهم، هؤلاء الخمسة المذكورون- خصوصًا، ميثاقهم الغليظ وعهدهم الثقيل المؤكد، على القيام بدين اللّه والجهاد في سبيله، وأن هذا سبيل، قد مشى الأنبياء المتقدمون، حتى ختموا بسيدهم وأفضلهم، محمد صلى اللّه عليه وسلم، وأمر الناس بالاقتداء بهم. وسيسأل اللّه الأنبياء وأتباعهم، عن هذا العهد الغليظ هل وفوا فيه، وصدقوا؟ فيثيبهم جنات النعيم؟ أم كفروا، فيعذبهم العذاب الأليم؟ قال تعالى: {أية : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 774 : 1 : 1 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد عن بن عباس في قوله {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ}، ميثاقهم على قومهم. [الآية 7].

همام الصنعاني

تفسير : 2321- حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ}: [الآية: 7]، قال: أخَذَ الله ميثاقهم أن يصدق بعضهم بعضاً.