٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله {إِنَّ هَذَا } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل، ومن الدعاء إلى المباهلة {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل. المسألة الثانية: {هُوَ } في قوله {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } فيه قولان أحدهما: أن يكون فصلاً وعماداً، ويكون خبر {إِن} هو قوله {ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ }. فإن قيل: فكيف جاز دخول اللام على الفصل؟. قلنا: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. والقول الثاني: إنه مبتدأ، والقصص خبره، والجملة خبر {إِن}. المسألة الثالثة: قرىء {لَهُوَ } بتحريك الهاء على الأصل، وبالسكون لأن اللام ينزل من {هُوَ } منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد. المسألة الرابعة: يقال: قص فلان الحديث يقصه قصاً وقصصاً، وأصله اتباع الأثر، يقال: خرج فلان قصصاً، وفي أثر فلان، وقصاً، وذلك إذا اقتص أثره، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } تفسير : [القصص: 11] وقيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبراً بعد خبر، وسوقه الكلام سوقاً، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة. ثم قال: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } وهذا يفيد تأكيد النفي، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد، أفاد أنه ليس عندك بعضهم، وإذا لم يكن عندك بعضهم، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } مبالغة في أنه لا إلٰه إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى. ثم قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلٰهية، بل لا بد وأن يكون عزيزاً غالباً لا يدفع ولا يمنع، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه؟ والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها، فيكون إلٰهاً، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلٰهية، بل لا بد وأن يكون حكيماً، أي عالماً بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور، فذكر {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله{أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [آل عمران: 6]. ثم قال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } والمعنى: فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو الواحد، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً قادراً على جميع المقدورات، حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزاً غالباً، وما كان حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات. فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله، فإن الله عليم بفساد المفسدين، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَص ٱلْحَقُّ} الإشارة في قوله «إن هذا» إلى القرآن وما فيه من الأقاصيص، سميت قصصاً لأن المعاني تتتابع فيها؛ فهو من قولهم: فلان يقص أثر فلان، أي يتبعه. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} «من» زائدة للتوكيد، والمعنى وما إلۤه إلاَّ الله {ٱلْعَزِيزُ} أي الذي لا يغلب. {ٱلْحَكِيمُ} ذو الحكمة. وقد تقدّم مثله والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ هَٰذَا } المذكور {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ } الخبر {ٱلْحَقُّ } الذي لا شك فيه {وَمَا مِنْ } زائدة {إِلَٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.
ابن عطية
تفسير : {هذا} خبر من الله تعالى جزم مؤكد فصل به بين المختصمين، والإشارة بــ {هذا} هي إلى ما تقدم في أمر عيسى عليه السلام، قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد وغيرهم: و {القصص} معناه الأخبار، تقول: قص يقص، قصاً وقصصاً، إذا تتبع الأمر يخبر به شيئاً بعد شيء، قال قوم: هو مأخوذ من قص الأثر، وقوله {لهو} يحتمل أن يكون فصلاً ويحتمل أن يكون ابتداء، و {من} قوله {من إله} مؤكدة بعد النفي، وهي التي يتم الكلام دونها لكنها تعطي معنى التأكيد، وقوله تعالى: {فإن الله عليم بالمفسدين} وعيد. واختلف المفسرون من المراد بقوله: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} فقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله عليه السلام دعا يهود المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وقاله الربيع وابن جريج، وقال: محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت الآية في وفد نجران، وقاله السدي، وقال ابن زيد: لما أبى أهل نجران ما دعوا إليه من الملاعنة، دعوا إلى أيسر من ذلك وهي "الكلمة السواء" والذي يظهر لي أن الآية نزلت في وفد نجران، لكن لفظ {أهل الكتاب} يعمهم وسواهم من النصارى واليهود، فدعى النبي عليه السلام بعد ذلك يهود المدينة بالآية، وكذلك كتب بها إلى هرقل عظيم الروم، وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس "إلى كَلِمة" بفتح الكاف وكسر اللام، وروى أبو السمال: "كَلْمة" بفتح الكاف وسكون اللام، وروي عنه أنه قرأ "كِلْمة" بكسر الكاف وسكون اللام، وذلك على إلقاء حركة اللام على الكاف كما قالوا في كبد، كبد بكسر الكاف وسكون الباء، و"الكلمة" هنا عبارة عن الألفاظ التي تتضمن المعاني المدعو إليها، وهي ما فسره بعد ذلك بقوله {ألا نعبد} الآية وهذا كما تسمي العرب القصيدة كلمة، وجمهور المفسرين على أن الكلمة هي ما فسر بعد، وقال أبو العالية: "الكلمة السواء"، لا إله إلا الله. قال الفقيه الإمام: وقوله: {سواء} نعت للكلمة، قال قتادة والربيع وغيرهما: معناه إلى كلمة عدل، فهذا معنى "السواء"، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "إلى كلمة عدل بيننا وبينكم"، كما فسر قتادة والربيع، وقال بعض المفسرين: معناه إلى كلمة قصد. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قريب في المعنى من الأول، والسواء والعدل والقصد مصادر وصف بها في هذه التقديرات كلها، والذي أقوله في لفظة {سواء} انها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوين أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً فلم يكونوا على استواء حال فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه، فـــ {سواء} على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بعدل، أنك لو دعوت أسيراً عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه، لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحد جاءت لفظة {سواء} في قوله تعالى: {أية : فانبذ إليهم على سواء} تفسير : [الأنفال: 58] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حراً مقاسماً لك في عيشك، لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظ على كل تأويل فيها معنى العدل، ولكني لم أر لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي حسن، لأن النفوس تألفه، والله الموفق للصواب برحمته. وقوله {ألا نعبد} يحتمل أن يكون في موضع خفض بمعنى، إلى {ألا نعبد}، فذلك على البدل من {كلمة} ويحتمل أن يكون في موضع رفع بمعنى، هي {ألا نعبد} وما ذكره المهدوي وغيره من أن تكون مفسرة إلى غير ذلك من الجائزات التي يلزم عنها رفع {نعبد} إكثار منهم فاختصرته، واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو على مراتب، أعلاها اعتقادهم فيهم الألوهية، وعبادتهم لهم على ذلك، كعزير وعيسى ابن مريم، وبهذا فسر عكرمة، وأدنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم، ورؤسائهم في كل ما أمروا به من الكفر والمعاصي والتزامهم طاعتهم شرعاً، وبهذا فسر ابن جريج، فجاءت الآية بالدعاء إلى ترك ذلك كله وأن يكون الممتثل ما قاله الله تعالى على لسان نبيه عليه السلام، وقوله تعالى: {فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون} أمر بتصريح مخالفتهم بمخاطبتهم ومواجهتهم بذلك، وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد، أي سترون أنتم أيها المتولون عاقبة توليكم كيف تكون.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {إن هذا} يعني الذي قص عليك يا محمد من خبر عيسى عليه السلام وأنه عبدالله ورسوله {لهو القصص الحق} وأصله من القصص وهو تتبع الأثر والقصص الخبر الذي تتتابع فيه المعاني {وما من إله إلاّ الله} إنما دخلت من لتوكيد النفي والمعنى أن عيسى ليس بإله كما زعمت النصارى ففيه رد عليهم ونفي جميع من ادّعى من المشركين أنهم آلهة وإثبات الإلهية لله تعالى وحده لا شريك له في الإلهية {وإن الله لهو العزيز} أي الغالب المنتقم ممن عصاه وخالف أمره وادّعى معه إلهاً أخر {الحكيم} يعني في تدبيره وفيه رد على النصارى لأن عيسى لم يكن كذلك {فإن تولوا} يعني فإن أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوه {فإن الله عليم بالمفسدين} أي الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غيره وفيه وعيد وتهديد لهم. قوله لهم. قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى الكلمة سواء بيننا وبينكم} قال المفسرون: لما قدم وفد نجران المدينة اجتمعوا باليهود واختصموا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانياً وهم على دينه وأولى الناس به وقالت اليهود: بل كان يهودياً وهم على دينه وأولى الناس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلا الفريقين برئ من إبراهيم ودينه بل كان حنيفاً مسلماً وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام" تفسير : فقالت اليهود: ما تريد إلاّ أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى رباً. وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلاّ أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير فأنزل الله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} أي هلموا إلى كلمة يعني فيها إنصاف ولا ميل فيها لأحد على صاحبه، والعرب تسمي كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر وشرح كلمة سواء أي عدل لا يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن وتفسير الكلمة قوله: {أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} وذلك أن النصارى عبدوا غير الله وهو المسيح وأشركوا به وهو قولهم أب وابن وروح القدس فجعلوا الواحد ثلاثة واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله وذلك أنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الشرك ويسجدون لهم فهذا معنى اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فثبت أن النصارى قد جمعوا بين هذه الثلاثة أشياء ومعنى الآية قل: يا محمد لليهود والنصارى هلموا إلى أمر عدل نصف وهو أن لا نقول عزير ابن الله ولا نقول المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بشر مخلوق مثلنا ولا نطيع أحبارنا ورهباننا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع ولا يسجد بعضنا لبعض لأن السجود لغير الله حرام فلا نسجد لغير الله وقيل: معناه ولا نطيع أحداً في معصية الله {فإن تولوا} يعني فإن أعرضوا عما أمرتهم به {فقولوا} أنتم لهؤلاء {اشهدوا بأنا مسلمون} أي مخلصون بالتوحيد لله والعبادة له. (ق) عن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم اليرسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون لفظ الحديث أحد روايات البخاري، وقد أخرجه بأطول من هذا وفيه زيادة قوله اليريسيين وفي رواية الأريسيين والأريس الأكار وهو الزراع والفلاح وقيل: هم أتباع عبدالله بن أريس رجل كان في الزمن الأول بعثه الله فخالفه قومه وقيل هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبدالله بن أروس وهم الأروسة. وقيل: هم الأريسون بضم الهمزة وهم الملوك الذين يخالفون أنبياءهم وقيل: هم المتبخترون وقيل: هم اليهود والنصارى الذين صددتهم عن الإسلام واتبعوك على كفرك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالَىٰ، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، والقصص معناه الإخبار. وقال * ص *: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ}: هذا، إشارةً إلى القرآن. اهـــ. واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا. فروى قتادةُ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنهم يهودُ المدينَة. وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارَىٰ نجران. قال * ع *: والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارَىٰ واليهود، وقد كتب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلَىٰ هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا ينبغي أنْ يدعى بها أهل الكِتَابِ إلى يوم القيامة، «والكلمةُ» هنا؛ عند الجمهور: عبارةٌ عن الألفاظ التي تتضمَّن المعانِيَ المدعوَّ إليها، وهي ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمِّي العربُ القصيدةَ «كَلِمَةً»، وقوله: {سَوَآءٍ} نعتٌ للكلمةِ، قال قتادةُ وغيره: معناه: إلى كلمةٍ عَدْلٍ، وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعود: «إلى كلمةٍ عَدْلٍ»؛ كما فسر قتادة، قال * ع *: والذي أقوله في لفظة {سَوَآء}: إنها ينبغي أنْ تفسَّر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضِعِ، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ، جميعُ الناسِ فيها مُسْتَوُونَ. وقوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} هو في موضعِ خفضٍ على البَدَلِ مِنْ {كَلِمَة}، أو في موضعِ رفعٍ؛ بمعنى هِيَ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، واتخاذُ بعضهم بعضاً أرباباً هو علَىٰ مراتبَ، أشدُّها: ٱعتقادهم الألوهيَّة، وعبادتهم لهم؛ كَعُزَيْرٍ، وعيسَىٰ، ومريمَ، وأدنَىٰ ذلك: طاعتهم لأساقفتهم في كلِّ ما أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْر والمعاصِي، وٱلتزامُهم طاعتهم شرعاً. * م *: {فَإِن تَوَلَّوْاْ}: أبو البقاءِ: تَوَلَّوْا: فعلٌ ماضٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون التقديرُ: «تَتَوَلَّوا»؛ لفساد المعنَىٰ؛ لأنَّ قوله: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ} خطابٌ للمؤمنين، و {تَوَلَّوْاْ} للمشركينَ. اهـــ. وقوله: {فَقُولُوا ٱشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}: أمر بالإعلان بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم؛ علَىٰ معنى التوبيخ والتهديد.
ابن عادل
تفسير : قال أبو مُسْلِمٍ: هذا الكلام متصل بما قبله، ولا يجوز الوقف على قوله: {ٱلْكَاذِبِينَ}، وتقدير الآية: فنجعلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِيْنَ بأن هذا هو القصص الحقُ، وعلى هذا التقدير كان حق "إنَّ" أن تكون مفتوحةً، إلا أنها كُسِرَت؛ لدخول اللاَّمِ في قوله: {لَهُوَ الْقَصَصُ}، كما في قوله: {أية : إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}تفسير : [العاديات: 11]. قال الباقون: الكلام تمّ عند قوله: {عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} وما بعده جملة أخْرَى مستقلة غير مُتعَلِّقةٍ بما قبلها، فَقَوْلُهُ: {هَـٰذَا} الكلام إشارةٌ إلى ما تقدم من الدلائلِ والدعاءِ إلى الْمُبَاهَلَةِ، وأخبار عيسى. وقيل: هو إشارة لما بعده - وهو قوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} - وضُعفَ هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ هذا ليس بقصصٍ. الثاني: أن مقترن بحرف العطف. واعتذر بعضهم عن الأول، فقال: إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ويكون التقدير: إن الخبر الحق {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} ولكن الاعتراض الثاني باقٍ، لم يُجَبْ عنه. و "هُوَ" يجوز أن يكون فَصْلاً، و "القصص" خبر "إن"، و "الْحَقُّ" صفته، ويجوز أن يكون "هو" مبتدأ و "الْقَصَصُ" خبره، والجملة خبر "إنَّ". والقصص مصدر قولهم: قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يَقُصُّهُ، قَصًّا، وقَصَصاً وأصله: تتبع الأثَر، يقال: فلان خرج يقصُّ أثَرَ فلان، أي: يتبعه، ليعرف أين ذَهَبَ. ومنه قوله: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} تفسير : [القصص: 11]، أي، اتبعي أثره، وكذلك القاصّ في الكلام، لأنه يتتبع خَبراً بعد خبر. وقد تقدم التنبيه على قراءتي "لهْو" بسكون الهاء وضمها؛ إجراء لها مجرى عضد. قال الزمخشريُّ: فإن قلتَ: لم جاز دخولُ اللامِ على الفَصْل؟ قلت: إذا جاز دخولُها على الخبر كان دخولُها على الفَصْل أجودَ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. قوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن {مِنْ إِلَـٰهٍ} مبتدأ، و "مِنْ" مزيدة فيه، و "إلاَّ اللهُ" خبره، تقديره: ما إلَهٌ إلا اللهُ، وزيدت "مِنْ" للاستغراق والعموم. قال الزمخشريُّ: و "مِنْ" - في قوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} - بمنزلة البناء على الفتح في: لا إلَهَ إلا اللهُ - في إفادة معنى الاستغراق. قال شهابُ الدينِ: الاستغراق في: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، لم نستفده من البناء على الفتح، بل استفدناه من "مِنْ" المقدَّرة، الدالة على الاستغراق، نَصَّ النحويون على ذلك، واستدلوا عليه بظهورها في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1495- فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ وَقَالَ: ألاَ لاَ مِنْ سَبيلٍ إلَى هِنْدٍ تفسير : الثاني: أن يكون الخبر مُضْمَراً، تقديره: وما من إله لنا إلا الله، و {إِلاَّ ٱللَّهُ} بدل من موضع {مِنْ إِلَـٰهٍ} لأن موضعه رفع بالابتداء، ولا يجوز في مثله الإبدالُ من اللفظ، لِئَلاّ يلزم زيادة "مِنْ" في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور. ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد "إِلاَّ" على الاستثناء، ولكن لم يُقرأ به، إلا أنَّه جائز لُغَةً أنْ يُقَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ - برفع لفظ الجلالة بدلاً من الموضع، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر؛ إذ التقدير: لا إله استقر لنا إلا الله. وقال بَعْضُهُم: دخلت "مِنْ" لإفادة تأكيد النفي؛ لأنك لو قلتَ: ما عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلتَ: ما عندي من الناس من أحدٍ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أوْلَى، فثبت أن قوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحدُ الحقُّ. قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} وفيه إشارةٌ إلى الجواب عن شبهات النَّصَارَى، لأن اعتمادَهم على أمرين: أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتَى وإبراء الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فكأنه - تعالى - قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بُدَّ وأن يكون عزيزاً، غالباً، لا يدفع، ولا يمنع، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه السلام - ما كان كذلك، بل قلتم: إنّ اليهودَ قتلوه. والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يُخبر عن الغيوب وغيرها، فكأنه - تعالى - قال: هذا القدرُ من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن يكون حَكِيماً، أي: عالماً بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمورِ. فَذِكرُ العزيز الحكيم - هاهنا - إشارةٌ إلى الجواب عن هاتَيْنِ الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [آل عمران: 6]. وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} يجوز أن يكون مضارعاً - حُذِفَتْ منه إحدى التاءَين، تخفيفاً - على حَدِّ قراءة: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [القدر: 4] و {أية : تَذَكَّرُون} تفسير : [الأنعام: 152] - ويؤيد هذا نسق الكلام، ونظمُه في خطاب من تقدم في قوله: {تَعَالَوْا} ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم: فَإن تولّوا. قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون مستقبلاً، تقديره: تتولوا - ذكره النَّحَّاسُ - وهو ضعيفٌ؛ لأن حَرْفَ الْمُضَارَعةَِ لا يُحْذَف". قال شهاب الدين: "وهذا ليس بشيء؛ لأن حرف المضارعة يُحْذَف - في هذا النحو - من غير خِلافٍ. وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة". وقد أجمعوا على الحذف في قوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} تفسير : [القدر: 4]. ويجوز أن يكون ماضياً، أي: فإن تَوَلَّى وَفْدُ نجرانَ المطلوب مباهلتهم، ويكون - على ذلك - في الكلام التفات؛ إذْ فيه انتقال من خطابٍ إلى غيبةٍ. قوله: {بِالْمُفْسِدِينَ} من وقوع الظاهر موقعَ المُضْمَرِ، تنبيهاً على العلة المقتضية للجزاءِ، وكان الأصل: فإن الله عليم بكم - على الأول - وبهم - على الثاني. فصل ومعنى الآية: فإن تولوا عما وَصَفْتَ لهم من أنه الواحد، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً، قادراً على جميع المقدوراتِ، حكيماً، عالماً بالعواقب - مع أن عيسى ما كان كذلك - فاعلم أن تولّيهم وإعراضَهم ليس إلاَّ على سبيل العِنَادِ، فاقطع كلامَك عَنْهُم، وفَوِّضْ أمرك إلى اللهِ؛ فإنه عليم بالمفسدين الذين يعبدون غيرَ اللهِ، مُطَّلِع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادرٌ على مجازاتهم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ هَذَا} أي ما قُصّ من نبأ عيسى وأمِّه عليهما السلام {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} دون ما عداه من أكاذيبِ النصارى، فهو ضميرُ الفصلِ دخلتْه اللامُ لكونه أقربَ إلى المبتدإ من الخبر، وأصلها أن تدخُلَ المبتدأَ، وقرىء لهْوَ بسكون الهاء، والقصصُ خبرُ إن والحقُّ صفتُه، أو مبتدأٌ والقصصُ خبرُه والجملةُ خبرٌ لإن {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} صرّح فيه بمن الاستغراقية تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} القادرُ على جميع المقدوراتِ {ٱلْحَكِيمُ} المحيطُ بالمعلومات لا أحدَ يشاركُه في القدرة والحِكمة ليشاركَه في الألوهية {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد وقَبولِ الحقِّ الذي قصَصْنا عليك بعد ما عاينوا تلك الحُججَ النَّيرة والبراهينَ الساطعة {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي بهم، وإنما وُضِعَ موضعَه ما وُضِع للإيذان بأن الإعراضَ عن التوحيد والحقِّ الذي لا محيدَ عنه بعد ما قامت به الحججُ إفسادٌ للعالم وفيه من شدة الوعيدِ ما لا يخفىٰ {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} أمرٌ بخطاب أهلِ الكتابـين وقيل: بخطاب وفدِ نجْرانَ وقيل: بخطاب يهودِ المدينةِ {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا يختلف فيها الرسلُ والكتبُ وهي {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي نوحِّدُه بالعبادة ونُخلِصُ فيها {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} ولا نجعلَ غيرَه شريكاً له في استحقاق العبادةِ ولا نراه أهلاً لأن يُعبد {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ} بأن نقولَ عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله ولا نُطيعَ الأحبارَ فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلاً منهم بعضُنا بشرٌ مثلُنا، حديث : روي أنه لما نزلت {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ} [التوبة، الآية 31] قال عديُّ بنُ حاتم: ما كنا نعبُدهم يا رسولَ الله، فقال عليه السلام: «أليس كانوا يُحِلّون لكم ويحرِّمون فتأخذون بقولهم» قال: نعم، قال عليه السلام: «هو ذاك»» تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عما دعوتَهم إليه من التوحيد وتركِ الإشراك {فَقُولُواْ} أي قل لهم أنت والمؤمنون: {ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي لزِمْتكم الحُجةُ فاعترِفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترِفوا بأنكم كافرون بما نطَقَتْ به الكتُب وتطابقت عليه الرسلُ عليهم السلام. - تنبـيه - انظُر إلى ما روعيَ في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسنِ التدرُّجِ في المُحاجَّة حيث بـيّن أولاً أحوالَ عيسى عليه السلام وما توارد عليه من الأطوار المنافيةِ للإلٰهية ثم ذُكر كيفيةُ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلامِ فلما ظهر عندهم دُعُوْا إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرَضوا عنها وانقادوا بعضَ الانقياد دُعوا إلى ما اتفق عليه عيسى عليه السلام والإنجيلُ وسائرُ الأنبـياء عليهم السلام والكتُب، ثم لما ظهر عدمُ إجدائِه أيضاً أُمِرَ بأن يقال لهم: اشهدوا بأنا مسلمون.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ}. لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم مخلوق، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان هذا} اى ما قص من نبأ عيسى عليه السلام وامه {لهو القصص الحق} دون ما عداه من اكاذيب النصارى {وما من اله} ما اله {الا الله} صرح فيه بمن الاستغراقية تأكيد للرد على النصارى فى تثليثهم {وان الله لهو العزيز الحكيم} القادر على جميع المقدروات. الحكيم المحيط بالمعلومات لا احد يشاركه فى القدرة والحكمة ليشاركه فى الالوهية.
الطوسي
تفسير : المعنى، واللغة: إن قيل: لم قال: {إن هذا لهو القصص} مع قيام الحجة، وشهادة المعجزة له؟ قلنا: معناه البيان عن أن مخالفتهم له بعد وضوح أمره يجري مجرى العناد فيه، وكذلك قوله: {وما من إله إلا الله}. والقصص: الخبر الذي تتابع فيه المعاني وأصله اتباع الاثر، وفلان يقص أثر فلان أي يتبعه. وقوله: {وما من إله إلا الله} دخول (من) فيه تدل على عموم النفي لكل إله غير الله. ولو قال: ما إله إلا الله لم يفد ذلك وإنما أفادت (من) هذا المعنى، لأن أصلها لابتداء الغاية فدلت على استغراق النفي من ابتداء الغاية إلى انتهائها. ولا يجوز جر اسم الله على البدل من إله، لأن ذلك لا يحسن في الكلام، لأن (من) لا تدخل في الايجاب وما بعد (إلا) هنا إيجاب، ولا تدخل أيضاً على المعرفة للعموم، ولا يحسن إلا رفعه على الموضع، كأنه قيل ما لكم إله إلا الله. وما لكم مستحق للعبادة إلا الله قال الشاعر: شعر : ابني لبيني لستم بيد الا يد ليست لها عضد تفسير : أنشدوه بالجر، فعلى هذا يجوز ما جاءني من رجل إلا زيد، وليس هو وجه الكلام، ولكنه يتبعه وإن لم يصلح إعادة العامل فيه، كما يقال: اختصم زيد وعمرو، ولا يجوز واختصم عمرو، وقوله: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} معناه لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو، فوصل ذلك بذكر التوحيد في الآهية لأنه حجة على صحته من حيث لو كان إله آخر، لبطل إطلاق هذه الصفة. الاعراب: وموضع هو من الاعراب يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون فصلا، وهو الذي تسمية الكوفيون عماداً، فلا يكون له موضع من الاعراب، لأنه في حكم الحرف ويكون القصص خبر إن. والآخر - أن يكون إسماً موضعه رفع بالابتداء والقصص خبر إن والجملة خبر إن.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذَا} المذكور من بناء عيسى (ع) وحمل مريم (ع) به وتولّده الى آخر ما ذكر فى حقّه {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ} مصدر قصصت الحديث واقتصصته رويته على جهته وهو بمعناه المصدرىّ اى بمعنى المقصوص وهذا يفيد الحصر سواء كان الضّمير للفصل او اسماً مبتدأ ثانياً والمراد الحصر الاضافىّ بالنّسبة الى ما قالوه فى حقّ عيسى (ع) فانّه لا يخلو من شوب باطل بخلافه فانّه القصص {ٱلْحَقُّ} الّذى لا يشوبه باطل {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} تصريح ببعض ما يستفاد من الحصر السّابق يعنى هذا هو الحقّ لا ما قالوه فى حقّه ومن جملة ما قالوه انّه اله وانّه ثالث ثلاثة وما من اله الاّ الله {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الّذى لا يمنع من مراده {ٱلْحَكِيمُ} فى علمه وعمله وهو عطف فى معنى التّعليل يعنى انّ الاله ينبغى ان يكون عزيزاً وحكيماً حتّى يعلم غايات الامور على ما ينبغى، ويتمكّن من العمل على ما ينبغى، وحتّى لا يغلب فى مراده؛ وهذه الاوصاف منحصرة فى الله فما من اله الاّ الله لا عيسى (ع) متفرّداً او مشاركاً.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ هَـذَا}: أى ما ذكر من أمر عيسى وأمه. {لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ}: أى لهو المقصوص الحق، وتعريف المسند إليه والمسند، يفيد الحصر، أى أن هذا المقصوص عليك، هو المقصوص الثابت، الذى لا شك فيه، لا ما قال وفد نجران وغيرهم، فإنه باطل، ويجوز إبقاء القصص على مصدريته، فتكون الإشارة أيضاً إلى المعنى المصدرى، أى أن هذا الإخبار ونحو ذلك، ومذهب الخليل: إنما يقال له ضمير فصل، هو ضمير لا محل له من الإعراب، وعليه فالخبر القصص، وقيل: له المحل فهو هنا مبتدأ، وذلك لغتان فى الحقيقة، وافق الخليل أحدهما كذا قيل تم أقول: لا دليل على أن ذلك لغة فى قراءة من قرأ {ولكن كانوا هم الظالمين} لجواز أنه فى قراءة النصب توكيد للواو لا ضمير فصل مجرد عن الإعراب، وكذا فى قراءة: أنا أقل منك بالنصب. {وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللَّهُ}: فليس عيسى إلهاً، ولا مريم ولا غيرهما. أكد الله جل جلاله ذلك بالحصر، وبمن المؤكد، وإله مبتدأ خبره {الله}. {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: هو وحده الغالب لكل شىء فى كل ما أراد، الذى حكمتهُ عمت فى كل شىء، فكيف يشاركه غيره فى الألوهية، أو يختص بها غيره سبحانه وتعالى فهو {حكيم} فى تدبير أمر عيسى، منتقم مما خالف حكم الله فيه، لا راد له.
اطفيش
تفسير : {إنَّ هَذا} أى ما ذكر من أمر عيسى وأمه {لَهُوَ الْقَصَصُ} الخبر {الحَقُّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاّ اللهُ} بمعنى لا إله إلا الله، أو لا إله لنا إلا الله، رد على من قال ثالث ثلاثة، ومن قال عيسى الله ومن قال ابن الله، فإن ابن الإله، رد على من قال ثالث ثلاثة، ومن قال عيسى الله ومن قال ابن الله، بإن ابن الإله إله، كل ذلك باطل، تأكيد لقوله إن مثل عيسى {وَإنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} لا يشارك فى القدرة التامة والحكمة البالغة، فضلا عن أن يختص بهما عيسى وهما أليق، ولا تتصور القدرة التامة إلا بالألوهية، وهذا أيضا رد على النصارى تأكيداً.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ هَذَا } أي المذكور في شأن عيسى عليه السلام قاله ابن عباس {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } جملة اسمية خبر {إِنَّ } ويجوز أن يكون ـ هو ـ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و (القصص) هو الخبر، وضمير الفصل يفيد القصر الإضافي كما يفيده تعريف الطرفين و (الحق) صفة القصص وهو المقصود بالإفادة أي ـ إن هذا هو الحق ـ لا ما يدعيه النصارى من كون المسيح عليه السلام إلهاً وابن الله سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً، وقيل: إن الضمير للقصر والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيد ذلك وإن كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد، والأول: هو المشهور ـ وعليه الجمهور ولعله الأوجه، واللام لام الابتداء والأصل فيها أن تدخل على المبدأ إلا أنهم يزحلقونها إلى الخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيد وإذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ فافهم. و(القصص) على ما في «البحر» مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصه قصاً وقصصاً؛ وأصله تتبع الأثر يقال: خرج فلان يقص أثر فلان أي يتتبعه ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُِخْتِهِ قُصّيهِ }تفسير : [القصص: 11] أي تتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام لأنه يتتبع خبراً بعد خبر، أو يتتبع المعاني ليوردها، وهو هنا فعل بمعنى مفعول أي المقصوص الحق، وقرىء {لَهُوَ } بسكون الهاء. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } رد على النصارى في تثليثهم، وكذا فيه رد على سائر الثنوية، و {مِنْ } زائدة للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان ـ كما قال الشهاب ـ أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها بذلك في الأكثر، وقد توقف محب الدين في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية، وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان، واعترض بأن هذا حوالة على مجهول فلا تفيد، فالأولى أن يقال: إنها وضعية لكنه من باب الوضع النوعي فتدبر. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي الغالب غلبة تامة، أو القادر قدرة كذلك، أو الذي لا نظير له {ٱلْحَكِيمُ } أي المتقن فيما صنع، أو المحيط بالمعلومات، والجملة تذييل لما قبلها، والمقصود منها أيضاً قصر الإلهية عليه تعالى رداً على النصارى أي قصر إفراد فالفصل والتعريف هنا كالفصل والتعريف هناك فما قيل: إنهما ليسا للحصر إذ الغالب على الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام لا يلائمه مما لا عصام له كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : جملة {إن هذا لهو القصص الحق} وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله: {أية : الكاذبين}تفسير : [آل عمران: 61] لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق. واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلٰهية عن عيسى. والضمير في قوله لَهو القصصُ ضمير فصل، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادَها ضمير الفصل؛ لأنّ اللام وَحدها مفيدة تقوية الخبر وَضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تَقُصُّه كتُب النصارى وعَقائِدهم. والقصَص - بفتح القاف والصاد - اسم لما يُقَص، يقال: قَصّ الخبر قَصّاً إذا أخبر به، والقَصُّ أخص من الإخبار؛ فإنّ القص إخبار بخبرٍ فيه طولٌ وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يُخبر بها قِصة - بكسر القاف - أي مقصوصة أي مما يقُصها القُصّاص، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قَصّاص - بفتح القاف -. فالقصصُ اسم لما يُقص: قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص وقيل: هو اسم مصدر وليس هو مصدراً، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين، فالقصّ بالإدغام مصدر، والقصص بالفَكّ اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص. وقوله: وما من إلٰه إلا الله} تأكيد لحقيَّة هذا القصص. ودخلت من الزائدة بعد حرف نفي تنصيصاً على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد، ونفي الشريك بالصراحة، ودلالةِ المطابقة، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله، فيوهم أنه قد يكون إلاَ هَان أو أكثر في شقّ آخر، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام. وقوله: {وإن الله لهو العزيز الحكيم} فيه ما في قوله: {إن هذا لهو القصص الحق} فأفاد تقوية الخَبر عَن الله تعالى بالعزّة والحكم، والمقصود إبطال إلٰهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذِلّة وعجز لا يلتئمان مع الإلٰهية فكيف يكون إلٰه وهو غير عزيز وهو محكوم عليه، وهو أيضاً إبطال لإلٰهيته على اعتقادنا؛ لأنه كان محتَاجَاً لإنقاذه من أيدي الظالمين. وجملة {فإن تولوا الله عليم بالمفسدين} عطف على قوله: {أية : فقل تعالوا}تفسير : [آل عمران: 61] وهذا تسجيل عليهم إذ نكصوا عن المباهلة، وقد علم بذلك أنهم قصدوا المكابرة ولم يتطلبوا الحق،حديث : رُوي أنهم لما أبوا المباهلة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "فإن أبيتم فأسلموا" فأبوا فقال: "فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد" فأبوا فقال لهم: "فإني أنبذ إليكم على سواء أي أترك لكم العهد الذي بيننا فقالوا: «ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكنا نصالحك على ألاّ تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حُلة حمراء ألْفاً في صفر وألْفَاً في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد» وطلبوا منه أن يبعث معهم رجُلاً أميناً يحكم بينهم فقال: لأبعثنّ معكم أميناً حَقَّ أمينٍ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهتفسير : ، ولم أقف على ما دعاهم إلى طلب أمين ولا على مقدار المدة التي مكث فيها أبو عبيدة بينهم.
القطان
تفسير : القصص: الحديث، الخبر والبيان. تولوا: أعرضوا. ان ما نقصّه عليك ايها النبي الكريم هو الخبر اليقين فلا تلتفت الى ما يفتريه اليهود على عيسى وأمه، ولا الى ما يزعمه النصارى من تأليه وبنوّة، فالحقّ الذي لامريةَ فيه انه ليس هناك إلَه غير الله، وانه تعالى هو ذو العزة الذي لا يغالبه فيها أحد، والحكمةِ التي لا يساويه فيها أحد ـ حتى يكون شريكا له في ألوهيته، أو نِدّاً في ربوبيَّتهِ. فإن أعرضوا عن الحق الذي تعرضه عليهم، ولم يقبلوا عقيدة التوحيد التي جئت بها، فهم مفسدون، والله أعلم بحال هؤلاء، ولسوف يجازيهم على سيئات أعمالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (62) - هذا الذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أمْرِ عِيسَى وَأمِّهِ هُوَ القَصَصُ الحَقُّ الذِي لا معْدَى عَنْهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلهٌ غَيْرُ اللهِ، وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ فِي قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ فِيمَا قَضَى بِهِ. القَصَصُ - تَتَبُّعُ الأثَرِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الحَدِيثِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} [آل عمران: 62] يلفتنا إلى أن ما يرويه الحق لنا هو الحق المطلق، وليس مجرد حكاية أو قصة، أو مزج خيال بواقع، كما يحدث في العصر الحديث، عندما أُخذت كلمة القصة في العرف الأدبي الحديث - القادم من حضارة الغرب - إن القصة بشكلها الحديث المعروف إنما يلعب فيها الخيال دوراً كبيراً، لكن لو عرفنا ان كلمة "قصة" مشتقة من قص الأثر لبحث أهل الأدب فيما يكتبون من روايات وخيالات عن كلمة أخرى غير "قصة"، فالقصص هو تتبع ما حدث بالفعل لا تبديل فيه ولا أخيلة. وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 62] فإذا جاء القصص من الإله الواحد فلنطمئن إلى أنه لا يوجد إله آخر سيأتي بقصص أخرى، ولأن الله الواحد هو {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [أل عمران: 62] أي الغالب على أمره، ومع أنه غالب على أمره فهو حكيم في تصرفه. لكن هل اتعظ القوم الذين جادلوا؟ لا، إن الحق يقول: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} معناهُ الخَبرُ اليَقِينُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} [آل عمران: 62]، وما دونه الباطل {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ} [آل عمران: 62]، خالق {إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 62]، يخلق ما يشاء كما يشاء أجزاء على السنة، أو على إظهار القدرة، {إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 62]، الذي {هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، ولا خالق له {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} [آل عمران: 62]، ليس له ضد ولا ند {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 62]، فيما يخلق ويحكم، ولا عبث في خلقه وحكمه {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [آل عمران: 63]، عن حكم من أحكامه واعرضوا عنه {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] الذين شهد عليهم الملائكة بالفساد في قوله: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله تعالى: إني أعلم المصلح منهم والمفسد، ولا تعلمون منهم إلا المفسد، كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة: 220]، فيجعل المفسد فداء المصلح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يوم القيامة لم يبق أحد منكم، إلا أعطى يهودياً، فقيل: هذا فداؤك من النار"تفسير : ، صحيح أخرجه مسلم. ثم أخبر عن جواب أهل الإعراض بقوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [آل عمران: 64]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أشار بقوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64]، إلى أن أصول الأديان كلها، إخلاص العبودية في التوحيد، {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5]، وقال: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [آل عمران: 64]، لا نطلب منه غيره {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 64]، في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط، {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [آل عمران: 64]؛ يعني: من أعرض عن هذا الأصل {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ} [آل عمران: 64]، أنتم لنا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد والإخلاص في العبودية، ونفي الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام؛ ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما شهد لهم المسلمون كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "حديث : إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن وإنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة"تفسير : ، وفي رواية أخرى "حديث : لا يسمع صوتك شجر ولا حجر، ولا جن ولا إنس، إلا شهد لك"تفسير : ، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : فإن المؤذن يغفر له مدى صوته، وشهد له كل رطب ويابس"تفسير : ، وليكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة، حجة على أنفسهم، والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):