٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
61
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً لله، تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام، ومن أنصف وطلب الحق، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى، فعند ذلك قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ } بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } إلى آخر الآية، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: اتفق أني حين كنت بخوارزم، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي: ما الدليل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم، فإن رددنا التواتر، أو قبلناه لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق، فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام، وإن اعترفنا بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعاً بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول، فقال النصراني: أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبياً بل أقول إنه كان إلٰهاً، فقلت له الكلام في النبوّة لا بد وأن يكون مسبوقاً بمعرفة الإلٰه وهذا الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإلٰه عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب أن لا يكون جسماً ولا متحيزاً ولا عرضاً وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوماً وقتل بعد أن كان حياً على قولكم وكان طفلاً أولاً، ثم صار مترعرعاً، ثم صار شاباً، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً والمحتاج لا يكون غنياً والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً. والوجه الثاني: في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حياً على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلٰهاً أو كان الإلٰه حالاً فيه أو كان جزءاً من الإلٰه حالاً فيه، فلم لم يدفعهم عن نفسه؟ ولم لم يهلكهم بالكلية؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم! وبالله أنني لأتعجب جداً! إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده. والوجه الثالث: وهو أنه: إما أن يقال بأن الإلٰه هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإلٰه بكليته فيه، أو حل بعض الإلٰه وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول: فلأن إلٰه العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إلٰه العالم، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إلٰه! ثم إن أشد الناس ذلاً ودناءة اليهود، فالإلٰه الذي تقتله اليهود إلٰه في غاية العجز! وأما الثاني: وهو أن الإلٰه بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد، لأن الإلٰه لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، وإن كان جسماً، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإلٰه، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحل، وكان الإلٰه محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخف، وأما الثالث: وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإلٰه، وجزء من أجزائه، فذلك أيضاً محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلٰهية، فعند انفصاله عن الإلٰه، وجب أن لا يبقى الإلٰه إلٰهاً، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلٰهية، لم يكن جزأ من الإلٰه، فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلاً. الوجه الرابع: في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى، ولو كان إلٰهاً لاستحال ذلك، لأن الإلٰه لا يعبد نفسه، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور، دالة على فساد قولهم، ثم قلت للنصراني: وما الذي دلك على كونه إلٰهاً؟ فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإلٰه تعالى، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فأقول: لما جوّزت حلول الإلٰه في بدن عيسى عليه السلام، فكيف عرفت أن الإلٰه ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات وجماد؟ فقال: الفرق ظاهر، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود ههنا، فقلت له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإلٰه في بدن عيسى: فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت: إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة. الوجه الخامس: أن قلب العصا حية، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً، لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلٰهاً ولا ابناً للإلٰه، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلٰهية كان ذلك أولى، وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام، والله أعلم. المسألة الثانية: روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم، فقال عليه السلام: «حديث : إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» تفسير : فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب: وكان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى، فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي رضي الله عنه خلفها، وهو يقول، إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه: حديث : فإذا أبيتم الباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما على المسلمين تفسير : ، وعليكم ما على المسلمين، فأبوا، فقال: حديث : فإني أناجزكم القتالتفسير : ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة: ألفا في صفر، وألفا في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: حديث : والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكواتفسير : ، وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. المسألة الثالثة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } أي في عيسى عليه السلام، وقيل: الهاء تعود إلى الحق، في قوله {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } تفسير : [هود: 17] {أية : مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [البقرة: 145] بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل، فقل تعالوا: أصله تعاليوا، لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء، فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين، وأصله العلو والارتفاع، فمعنى تعالى ارتفع، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة هلم. المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام {أية : وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله {أية : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ } تفسير : [الأنعام: 85] ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً، والله أعلم. المسألة الخامسة: كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلم الاثنى عشرية، وكان يزعم أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام، قال: والذي يدل عليه قوله تعالى: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } وليس المراد بقوله {وَأَنفُسَنَا } نفس محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد منه، أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً وما كان علي كذلك، ولانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه، فيبقى فيما وراءه معمولاً به، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: ويؤيد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله عليه السلام: «حديث : من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه» تفسير : فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، وذلك يدل على أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضاً من سائر الصحابة، هذا تقدير كلام الشيعة، والجواب: أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه السلام أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً رضي الله عنه ما كان نبياً، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام. المسألة السادسة: قوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي نتباهل، كما يقال اقتتل القوم وتقاتلوا واصطحبوا وتصاحبوا، والابتهال فيه وجهان أحدهما: أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء، وإن لم يكن باللعن، ولا يقال: ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد والثاني: أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله، أي لعنته وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن، لأن معنى اللعن هو الإبعاد والطرد وبهله الله، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله وناقة باهل لا صرار عليها، بل هي مرسلة مخلاة، كالرجل الطريد المنفي، وتحقيق معنى الكلمة: أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً، فقال: علي بهلة الله إن كان كذا، يقول: وكلني الله إلى نفسي، وفرضني إلى حولي وقوتي، أي من كلاءته وحفظه، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها، ويقال أيضاً: رجل باهل، إذا لم يكن معه عصاً، وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه، والقول الأول أولى، لأنه يكون قوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي ثم نجتهد في الدعاء، ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير: ثم نبتهل، أي ثم نلتعن {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } وهي تكرار، بقي في الآية سؤالات أربع. السؤال الأول: الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد في الخبر أنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه؟. والجواب: إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، وفي حق الصبيان لا يكون عقاباً، بل يكون جارياً مجرى إماتتهم وإيصال الآلام والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداءً لهم وجنة لهم، وإذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر وأقوى في تخويف الخصم، وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق معه. السؤال الثاني: هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؟. الجواب: أنها دلّت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين أحدهما: وهو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم، ولو لم يكن واثقاً بذلك، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير: أن يرغبوا في مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان من أعقل الناس، فلا يليق به أن يعمل عملاً يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم وثانيهما: إن القوم لما تركوا مباهلته، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنهم كانوا شاكين، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟. قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول: أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني: أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا: إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحاً منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى. السؤال الثالث: أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ حيث قالوا {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32] ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة، فكذا ههنا، وأيضاً فبتقدير نزول العذاب، كان ذلك مناقضاً لقوله {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33]. والجواب: الخاص مقدم على العام، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك. السؤال الرابع: قوله {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } هل هو متصل بما قبله أم لا؟. والجواب: قال أبو مسلم: إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله {ٱلْكَـٰذِبِينَ } وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان حق {إن} أن تكون مفتوحة، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله {لَهُوَ } كما في قوله {أية : إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } تفسير : [العاديات: 11] وقال الباقون: الكلام تم عند قوله {عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } وما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} أي جادلك وخاصمك يا محمد «فيه»، أي في عيسى {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بأنه عبد الله ورسوله. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} أي أقبِلوا. وضع لمن له جلالة ورِفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وسيأتي له مزيد بيان في «الأنعام». {نَدْعُ} في موضع جزم. {أَبْنَاءَنَا} دليل على أن أبناء البنات يسمَّون أبناء؛ وذلك. حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول لهم: «إن أنا دعوت فأمّنوا» تفسير : وهو معنى قوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتضرع في الدعاء؛ عن ٱبن عباس. أبو عبيدة والكسائي: نلتعِن. وأصل الأبتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره. قال لبيد:شعر : في كهولٍ سادةٍ من قومِه نظر الدهرُ إليهم فابتهل تفسير : أي ٱجتهد في إهلاكهم. يقال: بهله الله أي لعنه. والبهل اللعن. والبهل الماء القليل. وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضاً. وحكى أبو عبيدة: بهله الله يبهله بهلة أي لعنه. قال ٱبن عباس: هم أهل نجران: السيد والعاقب وٱبن الحارث رؤساؤهم. {فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} . الثانية: هذه الآية من أعلام نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه ٱضطرم عليهم الوادي ناراً فإن محمداً نبيّ مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى؛ فتركوا المباهلة وٱنصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدّوا في كل عام ألف حُلَّة في صَفَر وألف حلة في رَجَب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلاً من الإسلام. الثالثة: قال كثير من العلماء: إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} وقوله في الحسن: «حديث : إن ابني هذا سيد» تفسير : مخصوص بالحسن والحسين أن يسمَّيا ٱبنيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيرهما؛ لقوله عليه السلام: «حديث : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي»تفسير : ولهذا قال بعض أصحاب الشافعيّ فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ٱبنٍ وولد ٱبنة: إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة؛ وهو قول الشافعيّ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام والزخرف» إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {فَمَنْ حَاجَّكَ} من النصاري. {فِيهِ} في عيسى. {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي من البينات الموجبة للعلم. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} هلموا بالرأي والعزم. {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحمل عليها، وإنما قدمهم على الأنفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا. والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} عطف فيه بيان روي (أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ ما ترى فقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه خلفها وهو يقول: حديث : إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقفهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر).تفسير : وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته. {إِنَّ هَذَا} أي ما قص من نبأ عيسى ومريم. {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} بجملتها خبر إن، أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه، وما بعده خبر واللام دخلت فيه لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } صرح فيه بـ {مِنْ} المزيدة للاستغراق تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإِعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} يعم أهل الكتابين. وقيل يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة. {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها. {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها. {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ} ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا روي أنه لما نزلت {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال «حديث : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال: هو ذاك»)تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد. {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل. (تنبيه) أنظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين: أولاً، أحوال عيسى عليه الصلاة والسلام وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقاً أسهل، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ } جادلك من النصارى {فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } بأمره {فَقُلْ } لهم {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنآءَنَا وَأَبْنآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ } فنجمعهم {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } نتضرع في الدعاء {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ } بأن نقول: (اللهم العن الكاذب في شأن عيسى) وقد دعا صلى الله عليه وسلم وفد نجران لذلك لما حاجَّوه فيه فقالوا: حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك، فقال ذو رأيهم: لقد عرفتم نبوّته وأنه ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتَوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعليّ وقال لهم: " حديث : إذا دعوت فأمِّنوا " تفسير : ، فأبَوْا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية. رواه أبو نعيم وعن ابن عباس قال: (حديث : لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً)تفسير : . وروي:(حديث : لو خرجوا لاحترقوا).
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} الضمير لعيسى عليه الصلاة السلام، أو للحق [{فَقُلْ تَعَالَوْاْ}] المدعو للمباهلة نصارى نجران. {نَبْتَهِلْ} نلتعن، أو ندعو بالهلاك. شعر : ....................... نظر الدهر إليهم فابتهل تفسير : أي دعا عليهم بالهلاك، لما نزلت أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة وولديها ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ثم دعاهم إلى المباهلة فقال بعضهم لبعض: "إن باهلتموه اضطرم عليكم الوادي ناراً فامتنعوا".
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ها أنتم} بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل {ها أنتم} على وزن "هعنتم" الباقون بالمد والهمز. الوقوف: {الكاذبين} ه {القصص الحق} ج ط {إلا الله} ط {الحكيم} ه {المفسدين} ه {من دون الله} ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط {مسلمون} ه {من بعده} ط {تعقلون} ه {ليس لكم به علم} ط {لا تعلمون} ه {مسلماً} ط {المشركين} ه {والذين آمنوا} ط {المؤمنين} ه {لو يضلونكم} ط {يشعرون} ه {تشهدون} ه {تعلمون} ه. التفسير: "حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم. فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك. فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم. والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا / الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج وعليه صلى الله عليه وسلم مرط من شعر أسود. وكان صلى الله عليه وسلم قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه صلى الله عليه وسلم وعلي عليه السلام خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك. فقال صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا. فقال صلى الله عليه وسلم: فإني أناجزكم أي أحاربكم. فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا على ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا"تفسير : . وروي عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي عليه السلام ثم قال صلى الله عليه وسلم {أية : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} تفسير : [الأحزاب: 33] وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. {فمن حاجك} من النصارى {فيه} في عيسى وقيل في الحق {من بعد ما جاءك من العلم} من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي والتنزيل {فقل تعالوا} هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة. وهو في الأصل "تفاعلوا" من العلو. وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء فصار بمنزلة "هلم". {ندع أبناءنا وأبناءكم} أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأتي هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة. وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه. {ثم نبتهل} ثم نتباهل وقد يجيء "افتعل" بمعنى "تفاعل" نحو: اختصم بمعنى تخاصم. والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على الكاذب منا أي لعنته. ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من رحمته ومنه قولهم: "أبهله" إذا أهمله. وناقة بأهل لا صرار عليها بل هي مرسلة مخلاة. فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها. فكأن المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوتي وخلاني من كلائه وحفظه. هذا / أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وهو المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه. وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما. وقد تمسك الشيعة قديماً وحديثاً بها في أن علياً أفضل من سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل. وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية يزعم أن علياً أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد. قال: وذلك أنه ليس المراد بقوله: {وأنفسنا} نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره. وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذاً نفس علي هي نفس محمد. لكن الإجماع دل على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي عليه السلام قال: ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام " تفسير : فدل الحديث على أنه اجتمع فيه عليه السلام ما كان متفرقا فيهم، وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن علياً عليه السلام ما كان نبياً، فعلم أن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم فكذا في حق سائر الأنبياء، وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم في الذكر. وفيها أيضاً دلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لو لم يكن واثقاً بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم لما أحجموا عن مباهلته، وأما قول المشركين {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32] فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن من الله تعالى لرسوله. {إن هذا} الذي تلي عليك من نبأ عيسى {لهو القصص الحق وما من إله إلا الله} وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة "من" بمنزلة لا إله إلا الله مبنياً على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم {وإن الله لهو العزيز الحكيم} فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل يجب أن يكون الإله غالباً لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر على الدفع. ويلزم أن يكون عالماً / بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك {فإن تولوا} عما وصفت من التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادراً على المقدورات عالماً بجميع المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم وفوِّض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة فانخذلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله تعالى بنمط آخر من الكلام مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: {قل يا أهل الكتاب} يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله. وقيل: المراد يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعاً لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما روي أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمراد من قوله:{تعالوا} تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان. والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه. والسواء هو العدل والإنصاف لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه. أو المراد إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة بقوله: {أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} فمحل {أن لا نعبد} خفض على البدل من {كلمة} أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد. وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا. وإنما ذكر أموراً ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة. فعبدوا غير الله وهو المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أباً وابناً وروح القدس، ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم. وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة فقد أشركوا. ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لأنهم أطاعوهم في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : [الجاثية: 23] ولأن من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. فهم وإن لم يطلقوا عليهم اسم الرب إلا أنهم أثبتوا / في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء. فإن قيل: المسيح ما كان المعبود إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضاً ضائع. وإذا لم يكن الحكم إلا لله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه. "حديث : عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: هو ذاك"تفسير : . وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة. {فإن تولوا} عن التوحيد {فقولوا} أيها المسلمون لأهل الكتاب {اشهدوا بأنا مسلمون} دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب. أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين. ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله تعالى ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده. فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟ لا يقال هذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل. لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً مسلماً، وليس في الكتابين أنه كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق. وأيضاً المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم. وأيضاً لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم {ها أنتم هؤلاء} "ها" حرف التنبيه و{أنتم} مبتدأ و{هؤلاء} خبره و{حاججتم} جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة ولا ذكر له في كتابكم؟ وعن الأخفش: {ها أنتم} أصله أأنتم على الاستفهام. فقلبت الهزة هاء، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم. ثم حقق ذلك بقوله: {والله يعلم} كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة {وأنتم لا تعلمون} ثم بين ذلك مفصلاً فقال: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} كما لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم بالله عزيراً والمسيح. فإن قيل: قولكم "إبراهيم على دين الإسلام" إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان / مقرراً لشرع من قبله. قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت. فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع. روى الواحدي حديث : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش من دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأراً بمن قتل منكم ببدر. فأجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة. فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء. وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم. قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك. قال: فدعاهم النجاشي. فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله. فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر. فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك. ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي "السلام" تحية أهل الجنة. فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل. قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكلم. قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي. / فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم. فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كرام. فقال النجاشي: نجوا من العبودية. قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا ولا قطرة. قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطاراً فعليّ قضاؤه. فقال عمرو: لا ولا قيراط. قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني. قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره. كنا نكفر بالله عزّ وجلّ ونعبد الحجارة. وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له. فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك. ثم أمر النجاشي فضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فلما اجمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً؟ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ علي شيئاً مما يقرأ عليكم. فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه. فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم جعفر سورة مريم. فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم. قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم. ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بالمدينة قوله: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} تفسير : على ملته وسنته في زمانه {وهذا النبي} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {والذين آمنوا} في آخر الزمان {والله ولي المؤمنين} بالنصرة والتأييد والتوفيق والتسديد. ومعنى {أولى الناس} أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب. وقرىء {وهذا النبي} بالنصب عطفاً على الهاء في {اتبعوه} وبالجر عطفاً على {إبراهيم} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية "تفسير : ثم بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة. {وما يضلون إلا أنفسهم} لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم {وما يشعرون} أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين. ثم وبخهم على قبائح أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: {لم تكفرون بآيات الله} قيل: أي بالتوراة والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أو أن الدين عند الله الإسلام، ومعنى الكفر بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرّفونهما وينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى {وأنتم تشهدون} أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون معجزاً. وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق. وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم. فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي. ثم لما وبخهم على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء. وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق. عن الحسن وابن زيد: حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف. وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكاً للناس. قيل: إن في الكتابين ما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن. فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعل كثير من المشبهة. وهذا قول القاضي. وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ينسخ، / وكل ذلك إلقاء الشبهات. وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التدبر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا {وأنتم تعلمون} أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي.
ابن عادل
تفسير : يجوز في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكونَ شرطية - وهو الظاهرُ - أي: إن حاجَّكَ أحدٌ فقُل له كيت وكيت. ويجوز أن تكونَ موصولة بمعنى: "الذي" وإنما دخلت الفاءُ في الخبرِ لتضمُّنه معنى الشرطِ [والمحاجةِ مفاعلة وهي من اثنين، وكانَ الأمرُ كذلِكَ]. "فِيهِ" متعلق بـ "حَاجَّكَ" اي: جادلَكَ في شأنِهِ، والهاء فيها وجهان: أولهما: وهو الأظهرُ - عودُها على عيسى عليه السلامُ. الثاني: عودها على "الْحَقِّ"؛ لأنه أقربُ مذكورٍ، والأول أظْهَرُ؛ لأنَّ عيسى هو المحدَّثُ عنهُ، وهو صاحبُ القصة. قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ} متعلق بـ "حَاجَّكَ" - أيضاً - و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، ففاعل "جَاءََكَ" ضمير يعود عليها، أي: من بعد الذي جاءك هو. {مِنَ الْعِلْمِ} حال من فاعل "جَاءَكَ". ويجوز أن تكونَ موصولةً حرفيَّةً، وحينئذٍ يقال: يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعلِ، أو عَوْد الضمير على الحرف؛ لأن "جَاءَكَ" لا بد له من فاعل، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا "ما" وهي حرفية. والجوابُ: أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله: {مِنَ الْعِلْمِ} و "من" مزيدة - أي: من بعد ما جاءك العلم - وهذا إنما يتخرج على قول الأخفش؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. و "مِنْ" في قوله: "مِنَ الْعِلْمِ" يحتمل أن تكون تبعيضيَّة - وهو الظاهر - وأن تكون لبيان الجنس. والمراد بالعلم هو أنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وليس المراد - هاهنا - بالعلم نفس العلم؛ لأن العلمَ الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المرادُ بالعلم، ما ذكره من الدلائل العقلية، والدلائل الواصلة إليه بالوحي. فصل ورد لفظ "الْعِلْم" في القرآن على أربعة [أضربٍ]. الأول: العلم القرآن، قال تعالى: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران: 61]. الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أية : فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} تفسير : [الجاثية: 17] أي: محمد، لما اختلف فيه أهلُ الكتاب. الثالث: الكيمياء، قال تعالى - حكاية عن قارون -: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص: 78]. الرابع: الشرك، قال تعالى: {أية : فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [غافر: 83] أي من الشرك. فصل قال ابن الخطيب: لما كنت بخوارزم أخبرتُ أنه جاء نصرانيٌّ يَدَّعِي التحقيق والتعمق في مذهبهم، فذهَبْتُ إليه، وشرعنا في الحديث، فقال: ما الدليل على نُبُوَّةِ محمد؟ فقلتُ كما نقل إلينا ظهورُ الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء نُقِل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم فإن ردَدْنَا التواتُرَ، وقُلْنَا: إن المعجز لا يدل على الصدق فحينئذ بطل نبوة سائر الأنبياءِ - عليهم السلامُ - وإن اعترفنا بصحةِ التواتُرِ، واعترفنا بدلالةِ المُعْجِزِ على الصدقِ، فهُمَا حاصلان في مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فوجبَ الاعترافُ قطعاً بنبوةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ضرورةَ أن عند الاستواء في الدليل لا بدّ من الاستواء في حصول المدلول. فقال النصرانيُّ: أنا لا أقول في عيسى - إنه كان نبياً بل أقول: إنه كان إلهاً. فقلتُ له: الكلامُ في النبوةِ لا بد وأن يكونَ مسبوقاً بمعرفة الإلهِ وهذا الذي تقولُهُ باطلٌ، ويدلُ عليهِ وجوه: الأول: أنّ الإله عبارة عن موجودٍ واجب الوجودِ لذاتِهِ - بحيثُ لا يكون جِسماً ولا متحيّزاً ولا عرضاً - وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشريِّ الجسمانيِّ الذي وُجِدَ بعد أنْ كانَ معدوماً، وقُتِلَ - على قولِكُمْ - بعد أن كان حياً، وكان طفلاً - أولاً - ثم صار مُترعرعاً، ثم صار شاباً، ويشربُ ويُحْدِثُ وينامُ ويستيقظ وقد تقرَّرَ في بداهةِ العقولِ أن المحدث لا يكونُ قديماً والمحتاج لا يكون غَنِيًّا، والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً. الثاني: أنكم تعترفون أنَّ اليهودَ قتلوه وأخذوه، وصلبوه، وتركوه حيًّا على الخشبة، وقد مزَّقوا ضِلْعه، وأنه كان يحتال في الهَرَبِ منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزَعَ الشديدَ. فإن كان إلهاً، و كان الإله حالاًّ فيه، أو كان جُزءٌ من إله حالاًّ فيه، فلِمَ لَمْ يدفَعْهم عن نفسه؟ ولم لم يهلكهم بالكلية؟ وأيُّ حاجةٍ إلى إظهار الجَزَع منهم، والاحتيال في الفرار منهم؟ وبالله إني لأتعجَّب جداً من أن العاقلَ كيف يليق به أن يقولَ هذا القولَ، ويعتقد صحته، وبداهة العقل تكاد أن تشهد بفساده؟ الثالث: أن يقال: إن الإله إمَّا أن يكونَ هذا الشخصُ الجسمانيُّ المُشَاهَدُ، أو يقال: إن الإله بكليته فيه، أو حل بعضُ الإله فيه. والأقسام الثلاثة باطلة: أما الأول فإن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهودُ كان ذلك قولاً بأن اليهودَ قتلوا إله العالَم، فكيف بَقِيَ العالَم بعد ذلك من غير إلهٍ؟ ثم إن أشَدَّ الناس ذُلاًّ ودَنَاءَةً اليهودُ، فالإله الذي تقتله اليهودُ إلهٌ في غاية العجز. وأما الثاني: - وهو أن الإله بكليته حَلَّ في هذا الجسم - فهو أيضاً - فاسد؛ لأن الإله إن لم يكن جسماً ولا عَرَضاً امتنع حُلولُه في الجسم، وإن كان جسماً فحينئذ يكون حلوله في جسم آخرَ، عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرُّق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحلّ، وحينئذ يكون الإله محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخفٌ. وأما الثالثة: وهو أنهُ حَلَّ فيه بعضٌ من أبعاض الإله وجزء من أجزائه، وذلك - أيضاً - محالٌ؛ لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلهاً. وإن كان معتبراً في تحقق الإلهية لم يكن جُزْءاً من إله فثبت فسادُ هذه الأقسام. الوجه الرابعُ - في بطلان قول النصارى - ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله - تعالى - ولو كان إلهاً لاستحال ذلك؛ لأن الإله لا يَعْبُدُ نفسه، ثم قلت للنصراني: ما الذي دَلّكَ على كونِهِ إلهاً؟ فقال دلَّ عليه ظهورُ العجائبِ عليه من إحياء الموتى وإبْراءِ الأكمهِ والأبرصِ وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرةِ الإله - تعالى - فقلتُ لَهُ: تسلم أنَّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، أم لا؟ فإنْ لَمْ تُسَلِّمْ لزمك مِنْ نفي العالمِ في الأزلِ نفي الصانع وإن سَلَّمْتَ أنَّهُ لا يلزمُ من عدم الدليل عدم المدلول فأقول: لَمَّا جوَّزْتَ حُلُولَ الإلَهِ في بَدَنٍ عيسى عليه السلام فكيف عَرَفْتَ أنَّ الإلهَ ما حل في بَدَنِي وفي بدنِكَ، وفي بَدَنِ كلِّ حيوانٍ، ونباتٍ وجمادٍ؟ فقال: الفرقُ ظاهرٌ؛ وذلك أني إنما حكمت بذلك الحلول؛ لأنَّه ظهرتْ تلك الأفعال العجيبةُ عليه، والأفعال العديبةُ ما ظهرتْ على يديَّ وعلى يديْكَ، فعلمنا أنَّ ذلكَ الحلولَ - هاهنا - مفقودٌ، فقلتُ له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي: إنه لا يلزمُ من عدمِ الدليلِ عدمُ المدلول، وذلك أنَّ ظهورَ تلك الخوارقِ دالة على حلول الإله في بدن عيسى، فعدم ظهور الخوارقِ مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل فإذا تبيَّنَّا أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك، بل في حقّ الكلب والسِّنَّوْر والفأر، ثم قلت: إن مذهباً يؤدي إلى تجويز القول بحلول ذات الله في بدن الكلبِ والذبابِ لفي غاية الخِسَّةِ والرَّكاكة. الوجه الخامس: أن قَلْبَ العصا حَيَّةً أبعد في العقل من إعادة الميت حيًّا؛ لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبانِ، فإذا لم يوجب قلب العصا حيةً كوْن موسى إلهاً، ولا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياءُ الموتَى على الإلهية كان أولَى. قوله: {تَعَالَوْاْ} العامة على فَتْح اللام؛ لأنه أمر من تعالَى يَتَعالَى - كترامى يترامى - وأصل ألفِهِ ياء وأصل هذه [الياء] واو؛ وذلك أنه مشتقٌّ من العُلُوّ - وهو الارتفاع كما سيأتي بيانه في الاشتقاق - والواو متى وقعت رابعةً فصاعداً قُلبت ياءً فصار "تَعَالَوا" تَعَالَي، فتحرك حرفُ العلَّة، وانفتح ما قبله، فقُلِبت ألفاً فصار "تَعَالَي" - كترامى وتعادى - فإذا أمرت منه الواحد، قلتَ: تعالَ يا زيد - بحذف الألف - وكذا إذا أمرت الجمع المذكر قلت: تعَالَوْا؛ لأنك لما حَذَفْتَ الألف لأجل الأمر أبقيتَ الفتحة مشعرة بها. وإن شئت قلتَ: الأصل: تعالَيُوا، وأصل هذه الياء واو - كما تقدم - ثم استُثْقِلَت الضمة على الياء، فحُذِفت ضمتُها، فالتقى ساكنان، فحذف أوَّلُهما - وهو الياء - لالتقاء الساكنين ونزلت الفتحةُ على حالها. وإن شئت قلت: لما كان الأصل تعالَيُوا تحرك حرفُ العِلَّةِ، وانفتح ما قبله - وهو الياءُ - فقلب ألفاً، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - وهو الألف - وبقيت الفتحة دالةٌ عليه. والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف - في الوجه الأول - حُذِفَت لأجل الأمر - وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حُذِفَتْ لالتقائها مع واو الضمير. وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها: تعالَي، فهذه الياء، هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريف كما تقدم، إلا أنك تقول هنا: الكسرة على الياء بدل الضمة هناك. وأما إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول: يا زيدان تعالَيَا، ويا هندان تعالَيَا - أيضاً يستوي فيه المذكران والمؤنثان - وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول: يا نسوة تعالَيْنَ، قال تعالى: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 28]؛ إذْ لا مقتضي للحذف، ولا للقلب؛ وهو ظاهرٌ بما تمهد من القواعد. وقرأ الحسن وأبو السَّمَّال وأبو واقد: تَعَالُوا - بضم اللام - ووجهوها على أن الأصل: تعالَيُوا - كما تقدم فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فنُقِلت إلى اللام - بعد سلب حركتها - فبقي تعالُوا - بضم اللام. قال الزمخشريُّ في سورة النساء: وعلى هذه القراءة قال الحَمدَانِيّ: [الطويل] شعر : 1491-......................... تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الْهُمُومَ تَعَالِي تفسير : بكسر اللام - وقد عاب بعضُ الناس عليه في استشهاده بشعر هذا المولَّد المتأخِّر وليس بعيْبٍ؛ فإنه ذكره استئناساً. وهذا كما تقدم في أول البقرة - عندما أنشد لحبيب: [الطويل] شعر : 1492- هُمَا أظْلَمَا حَالَيَّ ثُمَّتَ أجْلَيَا ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أمْرَدَ أشْيَبِ تفسير : واعتذر هو عن ذلك فكيف يعاب عليه بشيء عَرَفَهُ، ونَبَّه عليه، واعتذر عنه؟ والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسَوُا الحرفَ المحذوف، حتى كأنهم توهَّمُوا أن الكلمةَ بنيت على ذلك، وأنّ اللام هي الآخِر في الحقيقة، فلذلك عُومِلَتْ معاملةَ الآخِر حقيقةً، فضُمَّتْ قبل واو الضمير وكُسِرَت قبل يائه، ويدل على ما قلناه أنهم قالوا: - في لم أبَلْه -: إن الأصل: أبالي؛ لأنه مضارع "بالَى" فلما دَخَلَ الجازمُ حذفوا له حرفَ العلةِ - على القاعدة - ثم تناسَوْا ذلك الحرفَ، فسكنوا للجازم اللام؛ لأنها كالأخير حقيقةً، فلما سكنت اللام التقى ساكنان - هي والألف قبلها - فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين. وهذا التعليل أوْلَى؛ لأنه يَعُمُّ هذه القراءةَ والبيت المذكور، وعلى مقتضى تعليله هو أن يقال: الأصل تعاليي، فاستُثْقلت الكسرةُ على الياء، فنُقِلت إلى اللام - بعد سَلْبِهَا حركتها - ثم حذفت الياءُ؛ لالتقاءِ الساكنَيْنِ. وتعالَ فعل صريح، وليس باسم فعل؛ لاتصال الضمائرِ المرفوعةِ البارزة به. قيل: وأصله طلب الإقبال من مكان مرتفع؛ تفاؤلاً بذلك وإدناءً للمدعو؛ لأنه من العلو والرِّفْعَة. ثم تُوُسِّعَ فيه، فاستعمل في مجرد طلب المجيء، حتى يقال ذلك لمن تريد إهانته - كقولك للعدو: تعالَ - ولمن لا يعقل كالبهائم ونحوها. وقيل: هو الدعاءُ لمكان مرتفع، ثم تُوُسِّع فيه، حتى استُعمِل في طلب الإقبال إلى كل مكان، حتى المنخفض. و "ندع" جزم على جواب الأمرِ؛ إذ يَصحُّ أن يقال: فتعالوا ندع. قوله: "أبْناءنا". قيل: أراد الحسن والحسين ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله: {أية : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ} تفسير : [الأنعام: 85] ومعلوم أن عيسى إنما انتسب إلى إبراهيم بالأم - لا بالأب - فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً. و "نِساءَنَا" فاطمة، "وَأنْفُسَنَا" عني نفسه وعلياً، والعرب تسمي ابن العم نفسه كما قال: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [الحجرات: 11] يريد إخوانكم. وقيل هو على العموم لجماعة أهل الدين. قوله: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} قال ابنُ عبّاس: نتضرع في الدعاء. وقال الكلبي: نجتهد ونبالغ في الدعاء وقال الكسائيُّ وأبو عبيدة: نَلتعن. والابتهال: افتعال، من البُهْلَة، وهي - بفتح الباء وضمها - اللعنة، قال الزمخشريُّ: ثم نتباهل بأن نقول لعنة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة - بالفتح والضم - اللعنة، وبَهَلَه الله: لعنه وأبعده من رحمته من قولك: أبهله إذا أهمله، وناقة باهل: لا صِرَارَ عليها، أي: مرسلة مُخَلاَّة - كالرجل الطريد المنفي - وإذا كان البهل هو الإرسال والتخلية، فمن بهله الله فقد خلاه، ووكله إلى نفسه، فهو هالك لا شك فيه - كالناقة الباهل التي لا حافظ لها، فمن شاء حلبها، لا تقدر على الدفع عن نفسها هذا أصل الابتهال، ثم استُعْمِل في كل دعاء مُجْتَهَدٍ فيه - وإن لم يكن التعاناً - [يعني أنه اشتهر في اللغة: فلان يبتهل إلى الله - تعالى - في قضاء حاجته، ويبتهل في كشف كربته]. قال شهاب الدّين: ما أحسن ما جعل "الافتعال" - هنا - بمعنى التفاعل؛ لأن المعنى لا يجيء إلا على ذلك، وتفاعل و "افتعل" أخوان في مواضع، نحو اجتوروا وتجاوروا، واشتوروا وتشاوروا، واقتتل القوم وتقاتلوا، واصطحبوا وتصاحبوا، لذلك صحت واو اجتوروا واشتوروا. قال الراغبُ: وأصل البهل: كون الشيء غيرَ مراعى، والباهل: البعير المُخَلَّى عن قيده والناقة المخلَّى ضرعها عن صِرَارٍ، وأنشد لامرأة: أتيتك باهلاً غير ذات صِرار. وأبهلت فلاناً: خليته وإرادته؛ تشبيهاً بالبعير الباهل، والبهل والابتهال في الدعاء: الاسترسال فيه والتضرع، نحو {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل} ومن فسر الابتهال باللعن فلأجل أن الاسترسال في هذا المكان لأجل اللعن. قال الشاعر: (وهو لبيد): [الرمل] شعر : 1493- مِنْ قُرُومٍ سَادَةٍ في قَوْمِهِمْ نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ تفسير : وظاهر هذا أنَّ الابتهال عام في كل دعاء - لعناً كان أو غيره - ثم خُصَّ في هذه الآية باللعن، وظاهر عبارة الزمخشري أن أصله خصوصيته باللعن، ثم تُجُوِّز فيه، فاستُعمِل في كل اجتهاد في دعاء - لعناً كان، أو غيره - والظاهر من أقوال اللغويين ما ذكره الراغب. قال أبو بكر بن دُرَيْد في مقصورته: [الرجز] شعر : 1494- لَمْ أرَ كَالْمُزْنِ سَوَاماً بُهَّلا تَحْسَبُهَا مَرْعِيَّةً وَهْيَ سُدى تفسير : بهلاً جمع باهلة - أي: مهملة، وفاعلة تجمع على فُعَّل، نحو ضُرَّب. والسُّدَى: المهمل - أيضاً - وأتى بـ "ثُمَّ" هنا، تنبيهاً على خطئهم في مباهلته، كأنه يقول لهم: لا تعجلوا، وتَأنَّوْا؛ لعلَّه أن يظهر لكم الحق، فلذلك أتى بحرف التراخي. قوله: {فَنَجْعَل} هي المتعدية لاثنين - بمعنى نصير - و {عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} هو المفعول الثاني. فصل روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أورد الدلالة على نصارى نجران، ثم إنهم أصرُّوا على جهلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إنَّ اللهَ يَأمُرُنِي - إن لَمْ تَقْبَلُوْا الْحُجَّةَ - أنْ أبَاهِلَكُمْ، فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع، فننظر في أمرنا، ثم نأتيك غداً، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم - يا معشر النصارى - أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيًّا - قط - فعاش كبيرُهم ولا صغيرُهم، ولأن فعلتم ذلك لنهلكن، ولكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادِعوا الرجل، وانصرِفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان قد احتضن الحُسَيْن، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفهما، وهو يقول لهم: إذَا دَعَوْتُ فأمِّنُوا، فقال أسقفُ نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يُزيل جَبَلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا، فتهلكوا ولا يبقى نصراني على وجه الأرض إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نباهلَك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإنْ أبَيْتُمُ الْمُبَاهَلَةَ فَأسْلِمُوا يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِيْنَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهمْ فأبَوْا، فقال: فَإنِّي أنَابِذُكُمْ، فقالوا ما لنا بحَرْبِ العَرَب طاقةٌ، ولكن نصالِحُكَ على أن لا تَغزُوَنا، ولا تُرُدَّنا عن ديننا، على أن نؤدِّي إليك في كل عام ألفَيْ حُلَّة - ألفاً في صَفَر وألفاً في رجب - وثلاثين درعاً عادية من حديد، فَصَالَحَهُمْ عَلَى ذلك، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الْعَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ لاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوَادِي نَاراً، وَلأسْتَأصَلَ اللهُ نَجْرَانَ وَأهْلَهُ - حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ - وَلَمَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصَارى كلِّهِمْ حَتى يَهْلِكُوا . تفسير : وروي أنه - عليه السَّلامُ - لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحَسَن، فأدْخله، ثم جاء الحُسَيْن فأدخله، ثُمّ فَاطِمَةُ، ثُم عليٌّ، ثم قال: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} تفسير : [الأحزاب: 33]. فصل قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إن القول، بأن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء أوْلَى؛ لأنه يكون قوله: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: ثم نجتهد في الدعاء، ونجعل اللعنة على الكاذب، وعلى القول بأنه الالتعان يصير التقدير: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: نَلْتَعِن، فنجعل لعنة الله على الكاذب، هو تكرارٌ. وهنا سؤالان: السؤالُ الأولُ: الأولاد إذا كانوا صِغَاراً لم يَجُزْ نزولُ العذابِ بهم، وقد ورد في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم أدْخَل في المباهلةِ الحسنَ والحسينَ، فما الفائدة فيه؟ والجواب: أن عادة الله جاريةٌ بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلك معهم الأولاد والنساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، وفي حق النساء جارياً مجرى إماتتهم، وإيصال الآلام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده، وأهله شديدة جِداً، ورُبَّما جَعَل الإنسانُ نفسَه فداءً لهم وإذا كان كذلك فهو - عليه السلامُ - أحضر صبيانه ونساءه معه، وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك، ليكون ذلك أبلغ للزجر، وأقوى في تخويف الخصم، وأدل على وثوقه صلى الله عليه وسلم بأن الحقَّ معه. السؤال الثاني: أليس أن بعض الكفار استعمل المباهلة مع نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] ثم إنه لم ينزل بهم عذاب ألبتة - فكذا ها هنا - وأيضاً فبتقدير نزول العذابِ يكون ذلك مناقضاً لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33]. الجوابُ: أن الخاص مقدَّم على العام، فلما أخبر - عليه السلامُ - بنزول العذاب في هذه القصة على التعيين، وجب أن تعتقد أن الأمرَ كذلك. فصل دلت هذه الواقعةُ على صحة نبوتِهِ - عليه السلام - من وَجْهَيْنِ: أحدهما: أنه - عليه السلام - خوفهم بنزول العذاب، ولو لم يكن واثقاً بذلك لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه؛ لأن بتقدير أن يرغبوا في مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ يظهر كذبه، فلما أصرَّ على ذلك علمنا أنه إنما أصرَّ عليه؛ لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم. وثانيهما: أن القوم - لما تركوا مباهلته - لولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته. فإن قيلَ: لم لا يجوز أن يُقال: إنهم كانوا شاكِّين، فتركوا مباهلَتَه؛ خَوْفاً من أن يكون صادقاً، فينزل بهم ما ذُكِرَ من العذاب؟ فالجوابُ: أن هذا مدفوع من وَجْهَيْنِ: الأول: أن القوم كانوا يَبْذلون النفوسَ والأموالَ في المنازعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كانوا شاكِّين لَمَا فعلوا ذلك. الثاني: أنه قد نُقل عن أولئك النصارَى أنهم قالوا: إنه والله هو النبي المبشَّرُ به في التوراةِ والإنجيلِ وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصالُ، فكان تصريحاً منهم بأن الامتناع من المباهلة كان لأجل علْمِهم بأنه نبي مُرْسَل من عند الله تعالى. فصل قال ابنُ الْخَطِيبِ: كان في الرِّيِّ رجلٌ يقال له مَحْمُود بن الحسن الحِمْصِيُّ، وكان معلم الاثني عشرية، وكان يزعم أن عليًّا - رضي الله عنه - أفضل من جميع الأنبياء - سوى محمَّد صلى الله عليه وسلم - قال: والذي يدل على ذلك قوله: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}، وليس المراد بقوله: {وَأَنفُسَنَا} نفس محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفسِ، فالمراد: أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل؛ لقيام الدلائل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان نبياً، وما كان عَلِيٌّ كذلك، ولانعقاد الاجماع على أن محمداً كان أفضل من علي، فيبقى فيما وراءه معمولاً به، ثم الإجماع دَلَّ على أنّ محمداً كان أفضلَ من سائر الأنبياء، فيلزم أن يكون عَلِيٌّ أفضلَ من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: ويؤكد هذا الاستدلالَ الحديثُ المقبولُ - عند الموافقِ والمخالفِ - وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أرَادَ أنْ يَرَى آدَمَ فِي عِلمِهِ، وَنُوحاً في طَاعَتِهِ، وإبْرَاهِيمَ فِي خُلَّتِه، وَمُوسَى في هَيْبَتِه، وَعِيْسَى في صَفْوَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ ". تفسير : فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرِّقاً فيهم، وذلك يدل على أن عَلِيًّا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم. أما سائر الشيعةِ فقد كانوا - قديماً وحديثاً - يستدلون بهذه الآية على أن عليًّا أفضلُ من سائر الصحابة؛ وذلك لأنَّ الآية لمَّا دلَّت على أن نَفْسَ عَلِيٍّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ - إلا ما خصه الدليل - وكان نفس محمد أفضل من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فوجب أن يكون نفس عليٍّ أفضل من سائر الصحابة، هذا تقريرُ كلامِ الشيعة. فالجوابُ: أنه كما انعقد الإجماع بَيْنَ المسلمين على أن محمداً أفضلُ من عليٍّ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم - قَبْلَ ظُهُورِ هذا الإنسانِ - على أن النبيَّ أفضل ممن ليس بنبيِّ، وأجمعوا على أن عليًّا ما كان نبيًّا، فلزم القطعُ على أن ظاهرَ الآية، كما أنه مخصوص في حق محمد، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياءِ - عليهم السلام -.
ابو السعود
تفسير : {فَمَنْ حَاجَّكَ} أي من النصارى إذ هم المتصدّرون للمُحاجّة {فِيهِ} أي في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه زعماً منهم أنه ليس على الشأن المحكي {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي ما يُوجِبُه إيجاباً قطعياً من الآيات البـيناتِ وسمعوا ذلك منك فلم يرعَوُوا عما هم عليه من الغي والضلال {فَقُلْ} لهم {تَعَالَوْاْ} أي هلُمّوا بالرأي والعزيمة {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} اكتُفيَ بهم عن ذكر البناتِ لظهور كونِهم أعزَّ منهن وأما النساءُ فتعلُّقُهن من جهة أخرى {وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} أي ليدعُ كلٌّ منا ومنكم نفسَه وأعِزَّةَ أهلِه وألصقَهم بقلبه إلى المباهَلة ويحمِلْهم عليها، وتقديمُهم على النفس في أثناء المباهلةِ التي هي من باب المهالكِ ومظانِّ التلفِ مع أن الرجلَ يخاطرُ لهم بنفسه ويحارب دونهم للإيذان بكمال أمنِه عليه الصلاة والسلام وتمامِ ثقتِه بأمره وقوةِ يقينِه بأنه لن يُصيبَهم في ذلك شائبةُ مكروهٍ أصلاً وهو السرُّ في تقديم جانبِه عليه السلام على جانب المخاطَبـين في كل من المقدم والمؤخرِ مع رعاية الأصلِ في الصيغة فإن غيرَ المتكلم تبعٌ له في الإسناد. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتباهلْ بأن نلعنَ الكاذبَ منا والبُهلةُ - بالضم والفتح - اللعنةُ وأصلُها التركُ من قولهم: بَهَلْتُ الناقةَ أي تركتُها بلا صِرار {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} عطفٌ على نبتهل مبـينٌ لمعناه، روي أنهم لما دُعوا إلى المباهلة قالوا: حتى نرجِعَ وننظُرَ فلما خلَوْا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: يا عبدَ المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشرَ النصارى أن محمداً نبـيٌّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبِكم، والله ما باهل قومٌ نبـياً قط فعاش كبـيرُهم ولا نبت صغيرُهم، ولئن فعلتم لتهلِكُنّ، فإن أبـيتم إلا إلفَ دينِكم والإقامةِ على ما أنتم عليه فوادِعوا الرجلَ وانصرِفوا إلى بلادكم، حديث : فأتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضِناً الحسينَ آخذاً بـيد الحسنِ وفاطمةُ تمشي خلفَه وعليٌّ خلفها - رضي الله عنهم أجمعين - وهو يقول: «إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا» فقال أسقفُ نجرانَ: يا معشرَ النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تُباهلوا فتهلِكوا ولا يبقىٰ على وجه الأرضِ نصرانيٌّ إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهِلَك وأن نُقِرَّك على دينك ونثبُتَ على ديننا، قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا أبـيتم المباهلةَ فأسلِموا يكنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين» فأبَوْا، قال عليه الصلاة والسلام: «فإني أناجِزُكم» فقالوا: ما لنا بحربِ العربِ طاقةٌ ولكن نصالِحُك على ألا تغزونا ولا تُخيفَنا ولا ترُدَّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كلَّ عامٍ ألفي حُلةٍ، ألفاً في صَفَر وألفاً في رجبٍ وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بـيده إن الهلاكَ قد تدلَّى على أهل نجرانَ، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِردةً وخنازيرَ ولاضْطَرمَ عليهم الوادي ناراً ولاستأصَلَ الله نجرانَ وأهلَه حتى الطيرَ على رؤوس الشجر، ولما حال الحولُ على النصارى كلِّهم حتى يهلكوا» «.
التستري
تفسير : قوله: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ}[61] أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة والمبتهل الداعي، والابتهال الدعاء، والمسبح الذاكر، وهو الذي لا تكتبه إلاَّ الحفظة لأنه مشاهدة المذكور في الذكر بالمذكور وهو معنى قوله: "حديث : أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} [الآية: 61]. قال جعفر: هذه إشارةٌ فى إظهار المدَّعين لأهل الحقائق؛ ليفتضحوا فى دعاويهم عند آثار أنوار التحقيق وبُطلان ظلمات الدعاوى الكاذبة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} الآية. يعني بعدما ظَهَرْتَ على صدق ما يُقال لك، وتَحقَّقْتَ بقلبك معرفة ما خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثقْ بأن لك القهر والنصرة، وأَنَّا توليناك، وفي كنف قُرْبنا آويناك، ولو أنهم رغبوا في هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيراناً مؤججة، ولكن أخَّر الله - سبحانه - ذلك عنهم لعلمه بِمَنْ في أصلابهم من المؤمنين. والإشارة في هذه الآية لِمَنْ نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار.
البقلي
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} اى من بالحجة الباطلة من المدعين الكاذبين فادع عليهم دعوة الحلم والانبساط ليهلكوا جميعا بدعوتك لانى خصصتك من بين الانبياء بمقام المحمود واستجابة الدعوة فى السجود قال جعفر الصادق هذه اشارة فى اظهار المعين لاهل الحقائق تفتتحوا فى دعواهم عند انوار التحقيق وبطلان ظلمات الدعاوى الكاذبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن حاجك} اى من النصارى اذ هم المتصدون للمحاجة {فيه} اى فى شأن عيسى عليه السلام وامه زعما منهم انه ليس على الشأن المحكى {من بعد ما جاءك من العلم} اى ما يوجبه ايجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوا ذلك منك فلم يرعووا عماهم عليه من الضلال والغى {فقل} اى فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند وهو ان تدعوهم الى الملاعنة فقل لهم {تعالوا} التعالى فى الاصل التصاعد كأن الداعى فى علو والمدعو فى سفل فامره ان يتعالى اليه ثم صار ذلك لكل مدعو اين كان اى هلموا بالرأى والعزيمة لا بالابدان لانهم مقبلون وحاضرون عنده باجسادهم {ندع ابناءنا وابناءكم} اكتفى بهم عن ذكر البنات لظهور كونهم اعزمنهن. واما النساء فتعلقهن من جهة اخرى {ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم} اى ليدع كل منا ومنكم نفسه واعزة اهله وألصقهم بقلبه الى المباهلة ويحملهم عليها {ثم نبتهل} اى نتباهل بان نلعن الكاذب ونقول لعنة الله على الكاذب منا ومنكم {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} عطف على نبتهل مبين لمعناه - روى - "حديث : انهم لما دعوا الى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر لما خلا بعضهم ببعض قالوا لعبد المسيح ما ترى فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمد نبى مرسل ولقد جاءكم بالفصل من امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فان ابيتم الا الف دينكم والاقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى وعلى خلفها رضى الله عنه وهو يقول "اذا انا دعوت فأمنوا" فقال اسقف نجران اى اعلمهم بامور دينهم وهو ابو حارثة يا معشر النصارى انى لأرى وجوها لو شاء الله تعالى ان يزيل جبلا من مكانه لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصرانى الى يوم القيامة فقالوا يا ابا القاسم راينا ان لا نباهلك وان تترك على دينك ونثبت على ديننا قال صلى الله عليه وسلم "فاذا ابيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين" فأبوا فقال "فانى احاربكم" فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على ان لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدى اليك كل عام الفى حلة الف فى صفر والف فى رجب وثلاثين درعا عادية من حديد فصالحهم على ذلك وكتب لهم كتابا بذلك وقال "والذى نفسى بيده ان الهلاك قد تدلى على اهل نجران ولو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادى نارا ولاستأصل الله نجران واهله حتى الطير على رؤس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا" ".
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أصل} {تعالوا}: تَعالَيُوا، على وزن تفاعلوا، من العلو، فقلبت الياء ألفاً؛ لتحركها، ثم حذفت، ومن قرأ بالضم نقل، وأصل معناها: ارتفع، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال: التضرّع والمبالغة في الدعاء. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فمن} خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السلام، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب، لما قدموا مع نصارى نجران على النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : أسلما"، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: "كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير"، قالا: إن لم يكن عيسى ولداً لله فمن أبوه؟ فقال لهما النبيّ صلىالله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيِّم كل شيء، ويحفظه، ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل ملك عيسى شيئاً من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: ألستم تلعمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما عُلِّم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدث، قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّي كما يُغَذّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: كيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتواتفسير : ... فأنزل فيهم السورة إلى هنا. فقال الحقّ لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {فمن حاجّك فيه} أي: في عيسى من النصارى، {من بعد ما جاءك من العلم} بعبوديته، {فقل} لهم: {تعالوا} نَتَلاَعَنُ، أي: نلعن الكاذبَ منا؛ {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي: يدعون كل واحد منا نفسه وأعزّة أهله وألصفهم بقلبه إلى المباهلة، وإنما قدَّمهم على النفس؛ لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال، {ثم نبتهل}، أي نجهد في الدعاء على الكاذب، {فنجعل لعنة الله على الكاذبين}. فلما قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا، فقالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من أمر صاحبكم، والله ما لاعن قومٌ قط نبيّاً فعاش كبيرُهم، ولا نبت صغيرُهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، فوادِعُوا الرَّجُلَ: وانصرفوا، فأتوه وهو محتضنٌ الحسن آخذ بيد الحسين، وفاطمةُ تمشي خلفه، وعَلِيّ خلفها، وهو يقول لهم: "إِذَا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا"، فقال الأسقُف: يا معشر النصارى، إني لأرى وجُوهاً لو سألوا الله أن يُزيل جبلاً من ماكنه لأزاله، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعاً إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، نرى ألا نلاعنك، فقال النبيّ صلى لله عليه وسلم:حديث : أسْلِمُوا يَكُنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهمتفسير : ، فأَبَوا، فقال:حديث : إني أُنابذكمتفسير : ، فقال: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تَرُدَّنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفَيْ حلة، ألفاً في صَفَر، وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً من حديد. فصالحهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبيّ:"حديث : والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمُسِخُوا قِرَدَة، وخَنَازِيرَ، ولأضْرَمَ عَلَيْهِمْ الوَادِي نَاراً ولاستأصَل اللّهُ نَجْرَان وأهْلَهُ، ولَمَا حَالَ الحَوْلُ على النَّصَارى كُلِّهِْم حَتى هَلكوا ". تفسير : قال الله تعالى: {إن هذا} الذي أوحينا إليك {لهو القصص الحق وما من إله إلا الله}، خلافاً لما يزعم النصارى من التثليث، {وإن الله لهو العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه، فلا أحد يساويه في قدرته التامة، ولا في حكمته البالغة، {فإن تولوا} وأعرضوا عن الإيمان، {فإن الله عليم بالمفسدين}، الذي يعبدون غير الله. ووضع المظهر موضع الضمير، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، بل يؤدي إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمريد، الذي تحقق بخصوصية شخيه، أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهي له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سببٌ في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلت له: لو اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع، على أنه من أهل البدعة، لقلت أنا: إنه من أهل السنّة، لأني تحققت بخصوصيته، كالشمس في أفق السماء، ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين، فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين؛ {فإن الله عليم بالمفسدين} ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان.
الطوسي
تفسير : المعنى: الهاء في قوله: {فيه} يحتمل أن تكون عائدة إلى أحد أمرين: أحدهما - إلى عيسى في قوله: {إن مثل عيسى عند الله} في قول قتادة. الثاني - أن تكون عائدة على الحق في قوله {الحق من ربك}. والذين دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) في المباهلة نصارى نجران، ولما نزلت الآية أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ثم دعا النصارى إلى المباهلة، فاحجموا عنها، وأقروا بالذلة والجزية. ويقال: إن بعضهم قال لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي ناراً عليكم ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة. وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأصحابه: مثل ذلك. ولا خلاف بين أهل العلم أنهم لم يجيبوا إلى المباهلة. اللغة، والمعنى: و "تعالوا" أصله من العلو، يقال منه تعاليت أتعالى تعالياً: إذا جئت وأصله المجيء إلى الارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء وصار تعالى بمنزلة هلم. وقيل في معنى الابتهال قولان: أحدهما - الالتعان بهله الله أي لعنه وعليه بهلة الله. الثاني {نبتهل} ندعوا بهلاك الكاذب. وقال لبيد: شعر : نظر الدهر إليهم فابتهل تفسير : أي دعا عليهم بالهلاك كاللعن، وهو المباعدة من رحمة الله عقاباً على معصيته فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك، وقال أبو بكر الرازي: الآية تدل على أن الحسن والحسين ابناه، وأن ولد البنت ابن على الحقيقة. وقال ابن أبي علان: فيها دلالة على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين. واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين (ع) كان أفضل الصحابة من وجهين: أحدهما - أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعاً على صحة عقيدته أفضل الناس عند الله. والثاني - أنه (صلى الله عليه وسلم) جعله مثل نفسه بقوله: {وأنفسنا وأنفسكم} لأنه أراد بقوله: {أبناءنا} الحسن والحسين (ع) بلا خلاف. وبقوله: {ونساءنا ونساءكم} فاطمة (ع) وبقوله: {وأنفسنا} أراد به نفسه، ونفس علي (ع) لأنه لم يحضر غيرهما بلا خلاف، وإذا جعله مثل نفسه، وجب ألا يدانيه أحد في الفضل، ولا يقاربه. ومتى قيل لهم أنه أدخل في المباهلة الحسن والحسين (ع) مع كونهما غير بالغين وغير مستحقين للثواب، وإن كانا مستحقين للثواب لم يكونا أفضل الصحابة. قال لهم أصحابنا: إن الحسن والحسين (ع). كانا بالغين مكلفين، لأن البلوغ وكمال العقل لا يفتقر إلى شرط مخصوص، ولذلك تكلم عيسى في المهد بما دل على كونه مكلفاً عاقلا، وقد حكيت ذلك عن امام من أئمة المعتزلة مثل ذلك وقالوا أيضاً أعني أصحابنا: إنهما كانا أفضل الصحابة بعد أبيهما وجدهما، لأن كثرة الثواب ليس بموقوف على كثرة الافعال، فصغر سنهما لا يمنع من أن يكون معرفتهما وطاعتهما لله، وإقرارهما بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقع على وجه يستحق به من الثواب ما يزيد على ثواب كل من عاصرهما سوى جدهما وأبيهما. وقد فرغنا الكلام في ذلك واستقصيناه في كتاب الامامة.
الجنابذي
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} اى فى عيسى (ع) او فى الحقّ الّذى من ربّك من التّوحيد ورسالتك وخلق عيسى (ع) وكونه بنفخ من الله من غير سفاح ومن غير ابٍ وفى كونه عبداً غير ربّ {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} من بيانيّة او تبعيضيّة ولم يقل من بعد ما اخذت او تعلّمت العلم للاشعار بانّ العلم اجلّ وارفع من ان يحصل بالكسب وانّما هو نور يقذفه الله فى قلب من يشاء والتّفسير بمجيء البيّنات الموجبة للعلم كما عن العامّة تفسير مستغنى عنه {فَقُلْ} لهم بعد ان لم ينجع فيهم الحجّة ولم يرتدعوا بالبيان والبرهان {تَعَالَوْاْ} الينا او الى مجتمع النّاس حتّى نجيء نحن للحجّة الفارقة الّتى لا يشكّ احد عند مشاهدتها فى الغالب والمغلوب والمحقّ والمبطل وتلك الحجّة هى الابتهال الّذى هو الاجتهاد فى الدّعاء بخير او بشرٍّ ليلحق لعن الحقّ تعالى وعقوبته للمبطل منّا ويظهر بطلانه، ودعاء الخصم الى مثل هذا الامر لا يكون الاّ من العلم بصدق نفس الدّاعى وبطلان خصمه واليقين باجابة الله له، فانّ الشاكّ فى امره لا يجترئ على مثل هذا الامر، والشاكّ فى الاجابة يتخوّف من بطلان الدّعوى بعدم الاجابة، ولكونه على يقين من أمره أمر بدعاء أعزّة آهالهم فانّ الانسان لا يقدم على اهلاك اهله معه بل يخاطر بنفسه دونهم ويجعل نفسه غرضاً للبلايا والقتل لحفظهم ولذلك قدّم الاهمّ فالاهمّ فانّ الابناء اعزّ الانفس على الرّجل ثمّ النّساء لانّ غيرة النّاموس تقتضى الدّخول فى المهالك لحفظهنّ ومن ثمّ كانوا يسوقون الظّعائن فى الحروب معهم لتمنعهم من الهرب وقال: {تَعَالَوْاْ}. تحقيق شرافة من كان مع محمّد فى المباهلة {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} هذا من قبيل قالوا كونوا هوداً او نصارى {وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ} يجتهد كلّ منّا فى الدّعاء على الآخر {فَنَجْعَل} بدعائنا {لَّعْنَتَ ٱللَّهِ} طرد الله وابعاده من رحمته وهو كناية عن العقوبة {عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} هذه الآية من أدلّ الدّلائل على صدقه فى نبوّته، وعلى شرافة من أتى بهم للمباهلة وكونهم أعزّة اهله واصحابه، ولا خلاف بين الفريقين انّه (ص) لم يأت بأحدٍ معه للمباهلة سوى الحسنين (ع) وفاطمة (ع) وعلىّ (ع). روى عن الصّادق (ع) انّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله (ص) وكان سيّدهم الاهتم والعاقب والسيّد وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالنّاقوس وصلّوا فقال اصحاب رسول الله (ص): يا رسول الله (ص) هذا فى مسجدك؟ - فقال: "حديث : دعوهم، فلمّا فرغوا دنوا من رسول الله (ص) فقالوا الى ما تدعو؟ - فقال: الى شهادة ان لا اله الاّ الله وانّى رسول الله وانّ عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث، قالوا: فمن ابوه؟ - فنزل الوحى على رسول الله (ص) فقال: قل لهم ما تقولون فى آدم (ع) اكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ - فسألهم النّبىّ (ص)، فقالوا: نعم، قال: فمن أبوه؟ - فبهتوا فأنزل الله: انّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم الى قوله {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}، فقال رسول الله (ص): فباهلونى فان كنتُ صادقاً انزلت اللعنة عليكم وان كنتُ كاذباً انزلت علىّ، فقالوا: انصفت فتواعدوا للمباهلة فلمّا رجعوا الى منازلهم قال رؤساؤهم: ان باهلنا بقومه باهلناه فانّه ليس نبيّاً وان باهلنا بأهل بيته خاصّة فلا نباهله فانّه لا يقدم الى اهل بيته الاّ وهو صادق، فلمّا أصبحوا جاؤا الى رسول الله (ص) ومعه أمير المؤمنين (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) فقال النّصارى: من هؤلاء؟ - فقيل لهم: انّ هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علىّ بن ابى طالب (ع) وهذه بنته فاطمة (ع) وهذان ابناه الحسن (ع) والحسين (ع) ففرقوا وقالوا لرّسول الله (ص): نعطيك الرّضا فاعفنا عن المباهلة فصالحهم رسول الله (ص) على الجزية وانصرفوا"تفسير : ، وفى الكشّاف روى: انّه (ص) لمّا دعاهم الى المباهلة قالوا: نرجع وننظر فلمّا تخلّوا قالوا لعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ - فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النّصارى انّ محمّداً (ص) نبىٌّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكنّ فان ابيتم الاّ الف دينكم والاقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرّجل وانصرفوا الى بلادكم، فأتوا رسول الله (ص) وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلىّ (ع) خلفها وهو يقول: "حديث : اذا انا دعوت فأمّنوا، فقال اسقف نجران: يا معشر النّصارى انّى لأرى وجوهاً لو سألوا الله ان يزيل جبلاً من مكانه لازاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصرانىّ الى يوم القيامة، فقالوا: يا ابا القاسم رأينا ان لا نباهلك وان نقرّك على دينك ونثبت على ديننا، قال: فاذا ابيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا قال: فانّى اناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقةٍ ولكن نصالحك على ان لا تغزونا ولا تردّنا عن ديننا على ان نؤدّى اليك كلّ عام ألفى حلّة الف فى صفرٍ والف فى رجبٍ وثلاثين درعاً من حديد؛ فصالحهم على ذلك، وقال: والّذى نفسى بيده انّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردةً وخنازير، ولا اضطرم عليهم الوادى ناراً ولا استأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤس الشّجر"تفسير : . وعن عائشة رضى الله عنها "حديث : انّ رسول الله (ص) خرج وعليه مرط مرحّل من شعر اسود فجاء الحسن (ع) فأدخله ثمّ جاء الحسين (ع) فأدخله ثمّ فاطمة (ع) ثمّ علىّ (ع) ثمّ قال: انّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس اهل البيت"تفسير : ، فان قلت: ما كان دعاؤه الى المباهلة الاّ لتبيين الكاذب منه ومن خصمه وذلك امر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضمّ الابناء والنّساء؟ - قلت: ذلك. اكد فى الدّلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض اعزّته وافلاذ كبده واحبّ النّاس اليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع احبّته واعزّته هلاك الاستئصال ان تمّت المباهلة وخصّ الابناء والنّساء لانّهم أعزّ الاهل وألصقهم بالقلوب وربّما فداهم الرّجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يقتل ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظّعائن فى الحروب لتمنعم من الهرب وقدّمهم فى الذّكر على الانفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الانفس مفدون بها، وفيه دليل لا شيء اقوى منه على فضل اصحاب الكساء (ع)، وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النّبىّ (ص). تمّ ما نقل من الكشّاف، وقد نقلناه بطوله ليعلم انّهم مقرّون بفضل اصحاب الكساء وانّهم علىّ (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع)، وانّه لم يكن احد اعزّ عليه من هؤلاء وانّ من منعهم حقّهم او آذاهم كان اشدّ على نفسه ممّن منع حقّه وآذاه والحمد لله.
الحبري
تفسير : {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} نَزَلَتْ في رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ وَنِساءُنا وَنِسَاءُكُمْ فَاطِمَةٌ، وَأَبْناءُنا وَأَبْنَاءُكُمْ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ. وَالدُّعاءُ على الكاذِبِيْنَ: العاقِبُ والسَيِّدُ وَعَبْدُ المَسِيْحِ وأَصْحابُهُم. حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنِي إسْماعِيلُ بنُ أَبان، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بنُ إبْراهِيْمَ، عَن أَبي هارُوْنَ، عَن أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} قالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] بِعَلِيٍّ وَفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ.
الهواري
تفسير : قال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أي في عيسى {مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}. قال الكلبي: "حديث : ثم عادوا إلى النبي عليه السلام فقالوا: هل سمعت بمثل صاحبك؟ قال: نعم. قالوا: من هو؟ قال: آدم، خلقه الله من تراب {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قالوا: إنه ليس كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ}، أي نتلاعن، {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}. أي: منا ومنكم. قالوا: نعم، نلاعنك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بيد علي وفاطمة والحسن والحسين؟ فهمّوا أن يلاعنوه؛ ثم نكثوا، وعلموا أنهم لو فعلوا لوقعت اللعنة عليهم، فصالحوه على الجزية ".تفسير : وقال بعضهم: ذكر لنا أن نبي الله دعا وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجّوه، فنكصوا وأبوا. فذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لقد كاد العذاب أن ينزل على أهل نجران. والذي نفسي بيده لو فعلوا لاستؤصلوا عن جديد الأرض . تفسير : وذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفهم لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا له: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ}... إلى آخر الآية. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لقد كاد العذاب يُدلَى على أهل نجران . تفسير : قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي عما جاء به النبي عليه السلام {فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} أي بالمشركين. والمفسدون في هذا الموضع هم المشركون.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ}: أى اجتهد فى أن يقطع اعتقادك، أو فى قصد قطعه من النصارى. {فِيهِ}: أى فى عيسى، أو فى الحق. {مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}: بأن عيسى عبد الله ورسوله، أو بأن الحق كما هو. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ}: أى ائتوا، وأصله طلب الإتيان إلى وضع عال فقط محسوس أو معقول، ثم استعمل فى مطلق طلب الإتيان، والمراد هنا، الأمر بأن يأتـوا بعزمهم ورأيهم بأنه إذا حاجه أحد فقد حضر عنده فأمر بالحضور تحصيل الحاصل، فيصرف الأمر بالإتيان إلى الأمر بإحضار العزم والرأى فى الملاعنة، ثم إنه لا مانع من أن يراد أن يأمرهم بالرجوع، فيروا رأيهم فى الملاعنة، ثم يأتوا. {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} أى يدع كل منا أبناءه ونساءه ونفسه إلى الابتهال، وهو الالتعان، وقدم الأبناء والنساء لأن الرجل يخاطر بنفس لهم، ويحارب دونهم، أعنى أن الرجل يكون لولده وزوجته حِصْناً فأرْهَبَهُم صلى الله عليه وسلم لتيقنه بالفوز فى الحجة، بطلب تقديم من يعز عليهم هلاكه، ثم إنه يجوز أن يريد أن يقدموا من تحت أيديهم من الولدان ولو كباراً بالغين، والنساء ومن يعز عليهم سواء كانوا آباء لهم وأزواجاً أم لا، ثم ظهر لى أن هذا هو المراد، لأنهُ صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وأبيهما على مع فاطمة ومعنى دعاء الإنسان نفسه، حمل نفسه على أمر وهو واضح، فلا حاجة إلى ما قال بعضهم أنه أراد بالأنفس بنى العم، والعرب تخبر عن ابن العم، بأنه نفس ابن عمه، فعنى ابن عمه علياً، ولا إلى ما قال بعضهم أراد بالأنفس الأزواج ولا إلى ما قال: أراد القرابة القريبة، وقيل أراد بالأنفس الإخـ ان فى الدين. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ}: نَفْتَعِلْ والبُهْلة - بضم الباء وفتحهما - وهى اللعنة لمعنى المفاعلة، أى يلعن بعضنا بعضاً، وفى معناه ما قيل: نلعن الكاذب منا، لأن كلا من المتخاصمين يرى الآخر كاذباً تحقيقاً، أو عناداً.. يقال: بهلة الله، أى لعنه، وعليه بهلة الله: أى لعنته، وأصلها معنى الترك، يقال: بهله أى أهمله، وبهل الناقة: تركها بلا صدار، ويستعمل الابتهال أيضاً فى كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعانا. {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}: عطف تفسير وبيان للابتهال، فقيل: هموا بالمباهلة، أعنى وفد نجران من النصارى، ثم خافوا فنكصوا. حديث : روى أنهُ دعاهم للمباهلة صلى الله عليه وسلم فقالوا: حتى ننظر، ولما خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب وهو ذو رأيهم كما مر أول السورة كلام فى ذلك: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل فى أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا ألف دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء أول النهار صلى الله عليه وسلم، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، حاملا الحسين فيما دون إبطه، آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه، وعلى خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فآمنوا فقال أُسْقُفُّهم وهو رئيس النصارى فى دينهم وأعلمهم بأمور دينهم تفسير : - بضم الهمزة وإسكان السين وضم القاف وتشديد الفاء: حديث : يا معشر النصارى إنى لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه، لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانى إلى يوم القيامة، فذعنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلوا له الجزية ألفى حلة حمراء، وثلاثين درعاً من حديدتفسير : ، وروى أبو داود: حديث : أنهم صالحوه على ألفى حلة، النصف فى صفر، والنصف فى رجب، وثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، وذلك بعد أن أبوا من المباهلة. فقال لهم: اسملوا ليكون لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا فقال: أنابذكم؟ فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحكم على ذلك، ونبقى على ديننا. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: "والذى نفسى بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادى ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رءوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم أينما كانوا حتى يهلكوا" تفسير : وعن ابن عباس: لو خرج الذين يباهلون لم يجدوا مالا ولا أهلا. وروى الطبرانى: لو خرجوا لاحترقوا، وإنما أدخل الأطفال فى الابتهال ولا ذنب لهم لأن الله أباح له ذلك، لأن عقوبة الدنيا تعم الأولاد والنساء والعامة، ويبعث كل على حاله.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ} جادلك من النصارى {فِيهِ} أى فى عيسى، أى فى شأنه، لأن الكلام فيه، فهو أولى من عود الهاء للحق ولو كان أقرب {مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العِلْمِ} القاطع بأنه عبد الله وسوله {فَقُلْ} لهم {تَعَالُوا} أصله دعاء من كان فى موضع عال لمن كان فى أسفل أن يعالج الصعود إليه، ثم استعمل فى طلب المجىء بالذات، وفى طلب المجىء بالقلب والرأى والعزم ولو حضروا، ولا نفع فى حضور الأجساد بلا رأى وعزم {تَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفًسَكُمْ} خص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وقدمهم لينبه على تمكن منزلتهم، وهذه معجزة، إذ لم يرو نصرانى ولا غيره أنهم أجابوه للمباهلة لمعرفتهم بصحة نبوته، بل روى أنهم قال بعض لبعض: إنا لا نباهله، فقد عرفتم أنه ما باهل نبى قوما إِلا هلكوا {ثُمَّ نَبتَهِلْ} لوح إليهم بالتراخى عن الابتهال لعلهم يتذكرون فيدركون الحق فيؤمنون، والإبهال التلاعن والاجتهاد فى الدعاء والإخلاص فيه والتضرع {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} فى أمر عيسى، بقولهم: إنه إله أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، أو بقولهم عبد الله ورسوله، فنقول، اللهم العن الكاذبين فى أمر عيسى، فتقع اللعنة على من كذب، وهم القائلون: إنه إله أو ابن إله، دعا صلى الله عليه وسلم وفد نجران لذلك إذ حاجوه، وهم ثلاثة، وقيل أربعة عشر رجلاً، فقالوا، حتى ننظر فى أمرنا، ثم نأتيك بعد ثلاثة أيام، وشاوروا قريظة والنضير وقينقاع، فقالوا: لا تلاعنوه فإنه النبى الذى ننتظره، وقال لهم أيضا ذو رأيهم، أى العاقب عبد المسيح، لقد عرفتم نبوته وما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه فوادعوه، وانصرفوا، فأتوه وقد خرج أى من بيته إلى المسجد، ومعه الحسين، أى حاملا له بجنبه، والحسن، أى آخذ بيده، وفاطمة، أى خلفه، وعلي، أى خلفه، وقال لهم: إذا دعوت فأمنوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية، رواه أو نعيم فى دلائل النبوة، وروى أنه صلى الله عليه وسلم جاء بأبى بكر وأولاده، وبعمر وأولاده، وبعثمان وأولاده، والجمهور على ما مر ولما رأوا النبى صلى الله عليه وسلم قال كبيرهم علما: إنى لأرى وجها لو سألوا الله أن يزيل جبلا لأزاله من مكانه فلا تباهلوا. روى: صالحوه على الفىء، حلة حمراء، النصف فى صقر والبقية فى رجب، وثلاثين درعا من حديد، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف فى السلاح تغزون بها، والمسلمون ضامنون حتى تردوها إلينا، قال أحمد عن ابن عباس، لو باهلوا لرجعوا ولا يجدون مالا ولا أهلا، وروى لاحترقوا،وعنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : والذى نفسى بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، لو لاعنو لمسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير، ولاضطرم عليهم الوادى ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رءوس الجبال"تفسير : ، وما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا، وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا، قال صلى الله عليه وسلم: فإنى أناجزكم، قالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب لكن نصالحك، فصالحوه بذلكتفسير : ، وروى أنهم قالوا: انظر يومك وليلتك بعده فما حكمت به رضينا به، فحكم بعدها عليهم بالجزية، وهى ما مر.
الالوسي
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ } أي جادلك وخاصمك من وفد نصارى نجران إذ هم المتصدون لذلك {فِيهِ } أي في شأن عيسى عليه السلام لأنه المحدث عنه وصاحب القصة، وقيل: الضمير للحق المتقدم لقربه وعدم بعد المعنى {مّن بَعْدِ مَا جَآءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي الآيات الموجبة للعلم، وإطلاق العلم عليها إما حقيقة لأنها كما قيل: نوع منه، وإما مجاز مرسل، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة، والجار والمجرور الأخير حال من فاعل {جَاءكَ } الراجع إلى {مَا } الموصولة، و {مِنْ } من ذلك تبعيضية، وقيل: لبيان الجنس. {فَقُلْ } أي ـ لمن حاجك ـ {تَعَالَوْاْ } أي أقبلوا بالرأي والعزيمة، وأصله طلب الإقبال إلى مكان مرتفع، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء {نَدْعُ أَبْنَاءنَآ وَأَبْنَآءكُمْ وَنِسَآءنَا وَنِسَآءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه للمباهلة، وفي تقديم من قدم على النفس في المباهلة مع أنها من مظان/ التلف والرجل يخاطر لهم بنفسه إيذاناً بكمال أمنه صلى الله عليه وسلم وكمال يقينه في إحاطة حفظ الله تعالى بهم، ولذلك ـ مع رعاية الأصل في الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الإسناد ـ قدم صلى الله عليه وسلم جانبه على جانب المخاطبين. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي نتباهل، فالافتعال هنا بمعنى المفاعلة، وافتعل وتفاعل أخوان في كثير من المواضع ـ كاشتور وتشاور، واجتور وتجاور ـ، والأصل في البهلة ـ بالضم، والفتح فيه ـ كما قيل ـ اللعنة، والدعاء بها، ثم شاعت في مطلق الدعاء كما يقال: فلان يبتهل إلى الله تعالى في حاجته، وقال الراغب: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليته ثم استعمل في الاسترسال في الدعاء سواء كان لعناً أو لا إلا أنه هنا يفسر باللعن لأنه المراد الواقع كما يشير إليه قوله تعالى: {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } أي في أمر عيسى عليه السلام فإنه معطوف على (نبتهل) مفسر للمراد منه أي نقول لعنة الله على الكاذبين، أو اللهم العن الكاذبين. أخرج البخاري ومسلم «حديث : أن العاقب والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال: قمْ يا أبا عبيدة فلما قام قال هذا أمين هذه الأمة» تفسير : وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» من طريق عطاء، والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب والسيد فأنزل الله تعالى {قُلْ تَعَالَوْاْ } الآية فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بني قريظة والنضير وبني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وقالوا: هو النبي الذي نجده في التوراة فصالحوا النبـي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر وألف في رجب ودراهم» وروي أنهم صالحوه على أن يعطوه في كل عام ألفي حلة وثلاثاً وثلاثين درعاً وثلاثة وثلاثين بعيراً وأربعاً وثلاثين فرساً. وأخرج في «الدلائل» أيضاً من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس «أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم منهم السيد ـ وهو الكبير ـ والعاقب ـ وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما قالا: أسلمنا قال: ما أسلمتما قالا: بلى قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما، عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً، ونزل {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ } تفسير : [آل عمران: 59] الآية فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، ونزل {فَمَنْ حَآجَّكَ } الآية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل ولئن لاعنتموه أنه لستئصالكم وما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبث صغيرهم فإن أنتم لن تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أنا دعوت فأمنوا أنتم فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية». وعن الشعبـي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» تفسير : وعن جابر «حديث : والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً»تفسير : . وروي أن أسقف نجران «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً ومعه علي وفاطمة والحسنان رضي الله تعالى عنهم قال: يا معشر/ النصارى: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا وتهلكوا». هذا وإنما ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفس الأبناء والنساء مع أن القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب وهو يختص به وبمن يباهله لأن ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، وأكمل نكاية بالعدو وأوفر إضراراً به لو تمت المباهلة. وفي هذه القصة أوضح دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم وإلا لما امتنعوا عن مباهلته، ودلالتها على فضل آل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مما لا يمتري فيها مؤمن، والنصب جازم الإيمان، واستدل بها الشيعة على أولوية علي كرم الله تعالى وجهه بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءاً على رواية مجيء علي كرم الله تعالى وجهه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه أن المراد حينئذ بأبنائنا الحسن والحسين وبنسائنا فاطمة، وبأنفسنا الأمير، وإذا صار نفس الرسول ـ وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل ـ تعين أن يكون المراد المساواة، ومن كان مساوياً للنبـي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل وأولى بالتصرف من غيره، ولا معنى للخليفة إلا ذلك. وأجيب عن ذلك أما أولاً: فبأنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير بل المراد نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، ويجعل الأمير داخلاً في الأبناء، وفي العرف يعد الختن ابناً من غير ريبة، ويلتزم عموم المجاز إن قلنا: إن إطلاق الإبن على ابن البنت حقيقة، وإن قلنا: إنه مجاز لم يحتج إلى القول بعمومه وكان إطلاقه على الأمير وابنيه رضي الله تعالى عنهم على حد سواء في المجازية. وقول الطبرسي وغيره من علمائهم ـ إن إرادة نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم من {أَنفُسَنَا} لا تجوز لوجود {نَدْعُ } والشخص لا يدعو نفسه ـ هذيان من القول، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث ـ دعته ـ نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، وطوعت له نفسه، وآمرت نفسي، وشاورتها إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فيكون حاصل {نَدْعُ أَنفُسَنَا } نحضر أنفسنا وأي محذور في ذلك على أنا لو قررنا الأمير من قبل النبـي صلى الله عليه وسلم لمصداق أنفسنا فمن نقرره من قبل الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة {نَدْعُ } إذ لا معنى لدعوة النبـي صلى الله عليه وسلم إياهم وأبناءهم ونساءهم بعد قوله: {تَعَالَوْاْ } كما لا يخفى. وأما ثانياً: فبأنا لو سلمنا أن المراد بأنفسنا الأمير لكن لا نسلم أن المراد من النفس ذات الشخص إذ قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين والملة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسِكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ } تفسير : [البقرة: 84] {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] {أية : لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً }تفسير : [النور: 12] فلعله لما كان للأمير اتصال بالنبـي صلى الله عليه وسلم في النسب والمصاهرة واتحاد في الدين عبر عنه بالنفس، وحينئذ لا تلزم المساواة التي هي عماد استدلالهم على أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم الاشتراك في النبوة والخاتمية والبعثة إلى كافة الخلق ونحو ذلك ـ وهو باطل بالإجماع ـ لأن التابع دون المتبوع ولو كان المراد المساواة في البعض لم يحصل الغرض لأن المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة، وأما ثالثاً: فبأن ذلك لو دلّ على خلافة الأمير كما زعموا لزم كون الأمير إماماً في زمنه صلى الله عليه وسلم ـ وهو باطل بالاتفاق ـ وإن قيد بوقت دون وقت فمع أن التقييد مما لا دليل عليه في اللفظ لا يكون مفيداً للمدعى إذ هو غير متنازع فيه لأن أهل السنة يثبتون إمامته في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائماً في محل النزاع، ولضعف الاستدلال به في هذا المطلب بل عدم صحته كالاستدلال به على أفضلية الأمير علي كرم الله تعالى وجهه على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لزعم ثبوت مساواته للأفضل منهم فيه لم يقمه محققو الشيعة على أكثر/ من دعوى كون الأمير والبتول والحسين أعزة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع عبد الله المشهدي في كتابه ـ «إظهار الحق » ـ. وقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن سعد بن أبـي وقاص قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية {قُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ } الخ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي» تفسير : وهذا الذي ذكرناه من دعائه صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربعة المتناسبة رضي الله تعالى عنهم هو المشهور المعول عليه لدى المحدثين، وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهم «أنه لما نزلت هذه الآية جاء بأبـي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده» وهذا خلاف ما رواه الجمهور. واستدل ابن أبـي علان من المعتزلة بهذه القصة أيضاً على أن الحسنين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين، وذهب الإمامية إلى أنها يشترط فيها كمال العقل والتمييز، وحصول ذلك لا يتوقف على البلوغ فقد يحصل كمال قبله ربما يزيد على كمال البالغين فلا يمتنع أن يكون الحسنان إذ ذاك غير بالغين إلا أنهما في سن لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أنه يجوز أن يخرق الله تعالى العادات لأولئك السادات ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به ـ وهم القوم الذين لا تحصى خصائصهم ـ. وذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع فيها أن يحضر الأولاد والنساء، وزعموا رفعهم الله تعالى لا قدراً، وحطهم ولا حط عنهم وزراً أن ما وقع منه صلى الله عليه وسلم كان لمجرد إلزام الخصم وتبكيته وأنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وأنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان، وأثر من مس الشيطان.شعر : وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل تفسير : ومن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان بينه وبين آخر شيء فدعاه إلى المباهلة، وقرأ الآية ورفع يديه فاستقبل الركن وكأنه يشير بذلك رضي الله تعالى عنه إلى كيفية الابتهال وأن الأيدي ترفع فيه، وفيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك وأنها ترفع حذو المناكب.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} لما فيه من إيماء إلى أنّ وفد نجران ممترون في هذا الذي بَيّن الله لهم في هذه الآيات: أي فإن استمرّوا على محاجتهم إياك مكابرةً في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة والملاعنة. ذلك أنّ تصْميمَهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة محْضة بعد ما جاءك من العلم وبينتَ لهم، فلم يبق أوضحُ مما حاجَجْتهم به فعلمت أنهم إنما يحاجونك عن مكابرة، وقلة يقين، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة الموصوفة هنا. و{تعالوا} اسم فعل لطلب القدوم، وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى إذا قَصد العلوّ، فكأنّهم أرادوا به في الأصل أمراً بالصعود إلى مكان عالٍ تشريفاً للمدعُو، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور، وأجريت عليه أحوال اسم الفعل فهو مبني على فتح آخره وأما قول أبي فراس الحمداني: شعر : أيَا جَارَتَا مَا أنْصَفَ الدهرُ بيننا تَعَالِي أقَاسِمْكِ الهُمُومَ تَعَالِي تفسير : فقد لحَّنوه فيه. ومعنى {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} ائتوا وادعوا أبناءكم ونحن ندعو أبناءنا إلى آخره، والمقصود هو قوله: {ثم نبتهل} إلى آخره. و(ثم) هنا للتراخي الرتبي. والابتهال مشتق من البَهْل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً لأنّ الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول. ومعنى {فنجعل لعنت الله} فنَدْعُ بإيقاع اللعنة على الكاذبين. وهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاءٌ لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يَكفُوا. روى المفسرون وأهل السيرة أنّ وفد نجران لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة قال لهم العاقب: نلاعنه فوالله لئن كان نبيئاً فلاعننا لا نفلح أبداً ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي. وهذه المباهلة لعلّها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم. وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء: لأنه لمّا ظهرت مكابرتهم في الحق وحبّ الدنيا، عُلم أنّ من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحبّ إليه من الحق كما قال شعيب «أرَهْطِيَ أعَزُّ علَيكم من الله» وأنه يخشى سوء العيش، وفقدان الأهل، ولا يخشى عذاب الآخرة. والظاهر أنّ المراد بضمير المتكلم المشارَك أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللاّئي كُنَّ معهم. والنساء: الأزواج لا محالة، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا وَرَد غير مضاف، قال تعالى: {أية : يا نساء النبي لستُنّ كأحدٍ من النساء}تفسير : [الأحزاب: 32] وقال: {ونساء المؤمنين} وقال النابغة: شعر : حِذارَا على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِي ولاَ نِسْوَتِي حَتى يَمُتْن حَرائرا تفسير : والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم، وأما الأبناء فيحتمل أنّ المراد شبانهم، ويحتمل أنه يشمل الصبيان، والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة. والابتهال افتعال من البهل، وهو اللعن، يقال: بهله الله بمعنى لعنه واللعنة بَهلة وبُهلة - بالضم والفتح - ثم استعمل الابتهال مجازاً مشهوراً في مطلق الدعاء قال الأعشى: شعر : لا تقعدنَّ وقد أكَّلّتَها حطباً تعوذ من شرّها يوماً وتبتهل تفسير : وهو المراد هنا بدليل أنّه فرّع عليه قوله: {فنجعل لعنت الله على الكاذبين}. وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلاّ واثق بأنه على الحق. وهذه المباهلة لم تقع لأنّ نصارى نجران لم يستجيبوا إليها. وقد روى أبو نعيم في الدلائل أنّ النبي هيأ علياً وفاطمةً وحَسَناً وحُسَيناً ليصحبهم معه للمباهلة. ولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين.
الواحدي
تفسير : {فمن حاجَّك} خاصمك {فيه} في عيسى {من بعد ما جاءَك من العلم} بأنَّ عيسى عبد الله ورسوله {فقل تعالوا} هلمُّوا {ندع أبناءَنا وأبناءَكم} حديث : لمَّا احتجَّ الله تعالى على النَّصارى من طريق القياس بقوله: {إنّ مثل عيسى عند الله...} الآية أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يحتجَّ عليهم من طريق الإِعجاز، فلمَّا نزلت هذه الآية دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران إلى المباهلة، وهي الدُّعاء على الظَّالم من الفريقين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين وعليٌّ وفاطمة عليهم السَّلام وهو يقول لهم: إذا أنا دعوتُ فأمِّنواتفسير : ، فذلك قوله: {ندع أبناءَنا...} الآية. وقوله: {وأنفسنا وأنفسكم} يعني: بني العمِّ {ثمَّ نبتهل} نتضرع في الدُّعاء وقيل: ندعو بالبَهلةَ، وهي اللَّعنة، فندعوا الله باللَّعنةِ على الكاذبين، فلم تُجبه النَّصارى إلى المباهلة خوفاً من اللَّعنه، وقَبِلوا الجزية. {إنَّ هذا} الذين أوحيناه إليك {لهو القصص الحق} الخبر الصِّدق. {فإن تولوا} أعرضوا عمَّا أتيت به من البيان {فإنَّ الله} يعلمُ مَنْ يفسد من خلقه فيجازيه على ذلك. {قل يا أهل الكتاب} يعني: يهود المدينة، ونصارى نجران {تعالوا إلى كلمة سواءٍ} معنى الكلمة: كلامٌ فيه شرحُ قصَّةٍ {سواءٍ} عدلٍ {بيننا وبينكم} ثمَّ فسرَّ الكلمة فقال: {ألاَّ نعبدَ إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً} أَيْ: لا نعبد معه غيره {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} كما اتَّخذت النَّصارى عيسى، وبنو إسرائيل عُزيراً. وقيل: لا نطيع أحداً في معصية الله، كما قال الله في صفتهم لمَّا أطاعوا في معصيته علماءهم: {أية : اتخذوا أحبارهم...} تفسير : الآية. {فإن تولوا} أعرضوا عن الإِجابة {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} مُقِرِّون بالتَّوحيد.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 61- فمن جادلك - يا أيها النبى - فى شأن عيسى من بعد ما جاءك من خبر الله الذى لا شبهة فيه، فقل لهم قولا يظهر علمك اليقينى وباطلهم الزائف: تعالوا يدع كل منَّا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه، ثم نضرع إلى الله أن يجعل غضبه ونقمته على من كذب فى أمر عيسى من كونه خلق من غير أب وأنه رسول الله وليس ابن الله. 62- وذلك هو الحق الذى لا مرية فيه، فليس فى الوجود إله إلا الله الذى خلق كل شئ وأنه لهو المنفرد بالعزة فى ملكه والحكمة فى خلقه. 63- فإن أعرضوا عن الحق بعدما تبين لهم، ولم يرجعوا عن ضلالتهم فهم المفسدون، والله عليم بهم. 64- قل - يا أيها النبى: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة عادلة بيننا وبينكم نذكرها على السواء، وهى أن نخص الله بالعبادة ولا نجعل غيره شريكاً له فيها، ولا يطيع بعضنا بعضاً وينقاد له فى تحليل شئ أو تحريمه، تاركاً حكم الله فيما أحلَّ وحرَّم، فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الحقة فقولوا لهم: اشهدوا بأنا منقادون لأحكام الله، مخلصون له الدين لا ندعو سواه. 65- يا أهل الكتاب لماذا تتنازعون وتجادلون فى دين إبراهيم، كل منكم يدعى أنه على دينه فى حين أن إبراهيم سابق فى الوجود على التوراة والإنجيل بشريعة خاصة، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، فكيف يكون على شريعة واحدة منهما؟. أليست لكم عقول تدركون بها بطلان هذا الكلام الذى يناقض الواقع؟
د. أسعد حومد
تفسير : {لَّعْنَتَ} {ٱلْكَاذِبِينَ} (61) - قَدِمَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ فِيهِ سُتُّونَ رَاكِباً أخَذُوا يُحَاجُّونَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُونَ فِي المَسِيحِ عَليهِ السَّلاَمُ: إنَّهُ اللهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ ابْنُ اللهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ .. وَلمَّا طَالَ الجَدَلُ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ الآيَاتِ المُتَعَلِّقَةَ بِعِيسَى وَمَرْيَمَ، وَأمَرَهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى المُبَاهَلَةِ، بِأنْ يَدْعُوَ كُلُّ فَرِيقٍ أبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ ثُمَّ يَضْرَعُونَ إلى اللهِ بِأنْ يَجْعَلَ غَضَبَهُ وَنَقْمَتَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَ فِي أمْرِ عِيسَى مِنْ كَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أبٍ، وَأنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَيسَ إلهاً. فَتَشَاوَرَ أعْضَاءُ الوَفْدِ فِي أمْرِهِمْ فَرَأوا أنْ لاََ يُلاَعِنُوا النَّبِيَّ خَوْفاً مِنَ العَاقِبَةِ. (وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُكَذِّبُ اللهُ اليَهُودَ فِيمَا رَمَوْا بِهِ السَّيِّدَةَ البَتُولَ مَرْيَمَ مِنَ الإِفْكِ وَالبُهْتَانِ، وَفِي تَكْذِيبِهِمْ عِيسَى، وَيُكَذِّبُ مَنْ زَعَمَ مِنَ النَّصَارَى أنَّ المَسِيحَ إِلهٌ). (المُبَاهَلَةُ هِيَ أنْ يَجْتَمِعَ فَرِيقَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي أمْرٍ ثُمَّ يَبْتَهِلاَنِ إلى اللهِ بِأنْ يَجْعَلَ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ). (وَهَذا الطَّلَبُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يِقِينِ صَاحِبِهِ، وَثِقَتِهِ بِمَا يَقُولُ). حَاجَّكَ - جَادَلَكَ. تَعَالَوْا - هَلُمُّوا وَأقْبِلُوا. نَبْتَهِلْ - نَدْعُ بِاللَّعْنَةِ عَلَى الكَاذِبِ مِنَّا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} معناهُ نَلْتَعِنُ.
الأندلسي
تفسير : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} أي من جادلك فيه أي في أمر عيسى لأنه المحدّث عنه أولاً في قوله: إن مثل عيسى، والمحاجة مفاعلة وهي من اثنين وقعت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين وفد نجران. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} وهو إخباره عليه السلام بولادة عيسى من غير أب وقصته إلى أن ذكر رفع الله إياه. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} قرىء بفتح اللام وهو الأصل وبضمها شاذاً ووجهه أنه كان أصله تعالَيُوا فنقلت الضمة الى اللام فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. {نَدْعُ} أي يدْع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه الى المباهلة وفي صحيح مسلم لما نزلت هذه الآية. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي. {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} نتضرع: قاله ابن عباس. {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} أي يقول كل منّا لعن الله الكاذب منا في أمر عيسى وقد طول المفسرون في قصة المباهلة ومضمنها أنه لما دعاهم إلى المباهلة وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعلي الى الميعاد وانهم كفّوا عن ذلك ومعلوم ان الكاذب هم النصارى وهو نظير قوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 24]. ومعلوم ان الذي على الهدى هو محمد صلى الله عليه وسلم وأن الذين في الضلال المبين هم الكفار المخاطبون بقوله: {أية : أَوْ إِيَّاكُمْ}تفسير : [سبأ: 24]، وأبرز ذلك إبراز الاحتمال كما قال الشاعر: شعر : أيا ظبية الوعساء بين حلاحل وبين النقاء أأنت أمْ أمّ سال تفسير : وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل ومن ثم كانوا يسوقون معهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الدفع عنها بأرواحهم حماية الحوزة وحماية الحقائق وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها وفيه دليل لا شيء أقوى منه على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} الإِشارة بهذا الى قصة عيسى عليه السلام وكونه مخلوقاً من غير أب إلى سائر ما قص تعالى في أمره فليس بإِله بل هو عبد من عبيده كما قال تعالى: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}تفسير : [الزخرف: 59]، ولذلك جاء بعده: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} فحصر الإِلهية له تعالى. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} إشارة إلى وصفي الألوهية وهما القدرة الناشئة عن الغلبة فلا يمتنع عليه شيء والعلم المعبر عنه بالحكمة فيما صنع والاتقان لما اخترع فلا يخفى عليه شيء. وهاتان الصفتان منفيتان عن عيسى عليه السلام. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} يجوز أن يكون مضارعاً حذفت منه التاء أصله تتولوا. ويجوز أن يكون ماضياً وتوليهم عن ما جئت به في أمر عيسى وفي صحة نبوتك ومعنى علمه تعالى اطلاعه على أحوالهم فيعاقبهم على توليهم. و{بِٱلْمُفْسِدِينَ} جاء باسم الفاعل الدال على الثبوت وجاء جمعاً ليعمهم وغيرهم من أهل الفساد. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} قال ابن عباس: نزلت في القسيسين والرهبان بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعفر وأصحابه بالحبشة فقرأها جعفر والنجاشي جالس وأشراف الحبشة. وقيل: نزلت في وفد نجران واللفظ عام فيهم وفي غيرهم. {سَوَآءٍ} صفة للكلمة وهو مصدر وصف به أي مستوية. {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} وهذا دعاء إنصاف. وقرىء سواء بالنصب وخرج على أنه منصوب على المصدر بفعل محذوف استوت استواء ويجوز انتصابه على الحال من النكرة وإن لم توصف نص على ذلك سيبويه. {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} في موضع جر على البدل من كلمة. {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} توكيد للجملة التي قبلها لأن من أفرد العبادة لله تعالى وحصرها فيه لا يشرك بالله شيئاً وانتصب شيئاً على أنه مفعول به أو مصدر {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً} أي لا نتخذهم. {أَرْبَاباً} فنعتقد فيهم الالهية ونعبدهم على ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإِقرار بالكلمة. {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ} أي اعلموا أنا مباينون لكم منقادون لها وهذه الآية في الكتاب الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية إلى عظيم بُصْرَى فدفعه إلى هرقل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { فمن } جادلك { وحاجك } في عيسى عليه السلام وزعم أنه فوق منزلة العبودية، بل رفعه فوق منزلته { من بعد ما جاءك من العلم } بأنه عبد الله ورسوله وبينت لمن جادلك ما عندك من الأدلة الدالة على أنه عبد أنعم الله عليه، دل على عناد من لم يتبعك في هذا العلم اليقيني، فلم يبق في مجادلته فائدة تستفيدها ولا يستفيدها هو، لأن الحق قد تبين، فجداله فيه جدال معاند مشاق لله ورسوله، قصده اتباع هواه، لا اتباع ما أنزل الله، فهذا ليس فيه حيلة، فأمر الله نبيه أن ينتقل إلى مباهلته وملاعنته، فيدعون الله ويبتهلون إليه أن يجعل لعنته وعقوبته على الكاذب من الفريقين، هو وأحب الناس إليه من الأولاد والأبناء والنساء، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتولوا وأعرضوا ونكلوا، وعلموا أنهم إن لاعنوه رجعوا إلى أهليهم وأولادهم فلم يجدوا أهلا ولا مالا وعوجلوا بالعقوبة، فرضوا بدينهم مع جزمهم ببطلانه، وهذا غاية الفساد والعناد، فلهذا قال تعالى: { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. وأخبر تعالى { إن هذا } الذي قصه الله على عباده هو { القصص الحق } وكل قصص يقص عليهم مما يخالفه ويناقضه فهو باطل { وما من إله إلا الله } فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة { وإن الله لهو العزيز } الذي قهر كل شيء وخضع له كل شيء { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة التامة في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، يقاتلونهم ويجادلونهم ويجاهدونهم بالقول والفعل.
همام الصنعاني
409تفسير : - عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن تقادة في قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ}: [الآية: 61]، قال: بلغني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليُلاعِن أهل نجران، فلما رأوه، هابوا وفرقوا فرجعوا. 410- قال معمر، وقال قتادة: حديث : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُباهِلَ أهل نجران، أخذ بين حسن وحسين وقال لفاطمة: "اتبعينا" فلما رأى ذلك أعداء الله، رَجِعُوا . تفسير : 411- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال: أخبرني عبد الكريم الجزري، عِكْرِمة قال: قال: ابن عباس: لو خرج الذين يُباهِلُون النبي صلى الله عليه وسلم لَرَجِعُوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):